كاظم شمهودبعد فشل الحروب الصليبية الاوربية على الشرق في القرن الثاني عشر والتي دامت حوالي قرنين اصبحوا يتحسسون تفوق الشرق عليهم حضاريا وعلميا ومدنيا، كما اكتشفوا القيم الانسانية والجمالية التي تحملها شعوب الشرق، ولهذا اخذوا ينظرون الى ثقافة هذه الشعوب و الاسلام تهديدا والغاءا (لحضارتهم)، فابتدعوا طريقة اخرى لا تحتاج الى حروب ودمار وخراب، وهي ارسال الرحالة الى الشرق لدراسة ومعرفة نقاط القوة والضعف في المجتمعات الشرقية، فظهرت الروايات الكاذبة التي ينقلها هؤلاء الرحالة والتي تصور الشرق بابشع الصور الوحشية والتخلف. والهدف من كل ذلك هو منع زحف الاسلام وانتشاره وتشويهه، من جهة وتقوية العقيدة المسيحية في قلوب المؤمنين في اوربا من جهة اخرى. وكذلك تبرير تدخلهم في الشرق وشن الحروب عليه بحجة انقاذ هذه الشعوب وتحررها من التخلف والحكام المتسلطين على رقاب الناس ونشر الحضارة الغربية فيها. ونجد اليوم هذه السيناريوهات الغربية تتكرر في بلداننا العربية بحجج وتبريرات كثيرة، كنشر الديمقراطية والحملة على الارهاب وغيرها، ويبدو ان الانسان مهما تطور حضاريا ومدنيا فانه لا ينفك ولا يكل ولا يمل من الحروب. واتذكر جماعة معروفة تسمى الدادائية ظهرت في بداية القرن العشرين، وقد جاء في ادبياتها بان كل هذه الحضارات السابقة والحاضرة لم تستطع من ايقاف الحروب؟. ولهذا ذهبوا الى العبثية والتطرف ودعوا الى حرق المكتبات والمتاحف؟

الروايات الكاذبة

1222 آسور بانيبال 1وقد انعكس التشويه على الادب والفن الغربي حيث نجد الكثير من الروايات والاعمال الفنية التشكيلية قد تطرقت الى صور العنف والجنس والشذوذ والتخلف. مثلا نجد ان الشاعر الانكليزي بايرون قد كتب مسرحية شعرية عام 1821 سماها -موت ساردانابال – وقد وجد بايرون شخصية ساردانابال في الآداب الاغريقية حيث شوهوا صورة الملك العظيم آشور بانيبال ووصفوه بانه رجل غارق في اللهو والنساء والخنث، كي يسقطوا ويحطموا وينقصوا من عظمة الحضارة الآشورية ، وقد وصلت هذه الصورة المشوهة الى بايرون ولم يلتفت الى حقيقتها. ولكن عندما ذهبت بعثة علمية فرنسية للتنقيب في المدن الآشورية في شمال العراق في القرن التاسع عشر، واطلعوا على مكتبة وحياة آشوربانيبال، وجدوا هناك ملكا عظيما امتدت امبراطوريته الى بلاد الشام ومصر وبلاد فارس، وانه ليس كما ورد في كتب الاغريق ومسرحية بايرون من تشويه.

ومن الفنانين الاوربيين المعروفين الذين رسموا هذه المسرحية ووقعوا في نفس الخطأ والتشويه الذي وقع فيه الآخرين هو الفنان الفرنسي ديلاكروا حيث رسم لوحة عام 1827-1828 اطلق عليها اسم – موت ساردانابال – واللوحة تعكس مشهدا اجراميا بشعا، حيث يذكر ان الملك قد حاصر قصره الاعداء في نينوى، فقرر ان يجمع حاشيته ونساءه في القصر ويغلق الابواب، ثم امر جنوده بقتل واحراق كل مافيه.. هذه اللوحة موجودة اليوم في متحف اللوفر في باريس. وقد ورد ردا على هذه القصة المشوهة للملك آشور بانيبال في بعض الكتب والمصادر العربية منها – الفن والجمال – للناقد والمؤرخ جبرا ابراهيم جبرا، والذي اكد ان القصة والمسرحية مشوهة وغير صحيحة.

1222 آسور بانيبال 3

وقد ورد في كتب بعض الرحالة تصف الرجل الشرقي بولعه في الجنس والمرأة الغاوية، كما ذكرت بان كليوباترا استقبلت انطونيو الروماني في فراشها، ولهذا يعتبرون العرب شهوانيين وفساقا حتى في داخل الاماكن المقدسة.. وكان هؤلاء الرحالة الضعفاء النفوس يتقاضون من حكامهم اموالا طائلة مقابل كتابات الروايات الكاذبة والمشوهه..

1222 آسور بانيبال 2

 الرحالة المنصفون

ولكن هناك من الرحالة الاوربيين من انصفوا في الكتابة عن الرجل الشرقي والحضارة الشرقية، واعتبروه موطن الشعر والحكمة والفلاسفة والادب والموسيقى، وقصص شهريار وشهرزاد والف ليلة وليلة، وانه مهد الحضارات الانسانية ومدنيتها، مثل المفكر الرحالة - هيردر Herder 1744 – حيث درس اللغة العربية والعبرية والف كتبا في ذلك، وبالتالي رسم صورة ناصعة مشرقة للشرق. ومن الذين كتبوا ايضا عن الشرق بدون تحيز هو ادوارد لين Edward 1801 وقد جاء لين الى مصر ليتعرف على هذا البلد وعلى الثقافة والادب العربي، فعاش مع المصريين وشاركهم في تقاليدهم ولبس لباسهم فسموه – منصوربيك – وكتب عن كل ما رآه بدقة وموضوعية، ثم اصدر كتابا سماه – تقاليد المصريين المحدثين وعاداتهم 1831 – كما ترجم كتاب الف ليلة وليلة الى اللغة الانكليزية واضاف اليه هوامش مهمة، وبعد ان اتقن اللغة العربية جيدا الف قاموسا عربيا انكليزيا يقع في 12 مجلدا عام 1863.. لازال يعتمد عليه في الدراسة والبحث عن المعاني. ويعتبر لين من الرحالة المستشرقين المحبوبين عند الغرب ومحترم عند بعض العرب..

 1222 آسور بانيبال 4

 

د. كاظم شمهود

 

94 ابراهيم العبدلي 1عندما نقف في امان الى جانب اعمال الاستاذ ابراهيم العبدلي ونتأملها بما تحفل به من خيالات واسعة ومواضيع متنوعة عن البيئة والتراث العراقي الشعبي، يمكن لنا ان نصنع من بعض مختاراتها كتابا من اكثر الكتب تأثيرا واكثرها قربا الى مشاعر الناس، ونلمس فيها ما يبرز من المجد الذي يكلل جهدا روحيا عظيما من الانتصار الذي حققه صبر هذا الفنان .

ويعمل الاستاذ العبدلي ضمن تجربة ومعرفة موضوعية للحرفة في اسلوبه الواقعي والتأملي في موضوعاته وتقنياته، وهي اشارة الى التعامل العقلاني في تنفيذ اعماله . ولم يكن فوضويا في تنفيذها، انما كان جل اهتمامه بان يجعل لوحاته حصيلة فذة للتركيز على اللون والفكرة او الموضوع.. وقد هيمن على اعمال ابراهيم العقل الواعي والقصد والحس المرهف. وكان يخطط لتكويناته الخاصة بعناية فائقة.

94 ابراهيم العبدلي 2

ونجد في اعماله الخط غائبا، الذي اعتمدت عليه المدرسة الوحشية وكذلك مدرسة الواسطي البغدادية، وانما اللون يلعب وجودا حيا من التعاطف والتآخي مع محيطه حيث تسير الالوان بحرية مع فرشاة انطباعية راقية مولدة بحركتها ايقاعات تتفاعل مع بعضها بتناغم جميل .

واستخدم ابراهيم في تقنياتة اصباغ ومواد مختلفة من الزيت والكريلك وغيره وكذلك المائيات على الورق وبطريقة عفوية حرة تذكرنا باعمال بعض الفنانين الانطباعيين مثل سيزان .

94 ابراهيم العبدلي 3نجد في اعمال ابراهيم روحانية وخيال وتأمل، وهو يعود بنا الى الجذور الشرقية والفن الاسلامي بروحه والوانه الساطعة والحارة وكذلك المدرسة الانطباعية حيث الاختزال والرقة في البناء الانشائي وغياب الخط الذي يعوض عنه بالتضادات اللونية التي تبرز الاشكال والالوان والقيم الجمالية ...

اما المواضيع فهي مستقاة من البيئة العراقية وخاصة البغداية .. من شناشيل وعربات الربل والحصان العربي والطير والمناظر الطبيعية والمرأة البغدادية برقتها وجمالها وعفتها التي تبهر الناظر اليها ..

وبالتالي نصبح امام اعمال لها مظهرين من مظاهر الادراك وهما: الادراك العقلي والادراك الحسي. وبهذه المناسبة ننقل رواية تاريخية من من بطون كتبنا العربية تقول ان هناك مطارحات حدثت بين عقليتين كبيرتين، بين الشاعر الكبير ابو نواس وبين صاحب المنطق المعتزلي ابراهيم المعروف بالنظام، وهو حوار بين المنطق الصوري والمنطق الجدلي او موقف صاحب الشكل وصاحب المضمون او بمعنى آخر اتباع الادراك الحسي واتباع الادراك العقلي . وكان الجدل يدور حول ان الفنان او الشاعر كالصوفي يبحث دائما عن المحجوب يبصر مباهج الكمال والجمال . لذلك صاح ابو نواس في وجه النظام: عرفت شيئا وغابت عنك اشياء . اي عرفت من الشكل واحد – بالادراك الحسي – ولكنك فقدت معرفة - الجوهر- معرفة اشياء كثيرة دون الادراك العقلي .....

وقد حول سيزان الادراك العقلي الى حسي عندما ابتعد عن التناقضات الحياتية باتجاهه الى الانطباعية او الى الطبيعة وهو القائل: (اعتقد انني اصبح اكثر صفاء في مواجهة الطبيعة). اي انه يتلقى المؤثرات الجمالية كالشاعر من الواقع الذي حوله

الاسلوب في اعمال ابراهيم

الملاحظ في اعمال ابراهيم وجود صفتين مجتمعتين الاولى هي الصفة الواقعية او التمثيلية حيث ينقل لنا بفرشاته الواقع المحسوس والمنظور المتمثل في البيئة العراقية الغنية بمواضيعها وتراثها العريق، ولكن نقلا تأمليا ابداعيا يلامس مشاعر المتلقي وجوهره .

فالعقل عنده لا يحد من تصوراته حيث يهيم محلقا فوق مساحة سطح اللوحة ليخلق فيها تلاحما او تشابكا بين الشكل واللون واللذان يؤديان بالتالي الى التناغم المشترك الذي يعد شيئا جوهريا في العمل الفني، ولكي يحقق ذلك التناغم عليه ان يعتمد لا على رؤيته البصرية فقط وانما على احاسيسه ومشاعره الداخلية .

والمدرسة الواقعية لها تاريخ طويل، حيث يعتبر جوستاف كوربية 1819- 1877 – مؤسس هذه المدرسة في الفن التشكيلي في اوربا . وقد فتح نظرية جديدة غير مألوفة من قبل وهي نظرية - الواقعية – حيث اكد على رسم الاشياء كما هي في الواقع دون اللجوء الى الخيال والمثالية، كما كانت عند المدرسة الكلاسيكية القديمة والحديثة . وحيث يمكن التعبير عن الافكار والتصورات الواقعية كما يشاهدها البصر وكما هي في الواقع . وكانت هذه النظرية قد اعتنقها الفكرالاشتراكي البروليتاري في روسيا في بداية الثورة واسسوا عليها المدرسة الاشتراكية في الفن ... ..

94 ابراهيم العبدلي 4

اما الصفة الاخرى التي نشاهدها في اعمال ابراهيم هو الاسلوب الانطباعي حيث الغنائية اللونية والشاعرية العذبة والطروبة ولمساة الفرشاة الساحرة والراقية ... وتعتبر الانطباعية او التأثيرية- 1874 - مذهباً فنياً جديداً أتسمت بالعلمية غير أنها تعتبر استمراراً لاساليب المطابقة السابقة ولكنها اكثر تقدمية واكثر واقعية من واقعية المصور الفرنسي كوربية . لهذا لقبت الانطباعية بالواقعية العلمية . ويعتبرها البعض الحد الفاصل بين المدرسة الكلاسيكية القديمة وبين المدارس الفنية الحديثة .. وكان مونيه زعيم هذه المدرسة يرسم البرك المائية والامواج ويكرر ذلك في اوقات مختلفة دارساً التأثيرات الضوئية على المنظر الطبيعي وكذلك الظل والضوء .. وكان يقول: (أن البحر سبب وجودي).

ومن صفات المدرسة الانطباعية هو رسم المناظر الطبيعية واللمسة العريضة والضربات الجريئة واحياناً اختفاء الخطوط التي تحدد الاشكال حيث عوضت عنها بالظل والنور . وهذا مانجده في اعمال ابراهيم الانطباعية ولكنها لها خصوصية تنتمي الى الواقع والبيئة العراقية، والطبيعة دائما هي ما هي عليه ولكن لا شئ يتبقى منها لا شئ مما نراه ولابد لفننا من ان يمنح تلك الطبيعة معنى الاسنمرار الى جانب مظهر كل تغيراتها فيساعدنا هذا على الاحساس بالطبيعة كشئ ابدي، وهذا بالتالي يقودنا الى ان كل ما وراء المظاهر المرئية تكمن هناك حقيقة باقية وان وظيفة الفنان هو كشف تلك الحقيقة .

و المعروف ان الالوان الرئيسية تتحطم عندما تمتزج مع بعضها. وهناك طرق كثيرة في مزج الالوان في تخفيفها او تعادلها او تقويتها ذكرت في كثير من الكتب القديمة والمعاصرة . وكان ولازال ابراهيم واعيا لهذا المعادلات اللونية فهو يرسم كاستاذ وصاحب تجربة وخبرة علمية منذ مطلع الستينات من القرن العشرين الى اليوم في خط تواصلي مستمر دون انقطاع او توقف .

الاستاذ ابراهيم العبدلي له باع وسيرة مشرقة طويلة وغنية في الفن العراقي، وقد كتب عنه اساتذته رواد الفن العراقي امثال فائق حسن واسماعيل الشيخلي وغيرهم وقد اثنوا عليه واشادوا بمكانته الفنية ودوره الريادي في حركة الفن العراقي المعاصر . والعبدلي هو خريج اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1965، ثم اصبح استاذا في معهد الفنون الجميلة في بغداد ومحاضرا في اكاديمية الفنون الجميلة، ثم انتقل الى السعودية للتدريس وبعدها مدرسا في جامعة البترا في الاردن . اقام عدة معارض فنية وحصل على جوائز عديدة ... تعرفت عليه في الاردن في حوالي عام 1996 ايام الحصار الظالم على العراق وحليت عليه ظيفا في بيته في عمان فاستقبلني بحفاوة وتكريم واهداني احد كتبه الموسومة .

 

د. كاظم شمهود طاهر / 2019 – مدريد

 

 

93  فاطمة الزهراء كريش 1لوحة "إشراقة" نموذجا

الفنان التشكيلي ترجمان حياته الخاصة، ومشاعره ومعتقداته، وفلسفته ونظرياته، كما هو في مقابل ذلك؛ ناطق مبين لحياة المجتمع الذي يعيش فيه، منتميا إلى طبقة اجتماعية معينة تتنوع مشاربها ومراجعها الفكرية والإيديولوجية، والثقافية واللغوية، والاقتصادية والسياسية... وينهل من ذلك كله ما يبلور به لوحاته التشكيلية من تيمات و أفكار... وهذا ما تسلكه الفنانة " ف. ز. كريش " في تجربتها الإبداعية؛ لتتجلى في لوحاتها حدثية وجودها الذاتي كفنانة، كما المهني التواصلي، والثقافي والإنساني.. وخصوصياتها الفنية والمعرفية، وبالتالي تحول الهيولي في عالمها التشكيلي إلى أثر بصري.

بمعنى أنها تنقل الواقع إلى اللاواقع، إذ تذهب بعيدا في ذلك، وتغور فيما تبدع إلى حدوده القصوى، الى تجرداته المتناهية؛ فتصير حينها رديفة الفيلسوف، تتعاطى مع الحركة والتغير، والزمن والحدث، والكينونة والهوية، والباطن والظاهر، والروح والجسد... وبلغة بصرية متفردة، تطرح الأسئلة الانسانية العميقة الكبرى ... يألف المتلقي اللوحة التشكيلية بما تكتنزه من جمال وتعبير فني يستهويه، أما بالنسبة للناقد والقارئ المتفحص، فتشكل عالما حيا يتضمن مجموعة من المكونات والعلائق وسياقاتها، والتي تسمح لهما باستخلاص تلك القوانين الناظمة، التي تقوم عليها اللوحة داخليا وخارجيا، وبالتالي من خلال ذلك يمكن الإمساك بأسرار الفنانة في سبك متنها الفني ودلالاته ورموزه.

أعمال الفنانة تترجم تجربتها في الحياة والعالم، في نطاق ما يتمخض من أحداث وسلوكات ووقائع ومفاهيم وسياقات وروحانيات، تتبلور في منحنيات زمنية متحركة غير ثابتة، تفاعلية، انفعالية، تنطلق ضمنها الفنانة، كذات فاعلة، من الماضي نحو المستقبل، مرورا بالحاضر - المشكل للمشهد التشكيلي الراهن - فتصبح، هكذا، الأفكار والرؤى والإبداع، فضلا عن القدرة على الخلق ممكنة. وتسير تلك المنحنيات بكل حيثياتها المؤثرة، من المستقبل إلى الماضي، بمعنى: أن الزمن يتحرك اتجاه الفنانة من الأفق "المستقبل" ليصبح لديها في لحظة الإبداع؛ حاضرا، يشكل راهنها الفني، ثم يلوي هذا الحاضر شطر الماضي تاركا بصمته في الصرح الفكري الفني، الفردي والجماعي للتشكيل المغربي. وهكذا تقوم العلاقة بين المتلقي وبين الفن من جهة أولى، وبينه وبين الفنانة من جهة ثانية، بناء على مدى تعبيرية وتواصلية لوحات الفنانة، وبما يمنحه فنها، ذاك الفن الحاوي للجمال والمتعة واللذة والتأمل.. فالفن عند الفنانة، فضلا عن كونه فنا خالصا؛ هو رسالة تواصلية، وإنسانية جليلة تصهر الذات في الآخر، والآخر في الذات أثناء التواصل والتفاعل .

93  فاطمة الزهراء كريش 2

"على شرفات الروح"

فالفنانة عبر فنها، تشكل فاعلا يسقل المجتمع على مستويات عدة: جماليا وفنيا ومعرفيا... من خلال عملية التلقي، ليس فقط ، من خلال، علاقة اقتناء اللوحات من طرف الزبناء؛ بل تصبح علاقة تأثير وتأثر ، وفعل وتفاعل ، فتغدو العلاقة ضمن ذلك ( في جوهرها، علاقة موقفية تعتمد على " طبيعة التفاعل " بيننا وبين العمل الفني في " موقف معين "، وهذه خاصية لا تعمل ضد الفن بل تعمل معه، وكلما كان العمل الفني قادرا على التنشيط والتأثير في مواقف متعددة، تعددت تفسيراته وتأويلاته ومستوياته، وكان هذا العمل أكثر خصوبة وثراء. فالعمل الفني الذي ينحصر في عمليات التزيين أو الديكور فقط، هو أقل قيمة من ذلك العمل الفني الذي يكتنز الرسائل الوجودية والدلالات المعرفية والأسئلة الجمالية والثقافية والفكرية... وبالتالي، هذا الأخير هو الذي، يكون أكثر أثرا وتأثيرا من حيث الاستمتاع الجمالي التأملي والانفعالي، وتحقيق الارتقاء الثقافي والاجتماعي والعلمي والتعليمي والاقتصادي والأخلاقي للإنسان. وبهذا المعنى فإن أعمال موتسارت التي يستفاد بها خلال الموقف الخاص بتأملها والاستمتاع بها جماليا في رفع ذكاء الأطفال، تساهم على نحو غير مباشر في تكوين جيل قادر على التعلم، والاكتشاف والإبداع، وبما يترتب على ذلك من عمليات تقدم اجتماعية وثقافية واقتصادية مهمة).

93  فاطمة الزهراء كريش 3

"تموجات روحانية"

وعلى هذه الشاكلة يغدو الفن فاعلا في المجتمع وفي الفنانة نفسها؛ والتي لا تنفك تستوعب ذاتها ومحيطها ومجتمعها والعالم كله من حولها، وتعبر عن ذلك بإبداعها التشكيلي، حيث الفن (هو استخدام خاص للمهارة والخيال في إبداع وإنتاج موضوعات وبيئات وخبرات جمالية يشترك فيها الفنان مع الآخرين، ويشتركون هم بدورهم فيها مع بعضهم البعض) . وهذا؛ ما نلمسه في أعمالها الحالية.

