mohamad albandoriإن معظم السمات البصرية تروم توسيع حدود أشكال التعبير بين مجال التجسيم الكتابي ومجال الخط ومجال الأشكال الخطية، في نطاق التفضيء والهندسة والتشكيل، فهي تعيد القراءة بقيمة رمزية كبيرة تحددها العلامات اللغوية والتصويرية والخط. لأن وظائفها الجمالية تتمثل أساسا في الأيقونية بأبعادها السيميائية. فهي تركز على العلامات والمؤشرات الأيقونية ذات الدلالات المتعددة. ولا غرو في ذلك، فهي تخاطب العين والبصر، وتتفاعل بشكل مباشر مع الحواس الإدراكية المجسدة، وتتبع الدال الكاليغرافي المشكل بالحروف المخطوطة والأشكال البصرية المتنوعة في سياق تشغيل الألوان الأساسية، بتشكيلات وتموجات خطية تحمل أبعادا متعددة ودلالات مفتوحة، فتحتاج إلى تفاعل بصري لتفكيك الأيقونية وقراءتها في نطاق سيميائي وبلاغة بصرية. وبذلك تضحى لوحة لسانية مجسمة تجمع بين الشعر والخط والتشكيل. وقد تطورت معظم الأشكال الخطية في بعض النصوص في المغرب نتج عنها تفرعات مختلفة، فأضحى منها القصيدة الكاليغرافية المتعددة الأبعاد والقصيدة الميكانيكية.. وقد جمعت بين الخط اليدوي والكاليغرافي والطباعي. وذلك بفعل الاهتمام الكبير من لدن الشعراء والنقاد المغاربة وذلك لما لمسوه في مجالاتها الرمزية والسيميائية والشعرية من أبعاد متنوعة ودلالات متعددة، فنجد هذه القصيدة جلية ومشخصة لدى بعض من الشعراء المغاربة كالشاعر ياسين عدنان من خلال الغارة الشعرية، واحمد بلبداوي من خلال ديوان سبحانك يا بلدي، ومحمد بنيس وغيرهم. وقد ترتب عن ذلك نشوء بعد جمالي وبلاغي لقصائدهم. ومن ضمن ما اعتنت به هذه التجارب وتجارب أخرى على مستوى مختلف النصوص من حيث الأسس الفنية والجمالية فن الكولاج، حيث يتم تلصيق بعض الصور إلى جانب النصوص الشعرية والكتابات الخطية، ولقد أتاح سلطان النصوص البصرية في المغرب نوعا من التسييد لمعظم النصوص البصرية، والاهتمام بقيم وأفكار جديدة في نطاق خطاب صوري خطي بصري له معانيه وبلاغته الخاصة، ودلالاته المتعددة وفق القيمة الرمزية والعلاماتية. فصار وسيلة إلى المتعة الدلالية التي يقيضها الوجود الخطي أو الرمزي أو العلاماتي أو الصوري بعد عملية التحوير والقراءة. لأن المتخيل البصري هو تعبير دقيق عن التطوير الثقافي للوعي بواسطة العين مما ينتج قراءات أكثر دلالة في مهمة تمثيل الواقع في تصورات وأخيلة بعيدة أكثر بدلالاتها ومغازيها ومعانيها.

فتدبير النصوص العربية بالشكل الرمزي والعلاماتي هو تأكيد على ارتكاز الثقافة على الفن وعلى الجمال وعلى إنتاج الدلالة الجديدة، فتتفوق براهنيتها وقدرتها على التثبيت، كونها أيضا تعنى ببعد بلاغي قائم على استحضار الأشكال التواصلية وخصائصها وأبعادها التي تسهم في رؤية دلالتها المتطورة، والتعبير عن مفاهيم ذهنية، تحكمها خاصية التحول الى نصوص بصرية تتبادل فاعلية العين المبصرة ومختلف النصوص الجمالية وتطورها، وفحص دلالات الأشكال وتركيبها والبحث عن دور مجازي لها تعززه الذاكـــرة والمخيلة من جهة، ويعضده الدور الإيقوني وتغير موقع المتلقي بمؤثرات ومحددات واقعية وآليات فنية وجمالية من جهة أخرى مما يساعد على انزياح النصوص البصرية عن المألوف تشكيلاً وتبئيراً وتفضية وتدلالا.

 

د. محمد البندوري

 

 

adnanhusan ahmadتتميّز الفنانة التشكيلية الأردنية روان العدوان بحسّاسيّة مُرهفة تؤهلها كما الشعراء المبدعين لرؤية ما لا يراه الآخرون. فحينما عملت في المُتحف الأردني بعَمّان وقع بصرها على كتاب نفيس عن النقوش والرسوم الصفائيSafaitic Inscriptions فقررت قراءته، وتمثّله، وإطالة النظر فيه. فهذه النقوش تعود إلى الصفائيين أو الصفويين، نسبة إلى مدينة الصفاوي الواقعة شمال شرقي الأردن والتي تحمل اسمهم حتى اليوم، وهم قبائل عربية بدوية خالصة عاشت في تلك المضارب بين القرن الأول والرابع قبل الميلاد.

لم تكتفِ روان بمشاهدة هذه النقوش والرسوم الصخرية وإنما قررت الذهاب إلى تلك الأمكنة التي تشبه مُتحفًا مكشوفًا في العراء وتستوحي من رسومه "البدائية"، ونقوشه اللغوية التي تطورت عن الخط السبئي. لا تنطوي كلمة "البدائية" على معنىً سلبي، وما نقصده هنا بالتحديد هو طريقة الحياة البسيطة القريبة من الطبيعة، وأنّ قيمها الفنية توازي قيم العالم الراهن، وربما تتفوق عليه في بعض الأحيان.

1 روان العدوان1تعلّقت روان بتلك الرسوم الصخرية فقررت إحيائها من جديد على الكانفاس هذه المرة ملونةً إياها بما يتناسب وطبيعة الثيمة المُجسّدة على السطح التصويري. أنجزت روان أكثر من 40 لوحة فنية استوحتها جميعًا من الرسوم الصخرية الصفائية ونفّذتها بأحجام مختلفة بالأكريلك على الكانفاس أو الألواح الخشبية. وبما أن هذا المشروع الفني ينطوي على غَيرة وطنية واضحة على منجزات الماضي التليد التي استوحت منها روان أعمالها الفنية الجديدة فقد قرّر الأستاذ مازن حمود، السفير الأردني بلندن استضافة معرضها الشخصي في منزله، وهي من دون شك التفاتة ثقافية رائعة، أتاحت للكثيرين عربًا وأجانب سانحة الحظ لمشاهدة 14 لوحة فنية انضوت تحت عنوان "لآلئ الصحراء"، وهي بالفعل لآلئ نادرة أعادت روان تكوينها من جديد وبعضها يذكِّرنا بلوحات أنطوني تابيس أوروبيًا، وشاكر حسن آل سعيد عراقيًا أو عربيًا.

قبل أن نلج في ثيمات المعرض وتفاصيله الدقيقة لابد من الإشارة إلى أنّ الفن الصخري Rock Art ينقسم إلى أربعة أقسام رئيسة لكن ما يهمنا منها الآن قدر تعلّق الأمر بدراستنا النقدية هو الرسم التصويري Pictograph، والنحت الغائر Petroglyph ، أما الـ Petroforms   وهي الصخور التي توضع في أشكال وأنماط محددة من قِبل الإنسان والـ Geoglyph وهي الرسومات الأرضية التي تتشكّل بواسطة تراكم الحصى والأحجار الصغيرة على هيأة نمط معين على سطح الأرض، فهذان القسمان الأخيران يقعان خارج اهتمام هذه الدراسة النقدية التي تركز على الرسم التصويري والنحت الغائر للأعمال الفنية الصفائية التي استوحت منها روان العدوان لآلئها الجديدة التي تحمل من روحها الشيء الكثير مثل التكوينات المدروسة التي توحي بالقوة، والتوازن والتماسك، والتدرّجات اللونية التي تشير إلى براعة الفنانة في استعمال الفرشاة، واستقدام العمل من أعماق التاريخ، والتلاقح معه برؤية إبداعية معاصرة تثبت لنا بالدليل القاطع أننا نقف أمام لوحات فنية مهجّنة ولافتة للأنظار.

1 روان العدوان3

تهيمن على الرسومات والنقوشات الصخرية الصفائية الأشكال البشرية والحيوانية فلاغرابة في أن نرى الإنسان البدوي الصفائي بهيأة فارس أو راعٍ أو صيّادٍ أو عاشقٍ، أو رجل دين وما إلى ذلك من دون أن ننسى حضور المرأة في كل شيء تقريبًا بما في ذلك قيامها بالرسم والنقش والكتابة لأن الأبحاث العلمية أثبتت أن بعضها يعود لنساء مبدعات أسهمنَ في الحياة الثقافية والفنية والفكرية للمجتمع الصفائي المعاصر لمملكة الأنباط. ولعل أولى الرسومات التي استلهمتها روان هي الجَمل وأطلقت عليها التوصيف الشائع "سفينة الصحراء" ورسمته بطريقة تشخيصية لا تخلو من بعض التجريد لمعالم الوجة والسنام والقوائم الأربع، وخلفها فيكَر إنساني قد يمثل الراعي أو المالك لهذا الحيوان الأثير في الصحراء المترامية الأطراف. وما بين الراعي وجَمَله ثمة حروف صفائية تحيلنا إلى تلك الحقبة الزمنية البعيدة نسبيًا. نفّذت روان هذه اللوحة بالأكريلك على كانفاس بقياس 90 × 60 سم، ولعل جَمال هذه اللوحة يتعزّز كلما تأملنا خلفيتها التي تُرجعنا إلى الوراء زمكانيًا، وتُعيدنا إلى الوقت الراهن أيضًا. ثمة لوحة أسمتها روان بـ "الحُلم" وهي تنويع على الجَمل المُحاط بعدد من الفيكَرات البشرية، والنقوش الصفائية المُزدانة بالألوان المبهرجة التي تتلألأ تحت خيوط الشمس الساطعة. تمتدّ هذه البهرجة اللونية المقصودة إلى لوحة "أمل" التي تكشف هي الأخرى عن أعماق الفنانة روان العدوان وهي تُضفي من عندياتها الشيء الكثير على الرسوم الصفائية التي أحبّتها إلى درجة التماهي وخلقت منها في خاتمة المطاف تُحفًا فنية لابد من الانتباه لقيمتها الإبداعية. فلوحة مثل "تناغم" التي تحتفي بالجِمال أيضًا تبيّن بما لا يدع مجالاً للشك أن الفنانة تعوّل على متانة التكوين، وجرأة الخطوط اللونية المرسومة بالفرشاة أو بأي أداة أخرى تطوِّعها لتنفيذ عملها الفني بعدة طبقات تمنح اللوحة جَمالاً وغموضًا مُستحَبَّين. وربما يتكرر هذا الأمر في لوحات أخر مثل "الصيادون" و "العائلة" و "بلا عنوان" التي نلمح فيها نوعًا من التوازن بين مثلث الشكل والمضمون واللون دون أن ننسى النقوش الصفائية التي تمنح اللوحات جميعًا أبعادًا رمزية لعلها تتوازى مع رمزية الطقوس التي كانت سائدة آنذاك.

تأخذ الحيوانات حصة الأسد في هذا المعرض أو في الرسوم الصخرية عمومًا فيمكن أن نرى الجِمال، والخيول، والأسود، والفهود، والثيران، والظباء، والثعالب، والكلاب، والنَعَام، والصقور وغيرها من الحيوانات لكن روان العدوان اختارت الصور المُعبِّرة والقريبة إلى النفس وربما تكون لوحة "عراك" هي الأجمل من ناحية الثيمة السائدة، والخطوط البسيطة، والألوان الجذّابة، إضافة إلى النقوش الصفائية التي تهيمن على خلفية الصورة المُنفَّذة بنَفَس تعبيري عميق، وبجرأة لونية تُحسَد عليها حقًا.

لا يمكن تفكيك هذه الأعمال الفنية المستوحاة من الرسوم الصفائية دون العودة إلى الجوانب الرمزية التي كانت تتوفر عليها هذه القبائل البدوية وأهمها الطقوس والشعائر الدينية التي كانت شائعة في ذلك الوقت. ولعل الجوانب الثقافية والفكرية والروحية تُعين الباحثين والدارسين على فهم واستغوار تلك الطقوس والموروثات الاجتماعية التي تناقلوها كابرًا عن كابر. فلاغرابة أن يستعصي بعض الرسوم الصخرية على التأويل لانطوائه على العديد من الرموز الشائكة التي لا يمكن حلّها وتطويعها إلى بعد جهود شاقّة ومضنية. ولعل لوحة "إله الحرب" هي خير نموذج لما نذهب إليه، ولا تخرج عن هذا السياق لوحتا "الرمز المفقود" و "تكوين"، وربما تكون هذه الأخيرة بمستوى عمل أي فنان أوروبي منغمس بالتجريد والرمزية،ومنهمك في خلق الغلالة الغامضة التي تمنح اللوحة عمقًا لا يتكشّف بسهولة إلاّ أمام المتلقي العارف والمتذوق الذي يمتلك خبرة بصرية تتيح له إمكانية الوقوف أمام اللوحات الإشكالية والتحاور معها من دون الاستعانة بأحد أو اللجوء إلى أية وسائل سمعيّة توضيحية.

