لوحات للوجوه والنسوة والمشاهد.. حيث الرسم ابراز للرؤى والمشاعر والخيال..

لو أن للفن بدايات وتلمسات تبتكر نظرات الكائن تجاه ذاته والعالم وهو يلهج بالنشيد والأغنيات الضاجة بالحلم.. نعم للفن حكاياته الأولى.. للرسم والتلوين بدايات هي الرغبات والحنين أخذا بناصية الأمل المبثوث في الدواخل.. ومن تلوينات الأمل هذا نجد السلام.. السلام بكل عناوينه المقيمة في الانسان.

هكذا كانت حكاية الحلم مع الأنامل وهي تمسك بالأقلام ترسم الأمل المفعم بالسلم وما يعنيه ذلك من هيئة حمامة باذخة ترمز للحرية.. هي حرية منشودة في أرجاء الكون تناغما مع الأغاني العالية.. تلك الأغاني التي تقولها البراءة في عنفوان بهائها الوجداني والفكري.. انها لعبة الرسم الأولى بما يشبه الخربشات التي كانت بمثابة الحلم المتحدي والمكلف..

1911 سنية اسماعيل

حكاية البداية هنا تعني الكثير.. انها الرغبة في الاختلاف من المنطلق وفي مقتبل من العمر والتجربة.. انها المجازفة بالدرس لأجل الرسم والخروج المغادرة لأجل التلوين ليصير الأستاذ الذي أخرج الرسامة الهاوية والموهوبة من درس ذلك اليوم المشجع الأول والدافع باتجاه الاكتشاف والقول بالموهبة وبما يعني ميلاد رسامة وقدومها الى كون التلوين على مهل وبذلك يصر على نشر الخربشات الأولى على صفحة الجريدة.. والرسمة هي حمامة السلام التواقة للحرية نهجا وفكرة وحياة.. ويحدث ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.. انه الاعتراف والاقرار بموهبة فهمت خربشاتها في أول الأمر على أنها تمرد وخروج عن الدرس وضوابطه.. انها لحظة حاسمة صار الرسم معها حب وهيام ومسار طويل.. والمحصلة كان لا بد من حدوث ذلك لاكتشاف موهبة في سنوات الشباب حيث عالم الرسم شواسع للرغبات والآمال والهواجس.. هي الخطى الأولى تجترج من الحياة تلويناتها وعناوينها الكبرى حيث القول بالرسم بداية وملاذا في آن واحد.

هكذا ندخل عوالم الشغف بالفن التشكيلي.. عوالم التلوين في هذه المساحة من حالات الابداع والامتاع.. عوالم الفنانة التشكيلية سنية اسماعيل التي قدمت خلال السنوات الأخيرة عددا من لوحاتها من خلال المعارض ومنها المعارض الجماعية وآخرها في رواق السعدي بضاحية قرطاج وضمن معرض " نساء 2020 ".. انها فسحة أخرى في عالم التلوين حيث تقول الرسامة سنية ".. بالنسبة لي الرسم هو القدرة على ابراز مشاعري وافكاري الفنية بطريقة لا يمكن تفسيرها في حيز مجرد من الكلمات. أرى جمال الفن في الفرح والنشوة والحزن والظلام.. ولو كان بإمكاني ان أرسم رؤيتي للفن لرسمت آلاف اللوحات لأنه ببساطة مزيج من العواطف والرؤى والمشاعر والتخيلات والإلهام..".

هكذا كانت بداياتها لتظل وفية لها في هذه العلاقة بالرسم الذي تعتبره ترجمان حالات وأحاسيس وأشواق تجاه الذات والآخرين والعالم..

هناك وجوه ترسمها الفنانة سنية اسماعيل لتبرز تفاصيلها التي هي عبارات لونية تشير للحالات في تنوع أحاسيسها واعتمالاتها.. هناك لوحات فيها وجوه نساء باللباس التقليدي وبشيء من الزخرف قولا بالتراث والجمال وبالأنثى عنوان تلوين واحتفاء.

الطبال..لوحة بها تلوين لمشهدية فلكلورية حيث يبرز العلم التونسي فكأن الرسامة سنية اسماعيل تأخذنا الى عالم من البهجة المفعمة بالنشيد في مساحة من الوجد والقول بالحالة التونسية في ضرب من الاحتفاء بالهوية والخصوصية.

عدد ىخر من اللوحات فيها الألوان بمثابة سمفونيات يجمع بين ولع الفنانة سنية بممكنات اللون وما يحيل اليه لحظة التعاطي مع القماشة.. لحظة الرسم بما هو عبارات في دواخل الذات تذهب بها الفنانة الى العالم قولا وكشفا.. انها لعبة التلوين كمجال للتعبير والافصاح والذهاب الى ما يشبه الغناء.

انها وهي ترسم تحرص الفنانة سنية اسماعيل الى أخذنا الى حيز من عالمها الملون لتبرز وفاءها لحادثة البدايات.. لتكشف شيئا من مضيها الجاد مع التلوين الى الآفاق والأقاصي لترسم المرأة والمشاهد والوجوه وهي منشدة الى البياض تلونه مثل انشدادها الأول للورقة تفعل فيها فعلها البريء من خربشات وغيرها حيث كانت الحمامة والسلام على سبيل الذكر..هذه حالة من حالات الفن بما فيها من نبل وبراءة وغرام تجاه الابداع ومشتقاته ومنها الرسم.

هذا وتواصل الفنانة سنية اسماعيل هذه الرحلة الفنية التي كانت هواية لتدعمها بالتعلم والسعي للتمكن أكثر من المتطلبات الفنية والضوابط وما به يكون الفن فنا والرسم بالخصوص لعبة باذخة.

و في برنامج الفنانة سنية اسماعيل المزيد من العمل على انجاز لوحات فنية فيها الاضافة فضلا عن الحضور الفني من خلال العمل على اعداد معرض فني تشكيلي خاص تواصلا بين تجربتها والمتقبل حيث المعرض بالنهاية هو مرآة أخرى للفنان بصفة عامة ليرى ذاته وأعماله وتجربته من خلال عيون الآخرين..الذين يتلقون الفن ويزورون المعارض ويهتمون بالفن التشكيلي.

في لوحات سنية اسماعيل تنوع واشتغال دقيق خاصة في تلوينات الوجوه ولعل الرسامة في قادم أعمالها الفتية تأخذنا الى عوالم أخرى من تجارب الفن التشكيلي فالفنان عامة يرنو للتنوع وللمغامرة وللتجريب قولا بالتجدد والابداع..

 

شمس الدين العوني

 

كاظم شمهودكان اللون الازرق مقدسا عند اهل الرافدين لاعتقادهم انه حجر كريم محاط باسرار الهية وقد ظلت اهميته عالقة بالفكر الانساني الديني في العصور التالية واستخدم كأسلوب فني يربط مكان العبادة ولون السماء.. كما اعتقدوا بان اللون الازرق يطرد الشرور والحسد ولهذا نرى ابواب المدن السومرية والبابلية مغطات ببلاطات الخزف والتي يطغي عليها اللون الازرق مثل باب عشتار.. وانعكس وتجسد هذا المعتقد على الحجر والخرز والسبح فكانت - ام سبع عيون – عند البابليين لها دور وقائي في دفع الشرور او الاشعاع المنبعث من العين الحاسدة حتى يتشتت الى سبعة اقسام ويفقد قابليته على الاذى. وهذا يعني ان البابليين قد كشفوا الطيف اللوني الذي يتكون من سبعة الوان قد سبقوا به العالم اسحاق نيوتن 1642 م .....

اما العين الحارسة فجائت من الآله - حروس – ذو العين الزرقاء وهو اله السماء والنور والخير عند المصريين القدماء ومن هنا جاءت الكلمة العربية - حارس – وكان اللون الازرق في عقيدة المصريين مرتبط بزرقة السماء التي تسبح فيها الشمس والتي هي مقر وعيش الآلهة والتي تحمي الانسان وتباركه.. وانتقلت هذه المعتقدات الى الاحجار الكريمة والخرز  من جيل الى آخر حتى يومنا هذا حيث نرى اهلنا في العراق خاصة الجنوب يعلقون على مداخل الابواب وعلى جبهات الاطفال الخرز الزرقاء  او ما يسمونه الشذر والعيون المفتوحة الزرقاء وعلى صدور النساء واصابع الرجال بقصد طرد الشر والحسد...

1899 اللون الازرق 3

وهي معتقدات قديمة تعود الى اهل الرافدين القدماء.. وكان العرب يتشائمون من اللون الازرق ويعدون الروم اعداء لهم لان الوان عيونهم زرقاء. كما ان حكاية - زرقاء اليمامة – التي يقال انها كانت لها قوة بصر خارقة وتستطيع ان ترى على مد مسيرة يومين. وفي احد الايام  نظرت من اعلى احد البنايات واخبرت قومها بان هناك عدو قادم يزحف عليهم فلم يصدقوها... فداهمهم العدو وخرب بلادهم وكانت النتيجة كارثية كبيرة على قومها رغم انها نصحتهم. فاعتبروها شوئم وشر. واليوم لازال هذا المعتقد يردده البعض عندما يرى احدا غاضبا يقول عنه امزورق (امزورك).

الخزف الاسلامي

1899 اللون الازرق 1عندما ظهر الفنان المسلم كانت لديه خلفية حضارية وتجربة راقية عريقة متكاملة في التعامل مع الطين حيث مكنه هذا من خلق انواع جديدة تمتاز بالريادة والسبق والرقي في مجال الخزف.. وكانت صناعة الخزف في العصر الاسلامي قد فضلت على غيرها من اواني الذهب والفضة بعدما ظهرت احاديث نبوية تحرم استخدامها وذلك لما لها من انعكاسات لمظاهر الترف والبذخ والعلو على الآخرين.

و قد ابتكر الفنان المسلم نوعا من الخزف يتسم برقته وشفافيته بحيث يمكن النظر من باطن الاناء لترى اليد الموضوعة خلفه، كما قام باول تجربة ناجحة فيما يطلق علية- البريق المعدني الخزفي – وهي تجربة رائدة لم تكن مألوفة سابقا حيث استعمل الصبغ الذهبي ذي البريق المعدني بدلا من صفائح الذهب. وقد ابتكرها اهل العراق واستعملوها في رسم الزخارف على الاواني الخزفية ثم انتقلت الى مصر. وفي المتحف الاسلامي في القاهرة نماذج من هذا النوع.

1899 اللون الازرق 2وتعددت اساليب انتاج الخزف كما تعددت الزخارف التي يزين بها هذا الانتاج فاستخدم الرسم بالالوان تحت الطلاء الزجاجي الشفاف كما استعمل التذهيب فوق الطلاء وكذلك الحفر والتخريم والمينا فظلا عن البريق المعدني الذي يميز الخزف الاسلامي عن غيره وقد تألق في العصر العباسي. وعثر على نماذج منه في مدينة سامراء والفسطاط في مصر..

وعبر الخزف الاسلامي الى اوربا عن طريق الاندلس وانبهروا به وظهرت مصانع راقية في الاندلس زمن العرب واشتهرت مدن طليطلة وبلنسية وطلبيرة في صناعته. وكان يسمى في الاندلس azulejo وهي كلمة متأتية من اصل عربي يعني - زليج - او زليق من يزلق – وهو اشارة الى نعومة وبريق سطح الخزف خاصة الكاشاني... او ربما تحريف من لازود – ويسمى في مصر زليزلي وفي اليابان يسمى فرفوري من مدينة فرفور وقاشاني نسبة الى مدينة قاشان في ايران.. وغيرها من الانواع. وقد زرت بعض المدن الاندلسية والتي لازالت صناعة الخزف فيها متوارثة ومنتعشة مثل مدينة طلبيرة Talavera حيث نشاهد لوحات قطع السيراميك تزين جدران المقاهي والمنازل والمسطبات في الساحات العامة وكذلك الاواني والتحفيات التي تباع في المحلات للسواح، وايضا يوجد هناك في المدينة متحف خاص للخزفيات (السيراميك) وفيه نرى تاريخ هذه الصناعة ونماذج مادية منها، منذ تاريخ العرب والمسلمين. ولازالت آثار المسلمين موجودة في المدينة القديمة من اسوار وابواب وعمارة مدجنية كابراج الكنائس وغيرها.

1899 اللون الازرق 4

وقد تطورت الزخارف في طرق تنفيذها وظهرت عليها مختلف المواضيع وباشكال هندسية ونباتية وحيوانية واشكال اسطورية وغيرها كما اصبحت صناعته خاضعة لابتكارات الفنان وابداعاته وذوقه. واصبح مفخرة من مفاخر الفن الاسلامي حيث صنعت به الاواني والاوعية والبلاطات المزججة التي حلت محل الكلس والجص وغيرها من اكسية الابنية.. كما عمد بعض الفنانين الى بناء لوحات جدارية كبيرة من بلاطات الخزف وبتعبيرية غاية في الجمال والابداع..

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودكان العقل السومري مكتمل الرقي والتطور وكان يحمل نسيجا فكريا وخياليا واسعا ونضوجا سياسيا واجتماعيا لا يختلف عن عقل الانسان المعاصر بل هو هو.. ولكن الاختلاف يقع في الجانب الخارجي منه اي الموضوعي في التطور التجريبي المادي والتمدن والتكنولوجيا ووسائل النقل وطرق التواصل الحديثة وغيرها . (وخلقنا الانسان في احسن تقويم)

ورد في كتاب –من الواح سومر- لعالم الآثار المعروف كريمر حكاية طريفة حيث كشف لوح طيني قديم مدون عليه جريمة قتل في بلاد سومر حدثت في حدود 1850 قبل الميلاد، وهي ان ثلاثة رجال قتلوا احد موظفي المعابد لاسباب غير معروفة وقد اخبروا زوجته بذلك ولكن الزوجة احتفظت بالخبر ولم تخبر به السلطات الحكومية .

ولكن الخبر بالاخير وصل الى الملك فاحال القضية الى محكمة الفصل في القضايا فحكمت على الثلاثة بالاعدام، ولكن الغريب ان المحكمة اعتبرت الزوجة شريكة في الجريمة لانها سكتت ولم تخبر السلطات، ثم برأتها لان الزوج لم يوفي في اعالة العائلة .

1880 آشورفي عام 1930-1945 ارسلت القصة الى عميد كلية الحقوق في جامعة بنسلفانيا اوين ج روبرتس يستفتيانه رأيه القانوني، فكان جوابه ذا اهمية خاصة اذ ابان ان القضاء المحدثين يتفقون مع القضاء السومريين القداما ويحكمون بالحكم نفسه.. وهذا يشير الى مدى النضوج والمستوى العقلي الذي يتمتع به القضاء السومري والذي لا يختلف كثيرا عن واقع قانون القضاء المعاصر .

وكانت الطبيعة في ذلك الوقت المصدر الحي لنشوء الاساطير والحضارات القديمة . وكان الانسان السومري استطاع ان يشخص دور قوى الطبيعة في مسيرة حياته فجعل لكل قوى اله .. وكانت الاسطورة الاولى هي اسطورة اله السماء - آن –(آنو- في البابلية) والذي اطلق عليه اسم الاب ثم جعل له ابناء واحفاد وانصاف الهة وشفعاء .. هذا البناء الهندسي في المعتقد السومري نجده في الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والاسلام من حيث ان الله رب السماء وهناك ملائكة حول العرش ورسل وانبياء واولياء يبشرون وينذرون الناس، ويتشفعون لهم .

وكان الانسان السومري يعتقد بان هذه القوى الطبيعة التي تتدخل في حياته وتقرر مصيره كالشمس والقمر والرياح والماء والهواء وغيرها هي قوى عاقلة وحية لكل واحدة منها لها مهام ووظفية خاصة بها تؤديها في الحياة، ولهذا جعلها آلهة وعبدها وبنى لها المعابد وقدم لها القرابين والطقوس وجعل الكهنة واسطة بينها وبين البشر تخبرهم عن نهيها واوامرها ..

1881 برج بابل

نحن اليوم عندما نقرأ القرآن نجد هذه المفاهيم السومرية داخلة في صلب المعتقد الديني الاسلامي .

(ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض اتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين)

وهنا جملة – قالتا اتينا طائعين - اشارة الى وجود العقلانية والروح التي تملكها هذه القوى الطبيعة وانها مسيره من قبل رب السماء ..

(لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) هذا الخشوع والعبادة والسير المنظم الدقيق للحياة يكشف عن ان كل شئ في الحياة له روح وعقل يتناسب مع درجة خلقه .

1882 حمورابيلكن الانسان السومري وابتداعه لهذا الفكر والمعتقد الديني الوثني استطاع ان يبعد الانبياء عن ميدان الحكم والسلطة ويصفهم بالسحرة والكذابين لهذا لم نجد في علم الآثار اليوم قصص للانبياء والرسل ورسالاتهم واسمائهم.. لان التدوين كان بيد الملوك والكهنة . ولهذا نجد آلاف الالواح الطينية من سومرية وبابلية وآشورية وقد دونت بها اعمال الملوك وحملاتهم العسكرية والاساطير التي تبين صراع الآلهة على السلطة.و الحكايات الخرافية وقصص الملاحم والتراتيل الدينية والمراثي والرسائل والمقالات التي يكتبها ارباب الادب والكتبة السومريين الذين كانوا مسخرين من قبل السلطات العليا .

ويقول الاستاذ طه بالقر عن الاساطير السومرية (بان الخليقة في اساطير وادي الرافدين حدثت بالصراع والاحتراب ما بين الآلهة)

1883 سرجونوعندما ننظر الى الفنان الصيني نجده يرسم الطبيعة بقدسية واحترام ودقة واجلال كبير لانه يعلم علم اليقين وحسب معتقده انها حية ولها روح وانها مرتبطة بالسماء وقد رسخت الهندوسية والبوذية هذه المفاهيم في معظم ناس الشرق ومن خلال نظرية تناسخ الارواح . ويعرف مفهوم تناسخ الأرواح أو رجوع الشخص البشري إلى الحياة في جسد إنسان آخر او شجرة او حيوان، بأنه فكرة فلسفية ودينية، تبدو في الحقيقة كأنها أمر خيالي، لكن بعض العلماء يعتقدون بأنها مفهوم علمي بحت ومنهم علماء مسلمين .. بينما نجد الفنان الغربي الذي كان يرسم في القرون الماضية قد اهتم بمظاهر الاشياء والاعتناء بالتشريح والمنظور والجماليات، ولكنه عاد في العصر الحديث فتغيرت مفاهيمه واصبح يعتقد بما يعتقد به الفنان الصيني من ان وراء كل شئ روح ومضمون . ولكن كيف حور وحول اهل الرافدين الرسالات السماوية الى قصص واساطير تمتزج بها الحقائق والخيالات والخرافات مثل حادث الطوفان حيث ورد في النصوص السومرية والبابلية اسم- اتو نابشتم أو يسمى اتراحسس - صاحب الطوفان وهو نوح –ع- . وحسب تاريخ الطبري وكتاب التوراة انه مكث في ارض سومر حوالي اكثر من 1600 سنة يبلغ رسالة السماء فكذبوه ووصفوه بالشيخ المخرف والساحر، فهذا العمر الطويل والكفاح الراسالي العجيب لم يترك لنا اثرا الا بضعة الواح طينية مختصرة ... ؟ ولم يجد علماء الآثار اليوم شيئا عن قصص الانبياء والذين وصل عددهم الى 24 الف نبي ومرسل .فاين هم وآثارهم واسمائم وصحفهم؟ اعتقد انه سيجيب على هذه الاساله وغيرها علم الآثار في المستقبل . اما الكتب الدينية فهي مليئة بالاساطير .

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيمكانة عظيمة: تحتل المدارس النظامية - وبخاصة نظامية بغداد ـ مكانة عظيمة في نفوس المسلمين، ونتيجة خبرتي المتواضعة في مجال البحث قابلت الكثير من محبي العلم والأساتذة الذين لهم شغف كبير بأن يحصلوا على معلومات وافية شافية عن المدارس النظامية .

وعليه فنحن نحاول أن نتكلم عن هذه المدارس أو بمعنى آخر نذكر بعضًا من المادة العلمية التي جمعناها حول هذه المدارس وصاحبها، وقد كنت أفضل أن أجمع هذه المادة في مقالة أو دراسة واحدة وأن أتكلم عن نظامية بغداد كلامًا مفصلاً باعتبار أنها أنموذج لمدارس المسلمين في العصور الوسطى، ولكن بكل أسف حال دون ذلك فناء المدرسة نفسها وضياع معالمها مما يجعل تخطيطها مجرد ظن وتخمين .

ومن هنا أرى أن تكون المدرسة النورية الكبرى مثالاً على المدارس الإسلامية لمن أراد أن يتعرف على هذه المدارس من جميع نواحيها، أما المدارس النظامية، فيمكن أن نتحدث عنها وعن مدرسيها، وعن أوقافها، وهذه المعلومات في مجموعها يمكن أن تعطي لنا صورة واضحة عن هذه المدارس الشهيرة .

يقول أبو شامة: ومدارس نظام الملك في العالم مشهورة، لم تخل بلد من شيء منها، حتى جزيرة ابن عمر التي هي في زاوية من الأرض لا يؤتى لها، بنيت فيها مدرسة كبيرة حسنة، وهي التي تعرف الآن بمدرسة رضي الدين (وفقًا لكلام أبي شامه) .[1]

ويقول لنا عماد الدين الأصفهاني: ومتى وجد في بلدة من تميز وتبحر في العلم بنى له مدرسة، ووقف عليها وقفًا، وجعل فيها دار كتب .[2]

وفي كتاب (الكامل في التاريخ ) لابن الأثير، وفي كتابي (المنتظم) و (مناقب بغداد) لابن الجوزي، نصوص مشابهة، وكلها تدل بوضوح على العدد الضخم من المدارس التي بناها الوزير / نظام الملك، وأمدها بالأساتذة والأموال و الكتب النافعة للطلاب والأساتذة .

ويعتبر السبكي في كتابه (طبقات الشافعية الكبرى) هو الكاتب الوحيد الذي لم يكتف بهذه العبارات العامة، بل حدد بلادًا ذكر أن نظام الملك أنشأ في كل منها مدرسة عظيمة، وتلك البلاد هي: بغداد / بلخ / نيسابور / هرات / أصفهان / البصرة / مرو / الموصل ...

ويختتم السبكي كلامه بعبارة متشابهة لعبارات المؤرخين الآخرين حيث يقول: ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة .[3]

وقد كانت نظامية بغداد أولى المدارس النظامية وأهمها، وقد بدأ العمل فيه سنة 457 هـ، وكانت على شاطئ نهر دجلة، وقد أشرف على بنائها أبو سعيد الصواف، وفي سنة 459 هـ انتهى البناء وتم الافتتاح، حيث انتظمت أحوالها، وسكنها من حملة الشريعة رجالها، ودرس فيها الشيخ / أبو إسحق الشيرازي (رحمه الله) فأحيا من العلم ما درس، وكشف عن الحق ما التبس، وشرح الأصول وفرعها، وأوضح الأدلة ونوعها .[4]

هل كان نظام الملك أول من انشأ المدارس؟:

ـ يقول ابن خلكان في كتابه (الوفيات): إن نظام الملك (485 هـ)، هو أول من أنشأ المدارس فاقتدى به الناس .[5]

ولكن السبكي في (طبقات الشافعية)، والمقريزي في  (الخطط )، يذكران كل منهما أن نظام الملك ليس هو أول من أنشأ المدارس في الإسلام، فقد وجدت المدرسة البيهقية في نيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضاً، بناها أبو سعيد إسماعيل بن  علي، ومدرسة أخرى بنيت للأستاذ / أبي إسحاق الإسفرائيني في  نيسابور كذلك .[6]

ويحاول السبكي أن يوفق بين الرأيين فينسب إلى نظام الملك، أنه كان أول من قدر المعاليم للطلبة، فكأن المقصود بإنشاء المدارس هو تقدير هذه المعاليم، وصرفها للطلبة !! .[7]

وفي رأينا المتواضع: أننا لا نوافق على ما اقترحه السبكي من أن المراد هو أن نظام الملك الوزير السلجوقي يعد أول من قدر المعاليم لطلاب العلم، وقول ابن خلكان السابق صريح في أن نظام الملك هو أول من أنشأ المدارس، وليس أول من قدر المعاليم، ثم أن الخليفة الفاطمي الخامس بمصر /  العزيز بالله نزار أبو منصور (365 هـ ـ 386 هـ) سبق نظام الملك بقرن تقريباً في تقدير هذه المعاليم للطلاب .[8]

المشكلة إذن هي: هل كان نظام الملك أول من أنشأ المدارس أم لا ؟، الجواب عندي بالإيجاب، إذا أريد المعني الفني الدقيق لكلمة مدارس، وأما ما نطلق عليه كلمة مدارس (مجازاً)، مما ظهر قبل نظام الملك هو جهد متواضع، لم يعمر طويلاً، ولم يكن قوي الأثر في الحياة الإسلامية، وهذا الجهد المحدود ظهر قبل مدارس نيسابور بعهد طويل .