فالفنانة فاطمة الزهراء كريش، تنحدر من الفرع الفنان والمثقف من عائلة كريش بفاس. حيث تأصلت فيها نزعة الفن منذ كانت تدرس بالابتدائي، فحاكت في رسومها الطفولية الطبيعة والأشخاص والأمكنة والأزمنة.. فشكلت تلك الأعمال إرهاصات كينونتها المبدعة، التي اعتمدت فيها على إحساسها وتجربتها الفنية، الفطرية الفتية. وأما أعمالها الحالية فتنزاح إلى التعبيرية التجريدية، بائحة عن مكنون نفسها وذاتها وعالمها المعيش بكل منابعه الإنسانية، كينونة وهوية وفعلا وتفاعلا. ففي رحاب مختبر التجربة التعبيرية التجريدية، تتشكل لوحات الفنانة متونا للمعنى، من حيث الوجود، وذلك من خلال المادة الخام، والفعل، والحركة، واللون، والإيقاع، والشكل... وبالتالي تبلور الفنانة دلالات وظلالا للمعاني يتحسسها المتلقي عبر شعوره وفكره، ضمن تجليات مفردات أعمالها.

93  فاطمة الزهراء كريش 4

"شرنقة الخروج الأول"

فالتجريد في لوحات "ف. ز. كريش" قد يبدو للرؤية الغرة خربشة وخدشا عبثيا للريشة على السند، أو آثارا وإشارات ورموزا فائضة بلا معنى.. بل، هو تعبير عن جواهر الأشياء والموجودات والأحداث، من خلال ترميز أعراضها المهاجرة، وترميز صفاتها ومحمولاتها المتعددة والمتغيرة. والتي تنفذ في منجزها التشكيلي شفافة؛ تعبر في مكان ما، عن الحقائق والقوانين والضوابط الناظمة للحياة، وتطرح الإشكالات والتحديات...

إن لوحة "إشراقة"، تنحت عنوانها من موروث صوفي يغرق في المثال والصفاء، والنقاء والحب والمحبة، وهي سمات وإيحاءات تفيض في/من ألوانها وتدرجاتها ولمسات ريشتها..  ومن خلال قراءة روحية ووجدانية، مع تذوق متعمق لهذه اللوحة "، الرؤية تغدو نافذة إلى مملكة الباطن، حيث ينبعث نور من العالم المجرد إلى الذهن، يحث على تلمس المعنى وظلالها؛ فتنجلي تلك المعاني الروحية، وينكشف سر "إشراقة" ومكنوناتها، ومن ثم ترتقي الأخيرة متألقة صوب مقام وجداني استثنائي، مثلما يكون عليه "الحلول".. فيتبدى حينها المتن التشكيلي لـ"إشراقة" متسربلا بالروحي المتصل بعوالم الباطن وجلائه، ويمزج ما بين رؤيتي البصر والبصيرة؛ حيث تحل العيون في القلوب، والقلوب في العيون.

فالبنائية التشكيلية العامة لـ"إشراقة"، تتبلور في انسياب حركي، دائري، وشبه دائري، مائل، ومتموج، بينما إيقاعات منحنياته  تتداخل أحيانا، وتتقاطع أخرى، وتتقارب وتتجاور وتتباعد مفتوحة على الجهات الأربع، وكأننا بها شذرات شِعْر متطايرة تبحث عن شيء مفقود مرتقب التجلي. أما ألوانها فتتميز بالرقة والنعومة؛ فيما أشكالها الأنثوية ساكنة، تنحدر من الأرجواني وتدرجاته، ومن ظلال زرقاء خافتة حد الرمادي، تلك الظلال المنقبة عن الدفء والدهشة والإثارة...

"إشراقة" اللوحة المنطلقة من عتمة الحدث الأنثوي، والمتطلعة إلى الانعتاق من حلكته من خلال ما تتضمنه من ألوان وأشكال ومسحات ملأى بالرمزية والدلالة، والتفاعلية. لا تنفك تستدعي المتلقي والفنانة معا، لاستحضار سؤال متعدد الروافد: ثقافية واجتماعية ومعرفية...إلخ؛ "متى يتحقق انعتاق الأنثى من ربقة الذكورية وهمومها في العالم العربي؟"

 

عبد العزيز قريش ـ المغرب

باحث في علوم التربية

 

كاظم شمهودكان للفنون البدائية التي تسودها الاساطير والخرافات والالغاز ايقاعها الجمالي عند الانسان الفطري حيث كان يسجل ما يراه وما يريد ان يقوله ببراءة وتلقائية، ولم تختلف حساسيته الجمالية عن الفنان المعاصر. وبالتالي اصبحت تلك الفنون القديمة بمثابة المنجم الذي لا ينضب له معين والتراث الفني الذي استمدت منه الفنون المعاصرة بشتى مذاهبها. فعندما نتامل مسيرة هذه الفنون انما نتأملها من تلك البانوراما الهائلة للفن العالمي والتي تجمع بينها في صعيد واحد ككل. ومن هنا يضل الامتداد قائما بين اتجاهات جميع الفنون وطرزها من الكلاسيكية الى الاتجاهات المعاصرة..

قد تكون تجربة الفنان الايطالي جيوتو 1267 م الذي عاش قبل فناني عصر النهضة اكثر شاعرية وحلمية من فناني عصر النهضة رغم انها بدائية وبسيطة ولكنها واقعية في التمثيل والبراءة، وهناك من الكتاب المعاصرين شديدي الصلة والحب الى تلك الحقبة التاريخية حيث يجدون فيها مهربا روحانيا من ماديات العصر الحديث. وبعد موجة الفن الحديث والتخلي عن قواعد النقد الكلاسيكية التي وضعها الاغريق اصبح التقييم اليوم والحكم على اعمال الفنانين مرتبطا بالتذوق ودرجة الحس الشخصي من جهة والبعد الثقافي والتاريخي الذي يعمل على التقيم من خلال عنصر المقارنة من جهة اخرى... واتذكر انني قرأت عن المفكر والناقد جبرا ابراهيم جبرا حيث سأله احد المثقفين من انه لم يتعرض في نقده الى سلبيات الاعمال الفنية فاجابه بانه ينظر الى اشراقة الاعمال وسطوعها ويعرض او يبتعد عن سلبياتها لان الاحكام هي ذوقية شخصية.

92 ابو زيدون حنوش 1

(واحب ان اشير الى نقطة مهمة وهي انني في كتاباتي اعرج الى مواضيع واحداث كثيرة ذات صلة وذلك لاغناء المادة الفنية ولتكون محطات تأمل وتفكر..)

والحديث عن اعمال الفنان ابو زيدون حنوش هي مجرد طرح وجهات نظر شخصية لتجربة مرة بها خلال عقود من الممارسة والحركة الدؤبة بين التصوير المنظور والنص المكتوب وقد مارس حنوش الكتابة والتدريس وصدر له كتابا –(من الفرات...اللوحة نهاية ومصير)- حيث فيه يربط الفكر الجمالي بين افكار افلاطون وبين الفن الاسلامي. وقد عرفت حنوش منذ ان حل في مدريد عام 1981 انسانا راقيا وطيبا وفنانا مخلصا لعمله ولعلاقاته الانسانية مع الجميع...

وفي هذا الخط نجد الكثير من المثقفين والفنانين قد مارسوا الكتابة الى جانب الرسم فكان لوركا مثلا شاعرا وروائيا بارزا وكان في نفس الوقت رساما، وقد شاهدت له معرضا في مدريد في مطلع الثمانينات، وكذلك الشاعر رافائيل البرتي كان قد درس في مدرسة الفنون في مدريد واقام له معرضا شخصيا. وفي عالمنا العربي نجد نزار قباني رساما ومصمما لبعض كتبه الشعرية، وكذلك الفنان شاكر حسن ونزار سليم وغيرهم، هؤلاء لم يتوقفوا عند حدود الرسم بل كان لهم تمدد ورؤى فنية دفعتهم الى انتاج كتابات مهمة لاستقصاء اسرار الرسم وما وراءه من ماهيات وفلسفة. ويذكر ان بيكاسو في احد فترات حياته توقف عن ممارسة الرسم لمدة سنتين في فترة الثلاثينات وكرس وقته للكتابة، وقد سأله احد اصحابه الفنانين ما رايك في رسوماتي؟ فقال له ضاحكا (انها بجودة كتاباتي) يعني اننا نعيش في عالم التجريب.

92 ابو زيدون حنوش 2

كما يذكر الناقد جبرا ابراهيم جبرا بان ابو نواس مارس الرسم فمن كان بارعا في الشعر والوصف لابد ان يكون بارعا في الرسم واللون وسحره، والتجربة الشعرية عنده كثير ما تكون تجربة رسام يمسك بخيطها بانفعالات مؤثرة على نفس المتلقي. وقد صور لنا احد جلساته في حانة السمر بعدد من اشعاره.

تدار علينا الراح في عسجدية    حبتها بالوان التصاوير فارس

قراراتها كسرى وفي جنباتها     مها تدريها بالقسي الفوارس

و كذلك نجد هناك البحتري وقصيدته في وصف ايوان كسرى بالمدائن ومقطعا رائعا يصف فيه لمعركة مرسومة على احد جدران القصر. يذكرنا برسامي عصر النهضة..

واذا ما رأيت صور انطا    كية ارتعدت بين روم وفرس

و المنايا مواثل وانوشر     وان يزجي الصفوف تحت الدرفس

و عراك الرجال بين يديه   وفي خفوت منهم واغماض جرس

هذه المقاطع الشعرية تعطينا انطباعا واضحا بان فن التصوير كان منتشرا في العراق وليس هناك توقف عن ممارسته وان الفنان المسلم كان يرسم للملوك والامراء وطبقة الاغنياء والاشراف وان التحريم لم يطبق في تلك المرحلة رغم تشديد الفقهاء.. 

اللون عند حنوش

ان اول ما يجذبنا الى اعمال حنوش الاخيرة هو اللون فهو يشكل الواجه الاولى للمتلقي حيث تتوزع الالوان على سطح اللوحة بغنائية جميلة وعذبة وتنتشر على شكل بقع مسطحة او اشكال هندسية متناغمة فيما بينها واحيانا متباينة... واللون كما هو معروف عنصرا مهما لتأكيد المشاكلة في الصورة وانه يستخدم احيانا بشكل رمزي كما هو عند الفنان البدائي والطفل، حيث توضع الالوان كما هي حارة ساطعة ومباشرة، وقد انتشر هذا اللون من الاستخدام في العصور الوسطى، كما هو عند الفنان الايطالي جيوتو الذي ذكرناه سابقا حيث نجد في اعماله نوع من البراءة والرومانسية.. كما نجد في الاسلوب الرمزي حرية وبهجة مونقة وجمالية والاستخدام الخالص والنقي للالوان.. واللون النقي نجده مستخدما في المنمنمات الاسلامية مثل مدارس بغداد وشيراز وهرات وتبريز وغيرها.. وحسب المؤرخ المصري لطفي صالح بان اللون في الفن الاسلامي يأخذ دور المتعة والزخرفة.. وكما هو ايضا عند زعيم المدرسة الوحشية ماتيس حيث كان في رسومه والوانه يبحث عن معاني الجمال مما دفعه ذلك للعيش فترة من الزمن في بلاد المغرب لدراسة الفنون الاسلامية، وبالتالي شكل مدرسة جذورها اسلامية.

 ونحن نعلم ان النفس تميل الى الكمال والجمال لهذا فان فلسفة الجمال في الفن الاسلامي قائمة على مدى تأثير الفن على النفس الانسانية حيث يجعلها شفافة نقية تبتعد عن كل ممارسة قبيحة وسيئة، ومن هنا جاءت الدعوه الى التجمل لما له من اثر في العلاقات الاجتماعية...

ونجد الالوان عند حنوش تثير الحسية والبهجه وقد رتبت بتذوق جمالي راقي يعيشه قلب الفنان.. ويقول المفكر الانكليزي راسكين (اللون يقصد من اجل الراحة الدائمة للقلب الانساني وبهجته).. ولم يبخل حنوش في منح اللوحة ثراءا لونيا يثير المشاهد عاطفيا وذهنيا فاصبحت لوحته تتمتع برقة وغنائية جميلة.. وفي هذا النحو يقول سيزان كلما كان العمل الفني ثريا بالالوان ازداد تكاملا...

 وعند التأمل الى الوان حنوش نجد انواع من التباين وليس التنافر بمعنى هناك وجود الوان هادئه الطبقات الى جوارها او يحيط بها الوان عميقة وقوية وهذا التباين لا يمنع من الانسجام والتوافق بينها، بحيث يعطي التأثير الجميل في الشكل العام، وهو ما يدعوه الجماليون بشاعرية الالوان وغنائيتها.

92 ابو زيدون حنوش 3

الخط عند حنوش

الخط واللون والمساحة هي المرتكزات الاساسية التي يبني الفنان عليه عمله، فالخط عند حنوش ليس عشوائيا بل يعبر عن تأليفات ايقاعية وجمالية تنسجم مع غنائية الالوان منفذ بذههنية هادئة تحسب حساب لكل خطوة. فالاشكال ترسم بطريقة بسيطة كما هي عند الفنان البدائي الذي نرى فيه الخط يلعب دورا كبيرا في تحديدها. ولكن هذا الخط تختلف ايقاعاته وانسجامه من شكل الى آخر حيث يتطلب جهدا ابتكاريا للوصول الى القيم الجمالية دون ان يتورط في الانحدار الى التشويه التي تحط من العمل. احيانا نرى الخط غير مكتمل في تحديد الشكل او اطرافه وكأنه يغوص في اللون وانغامه مما يعطي انطباعا بالترابط العاطفي بين الخط واللون.

و يعتبر الخط من اهم العناصر في الفنون المرئية. قال الفنان الانكليزي بليك كلما كان الخط المحدود مميزا ازداد كمال العمل الفني. كما قال الشكل الاغريقي شكل رياضي والشكل القوطي شكل حي، فالشكل الرياضي خالد في الذاكرة والشكل الحي وجود ابدي، ونحن نعرف بان الخط الغوطي فن خطي وكذلك الفن الاسلامي يمكن ان نقول عليه فن خطي، وبالتالي ندخل في احياء الشكل الهندسي والذي نرى فيه نزعة روحية او صوفية. وكما ذكر افلاطون بان الخط والدائرة والمخروط لها جمال مطلق، من هنا برر الفن الحديث وجوده وبحثه لما وراء الاشكال.. ونحن اليوم نعيش مدرسة حديثة تسمى المدرسة المفاهيمية والتي يتزعمها انتونيو تابيس ذو النزعة الصوفية حيث جعل الفكرة تعلو على الشكل وجعله في خدمتها..

يبني حنوش اشكاله ومواضيعه بناءا عموديا كما هو عند فنان المنمنمات، فنرى الاشكال موزعة على سطح اللوحة توزيعا ذهنيا وعائمة بين الالوان ويكون النظر اليها كمنظور الطائر فالجميع تحت النظر، كما نرى في اللوحة ايحاءآت لمواضيع كثيرة تستوقف المتلقي، واحيانا مزدحمة بالافكار.. يضاف الى ذلك يرسم بطريقة ايجازية مختصرة جدا وبرمزية صوفية فهو يختصر التفاصيل دون ان يكون ذلك له الاثر السيئ الذي يشوه الشكل العام. ومن صفات الصوفي هو التقشف والتقليل من الزاد والملبس.. هذه الاشكال الرمزية منفذة بطريقة تلقائية هاديئة جميلة تتدفق من اعماق ينبوع مشاعره واحاسية دون مشقة او تعب، فهو يرسم اشكاله بواقعية تخطيطية حرة مفتوحة على خلفية لونية معدة مسبقا، وعادة ما نرى بعض المواضع مستنبطة من التراث العربي والاسلامي.

و اذكر حكاية للفنان الفطري هنري روسو حيث يقول (ليس انا الذي يصور ولكن شخصا آخر يمسك بيدي عند التصوير) ويعني بذلك تلك التلقائية والبراءه التي صدر عنها انتاجه الفني في التصوير وتلك المشاعر الدفينة التي تحرك الرسام.

 السيرة الذاتية

ابو زيدون حنوش ولد في مدينة الكوفة عام 1958، ودخل معهد الفنون الجميلة في بغداد وتخرج منه عام 1979، ثم سافر الى ايطاليا لتوسيع دراسته بعدها حط في اسبانيا عام 1981، ودخل كلية الفنون الجميلة في مدريد عام 1982، ثم حصل على شهادة الدكتوراة وكانت اطروحته حول فن الواسطي عام 1992. اقام 38 معرضا شخصيا وعشرات المعارض الجماعية، كما حصل على 37 جائزة تقديرية بالاضافة الى المنح الدراسية التي حصل عليها من الحكومة الاسبانية.... وفي عام 2017 حصل على الجائزة الاولى لمسابقة جرت في مدينة بلاسينثيا Plasencia التابعة الى محافظة قاصرش Cáceres الواقعة جنوب غرب العاصمة مدريد. وقد اشترك في هذه المسابقة اكثر من 150 فنانا. اللوحة تحمل عنوان – الحلم الثالث – بمقاييس 150 في 150 متر..

ابو زيدون حنوش حاليا مقيم في مدريد ويمارسة عمله الفني والثقافي.

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودعندما بدأت الحرب الاهلية الاسبانية عام 1936 قام الجمهوريون بنقل آلاف الاعمال الفنية من متحف البرادو في مدريد الى المتاحف الاوربية بحجة بحثا عن الامان والرعاية وذلك لكي تكون بعيدة عن كوارث الحرب، ولكن يبدو في الحقيقة كانت نية وغاية الجمهوريين هو بيع هذه الكنوز والتراث الفني الاسباني على المتاحف والمؤسسات الفنية في اوربا وذلك لتغطية نفقات الحرب الباهضة امام زحف جيش فرانكو وحلفاءه الالمان، وقد اشارت الى ذلك صحيفة الوطن الاسبانية el pais، حيث يعقد هذه الايام مؤتمرا في مدريد بمناسة الذكرى ال 80 لعودة الاعمال الفنية الى اسبانيا.. من جانب آخر قام الجمهوريون باحراق الكنائس وقتل العدد الكبير من القساوسة ؟، وكانت هذه المعابد بمثابة متاحف حيث تحتوي على اثمن واغنى اللوحات والمنحوتات التي يعود بعضها الى فناني عصر النهضة، كما يذكر ان متحف البرادو في مدريد قد تعرض سقفه للحرق . وكان رئيس المتحف في ذلك الوقت يدعى فرانثيسكو خابير سانجث حيث امر عام 1936 بانزال الاعمال والقطع الفنية الثمينة وحفظها في الطابق الاسفل من بناية المتحف خوفا عليها من الحرق والسرقة والتلف ..

1194 بابل 1

وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية عام 1939 واخذت الفيالق المقاتلة الالمانية بقيادة هتلر تتقدم على بعض الدول وتحتلها مثل هولندا وفرنسا وغيرها، خلق ذلك هلع واضطراب وخوف عند المسؤلين في المتاحف الاوربية ولهذ اخذوا تجربة الجمهوريين الاسبان حيث بدأوا بنقل تراثهم الفني الى اماكن بعيدة عن كوارث الحرب وقنابلها المدمرة ووضعوها في اماكن اكثر امانا وحفظا كالانفاق والسراديب وغيرها، بعضهم نقلها الى دول ومدن اخرى لم تشترك في الحرب وكانت تعد بالآلاف، وكانت جيوش النازية عندما غزت هولندا وفرنسا حرقت ونهبت الكثير من المتاحف ونقلت بعض الاعمال الفنية المعتبرة الى المانيا، وعندما سقطت المانيا بيد الحلفاء وانتحار هتلر، وجدوا آلاف الاعمال الفنية محفوظة في اماكن خاصة تابعة بعضها الى هتلر ومساعديه وغيرهم . ويذكر ان هتلر كان في شبابه رساما، وقد شاهدت له بعض الاعمال في متحف طهران الحديث .

1194 مصر 1

عودة التراث الى اهله:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عادت الكنوز الفنية الاسبانية الى متاحفها قادمة من متاحف اوربا عابرة الحدود الفرنسية محمولة بواسطة شاحنات كبيرة، وكان من ضمنها اعمال الرسام المعروف فيلاسكس مثل لوحة – الاميرات – وكانت قادمة من فينا، كما كانت هناك اعداد هائلة من اللوحات في هولندا يقدر عددها ب 30،000 قطعة فنية وكانت مطوية باعتناء ودقة متناهية . اما اللوحات التي هربها الجمهوريون الى جنيف فتعد بالآلاف، وكان الجمهوريون قد تعهدوا بعدم عودة اللوحات الى اسبانيا ما دام فرانكو في الحكم، ولكن الحكومة السويسرية قد اعترفت بحكومة فرانكو وبالتالي كان لزاما عليها اعادة الاعمال الى اسبانيا خوفا من بيعها او تلفها . وفي نفس الوقت طلب بيكاسو بعدم اعادة لوحة جرنيكا الى اسبانيا حتى يذهب حكم الدكتاتور فرانكو . وفعلا عادت جرنيكا الى اسبانيا عام 1981 بعد موت فرانكو في زمن حكم الاشتراكيين واستقبلت في المطار استقبال الابطال المنتصرين وعمل لها استعراض حرس الشرف .