1 روان العدوان2

يُخطئ منْ يظن أن لوحة "أثر" قياس 90 × 60سم المنفَّذة بالأكريلك ومواد أخرى على الكانفاس هي قريبة من رسوم الأطفال على الرغم من عظمة مخيلاتهم المجنّحة، وجرأتهم الأدائية في رسم الفيكَرات، وحريتهم في اختيار الموضوعات التي تُشغل أذهانهم، ولعل الفرق الوحيد الذي يميّز لوحة "أثر" عن غيرها من رسوم الأطفال هو هندستها المدروسة التي تشدّ الانتباه إلى الفيكَرات الستة الإنسانية والحيوانية قبل أن تسرقنا الرموز والإشارات التي تطوِّق هذا التكوين الجذاب المنفّذ بالأسود والأبيض في الجزء الأكبر منه قبل أن تتسلل إليه ثلاثة ألوان رئيسة وهي الأزرق، والأوكر، والفيروزي التي تناغمت جميعها بشكل إيقاعي غريب مع متن اللوحة المرسومة باللون الأبيض على خلفية سوداء.

لم يكن تحقيق هذه التجربة التي بلغت أكثر من أربعين لوحة فنية بالعمل اليسير، فلقد تحمّلت روان عناء السفر إلى مدينة "الصفاوي" غير مرة، وتسللت عبر طرقها النيسمية الوعرة إلى الأمكنة التي عاش فيها الصفاويون الأوائل كي تصور فيلمها الوثائقي القصير الذي يحمل اسم المعرض ذاته، وتلك قصة أخرى ربما نتوقف عندها لاحقًا، ونتمنى على وزارة الثقافة الأردنية أن تدعم مثل هذه الأفلام التي توثق للرسوم الصخرية في الأردن لأنها جزء من التاريخ الفني واللغوي والاجتماعي لقبائل عربية بدوية عاشت هناك ودوّنت تاريخها على صفحات الصخور بالرسوم التصويرية والنقوش الغائرة التي صمدت لأكثر من ألفي عام. أما الفنانة روان العدوان فقد نفخت الروح في هذه الرسوم الصخرية وحوّلتها إلى أعمال فنية ساحرة تخلب الألباب، وتحرِّض محبّي الفن التشكيلي على مشاهدتها، والاستمتاع بخطابها البصري الذي يجمع بين الأصالة والروح المعاصرة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

 

mohamad albandoriإذا كانت هناك مدارس لتعليم الخط في الأزمنة العربية الفائتة، فإنها كانت قائمة على أسس نقدية ومعرفية ساهمت فيها كل المكونات الثقافية. وقد اتخذ الانشغال بكل عمليات الكتابة مسارا شموليا من حيث التقويم والضبط والتقييد. فمنذ فجر الإسلام، وفي عهد التدوين في القرنين الثالث والرابع الهجريين اتخذ النقد مسارا قويا، فانتقدوا الخطوط والخطاطين انتقادات بلغت حدا من القسوة، بل امتدت إلى أبعد الغايات. ويتبدى أنه مع توفر كم هائل من الإنتاج الأدبي والشعري، وكثرة المراسلات، امتلأ مجال الكتابة اليومية بالخطوط المختلفة الرديئة منها والجيدة. فكان لزاما على المثقف العربي الاهتمام والعناية بالخط العربي لأنه أصبح قطب الرحـى في عملية التدوين، وكان على الخطاط أن يبالغ في تجويد الخط وتجمـيله، وأضحى المجال فسيحا للتدوين والكتابة بخطوط أكثر دقة وجمال. لأن اهتمام المثقف العربي وكذا الناقد العربي بحفظ ورواية الشعر والأحاديث، لا يقل عن اهتمامه بالكتابة والتدوين والعناية بالخط العربي والحث على تحسينه وتجميله، وذلك لما له من صلة وثيقة بما يكتب، وهو الذي ارتفع إلى مستوى الكلمة الشفهية. فكان ضروريا بــذل الجهد، لأن اهتمام النقاد العرب بالخط والكتابة بالإضافة إلى البعد الجمالي كان أحيانا دافعه تخليد العلم وحمايته من الضياع: " فلولا الكتب المدونة والأخبار المخلدة والحكم المخطوطة التي تحصن الحساب وغير الحساب، لبطـل أكثر العـلم ولغلب سـلطان النسيان سلطان الذكر." وأيضا :" لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط والسجلات والصكاك وكل إقطاع وكل إنفاق وكل عهد وعقد وكل جوار وحلف.." وبـذلك:" تصير الحاجة إلـى التفاهم بالخطوط والكتب، فأي نفع أعظم وأي مرفق أعون من الخط."   فيصبح لزاما النظر إلى تجميل الخط وتجويده، ونظرا لهذه الأهمية النفعـية للخـط، والتي تقتضي بدورها البعد الجمالي يقول الجاحظ :" فلذلك وضع الله عز وجل القـلم في المكان الرفـيع ونوه بذكـره في المنصب الشـريف حين قـال: ن، والقـلم وما يسطرون) فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم." ولذلك كان التجويد في بداية الأمر ضرورة يحكمها المجال النفعي قبل أن يتطور إلى الصورة الجمالية الصرفة.

زجرت كتابكم لما أتانـــي ** بمر سوانح الطير الجواري

نظرت إليه مخزوما بزير ** وفي ظهر ومختوما بقار

فعفت الظهر أحور قرطقيــ ** تركب صداغه سين العذار

وكأن الشدو ذا زبر مصـيب ** وكأن الختم من رق العقار

ومن شعر علي بن محمد العلوي:

أشكو إلى الله خطا لا يبلغني ** خط البليغ ولا خط المرجينا

إذا هممت بأمر لي أزخرفه ** سدت سماجته على التحاسينا

وسعيا إلى تحقيق الجودة في الخط وتقديم البديل ألفوا مؤلفات ورسائل في الخط والقلم فانتقل الخط من وضعيات تم انتقادها إلى وضعيات أحسن وأجمل. لكن مع مرور الزمن اختلفت عمليات التجويد من منطقة إلى أخرى، ومن خطاط إلى آخر، في غياب التنسيق المحكم، وذلك لعدم التعارف والتوافق على مقاييس جمالية موحدة في كل الأقطار لخصوصيات كل منطقة على حدة. ولعدم الأخذ المباشر بعملية التقعيد الدقيقة التي وضعها ابن مقلة والتي سار عليها بعض من خلفه في هذا المسار. بينما ظل عدد كبير من الخطاطين يفتقرون في إطار التجديد وفي نطاق خصوصية بعض المناطق، وظهور خطوط جديدة إلى قواعد هندسية مؤطَّرة علميا ومعرفيا ومنهجيا تأخذ بعين الاعتبار الأشكال التجديدية في الخط العربي لتلك المناطق. لذلك سادت علاقة التأثير والتأثر في ظل واقع خطي يحكمه الانطباع والذوق ويغيب فيه النقد الموضوعي. وتبعا لذلك، تشكلت مجموعة من الخطوط وفق عمليات متقاربة أحيانا في الوضع وأحيانا في الشكل؛ ومختلفة أحيانا أخرى في المقاييس وفي الشكل تبعا لنفسيات الخطاطين أو النُّساخ أو الكُتاب، وتبعا لوضعياتهم المعرفية والثقافية، ومدى إلمامهم بمختلف الجماليات التي تؤثث حروف الخط العربي عموما، وتبعا كذلك لكيفيات تناولهم المادة الخطية وتفاعلهم مع الخط على قدر تمكنهم منه عن طريق الموهبة أم عن طريق الاكتساب. وبذلك فقد أسهمت مجموعة من العوامل في تشكيل الاختلاف عبر الأزمنة الفائتة. ولعل أهم سبب في ذلك هو غياب المواكبة النقدية اللصيقة بالعمليات الإبداعية في الخط العربي فأضحى الكل جميلا في فترات متقطعة من تاريخ الخط العربي.

فلما هيمن هذا الوضع على عمليات الكتابة استسلم النقد ولم تتم المواكبة المطلوبة، الشيء الذي فسح المجال لبعض من التردي في الكتابة الاعتيادية وفي فن الخط وذلك طبقا لِما صار عليه حال الخط واستدعته حالات التنوع، فكلف ذلك أن سار على طريق من التقليد، حيث اقتفى عدد من الخطاطين والنساخين أثر ذلك بما خطَّه السابقون ومن تبعهم على شاكلة واحدة. وبذلك انتقص حال الخط في بعض الأقطار ولم يحظ بشرف التقييد والضبط إلا بعودة النقد إلى المواكبة الصريحة، ولو أن هذه العودة كانت متدرجة ومحتشمة في بداية الأمر، إلا أنها اتخذت صبغة قوية ومباشرة فيما بعد، خاصة عند المتأخرين في الغرب الإسلامي عموما وفي المغرب خاصة، الشيء الذي أهل الخط من جديد ليسمو برونقه وأناقته وجماله، ويعيد مجده ومزاياه. وبذلك يمكن اعتبار أن النقد شرف ومكرمة للخطاط، لأنه المقوم الأساسي للخط، فاذا غابت الحركة النقدية فإن عنصر التطور كذلك يغيب بل يغيب الإبداع والابتكار في الخط ويسود الذوق في صناعة الجمال. وعلى هذا الأساس ظلت كل العمليات التجديدية في الخط العربي في كل البقاع العربية رهينة المقاربات والمفارقات بين الخط والنقد.

 

د. محمد البندوري

 

 

satta hashem2نحن من عالم ومجتمعات تكره الصورة، وهذه هي ثقافتنا التي ورثناها منذ دخول مجتمعاتنا الى الاسلام قبل مئات السنين، وكراهية الصورة هذه جاءت مع نبي المسلمين ومن الفقهاء بعده، وبسبب هذه الكراهية فقد اصبح الاسلام هو الديانة الوحيدة في العالم التي لم تستعمل الصورة او الرمز او التمثال لنشر عقيدتها الدينية او للدعاية والاعلام، وهذا على العكس من بقية الأديان، فإذا ذهبنا الى جامع او مزار إسلامي فلن نجد صورة الرب مجسدة ومعلقة ولن نجد سيرة النبي والصحابة مصورة كما في العقيدة المسيحية الكاثولوكية او الارثوذكسية او البوذية اوغيرها من الاديان، وإنما نرى في جوامعنا الخط والزخارف واذا تصفحت نسخ مخطوطات الحضارات القديمة وكتبهم الدينية خاصة فستجد ان الاناجيل مثلا مليئة بالصور والرسوم الايضاحية للنصوص المنشورة بينما القران قديمه وحديثه مليئ بالزخارف والرسوم الهندسية التجميلية عديمة المعنى، وهذه الأشكال الفنية الهندسية والمجردة هي التي تحكمت في سلوكنا البصري وتجربتنا مع الفنون البصرية كلها، وهي التي خلقت عاداتنا البصرية منذ القرن السابع الميلادي

وهذا ماجعل الفن التشكيلي او البصري الاسلامي عموما، كله فن للزخرفة والديكور والبهرجة وبعيدا تماما عن هموم الانسان اليومية ومواضيع الحياة العامة الا في بعض الحالات الاستثنائية، هذه المواضيع التي وجدت منفذا لها بغزارة عبر الصور الدينية ورموزها البصرية في باقي فنون المجتمعات غير الاسلامية حول العالم، وهذه العقيدة الاسلامية نفسها الكارهة للصورة والرمز والتمثال موجودة في باقي فروع الفنون الابداعية ايضا، وهي المسؤولة عن غياب المواضيع التراجيدية والملحمية في ثقافة مجتمعاتنا ليس بالرسم والنحت والمعمار فقط وانما بالشعر والادب والموسيقى وغيرها

لكن هذا الواقع قد تغير بعد دخولنا عصر الاستعمار، وإدخال المستعمرين الانكليز والفرنسيين بلداننا في العصر الصناعي والتكنلوجي، وادخالهم نظام التعليم الغربي الى مجتمعاتنا، ومن هذه المدارس وتقاليدها الغربية التي درسنا بها صارت عندنا فنون تشكيلية ومسرحية وسينمائية، وعقائد ايدلوجية تعتمد على الصورة لنشر افكارها ومخاطبة جمهور المتعلمين الذين نشأوا في تلك المدارس، وبدات الصورة شيئا فشيئا تدخل آلى منازلنا وتشكل عاملا هاما في وعينا

ولكن هذا لايعني ترسخها في الوعي واللاوعي بشكل عميق نظرا لحداثتها في تفكيرنا اولا ومقاومة الأجيال القديمة ورجال الدين المتزمتين لها ثانيا

والصورة الشخصية او البورتريه كمثال سواءا بالرسم او النحت، قد غابت من ثقافتنا المحلية منذ دخول الاسلام الى مجتمعاتنا وتدميرهم للحضارات التي سبقتهم كنتيجة لكراهية هذا النوع من الفن، قد اعادها الينا والى اصولنا الاولى قبل الاسلام نظام التعليم الجديد وزاد عليها التصوير الفوتغرافي والسينمائي من معنى وشعبية، فصرنا بفضل هذا التعليم ووسائل الحداثة الاوربية التكنلوجية نحب الصور ونحب الديكور والرموز مرة اخرى وأنشأت نظم التفكير الجديد لدينا وببطئ ثقافة بصرية جديدة حاولت وتحاول رد الاعتبار الى تراث الأقدمين الأوائل مؤسسي الحضارات الاولى، وفي نفس الوقت ربطتنا بتيارات العالم الصناعي الحديث وتقاليده المتمدنة، لذلك فأصبح رسم الأشخاص او نحت اشكالهم اوتصويرهم بالكاميرات أمرا عاديا ولازما في مجتمعاتنا ولايمكن لأي قوة مهما بلغت همجيتها ورجعيتها وتخلفها من رد حركة العجلة الى الوراء

الفنون التطبيقية الحديثة

فن العصر الزراعي وفن العصر الصناعي شيئان مختلفان من حيث المبدأ، الاول تأسس قبل عشرة الاف سنة مع نهاية العصر الجليدي الاخير في الكرة الارضية، ومع بداية الثورة الزراعية التي اعقبته خلال العصر الحجري الحديث.