فالذي ينسب إلى نظام الملك هو هذه النهضة التعليمية التي لم تتوقف قط، هو هذا النظام الذي وضع لتعليم المسلمين في جميع البقاع، هو هذه الشبكة من المدارس التي انتشرت في القرى والكفور والمدن، ولا يستطيع إنسان أن يدعي أنه يجاري نظام الملك في هذا المضمار . [9]

لقد بنى نظام الملك المدارس والربط والمساجد في  أنحاء البلاد، وأمدها بما تحتاج من كتب، وعين لها المدرسين والخدم، وفتح أبوابها للجميع، لكل من أراد أن يطلب العلوم والمعارف، كما بذل لها العطايا الكريمة، وأوقف عليها الأوقاف السخية التي   تكفيها على مر الأيام، فأحيا بذلك معالم الدين الداعي إلى العلم والمعرفة، ونشط من العلم وأهله ما كان خاملاً في أيام من قبله .

فإنشاء المدارس إذاً إنما هو واحد من أفضال  نظام الملك وأياديه، ومأثرة ترجع له وحده، ولا ترجع إلى سواه، ومن هنا تنتسب مثل هذه المؤسسات إلى أعظم شخصية في الدولة، وعليه فإن تسمية المدارس النظامية مطابقة لهذه القاعدة، فما كان في الدولة على ذلك العهد من يجاري الوزير السلجوقي / نظام الملك، أو يناظره .

المدارس النظامية بين مدرسيها ونهايتها:

كانت المدارس النظامية معاهد عالية لنشر الثقافة الرفيعة، ولهذا كان مدرسوها دائمًا من خيرة علماء العصر وأساتذة الجيل، ويستطيع الباحث أن يجمع العديد من الأسماء ممن حملوا عبء التدريس بهذه المدارس، وأصحاب هذه الأسماء لهم شهرة عظيمة وصيت ممتاز بين علماء المسلمين، وهم خير دليل على المستوى العلمي للمدارس النظامية، نضيف إلى ذلك أن هذه الأسماء يمكن أن تفيد فائدة عظيمة في تحديد تاريخ تقريبي لاختفاء المدارس النظامية، وبخاصة نظامية بغداد التي تعد أولى هذه المعاهد وجودًا وأعظمها شهرة .

نقول: إنه من الطبيعي جدًا أن الوزير السلجوقي / نظام الملك كان يعين مدرسًا لأية مدرسة من مدارسه يتم بناؤها، وكثيرًا ما كانت المدرسة تبني من أجل مدرس واحد، وفي هذه الحالة كان تعيين المدرس يسبق بناء المدرسة، غير شيئًا غير عادي حدث عند افتتاح المدرسة النظامية ببغداد، نرى أنه من المفيد أن نطلع القارئ عليه .

يحكي لنا ابن الأثير: أنه في شهر ذي القعدة سنة 449 هـ فرغت عمارة المدرسة النظامية ببغداد، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحق الشيرازي (توفي 475 هـ )، فلما اجتمع الناس لحضور الدرس، وانتظروا مجيئه، تأخر، فطلب فلم يوجد، وكان سبب تأخره إنه لقيه شخص فقال له: كيف تدرس في مكان مغصوب؟ .

فما كان من الشيخ أن تغيرت نيته عن التدريس بالمدرسة، فلما ارتفع النهار ويأس الناس من حضوره إلى حلقة الدرس أشار الشيخ / أبو منصور بن يوسف بأبي نصر بن الصباغ صاحب كتاب الشامل (توفي 477 هـ)، وقال: لا يجوز أن ينفصل هذا الجمع إلا عن مدرس، فجلس أبو نصر للتدريس .

ولما علم الوزير / نظام الملك الخبر لم يزل يرفق الشيخ أبي إسحق الشيرازي ويزيل الشكوك حتى درس بالمدرسة، وعليه كانت مدة تدريس ابن الصباغ 20 يومًا لا غير .. [10]

ومما تؤكده المراجع التي بين أيدينا أن المدرسة النظامية ببغداد كانت أطول عمرًا من سواها، فقد ظل ذكرها يرد في المراجع في حين اختفى ذكر نظامية خرسان والموصل ونيسابور وأصفهان ومرو وغيرها من المدارس النظامية التي ورد ذكرها في القرنين الخامس والسادس الهجريين .

ولعل هذا يوحي لنا بأنه ـ فيما عدا نظامية بغداد ـ اختفت هذه المعاهد العليا تدريجيًا في خلال القرن السادس الهجري، وكان سبب اختفاؤها ـ وفقًا لتحليلنا الخاص ـ: كثرة الحروب والاضطرابات والفتن التي اجتاحت هذه البلاد عقب سقوط أو انحلال أسرة السلاجقة، ولكن نظامية بغداد كانت في العاصمة، وكانت أغنى وأعظم، فكسبت بعض القوة، وقاومت الأحداث حتى مطلع القرن التاسع الهجري .

ويبدو أنها أيضًا اختفت حوالي ذلك التاريخ، إذ لم يوجد أي ذكر لها بعد الفيروز أبادي صاحب المعجم الشهير (القاموس المحيط)، والمتوفى سنة 817 هـ، والذي كان مدرسًا في هذه المدرسة، أو هو آخر المعلمين الذين عملوا بنظامية بغداد، وورد ذكرهم بالمراجع التي تكلمت عن هذه الفترة.

وهناك عوامل أخرى تدعم هذه الفكرة، ففي هذا التاريخ انشغل التركمان الذين دخلوا بغداد سنة 813 هـ، بحروب طاحنه مع المصريين في سوريا، ومع الفرس، ومع الأتراك في الأناضول، وكانت هذه الحروب معارك تهديم وتخريب، اكتسحت كثيرًا من آثار بغداد ومنشآتها، ومن المعتقد أن المدرسة النظامية كانت إحدى هذه المنشآت التي أتت عليها هذه الحروب الطاحنة، كما أحدثت هذه الحروب أزمة مالية ضخمة كان من جرائها أن اغتصب الحكام والولاة أوقافها العديدة، ثم تهدمت فأصبحت خربة، ثم استولى عيها أحد الولاة وضمها إلى أملاكه الخاصة، وهكذا كانت النهاية المأساوية لهذا الصرح العلمي العظيم . [11]

وقد امتدت التعاسة إلى موقع هذا المعهد، فإن الباحثين لا يتفقون حتى الآن على موقع أو مكان معين يرون أن المدرسة النظامية بغداد كانت تشغله، إذ أن مكان المدرسة استولى عليه السالبون في تبجح غريب وضموه على ممتلكاتهم الخاصة التي يعلم الله سبحانه وتعالى من أين أتوا بها هي الأخرى؟!

وعندما نطلع على المراجع لا نجد ما يعطي فكرة نهائية عن ذلك المكان، وأذكر هنا أن أستاذنا الدكتور المرحوم / أحمد شلبي حاول إبان زيارته للعاصمة العراقية بغداد، سنة 1950 م حاول أن يحدد ولو وجه التقريب موقع المدرسة النظامية، وقد استعان بالأستاذ الدكتور المرحوم / مصطفى جواد، كما استعان بغيره من علماء العراق الأفاضل، وقد استهدوا كذلك بالمادة الطفيفة التي كتبت عن موقع هذا المعهد .[12]

وقد قام الدكتور / أحمد شلبي، ومعه الدكتور / مصطفى جواد بزيارة البقعة التي يظن أن المدرسة النظامية كانت مشيدة فيها، ثم قاموا باختبار بعض الاثار والأبنية القليلة التي لا تزال قائمة، وكانت نتيجة هذه الأبحاث هي الاعتقاد بأن سوق الخفافين ببغداد (في المنطقة التي بها دار القرآن، والمدرسة المستنصرية، وجامع زمرد)  يشغل المكان الذي كانت تشغله المدرسة النظامية ببغداد .[13]

وقفية نظامية بغداد:

كان نظام الملك أول من أنشأ المدارس ـ كما ذكرنا ـ، وعندما اختلف مع السلطان السلجوقي / ملكشاه، اغتيل في ظروف غامضة، وبنهايته الأليمة كانت نهاية أخرى أكثر ألماً تنزل بمدارسه (المدارس النظامية)، حيث توقف العمل بها تماماً، بل أن بعضها مثل نظامية بغداد اختفت في ظروف  غامضة، واغتُصب مكانها منذ عهد سحيق، فلم يعد معروفاً حتى وقتنا هذا على وجه الدقة للباحثين والدارسين .

ويبدو ـ للأسف الشديد ـ إن هذه النهاية الأليمة لم تلحق   بالبناء فقط، وإنما بكثير مما كتب عنه أيضاً .

فقد كان مما ضاع على الباحثين هذه الوثيقة المهمة   التي كتبت فيها وقفية نظام الملك على مدارسه .

لقد ورد ذكر هذه الوثيقة في عدة مراجع، ولكن الباحثين قديماً وحديثاً لم يستطيعوا أن يحصلوا عليها أو على نصها .

وعلى كل حال فلدينا من المصادر ما يمدنا في هذا الموضوع بمعلومات، إن لم تكن كاملة فهي قريبة بعض الشيء من الكمال.

* يقول سبط الجوزي في كتابه: (مرآة الزمان) وفيها (أي في سنة 462 هـ) أوقف نظام الملك الأوقاف على النظامية، وحضر الوزير والقضاة والعدول ببيت النوبة، وكتبوا الكتب وسجلت، ومما وقف: سوق المدرسة، وضياع، وأماكن، وشرط نظام الملك الشروط المعروفة .[14]

* ويذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتابه:(المنتظم)، عن حوادث نفس السنة (462 هـ): إنه في يوم الأثنين 26 من جمادى الآخرة جمع العميد / أبو نصر الوجوه، فحضر أبو القاسم ابن الوزير / فخر الدولة، والنقيبان، والأشراف، وقاضي القضاة، والشهود، حضروا إلى المدرسة النظامية وقرئت كتب وقفيتها، ووقف الكتب فيها، فكان من الوقف ضياع وأملاك وسوق أقيمت  على بابها .[15]

* وهذا هو الرحالة / ابن جبير يرى و يكتب لنا في رحلته: أنه رأى ببغداد نحواً من ثلاثين مدرسة، ويقول: إنه ما فيها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها النظامية التي بناها نظام الملك، ولهذه المدارس أوقاف عظيمة، وعقارات واسعة، للإنفاق على الفقهاء والمدرسين بها، وللإجراء على الطلبة .[16]

أما ما خصص  من المال لرعاية الشئون الثقافية على العموم وكذلك ريع الأوقاف المعينة للمدارس  النظامية، فإن المراجع التي بين  أيدينا أو المتاحة لنا، أوردت تفصيلات مفيدة ونافعة للباحثين، نقتبس منها الآتي:ـ

  كان نظام الملك ينفق في السنة الواحدة على التعليم     ما يقدر بـ (600000) دينار.[17]

أما الريع الذي كانت تنتجه الأوقاف المخصصة لنظامية  ببغداد، فقد ورد أنه كان 15000 دينار في العام الواحد . [18]

  وقد كان ذلك الريع كافياً لمرتبات الشيوخ، ولما يدفع للطلبة، وكان يشمل: مؤونة طعامهم، وملابسهم، وفرشهم، وغير ذلك من ضرورات معاشهم حتى نبغ فيها جمع من الفقهاء الأفاضل ممن لا يحصون                      عددا.[19]

أما أوقاف نظام الملك على نظامية أصفهان فقد بلغت 10000 دينار سنوياً.[20]

ويجدر بالذكر هنا أن من أوفى التراجم التي كتبت عن الوزير / نظام الملك تلك التي كتبها العلامة / السبكي في كتابه: (طبقات الشافعية)، وقد كتبت بأسلوب رائع، وصورت الرجل على أنه من أعظم المصلحين الاجتماعيين في الإسلام، وأن شخصيته من أقوى الشخصيات التاريخية .[21]

 

بقلم: د. يسري عبد الغني 

......................

[1] - أبو شامه، الروضتين، القاهرة، 1287 هـ، 1 / 25

[2] - عماد الدين الأصفهاني، تاريخ آل سلجوق، القاهرة، 1889 م، ص 57

[3] - السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 11324 هـ، 3 / 137

[4] - عماد الدين الأصفهاني، تاريخ آل سلجوق، مرجع سابق، ص 33

[5] - ابن خلكان، وفيات الأعيان، القاهرة، 1275 هـ، 1 / 202

[6] - السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، مرجع سابق، 3 / 137 ـ وكذلك: المقريزي، الخطط، القاهرة، 1170 هـ، 2 / 137

[7] -  السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، المرجع السابق، 3 / 137 ـ وكذلك: أحمد شلبي، التربية والتعليم في الفكر الإسلامي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1987 م، ص 366 .

[8] - المقريزي، الخطط، القاهرة، 1170 هـ، 2 / 24

[9] - يسري عبد الغني عبد الله، الأوقاف الإسلامية القديمة ودورها في النهضة التعليمية والثقافية، القاهرة، 2007 م، الجزء الخاص بنظام الملك.

[10] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، طبعة ليدن، هولندا، 1851 م، 10 / 38، وكذلك: ابن خلكان، وفيات الأعيان، القاهرة، 1275 هـ، 1 / 9

[11] - مصطفى جواد، مقالة عن المدارس النظمية، منشور في مجلة المعلم الجديد، الصادرة في بغداد، سنة 1942 م، ص 115

[12] - أنظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مرجع سابق، 10 / 71 ـ 73، وكذلك: السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، مرجع سابق، 3 / 90، وأيضًا: مقالة: مصطفى جواد، عن المدارس النظامية ببغداد، المنشورة بمجلة المعلم الجديد، مرجع سابق، ص 115 وما بعدها .

[13] -أحمد شلبي، التربية والتعليم في الفكر الإسلامي، مرجع سابق، ص 250، وما بعدها

[14] - سبط بن الجوزي، مرآة الزمان، مخطوطة محفوظة في قسم المخطوطات، دار الكتب المصرية، القاهرة، تحت رقم 551 / تاريخ، 2 / 121

[15] - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، حيدر آباد الدكن، الهند، 1359 هـ، 8 / 256

[16] - ابن جبير، رحلة ابن جبير، ليدن، هولندا، 1907 م، ص 239

[17] - ناجي معروف، المدرسة المستنصرية، بغداد، 1935 م، ص 18

[18] - الأستاذ الإمام / محمد عبده، الإسلام والنصرانية مع كتاب العلم والمدنية، القاهرة، 1948 م، ص 198

[19] - محمود شكري الألوسي، تاريخ مساجد بغداد وآثارها، طبعة بيروتية مصورة، بدون ناشر، وبدون تاريخ، ص 102

[20] - سعيد نفيس، مدرسة نظامية بغداد، طهران، 1313 هـ، ص 13

[21] - السبكي، مرجع سابق، 3 / 135 ـ 145

 

 

كاظم شمهودكانت التنقيبات الاولى للبعثات الاوربية التي اجريت في بلاد الرافدين مقتصرة على المناطق الجنوبية من سهل وادي الرافدين ثم بدات بعثة امريكية من جامعة شيكاغو بالتنقيب في المناطق الشمالية وخاصة في قرية – جرمو – التي تقع قرب جمجمال (ليمانية)، وتعد قرية جرمو اول مستوطن زراعي في شمال العراق . وفيها تم تدجين الحيوانات وزراعة القمح والشعير والعدس والحمص والفستق وغيرها ... كما اخذت البعثة تنقب في كهف - شانيدر – عام 1951 ويقع الكهف قرب جبال برادوست، وقرب قرية – جرمو - وقد كشف ان نوع الانسان الذي استوطنه هو نياندرتال وبعد استخدام طريقة الكاربون 14 استطاعوا من تحديد زمن دور الكهف وهو مابين 60،000 و 45،000 عام ق م، وقد عثروا على هياكل عظمية حيوانية وبشرية وادوات بدائية كان يستخدمها الانسان في حياته .

 ويذكر ان المصطلح العلمي لينياندرتال يعود الى موضع في المانيا اسمه نياندرتال قرب مدينة دوسلدوف حيث كشف لاول مرة عن هياكل عظمية للانسان القديم . وبالتالي يعد انسان نياندرتال آخر الانواع البشرية العتيقة البائدة حيث ظهر من بعده الانسان العاقل او الحديث .

الادوار الحضارية التي سبقت السومريين؟

يذكر علماء الآثار ان هناك حضارة متطورة سبقت حضارة السومريين في بلاد الرافدين وهي :

1 / دور حسونة .

2 / دور سامراء

3 / دور حلف (او خلف)

4 / دور العبيد .

1 / يعتبر دور حسونة من ادوار العصر الحجري المعدني حيث وجد فيه لاول مرة الاواني الفخارية باشكال متنوعة للاستخدام والتي ميزت هذا الدور، ويقع دور حسونة في ناحية الشورة على بعد 22 ميلا جنوب الموصل وهو تل صغير نقبت فيه مديرية الآثار العراقية بين اعوام 1943 و1944، وقد عثر في اسفل طبقات التل على آثار مستوطنة زراعية واواني فخارية بدائية صنعت باليد وخالية من الزخارف وخشنة الملمس، ثم تطورة صناعتها فظهرت عليها اشكال هندسية وخطوط مستقيمة ومتصالبة ومتقاطعة، كما صنعت الجراة الكبيرة لخزن الحبوب، ثم اخذوا يخبزون الخبز في التنور المصنوع من الطين، ولازال هذا التنور يستخدم في مجتمعاتنا الشرقية خاصة في جنوب العراق .

و يحدد علماء الآثار دور حسونة في حوالي 000، 7 – ق م، وقد تحسنت الحياة الاجتماعية فيها وظهرت القرى الزراعية وبنوا البيوت من الطين او اللبن مما ادى ذلك الى تطور الفكر البشري حول تنظيم الحياة وحول الطبيعة المخيفة وكيفية مواجهتها، وبالتالي ظهرت بعض المعتقدات بوجود آلهة لهذه الطبيعة فجعلوا لكل اله رمزا ثم صنعوا التماثيل لها وشيدوا المعابد وبالتالي ساد المجتمع الفكر الديني وعبادة الآلهة .

1840 بيت فلاحي من تل حسونة

2 / يعود دور سامراء الى العصر الحجري المعدني في النصف الثاني من الالف السادس قبل الميلاد، وقد عثر على قطع فخارية في مقبرة تحت بقايا دور سكنية من عهد سامراء في العصر العباسي . وكان فخار سامراء قد عثر عليه في مناطق كثيرة من العراق وعيلام وكانت تحمل بصمة خاصة امتازت بزخارف هندسية واشكال حيوانية وآدمية ولكنها رسمت بطريقة بدائية، وكانت الاشكال تنقش او تخطط بلون اسود فاتح او اسمر على ارضية صفراء باهته .

ويذكر ان العالم الآثاري العراقي فؤاد سفر كان له دور كبير في التنقيبات التي اجريت في دور سامراء وانه عثر على اعداد هائلة من قطع الفخار والمنحوتات الفخارية الصلبة وامتازت بقوتها الشكلية والروحية وتنوع مواضيعها الاجتماعية وتظهر بعضها تخطط باللون الاسود فتظهر تفاصيل الوجه بارزة وقوية وقد ظهرت باسلوب واقعي فيه نوع من الاختزال والتعبير، وبعض هذه التماثيل اخذت لها قدسية حيث تحفظ في البيوت للتبرك والعبادة وطرد الشر .. كما عثر على صحون فخارية منقوش عليها نساء راقصات واشكال هندسية، وقد استخدم في تلوينها الوان مأخوذة من النباتات والحيوانات والتربة واوكسيد الحديد، وعند الحرق تظهر الوان عفوية غاية في الجمال والروعة .

1839 اول فخارية من سامراء

3 / دور حلف (خلف) . يقع دور حلف على الحدود التركية السورية العراقية قرب رأس العين على بعد 140 ميلا غرب نينوى . وقد نقبت فيه بعثة المانية قبل الحرب العالمية الاولى وكشفت عن بقايا آثار مهمة تعود الى مملكة آرامية ظهرت في القرن العاشر قبل الميلاد، كما كشفت عددا من الفخاريات تعتبر امتدادا لفخاريات سامراء ولكنها امتازت عليها بالطينة الجيدة والنقية و الخالية من الشوائب وقد رسمت عليها زخارف دقيقة ومتناسقة بالوان زاهية اخاذة . ويعتبرها البعض من اجمل ما صنع من فخار في تاريخ الحظارات القديمة .

وما يميز دور حلف انه ظهر فيه بداية التعدين واستعمال المعادن كالنحاس والرصاص، وبالتالي عملت السكاكين والشفرات الحادة من حجر البركان الزجاجي . وكانت مرحلة دور حلف مرحلة عظيمة في تاريخ البشرية حيث ازدادت القرى الزراعية وازداد الانتاج الزراعي والحيواني ونضج الفكر البشري وشيدت المعابد وانتشرت الحرف المهنية كحرفة الخزافين والنسيج والغزل وصناعة الاواني والتماثيل .. واصبحت هناك حركة تجارية ثم تبعها حركة هجرة بشرية بين القرى بحثا عن المناطق الاكثر خصوبة ووفرة المياه، ولا يستبعد عن ظهور نوع من الحكم في هذه القرى وتنظيم الحياة الاقثصادية والادارية والعقود وغيرها .

وظهرت في هذه المرحلة الاختام الاسطوانية المنبسطة وازدهرت صناعة التماثيل الصغيرة والتي يصل حجمها الى ما بين 4 الى12 سم، وتصنع عادة من الطين ثم تحرق لتاخذ نوع من الصلابة .

1841 معبد من طور العبيد

4 – دور العبيد  قامت بعثة بريطانية عام 1926 و1927 بالتنقيب في موقع يسمى - العبيد – في مدينة اور، وهي ارض زراعية يملكها السيد عبيد ولهذا سمي المكان باسمه ويبعد 4 اميال الى الشمال الغربي من مدينة اور (الناصرية). ويعتبر دور العبيد اول استيطان بشري في السهل الجنوبي واكثر حضارة وتقدما من الادوار السابقة . ويذكر ان الاستاذ فؤاد سفر قد عثر على العاصمة الاقليمية لدور العبيد في في مدينة اور  وكشف عن عدد من المعابد والفخاريات الملونة والتماثيل والاختام والذي لا زال عدد منها في المتحف العراقي .

و قد انتشرت حضارة العبيد في كل اراضي العراق القديم وامتدت الى تركيا وسوسة في ايران وو الى بلاد الشام والخليج العربي والجزيرة العربية ويعني ذلك ان هذه الحضارة قد ازدهرة قبل حضارة السومريين وحكم السلالات وحدوث الطوفان وقبل ظهور الكتابة والتدوين .

1842 منحوتة راس من سومروكان هذا العصر حافزا للالهام والفكر الانساني الذي يتصف بالقفزات السريعة للابتكارات والاستكشافات في مجال الزراعة والصناعة وتربية المواشي، كما بدأت حركة تجارية واسعة رافقتها هجرة الى مناطق بعيدة في الخليج حيث كانت هناك موانئ في مدن اور واريدو، يذكر انهما يقعان على شواطئ الخليج، وان نهري دجلة والفرات كانا يصبان منفردين في الخليج العربي . بمعنى ان شوطئ الخليج كانت تمتد الى مدينة الناصرية .

ويذكر ان حضارة العبيد بدأت في مطلع الالف الخامس قبل الميلاد وانتهت في مطلع الالف الرابع قبل الميلاد .

وظهرت في عصر العبيد النظم الاجتماعية وسلطة الحكم لادارة الشؤن الاجتماعية والاقتصادية والزراعية وبالتالي تكونت المدن الصغيرة والتي تشير الى النضج الفكري للمجتمع الذي انتشر في كل ارض الرافدين ... وقد عثر على اعداد هائلة من الاختام المنبسطة التي تبعث لنا رسائل لحالة المجتمع ومعتقداته في ذلك الوقت البعيد كما تشير الى اول نشوء للطباعة في التاريخ . وكانت حضارة العبيد بمثابة بوتقة انصهرت فيها فنون وفكر وتقاليد الماضي من دور حسونة وحلف وسامراء ثم ولدت من رحمها حضارة سومر التي تعتبر اعظم حضارة في تاريخ البشرية .

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيشهدت مصر القديمة أعيادا دينية واجتماعية وزراعية، اختلطت شعائرها الاحتفالية بطقوس خاصة ميزتها عن سائر حضارات الشرق القديم، منها أعياد اندثرت لأسباب تاريخية ودينية، وأخرى كُتبت لها الحياة في ذاكرة المصريين حتى الآن كعيد شم النسيم، الذي يحتفل به المصريون منذ نحو 4700 عام.

ويأتي عيد شم النسيم على قائمة الأعياد الزراعية الكونية في مصر القديمة، واصطبغ بمرور الوقت بصبغة اجتماعية ذات صلة بالطبيعة، كما يتضح من اسمه "شمو" في اللغة المصرية القديمة، الهيروغليفية، وهي نفس الكلمة التي أطلقها المصريون القدماء على فصل الصيف، وتحمل أيضا معنى "الحصاد". وتحولت الكلمة إلى "شم" في اللغة القبطية، التي تعد مرحلة متأخرة من الكتابة المصرية القديمة، لكن بأحرف يونانية.