1194 مصر 2

اهمية التراث عند الامم

كثير من النقاد في الفنون التشكيلية وكذلك الادب يخلط ما بين الحداثة وما بعد الحداثة وربما متأتي ذلك من عدم اطلاعه جيدا على مفهوم المصطلحين وقد شاهدت احد النقاد وهو يعرض عملا حداثويا ويسميه ما بعد الحداثة وانجر خلفه عدد من المثقفين .. ومن الواجب علينا التنبيه الى ذلك للتذكير لعلها تنفع . الحداثة هي حركة ظهرت في بداية القرن العشرين وتمثلت في جماعة الدادائية والمستقبلية وقسم من جماعة السريالية وجماعية الفوضوية، وغالبا ما يكون هؤلاء من اليساريين، وان كان لها جذور تاريخية قديمة خاصة في الادب، وتهدف هذا الجماعات في ادبياتها هو الغاء التراث برمته وحرق المتاحف والمكتبات وعدم الاعتماد عليه في المنجز الفني والادبي، وانما العودة الى الطبيعة والخيال .. بينما ما بعد الحداثة فهي تعتبر التراث العمود الفقري للعمل الفني والادبي والعودة اليه يعتبر مصدر من مصادر الالهام والابداع والتطور، كالمدرسة الاشتراكية .

ونستطيع ان نلمس في ذلك التراث الفني القديم انه لم يكن فقط مصدرا للمتعة والزينة فحسب وانما الى جانب ذلك فهو هوية الشعوب وتاريخها وثقافاتها وتقاليدها ابتداءا من الحياة البدائية البسيطة حتى يومنا هذا وما حفلت به تلك الحضارات من منجزات علمية وفنية وادبية والتي اصبحت لنا ينابيع فياضة نتسقي منها مبتكراتنا وابداعاتنا الحديثة، وهي سجل حافل بالوثائق المصورة والمكتوبة وقد وصلت الينا نتيجة للحفاظ عليها ومراعاتها من التلف والضياع، ووضعها في متاحف ومراكز خاصة لتكون عبرة لاول الالباب .

1194 بابل 2

تراثنا في ضياع

عاد التراث الاسباني الى متاحفه وساهمت اوربا كلها في عودة تلك الكنوز الفنية النادرة، ولكن ياترى هل عاد التراث العراقي او المصري الى اهله؟ بعدما تعرض للنهب والسرقة من قبل الغزاة الاوربيين والسراق المحليين خلال تاريخنا الطويل؟ اليوم تعج المتاحف الاوربية بتراث الشرق واصبح مصدرا ثقافيا واقتصاديا كبيرا تعيش عليه تلك الدول ..

يذكر المؤرخ والناقد الانكليزي هربرت ريد بان التراث الفني اكثر اهمية من الاقتصاد والفلسفة ولهذا نرى ان الشعوب والامم المتحضرة قد حرصت كل الحرص على الحفاظ عليه وعدم المساس به لانه يمثل هويتها وعمقها التاريخي وتطلعاتها الى مستقبل افضل (وفي قصصهم عبرة لاول الالباب) .

 

د. كاظم شمهود

 

1182 شمهود 1الظاهر والباطن هما وجهان لحقيقة واحدة حيث تلتقي الصورة الظاهرة مع الصورة الداخلية الخفية لتكتمل انسانية الشخص .

وفي تراثنا الديني بان الظاهر ينبغي ان يكون صورة معكوسة ومعبرة عن الداخل وهو ما يصطلح عليه اليوم بالشفافية وان انفراد الباطن عن الظاهر يعد نفاقا او رياءا وبالتالي يفسد الحياة ويربك العلاقات الاجتماعية (قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم ..)، احيانا يتنازل الانسان عن الظاهر لظروف معينة وقاهرة او مصلحة اجتماعية ولكنه يبقى محتفظا بانسانيته وايمانه او معتقده حيث يبقى سليما غير مخدوش، وسيكون في هذه الحالة الباطن مقدما على الظاهر .

اليوم نحن نعيش فترة كارثية سواء كان ذلك في الحقل السياسي او الثقافي او الفني، حيث نعيش نفاقا ورياءا وجهلا بامتياز، وغالبية هؤلاء يركبون تيار النفاق والفساد سواء عن قصد او جهل، فهم يظهرون شيئا ويخفونا شيئا آخر خاصة في المجال السياسي ومع ذلك تجدهم يتظاهرون بالوطنية والثقافة والفن، جهلا وخداعا وما يخدعون الا بانفسهم وسوف يلعنهم الناس ولن يرحمهم التاريخ .

1182 شمهود 2

في الفنون التشكيلية

في الفنون التشكيلية فان الظاهر والباطن يقابله الشكل والمضمون، فالشكل هو الهيئة المرئية والمحسوسة . فعندما نتحدث عن عمل فني ما سنجد هناك اكثر من شكل في اللوحة مجتمعة مع بعضها لتصنع نسقا مرئيا، وحينما يكون هناك شكل فني يكون هناك خلفه فكرة وانفعالات وجماليات تتسرب هذه كلها من اللوحة الى المتلقي فيتفاعل معها ويتمتع بها. بعض المفكرين يذكرون بان الظاهر والباطن اعم من الشكل والمضمون، فالظاهر هو كل شئ مكشوف وتدركه الحواس من ماديات محسوسة ومسموعة وغيرها، اما الشكل في الفن فيعني الصورة المحسوسة او المتوهمة. اما الباطن فيعني كل ما اخفي وغير منظور، وقد يكون في النية والمعنى او الباعث، (انما الاعمال بالنيات)، بينما المضمون في الفن يعني ما حوته اللوحة او الكتاب، وبالتالي فالباطن اعم واشمل من المضمون .

كما ان الظاهر يرمز الى العقل الواعي وقدرته على التمييز والتحليل والحكم وتحويل التخيلات الى تصورات والادراكات المعرفية . اما الباطن فيرمز ايضا الى العقل الباطني او اللاواعي، وحسب بعض المحللين بانه هو مستودع الضمير والذوق والوجدان والبصيرة، وقد قامت عليه اليوم مدرسة فنية حديثة هي المدرسة السريالية. وهناك عقل ثالث يذكره بعض المفكرين وهو العقل الابداعي، وفيه كلام كثير .و نجد ذلك في كتاب – المدخل الى فلسفة الجمال – للدكتور مصطفى عبده .

1182 شمهود 3

ويمكن تحليل العمل الفني من خلال عناصره الفيزيقية الموجودة في الصورة، ثم نتأمل هذه العناصر في حالة ارتباطها فيما بعضها في تناسق وجمال، وربما كانت ابرز العناصر في العمل الفني هي: ايقاع الخط، وحجم الشكل، والفراغ، والضوء والظل، واللون . فالشكل لابد له ان يتحدد عن طريق خط معين ينتج ايقاع خاص به، وقد استخدمه رسام الكهوف القديمة، ولازال يستخدم من قبل بعض الفنانين المعاصرين المعروفين مثل جماعة المدرسة الوحشية وكذلك الفنان الصيني لما للخط من قيمة روحية وجمالية.. ولكن الفنان الحديث تخلى عن الظل والضوء والبعد الثالث وغيرها، واصبح همه البحث عن ما وراء الاشكال من مضامين اي البحث عن الباطن . وقد اكد الفيلسوف الصوفي ابن الرومي. بان الصورة الظاهرة تقودك الى صورة باطنة.. وهناك من يقول انه اذا كانت الفنون المرئية عاجزة احيانا عن نقل المشاعر والاحاسيس الى الجمهور فهناك وسيلة اخرى للتعبير عن تلك المشاعر والافكار وهي اللغة التي تتزين بجمال البلاغة والشعر والادب الساحر والمؤثر (رب كلمة جلبت نقمة وازالت نعمة) . والى جانب القيم الشكلية توجد هناك قيم فكرية ووجدانية، وقد اكد الفلاسفة القداما على ان لكل شئ في الحياة هناك تستقر في باطنه روح، وبالتالي فهي حية وليس جامدة او ميتة كما يتبادر الى ذهن الآخرين . (لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله).. وقد انتبه الفنان الصيني الى القيمة الجمالية في جوهر الطبيعة وروحها، فرسمها بقدسية واجلال . وبالتالي فان القيم الجمالية موجودة في الكون وفي كل شئ، في الشكل والمضمون وفي الظاهر والباطن ..

 

د. كاظم شمهود

 

1171 شمهود 1هل ان اللوحة الفنية ممكن ان يتلاشى فيها الزمان والمكان؟ هذا الموضوع شغل كثير من المفكرين والنقاد وعدد من الفنانين الاوربيين امثال الفنان الايطالي جورجو كيريكو -1881 – حيث تزعم مدرسة فنية في بداية القرن العشرين تدعى - المدرسة الميتافيزيقية – وقد استخدم كيريكو عناصر فنية متنوعة من بقايا تماثيل اغريقية قديمة وعدد من الاشخاص حيث يقفون بصمت رهيب جوار بعض المباني التي تعطي ذلك التأثير الجنائزي للمقابر . وقد رسم كيريكو لوحة سماها – لغز الوصول- حيث يشعر المشاهد بانه يتلاشى فيها الاحساس بالزمان والمكان، كما رسم لوحة اخرى مليئة بالالغاز مثل – لغز مساء الخريف - حيث نشاهد تمثال محطم على قاعدته الى جوار بعض المباني ذات الطابع الجنائزي . وكان يهدف كيريكو من كل ذلك هو البحث عن موضوع ميتافيزيقي حيث الشعور بان ما وراء الاشكال والنماذج المرئية هناك حقيقة مطلقة . وقد مهدت هذه المدرسة الى ظهور المذهب السريالي .

الاعمال الخالدة

سجل لنا التاريخ كثير من الاعمال الخالد التي طبعت في الذاكرة الانسانية رغم مرور على بعضها عدة قرون او آلاف السنين، مثل الاهرامات وسور الصين والعشاء الرباني والموناليزا لدافنشي وجرنيكا لبيكاسو وغيرها، وهذا يشير لنا الى ان الطبيعة الانسانية واحدة في غرائزها وتذوقها وميولها وعقليتها وان العالم المرئي بما يتضمنه من صور الاشياء في تباين وان اشكالها الطبيعية انما تخفي في اعماقها اكثر مما يبدو للناظر الى سطحها .. وكان سيزان يرى بان صور الاشياء في مظاهرها السطحية ليست هي التي تكون جديرة بالاهتمام للفنان المصور وانما ما تتركه من اثر حسي في ذواتنا عندما نتأملها بعمق، حيث  تؤدي بالتالي الى كشف مضامين الاشياء والمعاني الجوهرية المستترة في اعماقها ..

و معروف ان الانسان خلق على الفطرة والتي هي القاسم المشترك بين جميع الناس وهي ثابته منذ بداية خلقه الى اليوم، وبالتالي فان الاعمال المفيدة التي تنبعث من الفطرة تبقى خالدة وجميلة، كالدفاع عن الانسانية والحق والصدق والوفاء والسلام وغيرها ... ومنذ الرسوم البدائية الضاربة في اغوار الزمن السحيق فان الفن التشكيلي في عودته الى تلك البدائية التي نشأ منها يحاول ان يستوحي منها عناصر فنية جديدة، وهو يعود اليها محملا بثقافتة المعاصرة والتي وضعت بصماتها عليه ممثلة في ذلك الشكل وعمقه الجوهري الميتافيزيقي الذي ينبئ عن حقيقة الشئ اي المعاني الخالدة . وبهذا الصدد يقول الفنان الاسباني المفاهيمي تابيس (ان اللوحة هي تاريخ)

1171 شمهود 2

عامل الزمن

(ان يوم عند ربك كالف سنة مما تعدون) ويبدو  ان المواقيت على الارض تختلف عنها في عالم الكون، ومن ناحية اخرى وحسب المعتقد الديني بان الزمان والمكان يتلاشى عند الانبياء والملائكة بمعنى انهم يرون الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد بعلم الله . والحكاية المعروفة في القرآن بانه لما خلق الله آدم امر الملائكة بالسجود له، فقالوا اتخلق فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟، وحسب بعض المفسرين بان الزمان في هذه اللحظة تلاشى وانعدم عند الملائكة وقد شاهدو المستقبل امامهم . من هنا بان الاعمال الانسانية ممكن ان تمثل التاريخ كما قال الفنان تابيس، وان تستشرق المستقبل وتكون خالدة فلا زمان لها ولا مكان لانها تخرج من الفطرة ولما كسبته من سمات تتصف بالانسانية في جميع اطوارها وامتداداتها التاريخية حيث تحمل مضامين من شأنها ان تكون فيها الفكرة متألقة في الانتاج الفني، تلك الفكرة التي توحي بحقيقة الاشياء وجواهرها، رغم ان الاساليب الادائية تختلف من زمان ومكان الى آخر، ولكن الفطرة الانسانية تبقى ثابتة بما تحمله من خير واصلاح وجمال للانسانية .

1171 شمهود 3

 

د. كاظم شمهود

 

عدنان حسين احمدليس من السهل أن تكتب عن صديق مُبدع تعرفه منذ اليفاعة والشباب خشية أن تكون شهادتك عنه مجروحة وتقع في  فخّ الإخوانيّات والمدائح الزائفة، لذلك سأحاول جهد الإمكان أن أتفادى الثناء والتقريظ وأتحدث عن صديقي الشاعر والفنان حميد شكر الذي عرفته منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي وتعمّقت علاقتي به بعد أن تخرّج في قسم النحت بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1980 ووضعته ضمن قائمة الأصدقاء المقرّبين الذين ينغمسون في القراءة، ويحبّون مشاهدة الأفلام السينمائية، ويرتادون المتاحف وصالات الفن التشكيلي أمثال الروائي شاكر نوري، والشاعر جلال زنكَابادي، والقاص تحسين كَرمياني، والشاعر الراحل جلال جميل الخالدي "طابَ مثوىً"، والفنان علي قادر، والتشكيليين الثلاثة محمد  شوقي، وعادل أصغر، وشهاب أحمد، وبضعة أصدقاء يساريين من بينهم حسن ميرزا، وعبداللطيف عبد الوهاب، وخيري الداوودي، إضافة إلى أسماء أخرى لا يتسع المجال لذكرها جميعًا، لكنّ ما يميّز الفنان حميد شكر عن ثُلة الأصدقاء والمثقفين أنه كان مشروعًا لشاعر جيّد يكتب بلغة عذبة، سلسة تخلو من التزويق اللفظي والمحسنات البديعية التي أكل الدهر عليها وشرب، ولعله الفنان التشكيلي الوحيد في المدينة الذي كان يفيد من قراءاته الأدبية ويوظِّفها في أعماله النحتية التي يُجاري بعضها نتاجات فنانين كبار من طراز ألبيرتو جياكومتي وأميديّو مودلياني وغيرهما من الفنانين العالميين الذين ينهمكون في العمل على الشكل والمضمون وينجزون أعمالاً نحتية صادمة ومغايرة لما هو شائع ومألوف تمامًا مثل المنحوتات التي أنجزها النحات حميد شكر في السنوات العشر الأخيرة وأشترك بها في المعارض السنوية لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين. وعلى الرغم من أنّ النحات حميد شكر متأثر بأستاذه الفنان محمد غني حكمت الذي درّسه في أكاديمية الفنون إلاّ أن ذلك التأثر لم يمنعه من استلهام الفن الرافديني والإفادة من معطياته الجمالية التي يمكن أن نتلمّسها في العيون السومرية الواسعة التي تتسلل عبر ممرات ودهاليز اللاوعي لتجد طريقها إلى منحوتاته النسائية على وجه التحديد. ولو وضعنا مؤثرات الفن الرافديني على تجربة النحات حميد شكر جانبًا لوجدنا أنفسنا أمام أعمال نحتية غريبة لم يألفها الفن العراقي من قبل مثل منحوتة "عائلة" التي نفّذها من مواسير المياه المعدنية صانعًا منها أسرة صغيرة تتألف من ثلاثة فيكَرات تبتعد عن التشخيص الدقيق لكنها توحي به إذا ما أطلقنا المخيّلة على سجيتها شرط أن تبتعد عن التنميط الذي اعتادت عليه الذاكرة البصرية للمتلقي. وفي منحوتة ثانية لعائلة أخرى يركِّز النحات على فعل الاندماج بين الزوجين وتوحّدهما الأبدي الذي يصل إلى درجة التماهي، وهذا الشريط الذي يلفّهما هو أقرب إلى الرباط المقدّس إن لم يكن هو نفسه. ولابد من الإشارة إلى أنّ هذه المنحوتة يمكن أن تخضع لقراءات متعددة وتأويلات مختلفة قد لا تتطابق بالضرورة مع تأويل صانع المنحوتة وخالقها الإبداعي. كما لا تخرج منحوتة "رجل وامرأة" عن تأويل الاتحاد الأبدي الذي يصعب فصله وتفكيك عناصرة التكوينية المتعشِّقه بعضها ببعض. ولكي لا نبتعد عن ثيمة الإنسان سواء أكان فردًا متوحدًا مع ذاته أم كائنًا مرتبطًا بثنيّة روحه لابد لنا من التريث قليلاً عند منحوتة متفردة في المبنى والمعنى وهي منحوتة "التيه" التي يستحق أن يكون نموذجها المكبّر الذي يتجاوز حجم الإنسان العادي مثبتًا في واحدة من ساحات بغداد الشهيرة المكتظة بالناس، وإن تنازلنا قليلاً لوضعناها إمّا في قلب محافظة ديالى أو مدينة جلولاء، البلدة التي أنجبت هذا النحات المتفرد برؤيته الفنية الصادمة التي تهزّ المتلقي من الأعماق. لقد استوحى النحات حميد شكر ثيمة هذه المنحوتة من رواية "الأخوة كارامازوف" لديستويفسكي، ولو لم يكن النحات قارئًا نوعيًا جيدًا لما اقتنص هذه الفكرة المتوارية بين طيات هذه الرواية ذات اللمسات الفلسفية التي تختبر الكائن البشري في أوقات الشدة والرخاء. فما إن يرى الناظر هذه المنحوتة بقدميها المتعاكستين في الاتجاه حتى يسقط في شراك السؤال المحيِّر: إلى أين تتجه كل قدمٍ على انفراد؟ ثم يكتشف كل متلقٍ جوابه: "إن الإنسان لا يعرف إلى أين يمضي!" بتعبير دستويفسكي، أو أن هذا الكائن البشري ممزق بين اتجاهات شتّى، أو لعله يدور بين تموجات التيه والضياع في هذه الرحلة الغامضة التي تبدأ بالميلاد وتنتهي بالقيلولة السرمدية.

تتخذ ثنائية المرأة والرجل أشكالاً جديدة كأن تكون معالمهما الخارجية مقصوصة ومسحوبة من لوح طيني أو معدني ولم يبقَ من هيكلهما البدني سوى الإطار الخارجي الذي يذكِّرنا بهما، وسوف تتكرر هذه التقنية الإيحائية لفيكَرات نسائية ورجالية منفردة تارة ومجتمعة تارة أخرى، وهي تقنية ذكية تُبعد المتلقي عن الأشكال والتكوينات الحقيقية وتستدعي بدلها الأشكال المجازية التي تُطلق العنان لذاكرة المُشاهد وتمنحه الفرصة لأن يُحلّق في الخيال.

ثمة منحوتات صنعها حميد شكر من حديد صُلب لكن الأشكال الجديدة التي أبدعها تكشف عن قدرته الواضحة في تطويع الحديد وترويضه إلى الدرجة التي توحي بفيكَرات العائلة المتضّامة أو بأبٍ يقذف ابنته عاليًا ثم يمسكها من جديد.

يشكِّل البورتريه النحتي لحميد شكر هاجسًا قديمًا يعود إلى سنوات الأكاديمية ورغم أن أعماله النحتية تحمل شبهًا بالشخصيات المنحوتة إلاّ أنها لا تتطابق معها في كل التفاصيل فثمة مساحات مبهمة يتقصّدها النحات للتعبير عن خبراته الفنية، ومشاعره الداخلية بعيدًا عن الاستنساخ الضوئي. ورغم أن بعض المنحوتات كلاسيكية تسعى إلى تحقيق الشبه الخارجي مثل منحوتات سعدي يوسف، وسامي مهدي، وخزعل الماجدي، ولطفية الدليمي، وشاكر نوري، ورملة الجاسم لكن ثمة منحوتات أخرى أضفى عليها لمسات درامية مُعبِّرة مثل منحوتة " الرأس المجروح" إذ شقّ جبينه بجرح مائل وضمّده بقطعة شاشٍ وبُرغيين غرزهما في أعماق الرأس.