اما الثاني فعمره مئتين وخمسين سنة فقط ان لم يكن اقل، واختلافهما في كل شئ، بالاشكال والمضامين والرؤية الفنية للعالم والاهداف الفكرية وتقنيات الاعمال والمواد الخام وقواعد العمل وكل شئ تقريبا

الاول فن مجتمعات الفلاحين نجده في جدارية في قصر او كنيسة او مزار، او تمثال من المرمر او النحاس، او انية من الخزف، او صورة مرسومة في كتاب، او سجادة من خوص السعف او النسيج، او لوحة زيتية او مائية وغيرها العشرات، اما العمود الفقري لمضمون هذه الاعمال الفنية والاشكال الفنية التي ابتكرتها مخيلة الفنانين في كل زمان ومكان في العصر الزراعي فهي متمركزة في ايادي السلطة والاغنياء ورجال الدين، وليس في يد الفنان الفرد، بمعنى ان الفنان لايقرر موضوع ومضمون ما يبدع وينتج الا اذا وصلته المضامين والموضوعات من اصحاب السلطة او المال او الواعظين، وما عليه الا صياغة الاشكال ضمن التقاليد الموروثة جيلا بعد جيل، وهذه ظاهرة عالمية تشترك بها كل الشعوب، وهذا هو الفارق الجوهري بين الفنان في العصر الفلاحي والفن والفنان الحديث في العصر الصناعي

فالفن والفنان كما نعرف اليوم اعني في عصرنا الصناعي ومن تجربتنا في الحياة اليومية، كامن في كل نفس بشرية تولد في هذا العالم، على شكل استعداد طبيعي غريري نفسي للحس الجمالي والعاطفي نحو الاشياء والاخرين، اي ان جميع الناس يولدون فنانين، والفارق هنا هو بكمية وجود هذا الفنان في هذا الانسان او ذال وليس في النوعية، وهذه هي البذرات الاولى لكل نفس سترتقي لاحقا في الحضارة كفاعل ايجابي، وربما في مديات التاريخ الشخصي القادمة للفرد، ستندفع تلك البذرات لتصبح فنانا محترفا يرسم او ينحت او يرقص ويغني .

هذا هو الميكانيزم الطبيعي لظهور الفنان عامة وتطوره في كل واحد منا ضمن عوالم الانسان المحدودة في مجتمعات الثورات الصناعية الحديثة، وهذه ظاهرة جديدة لايزيد عمرها على القرنين من الزمان .

الديني والدنيوي

في سنة 1866 تأسست في بريطانيا الجمعية العلمانية الوطنية برئاسة جارلس برادلف عضو البرلمان عن منطقة نورثهامتن انذاك وهي اول جمعية من نوعها بالعالم على حسب علمي، وفروعها مازالت موجودة الى يومنا هذا في كل المدن الكبيرة، وقد باعت في السنين العشرين الاولى فقط بعد تأسيسها اكثر من ثلاثة ملايين نسخة من مقالات ومؤلفات اعضاءها وكلها كانت في مقاومة الدين ورجاله، ونجحت في الدعاية للعلوم والاداب والتحرر من النوازع الدينية والرقابة الاسرية القوية والتي تميز المجتمعات الزراعية والفلاحية، هذه النوازع التي اصبحت ضعيفة في المجتمعات الصناعية بفضل مثل هذه الجهود وغيرها، قارن مثلا الانهيار الكبير للقيم الاخلاقية لمجتمعات الفلاحين التقليدية كما في مجتمعاتنا بما هو حاصل في المجتمعات الحديثة وخذ الزواج في شكله التقليدي بالمجتمعات غير الصناعية مقارنة بالعلاقات المفتوحة بين الجنسين في الدول الصناعية

وهكذا ومنذ ان تأسست هذه الجمعية ونشرت افكار اعضاءها فأن العلوم الحديثة والابحاث الاكاديمية الرصينة تستخدم مصطلحات الديني والدنيوي عند الحديث عن مضمون الظواهر الاجتماعية او الثقافية او السياسية وغيرها لتفسير وقائع التاريخ والفكر وتقديم دروسها للاجيال اللاحقة .

فنحن نقول عند رؤيتنا للروائع الفنية مثلا، كالاعمال النحتية الخالدة للفنانين الاشوريين العظام فنصفها بقولنا هذه المنحوتة او تلك هي عمل فني ديني وعندما نصف لوحات الفنان من العصر الحديث نقول هذا فن دنيوي لان مضمون وغاية هذا العمل الفني او ذاك هو الذي يقرر صفته في هذه الحالة، او نقول هذه رواية دينية ولا نقول هذا فن علماني، كذلك نصف الجامع مثلا فنقول انه مكان للعبادة اي انه مبنى ديني بينما نصف الحدائق العامة بانها امكنة للراحة والترويح فهي مكان دنيوي وليست مكان علماني، وهذا يسري على الاف الامثلة المشابهة في فروع المعرفة الاخرى وبعكسه سيكون تجاهل هذا سخافة، كسخافة كتبة الاسلام السياسي فيما يقولون.

وعليه فان الواقع في بلادنا يقول بان كل ماحدث في الماضي القريب وليس البعيد للقبائل المنسية في صحاري العرب والشرق عامة من حروب ودسائس وعمالة في ظل الصراع الدولي في المئتين سنة الاخيرة منذ بداية الثورة الصناعية وعصر الاستعمار يجثم على نفوسنا الان مثل كابوس دائم لايمكن الفكاك منه، وقد نجح دجالي الاسلام السياسي بالاربعين سنة الاخيرة على وجه التحديد في توظيف الصور والرموز التي ابدعتها المخيلة الدنيوية والتي احتقرتها وحاربتها ديانتهم وازدرتها عقائدهم على مدى مئات السنين الى اسلحة دعائية فتاكة تعج بها قنواتهم التلفزيونية ومنشوراتهم الدنيئة لسحق انسانية مابقي لنا من انسانية وتكريس الجهل والتخلف في مجتمعاتنا.

 

mohamad albandoriلقد تميزت التجربة الشعرية العربية القديمة بخصائص حملت طبيعة إنشادية في المرحلة الشفوية واتسمت بمظاهر مختلفة في مرحلة الكتابة والتدوين، حيث لعب الخط العربي خلالها دورا فاعليا. لكن بالنظر إلى خصوصية التجربة الشعرية الحديثة في ارتباطها بالخـط العربي، فإن هناك مفـارقة كبيرة، حيث استجابت هذه الأخيرة لتحولات فكرية وثقافية وظهرية بصرية انعكست على الشعر الذي أصبح الشكل البصري أحد مقوماته. فقد تلاحم جمال الخط وأناقته وتشكيلاته بجمال الشعر وعذوبته ف:" للألفاظ دلالات صوتيـة.. ولا يقارب وضوح مـدلولاتها في الأدب إلا وضوح الشـكل والرسم."[1] يقول العمري حول النظرية البصرية:" وهي تتجلى في ثلاثة مظاهر: خطي ولوني وتشكيلي، فالمظهر الخطي، وهو أكثر ميلا إلى اللسـانيات يرى في الحروف صورة لمعاني الكلمات."[2]

وقد ترتب عن هذا المظهر ما اصطلح عليه بالتجربة الكاليغرافية خصوصا المغربية منها للشعراء المغاربة في فترة السبعينات من القرن العشرين مع كل من: بنسالم حميش ومحمد بنيس وعبد الله راجع واحمد بلبداوي ومحمد الماكري، مستغلين:" غنى الأشكال الفنية للحروف في دوراناتها واستقامتها وميلانها وبداياتـها ونهاياتها وايقاعاتها."[3] وهكذا تكون الخطـوط بجماليتها قد:" استرعت بحروفها المتعددة أنظار الشعراء."[4] حيث تم إبداع قصـيدة مغايرة بتوظيف البعد الجمالي للدليل الخطي ومخاطبة عين القارئ بدل سمعه. وهذا طبيعي بالنسبة لمجال الشعر باعتباره يستوعب كل الفنون يقول ميشال عاصي:" لأن الشعر بالإضافة إلى مادة الفن الأدبي، وهي ألفاظ اللغة، يشتمل على مواد سائر الفنون الجميلة الباقية.. ومع تزاوج الحروف والألفاظ.. والشعر بوجه مخصوص يستأثر بميزات الفنون الجميلة كلها."[5]

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الخط العربي في جمالية النص الشعري لدى النقاد المحدثين. فنظرا لغنى الخط العربي وتفوقه بأبعاده الرمزية والايحائية المتنوعة، وجد فيه الشعراء والفنانون مادة طيعة لنقل مشاعرهم وتوصيل معانيهم، وذلك لأن :" للحروف قيمة رمزية يؤدي اكتشافها إلى استجلاء جملة من الحقائق الأخرى."[6] مما عمق من صيغ الجـمال التي رافقت الخط العربي وألبسته اهتمام جميع الشرائح المثقفـة منذ بداياته الأولى وطيلة مسيرته الطويلة بين حقـول معرفية ومجالات فنية مختلفة، وقد أدرك الشعر المغربي المعاصر دور الخط العربي في إضفاء الجماليات[7] على بنياته، فاعتمد الشعراء على هذا الخـط اعتمادا كبيرا قياسا بانفتاحه ورمزيته. واعتماد الشعراء على أبعاده الجمالية والرمزيـة تغني من دلالات القصيدة فقد:" صار يثير انتباه الكتاب والشعـراء على السواء، وذلك علامة على أن الحـرف بدأ يحتل مكانة في البصـر الى جانب مكانة الصوت في السمع، وينحت له صورة في الخيال إلى جانب الصورة الصوتية للمسموع."[8]

إن فطنة البعض لأهمية الخط العربي والكتابة في جمالية النص الشعري كان نتيجة ما تتيحه من:" إمكانيات كبيرة قد لا تتيحها الشفوية."[9] فهي مثلا:" تقوي احتمالات اللعب بعناصر اللغة، اللعب بالحروف مثلا."[10]   ولا شك أن الوظيفة البصرية وبنية المكان كان لهما محل في البناء الخطي حيث ساهم الخطاطون العرب ببراعتهم في هذا المجال الى حد جعل كل دارسي الخط العربي من العرب والأجانب يجمعون على أن الفنان العربي قد جعل للكلمة وظيفة جمالية بصرية الى جانب وظيفتها السمعية. وتفاعل المثقفون والنقـاد العرب المحدثون مع جمالية الخط العربي وبنياته ومكوناته، فأولوا أهمية للحـرف العربي الذي هو حسب عمران القيسي:" إحدى أهم الظواهر الحضارية، وقد رافق في تطوره الجمالي تطور حضارة أمة بأكملها."[11]