في حين يرى بعض المتخصصين في اللغة المصرية القديمة أن لفظ "شم النسيم" ينطوي على تركيب لغوي كامل في اللغة المصرية القديمة هو "شمو (حصاد)- ان (ال)- سم (نبات)"، في دلالة واضحة على عدم تحريف الاسم المصري الأصلي بإدخال كلمة "نسيم" العربية، التي يعرفها المعجم بأنها "ريح لينة لا تحرك شجرا"، للإشارة إلى اعتدال الجو ومقدم فصل الربيع.

واختلف العلماء في تحديد بداية واضحة ودقيقة لاحتفال المصريين بعيد "شم النسيم"، فمنهم من رأى أن الاحتفال بدأ في عصور ما قبل الأسرات، بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم. ورأى آخرون أنه يرجع إلى عام أربعة آلاف قبل الميلاد، إلى أن استقر أغلب الرأي على اعتبار الاحتفال الرسمي به في مصر قد بدأ عام 2700 قبل الميلاد، مع نهاية عصر الأسرة الثالثة وبداية عصر الأسرة الرابعة، وإن كانت هذه الآراء لا تنفي ظهوره في فترة سابقة ولو في شكل احتفالات غير رسمية.

قسّم المصري القديم فصول السنة، التي أطلق عليها كلمة "رنبت"، إلى ثلاثة فصول فقط، ارتبطت بالدورة الزراعية التي اعتمدت عليها حياته بالكامل وهي: فصل الفيضان الذي أطلق عليه "آخت"، وهو يبدأ من شهر يوليو/تموز حتى أكتوبر/تشرين الأول، وفصل بذر البذور "برت"، ويبدأ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وفصل الحصاد "شمو" الذي يبدأ في شهر مارس/آذار.

لم تكن حياة المصري قديما مقصورة على إقامة الشعائر الدينية، مجردة من الاستمتاع بمباهج الحياة ونشر روح البهجة، فقد حرص في أكثر من مناسبة على تأكيد مفهوم البهجة في نصوصه الأدبية، كهذا المقتطف الذي يطلق عليه "أناشيد الضارب على الجنك"، وهو مقتطف يُظهر قدر تمسك المصري بكل ما يشع بهجة للإنسان في حياته وفي محيط أسرته، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها العالمة كلير لالويت، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس-سوربون، للنص المصري القديم:

"اقض يوما سعيدا، وضع البخور والزيت الفاخر معا من أجل أنفك، وضع أكاليل اللوتس والزهور على صدرك، بينما زوجتك الرقيقة في قلبك جالسة إلى جوارك. فلتكن الأغاني والرقص أمامك، واطرح الهموم خلفك. لا تتذكر سوى الفرح، إلى أن يحلّ يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت."

اعتبر المصريون القدماء عيد "شم النسيم" بعثا جديدا للحياة كل عام، تتجدد فيه الكائنات وتزدهر الطبيعة بكل ما فيها، كما اعتبروه بداية سنة جديدة "مدنية"، غير زراعية، يستهلون به نشاطهم لعام جديد. وكانت الزهور وانتشار الخضرة بشيرا ببداية موسم الحصاد، فكانوا يملأون مخازن الغلال بحصاده، ويقدمون للإله الخالق خلال طقوس احتفالية سنابل القمح الخضراء، في دلالة رمزية على "الخلق الجديد" الدال على الخير والسلام.

وحمل عيد "شم النسيم" طابع الاحتفال الشعبي منذ عصور قديمة للغاية، سجلها المصري في نقوشه على جدران مقابره، ليخلّد ذكرى نشاطه في ذلك اليوم، فكان الناس يخرجون في جماعات إلى الحدائق والحقول للتريض، والاستمتاع بالزهور والأخضر على الأرض، حاملين صنوف الطعام والشراب التي ارتبطت بهذه المناسبة دون غيرها، وحافظ عليها المصريون حتى الآن، في مشهد موروث ومستنسخ كل عام لعادات مصرية قديمة غالبت الزمن.

وللطعام طقوس

دأبت النقوش المصرية على تصوير مناظر تبرز موائد وأطعمة كثيرة، تتسم بالبذخ أحيانا من نصيب الطبقات العليا في المجتمع المصري، أمثال الوزراء والكهنة وكبار الموظفين وأصحاب الأراضي، أما عامة الشعب فكانوا ينتظرون الأعياد والمناسبات الاحتفالية لتناول كل ما لذ وطاب لهم من مأكل ومشرب في حدود الإمكانات.

وحرص المصري القديم على أن تضم قائمة طعامه في "شم النسيم" عددا من الأطعمة التي لم يكن اختيارها محض عشوائية أو صدفة بحتة، بل كانت تحمل مدلولا دينيا وفكريا ارتبط بعقيدته خلال احتفاله بالمناسبة، من بينها أطعمة أساسية كالبيض، والسمك المملح (الفسيخ)، والبصل، والخس، والحُمص الأخضر الملانة.

وترمز البيضة إلى التجدد وبداية خلق جديد في العقيدة الدينية المصرية، فهي منشأ الحياة، وقناة خروج أجيال من الكائنات، وأصل كل خلق، ورمز كل بعث. أطلق المصري عليها "سوحت"، وذكرها في برديات الأدب الديني القديم عندما اعتقد أن الإله "خلق الأرض من صلصال في هيئة بيضة، ودب فيها الروح، فبدأت فيها الحياة". لذا كانوا يقدمون البيض على موائد القرابين لدلالته الرمزية والدينية على حد سواء.

كما تظهر أهمية البيضة في هذا المقتطف من أنشودة أخناتون، التي يمتدح فيها الإله، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها لالويت للنص المصري القديم:

"أنت الذي يهب الحياة للابن في بطن أمه، وتخفف روعها وتجفف دموعها، وتمده بالغذاء في بطن أمه، واهبا الهواء لتحيا به جميع المخلوقات، وعند نزوله في يوم ولادته، تفتح فمه وتمنحه احتياجاته. والفرخ في العش يزقزق في بيضته، لأنك أنت من الآن تمنحه من خلالها نسمات تعطيه الحياة، وتشكله بالكامل، ليتمكن من تحطيم قشرة البيضة، ويخرج يزقزق سائرا على رجليه".

ونُسب إلى الإله "بتاح" أنه خالق البيضة التي أخرجت الشمس، بحسب العقيدة المصرية القديمة، فكانت البيضة رمزا للشمس المتجددة كل يوم ومبعث الحياة كلها، وكان المصري ينقش على البيضة أمنياته الخاصة، ويضعها في سلة مصنوعة من سعف النخيل، ليحظى بإطلالة نور الإله عند إشراقه متجسدا في نور الشمس في يوم العيد كل عام.

وحرص المصري على تناول السمك المملح (الفسيخ) في هذه المناسبة مع بداية تقديسه نهر النيل، الذي أطلق عليه "حعبي" بدءا من عصر الأسرة الخامسة، فضلا عن ارتباط تناوله بأسباب عقائدية تنطوي على أن الحياة خُلقت من محيط مائي أزلي لا حدود له، خرجت منه جميع الكائنات، أعقبه بعث للحياة ووضع قوانين الكون.

وبرع المصريون في صناعة السمك المملح، وكان يخصصون لصناعته أماكن أشبه بالورش كما يتضح من نقش في مقبرة الوزير "رخ-مي-رع" في عهد الأسرة 18، وتشير بردية "إيبرس" الطبية إلى أن السمك المملح كان يوصف للوقاية والعلاج من أمراض حمى الربيع وضربات الشمس.

وأولى المصريون أهمية كبيرة لتناول نبات البصل، الذي أطلقوا عليه اسم "بصر"، خلال الاحتفال بعيد "شم النسيم" اعتبارا من عصر الأسرة السادسة، لارتباطه بأسطورة قديمة تحدثت عن شفاء أمير صغير من مرض عضال عجز الأطباء عن علاجه، وكان البصل سببا في الشفاء بعد أن وُضع النبات تحت وسادة الأمير، واستنشقه عند شروق الشمس في يوم وافق احتفال المصريين بعيد "شم النسيم" فكُتب له الشفاء، فأصبح تقليدا حافظ عليه المصريون حتى الآن.

كما حمل تناول المصري القديم لنبات الخس في هذه المناسبة دلالة رمزية وعقائدية أخرى، لارتباط هذا النبات بالإله "مين"، إله الخصوبة والتناسل. كما أشارت بردية "إيبرس" الطبية إلى فائدة تناوله كعلاج لأمراض الجهاز الهضمي.

أما الحمُص الأخضر، المعروف باسم "الملانة"، فقد عرفته عصور الدولة القديمة، وأطلق عليه المصريون اسم "حور-بك"، وكان يحمل دلالة عقائدية على تجدد الحياة عند المصري، لأن ثمرة الحمُص عندما تمتليء وتنضج، ترمز عنده بقدوم فترة الربيع، فصل التجدد وازدهار الحياة.

لا نهاية

نقل المصريون قديما الاحتفال بعيد الحصاد، "شم النسيم"، وطقوسه إلى حضارات الشرق القديم في عهد الملك تحوتمس الثالث (1479-1425 قبل الميلاد) وفتوحاته العسكرية، التي أسهمت في توسع الإمبراطورية المصرية جغرافيا وخروجها بعيدا عن نطاق حدود الدولة المصرية، ونشر عادات وتقاليد مصرية غريبة عن هذه الحضارات، فكُتب لها الاستمرار وإن حملت أسماء مختلفة.

وروجت مصر عقائدها واحتفالاتها بنفس الفكر العقائدي المحلي، كما حمل عيد الحصاد نفس مفهوم تجدد الحياة وبداية الخلق كل عام في حضارات الشرق القديم، واعتبرته شعوب تلك الحضارات بداية لسنة جديدة لبعث الحياة، كما حدث في الحضارات البابلية والفارسية والفينيقية.

ويعتبر عيد "شم النسيم" الاحتفال الوحيد الذي جمع المصريين بمختلف عقائدهم الدينية منذ آلاف السنين، دون أن يلبس ثوبا عقائديا على الإطلاق. إن المشهد التاريخي في مصر يُؤْثر التصورات الذهنية التي غالبت الأيام، بعد أن ظلت أرضها المركز الأول لكل حياة، حياة الآلهة وحياة البشر، فكل شئ ينطلق انطلاقا من هذا المكان.

وتقول لالويت عن الفكر المصري قديما :"تغلغل الإيمان إلى أعماق أعماق هذا الشعب، فكان الكون بأكمله بمختلف عناصره: أحياء أو جماد، بشر أو حيوانات، كونا إلهيا... الدين موجود في كل عنصر من عناصر الحضارة المصرية القديمة، إنه دين الأمل والرجاء، تصوروا الموت مجرد رحلة إلى أبدية إلهية، وحافظوا على إقامة الشعائر، بما يضمن لهم البقاء على قيد الحياة بقاء لا نهاية له".

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيعرف تاريخ مصر عبر عصوره المختلفة عددا من الاحتفالات الدينية التي ذابت في نسيج المجتمع، وارتبطت في الأذهان بمظاهر ذات طقوس خاصة تسللت إلى الموروث الشعبي في ثقافة الأمة، واقترنت بتقديم النذور والقرابين تقربا لرموز دينية بعينها في مناسبات أُطلق عليها "الموالد".

ولم تعرف مصر القديمة مصطلح "المولد" بمفهومه المعاصر، بل تشير النصوص المصرية إلى "الاحتفال" أو "العيد"، لاسيما في عصر إمبراطورية الدولة الحديثة، بحسب التقسيم التاريخي لمصر القديمة، فضلا عن "المواكب الدينية" التي كانت تقام تمجيدا للآلهة وتضرعا لها.

وصورت نقوش جدران المعابد المصرية احتفالات بأعياد دينية عديدة، أبرزها على سبيل المثال عيد الإله "مين"، وعيد زيارة الإله آمون لمعبد الأقصر، الذي كان يطلق عليه عيد "أوبت" الكبير، ويوافق خروج موكب الفرعون، تتقدمه القرابين التي يعتزم الكهنة ذبحها في هذه المناسبة. في حين تنقل سفن عبر نهر النيل عددا من الكهنة، يرافقون سفينة تحمل "هيئة" الإله آمون في أبهى زينة، إلى أن ينتهي الموكب الاحتفالي في المعبد وتقدّم القرابين.

ومع دخول المسيحية مصر، في منتصف القرن الأول الميلادي، أخذت الاحتفالات الدينية شكلا جديدا عُرف بأعياد القديسين، من منطلق تكريم شخصية حملت صبغة القداسة في الوعي الجمعي لأفراد يعتقدون فيها، ويقيمون لها الصلوات مع ذكر معجزاتها وسيرة حياتها، وتقديم النذور والشموع والذبائح لإطعام الفقراء، كي "تشفع" لهم عند الله لقضاء حاجتهم.

ودخل الإسلام مصر عام 642 ميلاديا بثقافة الاحتفالات الدينية المجردة من تقديس أشخاص، تمثلت في مناسبة دينية محددة، كالاحتفال الرمزي بشهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، إلى أن تولى الفاطميون حكم مصر وأسسوا فيها خلافتهم عام 969 ميلاديا، فأدخلوا ثقافة الاحتفالات الشعبية والدينية، كان من بينها الاحتفال بأولياء الله، "الموالد"، وأعياد أقيمت من منطلق الدعاية للدولة الفاطمية وحكامها.

وعلى الرغم من أن مصطلح "المولد" يُقصد به الاحتفال بيوم ميلاد شخص كما يتضح من لفظه معجميا، إلا أن الغاية الرئيسية منه تمثلت - ولا تزال - في تمجيد شخصية دينية وإحياء ذكراها، بغض النظر عن مراعاة تقويم بعينه يحدد ميلاده بدقة. كما يهدف إلى ترويج الاعتقاد في شخص الولي أو القديس، استمرارا للترابط بين المعتقد الشعبي والشعائر الدينية المقدسة.

الموالد

أصبحت المعتقدات الخاصة بالأولياء جزءا من الثقافة الشعبية المصرية، الشفهية والمكتوبة، التي تجسد عالما ماديا وروحيا لشخص تحول إلى رمز ديني لدى جماعة محلية، اعتمادا على إيمان هذه الجماعة بقدراته الخاصة في تحقيق "خوارق" في بيئتها.

وتنظر الثقافة الشعبية للولي على أنه حلقة وصل بين حياة وموت، لأنه حي في الفكر الجمعي، على الرغم من موته في عالم الواقع، يتصلون به من خلال زيارة قبره أو رؤيته في الأحلام، كما يعتقدون في أن خوارقه، التي يطلقون عليها "كرامات"، تمنحهم الغلبة على العجز والمرض، أو تأمينهم من مصير مجهول في المستقبل. لذا، يحرصون على إحياء سيرته ومناقبه بالاحتفال بمولده و"التبرك" بزيارته.

ويصعب تقسيم "الموالد" في مصر، إلا أنه يمكن تصنيفها بحسب أهميتها الدينية وحجم الاحتفال بها، كموالد أولياء "كبرى"، مثل موالد الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة في مدينة القاهرة، وموالد بعض أولياء رجال الصوفية، مثل مولد المرسي أبو العباس في مدينة الإسكندرية، ومولد السيد أحمد البدوي في مدينة طنطا، ومولد السيد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، وهي موالد عامة لا يقتصر الاحتفال فيها على أتباع بعينهم، بل يشارك فيها الجميع، ومنهم من يأتي من مدن أخرى للاحتفال، وذلك مقارنة بموالد "صغرى" يُحتفل بها على نطاق ضيق في قرى متفرقة في شتى أرجاء مصر.

وتعد قدرة الولي على إظهار "كراماته"، التي تختلف إصطلاحا عن "معجزات" الأنبياء، علامة على مكانته كولي عند الناس، وتنطوي فكرة زيارة ضريحه على مفهوم "التبرك"، وغالبا يرتبط كل إنسان بولي معين يعتقد فيه وفي كراماته، وإن كان هذا لا يمنع من ارتباطه بعدد من الأولياء الآخرين يحتفل بموالدهم.

ويحرص المحتفلون على تقديم أطعمة معينة في هيئة "نذور" يقدمونها لبعض الأولياء، ترتبط عند الناس بحوادث معينة، مثل تقديمهم "الفول النابت" خلال الاحتفال بمولد السيدة زينب، و"العدس" في الاحتفال بمولد الحسين، و"الخبز" في الاحتفال بمولد السيد أحمد البدوي.

وتستوعب الموالد عناصر دينية وغير دينية، تلبي اهتمام المحتفلين بمختلف أعمارهم، وتتميز بمظاهر شعبية خاصة مثل "الزفّة"، أو ما يعرف بموكب الخليفة، إلى جانب حلقات ذكر القرآن، وخدمة المولد، والسوق، والألعاب، وسهرة المولد الكبرى التي يُطلق عليها "الليلة الكبيرة".

وتقام سرادقات كبيرة، كما يحدث في احتفالات مولد السيدة زينب في مدينة القاهرة على سبيل المثال، يجتمع فيها زوار المولد و"المريدون" لكراماتها، فضلا عن إقامة سرادقات تحمل لافتات طرق صوفية دينية تشارك في الاحتفال، مثل الطريقة "الأحمدية"، و"الشاذلية"، و"البراهمية"، و"الرفاعية"، إذ تجتمع كل طريقة بأتباعها في حلقات ذكر القرآن، مع الوقوف في صفوف متقابلة أو دائرية، مرددين عبارات دينية وأدعية.

وبعيدا عن المظاهر الدينية، يعتبر المولد مناسبة تجارية هامة لبيع شتى البضائع من خلال سرادقات بيع الحلوى، واللعب، والأطعمة الشعبية، والحلي المصنوعة من المعادن الرخيصة، والتذكارات، والملابس، فضلا عن افتراش الفقراء من الباعة أرض الاحتفال بالمولد لبيع ما لديهم في هذه المناسبة.

وتتميز الموالد الشعبية أيضا بمظاهر ترفيهية، كالسرادقات التي تقدم فقرات غنائية دينية، أو فقرات راقصة وألعاب، مثل ألعاب الحظ والرهان، وكذا منصات لتقديم عروض مسرحية شعبية، أبرزها عروض بالدمى أو "الأراجوز"، والملاهي الشعبية التي تجذب الأطفال، والتي لا تخلوا أيضا من بعض الكتابات الدينية والأدعية على الألعاب في مزيج يجمع الديني بالترفيهي.

وتعرضت الممارسات الشعبية حول أضرحة الأولياء خلال الموالد إلى معارضة شديدة بين الحين والآخر، من بعض الجماعات الأصولية، استنادا منهم إلى بعض الأحاديث النبوية، ووصفها بأنها "بدع" لا تمت للدين الإسلامي بصلة. لذا، جنح المعتقد الشعبي إلى اختصار بعض الطقوس تجنبا لمعارضة التيارات الإسلامية، فانتخب نوعا من الممارسات اقتصرت في بعض الأحيان على ذكر القرآن، وتحريم الطواف حول الأضرحة لكونها من طقوس الحرم المكي وحده.

كما دمجت بعض القرى الاحتفال بعدد من الأولياء في محيط القرية والقرى المجاورة في مولد واحد كبير، تجنبا لمعارضة أصحاب الآراء المعارضة لإقامة الموالد، بل ربطوا أحيانا الاحتفال بمولد معين باحتفالات العيد القومي للمدينة.

القديسون

دخلت المسيحية مصر على يد "القديس الشهيد" مارمرقس في منتصف القرن الأول الميلادي، واستشهد في عام 68 ميلاديا، وبدأت حركات اضطهاد عنيفة، استهدفت المسيحيين منذ نهاية القرن الثاني الميلادي وبداية القرن الثالث في عهد الإمبراطور "سيفيروس ألكسندر" 191-211 ميلاديا

وكانت أعنف حركات الاضطهاد في عصر الإمبراطور دقلديانوس (284-305 ميلاديا)، لذا جعلت الكنيسة المصرية بداية تقويمها عام 284 ميلاديا، وأُطلق عليه "تقويم الشهداء"، واستمر الاضطهاد إلى أن توقف في عهد الإمبراطور قسطنطين الأول (323-337 ميلاديا) واعتناق الإمبراطور المسيحية.

أصبح شهداء المسيحية موضع تكريم من الشعب، وأقيمت كنائس وأديرة تحمل أسماءهم، كما آمن كثيرون بـ "آلام الشهداء" وموتهم، والمعجزات التي صاحبت استشهادهم بحسب تواتر القصص عبر الأجيال، فقدمت المسيحية نظرة جديدة للآلام، ارتبطت روحيا بمحبة السيد المسيح، وكُتبت العديد من قصص الشهداء في الأدب القبطي والسرياني.

ويطلق لفظ "قديس" في المسيحية الأرثوذكسية على كل من يحيا حياة الإيمان، وكل من ارتقى روحيا وظهرت له "معجزات"، مثل السيدة العذراء، والملاك ميخائيل، والأنبا أنطونيوس، والأنبا بشوي، أو يطلق على شهداء مثل مارجرجس، والقديسة دميانة. ولا يوصف الشخص بالقديس إلا بعد مرور 50 عاما على وفاته على الأقل.

وفي المقابل، تفرق المسيحية الكاثوليكية بين الشخصية الأسطورية والتاريخية، ولا تعترف بالشخص قديسا إلا من خلال وثائق تاريخية تثبت قداسته، ويصدر مرسوم رسمي من الكنيسة يضعه في مرتبة القديسين.

وبحسب العقيدة الشعبية المصرية، يعيش القديسون في الفكر الجمعي للناس لأنه الجسر العابر بين عالم الأحياء والعالم الآخر، يتواصلون معه من خلال "أيقونته".

وعُرفت أعياد القديسين باسم "الموالد" في الثقافة الشعبية المصرية، وإن كان ذلك ينافي حقيقة المناسبة لكونها تحتفل بذكرى استشهاد القديس أو وفاته، وليس ميلاده، وهو اليوم الذي أتم فيه "جهاد الحياة" من أجل المسيحية.

وتعزز الموالد الاعتقاد في قديس معين من خلال إقامة بعض الطقوس الدينية والاحتفالية الشعبية، أبرزها "زفة الأيقونة"، التي يتقدمها أسقف أو كبير كهنة الكنيسة، ويبارك الزائرين المشاركين في الاحتفال، كما يحمل أحد أفراد الشمامسة أيقونة القديس.

ويحرص الزائرون على نيل البركة بملامسة أيقونة القديس أو تقبيلها، والهتاف باسمه، وتقام زفة الأيقونة كبداية لأولى الطقوس الدينية للمولد، الذي قد يستمر لمدة أربعة أيام، وتعتبر الصلاة والدعاء طقوسا أساسية في الاحتفالات، ثم الدعاء الذي يشمل طلبات خاصة لحل مشكلات، أو تحقيق أمنيات من خلال "تشفيع" القديس في تحقيق هذه الطلبات.

كما تعتبر موالد القديسين مناسبة لتعميد الأطفال، وهو طقس ديني مسيحي يجرى للطفل بعد ولادته بأربعين يوما (للذكور)، وثمانين يوما للإناث، وإن كان لا تراعى المواعيد بالضبط عند كل الأقباط، بل تفضل الطبقة الشعبية تعميد الأطفال في الموالد قدوة بطقس تعميد السيد المسيح في نهر الأردن.

وتنطوي مظاهر الاحتفال على نشاط اقتصادي، حيث تنتشر أماكن بيع الصور واللوحات التي تصور قديسين وشخصيات دينية بارزة، فضلا عن بيع الصلبان والحلي المعدنية، وانتشار رسم الوشوم الذي يطلق عليه في اللغة الشعبية "الدق" على جسد الزائر.

كما يبرز النشاط العلاجي في الموالد المسيحية كنوع من التبرك بمعجزات القديس، الذي يأتي إليه البعض طلبا للشفاء من أمراض عضوية، أو حل مشكلات تدخل في حيز الاعتقاد في القديس والإيمان بمعجزاته.

ظلت الموالد محل اهتمام الرحالة الذين جاءوا إلى مصر عبر عصورها، وقدموا وصفا لكثير من طقوسها بأسلوب رشيق، بلغ حد الطرافة أحيانا، وهو ما دفع جاسبار دي شابرول، أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، في دراسته عن عادات وتقاليد المصريين المحدثين ضمن دراسات كتاب "وصف مصر" إلى أن يصف البلاد بأنها "خليط مضطرب من العادات والتقاليد تعود إلى أصول متنوعة تنتج عن أسباب كثيرة"، وتساءل "هل كان يمكن للأمر أن يكون على نحو آخر، في بلد يمكن القول إن كافة الأمم قد اختلطت فيه؟"

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

كاظم شمهودمن المشاكل التي يعاني منها علماء الآثار اليوم هو وقوعهم في تناقضات المعلومات التاريخية ويعود ذلك الى تطور التنقيبات والحفريات والاستكشافات والعثور على نصوص طينية تحمل معلومات جديدة تناقض ما فهمه او ترجمه علماء الآثار من نصوص قديمة في السنوات السابقة، علما ان ترجماتهم الاولى للخط المسماري كانت مضمونية وليس حرفية . وقد اعترف هؤلاء من ان معلوماتهم تتوقف على ما عندهم حاليا من آثار مادية اما ما تخفيه الارض من آثار اخرى فربما ستغير في المستقبل كل ما عندهم من اخبار ونظريات . وقد اعترف بذلك عالم الآثار صوموئيل كريمر .