ينهمك حميد شكر بالجسد البشري برمته لكنه يكتفي أحيانًا بأجزاء محددة منه كالرأس والعُنُق كما في منحوتة "قيلولة" لأنها تفي بغرض الإغفاءة الحميمة على عُنق الزوج أو الحبيب أو العشيق ربما، وجاء تطويل العُنُق استجابة لهذه اللحظة الرومانسية الشفافة التي تُحيلنا إلى إنسانية الإنسان الذي يتخلى عن شراسته وينهل من عذوبة النبع الأول مُذكرًا إيانا بالقُبلة الأولى التي طبعها آدم على شفة حواء.

يمتلك حميد شكر بصمته الخاصة التي حققها بعد مران طويل وجهود مضنية فبينما كان المدّرسون يدخلون صفوفهم بياقاتهم المنشّأة كان هو يعمل في الصلصال أو ينحت في الحجر أو يصب الجبس في القوالب المهيأة سلفًا وينتظر بفرح ولادة الأشكال التي رسمها في مخيلته المشتعلة التي لا تخذله إلاّ في أحايين قليلة عندما تتعسّر الولادة وتحتاج إلى عملية قيصرية كي لا يتشوّه الجنين. لم تأتِ البصمة المُشار إليها سلفًا من فراغ وإنما جاءت بعد أربعة عقود من التأمل العميق، والعمل المضني، واستلهام الأفكار من الروايات العالمية ذات الوزن الثقيل.

 

عدنان حسين أحمد

 

كاظم شمهودمن المعروف ان الفنان في العصور القديمة كان يرسم ضمن ضوابط وقواعد رسمها له فلاسفة الاخلاق ورجال الدين في ذلك الوقت، حيث كان هناك تناسق وانسجام بين الاشكال والالوان من جهة وبين المضمون او الفكرة من جهة اخرى، هذا التوازن والتناسب والتجانس في العلاقات بين الشكل والمضمون كان من خصائص تلك الفنون الكلاسيكية والتي تجسد لنا بالتالي العنصر الجمالي المطلوب الذي يزين العمل الفني.

في الفنون الحديثة انفصل علم الجمال عن العمل الفني، فالشكل ليس بالظرورة ان يكون متناسقا ومنسجما في عناصره وجميلا، وليس من الظروري ايضا ان يكون منسجما مع الفكرة او المضمون، حيث نجد اليوم الكثير من الاعمال الفنية والتي تعود الى فنانين معروفين قد نفذت بطريقة عفوية فطرية او عشوائية تشبه احيانا اعمال الاطفال. ويرى الفيلسوف افلوطين- 205 ق م – (والذي هو من مواليد مصر) ان الجمال موجود في داخلنا وفينا، وان جمال الاشياء الخارجية يرجع الى جمال داخلي روحي، ولهذا يجب البحث عن الجمال في داخلنا. ويؤكد ايضا ان الاجسام الجميلة هي في الواقع آثار وصور وظلال الجمال العلوي وان الخير هو اسمى جمالا من الاجسام الجميلة. وكلما تحررت الروح من تأثير الجسد زاد جمالها، وهذا ما ذهب اليه المذهب الصوفي.

ولكن الجمال يبقى كقيمة وحقيقة ثابتة في كيان هذا الكون، والطبيعة ميدان من ميادين الجمال، والجمال موجودا في الظاهر كحقيقة ووجود، وفي الداخل كفطرة واستعداد. وسواء كان الجمال في داخلنا او في الطبيعة فهو يشكل عنصرا كونيا موجودا منذ بداية الخليقة... فالذوق الانساني هو الجمال. ويذكر كانت (ان الذوق هو حكم جمالي قوامه الوجدان) ويستطيع المشاهد من تمييز وتقييم الاعمال الفنية بانطباعه وذوقه الشخصي، وقد يختلف عن غيره في تذوقه وتقيمه للعمل، ولهذا فليس هناك اعمال جميلة مطلقة وليس هناك اعمال قبيحة مطلقة، فالحكم والتذوق هو نسبي.

1160 كاظم شمهود 1يذكر ان المفكر الاغريقي هيرقليس -576 ق م – هو اول من قال بالنسبية في الجمال، فمقاييس الجمال في المجتمعات الافريقية السوداء يختلف عنه في اوربا او الصين، وكذلك اللوحة التي تبدو لنا جميلة هي عند البعض قبيحة. بينما ربط فلاسفة الاغريق الجمال بالاخلاق، فكل شئ مفيد فهو جميل. والترقي من الجمال الحسي الى الجمال العقلي ينتج جمالا اخلاقيا. وحتى الاشياء القبيحة ممكن ان تكون جميلة اذا كانت لها فائدة.

وبالتالي فان الفنون العشوائية والعفوية الحديثة يمكن ان تكون واسطة تنفيس وتفريغ للفنان بعدما غمرته نوائب الدهر ورزايا الحياة، فيمكن ان يكون مظهرها غير مقبولا ونافرا ولكن فكرتها راقية وجميلة.

ولهذا انا اعتقد ان غالبية النقد والتقييم في اعمال الفنون التشكيلية هي اما ان تكون عبارة عن اذواق وانطباعات شخصية او عبارة عن مقارنات، وحتى المقارنات هي في الاصل اذواق شخصية. في يوم من الايام قرأت نقدا في الصحافة لاعمال احد الفنانين، يصف به الناقد بان الفنان الفلاني هو بيكاسو العراق؟ وبالتالي فقد جعل هذا الفنان الممدوح يتخذ ذلك،وثيقة يستشهد بها في المحافل الفنية والثقافية؟ نحن اليوم بحاجة الى وعي علمي بيولوجي وسيكولوجي وفيزيولوجي وميتافيزيقي ومنطقي وان يعرف الفنان والناقد قدر نفسه. اتذكرقصة لطيفة حدثت في زمن ملك فرنسا لويس الرابع عشر في بداية القرن السابع عشر حيث كان الخلاف محتدما حول النقد للمذهب الكلاسيكي اذ انقسموا الى فرق، قسم متعصب للرسم والتخطيط وقسم متحيز للالوان وقسم يقف الى جانب الحداثة والتغيير وقسم يناقش هل ان الجمال موجودا في الفن؟ ولهذا فان هذه الخلافات تعود في الاصل الى طبيعة الانسان واختلافه في التذوق والروأى والتنظير. وبالتالي فان النقد في عالمنا العربي يحتاج الى مراجعة وتقييم، لان النظريات الفنية في تغير دائم وان الحكم والتذوق هو نسبي.... يقول ديكارت (ان الجمال الفني يتغير بتغير الاذواق) بمعنى ان الذوق هو الجمال وانه نسبي. ويقول المفكر هيوم (ان العنصر الانساني موجود في الموضوعات الجميلة، وان الذوق الانساني هو الجميل).

1160 كاظم شمهود 2يقول الفيلسوف الالماني كانت (ان ادراك الجمال في الاشياء يعتبر ادراكا مباشرا مستقلا عن تصورنا لما هو جميل) كما يذكر البعض ان العنصر الجمالي موجود وجودا ثابتا في كل شئ من الوجود، فهو يسير معنا وهو غير مرئي الا لمن ينتبه له، فهو فينا ومن حولنا، ويظهر باستيقاض النفوس لترى هذا الجمال الازلي. ويقول المفكر ليبنتز -1696 م (ان الانسجام الكوني سوى انعكاس للانسجام الداخلي فينا، فالانسجام الكوني يمتد منا الى الاشياء ومنها الينا). وهذا يذكرنا بقول الامام علي -ع- (اتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر) ويعني ذلك ان هذا الخلق الكوني بما فيه الانسان هو في وحدة متجانسة ومتناسقة في حركتها ووجودها ودقتها وتأثير بعضها على البعض. ولهذا فعنصر الجمال لمقصود قصدا في هذا الوجود، فاتقان الصنعة يجعل الوصل بها الى حد الجمال... والنفس تميل بطبعها الى الجمال وتشتاق اليه اذا غاب عنها.

(وصوركم فاحسن صوركم) ويعني ذلك الحسن وجمال الخلقة، فكل شئ في الكون هو منضبط ومحسوب بالدقائق والثواني.. كما سجل الله تعالى مظاهر الزينة والجمال في الكون (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين..)

و يقول سيد قطب (ونظرة الى السماء كافية لرؤية هذه الزينة، ولادراك ان الجمال عنصر مقصود في بناء الكون). ويرى الكاتب والمفكر الانكليزي راسكين (ان الشعور الجمالي غريزي في الانسان اي انه سابق على التجربة)، وبالتالي فان رسام الكهوف القديمة لا يختلف في تذوقه عن الفنان المعاصر فالاثنان يحملان نفس غريزة الشعور الجمالي ولهذا نجد الكثير من الفنانين اليوم يرسمون بطريقة واسلوب فطري. يقول ديكارت (ان الجمال هو الحق)، وفي القرآن الكريم ورد هذا المعنى (خلق السماوات والارض بالحق)، ويعني ان الله ابدع في خلق السماوات والارض وبحسن وجمال..

 

د. كاظم شمهود

 

1128 مشارة«عند كل خطوة، هناك لوحات جاهزة للرسم يمكنها أن تُشغل عشرين جيلاً من الفنانين».

ي. ديلاكروا

سماء زرقاء صافية وبيوت بنوافذ صغيرة وأزقة ضيقة وفضاء رحب تتخلله أشجار النخيل، ومنظر فتاة منتقبة بنظرة عميقة موحية يتخللها الخفر الشرقي تحمل جرة لتملأها من البئر، وشيوخ يشع السرور من وجوههم يلعبون النرد أو منظر الصبية بقنادرهم المغربية متحلقين حول شيخ الكتاب "سيدنا" كما يسمى في مصر....، شكلت هذه المناظر عوالم مغرية مثيرة للمخيلة الفنية الأروبية المكدودة من كلاسيكيات القرن الخامس عشر والسادس عشر مخيلة تعبت من رسم القصور والنبلاء والأمراء وأحصنة السباق أو ليالي السمرالفخمة، فكان القرن الثامن عشر الذي دشنته أروبا بعصر رومانسي يهتم بالفرد ونوازعه وميوله ويقدس اللحظة الشعرية التي تنفتح على التجربة الفردية لكأن الفن وعاء والشعور السائل المسكوب، عصر تمردت فيه أروبا على العقلانية الأرسطية والديكارتية على السواء وتخلت عن قوانين الوحدات الثلاث في المسرح والمواضيع الكلاسيكية الفخمة احتذاء بكبار مبدعي الإغريق، عصر عاد فيه الإنسان إلى ذاتيته وإلى خالص نفسه يسبح بحمد قلبه ويهيم بتقدير بنات فكره بغض النظر عن سمو الموضع أو ابتذاله مادام المعيار هو صدق التجربة وحدة الشعور ورصانة الأداة لغة أو شكلا أو لحنا أو لونا عصر عرفنا فيه هوجو ولاماتين وألفريد دي موسيه وليوباردي وكيتس وشللي في الشعر والنثر وعرفنا لفيفا من الموسيقيين المبدعين المتمردين على القوالب القديمة وعرفنا جيلا من الرسامين الذين فتحوا اللوحة على الإنسان في سموه وابتذاله في نبالته وخسته في عراقة منبته وفي حطته من نبيل إلى صعلوك إلى أميرة إلى بغي إلى عاقل وإلى مجنون مادام الإنسان هو الإنسان سيد الكون الذي أشكل عليه الإنسان بتعبير أبي حيان التوحيدي وليس كالطبيعة في عفويتها وفي تناغمها في حكمتها وتوحشها، في عبقرية ألوانها وفي سحر نوتة نجومها وكواكبها في تتالي أمواج بحرها بإيقاع شعري ملهما لهذا الجيل من الفنانين المبدعين الذين تفتقت مواهبهم عن رسم رومانسي خلد بلوحاته العظيمة.

ومادامت الرومانسية في صيغتها الفنية الأدبية أو التشكيلية أو الموسيقية تقدس الإنسان أي الفرد وتراها تدين الظلم والرتابة والقروسطية والتقليد للأقدمين تراها تحتفي بالحرية وبالتمرد والثورة على الطغاة والمستبدين وتقدس الفعل الثوري وتهيم بالحرية في نمط الحياة وفي شكل الإبداع كما قرأنا ذلك في شعرهم وفي نثرهم وسمعناه في موسيقاهم وتأملناه في رسوماتهم.

ويوجين ديلاكروا أحد أقطاب فن الرسم في القرن الثامن عشر الذي كان يقول عن نفسه :" إنني أعيش وكأنني في حلم وأنظر إلى الأشياء بفضول خشية أن تهرب مني"، والذي ولد في سانت موريس بفرنسا في 26 أفريل عام 1798أي في نفس العام الذي غزا فيه نابليون مصر ونهب تراثها القديم وتوفي في 13 أغسطس من عام 1863وككل فنان ظهرت عليه مخايل النجابة الفنية منذ صغره فانخرط في مدرسة الفنون ومارس الرسم متأثرا بمايكل أنجلو وسافر إلى شمال إفريقيا ولقد قيل عن الجزائر تحديدا من قبل الرحالة الغربيين والفنانين: "لقد أصبحت الجزائر بالنسبة للمصورين أكثر أهمية من الحج إلى روما" وقد غدت قبلة الفنانين بصحرائها وقراها ونسائها وشيوخها وعاداتها المختلفة بالكلية عن العادات الغربية : بحث ديلاكروا المتمرد عن مواضيع جديدة لرسوماته تحت شمس مراكش اللافحة وفي صخب أمواج بحر الجزائر وفي النشاط والحميمية والتلقائية والمسرة والتعاون في البيوت العربية وفي حاراتها وأزقتها وبكل تأكيد سحرته الوجوه المتخفية وراء النقاب والعيون الكحيلة والقدود الشرقية المياسة حتى أبدع تلك اللوحات المغاربية البديعة لعل أشهرها نساء الجزائر وسلطان المغرب.

لا شك أن يوجين ديلاكروا أحد أكبر الفنانين الموهوبين في القرن الثامن عشر بله وفي تاريخ الفنون بصفة عامة ولقد قال فيه الكاتب الكبير تيوفيل غوتييه:

"هو فنان فريد لا أحد قبله ولا بعده " وتعود أهميته إلى كونه مهد للدراسات الاستشراقية تلك التي تعنى بتاريخ الشرق ثقافة ودينا وفنا وعلما، ولا مرية في أن الشرق قد سحر الغرب بأريجه العريق وهويته المختلفة تماما عن الهوية الغربية لذا رأينا قوافل المغامرين ورجال العلم والفن يهرولون إلى الشرق بحثا عن المغامرة والاكتشاف للعادات المباينة للعادات والثقافة الغربية.

مما يعاب على الرحلات الاستكشافية من قبل والدراسات الاستشراقية من بعد أنها لم تتخلص من النزعة الاستعلائية الفوقية التي ترى المركزية في أروبا والتفوق في الجنس الأبيض وما عداه مجرد قطعان بشرية يتفرج عليها كما يتفرج على السيرك !

فليس الشرق سوى عالم غارق في الميتافيزيقا يحكمه ملوك متألهون حيث الهيمنة للذكر وتعيش الرعية على فكرة القدر الذي سطر كل شيء فلا داعي للامتعاض، شرق روحاني تؤطره فرق الصوفية والدراويش ورجال الدين ولا مكان فيه لنظرة علمية بالمفهوم الكونتي، شرق الجواري والحريم واللذة المختبئة في زاوية قصر أو سرداب وليس للمرأة إلا توفير الراحة والمتعة للرجل تلك النظريات والأطاريح التي مهدت للاستعمار والتبشير في آسيا وإفريقيا وكان لعالمنا العربي نصيب من مكابدة الاستعمار الغربي ولقد كان الراحل الكبير إدوارد سعيد خير من فضح مخططات الاستشراق الكولونيالي في كتابه العظيم "الاستشراق"

لكن من الإنصاف أن نقول أن الحضارة الشرقية لم تنل من دولاكروا إلا التقدير والمودة فقد كان يحترمها ويحترم أناسها وتاريخهم وكان أسعد لحظات عمره حين يغادر إلى الجزائر أو مراكش ولقد قال هو شخصيا عن هذه البلاد الشرقية عموما:" ليت أفلاطون يأتي إلى هنا ليرى بأم عينيه هذه الحضارة، علمنا أن الفرس بربر لا علاقة لهم بالفن والثقافة إن هذه الأماكن خُلقت للفن فقط، تعالوا إلى هذه المناطق البربرية نشعر بطبيعة الأشياء وأثر الشمس في الكائنات التي تخترقها وتشعل فيها الحياة بألق مذهل. فالكل هنا يسير في حلة بيضاء، كأعضاء مجلس الشيوخ الروماني ودعاة ألوهية الكون اليونانيين… وإنك لتجد نفسك في روما وأثينا… تخيل يا صديقي… الرومان واليونان أمام بابي !

لقد كانت العبقرية الكبيرة لديلاكروا هي عبقرية اكتشاف اللون والتعبير به عن المواقف الشعورية التأملية أو الوجدانية الخاصة مواقف شعورية تصطلح على قلب المرء كما يصطلح الهواء على الفضاء والنحل على الخلية وهي في تناقضاتها أو في حدتها أو في غرائبيتها وتناقضها أو تناغمها وفي بهجتها أو ألمها مواقف إنسانية خالدة في حياة الإنسان في كل مكان وزمان وكان اللون هو المعبر عن حدة أو غرائبية أو روعة الموقف الشعوري لذا من يقف أمام لوحات ديلاكروا يدرك أنه أمام مهندس اللون وموزعه بذكاء على فضاء اللوحة في لعبة بارعة بين الضوء والظل ولقد قيل عن رسومات ديلاكروا وبراعته في استخدام اللون وتدرجاته :"جمال وقوة الأشياء التي فيها، معطوفة على إحساس معمّق بالحياة وجماله وكذلك الألوان المتألقة في كل مكان".

ولعل من أشهر لوحات ديلاكروا نساء الجزائر مع خادمتهن السوداء تلك اللوحة البارعة في استخدام اللون وتوزيع الضوء والظلال للتوغل في الحياة النفسية للمرأة الجزائرية في القرن السابع عشر نساء لا يتهتكن تهتك المرأة الغربية ويحتفظن لأنفسهن بنصيب من الحلم والانطلاقة والاستمتاع بالحياة والسر كله في النظرات.

ولعل كذلك من روائع ديلاكروا لوحة الثورة تلك التي تمجد الفعل الإنساني الثائر والعاصف ضد الإقطاع والظلم والطامح إلى عصر جديد عصر الحرية والمساواة والكرامة.

بيت ديلاكروا اليوم في الدائرة السادسة الباريسية في مكان فخم وشاعري مزار كبير لمتعطشي فنه ومكتشفي سحر لوحاته والمستمتعين بآيات عبقريته ففي البيت الذي تحول إلى متحف وطني عشرات اللوحات والأغراض الشخصية والمراسلات بينه وبين فناني ومثقفي عصره ولعل أروع ما في شقته الحديقة التي تطل عليها الشقة بتصميمها المبدع والشاعري والتي كانت ملهما لديلاكروا وكانت قبلة للزوار تماما مثل لوحاته.

 

ايراهيم مشارة                

 

جمال العتابيينصرف طالب مكي بكل طاقته، وهو يحمل هذا القدر الهائل من الحزن لموت استاذه، ليشيد حلماً جميلاً، ما من شيء يتموضع في هذه الكتلة الحميمة، المكتومة الأنين، إلا وتشير إلى تلك المسرات التي مرّت سريعاً في حياة جواد سليم الأستاذ، وطالب مكي التلميذ، التي أغتيلت في زمن لا لون له.