فهو :" الفن الجميل الذي توج الحضارة العربية والحضارات الاسلامية الأخرى، وهو يختلف عن الخطوط الأخرى ويمتاز عنها في تجاوزه لمهمته الأولى وهي نقل المعنى، إلى مهمة جمالية أصبحت غاية بذاتها."[12] وبذلك فقد شكل عمودا أسـاسيا يتجاوز الصيغ المألوفة، بعد توظيفه جماليا وبشكل مغاير في القصائد الشعرية التي اصبحت تخاطب عين المتلقي أولا من خلال بسط التشكيلات الخطية ومزجها باللغة. في إطار ما يسمى بالشعر البصري أو الفضائي، وهذا النمط يتجلى واضحا وبالأساس في الشعر المغربي الحديث. ولعل محمد بنيس أول من أومأ إلى هذا الموضوع من خلال دعوته أولا الى الاهتمام ببنية المكان:" لم يتطرق النقاد لبنية المكان في المتن الشعـري المعاصر، وعدم احتفالهم بهذا المجال البصـري يعبر بوضوح عن تحكم التصور التقليدي في قراءة النص الشعري."[13] علما ان النقاد العرب القدامى خصوصا :" المتأخرين منهم قد انتبهوا لأهمية المكان في تشكيل النص الشعري، ونجد النقاد المغاربة والأندلسيين يفطنون لهذا المجال ويدخلونه ضمن أبواب البديع."[14] واحتل الخط العربي مكانة لائقة ونال أهمية في هذا المجال، فمن خلال :" الكتاب النقدي: الوافي في نظم القوافي للناقد الشاعر أبي الطيب صالح بن شريف الرندي[15] صاحب النونيـة الشهيرة الذي اشتهر بمثل هذا الاهتمام حيث أورد لنفسه قصـيدة على شكل خاتـم في الباب السابع والثلاثين من أبواب البديع."[16] يشكل فيها الخـط المغربي المبسوط والخط المغربي الأندلسي قاعدة التشكيل. يقول محمد بنيس :" فقد انتبه بعض النقـاد العرب القدمـاء وخاصة المتأخرين منهم لأهميـة المكان في تشكـيل النص الشعري، ونجد النقاد المغاربة والأندلسيين يفطنون لهذا المجال ويدخلونه ضمن أبواب البديـع من القرنين السادس والسابع."[17] وممن :" اشتهر من المغاربة والأندلسيـين الشاعر احمد بن محمد البلوي القضاعي الذي له أشعـار مكتوبة على شكـــل مربعات ."[18]

وبخصوص القرنين السادس والسابع فإن:" تشكيل المكان بالنسبة للقصيدة المتساوية الشطرين أو الموشح قد احتل عناية كبرى لدى النقاد والشعراء معا، ومن تم ظهرت ـبعض التشكيلات المكانية للنص الشعري."[19]

   وبخصوص الاهتمام بالجانب البصري في التراث الشعري العربي القديم يقول محمد بنيس إنه :" تجلى بوضوح لدى الخطاطـين الذين كانوا يفتنون في تخطـيط القصائد والدواوين، وبالأخص عند أولئك الذين لهم ولع بالخط كفن وكعنصر أساسي من عناصر التشكـيل العربي الاسلامي."[20] فأولئك :" الخالقـون لرافد من روافد التشكيل العربي الإسلامي هم الذين انتبهوا أكثر من غيرهم لخاصية المكان في النص الشعري."[21] يقول عفيف البهنسي:" فالخطاط العربي قد نجح منذ القديم في تحريك مساحات الأبيض والأسود، مستغلا شموخ الحرف العربي وقوته، ونجـد ليوناردو دافنتشي أحد رواد النهضة بأوربا يقدم نصائحه لتلاميذه والتي لازال معمولا بها حتى الآن يقول: إن الألوان تبدو أكثر وضوحا إذا وضعت أضدادها.. فاللون الأبيض يبدو أكثر ضياء من الأسود."[22] علما بأن:" الخـط واللون هما جوهر الفن."[23] ولتجاوز بنية الزمان المتحكمة في الشعرية العربية إلى بنية المكان، يرى محمد بنيس لزومية عنصرين أساسيين، يتمثل الأول في لعبة الأبيض والأسود حيث :" تعيش النصوص صراعا بين الخـط والفراغ أو بين الأسود والأبيض."[24] ويبقى :" الإيقاع في لعبة الفراغ من أهم ميزات فن الخـط العربي. ولأن العلاقة بين النص الخـطي والنص الخطابي علاقة عضوية، فإن موسيقى اللغة العربية تتجلى في صيغ الخط، مما يجعلنا نسمع هذه الموسيقى من خلال جمالية الشكل الخطي."[25] بينما يتمثل العنصر الثاني في دعوته الملحة إلى تجاوز الخط المطبعي[26] لأنه:" عادة ما يلغي النص كجسد، حروف باردة تسقط على الأوراق البياض، يتحكم فيها سفر من اليمين إلى اليسار يختزن النص في معنى والمعنى في كلام، يمحو نشوة القراءة[27] وتعدد الدلالة."[28]

 

د. محمد البندوري

.......................

[1] الفن والأدب ميشال عاصي مؤسسة نوفل بيروت الطبعة الثالثة 1980م

[2] تحليل الخطاب الشعري العمري ص 223

[3] الحرف العربي د عبد الغني النبوي الشال مجلة الفن التشكيلي العدد الأول محرم 1418هـ ص 24

[4] الحرف العربي عبد الغني النبوي الشال مجلة الفن التشكيلي ص24

[5] الفن والأدب ميشال عاصي مؤسسة نوفل بيروت لبنان الطبعة الثالثة 1980 ص47

[6] الحروف العربية من التصوف الى التشكيل عمران القيسي مجلة الفكر العربي العدد 15 يونيو 1980 ص 173

[7] يقول ميشال عاصي: ينبغي اعتبار الأعمال الجمالية في دائرة السمع والبصر( الفن والأدب ميشال عاصي ص 49)

[8] تحليل الخطاب الشعري العمري ص 207

[9] نفسه، 204

[10] نفسه، 204

الحروفية العربية من التصوف الى التشكيل ص 184 [11]

[12] علم الخط والرسوم عفيف البهنسي دار الشرق للنشر مطبعة العجلوني دمشق الطبعة الاولى 1425هـ 2004م ص24

[13] ظاهرة الشعر العربي المعاصر في المغرب محمد بنيس ص95

[14] ظاهرة الشعر العربي المعاصر ص 95

15هو صالح بن أبي الحسن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم علي بن شريف يكنى بأبي الطيب وأبي البقاء، كان فقيها حافظا متفننا في النظم والنثر وله مقامات ومختصر في الفرائض وكتاب الوافي في نظم القوافي (الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي المجلد الرابع القسم الثاني تحقيق إحسان عباس دار الثقافة بيروت ص 136 .

[16] ظاهرة الشعر العربي المعاصر ص 96

[17] ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب محمد بنيس ص95

   [18] نفسه، ص 95

[19] نفسه، ص 98

[20] نفسه، ص 98

[21] نفسه، ص98

[22] علم الجمال عند أبي حيان التوحيدي عفيف البهنسي بغداد 1980 ص 175

23 عصر الصورة السلبيات والايجابيات شاكر عبد الحميد عالم المعرفة سلسلة كتب ثقافية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت يناير 2004 ص 252

[24] ظاهرة الشعر العربي ص101

[25] علم الخط والرسوم عفيف البهنسي دار الشرق للنشر مطبعة العجلوني دمشق الطبعة الاولى 1425هـ 2004م ص30

26 يقول محمد بنيس: إن القصيدة التي نقرأها على صفحة جريدة أو مجلة أو كتاب عادة ما تتعرض لتحريف خارج عن إرادة الشاعر، يتمثل في حذف أو زيادة أو تغيير حرف من الحروف (ظاهرة الشعر المعاصر ص 194)

27 أورد محمد بنيس نماذج من الخطأ المطبعي الذي يغير دلالة النص ويصعب قراءته مما يحد من نشوة القراءة: فقد أورد على سبيل المثال نموذج احمد صبري: عريت في سد الجمارك اللصوص – الباحثين عن الحقيقة في العيون وفي الجيوب- عريت (البياض) لسد العريض- (بياض) اشتريت الريح عانقت الهواء- لما (بياض) بادر في النهار. يقول محمد بنيس فالبياض يتكرر أكثر من مرة. وفي النموذج الثاني لمحمد الخمار الكنوني: أثمرت من حدود المحيط إلى النهر كالحقول – فارتفعت لعة ولعات تزول – حينما أزهرت لم تكن لغة البيع والغين قد بدأت – لم تكن كلمات السماسرة ارتفعت- انما عبرت لغة هي بين الغناء وبين الهذهول. يقول محمد بنيس: نجد حذف نقط الحروف بالإضافة إلى زيادة الهاء بين اللام والذال ( ظاهرة الشعر المعاصر محمد بنيس ص 195)

[28] بيان الكتابة ص 46 و47

 

 

استطاع مجموعة من الصحفيين اليوم رؤية، الزيارة، لوحة التي رسمها اليوناني (1541-1614) للمصلى المؤسس من قبل ايزابيل اوباية في كنيسة طليطلة. لم يستطع الخبراء لحد الان الاقتراب من الزيت من اللوحة لمسافة متر او 80 سم، والتي تٌظهر زيارة مريم العذراء من إبن عمها القديسة أيزابيل، أمرأتان بالزي التقليدي ذو اللون الازرق وتحيي كلاهما عند الباب. منذ احتفال عام 2014 علم اليوناني بوجود قطعة القماش، لكان مكانها كام غامضاً، ولا يزال. ولا حتى اصالتها مضمونة 100%، بسبب عدم تخويل صاحبها للاختبار الكيميائية والاشعاعية.

1572 aydaaاظهارها متحف اليوناني في طليطلة هذا الصباح، ومديرها خوان انطونيو غارثيا كاسترو، كان مقتنعاً بأصالتها بالرغم أصر على اهمية اجراء هذه الاختبارات. وأكد انه من "الممكن" ان تكون اليوناني. لحد الأن توجد أدلة وثائقية، العقد الذي تكفله الرسام وثلاثة اخرون، القديس بدرو، والقديس الدوفونسو، والطاهرة، كلهم في مصلى اوباية لكنيسة الشهيد القديس فيسنتة. فضلاً عن انها تحتوي على مطالبة ابن الرسام بالاعمال التي يتعين دفعها.

عرفت مؤرخة الفن ماريا دلمار دوفال باعلان خاص عن وجود هذه القطعة عام 2014. هي رأته في نفس المنزل في طليطلة منذ حوال أكثر من 20 عاماً. اللوحة بحالة ممتازة جدً، لم تنقل كثيراً ولم تتأثر بالتقلبات. ألونها تلمع وأثار المعلم لا تقبل الجدل، بالنسبة لدوفال. ذكرت ملامح لباس المرأتين التي لا تنصهر مع الخلفية، "اليوناني"، رأس الشخصين، وقرط العذراء، وبعض التفصلات.

أقترح مدير المتحف على المالك أجراء بقية الاختبارات. وأكد بما تنفع لوحة كهذه اذا جُهلت اصالتها؟ بينما بقت اللوحة معروضة اشهر عدة، واحدة من القلائل التي لم تحدد، على انظار الخبراء. "هناك امكانيات كبيرة ان تكون اصلية" هذا ما أكده غارثيا كاسترو، الذي وضع فاتورته ابتداً من 1608. توفي اليوناني عام 1614.

 

مقالة كارمن موران في صحيفة البايس الاسبانية.

ترجمة المترجم الاقدم: عائدة هاشم يوسف

 

mohamad albandoriلا شك أن التفكير النقدي المغربي قد مر بمراحل توجت بوجود الوعي بالقيم الجمالية للخط وإنشاء بلاغة خطية مغربية. بل إن الخط المغربي أضحى أحد العلوم البلاغية في النصوص الجمالية في اتصال بكل الأساليب والوسائل التي أسهمت في نشوء ظاهرة البلاغة الخطية على نحو تتم به عملية الإدراك والتبين والفهم والقراءة. فكما ظهر البديع الذي ارتبط بالتحول الحضاري والتحول في عقلية الإنسان المغربي حيث ظهرت الخصائص الفنية في التعبير(البديع)، ظهر كذلك البديع في رسم الخط، وظهر ما اصطلح عليه آنفا: التشكيلات البديعية، التي دلت على التجديد في التعبير بطرق مختلفة من التزيين، في نطاق التوافق بين جماليات الخط وبواطن النصوص. فأصبح الرسم والخط العربي مبنيان بواسطة العلامات اللغوية الخطية.  فمع التمكن من التجويد الخطي، بدأ التكلف في التشكيل، وإدخال مختلف الزخارف والصور التي تحاكي الطبيعة في الخط، ولم يقتصر ذلك على الكتابة الخطية والزخرفية فحسب، بل تعداها إلى إنتاج معاني جديدة.