من هم السومريون؟

اختلف المؤرخون في اصل السومريون ولكن غالبية المؤرخين العراقيين تؤكد على انهم احد الاقوام الذين عاشوا في جهة من بلاد وادي الرافدين . ويقول الاستاذ طه باقر من ان السومريين احدى الجماعات المنحدرة من بعض الاقوام المحلية من وادي الرافدين وانهم اخذوا اسمهم من المكان الذي استوطنوه في السهل الجنوبي (سومر) مثل الاكدين من اكد والآشورين من آشور .

1817  الملك السومري جوديومن جانب اخر يؤكد بعض علماء الآثار ان الطوفان حدث بعد دور السلالات السومرية الاولى حسب التصوص السومرية المكتشفة وانه حدث في مدينة شروباك التي تقع جنوب شرق الديوانية بحوالي 64 كم الى جانب مدن سومرية قديمة اخرى مثل اريدو والوركاء ولجش وكيش . بعض العلماء يضع تاريخين مختلفين لحادث الطوفان الاول في الف الرابع قبل الميلاد والثاني في الالف الثالث قبل الميلاد .

و نفهم من ذلك ان بطل الطوفان النبي نوح –ع- واولاده سام وحام ويافث هم من اصل سومري او عبيدي . وبعد الطوفان انتشرت ذرية اولاد نوح في كل مكان من بلاد الرافدين والجزيرية العربية وسمي بعضهم بالساميين . ولكن اطلاق ساميون على كل شعوب الجزيرة العربية وعلى الاكديين والبابليين والاشوريين وغيرهم، لم تؤكده وثائق مكتوبة ولا اركيولوجية وانما فقط ورد في كتاب التوراة والذي اكثر ما ورد فيه غير موثوق .

من هم الساميون؟

1818  باب عشتاريعتبر الباحث والمستشرق الالماني شلوتزر اول باحث اوجد مصطلح سامي وساميون في عام 1781 م حيث اطلق على المتكلمين باحدى لغات العائلة السامية كالعربية والعبرية والاكدية (البابلية والآشورية) والآرامية والكنعانية بناءا على تشابه هذه اللغات وضنا منه (ضنا) ان المتكلمين بها منحدرون من نسل سام بن نوح .ع - حسب ما جاء في جدول الانساب في التوراة . وقد اطلق المؤرخون على الاقوام التي هاجرت من مهدها في الجزيرة العربية اسم الاقوام السامية . (ضنا منهم) واتجهت الى بلاد الهلال الخصيب ..؟

الدكتور طه باقر يعترض على هذه التسمية اي الساميون واللغات السامية وانها غير موفقه . فيقول من الافضل تسميتها لغات الجزيرة او اللغات العربية والاقوام السامية بالاقوام العربية او اقوام الجزيرة وكان ذلك اقرب الى الصواب .

ثانيا اذا كان نوح واولاده واولاد سام نشأوا وترعرعوا في بلاد الرافدين جنبا الى جنب مع السومريين وغيرهم، وانشأوا المدن والحضارة، في ارض زراعية تغمرها المياه من نهري دجلة والفرات، اذا كان هذا هو اصلهم فكيف بهم ان يهاجروا من الجزيرة الى بلاد الرافدين؟ (امر لا يعقل) وهذا ما وقع فيه المؤرخون الاجانب والعرب من خطأ جسيم حيث اعتمدوا على معلومات الاسفار التوراتية فقط والتي كشفت تناقضاتها مع الآثار والنصوص السومرية والبابلية العلمية المكتشفة حاليا في ارض الرافدين .

1819 منحوتات رافدينية

يذكر الدكتور خزعل الماجدي في كتابه – الميثولوجيا السومرية -(لم تكن هناك شعوب سامية مهاجرة من مكان آخر لان هذه الارض (اي ارض الرافدين) هي ارضها التي نشأت فيها وترعرعت) . وبالتالي فانه من المنطق ان تحدث الهجرة من بلاد الرافدين الى مناطق الجزيرة العربية وغيرها ... الا اذا قلنا ان هذه الاقوام المهاجرة من بلاد الرافدين الى الجزيرة حدث لها بعد عدة قرون هجرات معاكسة نتيجة للجفاف والقحط.

1820  سفينة نوح

وفي كتاب –جلجامش – للمؤرخ فراس السواح يقول ان النظرية التي تقول ان الاكديين هم شعب سامي قدم من المناطق الصحراوية هي نظرية فرضية (اي ضنية) غير مدعومة باي وثيقة كتابية او اركيولوجية وهي تقوم على نظرية تاريخية قديمة غدت اليوم بالية هي نظرية الهجرات السامية من الجزيرة العربية نحو الهلال الخصيب . (اي نظريات غير صحيحة)

ان الاقوام السومرية والسامية هي من منشأ واحد ومن اصل واحد وارض جغرافية واحدة وقد انحدروا من الجماعات المحلية المستوطنة في ارض بلاد الرافدين، كما يذكر بعض المؤرخين ان الاقوام التي سبقت السومريين يطلق عليهم اسم الفراتيون والعبيديون وقد كانوا مجتمعات زراعية متحضرة ومستقرة، وقد انشأوا المعابد والمدن واخترعوا الاختام المنبسطة ومن اشهر مدنهم اريدو .

1821 ختم سومري

وتذكر الكتب التاريخية والدينية المعتبرة ان النبي ادريس ظهر في العراق في بابل وانه سبق ظهور النبي نوح –ع- وهو اول من خط بالقلم وكتب الصحف وسمي بادريس لكثرة دراسته .. وبالتالي يمكن ان يكون ظهور الكتابة والتدوين في ارض الرافدين قد ظهر منذ زمن بعيد سبق السومريين بعدة قرون حسب ما ورد في المصادر الدينية المتواترة ...

ولكن ربما التنقيبات الاثرية العلمية الحديثة ستكشف لنا في المستقبل حقيقة الامور وازالة الشكوك - وكفى الله المؤمنين شر القتال-

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودالذي يقرأ تاريخ الامم السابقة يجد الدهشة والعجب وربما يحكم على ثلاثة ارباع كتب التاريخ بالاهمال والرمي مع النفايات وذلك لعدم مصداقيتها وخضوعها الى التحقيق والمنطق والعقل ولم تستند على مصدر علمي موثوق به . ومع الاسف ان معظم المؤرخين العرب اسوة بالمؤرخين الاجانب المعاصرين قد غاب عنهم التحقيق في نقل المعلومات والروايات وانما اخذوا يستنسخون عن المؤرخين القداما الذين معظمهم كان قد اخذها من الاساطير وشفاه الناس ..

و بعد تطور علم الآثار وقراءة نصوص الحضارات القديمة من مسمارية وهيروغليفية وغيرها اصبح لدينا مصدر علمي مادي منظور وملموس وموثوق به، فهذه الآثار التي عثر عليها في ارضي الرافدين ومصر تنقل لنا صور حية بالنص والصورة عن حال المجتمعات البدائية والحضارية السابقة منذ آلاف السنين .

و يذكر الاستاذ طه باقر بان هناك ثلاثة مصادر لمعرفة تاريخ الامم السابقة وبلاد الرافدين:

1 – علم الآثار

2 – الكتاب المقدس – التوراة

3 – المؤرخون اليونانيون

1806  القيثارة السومرية

نعلم ان علم الآثار(الاركيولجي – والبيولوجي) يهتم بدراسة ماخلفه الانسان القديم ويشمل جميع آثار الماضي من الادوات والنقوش على جدران الكهوف والمعابد وكذلك عظام الانسان والحيوان والنبات ودراسة كتاباتها القديمة وحل رموزها ونقوشها وغير ذلك . ولكن هناك مشكلة معقدة يواجهها اليوم عالم الآثار اثناء قراءة النصوص الطينية او الحجرية السومرية او البابلية او الآشورية القديمة وهي ان ثقافة تلك الشعوب قائمة على الاساطير والخرافات من عبادة الآلهة والملوك والتقاليد والعادات والطقوس الدينية وغيرها . وبالتالي فان عالم الآثار امامه مهمة جدا صعبة حيث عليه العمل الجاد والدقيق لفرز الحقائق التي تتفق مع المنطق والعقل عن الاساطير او الحكايات التي منشأها الخيالات والاوهام .

هناك بعض المؤرخين والكتاب العرب عندما يكتب عن هذه الاساطير القديمة يتخذها مثلا جميلا في اطروحاته ومناقشاته ودليلا على صحة كلامه، وهذه من المشاكل التي نعاني منها اليوم حيث يتزين بها بعض المثقفين والكتاب دون معرفة حقائق الامور .

1807  تماثيل سومرية

اما المصدر الآخر لمعرفة تاريخ الامم السابقة فهو الكتاب المقدس او التوراة التي حوت اسفارها على طائفة كبيرة من الاخبار عن بلاد الرافدين خاصة في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر 605-562 ق م الذي حطم مملكة اليهود وسب اهلها ونقلهم الى بابل حيث عاشوا ردحا من الزمن فيها وتأثروا بالحضارة البابلية، وكان من جملة السبايا عدد من انبياء بني اسرائيل ومجموعة من علمائهم . وفي هذا الظرف كتب بنو اسرائيل التوراة والتلمود في بابل وقد حوت هذه الكتابات على كثير من القصص والحكايات والاساطير والخرافات السومرية والبابلية كما استمدت الكثير من القوانيين البابلية ودونت الكثير من تاريخ العراق بصورة عامة .

1808 رأس فتاة من الوركاء

و كانت التوراة المصدر الوحيد لتاريخ وادي الرافدين قبل تطور علم الآثار وحل رموز الكتابة المسمارية في القرن التاسع عشر . ويقول الاستاذ طه باقر يمكن اعتبار التوراة مصدر من مصادر التا ريخ بشرط خضوعها للنقد التاريخي الصحيح ورفع كل تلك الاساطير والخرافات التي حوتها .

اذن ان الاكثيرية من مؤرخي العرب كانت كتاباتهم عن الحضارات القديمة تعتمد على معارف التوراة وما كتبه اليهود عن تاريخ العراق والجزيرة من اساطير وروايات عادة ما تخدم جنسهم وعرقهم وهو ما نجده في كتب الطبري واليعقوبي وابن مسعود وابن كثير وكذلك المؤرخين المتأخرين من العرب ، وليس فقط شوهوا وعبثوا في التاريخ القديم انما دخلت الروايات الاسرائيلة في الروايات والاحاديث النبوية ولازالت في كتب فقه المسلمين ..

اما المؤرخون الاوربيون وخاصة اليهود والمسيحيون فقد اعتمدوا في كتاباتهم التاريخية كليا على التوراة وكان بعضهم ينقب في ارض العراق ويحمل معه الكتاب المقدس .

1809  لوح من منحوتات سومر

و اما المصدر الثالث لمعرفة تاريخ العراق القديم فهو المؤرخون اليونانيون الذين زاروا الشرق الادنى خاصة العراق مثل المؤرخ هيرودوتس في حدود 480-425 ق م وقد كتب عن احوال العراق القديم وبابل، وكذلك المؤرخ زينفون الذي عاصر هيرودوتس حيث كتب عن العراق والامبراطورية الفارسية، وايضا المؤرخ الصقلي ديودورس 40 ق م وهو ايضا كتب عن بابل والجنائن المعلقة . اما فيثاغورس 570 – 495 ق م فقد زار العراق ومصر ومكث فيهما فترة من الزمن ويذكر ان رحلته في الشرق دامت حوالي عشرين سنة وقد اهتم بالمواضيع العلمية والرياضيات والموسيقى وانه كتب عن العراق ومصر وتعلم من علوم البابليين والمصريين . .

وهكذا يبقى الشرق الادنى مهبط الرسالات والانبياء والنبع الحضاري الاصيل الذي لا ينضب عطائه منذ فجر التاريخ الى اليوم . والمثل يقول (من علمني حرفا ملكني عبدا) .

 

د. كاظم شمهود

 

"تأملات" بميدياتيك أريانة

لوحات متعددة لفنان هام بالتراث دراسة ورسما تأخذه الهوية ليقول بالجوهر الكامن في الانسان...

أعمال فنية وفي أحجام مختلفة تحلت بها أروقة فضاء المعارض بالمكتبة النموذجية بأريانة " الميدياتاك " حيث كانت التلوينات مجال عمل تشكيلي بالأكريليك وفي فترات مختلفة وخاصة بفترة الحجر الصحي الأولى حيث كان المجال للتأمل وهنا يكمن جوهر الفن فما قيمته وجدواه ان كان بلا أسئلة وحيرة وتأمل نعم الفنان هو كائن وبمثابة طفل يمضي في عوالمه المتعددة بكثير من الحلم يرقب الأشياء والعناصر والتفاصيل لا يرتجي غير فكرة ملونة يسميها العمل الفني. هام بالتراث دراسة وبحثا تأخذه الهوية مدار اهتمام واشتغال ليقول بالأصل والجوهر الكامن في الانسان.

1805 فن تونس

نحن في عهود عولمة متوحشة ترتجي الانتهاء بالهويات والخصوصيات الى هوية واحدة يكون معها الانسان رقما للاستهلاك ليتحول بالنهاية الى متحف مهجور بلا لون ولا رائحة ولا طعم..بلا روح. التراث والهوية مجالا انطلاق صاحبنا الفنان الذي نحن بصدده وقد عدد من عمله ونشاطه وفعله المجتمعي ليكون بالمحصلة التي كانت حوالي أربعين سنة طفلا فنانا حالما بالمضي أكثر في حواره مع القماشة والتلوين معبرا عن هواجسه الدفينة التي هي الكنه والجوهر والينابيع...هكذا رأى الأشياء ..فكان هذا المعرض تأملا آخر في فسحة يواصل بعدها رحلته الفنية التي تخيرها في هذه الحياة المتحركة وتحيل الى سنوات من اشتغاله الفني الجمالي في عوالم الفنون الجميلة..

الفنان التشكيلي عبد الحميد الصكلي يقدم في هذا المعرض الفردي عددا من اللوحات منها "أصالة " و" معمار " و" خمسة " و" سطوع " و" سكينة " و" تشابك " و" سيلان " و" زحام " و" تانيت " ... وغير ذلك من العناوين المعبرة والدالة على تعلقه بالتراث

و الهوية فهو يرى الفن مجال تشبث بالجوهر من خلال التثمين للتراث ومشتقاته من هوية وأصالة ..و المتأمل في اللوحات المعروضة منذ مساء السبت 19 سبتمبر (يتواصل المعرض الى يوم 15 أكتوبر) يلمس دون عناء الحضور البين للمعمار التقليدي والقصور القديمة بمطماطة والعلامات المخصوصة للمرقوم وما يلائم ذلك جماليا من ألوان تخيرها الفنان في فضاء اللوحة ..زخارف وعلامات وأشكال هي من صميم مكوناتنا الجمالية التراثية جعل منها أدوات في اللوحات ليعلي من شأنها ويبرزها في مختلف لوحاته الفنية.

هو من مواليد تونس سنة 1952 وحصل على اجازة الفن التشكيلي اختصاص " ثقافة واتصال " من المعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية  بتونس وكان له مجال للتدريس بالمغرب من سنة 1978 الى سنة 1990 ثم أدار مصلحة الأنشطة الثقافية والرياضية بوزارة التربية منذ سنة 1990 ثم رئيس مصلحة ومنذ سنة 2009 عين مديرا للتنشيط الثقافي والاجتماعي والرياضي  وترأس منذ سنة 2002 الجمعية التونسية للتربية التشكيلية  وكان له سنة 2015 معرض خاص حول المرقوم وذلك خلال تظاهرات شهر التراث وفي رواق " صلادان " .و عن تجربته ومعرضه هذا يقول : "...أنا من جيل الحبيب بيدة ونورالدين الهاني ولمين ساسي ومن أساتذتي خليفة شلتوت والهادي التركي والناصر بالشيخ وحسين التليلي حيث تخرجت كأستاذ تربية تشكيلية ثم كانت لي تجربة بالتعاون الدولي لأدرس بالمغرب الشقيق بمركز في اطار التعاون بين تونس والمغرب .

وفي الفترة بين سنتي 1983 و1990 درست بمعهد العمران بعدها كان الحاقي بوزارة التربية كرئيس لمصلحة التنشيط الثقافي والرياضي وفي سنة 1992 وقع بعث ادارة الأنشطة الثقافية والرياضية بالوزارة وكنت ميرا مساعدا ثم مديرا لهذه الادارة وكانت لي تجربة مهمة في هذا الجانب الثقافي الرياضي التربوي حيث أشرفت على كل الأنشطة الثقافية المدرسية من جميع جوانبها وفي سنة 2012 كان تقاعدي لأتفرغ منذ ذلك الحين الى الفن والاشتغال أكثر على تجربتي الخاصة والمشاركة في المعارض فضلا عن معارضي الشخصية في عديد المواعيد والمناسبات .

بالنسبة لتجربتي في المجال الجمعياتي كانت الفترة من سنة 1989 الى سنة 1994 ثرية بالنشاط منه عضويتي بالجامعة التونسية للتنس حيث رافقت عددا من اللاعبين في دورات عربية ودولية ..و بالنسبة للجمعية التونسية للتربية التشكيلية فقد ترأستها من سنة 2002 الى سنة 2017 وهي تضم أساتذة التربية الفنية وقد نظمنا خلالها عددا من الأنشطة في فضاءات ثقافية متعددة بالمرسى وتونس والمنستير وسوسة وتعددت معارض الفنون التشكيلية والأنشطة الفنية كذلك .

في الأثناء كان نشاطي الفني التشكيلي فأنا عضو باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وكذلك بنقابة الفنانين وكانت لي مشاركات في عديد المعارض الفنية الجماعية كما أني أقمت معارض خاصة بي في عدد من الفضاءات الفنية والأروقة التشكيلية هذا الى جانب مشاركة دولية بملتقى القصبة الدولي بالمغرب وبورزازات سنة 2013 وبمدينة الجديدة سنة 2016 الى جانب معارض أخرى بتونس منها معرض سيدي بوسعيد ومعرض ميدياتيك أريانة .

معرضي الحالي برواق المكتبة المعلوماتية النموذجية بأريانة هو نتيجة ومراكمة لتجربتي التي تمسح أربعين سنة من العمل الفني التشكيلي وضمن مرجعية جمالية نهلت أساسا من التراث التونسي وهذا في الحقيقة امتداد للدراسة التي قمت بها ضمن ختم دروسي الجامعية بالمعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية ( البوزار حاليا) وحول العناصر الزخرفية والنباتية والهندسية في الفن الاسلامي وما يعبر عنه بالآراباسك واشتغلت على الأعمال الفنية الموجودة في القصور في عصور الأندلس ومنها قصور غرناطة وكذلك بمواقع اسلامية كجامع عقبة بالقيروان  من الباب الرئيسي من خلال زخارف مأخوذة من عناصر نباتية وهندسية حيث هناك تداخل بينها وكذلك الكتابة المنقوشة ضمنها ...و بخصوص تجربتي الفنية والبحثية التي هي امتداد لأطروحتي التي ذكرتها فقد اكتشفت ما هو موجود بالمدينة العربية وبالمعمار الصحراوي مثل المساكن الموجودة بالقصور الصحراوية مثل مطماطة وأيضا من خلال النسيج والمرقوم مثل مرقوم قفصة ووذرف والقيروان  بقرى الساحل التونسي ونفس الشيء بالنسبة للزرابي .

في معرضي الحالي برواق مكتبة اريانة المعروفة ب " الميدياتيك " هناك نسبة 60 بالمائة من اللوحات التي أنجزتها خلال فترة الحجر الصحي من مارس الى أوت من هذا العام الجاري وبالفعل عشت فترة تأمل في كل شيء في سياق حالات وأوضاع بلادي والعالم وقد وقفت لأقيم ما أنجزت وما أحلم بانجازه في هذه المسيرة من تطور المضامين التشكيلية وتنوعها الفني وفق الحفاظ على الترات وتثمينه ودور الفنون التشكيلية في هذا المجال المتصل بالهوية والتراث.

و في هذا السياق الكوني المتردي اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا رأيت في الفن ملاذا للتفكير والتأمل والتواصل والاستمرار حيث الفن حالات تجاوز وابداع وابنكار وللفنان والنثقف أدوار مهمة بالنتيجة وفي جميع المجالات ...و هكذا سيكون عملي الفني لاحقا في هذه المواصلة مع التراث رغم هذا المد الكبير لتيارات الفن المعاصر .و بعد مسيرتي هذه (40 سنة ) سأمر ربما الى طور آخر ومرحلة جديدة لأستعمل تقنيات جديدة لكن دون الابتعاد عن الجوهر الذي هو بالنسبة لي التراث والهوية ...".

في " ميدياتاك أريانة بستان من تلوينات الفنان عبد الحميد الصكلي التي تبرز مظاهر التراث والهوية في لوحات كانت بمثابة العناوين الدالة على حيز من مسيرة فنان يقول بالقيمة تجاه الأصيل والجوهري وفق رؤيته للفن وللعناصر والأشياء...و العالم.

 

شمس الدين العوني

 

يسري عبد الغنيلم تكن حضارة مصر القديمة مجرد حضارة بناء اقترن ذكرها بما خلفته من صروح معمارية شيدتها قبل آلاف السنين أو مقابر ملوك ونبلاء احتوت على فنون نحت ورسوم وإبداعات أدبية أو نصوص جنائزية، بل هي حياة صاغ تفاصيلها صانعوها، دون إغفال كل ما ساعدهم في تكوين هذا الكيان، حتى عادات الطعام والشراب التي احتلت مكانة بارزة في عقيدتهم وفكرهم.

ساعدت التربة الخصبة ووفرة المياه النهرية في أرض مصر سكانها على زراعة العديد من المحاصيل الغذائية، كما أسهما في توفير بيئة حياة لأسماك وطيور جاءت من كل حدب وصوب إلى هذه الأرض فخلقت تنوعا في مصادر الطعام استفاد منه المصري قديما.

احتل الطعام أهمية في حياة المصريين كما يتضح من إحدى وظائف الملك نفسه والاعتقاد بأن "كلماته هي التي تخلق الطعام". وعرف المصريون زراعة العديد من الخضراوات كالبازلاء والثوم والبصل والخس، كما توجد نقوش تشير إلى معرفتهم منذ عصور مبكرة زراعة أنواع من الفواكه كالتمر، الذي يعد فاكهة شعبية لعموم السكان، إلى جانب فواكه التين والعنب والرمان والبطيخ، وهو ما ظهر في نقوش أبنية تعود إلى فترة عصور الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم.

حرص المصري القديم على عدم الإفراط أو اشتهاء الطعام حفاظا على الصحة، كما تعمّد إظهار رشاقة قوام الجنسين في نقوشه ومنحوتاته الفنية وتعاليمه الأدبية، كما يتضح من نص اطلعت عليه بي بي سي مدون في تعاليم شخص يدعى "كاجمني" ترجمتها إلى الفرنسية كلير لالويت، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس-سوربون، في دراسة خاصة ضمن سلسلة نماذج الفكر العالمي لمنظمة اليونسكو تحت عنوان "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية" للنص المصري القديم:

"إذا جلست مع أناس كثيرين لتناول الطعام، فانظر إلى الطعام بلامبالاة، وإن كنت تشتهيه، فإن ضبط النفس لا يكلف الإنسان أكثر من لحظة، وعار أن يكون الإنسان شرها، فقدح من الماء يروي الغلة".

وأكد المصري على ثقافة الاعتدال في وصية شخص آخر، يعرف باسم "خيتي بن دواوف"، لابنه "بيبي"، حيث يقول:

"كن قنوعا بطعامك لو كان يكفيك ثلاثة أرغفة وقدحان من الجعة، فإن لم يكف بطنك فحاربها".

ولا تساعد ندرة المصادر التاريخية في تقديم وصف تفصيلي لطرق طهي المصري لطعامه منزليا، إلا أنه يمكن تقسيم الطعام إلى قسمين اعتمادا على بيئة استهلاكهما وهما: طعام الدنيا وطعام الآخرة.

وللدنيا طعام...!!!

لم يكن طعام المصري القديم في حياته اليومية مجرد إشباع لحالة من الجوع، بل كان يستعين ببعض هذه الأطعمة في صياغة وصفات طبية تساعده في التغلب على وعكات صحية وأمراض، وهو ما يتضح من توافر عدد من البرديات الطبية التي كُتبت لهذا الغرض تحديدا، أشهرها بردية "إيبرس"، نسبة إلى مكتشفها العالم الألماني إيبرس عام 1862 في مقابر طيبة، والتي تعود إلى عام 1550 قبل الميلاد في عهد الملك أمنحوتب الأول، الأسرة 18، وهي تضم مئات الوصفات الطبية الشعبية، من بينها وصفات استعانت بأعشاب طبية ونباتات عطرية وخضراوات كالبصل ونباتات أخرى كالصبار.

كما توجد برديتان على قدر كبير من الأهمية في هذا المجال، هما بردية "هيرست"، التي تعود إلى عهد الملك أمنحوتب الأول، وتحتوي على 260 وصفة طبية، وبردية "برلين" التي تعود إلى عصر الملك رمسيس الثاني، الأسرة 19، وتحتوي على 204 وصفات طبية، فضلا عن برديات أخرى مثل "إدوين سميث"، و"شستر بيتي".