طالب مكي هذا الإنسان العابر من (الديوانية) إلى بغداد، المغرم بأوصاف الأرض العراقية، حين أراد أن يعلن عن هذا الحب، لم يستطع تحرير تلك العاطفة، إلا أن يذهب إلى نشوة الحلم في الرسم والنحت،بروح من ضفاف الشواطئ المحشوة بالطين، وهكذا بدأت رحلته الطويلة خلال أقاليمها وسهوبها واحزانها، فإستنطقها، وتحدث إليها وحاورها حواراً خفياً، ولوحده من دون معلم أو مدرسة، فكانت البداية على سطح المنزل في الديوانية،إثر زيارة له برفقة العائلة إلى كربلاء التي أيقظت فيه ألف رغبة، ليروي قصة الطقوس، وما تختزنه الإبتهالات والأدعية في ضريحي الإمامين الحسين والعباس، فشيد عالما من الطين بيديه السخيتين، بحوار من الصدق والعفوية وبلغة بسيطة جسّدها في التراكيب الطينية، مما أثار دهشة الوالد (مكي السيد جاسم) وإعجابه، دون إدعاء بقدرة الفنان الذي فقد حاستي النطق والسمع في مراحل طفولته المبكرة، فقرر حينذاك أن ينتقل إلى بغداد بوظيفته مديراً لمكتبات الإدارة المحلية العامة، ما أراد الأب المثقف لأبنه أن يحيا حياة المعاقين، مكسوف الجبين، وهو يكتشف هذا النسغ الجديد الذي سيقاوم به طالب ضعفه، تكفيه كلمة عطف وحنان تورق كل حياته، وجاء الوعد بقبول طالب في معهد الفنون الجميلة، قسم الدراسات المسائية،إستثناءً من شرطي الشهادة والعمر، وكان للقادم حضور بين جواد سليم وفائق حسن، وغيرهم من الأساتذة الرواد، وإستطاع طالب أن يفرض شروطه هو، بظل موهبة مختزنة في أعماقه، كان النحت يسكن فيه، والطين طوع بنانه، وجواد سليم يبارك فيه موهبته ومثابرته، ويتوقف عند مخيلته الواسعة، وأفكاره الجديدة، كان يسميه (أسد بابل)، الرابض على قلب الأرض، الشامخ الذي يتطلع لكل شيء أمامه دون أن يتحدث، وفي دواخل طالب وهج الفنان ونبضه ودفقه المستمر، واعياً لهذا الفيض الذي يمتلكه، فمنح مكي عمله سمة المآثر، وينابيع الوجد ماضياً وحاضراً.

توطدت العلاقة بين الطالب وأستاذه، وتطورت، المعهد يصير له بيتاً، وجواد أباً ومعلما وصديقاً، يقطف من ثماره الحب والجمال والرعاية، يبتدىء النحت فيه، يراه مدناً تستفيق وتنهض شامخة، وفجأة يختتم جواد فصل حياته وأسفاره، بموت أفجع طالب وأرعبه، كان حزنه شديداً وعميقاً، لم يكن قادراً على إيقاف التأسّيات والدموع، غير ان الشاب الذي يحمل بين جانحيه موهبة فنان لم يستسلم للصدمة بل قابلها بشجاعة وتصميم، وعالجها بعمل نحتي لوجه جواد يعيد له هيبته ووقاره بعد أيام قليلة من إنتهاء مراسم العزاء،أراد طالب أن ينقل جواد من دائرة الموت إلى وجود الحياة، في ولادة جديدة لاينالها الزمن بنسيان، هذا البورتريت النصفي، أكبر من الطبيعي بقليل لمنحه المهابة والجلال، إستطاع طالب فيه أن يستوعب صورة جواد في تحولاته الوجدانية والفكرية، والنفاذ إلى أعماقه، وتحوّل مكان العمل في المعهد أثناء التنفيذ، إلى ملتقى لزملاء جواد، كانوا يتابعون طالب، في ذلك الفردوس،ويغريهم المرور به، والتطلع في تلك الشمس الداخلية التي بدأت تشع من بين أنامل طالب، ويجدون فيه مايردّ عليهم وحشة الغياب، ويعيد لهم وجه جواد محاطاً بحضوره الزماني، غير مصدقين بالموت حين يختصر الأجساد،فأعاد طالب يقظة الطين وبوحه الخفي، وسر الخالدين وإلهامهم السحري. يقف منصتاً جواره ولسان حاله يقول: الفنان هو الذي يبقى.

1123 طالب مكي

ثمانية وخمسون عاماً مرّت، والصورة مازالت نابضة بحالة الألفة الحميمة التي تجمع طالب بمعلمه، هذا هو السر في ديمومتها وحيويتها،وحين نشارك طالب لحظة التأمل في ما صنع، نرى في الوجه نبرة مضيئة تتصاعد من الداخل،وعالماً يذوب في الصمت والخشوع، وفي العيون بريق، تبدو كنجوم صغيرة لألاءة، ولغة تحاول إحتواء الممكنات، في وجه جواد تنبعث أشعة الحكمة نحو العالم الأرحب، ليصبح العمل نحتاً مقدساً يحيا ويزدهر، ووجه طالب يرشح حزناً يؤلف عالماً من الأسى،بين لهب الإبداع والتأمل الحزين، لكنه يحمل قدراً من الوفاء والمحبة والإكبار لأستاذه، والعمل يمثل أولى مراحل النضج الفني لدى طالب مكي، وأولى حالات التسامي في قدراته، وسبق له أن قدّم عملا نحتياً لإمرأة برؤى حداثوية نال اعجاب معلمه جواد، وشجعه على المضي في تلك المعالجات الجديدة.

التمثال مازال في إروقة معهد الفنون الجميلة، مصنوعاً من مادة الجبس، وقد أعاد له النحات حميد الزبيدي الحياة،بعد أن تعرض لضرر كبير بسبب تفجير إرهابي أسود قريب من بناية المعهد عام 2006، هذه الحقائق تقودنا إلى دعوة وزارة الثقافة، ودائرة الفنون لإعادة الولادة المبدعة لهذا العمل الفني الخالد، وتحويله الى تمثال من البرونز في دائرة المصاهر التابعة للوزارة،وتلك مهمة نراها أن تظل ذات قدسية خاصة لجواد وتلميذه الوفي طالب مكي، قبل أن يندثر العمل ويتآكل.

 

د. جمال العتابي

 

غزوان العيسىمقدمه: سوف نتحدث عن تاريخ " الفن الآشوري"، ومنتجاته والحقب والأحداث التي مرت بها الدولة الآشورية وملوكها والظروف التي نشأ في ظلها الفن الآشوري ومن أين اقتبسوا بعض أعمالهم وما هي أبرز أنواع الفنون التي اعتمد عليها الآشوريون وسوف نتحدث عن العمارة في الدولة الآشورية وظروفها وأبرز المعالم وطرق الزخرفة وعلى ماذا اعتمدوا من مواد أولية لبناء القصور والمعابد ولماذا كانوا يقومون بتزيين تلك المباني.

تاريخ الفن الآشوري

ومما يقال عن تأريخ الفن الآشوري إنه يمكننا تحديد زمن ولادته في القرن الرابع عشر ق.م، أي في العصر الآشوري الوسيط، اما ما قبل ذلك أي في العصور القديمة فإن ما ظهر من فن في بلاد آشور كان مقتبساً كله تقريباً من الفن البابلي في الجنوب بيد أن شخصيته أخذت تستقل وتتميز منذ العصر الآشوري الوسيط في طرزه وأساليبه وفي مواضيعه ولا سيما الشؤون الدنيوية الخاصة بالدولة وأعمال الملوك، أما في المواضيع الدينية فقد حافظ على المآثر القديمة. وفي وسعنا الوقوف على الخصائص المميزة للفن الآشوري من زمن الملك "توكاتي ــ نينورتا" الاول (1208 – 1244 ق.م)، وفي مقدمة ذلك المشاهد العسكرية مثل الملك مع جنوده وعرباته الحربية، ومثل استعمال الآجر المزجج واستعمال رمز "الشجرة المقدسة".

أخذ الفن الآشوري طابعه الخاص أخيراً في العهد الآشوري الحديث اذ طغى عليه تمثيل مشاهد الحروب والصيد والشؤون الملكية الأخرى مما كان يزين قصور الملوك، كحصار المدن ودك الحصون وتهجير السكان وسوق الأسرى والتمثيل بهم، إلى غير ذلك مما يمكننا أن نقرأ فيه تطور أساليب القتال آلات الحرب والأسلحة. ومن الممكن تقسيم الفن الآشوري على ثلاث حقب أو أطوار:

فالطور الأول يمثل عهد الملك آشور ناصر بآل الثاني (859 – 883 ق.م) وعهد ابنه شيلمنصر الثالث (824 – 858 ق.م) إذ جاءتنا من عهديهما قطع فنية ممثلة مما لم تكن معروفة في السابق.

إما الطور الثاني: فيبدأ من القرن الثامن ق.م، من عهد الملك ثجلاثبليزر الثالث (727 – 744 ق.م) وشيلمنصر الخامس (722 – 726 ق.م) وسرجون الأكدي (705 – 721 ق.م)

ويمثل الطور الثالث: عهود خلفاء سرجون، وهم : (سنحاريب وأسرحدون وآشوربانيبال).

فإن الفن الأشوري ركز على الطابع العسكري وإظهار قوة الملوك وهيبتهم فكانوا يعبرون عن هذه القوة عن طريق التماثيل المنحوتة والنحت على جدران القصور والمعابد فكانوا يميلون إلى النحت بشكل أكبر من الفنون المتبقية ؛ فكانت اعمالهم الفنية ذات طابع عسكري أكثر من كونها ذات الطابع الديني فإن الفنون الأشورية قد اكتسبت بعض الطرق الفنية من الحضارة البابلية إن أسلوب النحت البارز أصيل وعريق في حضارة وادي الرافدين فقد ظهر منذ العهد الشبيه بالكتابي في منتصف الألف الرابع ق.م، واستمر في تقدمه وتطوره في العصور الآتية، فسار الآشوريون على هذا التراث القديم.

ظروف نشأة الفن الآشوري

كان الفن الآشوري متعدد المظاهر، فقد شيّد ملوك آشور أبنية رفيعة المستوى زادت الزخرفة في تألقها، وكان الآجر الرمادي هو "الخامة" الأساس في البناء أما العناصر الجمالية المضافة إليه فتزيده بهاءً؛ ويرجح أن الأخشاب والستائر كانت تغطي الجدران من الداخل في المعابد والقصور ولكن من المؤكد أن الآشوريين تبنوا فن التصوير الجداري، الموروث عن أسلافهم من شعوب بلاد الرافدين، في تلوين جدران قصورهم في كل المواقع التي مرّ ذكرها؛ ولكن المجموعة المهمة التي عثر عليها في قصر تل برسيب على الفرات الأعلى في أقصى المملكة (تل أحمر في سورية اليوم) تعد مثالاً للفن الآشوري وتشكل مساحة مئة وثلاثين متراً من التصوير على الجدران، ويستشف من تجميع القطع أنها تمثل رحلات صيد وتربية خيول كما تظهر جمال الملابس التي كانت سائدة آنذاك (بعض تلك القطع موجود في متحف حلب وكثير منها في متحف اللوفر في باريس).

فان الفن الآشوري كان مفعما بالزخرفة والفن وكانوا الأشوريين يزينون معابدهم وقصورهم بلوحات منحوتة التي اكتسبوها من أسلافهم والحضارات التي سبقتهم في وادي الرافدين .

العمارة في العصر الآشوري

ويمثل هذا العصر بدء نشوء العمارة الآشورية التي تركزت في مدينة آشور ومدينة تبه كورا. ويتميز هذا العصر بعدم وجود آثار عمرانية كافية تساعد على تشخيص مظاهره المعمارية، ولكن يلحظ من خلال البقايا القليلة لهذا العصر من مخلفات فنية معمارية أنها مقتبسة كلياً من الفن والعمارة في الجنوب. مدينة كول تبه-2 العمارة في العصر الآشوري الوسيط (1521 ـ 911 ق.م ) .

يتميز هذا العصر بمرحلتين رئيستين: الأولى الممتدة 1512ـ 1400 ق.م إذ سيطرت الدولة الميتانية والحورية على بلاد آشور في نهاية هذه الفترة، وأصبح الفن والعمارة الآشورية متأثراً بالفن والعمارة الميتانية والحورية. حتى ظهر ملوك آشوريون أقوياء حرروا الدولة الآشورية من الاحتلال، وعملوا على بناء عاصمة جديدة عرفت بـ (كالح) نمرود التي تمثل العاصمة العسكرية للدولة.

لم تكشف التنقيبات التي أجريت في آشور لحد الآن إلا عن جزء ضئيل من المباني والإنتاج الفنية. وعلى الرغم من كل أعمال التنقيب التي قام بها البريطانيون لسنوات عديدة في خرائب مدينة كالح فإنه لم يكشف حتى الآن عن أي شيء من الطبقات الآشورية الوسيطة . ولكن يمكن اعتبار بدء ولادة الفن الآشوري من (القرن الرابع عشر ق.م)، أي منذ استقلال الدولة الآشورية الذي مهد لتطوره وأخذ سمات مميزة في العصر الآشوري الحديث.

خاتمه

فانه الفن الآشوري قد ركز على الطابع العسكري واظهار قوة الملوك وهيبتهم فكانوا يعبرون عن هذا القوه عن طريق التماثيل المنحوتة والنحت على جدران القصور والمعابد فكانوا يميلون إلى النحت بشكل أكبر من باقي الفنون.

فإن الفنون الآشورية اكتسبت بعض الرقي الفني من الحضارة البابلية.

 إن أسلوب النحت البارز أصيل وعريق في حضارة وادي الرافدين فقد ظهر منذ العهد الشبيه بالكتابي منتصف الألف الرابع ق.م.

 واستمر في تقدمه وتطوره في العصور الآتية، فسار الآشوريون على هذا التراث القديم فإن الفن الآشوري كان مفعما بالزخرفة والفن وكان الآشوريون يزينون معابدهم وقصورهم بلوحات منحوتة.

ويمكن عد بدء ولادة الفن الآشوري من (القرن الرابع عشر ق.م) أي منذ استقلال الدولة الآشورية التي مهدت لتطوره وأخذه سمات مميزة في العصر الآشوري الحديث.

 

بقلم: غزوان العيسى

 

89 محمود فهمي1يعد الفنان (محمود فهمي) واحدا من أهم المجددين في مشهد الفن التشكيلي العراقي، فله رؤيته في اقتناص اللحظة التصويرية واللون المجسد لهذه اللحظة التي تجرّ المتلقي إليها وتجعله منغمسا ومبحرا فيها بلا وعي منه مصابا بداء الدهشة ولذة المشاهدة لكائناته وشخوصه المجسدة بأكاديمية عالية وحرفية، تتسم تجربته بالجدة والتحديث في خلق زوايا للنظر وفي عدة أبعاد مما يكسب لوحاته طابع الهيمنة على رؤية المتلقي وقلبه وفكره .

 مما لا شك فيه أن لوحات الفنان (محمود فهمي) تظل عالقة في الذهن لا يمكن نسيانها لمحمولاتها ومدلولاتها وغرابتها، لما لها من قدرة على ملامسة عواطف ومشاعر الرائي لها بحيث تتبوأ مكانا فسيحا في ذاكرته خصوصا وأنه يشتغل على أنسنة فضاءاته المتخيلة ملامسا مخزونات ووجدان المتلقي من صور وما يعادلها في متخيله وواقعه معا، وهذه سمة يتفرد بها (فهمي) دون غيره من الفنانين .

الفن التشكيلي لم يعد كتلا لونية وشخوصا ومساحات بل أصبح حرفة فطنة لابد أن يبلغ صانعها سعة رؤيوية ذكية غير مكررة كي تتسم أعماله بالتفرد والتجديد لتحتل مساحتها في المشهد الفني الجمالي .

رسوم (فهمي) في واقعيتها السحرية تستفز ذاكرة المتلقي وتصيبه بالذهول في موضوعاتها الحياتية التي لم تصل اليها فرش وألوان الفنانين، هي مشاهد يومية وسلوكيات مجتمعية وطقوس فردية وجماعية يقتنصها (محمود فهمي) بمهارة وذكاء ويجسمها بألوان باهية وزاهية تسرّ الرائي وتبعث في نفسه المسرة والفرح والبهجة والفكاهة والارتياح للمشهد المقتنص من حياته بفطرة وحرفية على حد سواء وهذا الذي نقصده بالفرادة والجدة .

89 محمود فهمي2

المشهد التشكيلي في لوحاته يبدو وكأننا نشاهد فيلما سينمائيا أو دراما تلفازية أو مشهدا مسرحيا، فقدرة (فهمي) على محاكاة ذهنية المشاهد لصناعة لقطة درامية عالية يتخللها حوار بين شخوصه وحوار آخر بين شخوص لوحاته وبين المتلقي فيغدو المتلقي جزءا من المشهد الذي صوره الفنان أي يصنع مشهدا بألفة حميمية ينخرط فيه المتلقي بالمشهدية المصورة بكثير من الحرفية والدقة والأمانة للموروث الثقافي الزاخر، فهي تحاكي ذاته وأجوائه وطقوسه وتعيده الى ذاكرته (فلاش باك)، وخاصة أن بعض الطقوس المجتمعية بفعل التطور باتت منسية وصارت تنتمي الى جيلها وتاريخها لهذا تجرّه اليها بشغف ولهفة .

لوحة (فهمي محمود) تشبهه وحده هو اذ لا يجسد موديلا أو يصورا مشهدا فوتغرافيا أو نقلا له بل هو يبتدع المشهد التصويري من انطباعاته الخاصة وخلفيته الفكرية وروحه السامية العاشقة لإرثه وواقعه، وتشير تيمات اشتغاله إلى رسائل عدة ومن أهمها أنها تستفز نفسية ومشاعر المتلقي من خلال إيحاءاتها الايروتيكية والرومانسية من خلال تسليط الضوء على انوثة المرأة التي تشعر بالقيظ فتستدعي دجلة بفيضه ونسائمه لتبدد حرارة قدميها ويلامس أطرافها بفنتازيا لونية وشكلية دقيقة ورصينة ومحترفة وهذه لقطة قد تكون نادرة معبرة عن عفة الأنثى التي تلجأ الى الماء ليطفئ سحنة الأنوثة والمشاعر اللاهبة فيها، فهو تصوير سيمائي رائع، وكذلك قضمها لحبة البطيخ (الرقي) وتأملها الى الجزء المقطوع منها (الشيف) حيث تتغنج الفتيات وهن يحملنه في جلسة ايحائية مباشرة بكثافة ضوئية عليهن وعلى مكامن انوثتهن ويصبح المكان سطوح البيوت خلفية داكنة غافية فيها بعض العتمة لإبراز المشهد التصويري لحركة الصبايا ومن فوق سطوح المباني وكأنهن أردن القول أن انوثتنا وصبابتنا أصبحت لا تتسعها المدن وضاقت بها الأمكنة وليالي بغداد وفاضت بها أحلامنا وأمانينا، و بلغت اللهفة فينا حدود الغنج واستوطنت الهيام .

ثمة أمر يبدو واضحا في أعمال الفنان (محمود فهمي) هو وضوح ألوانه ببريقها وسطوعها، يجسد لوحته بوضوح شديد وبألوان دافئة ساحرة مخملية لا لبس فيها ولا غموض أو عتمة كي تتسق مع موضوعاته فتبعث في نفس المتلقي الارتياح فتجذب نظره ويستعذبها القلب وتبعث في نفسه روح المداعبة بألوان فيروزية هادئة وألوان باردة تنسجم مع إشاراته ورمزيته الايروتيكية، ويجلسها دائما أي - شخوصه - في الأعالي دلالة على التحليق والطيران بأجساد فخمة مكتنزة ومترهلة أحيانا إذ لا يحبذ أن يقيد شخوصه وكائناته في فسح ضيقة فيطلق لها العنان تكاد تقترب من السماء سابحة بالأفق والفضاءات بحرية وتلقائية، فشخوصه الأنثوية فاضت رقتها وأنوثتها عن البيوتات الصغيرة البغدادية ولم تعد تستوعب توقها للتحرر من قيود طالما خنقت فيها الأنثى المتعطشة للحياة ولإثبات ذاتها، فاعتلت سطوحها بل غدت هي السقوف التي تستظل بها البيوت والمدن والحارات، انه فيض روحي ورسائل يبثها (فهمي) للعودة لذلك المعمار الهندسي القديم (الأحواش) ابن البيئة العراقية القديمة التي تكتنفها الفطرة والألفة والحميمية والعلاقات النقية، انها رسالة اعتراض على التطور السريع الحاصل في هندسة المعمار المستوردة والتي لا تتلاءم مع أجواء ونفسية وأخلاقيات العراقيين، هي دعوة للعودة للجذور والأصول والثقافات الشعبية بكل ما تحمله من البساطة والطيبة والسماحة والجمال الفطري .

 شخصيات (محمود فهمي) حالمة طاغية في مشهديتها آسرة لنظر الرائي، ليست كائنات منكسرة بل هي تتنقل ما بين وضعيات  بشوشة / ضخمة الجسد/ طائرة وحالمة / مترفة بالأمل .

 

رياض ابراهيم

 

88 محمود شبرفي بداياته في عالم الرسم والتشكيل هام محمود شُبَر بعشق الروح الصوفية، فكان أكثر ميلاً للاشتغال في التشكيلي التجريدي. تلك هي اشتغالاته الأولى في عالم الرسم متأثراً بصوفية "كاندنسكي" الذي كانت أعماله الفنية موضوع دراسته للماجستير.