ويتبدى أن إطلاق العنان للتشكيل الخطي بالمغرب قد أدى إلى إنتاج علامات تماثلية، فتبدت عناصر الجمال في الحرف نفسه وفي الصورة الخطية جلية، مما أتاح فرصا كثيرة في تأويل رسم الحرف والتعدد في المعاني، وفي تأويل التشكيلات الخطية، حيث يمكن للحرف الواحد كما للصورة الخطية الواحدة أن ينتجا معاني كثيرة في آن واحد، كما أصبح الحرف الواحــد الذي يختلف في رسمه من رسم إلى آخر يشكل خزانا بصريا يمكن قراءته عبر نظام العلاقات البصرية وحدها وعبر نظام خطي يشكل بؤرة للجمال تتبدى أبعاده في كل حرف وفي كل كلمة وفي كل جملة وفي كل نص.

إن خصوصية العمل الفني للخط المغربي قد اقتضت ربط الصلة بين الخط والخطاب البلاغي نظريا وتطبيقيا، وذلك بما يجعله تأملا في الخط والفكر، فخصوصية العمل الحروفي وطبيعة الصورة الخطية تبين أن الخط صورة جمالية بالشكل الذي يوضع عليه رسم الحرف، وأن ذلك الرسم الذي يكون عليه الحرف هو في المقام البليغ إبداع ذهني يخضع للتطور المنهجي والفكري والحضاري في المنظومة الحروفية والنقدية، باعتبار أن الناقد هو المعني الرئيسي بعملية وضع رسم الحرف وإدراك خبايا شكل رسم الحرف برؤية عالمة وخبرة عارفة بحيثيات الحروف والخط، مع مراعاة الوصل في العملية الإبداعية للحرف على المستوى الثقافي والفني، بربطه بالقضايا المعرفية وقيمتها الفكرية. ذلك أن هذا الحرف قد احتاج إلى كيفية صناعة المفاهيم الفنية والجمالية، خصوصا وأنه يخترق كل المعارف. فإدراك ذلك هو إدراك شمولي للحرف في نطاق الوعي بالقيمة الخطية والقيم البلاغية، وفي نطاق معرفة علمية بشكله الذي يختزل العمل الفني والتشكيل الجمالي. ومن واجب العلماء إمداد المنظومة الحروفية بنظريات جديدة من خلال مجالهم التداولي للمحتويات الجمالية للحرف وذلك لوضع أسمى الجماليات الحرفية وإبداع معرفة تحيط بالحرف من كل الجوانب. وهو ما تأتى في المشهد الثقافي المغربي في مراحل من تاريخ المغرب العريق.

 

د. محمد البندوري

 

 

khadom shamhod2افتتح المعرض العالمي Arco آركو يوم 21 /2/ 2018 في العاصمة الاسبانية مدريد بحضور 211 كالري من 29 دولة اجنبية غالبتها من امريكا الجنوبية .. يضاف الى ذلك حضور اعداد كبيرة من تجار اللوحات ومقتنيها والمؤسسات والمتاحف الفنية وقد افتتحه الملك الاسباني فيليب السادس ..

شئ من التاريخ:

الملاحظ والظاهر للعيان في هذا المهرجان العالمي الفني هو كثرة وجود اللوحات الفارغة بكل انواعها واحجامها وكأنها تعلن افلاسها الفكري والتقنوي؟ . واحب ان استعرض شئ من التاريخ والآراء حول هذه الظاهرة .. اعتقد ان الكثير من المثقفين قرأوا عن نظرية المفكر الانكليزي توينبي Toynbee 1882 – التحدي والاستجابة – وهو يشرح عن موت الحضارات ونشأتها من جديد ب 12 مجلد . ويقول ان الحضارات تقوم وتصعد استجابة لتحديات سواء كانت مادية او اجتماعية، فعندما تصل الى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تواجهها فانها تدخل في مرحلة الانهيار .. ابن خلدون ايضا تطرق الى انهيار الدولة وتفككها وعدد اسباب ذلك منها مرحلة الفراغ والدعة والبحث عن الثروة والمال ..؟؟؟؟؟

كما اشار الفيلسوف هيجل 1770 عن موت الفن بعدما انتشرت نظرية ديكارت العقلية والتي ادت الى نفي حضور العناصر الحسية لصالح التفكير المنطقي .. ولكن المفكر الايطالي- فيكو 1744– تصدى لنظرية ديكارت وانقذ الفن من الهجمة الديكارتية .

و هناك آراء كثيرة قديمة تعود للفلاسفة الاغريق على ان الفن وكل الاشياء الموجودة في الحياة ما هي الا صورة خيالية مستنسخة لاخرى حقيقية موجودة في عالم المثل . وكذلك نجد عند الفلاسفة المسلمين نفس المفهوم مثل ابن عربي والغزالي وغيرهم حيث يذكرون ان الصورة الظاهرة ما هي الا انعكاس لصورة اخرى باطنة اعمق واكثر حقيقة ... وهذا ما توجهت اليه بعض المدارس الفنية الحديثة حيث ركزت على المفاهيم المعنوية وجعلت الوسائل المادية للفن في خدمتها .

موت الفن:

ذكر المفكر ارثر دانتو ان الفن بوصفه فكرة مطلقة لم يمت او اشرف على نهايته انما الذي اشرف على نهايته هو تاريخ الفن الغربي يعني ان الاساليب والمدارس والنظريات الجمالية والفلسفية وغيرها هي التي تشرف على نهايتها في وقت من الاوقات وتموت، وان الفن يبقى يعيش بصيغ واشكال جديدة ... الفن هو مشروع حضاري مثله كمثل العلم، وخلال تاريخه الطويل مر بمراحل موت ثم احياء، ولهذا يسمى احيانا عصر النهضة في اوربا (بعصر الاحياء) اي احياء الفن الاغريقي والروماني والعودة الى التراث . الحضارة ليست امرا ماديا حتى يتعلق بارض او تراب بل هي خليط من الابداعات الفنية والثقافية .. فالامم تموت والاراضي تزداد جدبا، ولكن الحضارة تهاجر من اصحابها وتبحث لها عن وطن آخر جديد .. نحن اليوم نقرأ لشعراء وفلاسفة الاغريق والعرب وهي امم قد ماتت وانقرضت . وهذا البقاء للافكار والعقول المبدعة هو اكثر انواع الخلود حقيقة وخيرا ..

في نهاية القرن التاسع عشر اشرفت المدارس الكلاسيكية الفنية ونظريات علم الجمال على نهايتها بظهور المدرسة الانطباعية واختراع الكامرة والرسوم المتحركة ونظرية علم النفس لفرويد وغيرها، فاعطت نتائج مذهلة وابهرت العالم وغيرت اذواق الناس ... ولهذا كان على الفن التشكيلي ان يبحث عن طرق جديدة يواكب بها التطور . وقد بذلت جهود كبيرة وشجاعة- وتحدي واستجابة - من قبل عدد من طلائع الفنانين الشباب في بداية القرن العشرين لوضع تعريف جديد للفن ومعانيه وتفسير فلسفة علم الجمال من جديد ..

منذ عقد الستينات والسبعينات يعتقد الكثير من النقاد ان الفن الحديث اخذ له طريق فلسفي مفاهيمي وصوفي كما هو عند الفنان الاسباني تابيس 1923 والامريكي جوزيف كوزوت 1945 وكتابه – الفن وراء الفلسفة - فعندما اكتشف الفن انه وصل الى نهاية دراسته وتحقيقاته اخذ يكرر مفرداته ومفاهيمه وبالتالي وصل الى نهايته او اشرف على نهايته . نعم قد تغيرت الادوات والتقنيات ودخلت التكنوجيا في الفن ولكن لم يحدث تطور؟؟؟ . مثلا ان الانقلاب الذي حدث من المفاهيم الكلاسيكية ونظرياتها القديمة الى مفاهيم الفن الحديث ومدارسه ونظرياته الجديدة، هذا يعتبرنوع من التطور ..

ظاهرة اللوحة الفارغة:

ظهرت جماعة في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر اطلق عليها اسم جماعة - عدم التناسق – Incoherencia وكان من ابرز هذه الجماعة هو Alphonse Allais حيث اقامت اول معرض لها عام 1883 تحت عنوان –معرض رسم للذين لا يعرفون الرسم – وكانت عبارة عن لوحات فارغة على الاطلاق اتخذوها للسخرية والضحك والتهكم على الذوق الفني في ذلك الوقت .

وفي بداية القرن العشرين ظهر الفنان Malevich وانظم عام 1913 الى مدرسة ماتيس الوحشية . ففي عام 1918 عرض لوحة بيضاء فارغة تماما اطلق عليها اسم – مربع ابيض على خلفية بيضاء – ثم جاء من بعده الفنان الامريكي Robert Rauschenberg 1925 حيث رسم لوحات فارغة وعرضها حوالي عام 1953 وقد احدثت ضجة وسخرية في نيويورك، ثم غادر هذا الاسلوب وتحول الى البوب آرت . بعد ذلك ظهر في عقد السبعينات الفنان William Turnbull 1922 - ومارس رسم اللوحات الفارغة وكانت احد لوحاته البيضاء قد بيعت ب 3000 ليبراس ... وفي عقود ال 50 و60 كانت نيويورك تعج برسامي اللوحات الفارغة ...

اليوم ليس غريبا ان نجد لوحات فنية فارغة معروضة في متحف او كالري او مهرجانات عالمية . ولكن السؤال الذي يراود الكثير من الناس وخاصة الفنانين هو: ماهو الدافع الذي يحمل الفنان الى رسم هذا اللون من الاعمال الفارغة؟؟؟ وما هو المبرر ان يدفع بعض تجار الفن مبالغ طائلة لاعمال بيضاء فارغة لا تقول شيئا؟؟؟ .. هل ان عالم الفن مجنون؟؟ او ان المشاهد لا يحمل القدر الكافي من الاحساس والمشاعر لفهم وتذوق هذا النوع من الفن؟؟؟.   قرأت نقد لهذا الموضوع في احد الصحف الاسبانية لاحد الفنانين الاسبان يقول كلما ادخل متحف او كالري وارى لوحة فارغة، اضع يدي على وجهي وابدأ بالبكاء نتيجة لهذه الهلوسات والافكار الفارغة والسخرية والتهكم على الناس والفن وعدم احترامه؟؟؟...

 لكن ربما هناك مبررات وتفسيرات لهذه الظاهرة وهي اعتقد ان التجريد وصل الى اقصى ما يمكن، فبدلا من ان يرسم لوحة ذات سطوح والوان متعددة، يأخذ جزء و يرسم لوحة بسطح واحد و لون واحد ..؟؟ وايضا يمكن ان نفسر ذلك حسب نظرية – الكم – للفنان العراقي محمود صبري، و- ال كم - هي مختصر الكيمياء حيث ان كل الاشياء المادية الموجودة في الحياة من ناحية علمية تتكون من ذرات متحركة فالسطح والخط والنقطة واللون والقماش والخشب وغيرها هي عناصر حية متحركة . وقد سبق وان كتبنا عن هذا الموضوع بشكل واسع ونشر قبل عدة سنوات . .. ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

mohamad albandoriلقد شكل الخط العربي في المشرق والمغرب وسيلة هامة لتحقيق التواصل ونقل المعارف، وقد اتخذ مسارا جماليا من خلال أسلوبه الفني الذي يقوم على التحاور بين اللون والخط والرمز، الذي يحفظ للأشكال بنائيتها، ويطوع جوهر الشكل لديها، ويتجه إلى شحن المفردات بتعبيرات متنوعة ودلالات متعددة عن طريق تحوير الوحدات التشكيلية واستدماجها في نسق جمالي، انطباعي أحيانا وعلمي ومنطقي أحيانا أخرى في مدركاته البصرية، يستند إليه شكل الحرف لخدمة الشكل الجمالي، فهو يروم جماليا وبلاغيا مختلف القيم البصرية التي تعتمد جمالية الأشكال الخطية، استنادا إلى الحقيقة التواصلية للخط، والحقيقة الجمالية للأشكال الخطية التي تستبطن تفاعلات ضمنية بالاسترسالات والمقوسات والمنحنيات وغيرها، مما يعني أن التفاعلات الضمنية مع أشكال الحروف مفردة ومركبة ومع الأشكال الخطية هي السبيل القويم لفهم الحقائق الجمالية والتصورية وإدراكها، حتى تبزغ واضحة المعالم.

إن التراث العربي الإسلامي يزخر بالقيم الخطية التي تتحقق في مدار الدلالة، على المستوى الجمالي والمعرفي والبلاغي، عن طريق العناصر الخطية والمفردات الفنية التي تؤدي إلى جانب وظيفتها في البناء الخطي أدوارا أخرى أجدى وذات أهمية قصوى، في ارتباط وثيـق مع كل سياقات التفاعل بينها وبين القارئ في نطاق تواصلي صرف. والخط العربي في هذا المعنى أداة جمالية للوصل تروم وسيلة بلاغية لها دلالاتها في سياقـات مختلفة بحسب الأجناس الأدبية والفكرية والفنية المتعددة. وقد لعب النقاد العرب المشارقة القدامى دورا محوريا في كل تلك العمليات التي قامت بتوجيه جمالية الخط نحو التواصل والتطور وارتياد عوالم إبداعية جديدة. لقد خلفت جهود العلماء والمثقفين والنقاد أثرا كبيرا في سلك الخط العربي منحى جماليا وبلاغيا، وشكل نقطة إيجابية في مسيرته نحو ارتياد عوالم جديدة أصبح لها أثر على النصوص الشعرية والنثرية وعلى كل الوسائل العمرانية العربية الإسلامية.