استعان المصري قديما بخيرات جادت بها أرضه الزراعية، إلى جانب الغذاء، لتقديمها خلال الاحتفال بأعياد مختلفة قسمها علماء دراسات تاريخ مصر القديم إلى "أعياد رسمية"، مثل عيد الفيضان وبداية المواسم وعيد بداية السنة الجديدة، و"أعياد محلية"، وهي أعياد تقام في أقاليم مصرية محددة، و"أعياد دينية"، مثل عيد "أوبت" الكبير لموكب الإله آمون، و"أعياد زراعية"، مثل أعياد وفاء النيل وشم النسيم، الذي اشتهر منذ آلاف السنين حتى الآن بتناول أطعمة مثل البيض والسمك المملح والبصل، وعيد حرث الأرض وعيد الإلهة "رننوتت" ربة الحصاد، فضلا عن المناسبات الجنائزية.

اهتم المصري بعيد "أوبت" الديني الشعبي الكبير، على سبيل المثال، الذي كان ينتقل فيه الإله آمون، الإله الرسمي للدولة بحسب المعتقدات الدينية المصرية في عصور الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم، من معبده في الكرنك إلى معبد الأقصر، وكان الملك يقدم خلال هذه المناسبة الشعبية القرابين المكونة من اللحوم والطيور والفاكهة واللبن والخبز والجعة.

وقد تساعد محاولة تقسيم طبقات المجتمع في مصر القديمة في تسليط الضوء على العادات الغذائية التي تميزت بها كل طبقة من طبقات المجتمع.

كان طعام طبقة البسطاء من الشعب، كالفلاحين، وهم الطبقة الكادحة في أرض البلاد والأكثر فقرا، يعتمد على وجود الخبز والجعة وبعض الأطعمة البسيطة من الخضر، أما عن تناول لحوم الحيوانات فكان هؤلاء الفلاحون يؤثْرون الحقل ورعاية تلك الحيوانات، التي تساعدهم في أعمالهم الزراعية، على الاستمتاع بتناول لحومها، لذا عمدوا إلى ما يعرف بترشيد الاستهلاك لصالح مصدر رزقهم.

أما الطبقة الوسطى، التي تمثل عمال البناء وجماعة الحرفيين، فكانت أوفر حظا مقارنة بالفلاحين إلى حد ما، إذ اعتمدت أعمالهم على ما يعرف بنظام توزيع المؤن اليومية، التي تنوعت فيها الأطعمة بين لحوم وأسماك إلى جانب الخضر، ويشير إلى ذلك ما كشفت عنه أعمال التنقيب في مقابر عمال بناء الأهرام، في منطقة الجيزة، حيث عثرت على بقايا أطعمة، من بينها هياكل أسماك كانت توزع على العمال أثناء أداء مهام عملهم.

وعن الطبقة العليا وطبقة النبلاء، وهي الطبقة المترفة في المجتمع، تنوعت صنوف الطعام بين اللحوم والأسماك والطيور والخضراوات والفاكهة من أجود الأنواع، وكذا الخبز والفطائر والمشروبات وعلى رأسها النبيذ، كما يتضح من نقوش مقابر نبلاء الدولة على مر العصور، وأبرزها نقش في مقبرة الوزير بتاح حتب، في عهد الملك جد-كا-رع في الأسرة الخامسة، جالسا أمام مائدة قرابين عامرة بكل ما لذ وطاب، يشرب قدحا من "الماء الطاهر" وأمامه الخدم والكهنة يذبحون الماشية ويحملون الأطعمة الطازجة، بينما يوجد نقش علوي لخادمات يحملن الأطعمة.

طعام العالم الاخر ...!!!!

ربط المصري قديما بين عاداته الغذائية والدين، الذي اهتم به منذ أقدم عصوره، كظاهرة اجتماعية يحتاج إليها كل تجمع بشري بما يخدم ضبط سلوكه وقواعد تعامله مع الآخرين في بيئته اليومية، فكان إحساسه بوجود قوى خارقة وراء ظواهر اعتمدت عليها حياته وأثرت فيها سببا وراء تنوع الآلهة، لامتلاك كل إله قوة خفية تفوق قدرة الإنسان، فحرص على تقديم أطعمة خاصة لهذه الآلهة في شكل قرابين بغية استرضائها وطمعا في حمايتها له من شرور الحياة.

وتعددت مهام هذه الآلهة في النظام اللاهوتي المصري، كما ارتبط بعضها بأنواع مختلفة من الطعام، مثل الإله "نبري"، الذي اتخذه المصريون ربا للقمح، المحصول الرئيسي في البلاد، والإلهة "رننوتت" ربة الحصاد وسيدة الحقول، والإله "شسمو" رب النبيذ، والإلهة "حات-ام- حت" ربة الثروة السمكية، إلى جانب الإله "حعبي"، إله النيل والفيضان، رمز كل عطاء للخيرات في هذا البلد.

اعتاد المصريون تقديم قرابين الغذاء للآلهة في المعابد، وكانت بمثابة عبادة دورية شبه يومية، تتألف من الخبز والفواكه واللحوم، وهي أطعمة أساسية كان يعتمد عليها الكهنة والعاملون في المعبد، وكان يشترط التطهْر أثناء تقديم هذه القرابين من الأطعمة كما يشير نص يعود إلى عصر الدولة القديمة:

"كل من يدخل هنا يجب أن يكون نقيا، ويتطهر كما يتطهر عند دخوله معبد الإله الكبير".

آمن المصريون قديما بأن الآلهة مثل البشر تحتاج إلى طعام وشراب، لذا كان من بين شعائرهم الدينية تقديم قرابين في مواعيد شبه ثابتة أمام رمز هذا الإله، أو إقامة ولائم جنائزية لإرضائه خلال مراسم دفن متوفي وانتقاله إلى العالم الآخر، فهي ولائم تقام وقت الوفاة وأمام قبره، عامرة بالأطعمة وقدور الشراب وأنواع الأزهار.

وتشير تفاصيل سجلتها بعض النقوش التي تعود إلى عصر الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم، إلى تفاصيل هذا اليوم الذي كان يرتدي فيه أهل المتوفي أحسن الثياب ويحملون أوعية النبيذ أثناء مراسم دفن الميت من الطبقة الغنية، أما الطبقة الفقيرة فكانت تلجأ إلى تبسيط تلك المراسم قدر الإمكان بما يتناسب ومستواها الاجتماعي.

ويجسد نص من مقدمة الفصل 99 من فصول كتاب "الخروج إلى النهار"، المعروف مجازا بكتاب الموتى عند المصريين القدماء، صورة من الحياة في العالم الآخر ونعيمها الغذائي، اطلعنا عليها في الترجمة الفرنسية التي قدمها العالم بول بارجيه، أستاذ الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ليون، للنص المصري القديم:

"إذا وعي المتوفى هذا الفصل أي التعويذة سيستطيع الخروج إلى حقول الغاب، وسوف يقدمون له الحلوى وجرة جعة وخبزا من على مذبح الإله العظيم، والحقول والضياع المليئة بالقمح والشعير، وسوف يحصدها له أتباع حورس، وسوف يأكل من هذا الشعير والقمح وسوف تتغذى أعضاؤه، وسوف تكون هذه الأعضاء مثل أعضاء الآلهة".

اعتقد المصري القديم أن الميت يُبعث في قبره بعد وفاته ويمارس نشاطه من جديد بنفس احتياجاته عندما كان حيا على وجه الأرض، وكان الطعام والشراب جزءا هاما من المتعلقات الجنائزية التي توضع إلى جانب الميت، لأنه بدونها لا يستعيد حياته بعد الموت في العالم الآخر، بحسب الفكر العقائدي المصري.

عاشت الحضارة المصرية القديمة، على امتداد زماني لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ورغم كل ما اعتراها من تقلبات دينية وسياسية واجتماعية، فضلا عن التغيرات التي طرأت عليها تاريخيا، إلا أن هذه الحضارة عاشت في إطار هويتها الأساسية، وبنفس النزوع العام، بعد أن نجح المصري القديم في التعبير عن حياته اليومية والفكرية سعيا إلى الأبدية وقهر الموت، مستعينا بأرقى وسائل التعبير الفنية وأكثرها فاعلية.

ويقول العالم الفرنسي الكبير فرانسوا دوما عن حضارة مصر القديمة إن "الهدف الأسمى من كتابة تاريخ حضارة مصر هو العمل على تقريب روح من خلقوها، والوصول إلى البؤرة التي انطلقت منها إبداعات اجتماعية وأدبية وفنية، لعالم مازال يبهر بنجاحاته وروعته، وإن كان قد اختفى منذ أكثر من ألفي عام".

 

بقلم / د.يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيكان رفاعة الطهطاوي، رائد حركة التنوير الفكري في مصر خلال القرن التاسع عشر، أول من اعترض على نقل المسلة بعد عودته من بعثته العلمية في باريس، ورأى الخطوة بمثابة إهدار للثروة القومية وسجل اعتراضه بوضوح كما ورد في كتابه "تخليص الأبريز إلى تلخيص باريز أو الديوان النفيس بإيوان باريس":

"إن مصر أخذت الآن في أسباب التمدن والتعلم على منوال بلاد أوروبا فهي أولى وأحق بما تركه لها سلفها من أنواع الزينة والصناعة، وسلبه عنها شيئا بعد شيء يعد عند أرباب العقول من اختلاس حلي الغير للتحلي به فهو أشبه بالغصب وإثبات هذا لا يحتاج إلى برهان".

كما اعترض الشاعر الفرنسي بيتروس بوريل عام 1833 وقال بعبارة شديدة اللهجة مخاطبا الحكومة الفرنسية، أوردها سوليه في دراسته:

"ألا يمكنكم ترك كل منطقة وكل مناخ محتفظا بمفاخره وبزخرفته؟ ليس لأي شيء قيمة إلا حينما يكون في موضعه الخاص ووسط أرضه ومسقط رأسه وتحت ظل سمائه. يوجد ارتباط متبادل وتآلف حميم بين الصروح والبلاد التي أقامتها. يجب أن تتجاور المسلات المصرية مع أعمدة المعابد".

جدل على موضع المسلة

أراد شامبليون وضعها في ساحة متحف اللوفر أو أمام كنيسة "مادلين"، لكن الملك لوي-فيليب الذي كان قد وصل إلى الحكم أراد أن تقام في ميدان الكونكورد، وأصر شامبليون على رأيه معتبرا ميدان الكونكورد يقلل من هيبة المسلة، وساءت العلاقات بينهما، وتوفي شامبليون دون تحقيق مطلبه.

اضطرت فرنسا إلى صنع قاعدة جديدة للمسلة من الجرانيت المستخرج من منطقة بريتاني شمال غربي فرنسا، نظرا لترك القاعدة الأصلية في الأقصر لسوء حالتها، واستعان المهندس "لوبا" بنحو 420 جنديا فرنسيا لرفع المسلة في الميدان، ووصف لوبا خطورة المهمة في مذكراته بعنوان "مسلة الأقصر" الصادر في باريس عام 1839 قائلا:

"إن عدم فهم أمر صادر، أو وجود رباط غير جيد، أو مسمار أعوج، كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة رهيبة، ففي حالة سقوط الرافعة ستتحطم المسلة، وتضيع ملايين الفرنكات، وسوف يُسحق أكثر من مائة عامل بلا شك".

لقد وضعت المسلة وسط ميدان الكونكورد بالاستعانة بنحو 420 جنديا لرفعها في مكانها

وأخيرا تجمع جمهور قُدّر بنحو 200 ألف شخص في 25 أكتوبر/تشرين الأول 1836 في الميدان، ووقف أوركسترا من مائة عازف على ناصية شارع "سان-فلورانتين" يعزف مقطوعة موزار "أسرار إيزيس الخفية"، وكُتب على قاعدة المسلة السطور التالية:

"في حضور الملك لوي-فيليب الأول، نقلت هذه المسلة من الأقصر إلى فرنسا، ونُصبت فوق هذه القاعدة بإشراف المهندس لوبا وسط تصفيق جمهور كبير".

كما أهدى الملك المسلة إلى ذكرى نجاحات جيش الجمهورية ولكن في عبارة باللغة اللاتينية، وليست الفرنسية، خلت من ذكر صانع المسلة الأصلي، الملك رعمسيس الثاني، وصاحب اختيار المسلة، شامبليون، وعُهد بتحريرها إلى أكاديمية المخطوطات والآداب وترجمها إلى الفرنسية آلان باجاس، وورد النصان في دراسة جان فيدال بعنوان "الغائب عن المسلة":

"ملك الفرنسيين إذ يرغب في أن ينقل إلى الأجيال التالية إحدى قمم الفن المصري وكذلك الذكرى الرائعة لإحدى الأعمال المجيدة التي تحققت بالسلاح مؤخرا على ضفاف النيل. رُفعت هذه المسلة الممنوحة لفرنسا من مصر ذاتها، ورُفعت من مقابر طيبة في 25 أغسطس 1832 ونقلت إلى فرنسا على متن سفينة شيدت لهذه المناسبة خلال رحلة دامت 13 شهرا وأقيمت هنا في 25 أكتوبر 1836، سابع أعوام ولايته للحكم".

تأثيرها في الشعر الفرنسي

ظلت المسلة المصرية مصدر إلهام وولع بحضارة مصر، وسحرت شاعر الرومانسية الفرنسي "تيوفيل غوتييه" فنظم لها قصيدة طويلة بعنوان "حنين مسلات" في ديوانه "الخزفيات وأحجار الكاميو" عام 1851، مبتكرا حوارا بين المسلة في باريس وشقيقتها في الأقصر، تشكو كل منهما للأخرى آلام الوحدة كهذه المقتطفات :

"أشعر بالملل في وسط هذا الميدان، مسلة غير متجانسة مع المكان، الثلج وقطرات الضباب المتجمد والرذاذ والمطر يثلج جبيني... أنا من استطعت بقامتي العظيمة تحدي الزمن ووقف رعمسيس ذات يوم أمامي كالقشة، صرت أداة تسلية في باريس... نهر السين الذي تصب فيه بالوعات الشوارع، هذا النهر القذر المكون من جداول يلوث قدمي التي كان نهر النيل أبو الأنهار يقبّلها كل فيضان".

وتخاطبها شقيقتها من الأقصر شاكية أيضا:

"أسهر الليل، حارس وحيد لهذا القصر الكبير الخرب، في تلك الوحدة السرمدية أمام فضاء شاسع، في أفق لا يحده شيء تحت شمس غائمة، تبسط الصحراء العريضة الصامتة أمامي بلا نهاية كفنها الأصفر... الريح هنا لا تمسح أبدا دمعة العين الجافة، يتكيء الزمن المتعب على جدران القصور الساكنة، فلا يوجد ما يزعزع وجه الخلود، فمصر في هذا العالم المتغير تتربع على عرش السكون".

شاهدة على الأحداث

دأبت فرنسا على الاحتفال بمناسباتها الوطنية في ميدان الكونكورد، فقُدّر للمسلة أن تشهد على الأحداث الكبرى حتى وقتنا هذا من بينها:

ديسمبر/كانون الأول 1840، ينتظر الجمهور في ميدان الكونكورد رفات بونابرت، وتتوقف العربة الجنائزية أمام المسلة ثم تتجه إلى ساحة "إنفاليد" لدفن الرفات.

أبريل/نيسان 1846، زار إبراهيم باشا، ابن محمد علي، باريس للعلاج وتأمل المسلة، وبعد خمسة أشهر أهدت فرنسا مصر ساعة من الطراز الغربي تزين مسجد محمد علي بالقاهرة، كشكر من فرنسا للوالي على هبة المسلة.

فبراير/شباط 1848، تحدث صدامات بين الجماهير والفرسان الملكيين حول المسلة، ويتنازل لوي-فيليب عن العرش ويمُحى اسمه مؤقتا من فوق قاعدة المسلة.

نوفمبر/تشرين الثاني 1848، يحتفل الفرنسيون أمام المسلة بالدستور الذي وضعته الجمعية الوطنية (البرلمان).

14 يوليو/تموز من كل عام تحتفل الجمهورية الفرنسية بعيدها الوطني، "يوم الباستيل"، وتقام العروض العسكرية والجوية أمام المسلة.

قمة ذهبية

اقترحت عالمة دراسات تاريخ مصر القديم "كرستيان ديروش-بوبلكور"، في سبعينيات القرن الماضي كما ذكرت في دراستها "تحت أعين الآلهة"، وضع هُريم ذهبي فوق قمة المسلة، وحدث سجال بين مؤيد ومعارض لسنوات، حتى جددت نوبلكور مطلبها عام 1998 في عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بمناسبة الاحتفال بمرور مائتي عام على حملة بونابرت في مصر، وقالت إن فكرتها "سوف تحافظ على المسلة وتعطيها شكلا جماليا ورمزيا".

واغتنمت نوبلكور، حسبما قالت في دراستها، فرصة زيارة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك لباريس كمناسبة لوضع الهريم الذهبي، وقالت :"كنت واثقة أن الهريم إذا لم يوضع في هذه المناسبة، فلن يحدث ذلك أبدا، لذلك كتبت إلى الرئيس شيراك".

ووضعت لافتة مذهبة إلى جانب قاعدة المسلة تخلّد ذكرى الحدث وترد الاعتبار لجان-فرانسوا شامبليون الذي لم يذكر اسمه عليها منذ أن وضعت في الميدان.

وإن لم توجد إشارة واحدة في جميع النصوص الفرنسية واللاتينية على قاعدة المسلة تمجد صاحبها، الملك رعمسيس الثاني، فإنه يخلد ذكره إلى الأبد في نصوص "مقدسة" باللغة المصرية القديمة تردد له تراتيل النصر على أوجه المسلة الأربعة:

"ملك مصر العليا وملك مصر السفلى، حاكم وملك مصر، الذي أدب الشعوب، حورس الوضاء، حارس السنين، عظيم بانتصاراته، ملك الشعب المطيع، الشمس الحامية للحقيقة، حاكم الحكام، الذي أنجب شمو، لكي يمارس الأحكام الملكية على العالم عددا كبيرا من الأيام، ابن الشمس، عزيز آمون: رعمسيس: ليحيا".

 

د. يسري عبد الغني

 

كاظم شمهودان ظاهرة الاساليب الفنية الحديثة وبجميع مدارسها المختلفة اتاحت للفنان اليوم فرصة ذهبية ان ينفرد بعلوم خاصة به دون رقابة المنطق والالتزام باصول النقد الذي رسمه الاقدمون، هذه المناهج الحديثة هي بمثابة انطلاق الاشكال والالوان للعب الحر في فضاء اللوحة واتخاذ طابع كوني لا نهائي وغير محدود، يسميه البعض بعالم الروحانيات .

بعض المفكرين المعاصرين اكد على ادماج الفكرة بالعمل واعتبار الفكرة غير مجردة من الواقع بل كائنة فيه، فجاء الفيلسوف – هيسول –و اكد على وحدة الفعل والجوهر والمحسوس والمجرد، وهذا مانجده ساطعا في الاعمال التجريدية البصرية للفنان العراقي الصاعد هاني دله .

107  هاني دله 1ان ما يميز اعمال هاني هو الهدوء والرومانسية سواء كان في الاشكال او الالوان، فالتعبيرية عنده ليس تشويه وعنف بقدر ما هي تعبيرية تأمليه أخاذة، فكل شكل له شحنة تعبيرية تجعل المتلقي في محيط من الجمال الروحي .

ترتبط العناصر التشكيلية في اعمال هاني من انسانية وحيوانية واشكال رمزية في بناء محكم التكوين مع الحرص على استخدام الرمز التاريخي وتوظيفه بشكل ينسجم مع التجربة الفنية المعاصرة وهو بذلك يحاول مد الجسور بين الماضي والحاضر، فرمزية الثور الذي يبرز في فضاء اللوحة لا يخلو من البعد الفلسفي والاسطوري فالذي لا يعرف تاريخ حضارة وادي الرافدين ربما لا يعرف رمزية الثور المجنح في الاساطير الآشورية وملحمة كلكامش . واتذكر قول للفنان المفاهيمي الاسباني تابيس (ان اللوحة هي تاريخ).

107  هاني دله 2

النغم في اعمال هاني:

النغم هو مصطلح يستخدم عادة في الغناء والطرب ولكن النقاد الاوربيون منذ القرن السادس عشر استخدموه ايضا في الفنون التشكيلية فرسم الاشخاص في تأليفات وتكوينات لا ينتج عن خلق روابط مادية فقط وانما ينشأ نوع من النغم، ذلك الذي يبعث ذبذباته الصوتية الى المتلقي بطريقة جمالية رومانسية كما ان الانسجام في الالوان يثري العمل الفني وينتج نغم، وبالتالي نجد عملا فنيا طروبا يسر الناظر اليه . يقول الفيلسوف شوبنهاور (كل الفنون تطمح الى ما وصلت اليه الموسيقى) حيث ان الموسيقى تدخل مسامع الانسان دون واسطة مادية . اما الفنان فهو يطمح ان يخاطب المتلقي روحيا عن طريق اللون والخط والفكرة فيطربه .

و يظهر التوافق والانسجام في الوان لوحات هاني غزير النغم حيث تتدرج الالوان والخطوط وتسيح في فضاء اللوحة كالسراب او الغثاء الذي يطفوا على سطح الماء لكي يزيد من القوة التعبيرية للشكل الخيالي او للشبح الانساني الذي يظهر خلفها وبينها او ذلك الثور الذي يتكرر في لوحاته، وكأنه يعرض لنا مشهدا من ملحمة كلكامش وصراعه مع الثور السماوي خمبابا وانتصاره عليه .. وتروي لنا الاساطير السومرية بان الالهه عشتار قد احبت كلكامش وطلبت الزواج منه ولكنه رفض ذلك واهانها فطلبت من الاله- انو - ان يرسل عليه ثور السماء ليقتله ففشل وانتصر عليه كلكامش .. وبالتالي نرى في اعمال هاني تكرار الشبح الانساني والثور وقد نفذت باسلوب تجريدي رمزي اي باختزال وتبسيط الخطوط والاشكال لتكون قراءة المشهد تأملية وفكرية وفي نفس الوقت الغور في اعماق تاريخ بلاد الرافدين واساطيره.

107  هاني دله 3

و قد ذكر الكاتب الانكليزي راسكين في كتابه – مصورون محدثون – بان النغم هو الارتياح الكامل والعلاقة بين الاشياء في تضاادها وانسجامها ونسب الظلال والضوء وكثافتها وعتمتها، وبالتالي كل هذه العناصر تساهم في خلق الانغام الجميله التي يرتاح لها المشاهد .

في يوم من الايام كان الفنان الروسي كاندنسكي في حفل موسيقي لفاغنر وفي اثناء ذلك حدث له امرا غريبا حيث تمثلت النغمات امام عينية الوانا، وبعدها قال: (رايت كل الالوان في روحي قبل ان تراها عيني).. و من ذلك يتضح ان النغم الخاص بكل موضوع يبرز بواسطة اللون المنتشر فوق مساحته المخصصة له في الرسم ونسبة تنوعه في درجاته، اذن ان النغم مصطلح يستخدم في الموسيقى والتشكيل على حد سوى .

قلنا ان هاني قد عمد في معظم اعماله الى الاختزال والتبسيط في الاشكال والالوان وهي صفة تمتاز بها الفنون البدائية ومعظم الفنون الحديثة حيث رفع فنانوا الحداثة شعار (ان القليل يعني الكثير) وهو ما يطلق عليه ايضا بالفن المفاهيمي .. وحتى في مجال الاخلاق والادب والخطابه نجد ان التركيز على جوهر الموضوع يعد كلاما من ذهب .. وفي هذا المجال يقول ابو العتاهية:

و فرز النفوس كفرز الصخور     ففيها النفيس وفيها الحجر

و خير الكلام قليل الحروف        كثير القطوف بليغ الاثر

107  هاني دله 4

هاني دله علي من ابرز فناني الشباب العراقي المعاصر وتشير اليه اعماله قبل الكلام عنها ، وبهذا الصدد يقول احد علمائنا (فلتكن اعمالكم تسبق اقوالكم ) .. ولد هاني في عام 1969 في هيت – الرمادي -، وتخرج من معهد الفنون الجميله في بغداد عام 1990  كما حصل على منحة للدراسة في اكاديمية الفنون الجميلة في وارشو في بولندا .. اقام عدة معارض شخصية وجماعية داخل وخارج العراق وحاز على عدد من الجوائز الفنية التقديرية ..

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيتعد مسلة الأقصر أقدم أثر على أرض باريس يشهد على "ولع فرنسي" بحضارة مصر القديمة، اجتُثت من جذور معبدها في مدينة الأقصر جنوبي مصر ونُصبت في ميدان الكونكورد خلال القرن التاسع عشر، فأصبحت شاهدة على كثير من الصراعات والأحداث السياسية والوطنية للجمهورية الفرنسية حتى الآن في بيئة مغايرة لبيئتها الأصلية.

تعود مسلة الأقصر إلى عهد الملك رعمسيس الثاني، أشهر ملوك الأسرة 19 بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم، الذي أمر ببناء مسلتين أمام معبد الأقصر تخليدا لانتصاراته في حملات عسكرية حمت أرض مصر من اعتداءات أجنبية واستباحة ممتلكاتها.