كان يطمح بأن يُكمل رسالة والده الفنية، فهو ابن الفنان التشكيلي (النحات) المعروف (شاكر نعمه 1941 ـ 1991) من جيل مُبدعي الفن التشكيلي في سبعينيات القرن المُنصرم والحاصل على الميدالية الذهبية عام 1972 في إيطاليا في معرض الفنانين الأجانب. عُرف (شاكر نعمة) بمهارته في توظيف التضاد بين الألوان لا سيما بين الأسود والأبيض.

الإبن على سرَ أبيه، فكما عُرف عن شاكر نعمه همَه في التشكيل نحتاً ورسماً وتأكيده في أعماله الفنية على صلة الإنسان بالأرض، وهيامه بالهوية الوطنية عبر توظيفه لرؤى المدرسة التعبيرية في الرسم والنحت.

حاول الابن أن يطير بجناحيه ليكشف عن عوالم أخرى خارج مُعطيات المدرسة التعبيرية، ولكنه بعد تجربة فردية وخبرة اجتماعية عاد ليستظل بظل ما عمل أبيه على تنمية مهارته الفنية والفكرية التي تُنبؤنا بأن (هذا الشبل من ذاك الأسد).

عمُ محمود شُبَر هو الفنان (زيدان نعمة) الذي تميزت لوحاته ببهاء اختيار اللون وعشق الحياة برسم الريشة لألوان المحبة.

88 محمود شبر2

لا أظن رغم عشق محمود شُبَر لأعمال عمَه وامتثاله لرغبته ورغبة أبيه في عشق الرسم وتشكيل اللون، ولكن زيدان النعمة بهجة لونية وحياة مسرَة بحكم مُفارقات زمن العيش بين العمَ التشكيلي الذي تنطق ألوانه وتصرخ لوحاته بأن "الدنيا حلوة ونغمتها حلوة" فكان عمَه فنان التشكيل اللوني الذي يبعث البهجة في النفوس. زيدان نعمة (فنان العشق) وبهجة اللون حينما تكثر التحديات، ليخترقها زيدان نعمة ببسمة ترسمها ريشته بألوان زاهية تُحاكي السعادة، فلا مكان للحزن في لوحاته لأنه في مضامين أعماله التشكيلية يعمل على نثر (هيل) جمال التشكيل اللوني، لأن مهمة الفن عنده إعادة تشكيل الحياة وفق نمط العيش ببهجة وشراق فيه بهاء واقبال على مفارقات الدنيا المُحببة في تضاد (اللذة والألم).

بين كبيرين الأب والعم، كيف يتسنى لفنان ورث الفن فكان عنده سجية وفطرة استقاها من الأب والعم، وهُنا يكمن الإبداع والقهر في الآن ذاته، فكيف يتسنى لمن نشأ وتربى في بيئة فيها كبار أن يرسم ملامحاً لـ "بصمة خاصة" فحينما يرث الأبن تاريخ إبداع عائلي لربما يحسده أةو يُغمطه عليه الآخرون، ولكنه سيكون بين نارين، مثلما تقول الأغنية العراقية (على النارين خلَونه إنتجوه)، فبين نار إبداع الأب ونارإبداع العم، ما لذي يُمكن لوريثهما أن يصنع؟!. ولكن كما يُقال (ابن الوز عوَام) فكان ما كان مما تعلموه وما سأخبركم به بأن الابن (الوريث) لنمطين مُختلفين من التشكيل قدَ تمكن من يُخلق له (بصمته الخاصة).

ولأنه نشأ في عراق الحرب، فلم يتمكن من إكمال دراسته للفن في إيطاليا كما كان يرغب والده، تلك المدينة التي تغوص في عُمق جمال الفن التشكيلي.

88 محمود شبر4

كانت الحرب موضوعات رسوماته والسياسة شاغله، فما كان منه تعبيراً لرفض الحرب وهيمنة السياسي على الاجتماعي وطُغيانه سوى اللجوء للمدرسة التجريدية كي يُضمنها رمزية وترسيمات لونية تُتيح له حُرية التعبير عن هذا الرفض داخل فضاء اللوحة، فهو من جيل لم يعش بسلام أبداً فكان كل ما انتهت حرب دخل النظام بحرب أخرى، لذا تجد لوحاته تضج في بداياتها بحركية الألوان وتعددها وتداخلها وصخبها، فكان بحق "رسام الحرب" كما يحلو للبعض تسميته، لكنه رسام للحرب لا من أجل غوايته بها، بل لأنه ماهر في تشكيل صور الدمار في الحرب رسماً وتشكيل رؤية فنية لها مرجعية فنية تعبير الرفض فيها كامنٌ في رسوماته، أو ما قيل عنه أنه يُجيد رسم "فن الانتقام من الحرب"، فهو يُصرَح كي لا يُحاسبه المغرضون في التقليل من (بلاغته اللونية) بأنه "من جيل ولد ما بين حربين ودُخانها والمدافع"، ليُذكرهم بقوله: "أنا لم أرسم المُدن، إنما رسمت الحرب" بلوحات تعبيرية وضربات ريشة فنان يعي رسالة الرسام ليرسم لنا من "أرض الدم" تمظهرات اللون و "حكايا الجسد" االعراقي الذي أنهكته الحروب، فلوحاته خبر يصلح أن يكون "سب تايتل" بتشكيل لوني لتقتصه محطة اخبارية تهتم بشؤون أهل العراق، لتُخبرنا أن في التشكيل خبرٌ أن هُناك بلداً أكلته الحروب، وأهله صامدون!.

بعد سقوط النظام الديكتاتوري وقبل ذلك بزمن تحوَل من فضاء التكوين التجريدي ليكون من عرَابي المدرسة التعبيرية في الفن، ليرسم لنا صور الجنود وهم في معسكرات التدريب أو في ساحة المعركة بيدهم وبمعونة جنود (المارينز) الأمريكان يُمسكون بصورة لصدام بدلالة تعبيرية واضحة على أن سقوط النظام لم يكن كما كُنَا نتمنى، فكانت لوحته (اسقاط الصنم) تعبيراً عن الرفض الحقيقي لما جرى وما يجري على العراق وفي العراق "نرسمُ للعراق وعنه".

88 محمود شبر3

إن رسومات محمود شُبَر إدانة لكل أشكال الحرب بما فيها الحرب التي أسقط فيها الأمريكان النظام الديكتاتوري بحجة الديمقراطية التي دمرت تاريخ وآثار وفنون العراق، فماذا يعني أن تُسقط نظاماً دكتاتورياً وتُخرب في الوقت ذاته حضارة وتاريخ بلد؟!.

وماذا يعني أن تُسقط نظاماً ديكتاتورياً لتأتي ببديل عنه تحت مظلَة الديمقراطية رجالاته يقودون البلد بعقلية خُرافية قدمت من القرون الوسطى؟!.

تلك هي رسالة محمود شُبَر الفنية، بوصفه (فنان مُعاصر ينتمي للزمان والمكان)، وهو من الفنانين الذين يُصرحون ولا يخجلون بأن له "بصمة خاصة"، وهو (بابلي) يستمد ثقته من تاريخ حضارته في التشكيل رسماً ونحتاً ومعماراً أمدها آلاف السنين (حضارة بابل)، ولكنه لم يتعكز عليها ولم يرتض لنفسه أن يكون تشكيله على غرار تصميم بابلي سبق، فما أنتجه أجداده من خلق وابداع فني لهو كفيل بأن يمنحه القُدرة على الخلق والإبداع في التشكيل الفني رسماً يُكمننا من الحُكم على لوحته من دون تدوين اسمه عليها بأن عائديتها لمحمود شُبَر، لأنه فنان (رسالي) يُحاول بـ (بصمته الخاصة) في التشكيل اللوني أن يرسم الوطن بما فيه من خراب وما فيه من أمل يحمله هو ومن ماثله وشاركه الهم من (جماعة الأربعة) أن يُعيدوا انتاج الوطن وفق مُخيلتهم الإبداعية المؤسسة على قراءة لتاريخ وطنهم بكل ما يكتنزه من جمال ومعرفة.

88 محمود شبر1

في لوحته (السياب) يجمع بين الرؤية الأخَاذة في رسم صورة السياب وقصيدته (مطر مطر..ما مر عام وليس في العراق جوع)..

إنه فنان نقد (الوعي المُتمركز) حول الذات وتعرية تضخيم "الأنا" التي يستخدمها الرومانسيون الذين يتغزلون بـ "الزمن الجميل" ليُعَري بعض من (وثوقيتهم) ومصادراتهم التي يترنمون بها على أن العراق بلد الخير والنماء والرخاء، وتناسوا كل شظايا جست جسد العراقي بحروب لا عدالة فيها، فمسَت وخدشت حياء (الأنسنة) التي غادرتنا قبل أن يحين قطاف الزهر وتشكيلات فنان ماهر بعد غوص في (فُسيفساء) التنوع العرقي والمذهبي في العراق، وتلك مهارة تكتنزها ريشة محمود شُبر في التشكيل وتقبل التنويع.

لا يتخذ محمود شُبر من الرسم أداة لإضهار مهاراته الإبداعية التي لا يُختلف عليها، وإن كان ذلك من مُعطيات التعبير عن إمكانتاه، ولكنه (فنان) مُفكر، ومُفكر فنان، يجعل من فنه التشكيلي عتبة لتدوين تاريخ لمرحلة مهمة من تاريخ العراق، فهو يكشف عبر ريشته تاريخ "العُنف الدموي في العراق" والعمل على جعل الفنان بمصاف المُفكر، كلاهما يكتب وينتقد، فالمفكر يُدون تاريخ الشقاء والعُنف باستخدامه قلمه ورؤيته النقدية، وشُبَر من خلال ريشته ورؤيته التعبيرية داخل فضاء اللوحة،يُشارك مؤرخ الأفكار مهمته، فهو من الفنانين الذين يُمكن تصنيفهم على أنهم من دعاة "الفن للحياة" لا "الفن للفن" بمعنى أن الفن عنده تربية للذائقة الجمالية أولاً ونقداً صورياً عبر الرسم للواقع لا من أجل "تفسيره" إنما هو عمل دؤوب لـ "تغييره"، وكأنه يُراداف بين مهمة الفن ومهمة الفلسفة التي تحدث عنها (ماركس).

في خضم توظيف رجالات السياسة والدين في العراق للدين والشعائر نجد محمود شُبَر يلج هذا المُعترك ليكون مُشاركاً بنقد هذا التوظيف بلوحة تشي بالكثير من الدلالات يظهر بها "الإمام الحُسين بوجه على شكل شمس راكباً حصانه الأبيض، حاملاً رايته الحمراء دلالة على أن الحرية لا تُطلب إنما تُنتزع وكل هذه دلالات على أهمية ثورة الحُسين (ع) بوصفها ثورة إنصاف وسعي لتحقيق الإصلاح، ولكن خلفية اللوحة لوحة مرورية في سهم يُشير إلى كربلاء وآخر يُشير إلى (طويريج) ووجهة الإمام عكس كلا الطريقين!!.

88 محمود شبر5

أية بلاغة أقوى من هذه البلاغة؟!، إنها (بلاغة التشكيل) والتصوير والرسم والتشكيل، فطويرج في اللوحة المرورية اشارة سيميائية مُكتنزة الدلالة، وكربلاء صارت قبلة للمُدَعين أنهم أصحاب الحُسين، ولكن البلد ينخره الفساد!! لذا نجد الإمام يتجه صوب هدفه بعيداً عن الفاسدين في السياسة والدين!.

في محاولة مُبتكرة ولا أظن أحداً قبل محمود شُبَر قدَ استخدمها في فضاء التشكيل نجد شُبَر يستخدم في أعماله التشكيلية (اللوحات المرورية) في العراق الدالة على المُدن والإشارة للتحويلات، ببلاغة تشكيلية مُبهرة، ففي لوحته (الموصل تُرحب بكم) تجد اللوحة متآكلة بعض حروفها، اللون الأسود يأكل بعض حروفها المكتوبة باللون الأبيض، وهذه ليست لوحة فقط رسمتها ريشة فنان مُحترف يترك العنان لروحه للتعبير عنها لونياً بواسطة الريشة، إنما هو فنان يكتنز من الوعي المعرفي والسياسي بما يؤكد وجهة نظرنا التي أشرنا لها، ألا وهي ربط الفن بالحياة، وربط الفن بالفكر، فهو لا يرى في الفن مُجرد تجليات صوفية رومانسية كما بدأ، إنما هو اليوم يعمل على أن يجعل من الفن رسالة ثقافية فكرية وتنويرية، بل وتغييرية وثورية.

من جماليات التشكيل عند محمود شُبَر أنه لا يدمج فقط  بين وظيفتي التشكيل (الفن) والفلسفة، إنما هو يدمج بين وظيفتي (النقد الفني) والتشكيل (الفن)، فأنت كمتلق لـ (لوحة) شُبَر لا ترى مهارة التشكيل اللوني فقط، إنما يُرغمك شُبَر أن تكون أنت من ضمن (جسد اللوحة) إن لم تكن أنت عنصراً من عناصرها، فهو لا يكتفي بالألوان تشكيلاً وتعبيراً قصدياً عن معنى، إنما هو يستخدم جملاً لغوية باللهجة العراقية (العامية) لتكتمل رسالة الفن عنده.

اللوحات المرورية علامات إشارية يخترق بها محمود شُبَر لغة التعبير الجمالي ليجعلها لغة تفكر وتأمل، وإن قيل أنه لم يكن أول فنان تشكيلي استخدم (إشارات المرور)، لكنَي أقول وبثقة أنه الأول الذي جعلها تنطق بمعانٍ مُغايرة، فهو من صيَرها (أيقونة) ليست للتذوق الجمالي فحسب، بقدر ما جعل منها (أيقونة) للدلالة على تقدم البلد في زمن، ودلالة على تراجعه في زمن (الما بعد) لا لتفضيل زمن على زمن وفق منظومة التفكير العاشقة المُتيمة بالماضي، بل لأن الحاضر (السياسي) و(الاجتماعي) بدى لنا أقل احتراماً لقيم المعرفة والجمال من الذي مضى، وإن كان الذي مضى فيه من المرارة العيش وكُره فردانية السلطة الكثير، فوجدنا في تشكيلات محمود شُبَر اللونية بمعانقتها للتعبيرية (الحروفية) ما يختصر لنا فهم مكامن التبدل والتتغيَر في وقعانا المعاصر، ولك أن تلحظ لوحته التي تظهر بها (بساطيل) الجنود العراقيين مُتهرأة.

لربما نكتشف بعض تأثير وحضور لحروفيات (شاكر حسن آل سعيد) في رسومات محمود شُبَر، ولكن التوظيف مُختلف تماماً بحكم تحول الحال وتغير الأحوال، وتبدل الموضوعات وتعاظم الصراع، فلم يستخدم محمود شاكر الحرف لزيادة الإبهار في اللوحة، وربما كان ذلك حاضراً في لوحات (آل سعيد) إنما كان استخدام الجملة داخل فضاء اللوحة لاستكمال العمل الفني (معنىً ومبنىً)، فهو استخدام قصدي لا من أجل التحشية أو التجميل بل بقصد تحقيق الهدف الذي يرومه صانعه أو مُبدعه.

(بغداد تُرحب بكم) معرض فني شارك فيه محمود شُبَر، ليُظهر به تارة وجه بغداد الجمالي حينما كانت قبلة المعرفة والعلم لتجد لوحاته الإشارية ناصعة بهية مثل وجه بغداد كما يأمل هو ونأمل نحن، وتارة أخرى يكش لنا بعلامته الإشارية وجه بغدد الرمادي ولا أقول الأسود الذي خربته الحروب، والطائفية والفساد السياسي والمالي والإداري.

بغداد تُرحب بكم تظهر في رسومات محمود شُبَر بلوحة مُستوحاة من عمل للواسطي تظهر فيها جمال الواسطي رافعة رؤوسها صارخة بمقولة تكتنز الرفض وقولة "لا" لأن مضامين الجُمل تصرخ بالرفض عبر توظيف مهاري تشكيلي للإشارة المرورية التي رسمها لنا محمود شُبَر بألوان تشي بحجم الخراب الذي مسَته أيادي السوء وأصر على بقائها أهل الفساد (أصحاب القرار) برمزية وتعبير يشي بحجم الخراب الذي تعيش فيه بغداد، فالإشارة المرورية (بغداد تُرحب بكم) لا بغداد اتضحت صورتها ولا الترحيب بدى، ليكتب محمود شُبَر مُعلَقته داخل فضاء اللوحة استكمالاً للمعنى:

مخطوطة بغداد تُرحب بكم

يحيى بن محمود الواسطي

محمود بن شاكر شُبَر

ولك أن تعرف القصد بين زمنين، زمن الواسطي وزمن شُبَر، حينما كانت بغداد عاصمة الدنيا، واليوم بغداد في ذيل الدول الأكثر فساداً وخراباً وسوء نظافة وتنكر واستهجان للجمال.

يعشق الحكايات التي تنقله للسكينة، كما يقول، ولكنه يرسم لنا بجمال التعبير بالألوان ما تخطه ريشته صور القُبح بوصفها واقع نعيش فيه، علَنا نستفيد من تشكيلاته اللونية (الحروفية) وفهم واقعنا المُتردي من أجل مُشاركته البحث عن دروب للخلاص وإصلاح ما أفسدته السياسة من خلال الفن أو الفكر، أو كلاهما معاً.

الفن خلاص كما الفلسفة، والمهمة مُضنية في (التخيل) عند الفنان، و(التعقل) عند الفيلسوف، وكلاهما في عوالم (الميتا فني) و(الميتا فلسفي) يلتقيان، ومثل هذا التوق والشوق قد يلتقي عالم "الميتا ديني" ويتداخل مع عالمي "الميتا ديني" و"الميتا فلسفي"...

 

ا. د. علي المرهج

 

وفق لعبة الفن المدهشة التي لا تدع فنانا حقيقيا على طمأنينة حيث القلق الابداعي المسترسل..و نهج الفن المفتوح..على ممكنات متعددة..يلج الكائن عوالم التلوين بدأب وعناد باذخين ديدنه الذهاب عميقا في القول بالبحث المضني وما يتضيه من سفر واقامة وتحولات تنهض على سؤال عظيم هو بمثابة البوصلة التيتنير وتدل على الطريق ..كان لا بد من مسافة للعناق بين روسيا وتونس وكان أيضا لا بد من أكثر من ربع قرن لتبين الدلال اللوني وهو يهب المساحة دهشته المربكة..

968 اولقا

نعم.. و هكذا كانت الحال مع الفنانة الروسية التونسة أولغا مالاكوفا وهي تنثر لوحاتها في فضاء

ال" موفمبيك" حيث السرد الملون بالحكايا والمرح والدعابة والتقاليد الثقافية والاجتماعية التونسية لتقول عبارتها الحلوة بلكنتها المعهودة " سنين دايمة " وتسافر بنا في هذا الكم من اللوحات في عوالم فنية ليشهد كل ذلك قطها الحاضر في الأعمال بألوان وأحجام متغيرة من عمل الى آخر وفق العمل بالأكريليك على القماشة ومقتضياته الفنية ...تفعل ذلك وهي تنشر نوعا من دفء التلوين والروح المرحة على الأجواء التونسية لنرى الأطباق والمأكولات وغيرها  المشاهد والتقاليد والمناسبات ومنها موسم أوسو الذي يحتفل به في سوسة وهنا عملت أولغا على التفاعل الجمالي بطريقتها مع الموضوع لتتحلى اللوحة بالألوان والزخرف والنجمة الساحلية...في بعد أولغوي مالاكوفي مخصوص..فنانة منحت ذائقة النظر للحالة التونسية شيئا من بهارات المرح والدعابة والتناغم لتقول بالفن في معرضها هذا كوجهة كونية لا تقلقها مسافات ولا لغات ولا ثقافات..فقط الرسم مجال حيوي للنظر المختلف والمؤتلف..