لقد أحس النقاد بجمال الخط في النصوص، وأدركوا خصائص لغة الخط، وذلك نتيجة تفاعلهم مع فن الخط ورصد جمالياته. فجماليات الخط لها جهازها المفاهيمي الذي منه تتشكل الرؤية النقدية والبلاغية.

ولا شك أن التحول الحضاري والثقافي والاجتمـاعي والاقتصـادي للأمة الإسلامية قد ساهم في العملية الإبداعية وما رافقها من طموح لتغيير مسار الخط العربي والتفنن فيه وتنويعه، كمــا أن "اضطلاع العرب بالعلوم الرياضية والهندسيــــــة"  ساهم في صنع أنـــواع جديدة بآليات جديدة وتقنيات جديدة حيث تعددت الأقلام وتنوعت الخطوط والكيفيات والتصورات والأفكار، وتمهدت الطريق للإبداع والابتكار بالصورة التي توصل إلى الهدف من العمل الخطي بما يشتمل عليه من عناصر تؤثث لكل مناحي الجمال وإنتاج الدلالات؛ فكان من الضروري تشييد معلمات فنية لصناعة الخط، لتحديد القيم الجمالية في التشكيل؛ لتوصيل كلام الله عز وجل في أحلى صورة مكتوبة وأجمل حلة يكون فيها كتاب الله المقدس؛ ولوشم المعالم الحضارية بالطابع العربي الإسلامي، خصوصا مع التقدم الفني والحضاري. فظل تأثير القرآن الكريم في بلاغة الخط جليا، حيث يظهر أن الأساليب الخطية وما صاحبها من تشكيلات جمالية قد نشأت في أحضان الآيات القرآنية الكريمة، ومنها استمد المبدعون الأبعاد الجمالية للخط الذي ساهم فيما بعد في وجوده البلاغي.

فإذا كان تأثير القرآن الكريم بما اشتمل عليه من نسق فني جميل قد ملك سمع الناس وقلوبهم، اعتبارا للإحساس بالأثر النفسي للقرآن الكريم، فإن علماء الخط قد جعلوا من كتابة الآيات القرآنية – عن وعي أو عن غير وعي- سحرا بصريا يليق بالسحر البياني في نطاق إدراك العلاقة بين السحر البياني والسحر الخطي وما يخلفه من أثر نفسي.

ولذلك فقد اجتهد العلماء في بلورة بلاغة خطية من خلال حاضرة علماء الخط وحاضرة الخطاطين وحاضرة النساخين ووضع معالم التقعيد والتحديد والتركيب والترميز والتدليل في نطاق نسق خطي بلاغي.

 

د. محمد البندوري

 

 

khadom shamhod2يبدو ان كل شئ جديد هو في حقيقته امتداد لفكر قديم قد طرح منذ عدة قرون او آلاف السنين غير ان ادوات ووسائل تلك العصور لازالت قاصرة او غير متوفرة لتحقيق تلك الاحلام والافكار والعلوم، مثل فكرة الطيران التي طرحها العالم الاندلسي عباس بن فرناس في بداية القرن التاسع وتحققت عمليا بعد مرور 1200 سنة.. جماعة الانبياء هي عبارة عن مجموعة من الفنانين الشباب الذين اتخذوا الفكر المفاهيمي والصوفي مذهبا لهم، وظهرت في فرنسا حوالي عام 1892 . هؤلاء كانوا قد درسوا علم اللاهوت الشرقي من الديانة المسيحية واليهودية والفارسية والاسلامية وغيرها .. وارادوا ان يعيدوا الدين المسيحي الى اصوله الوحدانية الروحية، فعاشوا جميع الطقوس وجميع الثقافات والعقائد والتي اصبحت واضحة في اذهانهم، بعدما اعادوا قرأة التلمود والانجيل والقرآن وتعلموا اللغة العربية والعبرية ... وعاشوا الفكر الصوفي الوحداني العربي والذي يقوم على الزهد وتعري الانسان من الوجود المادي والاتصال بالمطلق عن طريق الرياضة الروحية التي هي عند الصوفية من المبادئ الاساسية، والتحرر من الشهوات الجسدية المادية، واتحاد النفس بالله اتحادا تاما ... (انا الحق .. /ابن عربي). وكان الطريق الى الباطن هو المسلك الصحيح للوصول الى المطلق .

هؤلاء كانوا يجتمعون في اماكن سرية ويرتدون الملابس العربية الشرقية ويتكلمون بالفاظ وكلمات ورموز عربية ويمارسون الطرق الصوفية (التي فيها احيانا نوع من الهلوسة)، كما هو معروف عند الجماعات الصوفية المنتشرة في عالمنا الاسلامي مثل مصر ودول شمال افريقيا وغيرها. وكان مؤسس هذه الجماعة بول سيروزيه واصدقائه اميل برنار، موريس دوني، وبيير بونارد، و قد زاروا الدول العربية في بداية القرن العشرين مثل مصر والجزائر وتونس وفلسطين .. وكانت دهشتهم لا توصف حيث كان حلم يراودهم طيلة حياتهم وقد تحقق . وها هم في الارض المقدسة ومهبط الكتب السماوية و ناسها وتقاليدها وثقافاتها وصوفيتها وحيث الجمال والالوان الحارة والشمس الساطعة والناس وطيبهم العريق .. وكانت هذه الجماعة واحدة من المدارس الغربية التي جذبها حب الشرق وفنونه و ثقافاته، وبعدها ظهرت المدرسة الوحشية التي سلكت باسلوبها الفنون الاسلامية .

اسلوبهم وتقنياتهم الفنية:

كان الانبياء قد اتخذوا طريقة الفنان كوكان منطلقا لاساليبهم وتقنياتهم وفلسفتهم المفاهيمية من ناحية التبسيط والاختزال والتسطيح والالوان الحارة والمباشرة . والقصة معروفة بين كوكان وسيروزيه، عندما علمه الرسم حيث خاطب كوكان سيروزيه كيف ترى لون الشجرة قال سيروزيه : اصفر، حسنا ضع ابهى اصفر لديك . وكيف ترى لون الارض قال: حمراء، اذن ضع اجمل احمر لديك ..

.. كما اتخذوا البسط والزخارف الاسلامية عناصر تشكيلية في بناء اللوحة، يضاف الى ذلك ادخلوا بعض الرموز مثل الحروف العربية، وحتى ان البعض منهم كان يوقع على اللوحة بحروف عربية .. كما استخدموا مدلولات الارقام ورموزها . فالرقم واحد يتضمن جميع الارقام، ورقم اثنين يمثل الصراع بين مبدأين، والرقم ثلاث يعني الثالوث ويعني ايضا الله، وله اهمية كبيرة في الرسم حيث يشكل مساحة تشكيلية بارزة وجميلة وراسخة، وغير ذلك من الارقام ومعانيها ..

و قد ذكر فيثاغورس ان كل شئ في الحياة مرتبط بالارقام . وقال جاليلو : ان الطبيعة كتاب مكتوب بلغة الارقام .. ويقول احد العلماء- ان الانسان رقم وحرف - والدلائل موجودة في القرآن والعلم وغيره . ولهذا اتخذ هؤلاء مصطلحات رمزية وغامضة صوفية المنحى . وقال احد النقاد وهو كاسو بان هؤلاء كان لهم وضوح في الاتجاه الفكري والرمزي . (الاندفاع الذي يودي بالفكر الى الاستغناء عن كل صنعة وتعقيد، والعودة الى الحالة البكر القديمة)

هؤلاء الانبياء يذكروننا بجماعة اخوان الصفا السرية الذين جمعوا بين الفكر والعقل والتصوف

والنسك والفلسفة . وقد بحثوا في فلسفة الارقام والحروف ومعانيها ومدلولاتها، وبقوا قرونا عديدة لم يعرف احد عن اسمائهم واصولهم، وقد تخلوا عن الذات وقتلوها في سبيل المعرفة والعلم .. نحن اليوم نرى ان البعض عندما يؤلف وينشر له كتاب تقام الدنيا ولا تقعد، وتجند له جميع وسائل الاعلام اطراءا ومدحا ؟؟ ...

و كان الانبيا مختلفين في الاساليب ولكل واحد منهم تقنيته الخاصة به ولكنهم متفقين في الفكر الصوفي وطقوسه وتقديم الفكر على العمل الفني والذي يعتبر الوسيلة للوصول الى الجوهر المطلق .. وكان الانبياء قد اصدروا مجلة تدعى – البيضاء – حيث نشروا فيها آرائهم الفكرية والفلسفية . وكان آخر معرض لهم اقيم عام 1899، ثم تفرقو واستمروا على فلسفتهم الصوفية والمفاهيمية . ......تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

adnanhusan ahmadاحتضنت المكتبة الإسلامية بمدريد لوحة "وجوه" للفنان التشكيلي العراقي عبدالكريم سعدون المقيم في السويد حاليًا علمًا بأن هذه المكتبة التابعة "لوكالة التعاون الدولي" قد اقتنت لوحات أخرى لفنانين مهمين من جنسيات مختلفة وقبِلت في حالات نادرة جدًا بعض الأعمال الفنية المتفردة كهدية من مبدعيها الذين رغبوا في تعليق أعمالهم الفنية على جدران هذا الصرح الثقافي الذي يعتبر غاية لكل فنان جاد يفكر في إيصال ثيمته، وتقديم خطابه البصري إلى الشريحة المثقفة التي ترتاد  هذا المكان، وتتفاعل مع أيقوناته الفنية الجذّابة، تمامًا كما فعل الفنان عبدالكريم سعدون حيث أهدى لوحته ضمن شروط مُحددة وهي أن تُوثّق بشكل رسمي بالنص والصورة، وأن تُدرج في كتالوغ المكتبة، وتُعرَض في صالة القراءة، وهي للمناسبة العمل الفني العراقي الثاني في هذه المكتبة بعد لوحة "لفظ الجلالة" التي اقتناها القائمون على المكتبة عام 1968 من الفنان والحفّار العراقي المشهور فائق حسين، المولود في الناصرية عام 1944، والذي اشتهر برسم الرؤوس المسجونة في مكعبات زجاجية تاركًا بصمةً قوية في المشهد التشكيلي العراقي.

على الرغم من أهمية الاحتفاء بهذة اللوحة الفنية في المكتبة الإسلامية بمدريد إلاّ أن هدف المقال يذهب أبعد من الحدود الاحتفائية العابرة، فهذا العمل الفني المتفرد يمثل نقطة فاصلة في حياة الفنان عبد الكريم سعدون، بل هو يؤشر على مرحلة انتقالية في عموم تجربته الفنية التي غادر فيها فن الكاريكاتير ورسوم الأطفال ليشرع في رحلته الجديدة التي تتمثل بالرسم والنحت معًا. ففي عام 2001 نُظم له في "قاعة أكد" ببغداد معرض شخصي مهم ضمّ خمسين لوحة تتمحور على ثيمة "الوجوه المكمّمة الأفواه" ولكنه لم يستطع أن يتكلم بالفم الملآن ويُفصح عن الفكرة الأساسية صراحة فلاغرابة أن يلتجئ إلى التورية  Periphrasis التي تحتمل معنيين أو قراءتين، الأولى قريبة إلى الذهن لكنها غير مقصودة كأن يقول "وجوه أعرابية مثلمة تتقي الغُبار"، والثانية بعيدة عن الذهن لكنها مقصودة حينما يقول "وجوه مكمّمة الأفواه" ليشير جهارًا نهارًا إلى القمع، وكبت الحريات، ومصادرة الحقوق الفردية والجماعية، والغرض من هذه التورية الفنية هو إثارة الذهن وتأجيجه، والتملص من المسؤولية القانونية في الوقت ذاته. ولو دققنا النظر في لوحة "وجوه" لوجدناها تتألف من أربعة فيكَرات تشخيصية مُعبِّرة، ثلاثة منها لكائنات بشرية مُكمّمة الأفواه، والفيكَر الرابع هو الهلال في إشارة واضحة إلى الموروث العربي والإسلامي المستقر في ذاكرتنا الجمعية. وبما أن عبدالكريم يَعتبر الفنان المبدع "مُركِّب علامات" فيتوجب علينا أن نفكِّك العلامات البصرية الأخرى المُرافقة للفيكَرات الأربعة التي استجارت بالتورية الفنية اتقاء لأعين المتربِّصين. وإذا اعتبرنا هذه الفيكَرات متنًا للوحة فإن هوامشها هي العلامات الرمزية التي يمكن أن نجدها في وشوم النساء الريفيات والبدويات تحديدًا.