واختلف علماء تاريخ مصر القديم في تحديد الدلالة الدينية لبناء هذه الكتل الحجرية ذات الأضلاع الأربعة والقمة الهرمية، "هُريم"، والتي تقام فوق قاعدة يُسجل عليها نص تذكاري للملك والإله الذي كرست من أجله.

واتفق البعض على أنها ترمز لهبوط أشعة الشمس من السماء ممثلة في شكل الهُريم، في حين يرى آخرون أن الهُريم يلعب نفس دور الهرم كرمز "للتل الأزلي" الذي بدأت عليه عملية خلق الكون، بحسب العقيدة الدينية في مصر القديمة.

أسهم كتاب "وصف مصر" الذي وضعه الفرنسيون بعد عودتهم من حملتهم العسكرية على مصر (1798-1801) في زيادة الولع الفرنسي بحضارة مصر القديمة، لاسيما بعد تسجيل آلاف الصور لصروح بالغة الضخامة رآها العالم لأول مرة مليئة بنصوص غير مفهومة حتى اكتشف العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون أسرار هذه النصوص المصرية القديمة.

اختيار شامبليون وتناقضه

ازداد الاهتمام بآثار مصر فاستخدمها محمد علي والي مصر (1805-1848) أداة سياسية تخدم مصالحه، مغتنما صراع الدولتين العظميين وقتها، إنجلترا وفرنسا، على مسلتي "كليوباترا" في الإسكندرية وأهدى المسلتين لهما مقابل مساندتهما وتقوية موقفه السياسي أمام السلطان العثماني.

وصل شامبليون إلى مصر في أغسطس/آب 1828 ووطأ أرض الإسكندرية على رأس بعثة علمية تهدف إلى مراجعة صحة منهجه في قراءة النصوص الهيروغليفية، علاوة على فحص مسلتي "كليوباترا"، وتبين أنهما لا تمتان بصلة للملكة، بل أقامهما الملك "تحوتمس الثالث" في القرن 15 قبل الميلاد لوضعهما في معبد الشمس في مدينة هليوبوليس القديمة، ثم نقلهما البطالمة إلى الإسكندرية بعد 13 قرنا، وأُطلق عليهما بالخطأ مسلتا "كليوباترا".

وعندما زار شامبليون معبد الأقصر في جنوبي مصر أعجب بمسلتيه كما يتضح من رسالة أرسلها لشقيقه جاك-جوزيف بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1828، وردت ضمن "الرسائل واليوميات خلال رحلة مصر" التي جمعتها المؤرخة هرمين هارتلبن:

"رأيت قصر الأقصر العملاق، تنتصب أمامه مسلتان ارتفاع كل منهما 80 قدما (حوالي 24 مترا)، نحتتا بإتقان من كتلة واحدة من الجرانيت الوردي، فضلا عن أربعة تماثيل ضخمة لرعمسيس الأكبر من الجرانيت الوردي أيضا".

ويضيف شامبليون : "يعجز لساني عن وصف واحد من ألف مما يجب وصفه عند التعرض لمثل هذه الأشياء، فإما أن يظنني الناس مفعما بالحماس أو معتوها مجنونا إذا نجحت في إعطاء صورة ولو شاحبة هزيلة عنها... أعترف أننا في أوروبا لسنا سوى أقزام، وأنه لا يوجد شعب، قديما أو حديثا، بلغ فهم وتصور فن العمارة بمثل هذه الدرجة الرفيعة التي بلغها المصريون القدماء." 

وأمام هذا السحر والإعجاب تراجع شامبليون عن فكرة استلام مسلتي "كليوباترا"، هدية محمد علي، كما قال في رسالته لشقيقه بتاريخ 4 يوليو/تموز 1829:

"أشعر حيالهما بالشفقة والرثاء منذ أن رأيت مسلات طيبة (الأقصر). فإن كان محتما نقل مسلة مصرية إلى باريس فلتكن إحدى مسلتي معبد الأقصر، وستجد مدينة طيبة العريقة السلوى في الاحتفاظ بمسلة الكرنك، التي تعد أروع المسلات جميعا".

أثار موقف شامبليون جدلا بين المؤرخين، لاسيما وأنه دأب في أكثر من مناسبة على طلب الحفاظ على آثار مصر، من بينها مذكرة رفعها إلى محمد علي في هذا الشأن تحت عنوان "مذكرة سُلمت إلى الوالي بشأن حفظ وصيانة الآثار المصرية القديمة":

"ستدين أوروبا بأسرها بالعرفان لسمو الملك إذا تفضل باتخاذ تدابير فعّالة تهدف إلى صيانة المعابد والقصور والمقابر وجميع الآثار الأخرى التي لا تزال تشهد على عظمة وقوة مصر القديمة، والتي تعد في ذات الوقت أروع ما يزين مصر الحديثة".

ويضيف شامبليون في مذكرته : "يمكن لجلالة الملك، بغية تحقيق هذا الهدف، أن يأمر بعدم اقتلاع، بأي حال من الأحوال، أي أحجار أو قوالب طوب منقوشة أو غير منقوشة من الأبنية والآثار القديمة التي لا تزال قائمة في المواقع سواء في مصر أو النوبة".

ويقول المؤرخ الفرنسي روبير سوليه، في دراسته الخاصة "الرحلة الكبرى للمسلة"، إن شامبليون "لم يكن من بين الأجانب الذين كانوا ينهبون التراث المصري بهدف التربح، بل كان يهدف إلى وضع تلك القطع الأثرية في مكان آمن حتى يستطيع العلماء دراستها ويستمتع بها الجمهور الأوروبي".

أما شامبليون نفسه فقد أفصح في رسالته لشقيقه بتاريخ 4 يوليو/تموز 1829 قائلا:

"ستصبح فرصة عظيمة لعرض أثر مثل هذا القدر من الروعة في فرنسا بدلا من الأشياء التافهة والزينة الرخيصة التي نسميها نحن بكل زهو آثارا وطنية، والتي تصلح بالكاد لتزيين صالونات صغيرة ... إن كتلة كتلك المسلة المهيبة تكفي بمفردها للتأثير بشدة على العقول والأعين. كما أن عمودا واحدا من أعمدة الكرنك يعد أثرا بمفرده أكثر من الواجهات الأربعة لفناء متحف اللوفر".

مغامرة شاقة

كيف نُقلت كتلة حجرية تزن 230 طنا من الأقصر إلى باريس؟

استبعد شامبليون فكرة تقطيع المسلة ووصف ذلك بـ "تدنيس للمقدسات"، لاسيما وأن الرومان كانوا قد نجحوا في القرن الرابع الميلادي قبل فرنسا في نقل مسلة من معبد الكرنك، عبر البحر المتوسط، ونصبوها في ميدان القديس بطرس في روما.

شيدت فرنسا لهذا الغرض سفينة مستوية القاع تستطيع السفر في مياه البحار والأنهار، تفاديا لتعدد نقل المسلة من سفينة لأخرى وأطلقت عليها اسم "الأقصر"، غادرت ميناء تولون في 15 أبريل/نيسان عام 1831، وعلى متنها طاقم من 150 شخصا من حرف مختلفة، جميعهم تحت قيادة المهندس "أبوللينير لوبا".

وصل الطاقم إلى الأقصر يوم 14 أغسطس/آب، وبدأ العمل ثم توقف بسبب وباء الكوليرا الذي أصاب 15 فرنسيا، وتسبب في وفاة 128 مصريا، ووصف ريمون دي فرنيناك سان-مور، قائد بعثة نقل مسلة الأقصر إلى باريس، في مذكراته وملاحظاته بعنوان "رحلة السفينة الأقصر في مصر" التي نشرها في باريس عام 1835 مشهد هؤلاء المصريين:

"إن الفلاحين المساكين الذين أصابهم وباء الكوليرا لم يكن لديهم مشروب سوى ماء النيل ولا سرير سوى الأرض، ومع ذلك لم تصدر منهم أي صرخة أو شكوى، فمنهم يتعلم المرء أن احتقار الحياة يوجد في العراء أكثر مما يوجد في كتب الفلاسفة".

لم تُقطع المسلة عن قاعدتها قبل يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول، وكتب فرنيناك رسالة إلى شامبليون :

"ابتهج معنا يا سيدي المواطن، لقد غادرتنا الكوليرا، وخضعت المسلة الغربية بالأقصر أمام أبسط الوسائل الميكانيكية الحديثة. أمسكنا بها أخيرا ومن المؤكد أننا سنحضر إلى فرنسا هذا الصرح الذي لابد وأنه سيزودكم بمادة لدروسكم الممتعة... ستشهد باريس ما صنعته حضارة قديمة من أجل صيانة التاريخ في ظل عدم وجود مطبعة. وسترى (باريس) أنه إذا كانت فنوننا مدهشة، فإن شعوبا أخرى صنعت فنونا قبلنا بأزمنة طويلة لا تزال نتائجها المدهشة تذهلنا حتى اليوم".

لزم الأمر التفاوض مع الأهالي لشراء بيوتهم وهدمها من أجل إفساح الطريق ونقل المسلة على قضبان من الخشب بمساعدة 400 عامل مستأجرين إلى أن وضعت المسلة على ظهر السفينة في نهاية ديسمبر/كانون الأول.

واجهت السفينة بعد إبحارها صعوبات واضطرت إلى الرسو من جديد في مدينة رشيد بسبب عدم قدرتها على اجتياز مياه النيل إلى البحر المتوسط، فاستعانت بواحدة من أوائل السفن البخارية الفرنسية في العصر واسمها "أبو الهول" وقطرت "الأقصر" وسط بحر مضطرب لمدة يومين هدد السفينة بالغرق وهلاك الطاقم والمسلة في قاع البحر، حسبما وصف فرنيناك في مذكراته.

وصلت السفينة إلى ميناء تولون يوم 10 مايو/أيار 1833، وعبرت مصب نهر السين ووصلت إلى باريس في 23 ديسمبر/كانون الأول بعد رحلة شاقة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغني"أنا متفرغ تماما للغة القبطية، أود أن تكون درايتي بهذه اللغة كالفرنسية تماما، لأن عملي الضخم في البرديات المصرية سيقوم على أساسها"

هكذا أرسى العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون، كما أوضح في رسالته إلى شقيقه الأكبر جاك-جوزيف عام 1809، دعائم مشروعه العلمي لكشف لغز الكتابة المصرية القديمة "الهيروغليفية"، مستعينا باللغة القبطية، وفك ما استعصى على علماء اللغة لقرون، لتبوح أطلال مصر الصامتة بأسرار إحدى أقدم الحضارات التي عرفتها الإنسانية.

وتعتبر النصوص المصرية القديمة والنصوص القبطية نافذة على تاريخ مصر القديم وحضارتها، إذ تمدنا اللغة المصرية، بجميع مراحلها، بمعارف دقيقة عن الفكر المصري خلال عصوره المختلفة، والذي تميز بالتطور والاستمرارية على نحو جعل مصر خارج إطار عصور ما قبل التاريخ الحجرية، متقدمة على بقية الشعوب القديمة.

كُتبت اللغة المصرية القديمة على مدى تاريخها الطويل بأربعة خطوط، ثلاثة خطوط من أصل واحد: الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي، وتعبر عن الكتابة التصويرية، أما الخط الرابع فهو الخط القبطي، ويعبر عن الكتابة بأبجدية، ولا ينتمي إلى الأصل السابق، بل هو خليط من الحروف اليونانية القديمة، مع تطويع بعض علامات الخط الديموطيقي.

أهمية القبطية في تاريخ مصر

يعد الخط القبطي آخر مراحل تطور خطوط اللغة المصرية القديمة، وتشير دراسة بعنوان "تاريخ اللغة القبطية"، صدرت ضمن سلسلة "كراسات قبطية" عن مكتبة الإسكندرية، إلى أنه: "عند دخول العرب مصر، كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية والسائدة بين طوائف المتعلمين والمثقفين من المصريين والأجانب على حد سواء، بينما كانت القبطية وخطها سائدين بين عامة المصريين، بالإضافة إلى بعض الأجانب المقيمين في مصر الذين أجادوها كلغة للتعامل اليومي".

استطاعت القبطية أن تنقل اللغة المصرية القديمة من الكتابة التصويرية إلى الكتابة بأبجدية لغوية، وتبرز أهمية ذلك في إظهار النطق الكامل للكلمات، نظرا لأن هذا الخط يعد الشكل الوحيد من أشكال الكتابة الذي يتضمن حروفا متحركة، أسهمت في التعبير عن حركة الأصوات المكتوبة مقارنة بالخطوط المصرية الأخرى.

ويشير العالم الفرنسي جان-لوك فورنيه في دراسته "بيئة متعددة اللغات في مصر القديمة العصر المتأخر: التوثيق اليوناني واللاتيني والقبطي والفارسي" إلى أن المراحل المبكرة الأولى للقبطية "لم تستخدم أي نظام كتابي مصري سابق، هيروغليفي أو هيراطيقي أو ديموطيقي، لأن مصر في هذه الفترة من العصور المتأخرة كانت متعددة الثقافات".

ويضيف فورنيه: "لعبت اليونانية دورها الأساسي في الآداب والثقافة والإدارة، وقد استُعملت الأبجدية اليونانية القديمة مع بعض علامات الخط الديموطيقي لإضافة بعض الأصوات المصرية الصحيحة غير الموجودة في اليونانية لتكوين الأبجدية القبطية".

"شامبليون والقبطية"

وُلِد شامبليون في 23 ديسمبر/كانون الأول عام 1790 فى مقاطعة فيجاك الفرنسية، ونظرا لاضطراب الأوضاع في أعقاب الثورة الفرنسية، لم يستطع الالتحاق بمدارس التعليم النظامي، فتلقى دروسا خاصة فى اللغتين اللاتينية واليونانية. 

التحق شامبليون بالمدرسة الثانوية في مدينة جرونوبل، حيث كان شقيقه جاك-جوزيف يعمل باحثا فى معهد البحوث الفرنسى، وظهر اهتمام شامبليون المبكر باللغات القديمة، مثل القبطية والعربية والعبرية والكلدانية والسريانية.

أيقن شامبليون أن القبطية لا تزال حية فانصب اهتمامه على البحث في تراكيبها وأصواتها بدقة

ويقول المؤرخ الفرنسي روبير سوليه، في دراسته "مصر ولع فرنسي" إن شامبليون بفضل معرفته، من خلال شقيقه، بجوزيف فورييه، الذى شغل منصب سكرتير البعثة العلمية خلال حملة نابليون بونابرت على مصر (1798-1801)، شغف بدراسة تاريخ مصر بما وفره له من مساحة اطلاع على مجموعته الخاصة من مقتنيات أثرية أثارت فضول شامبليون وقادته نحو عشقه لكل ما ينتمي إلى مصر.

ويضيف سوليه: "أطلعه (فورييه) على أوراق بردي ومقتطفات من الكتابة الهيروغليفية المنقوشة فوق الحجر، كما قدّمه لبعض زواره مثل دوم رافائيل، الراهب القبطي، الذي يلقي دروسا في اللغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية".

حجر وثلاثة نصوص

بدأ العد التنازلي لمجد شامبليون قبل سنوات من هذا اللقاء عندما شن نابليون بونابرت حملة عسكرية على مصر عام 1798، أثمرت بطريقة غير مباشرة عن مخزون علمي من وصف جغرافي وتاريخي وثقافي لمصر وشعبها، ضمن مشروع موسوعة "وصف مصر"، وكان من أبرز أعمال الحملة بالطبع اكتشاف "حجر رشيد" على يد الضابط بيير فرانسوا بوشار فى 19 يوليو/تموز عام 1799 أثناء إجراء تحصينات عسكرية.

يعود نقش حجر رشيد إلى عام 196 قبل الميلاد، وهو مرسوم ملكى صدر فى مدينة منف تخليدا للحاكم بطليموس الخامس، كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من المصريين والطبقة الحاكمة، فجاء نصه بلغتين وثلاثة خطوط: "الهيروغليفي"، اللغة الرسمية فى مصر القديمة، و"الديموطيقي"، الكتابة الشعبية فى مصر القديمة، واليوناني القديم، لغة الطبقة الحاكمة في ذلك الوقت.

وعندما خرج الفرنسيون من مصر عام 1801 سلّموا حجر رشيد للقوات الإنجليزية من بين ما سلموه من آثار استولوا عليها في مصر، واشترطوا عمل نسخ من نقوشه مستخدمين الورق المقوى والأحبار لطبع الأشكال والحروف، سيستعين شامبليون بنسخة منها، وأصبح الحجر ضمن مقتنيات المتحف البريطاني منذ عام 1802.

مصري يحمل المشعل

التقط شامبليون طرف الخيط من دراسته للقبطية، التي لم تعد تستخدم إلا في صلوات وطقوس دينية مسيحية، وتُكتب بحروف يونانية، ولا توجد لها علاقة ظاهرية بالخط الهيروغليفي، فمنذ القرن الرابع الميلادي لم يُنقش شيء بالخط الهيروغليفي في مصر، وذهب سره مع آخر كهنة مصر القديمة.

كان شامبليون قد استمع لأول مرة فى حياته لقداس باللغة القبطية في كنيسة بإحدى ضواحى باريس، إنها كنيسة "سان روش"، التي تعرّف فيها - بفضل أستاذه دوم رافائيل - على كاهن مصري سيعطيه مفتاح حل اللغز.

استطاع شامبليون الإلمام الكامل بالقبطية على يد هذا الكاهن المصري "يوحنا شفتشي"، الذي جاء إلى فرنسا عام 1802، وكان يعرف اللغتين العربية والقبطية، ولا نعرف عن حياته الكثير.

يذكر شامبليون هذا الكاهن في رسالة كتبها إلى شقيقه جاك-جوزيف في 21 أبريل/نيسان عام 1809، يخبره فيها عن خطوات جادة يخطوها على درب اكتشاف أسرار الهيروغليفية، أورد الرسالة المؤرخ الفرنسي جان لاكوتور في دراسته "شامبليون حياة من نور": 

"لغتي القبطية تتقدم على نهجها السلس وأجد بالفعل ما يبهجني أعظم الابتهاج، ولك أن تتخيل سعادتي وأنا أتكلم لغة أعزائي أمينوفيس (أمنحوتب) الثالث وسيتي ورمسيس وتحتمس!... سأذهب لأقابل في كنيسة سان روش بشارع سان أونوريه كاهنا قبطيا يتلو فيها القداس يدعى شفتشي، سوف يعطيني معلومات عن الأسماء القبطية ونطق الحروف".

ويضيف شامبليون في رسالته: "أريد أن أعرف هذه اللغة المصرية كما أعرف لغتي الفرنسية، فعلى هذه اللغة أرسي دعائم عملي الكبير في أوراق البردي".

ويقول المؤرخ المصري أنور لوقا، في دراسة موجزة بعنوان "يوحنا شفتشي معلم شامبليون"، في موسوعة تراث الأقباط، إن هذا الكاهن "كان يقيم في شارع سان روش بباريس عندما قصده الطالب شامبليون ليأخذ درسا خصوصيا في نطق اللغة القبطية، وظل راعيا لكنيسة سان روش للأقباط المهاجرين الذين حطوا بباريس، حتى قرر في سنة 1825، أن يرحل إلى مرسيليا التماسا لمناخ أدفأ وأنسب لحالته الصحية، وعاش بين أهل الجالية المصرية التي خرجت مع المعلم يعقوب وبعده، واستقر معظمها في مرسيليا منذ عام 1801، ولا ندري متى وأين وافته المنية".

ويضيف المؤرخ البريطاني أندرو روبنسون، في دراسته "فك الشفرة المصرية: حياة جان فرانسوا شامبليون الفريدة" أن يوحنا شفتشي "كان مصاحبا للجيش الفرنسي في مصر، وقدم بعد ذلك مساعدات للجنة العلوم المعنية بنشر موسوعة وصف مصر".

استفاد شامبليون من أحاديثه المستمرة مع الكاهن شفتشي منذ نهاية عام 1807، ويقول لاكوتور: "كانت هذه العلاقة بالنسبه له كنزا لا يفنى، إلا أنه اكتشف أيضا في المكتبة الإمبراطورية مخطوطا باللغة القبطية ظهرت فيه أسماء المدن المصرية مكتوبة بطريقة تؤكد افتراضاته، وأيده في ذلك دوم رافائيل".

ويضيف: "كان شامبليون يعترف عام 1809 أنه لا يزال يبحث عن طريقه، وأنه يواجه صعوبات حتى في تحديد أسس بحثه، لذلك فهو يعمل بجد ليتمكن من اللغة القبطية، فهو على يقين أنه يقف على أرض صلبة يمكن أن يشيد فوقها وهو مطمئن".

مفتاح اللغز

تأكد شامبليون من أن المرحلة القبطية هي آخر مراحل الحديث بلغة مصر الأصلية، (وكلمة "قبط" تعريب لاسم مصر اليوناني "إيجيبتوس" الذي سقط مقطعاه الأول والأخير)، ونمت لديه قناعة بثبات أسماء الأعلام على مر العصور، وبفضل معرفته أيضا باللغة العربية، كان يستشف من أسماء المدن والأماكن في مصر، ما يكمن وراء الحروف العربية من أصوات أساسية تعيده إلى الأصل الصوتي للاسم في نطقه القبطي.

وتتبع شامبليون الخيط الصوتي مهتديا بفكرة إغفال استعارة اللغة القبطية للأحرف اليونانية في تسجيل أصواتها، وفطن إلى أن اليونانيين الذين احتلوا مصر أطلقوا على الأماكن أسماء مستمدة من أساطيرهم، في حين احتفظ المصريون بأسماء المدن الأصلية، حتى بعد دخول العرب مصر، واصلوا تسمية المدن بأسماء موروثة ولكن بأحرف عربية.

أيقن شامبليون أن القبطية لا تزال حية فانصب اهتمامه على البحث في تراكيبها وأصواتها بدقة، رغبة في أن يبرهن على أن الرسوم الهيروغليفية عبارة عن حروف لغة منطوقة ينبغي أن تحدد صوت كل حرف من حروفها بعيدا عن تأويل الصور المنقوشة على حجر أو بردية.

انغمس شامبليون في دقائق القبطية، وجمع قواعدها ووضع معجما لمختلف لهجاتها، بل راح يترجم إليها كل ما يخطر بباله من عبارات بل ويخاطب نفسه بها، وهو ما يؤكده في رسالة إلى شقيقه جاك-جوزيف عام 1809، أوردها لاكوتور في دراسته قائلا: "أما عن اللغة القبطية فأنا لا أفعل أي شيء آخر، فأنا لا أحلم إلا بالقبطي، ولا أفعل غير هذا، لا أحلم إلا بالقبطي، المصري".

ويشير سوليه، في دراسته، إلى مضمون رسالة كتبها شامبليون عام 1812 يؤكد فيها عثوره على مفتاح حل اللغز: "استسلمت تماما لدراسة القبطية، كنت منغمسا فيها لدرجة أنني كنت ألهو بترجمة كل ما يخطر ببالي إلى القبطية. كنت أتحدث مع نفسي بالقبطية... ولفرط ما تفحصت هذه اللغة كنت أشعر أنني قادر على تعليم أحدهم قواعدها في يوم واحد، ولا جدال أن هذه الدراسة الكاملة للغة المصرية تمنح مفتاح المنظومة الهيروغليفية، وقد عثرت عليه".

كانت القبطية تتردد في ذهن شامبليون وهو يعكف على دراسة الكتابة الهيروغليفية ويقارن بين حروف اسم "كليوباترا"، وحروف اسم "بطليموس"، ولاحظ اشتراك الاسمين في خمسة أصوات، وأن حرف "اللام" في الاسمين عبارة عن رسم أسد، والأسد في القبطية "لابو"، كما لاحظ غياب صورة النسر في اسم بطليموس على حين يتكرر النسر مرتين في اسم "كليوباترا" مكان حرف الألف، والنسر بالقبطية "أخوم"، أما صورة الفم، وهو بالقبطية "رو"، فتقوم مقام حرف الراء في كلمة كليوباترا، أي أن صوت الحرف الهيروغليفي المصور هو عبارة عن صوت الحرف الأول من الكلمة القبطية التي يرسم مدلولها.

 يقول شامبليون في نص "رسالة إلى مسيو داسييه" الشهيرة، التي نشرها فيرمان وديدو، صاحب مطبعة "الملك والإنستيتو"، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1822: "من أجل التعبير عن الأصوات والنطق، ولكي يشكلوا بذلك كتابة صوتية، أخذ المصريون هيروغليفيات تمثل أشياء مادية وتعبر عن أفكار تبدأ أسماؤها أو الكلمات الدالة عليها في لغة الكلام بالحرف المتحرك أو الساكن الذي يراد تصويره".

كان عمر شامبليون 31 عاما عندما ذهب فى 14 سبتمبر/أيلول عام 1822 إلى أكاديمية النقوش والآداب، محل عمل شقيقه جاك-جوزيف، معلنا: "المسألة الآن فى حوزتى وضعت يدي على الموضوع"، فقد تمكن للتو من كشف غموض الكتابة الهيروغليفية بعد أن قضى عقدين منكبا على دراسة اللغات القديمة، وعلى رأسها اللغة القبطية.