أعمال معروضة لأولغا منها " "سيدي رمضان " و" فداوي " و" الغريبة " و" بابا أوسو " ...و غيرها ...بلمستها الفنية المخصوصة عملت مالاكوفا في هذا المعرض على ابراز شخصيتها الفنية والثقافية لتقول جانبا من بهجتها المفعمة بالحلم تجاه حالات تونس وأصواتها وألوانه جماليا ووجدانيا..أعمال فنية متنوعة ميزت خصوصية التجربة التشكيلية للفنانة التشكيلية أولغا مالاكوفا الروسية-التونسية  المقيمة بتونس والتي تدرس بها منذ سنوات في الجامعات التونسية .المعرض الجديد هو على سبيل التحية لشهر رمضان الكريم والعيد بعنوان " سنين دايمة " في الفضاء السياحي موفمبيك بضاحية قمرت . لقد شكلت المعارض الفنية الخاصة  والجماعية للفنانة التشكيلية أولفا مالاكوفا حيزا من الرؤية الفنية تجاه المكان وما اختزلته الذاكرة من مشاهد  وحالات وتفاصيل ..و من خلال تعدد معارضها مضت أولقا في لوحاتها مع التلوين المتخير الذي طبع شخصيتها وهي المفتوحة على العوالم والعناصر..هذا الى جانب مجالاتها العلمية ضمن البحث في الحقل الجمالي .. وفي هذا السياق كان اشتغال الفنانة التشكيلية والباحثة أولقا على موضوع مهم يمس الحياة التشكيلية التونسية وفق عمل أكاديمي وعلمي  بجامعة باريس 8 ومنذ سنوات وهو عمل مهم ليس للثقافة التشكيلية التونسية فحسب بل للساحة التشكيلية العربية باعتبار أن الابداع التونسي رافد مهم من روافد الحياة الابداعية العربية والعالمية  بعنوان "من اللّوحة إلى التّنصيبات / بناء الفضاء المشهدي في تونس من الحقبة الاستعمارية إلى اليوم  وفيه " ... عالجت الباحثة في مجلدين هذا الموضوع وتساءلت عن إشكالية وجود مفهوم للمشهد الطبيعي في النقد والتاريخ الفنّيَين، ثم تطرّقت إلى التطورات النظرية والاجتماعية والموروث الحضاري التونسي والإبداعي المعاصر من خلال ألف صورة لأعمال فنّية تونسية وأوروبية ولمشاهد معمارية اجتماعية تراثية أثّرت في رؤية الفنانين... وهو عمل مهم لكونه يعزز المجال الدراسي والعلمي والبحثي بالخصوص تجاه مشهد تشكيلي تونسي متعدد ومختلف ويراوح بين رؤى الأصالة والمعاصرة ضمن سياق فيه التجارب والرموز والاتجاهات المتعايشة والمشكلة عبر أجيالها العنوان البارز للمشهدية التشكيلية التونسية..هذا وتواصل الفنانة أولغا مشاركاتها الفنية من خلال المعارض وذلك وفق حضور مدروس تسعى فيه للقول برؤيتها الفنية في سياق البحث عن الاضافة والتجدد والخصوصية..مثل معرض أولغا مالاكوفا بعنوان " سنين دايمة " بالفضاء السياحي موفمبيك بضاحية قمرت فسحة تشكيلية أخرى ببصمتها الفنية والثقافية.

 

شمس الدين العوني

 

 

960 محمود عجمي 1تعد الوظيفة الجمالية لفن النحت كسائر الفنون التشكيلية الحداثية لها الأثر التكويني للذائقة المتحركة وفق حركة الزمن وتجدد الأمكنة، لذا تحولت من نمطيتها التقليدية التي تعبر عن حاجة تؤديها الى ضرورات العمل الهندسي والبنائي وحسب الذائقة والتوجه السائدين والى أنماط أكثر صيرورة وديناميكية غير متشبثة بمبادئ الحرفة الفنية الشائعة، لذا بات الخزاف أكثر مرونة بالتنصل من أبجديات الخزف في تكويناته الشكلية وأفكاره والافلات من تلك القبضة الكلاسيكية المهنية المحافظة ليغدو حرا بالتصرف في خلق تشكلاته وكينوناته الخزفية لغرض مسايرة حركة الزمن والتطور .

بنائية الشكل وهندسة التكوين لا يمكن أن تقوض المحتوى الفكري والجمالي لدى النحات من خلال استخدامه لخامات معينة بذاتها لذا توجب عليه توظيف كل ما توفر له من خامات لتعبر عن فكرته وما يناسبها من شكل معين أو استخدام عدة خامات والوان تجسد فكرته كي تتوائم  مع مخيلته أولا ومن ثم انسجامها مع ذائقة المتلقي وفق بصريته وحدسه ووعيه ومدى تلبيتها الحسية والفكرية له .

يعد الفن الخزفي السومري في مراحله المتقدمة هو اللبنة الحقيقية لجوهر هذا الفن الذي ازدهر كثيرا تبعا للتطورات السياسية والثقافية للمجتمع وتماشيا للتقاليد والأطر الحياتية والدينية ولإشباع عدة عناصر نفسية وذوقية وايدلوجية سادت في تلك الفترة وتعمقت في مراحل لاحقة من البنية السياسية والمجتمعية لأبناء الرافدين وحضاراتهم المتعاقبة، فانتقلت تقنياتها من الجانب الفطري الى أسس فنية رصينة حداثوية من ناحية الاشتغالات الفنية الحرفية عالية الدقة لتجسيم الأعمال وادخال عناصر فنية جديدة عليها وفق المتاح في البيئة الرافدينية أو الاستعانة بالخامات المستوردة، ونضف الى ذلك تأثرها بالفنون للحضارات القائمة في حينها .

960 محمود عجمي 2لا يمكن أن نفصل حركة الحضارات ونعدها تدور في فلك زمني ومكاني بعيدا عن حركة الحضارات الأخرى كبنية الدول والجيوش والاقتصاد والثقافات والروحانيات ، نعتقد ان الحضارات العالمية شئنا أم أبينا فإنها تتسق وتتكامل فيما بينها،  فالزمن في دورته لا يمكن ان يقفز ويدور في أفلاك خاصة به دون المرور بمدارات ثانية، لذا رأينا كيف تشابهت الأديان والأفكار منذ الخليقة وكيف فسر الفلاسفة وكما جاءت بها كتبهم أو الوثائق والألواح أو كما جاء به الأنبياء فلا نجد اختلافات جوهرية في تفسير الخلق والنشئ والتطور للخليقة والكون وكيف تم نقل ما دار من أحداث وتطورات منذ العصور الأولى، وقد نجدها في بعض الأحيان مستنسخة من حضارة الى أخرى ومن جيل لآخر ومن الصعب ان نميز بين فكرة وفكرة ونظرية واخرى .

الفنان النحات (محمود عجمي) قد انتبه لهذه الحركة الكوكبية لصنائع الانسان كحقيقة تاريخية وجغرافية فالملاحظ عن أعماله قد تميزت بهذه السعة المعرفية والفلسفية اذ كان واعيا الى هذه الحتميات والمسلمات فأتت أعماله وفق هذه الأسس والحقائق .

الحجارة والطين والحصى والألوان هي خامات اعتمدها (العجمي) في أغلب أعماله وخاصة في معرضه الشخصي السابع الذي عنونه (ترنيمة الحصى) وضم المعرض الى جانب الاعمال الخزفية أعمال الرسم فتضمن  أكثر من عشرين عملا تشكيليا  في الرسم الى جانب نفس العدد قد يزيد أو يقل من أعمال نحتية .

في هذا المعرض كانت الحصى والجلمود والفخار هي العنوان البارز واللافت فيه، اذ حافظ على جسم الخامة من حيث الشكل والحجم دون تغيير ولم نجد لأدواته وآلياته بالتقشير والحفر والتنعيم أثرا لها على جسد الخامة باستثناء ما أضاف لها من ألوان و بعض الأشكال لكي تفصح عن كائن أو بيئة ما لتتخذ عمقا جماليا وفكريا دون أن يخوض في الخطاب الفلسفي المغرض الذي يبتعد عن فطرة موضوعاته ويشتت رؤى المتلقي . وأراد القول بان الوجود بكليته خلقا واحدا وجمالياته يكمل أحدهما الآخر ، وأحال السكون في الطبيعية الى ترانيم وغناء يشدو بالجمال والأمل .

لقد لعب (محمود عجمي)  على ثيمة السكون ودلالاتها شكلا ومضمونا فصيّر الجلمود الهامد حيوانا ناطقا بالحياة والحصى الصغيرة جعل منها فم طفلة مزهر بالمرح وجاورها بحصى أخرى لتشكل قططا وحشرات وحلازين وسلاحف وكائنات مختلفة ، لذا جاءت حصاه وحجاره وطينه المفخور حافلا بالحياة الصاخبة بالجمال والديمومة والحركة فبدت أعماله جسدا واحدا من ناحية شكلها العام وقدرة المتلقي على استقبالها وتأويلها دون جهد فيتلقاها بنفس فطرة صانعها ومخلقها .

960 محمود عجمي 3

في معرض (العجمي) عدد من لوحات الرسم يمكن وصف البعض منها بلوحة (كولاج) اذ مزج بين الجسد التصويري المتخيل ولصق الى جانبه كتلة فوتوغراف لأعماله الخزفية فحاكت رسوماته منحوتاته لكي تشكلا موضوعات مهادنة  ومحاكية لبعضها  .

  امتازت هذه الأعمال  (الكولاج) بصفة الجدة والتجديد على أقل تقدير في تجربته الشخصية وأعطت سمة التعبير والتجريد لقسم من لوحاته حيث تجد جسدا بلا رأس مدد على أريكة  بهيئته السومرية الأنثوية التي اتصفت بالسمنة كما في ثقافة السومريين الذين يرون جمال الأنوثة يكمن بتضخيم مكامن الانوثة في جسد المرأة وابراز مفاتنها فترك نسائه (العجمي) بلا رأس لاعتقاده بان النظرة الذكورية للمرأة  تكمن في جسدها دون فكرها وثقافتها ووظائفها الحياتية ومشاركتها كعنصر ثان في صنع جماليات الحياة وعلومها ومعارفها ومساهمتها في بناء وارساء دعائم التطور والتقدم، أي نقل بحرفية واشارات ظاهرة وباطنة نظرة الشرقيين للمرأة واقصائها عن الفعل الحضاري والمنتج الثقافي وترسيخ فعل المرأة بالإنجاب وتلبية غرائز الرجل وحاجاته فقط غير آبهين بصفاتها الألوهية كصنيعه للحب والجمال والزهو والحنكة السياسية في الادارة والقيادة كما وردت الينا من السفر البابلي والسومري والأكدى .

 

رياض ابراهيم

 

955 رائد العبيدي 1النحات (رائد العبيدي) يحاكي الفراغ المتسع بفضاءاته على الكتلة النحتية ويملأه برموز وبشيفرات ودلالات مستوحاة من لبنة أفكاره فتوحي الى اشارات وجودية وفلسفية متكئا على الكم الهائل من الفكر الرافديني ممثلا بحضاراته الخالدة، محنة الوجود هي اقسى من محنة الموت وما بعده فما كان عليه أي رائد العبيدي الا ان يمتطي ثورا مجنحا نفضت الحروب غباره ليحلق باحثا عن عشبته وضالته في مدينة (انتويربن) البلجيكية عاشقة الفن ليجلس على ضفاف نهرها هر (سخلده) في مدينة (انتويربن) هذا النهر الذي نقل اليه صمته وتأملاته وهمومه التي كان يحكيها الى شط (المحاويل) الذي يجري محاذيا لقريته المتفرع من نهر (الفرات) هذا النهر الذي كان شاهدا على المراكب التي كانت تقل الصخور والاحجار والخشب ليبني بها (نبوخذ نصر) دولته ويخوض غزواته ويؤسس (حمورابي) قوانينه وشرائعه، نهر (الفرات) كان شاهدا ايضا كيف تغنجت (عشتار) على حبيبها (تموز) ليوقع بشرك عشقها حتى انصهرت روحه مع روح الغرين لذا حافظ (الفرات) على لون مائه الغرين كما يحافظ (رائد العبيدي) على ألون خزفه ومنحوتاته بلونها البني الشبيه الى غرين (الفرات) وبياضها بلون نقاء وفطرة وطيبة قلبه .

البيئة التي احتضنت العبيدي هي بيئة قروية اتسمت عليها العصبية القبلية والامر الغريب ان هذه الحاضنة لم يخضع لاشتراطاتها النفسية والثقافية ولم يأبه لها ومن الصعب على مثل هذه البيئات ان تصنع فنانا مبدعا حقيقيا صوفيا تجريديا متحررا من هذه العصبيات، انه تمرد على كل هذه العصبيات والحروب وحول نيرانها الى افرانا تنتج اجمل الاعمال الخزفية نيران الحروب والاقتتال صاغ منها مصنعا له وورشا للإبداع وحول الدمار الى جمال واملا لشعبه الموجوع الذي لم يستكن من خوض الحروب منذ الخليقة ومازال .

حينما حطت قدماه في اوربا قد أدهشته الحداثة ومدارسها أول مرة في وقت الذي انحدرت الحداثة في اوربا وتقهقرت الى ما بعد الحداثة وهي العودة الى الكلاسيكية والجذور والاصالة بعد أن خذلت الحداثة متذوقيها وباتت عبث فني وأدبي واقتصادي وسياسي لا يخضع الى مفاهيم القيم الانسانية والذوقية لذا ما كان على (رائد العبيدي) أبى الغوص والغرق فيها فلجم النظر عنها ولم يلتفت اليها وخاصة قد سبقته شعوبها برفضها، لذا عكف لينهل من جماليات تراث بلده الثرّ ممثلا بحضاراته العريقة من فنون ولقى وآداب واثر قل نظيرها بالعالم .

لو تمعنا اعمال العبيدي الخزفية تجدها متفردة باسلوها وموضوعاتها وطريقة اخراجها وتصميمها والتقنية التي يشتغل عليها فيحول الطين الى فخار نحتي بعد ان يدخلها في افران صهر لتتحول الى قطع سيراميك محافظة على شكلها وقياساتها ونقوشها وحفرياتها ويجزئ اجامها الكبيرة الى عدة قطع ليحافظ على تكوينها الشكلي والتعبيري وبعد ان تصهر يعيد تشكيلها كجسم وكتلة واحدة مدهشة بذات القياسات ولم يجري عليها اضافات لونية لتحافظ على لونها الترابي لتشعر المشاهد وكأنها قطعة اثرية صنعت منذ الاف السنين فيضيف اليها الاكاسيد والاون البني الخفيف او الابيض الشفاف لتصبح جوهرة نحتية مدهشة .

الاسلوب الفني الذي يميز رائد العبيدي عن غيره فيه عنصر الدهشة وفيها القدرة على التالف مع الرائي لها تبعث في نفس المتلقي حميمية وروح محاكية لروحه بجو صوفي روحاني تجذبه وتثير مشاعره وفكره دون وعي منه .

(يقول عفيف البهنسي، إن العقيدة الوحدانيّة الراسخة في روحيّة الإنسان العربي، فرضت على الفن العربي مبدأين: الأول هو (تصحيف الواقع). أي تحوير معالمه الخاصة، وتعديل نسبة أبعاده وفق مشيئة الفنان. والمبدأ الثاني هو: إغفال الشكل الواقعي. أي الابتعاد عن تشبيه الشيء بذاته.. ومن هنا تحديداً ولد الرقش العربي الذي هو عبارة عن أشكال تجريديّة لا علاقة لها بالواقع)

955 رائد العبيدي 2

ان اسلوب العبيدي بالنحت الفخاري يعد مبتكرا وخاصا به فيحيل أكبر الأعمال شكلا وحجما ورشاقة ليأخذ طريقه الى الأفران الحرارية العالية الحرارة لينصهر ويتحول الى خزفا (سيراميكيا) هذه الجزيئات والقطع بعد ان تكتمل تضاريسها وقياساتها محافظة بالوقت نفسه على كل حفرة وشق أو تطريزة وشفرة ثم يجمعها وينصبها لتتخذ قوام تمثال ونصبا شامخا بامتداداته فيبلغ ارتفاعها من مترين وما يزيد عنه دون أن تشعر بمياسته ورهافة ملمسه وتكوراته وانحناءاته وكأنها شجرة تخشى الظل والبرد وتأبى تعرضها للحرارة فكيف تحافظ على ديمومتها كما في تمثال (الشجرة الخالدة والأم الآلهة والمرأة النعناع) وغيرها من أعماله .

 أعمال (العبيدي رائد) تبدو للرائي رهيفة ورشيقة وناعمة وقد تكون خفيفة الظل كيانا لكنها صلدة ومتينة ومتماسكة كما في عمل (الشجرة الخالدة) وكأنها شجرة تفاحة (آدم أو عشبة كلكامش) وهذه الشجرة كقطعة خزفية اتخذت من ثدي المرأة قاعدة لها لتسقيها بالحياة والنماء والجمال ، هذه الشجرة الغرائبية الشكل تمثل المخيلة الخصبة للنحات (العبيدي) شجرة بعيون صقر وبرشاقة غزال وبضفيرة بنت مدللة تستند على عود (الآراك) الذي يبعث عطر الطيب والمسك ، انه ثيمة ارسال وبعث لعطر الحياة وجمالها ، انها لوحة تجمع بين السريالية والفنتازيا التي اتصفت أعماله بها والتي تجاوزت في منظوماتها الفنية والجمالية حدود الخيال الى المطلق من التفكير والايحاء والتيه .، وعند التمعن تجد بابا في أسفل قائم الشجرة فهو بمثابة باب الجنة، هذه الجنة الشجرة التي غلقت أبوابها بوجه (آدم) الذي ارتكب معصية الغواية بقضمه تفاحة (حواء) أو نشوة شهدها .

ثمة نموذج آخر وهو عمل فني نحتي كبير لفت نظري لاختلافه عن سائد الأعمال النحتية شكلا ومضمونا وتقنية وهو تمثال (المرأة النعناع) فقد جمع النحات بين جسدين متضادين في فعلهما ووجودهما فالأول هو المرأة بكليتها وما تحمله من صفات وجودية وحياتية والأمر الآخر (النرجيلة) وهي احدى الوسائل وأداة للتدخين الشائعة في مناطق الشرق أي عمل يجمع بين المرأة (والنرجيلة) وهو تمثال لامرأة برأس (نارجيلة) هذه الفنتازيا الغريبة قد تجدهما متضادين فكيف يتجرأ الفنان لجمع المتضادات في معانيهما ألم تعد مجازفة فنية وفكرية ؟

لو تمعنا الى جسد المرأة ككتلة وتضاريس أنوثتها ان كانت رشيقة طبعا لوجدت الخصر النحيف والأرداف البارزة والأثداء أيضا كتكورات جاذبة للعين واذا ما نظرت الى أداة (النارجيلة) ستجد لديهما ذات الصفات الجسمانية من نسق قاعدتها وخصرها وحتى فوهتها فهي هنا قد اقتربت شكلا من ناحية التضاريس الجسدية بينها وبين المرأة، ولكن في حقيقة الأمر لم يكن هنا النحات يقصد ذلك بل أخذ الجانب الروحي والفكري بين الثيمتين اذ ان المرأة تمثل لدى الرجل النشوة والشهوة وجمالية الوجود وهي تمثل أنفاسه الصاعدة والنازلة ولا يمكن أن يحييا بدون وجودها وعطرها وزكرشة ملابسها وزينتها ومفاتنها لذا تشكل المرأة بالنسبة للرجل ذاته الأخرى، وتخيل الفنان هنا أن (النارجيلة) ومن كثرة الادمان على تعاطيها كدخان رطب ومعطر بمختلف العطور واللذائذ تمثل له نشوة كبرى قد أدمن طعمها وعطرها فهو يشهق دخانها كما يشهق عطر أنثاه، فقد تشابهت شكلا ذات اللذة الروحية فيما بينهما، حقيقة هذا ما نسميه الرقش أي العمل او النموذج الذي لا علاقة له بالواقع لسبب لان ليس كل الناس لديها ذات النظرة والقدرة للجمع بين نشوتين فانها لا تغدو فنتازيا جميلة قد ابتكرها الفنان في عمله هذا وهي تبدو صادمة لذائقة وفكر وخيال المتلقي وهذه احدى أهم السمات التعبيرية لدى (رائد العبيدي.)

 

رياض ابراهيم / كاتب واعلامي / العراق

 

 جمال العتابي(كيف ينظر فنان عراقي عاش محنة الحرب الى فنان اسباني عاش كوارث الحرب في بلاده كذلك؟ د. جمال العتابي يجيب من خلال منظوره فناناً وانساناً) .

بين الفنان والمشاهد حوار غير متعادل، حول ماهية الأثر الفني، اللوحة تفيض وتمتد خارج إطارها الزمني، تتجدد دائماً لتأليف خيال يتناسق مع حساسيتنا ومعرفتنا الراهنة . تشعّ بالجلال، حينما تغمد جسدك في فراغ اللوحة الداخلي، وتقيم حواراً حراً كشريك في عملية الخلق بلغة تعاش من الداخل .

لا شيء كالصمت قادر على خلق الشعور بالتماهي مع هذا القدر من الجلال، لتقف خاشعاً وسط الوجوه الساكنة في لحظات اللقاء، أمام الجورنيكا الأثر الخالد لبيكاسو، الجدران صامتة هي الأخرى،بين الظل والضوء، واقعة بين العين والجدار، لا تتوقف من إرسال إشارات المضامين، مسافة تكاد لا تسمع فيها غير وجيف القلوب، اللوحة تتوهج في صمتها واشتعالها، تسبح في فضاء أبيض، كما لو كانت في معاقل حصينة لا تنالها إلا العيون، وعيون الحسناوات (الحارسات) يترصدن حركة أيدي المشاهدين، خشية أن يتجرأ أحدهم على التصوير، يأخذك الانتشاء ببهاء الإبداع في متدارك هذا الإيقاع،فتحاول الإفلات من هذا القيد، غير ان الجورنيكا لا تمنح نفسها بسهولة للمتلقي،فهي لا تكتفي بإنارتها الداخلية، بل تدعنا ان نمارس معها تجاسداً فنياً يتوازن مع حالة الاسترجاع الزمني الذي عاناه الفنان، يشد الأوتار ويرخيها، يشيّد عمارة ثم يمحوها، يستعيد ويتذكر، يتأوه ويحلم بعالم يسوده السلام .