155 abdulkarimsadon1

لا يراهن الفنان في هذه اللوحة على الشكل فقط وإنما على المضمون الذي ترجّحت كفتهُ منذ البدء ولا غرابة في ذلك حينما يعرف المتلقي بأن خلفية عبدالكريم كاريكاتيرية تهمهُ الفكرة اللاذعة التي توخِز المُشاهد وتتمنى عليه أن يلتقط التلميحات والإشارات الدّالة التي تتكشّف أمامه رويدًا رويدا ويصل في خاتمة المطاف إلى حلّ اللغز المضموني القائم على مفارقة فنية تحتاج إلى نوع من التحدّي الذهني الذي لا يخلو من متعة بصرية مريحة للنظر المُستَفزّ والأعصاب المشدودة.

دعوني أستلف من الفنان نفسه فكرة "الانتقال الأسلوبي" التي تحدث عنها بعمق ووضوح في الفيلم الوثائقي المعنون "عبد الكريم سعدون والطفولة المُستعادة" الذي يتمحور حول معرض 2001 تحديدًا حيث يقول في سياق حديثه أنه انتقل من إبراز الخط على حساب اللون تارة، إلى اختزال الجسد وتسطيحه تارة أخرى، ثم العودة إلى استعمال اللون في إظهار بنية الجسد كعلامة رئيسية مُختَزلة برأس فقط لكنه يمثل الجسد برمته" ويؤشر على هذه الانتقالات الأسلوبية منذ أواسط الثمانينات، مرورًا بأوائل التسعينات، وانتهاء بمعرض 2001. لا أحد يشكّ في أهمية الرأس، ودلالته التعبيرية التي قد تغنينا في بعض الحالات عن تعزيز العمل الفني برموز إضافية ويكفي هنا أن نشير إلى "الرؤوس المقلوبة" التي يشتغل عليها الفنان علي طالب، أو "الرؤوس" التي حبسها الفنان فائق حسين مُستغنيًا عن بقية أعضاء الجسد. ما أعنيه أن هذه الفكرة ليست جديدة، وقد تمّ الاشتغال عليها من قبل فنانين كثيرين، ومع ذلك فنحن نعوّل على المقاربات الفنية التي لم يطرقها أحد من قبل بذريعة أن "الأفكار مُلقاة على الأرصفة" وبإمكان الجميع أن يلتقطوها ويتعاملون معها بالطريقة التي يرونها مناسبة، وهذا ما فعله بالضبط عبدالكريم سعدون المنهمك بالتجريب منذ أربعة عقود تقريبًا مستفيدًا من شطحات الكاريكاتير، ورصانة التصميم، وجمالية الخط العربي، ورسوم الأطفال التي تعزز عمله الفني المعاصر.

155 abdulkarimsadon2

يُدرك عبد الكريم أن مرجعيته التشكيلية تعود إلى الموروث العراقي خاصة، والعربي والإسلامي بشكل عام لكن هذه الذاكرة الشرقية لم تمنعه من التلاقح مع الفنون الأوروبية أو النهل منها، كما فعل مع أعمال ساي تومبلي، الفنان الأميركي الشهير الذي عُرف بأسلوبه الغرافيتي الموغل في الحداثة، والمدهش في عفويته الدقيقة، والذي يلقّبه البعض بالوريث الشرعي للفنان التعبيري التجريدي جاكسون بولوك. لعل عبد الكريم انتبه إلى أهمية التكرار في أعمال تومبلي، سواء في حركته اللولبية المتقنة التي أفضت إلى بيع لوحة "بلا عنوان" بنحو سبعين مليون دولار ، أو في تكرار الوحدات المتعددة في عمل واحد وهذا ما فعله عبدالكريم في العديد من أعماله الفنية التي طوّعها لأن تستقبل هذه الوحدات المتكررة الموروثة كالمثلثات والدوائر وبقية الأشكال الهندسية التي تخدم غرض اللوحة وهدفها العميق الذي لا يجد حرجًا في استساغة التقنيات الأوروبية التي تروّض الثيمات الغريبة والبالغة التعقيد. وفي الإطار ذاته يمكن تلمّس آثار أنطوني تابيس في لوحات عبدالكريم الذي يستدعي الخربشات الغرافيتية المرسومة أو المحفورة على الجدران مُحاكيًا إيّاها على السطوح التصويرية لأعماله الفنية التي تحمل بصمته الروحية الخاصة التي يغذّيها من مرجعيات متعددة. وفي الإطار ذاته يمكن الإشارة إلى التعالق البصري بينه وبين العديد من لوحات شاكر حسن آل سعيد سواء الحروفية منها أو الأعمال الحداثية الأخرى التي تجمع بين بساطة الخط وقوته، وعفوية التعاطي مع الأفكار والنصوص البصرية، وطريقة تقديمها إلى المتلقين الذين يتقبلون التيارات الفنية الحديثة، ويندغمون معها بسرعة خاطفة لأنهم خرجوا من حاضنة التجديد المتواتره.

لا يستطيع المبدع في الفنون القولية وغير القولية أن يدير ظهره إلى تراثه الشعبي، أو ماضيه الشخصي، أو ذاكرته البصرية التي تنبجس منها العلامات، والفيكَرات الهُلامية، والأشكال المموهة التي تجد طريقها إلى لوحة عبدالكريم سعدون المنهمك في التجريب كأنه يبحث عن شيء ضائع، وسوف يظل متنقلاً بين الخط واللون والثيمة مُنقّبًا في خزينه البصري عن علامات، ورموز مفقودة يبذل قصارى جهده من أجل إعادتها إلى الأنساق البصرية الصحيحة التي رآها في طفولته البريئة وظلّ يستعيدها عن قصد كلما مرقت السنوات إلى الوراء.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

mohamad fatiلا شك أن علاقة الرواية بالسينما هي علاقة وطيدة وراسخة، طالما أن المجالين يتلاقيان في عديد الخصائص وكثير المميزات والركائز، فالسينما تربطها علاقات مجاورة ومصاهرة مع كل عناصر الأدب، ولعل أبرزها بطبيعة الحال الرواية باعتبارها أقرب هذه المجالات الأدبية تناسبا وترابطا وانسجاما مع السينما نظرا للمساحة الواسعة التي يشترك فيها المجالان.

هكذا يتبين أن السينما تتلاقى مع الرواية في الركائز والأسس الكبرى، والتي تتمثل في عناصر الخطاب السردي وهي: الشخصيات والأحداث والزمان والمكان والحوار.. إضافة إلى أن كلا الخطابين يمثلان ترجمة للواقع ورؤية للعالم وتصورا للحياة واستحضارا للعناصر التاريخية والاجتماعية والنفسية.. كل حسب طريقته ونوعية أدائه، كما أنهما معا يمزجان رؤيتهما بعنصر التخييل الذي يمثل ركيزة أساسية في البناء الفني والجمالي.. ولكن الاختلاف والتباين يكمن في خصوصية المجالين وطبيعة التعامل مع هذه العناصر، فالسينما حتى وإن توفرت على كل مقومات الخطاب السردي إلا أن خصوصية المجال تفرض تعاملا مغايرا يستلزم عناصر فنية تترجم اللغة إلى صورة والأسلوب إلى تقنية، وإذا كان القارئ يجد الحرية الكاملة للتوسع والامتداد في عالم الخيال وإعادة بناء المقروء الذهني في عالم الرواية، فإن العرض السينمائي لا يترك هذه المساحة بالنسبة للمشاهد، طالما أنه يفرض علينا نمطا مجسدا معروضا من طرف المخرج الذي يختار الهيئة المناسبة لتصوره ورؤيته الفنية فيحولها إلى فيلم سينمائي يترجم هذه الرؤية.

انطلاقا مما سبق يتبين أن الرواية والسينما تجمعهما علاقة وطيدة تجعلهما يشتركان في مجموعة من الخصائص والمميزات الأخرى التي تضاف إلى العناصر البنائية ـ السردية السابقة الذكر:[1]

ـ أولى هذه الخصائص، أنهما معا، أي السينما والرواية يتجهان في مخاطبتهما إلى الجمهور الواسع، مما ينتج عنه ما يسمى بثقافة الجماعةculture de masse  بعكس الرسم أو الشعر مثلا اللذين يتوجهان في خطابهما إلى نوع معين من الجمهور "أقلية" مما يخلق معه ثقافة النخبةculture d’élite .

ـ الكتاب والسينما يلبيان رغبة واحدة وآنية في نفس الوقت.. رغبة حب الاستطلاع الفوري، فمن يشاهد فيلما كمن يقرأ رواية.. فكلاهما قراءة ومشاهدة في نفس الوقت، إذ أن الصورة المرسومة على الشاشة في حد ذاتها قراءة ذهنية سريعة ومتتالية لمجموعة من الصور المتحركة، التي تعبر عن حالة ما أو عدة حالات في مشاهد قد تقصر أو تطول.. نفس الشيء يكاد يقع بالنسبة للكتاب.. إذ وأنت تقرأ عن حالة أو حالات ما تتفاوت درجات أهميتها ، تتصور وتشاهد الأحداث والأشخاص مجسمين على شاشة مخيلتك خصوصا في الكتابات التي تهتم بالجوانب الاجتماعية للبشر.. ففي هذه الكتابات تضحي اللغة رديفا ثانويا للصورة التي اكتسبت عبر تاريخ طويل سلطة كبيرة في الوصف والتعبير بعدة وسائل وآليات.

ـ على عكس الكتاب، في السينما، لا يصبح حضور الكاتب مركزيا، بأي وجه من الوجوه، وإنما هناك شخص آخر يحتل هذا الموقع: إنه المخرج في أغلب الأحوال، ولكن يمكن للممثل كذلك أن يحتل الصدارة "فيغطي على وجود المخرج أو يقلل من درجة حضوره، بل إن وجود المخرج نفسه عند عامة الجمهور، لا ذكر له أمام هيمنة الممثلين، فما بالك بالكاتب، سواء كان سيناريستا أو صاحب الرواية؟"[2].

وتتراءى العلاقة بين الأدب والســينما في التواصل والتأثير المتبــادل بينهمــا، وهو ما فصلــه الدكتور "جهاد نعيســة" في بحثه الموسوم بـ "الرواية والسرود السمعية البصرية"[3]

ويرى جهاد أنه يمكن أن نوازن بين الرواية والســينما موازنة موجزة، وبشــيء من التصرف، فيما يأتي:

إن كلا من هذين الفنين يقومان على السرد التخييلي.

إن كلا منهما يتخذان من الإنسان مدارا أو محورا لهما.

إن كل منهما يرتبطان بالواقع ارتباطا قويا أو واهيا، حسب طبيعة التخييل ومداه ومرجعياته بكل عمل.

إن كل منهما يحتفيان بالبعد التاريخي للسرد، من حيث  كونهما يحللان الشــروط التاريخية البشــرية العامة أو الخاصة في فترة زمنية معينة.

تلــك أهم نقاط الائتلاف بين الروايــة (أو الفن القصصي) والفن السينمائي، أما نقاط الاختلاف بينهما فيمكن حصرها فيما يأتي:[4]

-   إذا كان الســرد الروائــي / القصصــي يعتمد على اللغة المكتوبة، فإن الســينما تعتمد على اللغة الســمعية البصرية التي تخضع لبناء حركي.

-  إذا كان الزمــن فــي الرواية أو الفن القصصي متحررا من حيــث الطول، أو القصــر، فإن الزمن في الســينما محكوم بفترة عرض الفيلم.

-   إن زمــن الوصــف يطــول فــي الروايــة، ويقصر في السينما.

-  إن الإبداع  الروائــي أو القصصــي فــردي، خلافا للإبداع الســينمائي الذي لا يمكــن أن يتم إلا بوســاطة جماعة من الممثلين والمصورين، فضلا عن المخرج، وهنا نســتثني ســرود المطولات الشعبية التي اشترك في تأليفها مجموعة من المبدعين المجهولين عبر العصور.

هكذا يتبين أنه إذا كان الأدب أداته "الكلمة" والفن أداته "الصورة"، يصبح منطقيا تعريف الرواية بأنها "فن السرد بالكلمة" والفيلم بأنه "فن السرد بالصورة"، إنه "تفكير بلغة الصور المتحركة والصوت"[5]  لكن مشكلة هذا التعريف على وجاهته أنه يتعسف في الفصل بين نظامي التواصل الأساسيين: الكلمة والصورة. ويفترض افتراضا غير دقيق، أن الرواية فن خالص ل "الكلمة" والفيلم فن خالص ل "الصورة".  حتى مع الإقرار بأن "الكلمة هي الوحدة الأساسية للرواية ومنها تولد الجملة والفقرة والمشهد والفصل في مقابل أن الصورة هي الوحدة الأساسية للفيلم ومنها يولد "الكادر" و "اللقطة" و "المشهد" و"المقطع الفيلمي"[6].