بداية ونهاية

كتب شامبليون نتائج بحثه فى رسالة شهيرة تُعرف باسم "رسالة إلى مسيو داسييه"، أمين أكاديمية العلوم والفنون، فى 27 سبتمبر/أيلول عام 1822، وبعد عامين كتب دراسة بعنوان "موجز منظومة اللغة الهيروغليفية عند المصريين القدماء"، وضح فيها تلك المنظومة بعبارة قال فيها: "إنها منظومة مركبة، يشمل كل نص بل وكل جملة على كتابة منقوشة تمثل رمزا ونطقا فى آن واحد".

حصل شامبليون على عضوية أكاديمية النقوش و الآداب فى مايو/أيار عام 1830، وعُين في منصب أستاذ فى "الكوليج دى فرانس" سنة 1831، فى تخصص أُنشيء خصيصا له، وهو الآثار المصرية، وجاء في نص الإعلان عن محاضراته الافتتاحية ما يلي:

"تحت عنوان ..علم الآثار.. سيعرض السيد شامبليون الصغير – عضو المجمع العلمي – مباديء المنظومات المختلفة للكتابة الخاصة بمصر القديمة – وهو بصدد تطويره لسلسلة قواعد اللغة المستخدمة في النصوص الهيروغليفية والهيراطيقية، وسوف يوضح التماثل بين اللغة القبطية ولغة المصريين القدماء، أيام الثلاثاء والخميس والسبت، الثامنة صباحا...".

ألقى شامبليون محاضرات معدودة، واضطرته ظروف مرضه وتدهور حالته الصحية إلى التوقف عن إلقاء محاضراته، في الوقت الذي كان يصارع فيه الزمن لنشر كتابين، "قواعد" و"معجم" للغة المصرية، حتى يجعل منهما التجميع البراق والنهائي لاكتشافه العلمي قبل أن يتوقف قلمه إلى الأبد.

رحل شامبليون فى فجر الرابع من مارس/آذار 1832 عن عمر ناهز 42 عاما، ولم يكن قد انتهى بعد من كتابيه، فأتمهما شقيقه جاك-جوزيف ونشرهما بعد ذلك في عام 1841.

في كنيسة "سان روش" أقيمت مراسم الجنازة في السادس من مارس/آذار، نفس الكنيسة التي كان لها أبرز دور في حياته، والتي فيها سمع لأول مرة اللغة القبطية من خلال صلواتها، وفيها تعلمها على يد الكاهن يوحنا شفتشي، ودُفن شامبليون فى مقابر "بيير لاشيز" في باريس، وأقيمت بجوار قبره مسلة من الصلصال الرملى.

لعبت القبطية دورا بارزا في تاريخ مصر القديم وفي حياة شامبليون القصيرة، استطاع من خلالها أن يسجل اسمه ضمن قائمة أهم علماء القرن التاسع عشر بإنجاز علمي ضخم، كاشفا بها أسرار كتابة مصر "المقدسة"، ليبقى اسمه حيا بها كما قال: "إن كياني كله لمصر، وهي لي كل شيء".

 

 بقلم/د.يسري عبد الغني

 

 

الكبير الداديسيالتشكيل العربي المعاصر(7)

شكلت المرأة منذ القديم تيمة أساسية في مختلف الفنون الأدبية والتشكيلية، وكان لها حضور خاصة في النحت والرسم عبر منحوتات، نقوش ولوحات في المعابد والكنائس والأديرة، ومادة تعكس قدرة الفنانين على إعادة تشكيل ما تراه العين في لمسات جمالية تجاوز ما تراه العين إلى إبراز ما تحسه إزاء مكامن الجمال في الجسد الأنثوي..

لكن لمسات الفنان العراقي صالح المالكي في تجربته التشكيلية تتجاوز النظرة النمطية للمرأة، والصورة المستهلكة عنها في الفن والتي تكاد تشيؤها من خلال التركيز على مفاتن الجسد بإظهار هذا الجسد عاريا في بعده الأيروسي، أو إبرازها في وظائف أنثوية الإغرائية في مجالس الأنس والرقص منحية، متغنجة أو متكئة في منبع مائي، منظر طبيعي أو على السرير.. ولفت أنظار المتلقي إلى ما استدار وتكور وتغور في الجسد الأنثوي..

1763  صالح المالكي 1إن المتأمل في المرأة بلوحات صالح المالكي يدرك أنها امرأة فاعلة ديناميكية رافضة للجمود تحضر بكل هالات ورمزية الحياة الطبيعة والخصوبة، بأناة وكبرياء الترفع عن التشييء وحصر المرأة في كونها مصدر إغراء، إغواء وإمتاع، فلا مجال في لوحاته للمرأة النائمة، وكأن اللوحات تعلن رفضها الانحصار في زوايا منغلقة وأن تكون وظيفتها التزيين والديكور والإمتاع فقط .. جاعلة من المرأة قضية، انتماء ووطن، فتنزل تلك اللوحات صورة المرأة من برج الأرستقراطيات الباذخات العاريات إلى بساطة المرأة الريفية حيث مواسم الحصاد والكد اليومي من أجل تأمين لقمة العيش والعمل في البيت وخارجه، فتراها في لوحة تجتهد لإيقاد النار، وفي أخرى تحمل فوق رأسها مؤونتها، أو قد شمت عن ساعدها تتأمل ما ينتظرها من أشغال، والمرأة في جميع اللوحات رمز للوقار والعفة حتى في حفلات الرقص والأعراس، قوتها في بساطتها، فرغم الخلفية الداكنة والثياب المحتشمة التي تكبح جموح الجمال المستور، 1763  صالح المالكي 2وتغطي جميع مفاتن الجسد الأنثوي، ورغم محدودية الألوان فقد استطاع الفنان إبراز الأنوثة من خلال الحشمة دون دلع ولمسات غير إيروسية، ومن خلال البساطة وتناسق الألوان وجعل وجه المرأة مصدر الضوء مما يخلق متعة بصرية تتجاوز الإثارة وتشعر المتلقي بحيايدة ومحايثة الفنان، وإن كان من المستتحيل الحديث عن فن أبيض، وفن محايد وخاصة في معالجة موضوع المرأة، ذلك لوحات صالح تبدو أكثر حيايدة فهي لا تتثير أية جنسية،سياسية، جنسية، طائفية، أو دينية وكأنما يقدم في لوحاته المرأة المكافحة في حياتها، الرافضة للتحنيط في إطار ضيق التي تملك المتلقي بجديتها ولا تترك له أي فرصة للتمييز على أساس جنسي، عرقي أو ديني، وترمي به في أتون صور منبثقة من الواقع وليس من الحلم والخيال، إنها تصوير لما هو كائن وليس لما ينبغي أن يكون، هكذا تستحيل كل لوحة تعبيرا، رمزا وعلامة دالة تختزل خصوصية الجغرافيا والتاريخ دون تعصب، ودون أن تكون صورة المرأة اختلاسا وتسللا لعوالم الحريم (الحرملك) ما دامت عدسة الفرشاة تلقط المرأة في الفضاءات العامة، فلا حضور للمرأة النائمة، ولا إشارة للملابس الداخلية، ولا إظهار لأي عضو إثارة بل حتى الخطوط والظلال والمنظور والخلفية والكتل.. وحتى إشراقة الشمس ومنبع الضوء.. تكاد تبدو في لوحات صالح محايدة في فن لا حياد فيه، ومن تم تبعد اللوحات المرأة عن الشهوة اللحظية، والغريزة الآنية لتكرس سرمديتها، ودورها التكاملي في العمل مع الرجل..

1763  صالح المالكي 4

صحيح أن اللوحات تركيز على المرأة العربية المحلية في زينتها، في لباسها و في عملها ووظيفتها الحياتية، لكن بتعال عن الفلكورية و استعراض الجوانب التي تستهوي الآخر فينا، وبتنزه عن تجنب السخرية من العادات، التقاليد والرموز الدينية والاجتماعية، فكانت اللوحات معرضا يعكس تفاصيل حياة النساء في الريف بطريقة تشعر المتلقي أن وراء كل لوحة حكاية..

1763  صالح المالكي 5

وتتوسع خيوط تلك الحكاية عندما تظهر المرأة وسط الجماعة في الأعراس والأعمال الجماعية عندما تغدو المرأة لمسة تضفي جمالا ضمن رؤية تشكيلية بانورامية متكاملة. سواء كانت كل شخصيات اللوحة نساء، أو خليطا من الرجال والنساء.. لتختلف التقنيات التشكيلية بين رسم المرأة منفردة، ورسمها ضمن الجماعة، فإذا كانت لوحات المرأة 1763  صالح المالكي 6المنفردة قد تميزت بخلفيات داكنة، محدودية الألوان، جعل وجه المرأة مصدر الإضاءة تبدد عتمة الخلفية الداكنة في لقطات متوسطة بؤرتها الأساس المرأة دون التزام بالمنظور.. فإن اللوحات الجماعية انفتحت على الأفق والخلفية المضاءة وانسيابية وشفافية الألوان في منظر بانورامي تتلاشى فيه الألوان نحو العمق وفق تقنيات المنظور بلمسات رومانسية تحمل الكثير من عبق النوستالجيا لصدى السنين المترسبة في أعماق النفس الشرقية، وحتى وإن ظهر الرجل في المستوى الأول من اللوحة، وتراجعت المرأة نحو العمق للمستوى الثاني فقد كانت المحتفل والمرحب بها، وما الرجال سوى عازفين أو راقصين مهللين لحضورها المحمولة وهي مصانة في الرقصة بوجود الرجل في طرفي صف الراقصين، أو وهي مهابة احمولة على الهودج و فوق الجمال، والرجال يقرعون الطبول وينفخون المزامير وقد اختار الفنان أن يضع على رؤوسهم كوفيات حمراء بألوانها الساخنة تعكس الحرارة الملتهبة التي أذكاها حضور المرأة في رؤوسهم، وإلا ما سر اقتصار البياض على كوفية الشيخين في يمين لوحة الراكبات على الجِمال ..

1763  صالح المالكي 7

وعندما تتحول ريشة الفنان صالح نحو عمل المرأة الريفية، صبرها وكدها تكتب كل لوحة أساطير يعجز القلم عن شرحها، وتكون اللوحة وحدها القادرة على نقل ذلك الكم الهائل من الدلالات والمعاني التي تئن اللوحة بحملها، إذ تقدم اللوحات المرأة رمزا للعمل، الصبر، المسؤولية، القيام بالواجب في البيت وخارجه، وإذا كان المرء يبحث عن جواب سؤال الحواريين لعيسى (يا روح الله، كيف لنا، ندرك جماع الصبر ومعرفته؟) فما عليه سوى التأمل في تفاصيل لوحات المالكي، ليدرك مدى صبر المرأة وقناعتها وتجلدها، وهو يراها تقف مرفوعة الهامة تمشى الهوينى بخطوات ثابتة غير متذمرة تحمل على رأسها أكواما ورزما من القش والكارتون في تحد وإصرار، أو وهي منهمكة دون كلل في الحصاد، تتضاءل خصوبة الأرض أما خصوبتها، أو وهي على ألة الخياطة ترتق ما قطعه الزمان، أو وهي تغمر كل ما ومن حولها بعطفها وحنانها.. لتكون رمزية المرأة في 1763  صالح المالكي8هذه اللوحات اختزال لعطاء بدون حدود، سير دون تعب مهما اتسع المدى، وقدرة على التحمل مها ثقل الحمل.. وما يوضح كل ذلك هو حرص الفنان على أن تظل المرأة محتفظة بابتسامتها، ونضارة وجهها، وطلاقة أساريرها، مجدة تعمل في همة ونشاط بدون انتظار أجرة أو ثناء أحد، تحب وتقبل على ما تقوم به دون تذمر، والصبر ضياء الوجوه، وتبديد لعتمة الكلل،

 بتقديم المرأة في صورة الخادمة غير المخدومة، العاملة غير الكسولة، النافرة من الهجوع والخلود للفراش.. تكون المرأة في لوحات المالكي معادلة للحياة، وحتى وإن أوحت ملامح النساء للبعض بالفقر والأمية، فإن ذلك لم ينقص من قيمة المرأة، كمحرك ومحور الحياة الريفية، فقد يعتل الرجل أو يغيب في اللوحة وتستمر الحياة، لكن لا تستقيم حياة في البادية دون امرأة، إنها نصف المجتمع والمسؤولة عن تربية وتنشئة وإسعاد النصف الآخر.

 

 ذ. الكبير الداديسي

         

         

105  علي العبدلي 4عرفته في (الفيس بوك) يُعلق على ما أكتبه من رؤى فلسفية، فكنت أظنه قد درسها دراسة أكاديمية، ولكنني بعد أن زادت معرفتي به، عرفت أنه درس في كلية الفنون الجميلة، ورسام من طراز خاص، لم تشغله تحولات المدارس المعاصرة مثل التكعيبية والتجريدية، لأنه منهم بما يُمكن تسميته بـ "أصل العمل الفني" بعبارة مستعارة من "هيدغر".

105  علي العبدلي 3

 يرى العبدلي أن في هذه المدارس إتقان للعبة الرسم لتحويل العمل الواقعي إلى تمثلاته في الذهن، فأ صل العمل الفني هو الواقع، ومهمة الفنان الأصلية رسم الواقع أو التعبير عنه بما يجعله عملاً تنطق الروح فيه، فضلاً عن محاولته الحفاظ على مكوناته الواقعية أو الطبيعية الأصلية، فلا تجده يرغب باللعب على تحولات الشكل وفق مخيلة الفنان إلا بما يُصيّر الفنان مُنتجاً لنصه الإبداعي في الرسم وفق محمولات الشكل في الواقع وممكنات وجوده في مخيلة الفنان (الرسام) ومشاعره.  يرسم لوحته وكأنه متلق لها، ليستلهم من المدرسة التعبيرية في المقام الأول، التعبير عن ما تُثيره فيه من مشاعره , يكشف فيها بما يُمكن أن أدعوه بـ "تلاقي الأرواح" في عالم الواقع لا في "عالم الذر" بعبارة مستقاة من الفلاسفة المسلمين.

105  علي العبدلي 1

لا أخوض بتاريخ نشوء المدرسة التعبيرية التي مثلها (فان كوخ) أو (سيزان) أو (كاندنسكي) خير تعبير، لكنني سأشير لما قدمته التعبيرية من إضافة للفن وتاريخه، فهي مدرسة تعتمد في التشكيل على الاعتقاد بإمكانية جعل العالم أجمل عبر مشاركة الفنان التشكيلي المدرك لقيمة الجمال في ترميم خراب العالم. 

105  علي العبدلي 9

ما يُميز أعمال علي العبدلي أنه يرسم بعفوية مع موهبة واعية ليترك لريشته حرية الحركة وإنتقاء الألوان، وكأن وجدانه هو الذي يُحرك ريشته، فهو رغم أنه مغرم برسم الواقع برؤية إنطباعية، وله رسومات كثيرة تدخل في فضاء رسم الواقع والطبيعة والبورتريه، لكنه حتى في رسوماته هذه، نجد حضوراً للتعبيرية ونزوعه (الوجداني) = (الذاتي) في رسم الشكل لا ووفق مقاسات وألوان يحكمه بها اختياره للعمل المجسم الذي يرغب برسمه، فهو لا يرسم المظهر الطبيعي والشخصية كما هي، ولا ينشغل بالموديل أو الطبيعة الشاخصة أمامه، بقدر ما يُحاول أن يخلق منها سطحاً تصويرياً لا يفقد صلته بالواق المشخص، ولكنه في الوقت ذاته لا يكون نسخة تصويرة منه.

105  علي العبدلي 5

يرسم العبدلي لوحاته ليمزج فيها ذاتية الفنان وشاعريته التي يختار بها أنموذجه الذي يروم رسمه، لتكتشف أن علي العبدلي ينفّذ لروح الواقع (الأنموذج)، فتكتشف أنه يرسم صورته التعبيرية المندكّة بروح العمل الفني أو أصله؟. 

105  علي العبدلي 2

رغم ما يؤكده النُقاد على أن الإنطباعية تُناقض التعبيرية، لأن الإنطباعية تعتمد على المشاهدة الحسية المباشرة، بينما التعبيرية تحاول الكشف "المسكوت عنه" أو "الضامر" خلف الظاهر من العمل الذي يروم الفنان رسمه لإظهاره، أو ما أسماه كانط "النومين" أو "الشيء في ذاته" الذي لا قدرة للحس ولا للتجربة على إدراكه بروحية فيها من "التجلي الجميل" بعبارة غادمير ما يجعلها تخترق "أصل العمل الفني" وتحضر بتجاوز لمعناه في تلقينا لواقعه الشاخص. أقول رغم أن العبدلي يرسم الظاهرة "الفينومين"، لكنه لا يرسمه بقصد مطابقة الشكل للواقع الشاخص، بقدر ما يُحرك أو تتحرك ريشته لترسم روح الطبيعة بانتماء يقصده أم لا لمقاصد المدرسة التعبيرية في الرسم.

105  علي العبدلي 6

 يرسم العبدلي لوحته وكأنه يُعيد لنا رغبات التعبيرين في جعل الفن رسالة للمحبة، فتجده حينما يرسم بورتريه , أو يرسم الطبيعة يُظهر لك جمال الألوان في إندماجها، ولن تجد في لوحاته لوناً يُثير حين تلقيك له ما يستفزك أو يُثيرك، فهو ينقلك من جمال الألوان في الطبيعة لبهجتها في جمعها في سطحه التشكيلي. إنه يُجيد قصد أم من دون قصد الإنتقال من الإنطباعية بنزوعها الحسي إلى التعبيرية بنزوعها الوجداني.

105  علي العبدلي 7

في فنون "ما بعد الحداثة" تبني لما سُميّ بـ "جماليات القُبح"، وعلى ما في هذا النتاج من فن أثبت حضوره العالمي، إلّا أن العبدلي يميل إلى ما يُمكن أن نسميه "المدرسة الكلاسيكية" في الرسم، هذه المدرسة التي تُميز بين حقلين (الجمال) و(القُبح)، وهما نهران لا يلتقيان، ولا يُمكن أن يكونا وجهين لعملة واحدة، فالجمال جمال والقُبح قُبح، لذا فهو دائم الميل في أن تكون مهمة الفنان تجميل العالم، لا جعل القبيح من معطيات التذوق الجمالي، فكان كل همه في لوحاته تقريب البعد الجمالي، وإبعاد كل تصوراتنا للقُبح في الرسم، لأن مهمة الفنان ـ كما ذكرت ـ رسم عالم أجمل، السعي نحو أن يكون العالم أجمل.

105  علي العبدلي 8

لم يرغب في أن تكون أعماله (محاكاة) أو استنساخ للواقع، رغم ميله لرسم الواقع، ولكن لا كما يظهر، بل كما يبدو أو يتجلى له في عمله التشكيلي. أجد في العبدلي أنه من فيض قراءته للفلسفة، حضور للألوان بطراوة مشهدية فيها من (الإبهار) ما يجعلك تتذوق الواقع وكأنك لم تره من قبل، فهو لا يدعوك لرؤية ما تراه عيناك في رسم لوحة واقعية، بقدر ما يجعل من لوحته بمثابة حكاية يكتبها قاص أو سارد تصور الواقع برؤية فنان يحلم بتكريس "نزعة الأنسنة" في الفن العراقي، فرغم ما تجد في لوحاته من تعبير عن تلقي حسي للمكان، لكنه يخلق أمكنته الخاصة به، أمكنته المُحملة بما أسميته "نزعة الأنسنة" الفياضة بالعاطفة وكأنه صوفي يسكن الطبيعة ليعتزل فيها، بل ويسك الوجوه التي يرسمها، لعله يجد فيها من يظن أنها وجوه "رحمانية"، لذا هو لا يرسم الصورة بقدر ما يرسم تشكّلها في مجسّاته الفنية وتلويناته التعبيرية التي تظهر في لوحاته عبر محاولات استخدام بعض الألوان بطريقة مكنته من إظهار ملامح الوجوه بتعابير نفسية تجعل المتلقي مشاركاً في فهم الشخصية وإن لم يعرفها.  وكذا الحال حينما يرسم مشهداً طبيعياً، فتجده يجعلك ترى إحساسه بالمشهد لا المشهد ذاته.

 

ا. د. علي المرهج

 

 

جمال العتابيما تزال الدولة العراقية فتية، مقتنعة بالقليل من الخبز والعيش، لكن لم يكن مستحيلاً على الوطن المتفائل أن يمنح مبدعيه بما يستحقون، وتستجيب الدولة لمتطلبات العصر وتحولاته، وحاجتها لتدريب أبنائها ومنحهم فرص التعلم، والإنفتاح على تجارب العالم في ميادين العلم والمعرفة والثقافة والفن .لذا إقترن تاريخ الحركة التشكيلية في العراق بإسم أول مبعوث لدراسة فن الرسم في إنكلترة عام 1930،هو الفتى أكرم شكري، هذه البداية، إشارة لأول إنعطاف نحو الفن بوصفه ظاهرة ثقافية ترتبط بموجبات وتقاليد الحياة الجديدة .

منذ ذلك التاريخ يبدأ الفنان التشكيلي أكرم شكري المولود في بغداد عام 1910 مشروعه الفني، الذي إبتدأ بلوحة لشارع في ضباب لندن، وتخطيطاَ جميلاً بالرصاص لرأس رجل، إلا ان رحلة البحث عن تجارب جديدة، وإرتياد المجاهيل بدأت في مطلع الأربعينات، لجيل من الفنانين الرواد، بدأوا الرحلة في الكشف عن الحلول التشكيلية لمعضلاتهم الفنية، وهكذا غدت تلك التجارب، إشارات لإقتحام جدار المسلمات التقليدية السائدة في الأوساط الفنية أنذاك .

عاد شكري من لندن عام 1932 متأثراً بالإنطباعية أسلوبه المفضل،لم يبتعد عن   الطبيعة، وأجواء بغداد  وأزقتها وشناشيلها وأهلها، وهو ما صار واضحاً في معظم أعماله (بائعة اللبن، أفراح غجرية، الحيدرخانة، مسجد الكوفة، سكلّة الخشب في الموصل، الغزال، دجلة في الليل)، إن المتابع لأعمال أكرم شكري في تلك الفترة الثرية، يستطيع أن يتوقف عند خصوصيتها، وطابع التجريب فيها، وهي تحمل لحظة إفتراقها عن مدرسة عبد القادر رسام، وإبتعاد شكري عن أيامها .

1640 اكرم شكري 2

إن مواجهة الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة، تدفع بالفنان إلى المضي بالتجربة حتى النهاية، وجد أكرم نفسه انه في حاجة إلى معين متجدد للغته الفنية، يضيفها إلى وسائله التعبيرية الأخرى، ليمارس بجرأة ذاك التكنيك الدرامي (البولوكي)، متأثراً بالفنان الأمريكي جاكسون بولوك (1912- 1956)، بعد عودته من زمالة دراسية لليونسكو عام 1954، ورحلته إلى الولايات المتحدة والمكسيك، إلتقط خلالها تجربة بولوك، فعاد متأثراً بها، وقدّم بعضاً من أعماله في معارض فنية مشتركة، كما قدّم البعض الآخر في معرضه الشخصي الوحيد في جمعية الفنانين العراقيين، ضمن مهرجان الفن العراقي،على قاعة معهد الفنون الجميلة، في عام 1956 .

1640 اكرم شكري 1وما دمنا بصدد هذا التأثير، نقول أن (جاكسون بولوك) كان أحد الرسامين الذين تركوا أثراً واضحاً في الرسم الحديث، وفي الحركة التعبيرية التجريدية، إبتدع أسلوبه الخاص في تقطير الألوان على سطح اللوحة المفروشة أرضاً، لتشكيل أنماط إيقاعية تبدو وكأنها متقاطعة، يقول بولوك عن هذا الأسلوب : أشعر أنني أقرب إلى اللوحة، أو جزءاُ منها، يمكنني أن أمشي حول جهاتها الأربع، فنانو الإنطباعات العفوية تلك، تأثروا بالسريالية التي تعتمد التلقائية والحلم واللاوعي، دون مراعاة أي دافع أوهدف خفي، إنما البحث عن التأثير العاطفي للفن، ربما كان أكرم شكري ينظر إلى تلك المحاولات، نظرة من يجرّب أو يقارن أو يقلّد، فتباينت أعماله في الأسلوب، وفي متانة العمل الفني، ولجأ إلى إسلوب التنقيط في بعض أعماله، وإعتمده كأساس في التعبير، لكن مدة التأثر هذه لم تمتد طويلاً، على الرغم من أنه أنجز خلالها أجمل أعماله الفنية، مثل لوحة (حواء)، التي تميزت بغزارة نسيجها اللوني الدافيء، وتوازن كثافاتها وملامساتها، التي توحّد فضاء اللوحة وتحييها، هذا التباين في الإسلوب لايكشف عن صراع حاد في الأفكار إلا بمقدار محدود، لكنه يشير بوضوح إلى جانب تجريبي يرتبط بعملية صناعة العمل الفني .