944 جمال

الجورنيكا أقرب إلى موسيقى كونية هادرة ترفض قوانين السكون، هي دورة أفلاك ترتعش بألوان الأبيض والأسود والأزرق الداكن، لاقتناص لحظات صراعات التاريخ مع جنون الحرب، الصراع بين الظلمة والنور، بين ألق الوجدان ودخان الحرائق والكوارث الإنسانية، الحرب لم تدّمر حواسنا فحسب، بل أيقظتها إلى الحد الأقصى، بكل تراكمها الكمي،محررةً من القياسات والمسافات، وحده الفنان من يعرف ذلك، يهيب بنا أن لا نتأسّى، بل أن نبحث عما وراء أثره الفني،الذي يحمل تاريخ مولده، لكن قصته طويلة، يتناقلها الأبناء عن الآباء، لأن بيكاسو تحرك إلى أزمنة أخرى، إلى مختلف مستويات الحلم والذاكرة،ليستوفي كامل طاقته التعبيرية، ويبلغ أوج عنفوانه الفني، في خلق لوحة تفكر ذاتياً، بما تختزن من طاقة، في مساحة مسطحة ذات إشعاع داخلي .هي ذي الحرب ذئاب تترصد الأقمار، ويصطلي في مجامرها الفقراء والنساء والأطفال،مدن تسقط وتحترق بظلمائها، وتحتفل الأرض بالشهداء، فينهض الموتى وتنتفض القبور.

الجورنيكا وحيدة في الصالة التي تسبح في فضاء أبيض، لا سبيل للوصول اليها،سوى أن نمنح أنفسنا حق التأمل والاستذكار، والانهماك في تقريب مشهد ضراوة الواقع الذي يعيشه إنسان هذا العصر، ونشفق على أنفسنا ان لا تضيع من مخيلتنا المسافرة سحر تلك اللحظات، إلا بالانغماس في التأمل، واستدعاء الصراخ المنداح من الأعماق، هاهنا تخفق القلوب وتتسارع النبضات مع إيقاع المرحلة الزمنية العاصفة التي يجسدها العمل الفني، المشاهد يقف خاشعاً كما لو كان يمارس طقساً مقدساً من طقوس الحياة، ألا فلتظل ساهرا أيها القلب، ما دمت قد عببت كل هذا الصمت، وأنت ساكن تلتقط بكل إحساسك المتفتح من تلك الموسيقى الهادرة من صهيل الحصان. وحين يولد فجر السلام يبدأ الوطن الحب .

 

د. جمال العتابي

.................

* الجورنيكا ..لوحة الفنان الأسباني بابلو بيكاسو أنجزها في أواسط حزيران عام 1937، معروضة في متحف الملكة صوفيا للفنون في مدريد، وهي مستوحاة من آثار القصف الوحشي لمدينة غورنيكا في إقليم الباسك الأسباني من قبل الطائرات النازية والفاشية، أثناء الحرب الأهلية الأسبانية ، اللوحة مرسومة بالزيت بقياس يقرب الثمانية أمتار عرضاً، وثلاثة ونصف متر ارتفاعا،شكراً لك صديقي العزيز الفنان سعد علي، أنك أقمت هذا الطقس، وهيأت بخوره وصلواته، فلولاك لم أدخل هذا الفردوس، قبلة على جبينك .

 

عدنان حسين احمدنظّمت صالة "قزوين المعاصرة" في لندن معرضًا مشتركًا لأربعة فنانين أذربيجانيين وهم أمين قهرمانوف وحاجي ميرزا فارزالييف وجلال أغاييف وفوغار مرادوف. وقد ضمّ المعرض الذي انضوى تحت عنوان "رحلة إلى الروح" 16 لوحة متنوعة الأحجام والتيمات نفذّها الفنانون بوسائط مختلفة على الكانفاس. ينتمي الفنانون الأربعة إلى مدارس فنية متعددة، فالفنان أمين قهرمانوف (43 سنة) يجمع بين التجريدية والسُريالية ولعله الفنان الأرشق تقنية، والأكثر عمقًا في تجسيد المخلوقات الأسطورية في لوحاته مع أنّ قهرمانوف قد كابد كثيرًا لمواصلة حياته المهنية كفنان لأنّ أسرته لم تكن ترى في الفن التشكيلي مهنة، ومن حسن حظه أن جدّه كان داعمًا كبيرًا لموهبته الفنية الواضحة حيث أدخله الدروس الفنية الخاصة التي طوّرت من أدواته، وصقلت تجربته المتميزة منذ بداياتها. ثم التحق قهرمانوف بكلية الفنون في العاصمة الجيورجية تبليسي الأمر الذي هيأ له المزج بين المدرستين الفنيتين الجيورجية والأذربيجانية. اشترك قهرمانوف في هذا المعرض بثلاث لوحات منفّذة بالزيت على الكانفاس وهي على التوالي "الطبّالان"، "نساء عاشقات" و "السيدة والكلب". ومِنْ يعرف أمين قهرمانوف من كثب سيدرك من فوره أنه يستلهم موضوعات لوحاته من أحلامه، ومخيلته البصرية، وصور الأساطير التي تتماوج في شريط ذاكرته الصافية التي لا يغشّيها الضباب. ففي لوحة "الطبّالان" 2012 التي استوحاها من أحد أحلامه الكثيرة نلحظ طبّالين يقرعان الطبل، ويغنيّان، ويرقصان في أثناء الليل. لقد لا مسَه هذا الحلم، وحرّك مشاعره بحيث رسمهُ فورًا ما إن استفاق منه. تُذكرّنا هذه اللوحات بأعمال الفنانين التعبيريين الألمان، كما أنها تخالف لوحاته الأولى ذات الألوان الرمادية الباردة التي سوف يغادرها لاحقًا إلى الألوان الحارة ما إن يتخلص من تأثير المرحلة الجيورجية التي تتسم بالألوان الدكناء. أما لوحة "نساء عاشقات" 2015 فهي لا تختلف كثيرًا من حيث اللون والخط والحركة عن أسلوبه التعبيري المتعارف عليه لكنه أضفى عليها من عندياته لمسات جمالية تحيلنا إلى شغفه الأسطوري الواضح. أما اللوحة الثالثة والأخيرة فهي لوحة "السيدة والكلب" التي تتألف من ثلاث فيكَرات بشرية وحيوانية ونباتية، فهناك المرأة العارية، والكلب المسترخي، وعذق الموز، إضافة إلى الفراش والوسادة وهيمنة المناخ الإيروسي البعيد عن الابتذال. لا يجد قهرمانوف حرجًا في أن يرسم بعض أفراد أسرته في أوضاع حميمة، ويؤكد دائمًا بأنّ الحُب هو شغله الشاغل.

936 Absheron 2

يحتل الفنان حاجي ميرزا فارزالييف (68 سنة) منزلة خاصة في المشهد التشكيلي الأذربيجاني وذلك لتنوّع مصادر إلهامه فهو "يستقي موضوعاته من الزرادشتية، والميثولوجيا التركية القديمة، والديانة الإسلامية، كما أنه مولع بتطعيم لوحته بعدد من القصص، بعضها يفضي إلى رحلة واحدة، وبعضها الآخر يتشعب لرحلات متعددة لكن القصص جميعها تحفِّز المشاهد على فعل التخيّل" الذي يدفعه إلى التحليق بعيدًا عن أسْر العالم الأرضي. منذ صغره كان حاجي ميرزا يدرك ملَكتهُ العقلية، وكان يحب التمثيل، ويؤدي الأدوار المسرحية في المدرسة لكنه ما إن رأى جنديًا شابًا يعلّم الطلاب طريقة الرسم، وكيفية إنجاز لوحة جيدة حتى تخلى عن التمثيل والتحق بدروس هذا الجندي الرسّام الذي أمدّه بالكثير من المعطيات الفنية والأسلوبية. وحينما قُبل في كلية عظيم عظيمزادة للفنون في باكو وتكشّف أسلوبة المتفرّد الذي يختلف تمامًا عن بقية الطلاب، ولم يستطع أن يجاريهم فيما يرسمون من أعمال تقليدية متواضعة كان هو يتوغل في الفن المفاهيمي والأفكار الفلسفية. وأولى هذه اللوحات التي تدفع إلى التأمل هي لوحة "عازف الناي" 1994 المكتظة بالفيكَرات وفي الثلث الأول من يمين الناظر نرى هذا العازف الذي ينبّهنا إلى سرعة زوال شيئين أساسيين لم نضعهما في الحسبان وهما الزمن والوجود، وكلاهما يتسرب من بين أصابعنا من دون أن نشعر به. في لوحة "الجَمَل" ثمة إحالة إلى الموروث الأذربيجاني الذي يستند إلى بعض الأساطير التي يوظفها الفنان بذكاء بصري يدفع المتلقي للتفاعل مع أعماله الفنية برمتها. لا تبتعد لوحة "الأصلع والأملط" عن الموروث الشعبي الذي يتمحور على عيد نوروز، فالأصلع يمثل المرحلة التي تسبق تجديد الطبيعة لنفسها، فيما يرمز الأملط إلى الخصوبة. أما لوحة "الغول" فتتداخل فيها الوجوه البشرية والحيوانية والأسطورية لكن ألوانها الباردة توفر فرصة نادرة لتأمل عوالمها الداخلية المستمدة من القصص الخرافية الأذربيجانية القديمة. ربما تكون لوحة "الباب" من أهدأ اللوحات فهي خالية من الفيكَرات تمامًا باستثناء هذا الباب المفتوح على المدى البرتقالي وخلفيته البنيّة الموشاة بضربات من الرصاصي البارد. تكمن قوة هذا التكوين في الألوان الثلاثة، الأصفر الفاقع، والبرتقالي الصارخ، والأخضر الواهن الذي يشكّل تجاورها مع الممر الممتد سمفونية لونية رغم صغر المساحة وندرة الألوان.

937 The Guitar Player

ينفتح الفنان جلال أغاييف ( 36 سنة) على فن الغرافيك أول الأمر لكنه سرعان ما ينعطف نحو الألوان الزيتية والكانفاس ليُدخل المُشاهِد في لوحاته الأفعوانية التي تقترب من المتاهات الكبيرة وكأنّ الداخل إليها لا يستطيع الخروج منها أبدًا. تمثل لوحة "المدينة القديمة" 2018 أول أنموذج لهذه المتاهة التي أحبّها الفنان وتعلّق بها، لكن هذا التعلّق سيمتد إلى أمكنة أخرى مثل "Absheron 1" التي جسّد فيها منزله الساحلي الذي عاش فيه في طفولته حيث نرى المنزل مغمورًا بالأغصان الكثيفة للأشجار العملاقة. أما السلالم الستة التي تظهر أعلى هذه الأشجار فتمثل الجيران، ومدى قربهم وارتباطهم وتداخل بعضهم ببعض وكأنهم أسرة واحدة متضّامة. أما " Absheron 2" فهي تشبه الأولى من حيث الشكل والمضمون لكنها تختلف في بعض التفاصيل الصغيرة. تتكرر لعبة المتاهة في لوحة "المدينة القديمة " ذات الشكل البيضوي لكن المضمون واحد وهو متعة الضياع في دهاليز المدينة وجوفها الذي يعرفه جيدًا. تختلف اللوحتان المتبقيتان عن الأربع السابقات في التيمة التي أحبها الفنان، فلوحة "كهرمان" 2017 تعيدنا إلى علاقته الحميمة بوالدته التي انتبهت إلى موهبته منذ زمن مبكر، وبذلت قصارى جهدها لتغذيتها، كما ساهمت في تقديمه للوسط الفني الذي حقق فيه نجاحات مذهلة. لا تقلّ لوحة "فيروز" بهرجة وتألقًا عن سابقتها، فالأحجار الكريمة تحمل دلالات كبيرة في أعمال أغاييف الفنية التي وجدت طريقها إلى صالات الفن التشكيلي في أذربيجان وتركيا وروسيا والمملكة المتحدة.

يتميز الفنان الرابع والأخير فوغار مرادوف برؤية فنية عميقة ومن حس حظ المُشاهدين في لندن أن يقفوا أمام لوحتين مهمتين من سلسلة "وجوه" التي اشتملت على 20 لوحة فنية اقتنى منها أحد جامعي التحف 18 عملاً تاركًا لنا فرصة الاستمتاع بلوحة "عازف الغيتار" 2007 التي يرسم فيها وجهًا واحدًا لـ 195 مرة لكنه يتلاعب بالألوان، ومن خلال هذا التلاعب اللوني يُظهرلنا صورة لعازف الغيتار. الأمر نفسه يتكرر مع "عازف الكمان" الذي يرسمه بالطريقة ذاتها والتي تعود بالأساس إلى تصاميم السجاد التي اشتغل عليها لمدة زمنية طويلة. نال مرادوف لقب "الفنان الفخري لأذربيجان" عام 2018 وذلك لمساهماته المهمة في التراث الثقافي للبلاد. وفي الختام لابد من الإشادة بمُنظمتيّ المعرض  Afsana Tahirovaو Elnara Shikhlinskaya اللتين قدمتا هذه اللوحات بطريقة حِرفية تحرّض على المُشاهدة والتأمل والاستمتاع.

 

عدنان حسين أحمد

 

ثورة المنحور/ ابا عبد الله وصرخة الجياع

المدخل: اوجاع وصرخات الفنان المتالق د. صبيح كلش لم ولن تهدا فانها كالبحار الهائجة او الطوفان انها صرخات تهز عرش السماء ومطارق تحطم الاحجار وفرشاة ولون تعيد للشمس اشراقتها ونورها الساطع ورموز ودلالات وعبر ودروس غابت وغيبت بفعل فاعل ومفعول بة ولاجلة حتى اصبح العالم الاسلامي يرقص كالطير المذبوح بفعل/ سادتنا ومولانا و شيوخنااوامرءانا لذين لا يفكرون باوجاعنا بل ان جل تفكيرهم ما تحت الحزام او فوقة قليلا/ يتكلمون عن الزهد كالببغاوات وهم بفترسون حتى لحوم الموتى حتى تجرد عالمنا الاسلامي من الاسم والعنوان واصبحنا نعيش في هلوسة فكرية وهذيان اقل ما يقال عنها ميلودراما الجوع والاضطهاد والترغيب والترهيب او دراما عن الضمير الانساني الغائب والمغيب او كوميديا ساخرة تعددت اشكالها والوانها باسم الوطنية او الاسلام او الجهاد ووووو الخ وتحت شعارات مختلفة تركز وتؤكد العبودية والاستغلال/ ملك وسيد وامير ومجتهد وووووووو مغلوب ومغلوب علية سيد وعبد وامير وشحاذ ووووووولخ كلها تحت شعار اسلاموي / ولقمة القاضي

87 صبيح كلش

من هنا او هنالك تبدا ولا تنتهي ملحمة الجوع/ اللوحة الثالثة للفنان المتالق د صبيح كلش اذ انها حكاية وقصص وملاحم ليست كحكايات لف ليلة وليلة بل انها حكاية من الواقع الى الواقع ذاتة ابطالها رموز صرخت لا للظلم والجور وتيمتها غياب الضمير الانساني ودلالاتها معانيها مستلة من التاريخ المغيب عن الاجيال والضمير الانساني/ حكاية يرويها لنا الفنان د كلش بالفرشاة واللون والخط والرمز والدلالة تبدا ولا تنتهي بسؤال/ متى ستعيد الامة الاسلامية هيبتها وهي خير امة اخرحت للناس/ قبل الخوض في التفاصيل الفنية للوحة ورمزها والوانها المتناسقة جلب اهتمامي واهتمام كل متذوق اغيره / اخيتار الفنان د كلش / قبر وضريح ابن بنت رسول الله ص /الحسين ع/ وتم رسمة بحرفية وواقعية لا يقدر عليها الا فنان متمرس ويدرك ادواتة بشكل فني/ اعلى منتصف اللوحة/ ماذا يشكل هذا الرمز في عالمنا الاسلامي وما هي دلالالتة ولم الضريح يشع بالانوار كشروق الشمس/ اللون الاصفر وتدرجاتة المختلفة/اذ لو ادرك المتذوق هذا الرمز وفلسفتة لادرك كل معالم اللوحة وما يصيب هذه الامة من اوجاع وامراض وووالخ اذ ان هذا الرمز يمثل موسيقى الروح والجسد لكل انسان موحد كان ام غير موحد يستل منة كل الدروس والعبر في منهحةا الاسلامي والانساني ولولا غياب هذا الرمز لما حل بامة الاسلام من كوارث متتالية تبدا بملحمة الجوع ولا تنتهي بالظلم الجور والتشرد والجهل والتجهيل وووووووالخ ولهذا نجح الفنان في كل رموز المتتالية ة والوانة وكتلة للتعبير عن المعنى الظاهري والمخفي لهذا الرمز الحسيني الذي يمثل سفينة وطريق النجاة لهذه الامة وكل الامم التي تعاني الجور والظلم والاستبداد فهو صوت الاحرار في العالم بعيدا عن الاسم والعنوان والعقيدة والزمان والمكان لان الجوع والقهر والتسلط ليست سنة الهية بل سنة شيطلنية وباشكال مختلفة/ وهذا ما جسدة الفنان عبر الاشكال والهياكل البشرية التي تصرخ من الجوع والالم/ بداء من الهيكل العظمى /اسفل منتصف اللوحة/ وتوالي الاصوات البشرية صعودا الى رب العزة والجلالة مرورا بضريح ابا عبد الله ع /منتصف اللوحةوخطوط ا لصرخات المتتالية من الاسفل الى الاعلى/ وتعميقا للمعنى الانساني لرمزية الحسين كان د كلش فيلسوف وفنان محترف اذ قد جعل من صرخات الجياع والمسلوبين في العالم تاتي من خارج اللوجة لتمتزج مع صرخات الجياع لهذه الامة/ الخطوط الصفراء والسوداء والزرقاء ووووالخ/ اسفل يسار اللوحة / من هنا تكمن فلسفة وفكر ملحمة الطف في كل تداعياتها وارثها التاريخي في مخاطبة العقول والنفوس التي لا تزال لم ولن تدرك المعاني والدلالات والدروس والعبر لهذه الملحمة الخالدة عبر لوحة فنية استاتيكية في شكلها وديناميكية في حركتها الساكنة حتى تشعرك بانك جزءا من هذا الواقع المؤلم الذي نعيشة وعاشه الاباء والاجددا وسيعيشه الاحفاد مستقبلا لاننا امة قد تخلت عن قيمها ومبادءها واصبح الخنوع والاستسلام جزءا من شخصيتها حتى اصبح الجهل والتجهيل شعارنا والبكاء والنحيب طريقنا والجوع والتشرد والاستسلام حياتنا ولا نحرك ساكنا ولا نضرب الفاعل والنكرة ونقول نحن خير امة اخرجت للناس/ كالرمز الذي اعتمده د كلش التفاحة الحمراء/ منتصف للوحه/ والتي تمثل الهبات والزكوات والخمس ووووالخ وهي اموال طائلةنقدم الى مرقد الامام والتي استباحها السراق واللصوص حتى انتفخت بطونهم من السحت ثم تصغر هذه التفاحة رويدا رويدا حتى تصبح سوداء غفنة تقدم الى الفقراء والجياع ولتعميق هذه الدلابة هو الخط الاحمر من باب الضريح الى الجياع ونهاية التفاحة/ منتصف اللوحة ثم تدرج لون التفاحةالى الاسفل الى تصل الى الاسوداد الى فم الجياع / ان هذا المعنى الدلالالي الذي جسده الفنان بابداع يكشف عورات المدعين والمنافقين في استغلال الواقعة والضريح من اجل مصالح مادية حتى اصبحت المنابر الحسينية لاسماء ومسميات وقصائد شعرية تباع وتشترى بالعملة الصعبه لا تختل ف عن اي متاجرة اخرى باسم الدين لو العقيدة او النسب اوووالخ ولهذا يؤكد الفنان بان مرقد الامام ورمزة الدلالي هو طريق النجاة وتخليص الامة من الجوع والقهر والجور/ العبرة/لا للبكاء والنحيب والشعائر التي لا تقول للظالم انك ظالم وسارق وقاتل بل هو صرخة حق تعمق الايمان وتجسد فكر الاسلام وتنقذ المظلوم من الظالم

شكرا لك ايها الفنان المتالق د كلش لقد علمتني درسا لا ينسى في ملحمة الجوع/ بان الحق لا يعطى بل ياخذ حتى لو كان لثمن النحر/ ولنا في واقعة الطف خير مثال

 

ا. د. طارق المالكي