أكرم شكري من جيل الفنانين الشغوفين بالطبيعة العراقية، إذ تطالعنا مشاهدها في أغلب أعماله، سعياً منه لخلق حالة من التوازن مع العالم المحيط به،وهو يحاول جاهداً أن يبقى على علاقة سليمة به، فإتجه صوب المشهد الحياتي العراقي، دون النفاذ إلى أعماق الأشياء، بقدر ما يريد أن يسجل لحظات يومية يشفق أن لاتضيع من مخيلته المسافرة، كان حريصاً أن ينقلها بحدود إمكاناته التقنية، ولعل أكرم شكري أغفل إغراءات اللون في الطبيعة العراقية، ولم يتهيأ كلياً للإحساس بالأشكال، وكان على الألوان الخافتة أن تشعّ، كما نحسّها نحن أبناء هذا الوطن، من ينابيع الضوء التي تتدفق أبداً من أعماق الظلال الشفيفة .

ما يشد روابط اكرم شكري في التعبير عن الحياة العراقية، والتاثر بأحداثها، مساهمته في تأسيس جماعة أصدقاء الفن عام 1940، ومشاركته معارض الجماعة لعامي 41،1942، ومساهمته في معرض أبن سينا عام 1952،ومن المؤسف ان لازمه المرض في سنوات عمره الأخيرة، ولم يمنحه فرصة الخلود لمرسمه ليواصل عمله الفني، وتوفي عام 1983 .

 

جمال العتّابي

 

 

توفيق الشيخ حسينالفن التشكيلي من أجمل الفنون وهو يؤخذ من أرض الواقع ويرتبط بشكل كبير بالوحي والإبداع والإلهام وترجمة الرؤى والأفكار الغير تقليدية بطريقة تعبيرية والتي تحمل بين طياتها كم كبير من الغموض الذي يزيد من درجات الصعوبة في فهمه بالنسبة للشخص العادي، ويعد من أبرز الفنون المعبرة عن القضايا الإجتماعية في المجتمع، ونتيجة للتغيرات والأحداث العديدة التي حدثت في مختلف دول العالم أدت الى ظهور مدارس مختلفة منها :

"المدرسة الكلاسيكية، المدرسة الواقعية، المدرسة التكعيبية، المدرسة التجريدية، المدرسة السيريالية، المدرسة المستقبلية، المدرسة الرومانسية، المدرسة الوحشية".

المتأمل في الفن التشكيلي يجده بإختلاف مدارسه وعلى مر العصور تعبيرا ً صامتا ً ولكنه مؤثر وموثق وربما أكثر من الكتابات .

يقول الدكتور علي الغول :

" الفن تعبير عميق عما هو مخزون داخل القلوب البشرية، من إنفعالات وأحاسيس ذات رسالة معينة موجهة من قبل الفنان الى الجماهير عبر العصور والأزمنة " .

الفن التشكيلي العراقي له تأريخ عميق جدا ً ويرتبط بالحضارات التي شهدها العراق سواء في سومر أو أكد أو بابل أو النمرود، وظهرت أسماء فنانين عراقيين عريقة " فائق حسن، جواد سليم، حافظ الدروبي، شاكر حسن آل سعيد، أسماعيل الشيخلي، أسماعيل الترك، محمود صبري، زيد صالح " وغيرهم من الذين تخطت أعمالهم المحلية والعربية الى العالمية .

يظل المشروع التشكيلي لدى الفنان "صالح كريم" يشكل مبحثا ً متصلا ً ينهل من ثقافات العراق ومن مدينته البصرة، تخرّج من كلية الفنون الجميلة / بغداد / قسم الفنون التشكيلية عام 1974 .

1636  كريم

يقول الفنان " صالح كريم " عن تجربته:

" أرسم النخلة والشناشيل والبصرة والتراث والثقافة التي تخص المشاعر والإحاسيس البصرية المعروفة التي ترفع من مستوى الفني الجديد والملائم للوضع الطبيعي المعتاد، أرسم كثيرا ً ولا أستطيع العيش في الرسم لإني أسجل يومي كله بخطوط مختلفة والوان واضحة تثبت كل لوحة فنية جميلة، إني مستمر في العطاء وسعة البال " .

يميل الى الواقعية الحديثة ويستفيد من الموروث الشعبي والفلكلور والتراث ويحاول الربط بين الماضي والحاضر، يعمل على تصوير حياة الفقراء والبسطاء والحياة الإجتماعية العامة فتراه يستمتع بالخطوط والألوان والأشكال وهو يفهمها ويدرسها لا سيما إن مواضيع لوحاته الفنية مستمدة من واقعه .. يقول عنه " عدنان حسين أحمد ":

" يستلهم الفنان صالح كريم بعض أفكاره من الفنون السومرية والأكدية والبابلية القديمة ويتعاطى معها كمنجز فني عراقي وعالمي، ولعل تقنيات الحفر البارزة والغائرة التي أستعملها الفنان العراقي القديم تنبثق من جديد في لوحات الفنان صالح كريم " .

يتمتع بالثقافة البصَرية المتعلقة بثقافة العين التي تمكنّه التحول الى الفنان قادر على التعبير عما يدور بداخله برسومات وتعابير تشكيلية تحمل بين طياتها عدد كبير من المعاني والأفكار .

تلعب العيون ونظراتها في الرسم عند الفنان " صالح كريم " دورا ً كبيرا ً ومهما ً، لإنها تشكل الثيمة الرئيسية والأساسية للأحياء الباصرة وغير الباصرة وكما عبر داود سلمان الشويلي بالعيون عند الفنان صالح كريم :

" تتخذ في شخوصه تشكيليا ً أشكالا ً متنوعة ومختلفة ومتعددة مثل عيون الأسماك، وعيون الطيور، وعيون بشرية، إلا إنها بلون واحد هو اللون الأسود، وذلك لإنه لا يريد أن ينقل لنا الحالة النفسية للشخص فحسب وإنما يريد أن يعبر عن التكوين البايلوجي لهذا الشخص، وأيضا ً لإنها تحمل المعاناة من قسوة الإضطهاد والعنف الذي يريد أن يوصله الفنان لمتلقيه " .

سُئل َ الفنان" صالح كريم " عن أحب الألوان اليه :

" لون الأرض، فهو يبهرني وهو لون الشط كوني قريب من شط العرب والصحراء قريبة مني، والطين يحيط بي فهو موجود في أغلب لوحاتي ".

رغم بساطة الموضوعات التي تتجلى ملامحها أو تستوحي من محيطه الجميل الذي أشبعه بالدراسة عبر لوحاته المميزة، فتراه متجذ ّربالأرض، يستخدم اللون الذي يميل الى الإخضرار وهو دليل التمسك بتربته ولونها الأخضر الذي يعني الربيع والخير العميم .

يقول الرسام العالمي "ليونارد دافنشي":

"اللوحة هي القصيدة الصامته والشعر هو اللوحة الناطقة".

من هذه المقولة يؤكد الفنان والباحث السوري " عبدالقادر الخليل " ومن خلال إطلاعه على منجزات الفنان صالح كريم الذي جاء بقصائد صامتة تستحق كل أهتمام، الذي جعل من اللوحة رسالة الأمل، والذي أستعار جمال الفن ليعطي فكرة واسعة عن أحلام لم تنام وجسد في كل لوحة رسالة جديدة مزجها بألوان تراب الوطن .

رسم الفنان " صالح كريم " المعاناة التي تعيشها المرأة العراقية، ولأن المرأة عطاء لا يُحد ّ ولا ينضب وكونها رمزا ً للخصب وللعطاء وللتضحية وللمحبة، وقد وثق مشاعره تجاهها بالألوان والخطوط ورسمها بالزي العراقي الأصيل .

يقول الدكتور ماضي حسن نعمة:

" الفنان التشكيلي صالح كريم تمتاز أعماله بصيغة تكنيكية ناجمة عن خزين مهاري عبر مخاض من التجارب الأكاديمية التي أهلته الى فرش الألوان بجرأة ودقة في مسار تفاصيل الجزئيات المصغرة من خطوط ناعمة كي تمنح التكوينات حيوية وعمق في التأمل البصري " .

لقد جسد الفنان صالح كريم في لوحاته فن "البورتريه" وكانت لوحاته تعبر عن إنفعال بين الحنان والدفء والصمت والتألق والحزن والشاعرية والجمال، وأهتم بإبراز العمق النفسي للشخصية، يجد نفسه منغمسا ً في هموم ذاتية وعامة، يتألم لها وبها، المعاناة النفسية هي الوقود الذي يدفعه لأن يقدم صورا ً غير مسبوقة من الإبداع الإنساني، إن ما يتعرض له الفنان صالح كريم من معاناة يومية لتفاعله مع الشأن العام تجعل منه معرّضا ً بإستمرار لحالات نفسية، فاللوحة كالإنسان مكونة من طبقات نفسية، من السطح وحتى الأعماق، كل طبقة تساعد في فهم ما هو أعمق منها، وتعتبر مهارته الإبداعية في عمله الفني أداة يوصل بها دواخله الفكرية والنفسية الى الآخرين كالمتلقين والمتذوقين فنيا ً .

هذا ما عبر عنه القاص "محمد خضير":

" إن إستغراق الفنان صالح كريم في إنشاء موضوعاته المتسلسلة يصدر عن أسلوب خاص بالفنان أكتيبه من مهارته في فن التخطيط  البورتريه والنتيجة فإن الفنان صالح كريم هو رسام وجوه بالدرجة الأولى، قبل تصنيفه رساما ً طبيعيا / فطريا ً، أو أنطباعيا ً / تعبيريا ً، إنه من طينة حرة لا أنشراخ لسبيكتها ولا إنفراط لمكوناتها " .

في نهاية المطاف نجد إن تجربة الفنان صالح كريم الفنية والمتفرّدة تستحق فعلا ً التأمل والدراسة والتقييم ..

 

بقلم : توفيق الشيخ حسين

 

صباح شاكر العكامهيرودوتس (484ق.م – 425ق.م) اشهر المؤرخين الاغريق ولقب (أبي التاريخ)، قام بالعديد من الرحلات الى بلدان العالم القديم، جمع كل المعلومات  التي حصل عليها من البلدان التي زارها في رحلاته، وتدوينه للأخبار والحوادث بسرد القصص والحكايات والاساطير خالطاً اياها في كثير من الأحايين بالأخبار التاريخية دون أن ينبه عن الحد الفاصل ما بين الاثنين، ودون ذلك كله في كتابه (تاريخ هيرودوتس) والذي يعد من أقدم الكتب التاريخية، المكون من تسعة كتب (اجزاء)(1) سميت بأسماء الآلهة أو الحوريات الخاصة بالموسيقى والغناء والشعر والتاريخ وعددهن تسع آلهات بحسب الاساطير اليونانية .

 دون هيرودوتس في كتابه (تاريخ هيرودوتس) عن مدينة بابل في الكتاب الاول المسمى (كليو)(2) . وكان هنالك شكوك في أن هيرودوتس قد زار بلاد بابل، بل أن الأخبار التي ذكرها عنها قد استقاها من آخرين، فقد ذكر تسمية بلاد بابل بآشور(3) . 

وصف مدينة بابل:

لقد وصف هيرودوتس مدينة بابل وبالغ في قياس اسوارها وبعض أبنيتها، وخاصة في العهد الفارسي الأخميني (539ق.م – 331ق.م) حيث كانت معابدها وبرجها الشهير وقصورها لا تزال قائمة، دون هيرودوتس في الكتاب الاول  ص114: " تقع بابل في سهل فسيح، وهي مدينة واسعة مربعة الأضلاع طولها أربعة عشر ميلاً، ومحيطها وأطرافها ستة وخمسون ميلاً، وفوق ما تتصف به من ترامي الرقعة تفوق في بهائها كل مدينة أخرى في العالم، ويحيط بها من كل جانب خندق عريض عميق مليء بالماء، يتوسطه سور ضخم يبلغ عرضه خمسين ذراعاً ملكياً(4)، وارتفاعه مئتي ذراع . على جانبي سور بابل تقوم أبنية متقابلة من غرفة واحدة، بينها مساحة تكفي لمرور عربة تجرها أربعة جياد، ويتخلل السور مائة باب تتوزع محيطها كلها، وجميعها من البرونز وكذلك الأعمدة والنوافذ".

وصف هيرودتس نهر الفرات من منبعه إلى مصبه واختراقه لمدينة بابل وملامسته لأسوارها وبعض الابنية، وكما ورد في الكتاب الاول (كليو) ص114: " أما الفرات فهو نهر واسع عميق سريع الجريان، منبعه في أرمينيا ومصبه في الخليج العربي، يخترق مدينة بابل في مسيره فيشطرها إلى شطرين، والسور يضرب اساساته في الماء على الجانبين، وهناك سور عازل ينتصب على زاوية قائمة من السور الأول مصنوع من الآجر المشوي، ويمتد على ضفتي النهر، وهناك عدد كبير من الأبنية تقوم على ثلاثة أو أربعة طوابق . وتتسم شوارع المدينة ودروبها بالاستقامة، وتؤدي جميعها إلى النهر، وينتهي كل درب إلى بوابة من البرونز في السور، ويمكن بواسطتها بلوغ الماء".

معبد بابل:

في وسط مدينة بابل يوجد قصر الملك ومعبد الاله بعل(5)، وقد ورد في تاريخ هيرودوتس الكتاب الأول عن المعبد ص115 -116: " المعبد بناء مربع أبوابه من البرونز، وله برج في وسطه، ويعلوه برج ثاني فثالث حتى يبلغ عدد تلك الأبراج الثمانية، ويمكن ارتقاء تلك الأبراج جميعها بدرج حلزوني يتحلق على جانبيه من الخارج، وعند منتصف الطريق على السلم يوجد سلسلة من المقاعد وملجأ يرتاح إليه الصاعدون، وفي أعلى البرج ينتصب معبد كبير فيه أريكة أنيقة واسعة غنية بتطريزاتها وبجانبها طاولة ذهبية . وأما الهيكل فلا يحتوي على أي صورة أو تمثال، ولا يقيم في هذا المعبد سوى امرأة واحدة، وإن الاله يدخل المعبد ويستريح على السرير".

كما يصف هيرودوتس الهيكل الثاني المشيد في الطابق السفلي للمعبد: " يضم معبد بابل هيكلاً ثانياً في الطابق السفلي يحتوي على تمثال الإله (بعل) في وضع الجلوس، وهو من الذهب، ويقوم على عرش من الذهب، وبجانبه طاولة ذهبية، وقد أخبرني الكلدان(6) إنهم استخدموا اثنين وعشرين طناً من الذهب في صنع الهيكل . وهناك مذبحان احدهما من الذهب مكرس للقرابين من النعاج وحدها، والآخر ضخم لم يكن من الذهب مكرس لقرابين الماشية الكبيرة . يبذل الكلدان ما يقارب الثمانية والعشرين طناً ونصف الطن من البخور على المذبح الأكبر في الاحتفالات التي تقام كل عام تكريماً للالة (بعل) . وكان في أيام الملك (كورش)(7) تمثال ذهبي لرجل يبلغ قرابة خمسة عشر قدماً طولاً، إلا أن عيني لم تقع عليه (اخبرني الكلدان بذلك) . وكان الملك (داريوس بن هيستابس)(8) أراد أن يضم التمثال إلى كنوزه، إلا أن شجاعته لم تسعفه في تنفيذ ذلك . ولكن التمثال انتهى إلى خزائن الملك (أحشويرش)(9)، بعد قتل الكاهن الذي حاول منعه من أخذه".

زحف كورش على بابل واحتلالها:

قام الملك الاخميني (كورش) بغزو مدينة بابل ذات الاسوار الحصينة واحتلالها، وقد دون هيرودوتس كيفية اختراقها في الكتاب الأول ص119: قسم كورش جيشه إلى قسمين، وجعل كل قسم على جانب من نهر الفرات، وأمر رجاله بتنفيذ حفر مائة وثمانين قناة في اتجاهات مختلفة، وتم ذلك بفضل العدد الغفير من الرجال، والذي استغرق فصل الصيف بكاملة، وعندما حل الربيع زحف بجيشه إلى بابل، وكان البابليون قد تهيؤوا للأمر، وعند وصول جيش كورش إلى مشارف مدينة بابل اعترضوه، ولكنه تمكن من دحرهم، فاضطروا للانسحاب وراء تحصيناتهم، وكانوا قد عملوا على توفير مؤن تكفي سكان بابل لسنوات عديدة، ولكن كورش تابع حصاره، حتى لاح له إن النصر بعيد، فأخذ الانتظار يثير فيه اليأس من نجاح قريب . وضع كورش جزءاً من جيشه عند مصب الفرات في المدينة، ووضع فرقة أخرى عند الطرف المقابل، أي عند مخرج الفرات من المدينة، وأمر تلك القوات باقتحام المدينة حالما يبدو أن مياه النهر غدت ضحلة، وفي غضون ذلك نزل جيش فارس الذي خلفه قائده عند أبواب بابل لهذه المهمة، فخاض الجند في المياه الضحلة للنهر التي لا تكاد تبلغ منتصف ساق الرجل ودخلوا المدينة، عندما كان أهل بابل في عيد وغناء ورقص ومتعة حين أطبق عليهم الفرس وأخذوهم على حين غرة .

الضرائب المفروضة على بابل:

ذكر هيرودوتس في الكتاب الاول ص 120: كانت البلاد الخاضعة للفرس موزعة في مناطق واسعة، تجتمع كلها في توفير الضريبة المعتادة والمفروضة عليها، وتزيد بأن تمد ملك الملوك وجيشه بالمؤن والغلال، ونصيب بابل منها طوال أربعة أشهر من أصل الأشهر الاثني عشر من السنة، بينما تتولى آسيا كلها أمر الشهور الثمانية المتبقية من السنة، وهذا ما يبين أن آشور(10) كانت تضم وحدها ثلث مصادر الثروة الطبيعية في آسيا .

صناعة القوارب في بابل:

أن لوجود النهرين العظيمين (دجلة والفرات) في بلاد الرافدين ولوقوع أغلب المن على ضفاف الانهار قد أدى إلى ازدهار النقل النهري في مراحل التاريخ المختلفة، وقد دون هيرودوتس في كتابه الأول ص121- 122: كانت القوارب تمخر الفرات الى مدينة بابل، وكانت مستديرة الشكل ومادتها من الجلد، وتصنع في أرمينيا، حيث يصنعون إطار القارب من خشب صفصاف السلال، ثم يشدون الجلود المجففة المانعة لتسرب الماء منها لتكون بطن القارب، وليس لهذه القوارب مقدمة أو مؤخرة، وإنما هي مستديرة الشكل كالترس، ويقوم الملاحون بملأ القارب بالقش، ويحملون ما يشاؤون نقله على ظهره، وهي في جلها براميل من النبيذ، ويطلقون القارب ليسير مع التيار، ويتولى قيادة القارب نوتيان، وكلاهما يحمل مجذافاً، أحدهما يقف في المقدمة ليحرك المجذاف نحوه، بينما يقف الثاني في المؤخرة ويدفع مجذافه إلى الامام، وهذه القوارب تختلف أحجامها عن بعضها، وأضخمها يتسع لحمل نحو مائة وثلاثين طناً، ويحمل كل قارب حماراً، وبعض القوارب الكبيرة يحمل عدة حمير . والقاعدة الجارية أنه متى بلغ القارب مدينة بابل وبيعت حمولته، عمد النوتية إلى تفكيكه فيباع الهيكل والقش، بينما تُحمَّل الجلود على ظهر الحمار ليعود براً إلى أرمينيا، ذلك أنه يستحيل على النوتي أن يعود بالقارب بعكس اتجاه التيار صعوداً، وقد أعتمد القوم على الجلود في صناعة القوارب بدلاً من الخشب ؛ بسبب قوة التيار الذي لا يقوون على مقاومته .

أزياء أهل بابل:

ذكر هيرودوتس في كتابه الأول ص122:  يتألف الزي الذي يرتديه البابليون من إزار من الكتان، طويل يبلغ القدمين، وفوقه إزار آخر من الصوف، وعليه عباءة بيضاء، ولهم في الأحذية طرازهم الخاص . وقد درج القوم على ترك الشعر وارتداء العمامة، وكان الرجل منهم يحمل خاتماً وعصا خاصة به، وقد حُفرت على قمتها صورة تفاحة أو وردة أو اقحوانة أو نسر، وقد جرى الناس على تزيين عصيهم بمثل هذه الزخرفات .

الزواج في بابل:

دون هيرودوتس في الكتاب الأول ص122: جرت العادة في كل قرية من بابل على جمع الفتيات عند بلوغهن سن الزواج في مكان معين، والرجال متحلقون حولهن، فينادي المنادي في المزاد الفتيات كل باسمها، ويبدأ عادة بالفتاة الأجمل فالأقل جمالاً وهكذا، فيتم بيع الأجمل بالثمن المرتفع، فيتنافس الأثرياء على الجميلات بدفع أعلى الأسعار . أما من كانوا متواضعي الحال ولا ينشدون الجمال في الزوجة فإنهم من يتقاضى المال ليقبل بالفتاة الدميمة، وقد تكون عرجاء أو لربما كانت كسيحة، فينادى باسمها ويسأل المنادي من يطلب المبلغ الأقل لتكون زوجاً له، فتكون من نصيب أكثرهم قناعة .

التطبيب في بابل:

دون هيرودوتس في كتابه الأول ص 123: " البابليون لا يعرفون الأطباء، فإذا مرض أحدهم حمله أهله إلى الشارع، فيتلقى النصيحة في العلاج من كل من كان له خبرة بأصل شكواه. والعرف عندهم ليس لإمرئ أن يمر بمريض ولا يقف على حاله، وإنما عليه أن يتوقف ويسأله عن شكواه" .

البغاء المقدس في بابل:

عرفت الحضارة العراقية القديمة البغاء المقدس الذي مارسته النساء في معابد بابل تحت عباءة أفكار دينية بعينها، وقد دون هيرودوتس في الكتاب الأول ص124: أن كل امرأة في بابل كانت مجبرة على الجلوس مرة في عمرها في فناء معبد ميليتا (11)، ينتظرن مرور الرجال لينتخبوا منهن اللواتي يطيب لهم معاشرتهن، ولا يجوز للمرأة الجالسة في الساحة العودة إلى بيتها قبل أن يرمي رجل غريب في حضنها قطعة نقد من أي فئة كانت، ثم يصحبها إلى خارج الفناء المقدس. ولا يمكنها رفض القطعة النقدية أبداً لأنها تصبح مقدسة لحظة إلقائها. كانت المرأة تذهب بصحبة أول رجل يرمي لها بقطعة النقود، فيقضي منها وطره، ولا يحق لها أن ترفض أحداً، واذا تم مضاجعها تكون بذلك قد أرضت الآلهة، فتعود بعد ذلك إلى بيتها . ومنذ تلك اللحظة، لا يمكن لأي أعطية مهما بلغت قيمتها أن تؤثر عليها أو تغويها.      

 

صباح شاكر العكام

..........................

الهوامش:

(1) سميت الكتب التسعة بأسماء الآلهة وهي: الاول (كليو)، والثاني (يوتيربي)، والثالث (ثاليا)، والرابع (ميلبوميني)، والخامس (تربسينوري)، والسادس (أراتو)، والسابع (بوليهيمنيا)، والثامن (اورانيا)، والتاسع (كالليوبي) .

(2) كليو: اله التاريخ (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص 125) .

(3) (المصدر نفسه ص125)

(4) الذراع الملكي أطول ثلاث بوصات من الذراع العادي .

(5) الاله بعل )جوبتر): كبير الآلهة عند الرومان ويعد إله السماء والبرق، والمقصود في رواية هيرودوتس هو الإله البابلي (مردوخ). (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص630)

(6) الكلدان: أقوام استوطنوا بلاد بابل وأقاموا عليها امبراطورية عظيمة أسسها نبوبلاصر سنة 627 ق.م، ومن أشهر ملوكها نبوخذ نصر الذي حكم بين سنة 605 ق.م إلى سنة 561 ق.م، والذي استباح مدينة اورشليم مرتين وسبى منها اليهود الى بابل، اسقط امبراطورية الكلدان كورش الأخميني سنة 539 ق.م (تاريخ حضارة العالم ص26) .

(7) كورش: ثالث الملوك الاخمينيين حكم بين (559ق.م – 530ق.م) والذي استولى على بابل سنة 539ق.م  في اثناء حكم أخر ملوكها (نبونيدس) . (حضارة بابل وآشور ص51)

(8) داريوس بن هيستابس: (521ق.م - 486 ق.م) ملك فارسي أخميني، أخمد التمرد الذي حصل في مدينة بابل سنة 521ق.م .(مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص635)

(9) أحشويرش: (485ق.م - 465ق.م) ملك فارسي أخميني خلف والده الملك داريوس،اخمد الثورة التي نشبت في بابل سنة 482 ق.م (المصدر نفسه ص 637)

(10) المقصود هنا بلاد بابل .

(11) ميليتا: الاله عشتار أو عشتروت أو افروديت .

المصادر:

1- تاريخ هيرودوتس – ترجمة عبد الاله الملاح – المجمع الثقافي / ابو ظبي، 2001م .

2- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – طه باقر – دار الوراق للنشر، 2009م .

3- حضارة بابل وآشور – غوستاف لوبون – ترجمة محمود خيرت – دار الرافدين / بيروت، 2019م .

4- تاريخ حضارة العالم – شارل سنيوبوس- ترجمة محمد كرد علي – الدار العالمية للكتب والنشر / القاهرة، ط1، 2012م .