إن السؤال الذي يطرح حول العلاقة القائمة بين نسقين تعبيريين تواصليين مختلفين، الأول يعتمد على لغة الكلمات في عملية تحققه في حين أن الثاني يعتمد على لغة الصورة في كليتها مؤازرة في ذات الآن بلغة الصوت الملفوظ، يطرح أكثر من إجابة خصوصا في مجتمع عالمي جديد، يعرف نفسه بأنه يمثل حضارة جديدة هي "حضارة الصورة" على اعتبار أن المجتمعات السابقة عليه، كانت تمثل حضارات الكلمات في تنوعها واختلافها، وإذا نحن علمنا أن الصورة توازي أو تفوق، كما يقول المثل، ألف كلمة، أدركنا أهمية هذا التمييز واستطعنا أن نلمس بعض دلالاته المتسترة.

ولكل منهما أبعاده الخصوصية التي يستقل بها عن الآخر، وهذا ما يخلق تفردا فنيا يرجع إلى الاختلافات الهيكلية والبنائية بين الفنين، فإذا كانت الكتابة الروائية تتحدد اجتماعيا وتاريخيا طالما أن لها أبعاد تواصلية تستدعي الآخر وتفترض القراءة، فإن الكتابة السينمائية لها منطق مغاير، لأن العملية التي تتبلور فيها هذه الكتابة تخضع لصيرورة قد تكون الذات الكاتبة فيها حاسمة في التحكم في فلسفة الفيلم كما يمكن أن "تذوب في تجاذبات واعتبارات لتتحول إلى هامش منفعل تغلب عليه الجماعة السينمائية."[7] هذه الجماعة التي تؤطر وتوجه من طرف المخرج الذي يبصم العمل برؤيته الإبداعية، فالمخرج لا يؤلف جملا ولا يصور لوحات، إنما يذهب أعمق من ذلك، فهو يخرج المعنى الباطني كله ويشخص الفكر تشخيصا ماديا. "فالسينما تقدم لنا الروح دفعة واحدة، والمشاهد العادي يلاحظ حينذاك أن الروح ـ التي يعزوها البعض إلى الخلايا العصبية والآخرون إلى علة أولية ـ تملك نسيج المادة والألوان والجسد والأفكار."[8] وهذا ما يجعلنا نقول أن السينما ليست ترجمة ونسخا مباشرا للرواية من حقلها اللغوي إلى حقلها الفيلمي، بل إنها إبداع جديد يعيد إنتاج العمل الأدبي بشكل آخر متمايز عن الشكل الأولي، إبداع يمزج مجموعة من التقنيات السينمائية التي تحول ما هو مكتوب مقروء إلى ما هو مرئي مشاهد، والمخرج هنا هو مبدع جديد يركب الرواية بأسلوبه ورؤيته واختياراته المتناسبة مع الخصوصيات التقنية، لهذا فإننا نجده يحذف تارة ويضيف تارة أخرى في العمل الأدبي، وفق ما يتوافق مع تطلعاته واختياره السينمائي. وهذا ما يؤكده الكاتب الكبير نجيب محفوظ أحد أبرز الروائيين الذين تعاملت مع أعمالهم السينما، حينما يقول: "أنا راض عن التغييرات التي تطرأ في قصصي ولي رأي في هذا الموضوع: وهو أن السينما فن وليست ترجمة، والسينمائي فنان وليس مترجما للعمل الأدبي.. فهو صاحب رؤية وصاحب إبداع.. فهو يأخذ العمل الأدبي ويحوله إلى عمل فني، ويصح أن يأخذ 90% أو 50 % حسب رؤيته، كما يصح أن يؤلف قصة جديدة مستوحاة من الأولى ويعطيها اسما جديدا"[9].

وهذا الناقد السينمائي السوري سعيد مراد يؤيد رأي نجيب محفوظ في كون السينما فن مستقل بإبداعه وليست ترجمة بقوله: "الأفلمة ليست نقلا حرفيا للنص الأدبي الأصلي.. فلو كانت كذلك، لتحول الفيلم السينمائي إلى وسيلة إيضاح بالصور للنص الأدبي.. لكنها عملية خلق لا تبخس الأصل الأدبي ولا تلوي عنقه أو تتعالى عليه، بل تغنيه وتفتح إمكانياته، مستخدمة رصيد فن آخر هو السينما بكل ما لديها من طاقات ووسائل تعبر."[10].

خلاصة القول أن الرواية والسينما لونان تعبيريان يتفقان ويختلفان في آن واحد. يلتقيان عند نقطة جوهرية تتمثل في السردية التي تصبغهما، ويختلفان من حيث تغير آلية الخطاب لا مضمونه. فهما يستخدمان السرد خطاباً ذا حمولات إيديولوجية، ويختلفان في كيفية تقديمه تبعاً لاختلاف آلية التعبير.

الرواية تصوير بالكلمات، وتعبير بالمجرد، بينما السينما عين مبصرة، وتجسيد للعالم. وتبعاً لهذه الخصوصية يحدث التقاؤهما فيما يعرف بـ (Adaptation) أو نقل الرواية إلى السينما. فالرواية المكتوبة تتحول إلى شريط مرئي يجسد المجرد برؤية تأتي أحياناً مغايرة لرؤية الرواية.

فرغم الاتفاق في الجوهر، فإن الاختلاف في كيفية عرض هذا الجوهر هو ما يميز السينما عن الرواية، الكلمة عالم من المجردات الذهنية، بينما الصورة عالم حسي بصري، وهذا الاختلاف يتبعه بالضرورة اختلاف في التلقي، فقارئ الرواية ذهني الوظيفة، متخيل، ثم مؤول، بينما المشاهد، بصري الوظيفة، واقعي، ثم مؤول. وعليه فإن آلية العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة اختزال المكتوب إلى صورة، وهذا الاختزال ينتج عنه الاستغناء بالصورة ومدى شموليتها عن الوصف السردي المسهب في الرواية. وهنا تكمن مشكلة التلقي في عدم التنبه لطبيعة التعبير في كل من الرواية والسينما.

وفي ذات السياق فإن الرواية قد تتعرض لما هو أخطر، فكثيراً ما تقع الرواية عند نقلها إلى السينما تحت تأثيرات إيديولوجية عميقة تتبدل معها كثير من التفاصيل والشخصيات وأحياناً تتغير رؤية الرواية بالكامل. هنا تصبح العلاقة أبعد من تغير في آلية التعبير، إلى تغير في البنية نظراً لمؤثرات خارجية لا تحكمها العلاقة الآلية بين النصين، بل تحكمها معضلة السياق الخارجي. فبعض الأفلام المنقولة عن نصوص روائية تضطر لأسباب خارجية، سياسية أو دينية أو اجتماعية، إلى الاستغناء عن بعض الشخصيات أو الأحداث أو المواقف، أو زيادة شخصيات وحوادث، أو تغيير جوهر بعض الشخصيات والحوادث. وهذا يتطلب إعادة صياغة للنص الروائي يتجاوز المعطيات الضرورية السابقة مثل الاختزال والتكثيف والتقديم والتأخير إلى التغيير في مسار الأحداث أو اقتراح نهاية بديلة تقدم رؤية تتفق مع الواقع أثناء إنتاج الفيلم.

 

محمد فاتي : أستاذ باحث في مجال الصورة

..................

[1] ـ خالد الخضري، موقع الأدب المغربي من السينما المغربية، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط 1 ، 1989، ص: 20.

[2] ـ الميلودي شغموم، السينما والرواية بين التواطؤ والتجاهل، "السينما بعيون أدباء مغاربة"، إعداد: حسن نرايس، مطبعة الهداية ـ تطوان ـ 2013، ص: 72.

[3] ـد. جهاد نعيســة: "الرواية والســرود الســمعية البصرية /، "الروايــة العربية.. ممكنات الســرد". المجلــس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت 2004، ص: 164 ـ 192.

[4] ـ د. الرشيد بوشعير، العلاقة بين الآداب والفنون الأخرى، مجلة الرافد، العدد 40، فبراير ـ 2013، ص: 75.

[5] ـ الرشيد بوشعير، المرجع السابق، ص: 74.

[6] ـ شريف صالح، الرواية والفيلم.. تطابق أم خيانة؟، مجلة الفنون، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت، عدد 138 ـ مارس  2013، ص: 18.

[7] ـ محمد نور الدين أفاية، محمد نور الدين أفاية، الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل، مطابع عكاظ ـ الرباط ، ص: 27.

[8] ـ جورج سيباج، السيناريو الشبح: السينما والكتابة، ترجمة: سهيل حمد أبو فخر، مجلة الثقافة العالمية الكويتية، عدد 74 - 75 ـ  يناير /مارس 1996، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ص: 250.

[9] ـ نجيب محفوظ ،"لما تحول الأدب الروائي إلى أفلام سينمائية"، مجلة الفيديو العربي ـ العدد: 27 ـ السنة: 3 ـ ماي 1986، ص:49.

[10] ـ سعيد مراد، مجلة الحياة السينمائية السورية، ، العدد 28، شتاء 1986، ص: 34.

 

 

adnanhusan ahmadنظّم مُتحف مدينة Calpe الأسبانية معرضًا شخصيًا جديدًا للفنان التشكيلي سعد علي، وقد ضمّ المعرض 24 لوحة مختلفة الأحجام، مُنفّذة بالزيت والأكريلك على الكانفاس والألواح الخشبية. وكدأبه دائمًا ينهل سعد علي من ذاكرته الشخصيّة، وموروثه العراقي المتراكم عبر آلاف السنين. وبما أن معرضه الحالي ينضوي تحت عنوان "حديقة الحياة" فلابد من استجلاء المعنى الكامن وراء هذه التسمية الدالة على شيء محدد. فقد عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية مُنهمكًا بمشروعيه الفنيين "صندوق الدنيا" و "أبواب الفرج والمحبّة" لكنه لم ينتهِ منهما حتى الوقت الراهن، فما تزال مخيّلتهُ البصرية تفيض بالصور الرومانسية الحالمة التي يخلق منها فردوسه الأرضي إن صحّ التعبير. ذات مرّة قام سعد علي بزيارة عمته التي تسكن في مدينة بابل وبينما كان يلهو مع الأطفال لفتت انتباهه سلالم عريضة لمدرّجات هائلة في متنزّه عام وحينما استفسر من أقرانه أجابوه بأنها "الجنائن المعلّقة" التي عُرفت بإحدى عجائب الدنيا السبع. وبغض النظر إن كانت قصة هذه الجنائن حقيقية أم مُختلَقة فإنها أصبحت أقرب إلى الأسطورة التي نسجتها الذاكرة الشعبية لبلاد ما بين النهرين عن الملك الكلداني نبوخذنصّر الثاني ( 605- 562 ق.م) الذي أمر بتشيّيد الجنائن المعلّقة لزوجته أميتس الميدية التي شعرت بالغربة المكانية، واجتاحها الحنين إلى المناطق الجبلية المتموجة فبنى لها هذه الأعجوبة المعمارية التي ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية لأبناء الرافدين. استعار سعد علي ثلاثة محاور أساسية من فكرة الجنائن المعلقة وهي على التوالي: الحُب بما ينطوي عليه من أجواء رومانسية قد لا يتحقق بعضها إلاّ في شطحات الخيال، والحدائق الفردوسية التي تعززها أجواء الليالي العربية في "ألف ليلة وليلة"، والبحث عن الخلود عبر المنجز الإبداعي الذي يخلّفه الفنان خاصة، والإنسان بشكل عام. وبما أن سعد علي يقيم ويعمل في أسبانيا منذ عام 2004 وحتى الآن وقد شاهد معظم مدنها وحواضرها وكان مهتمًا بآثار العرب المعمارية التي خلّفوها في الأندلس على وجه التحديد ولعله التقط فكرة "الحدائق الأندلسية" أيضًا ليصنع منها لوحاتٍ كثيرة تدلّل على شغفه بأجواء الحدائق وفضاءاتها الشرقية والغربية على حدٍ سواء.

144 saadali4

يعتمد سعد علي في لعبته الفنية على زجّ مُتلّقيه في دائرة الدهشة والانبهار والحبور ولعله يتمنى عليه أن يتبادل الأدوار مع شخصيات اللوحة بمشاركة عضوية ووجدانية قابلة للتحقيق، ذلك لأن رهانه الإبداعي قائم على ضرورة التماهي بين المُشاهِد والعمل الفني بغية الوصول إلى اللذة البصرية التي تدفع المتلقي إلى التحليق في فضاء اللوحة والانقطاع المؤقت عن حركة الحياة الواقعية التي تنبض من حوله.

تشكِّل لوحة "في انتظار الفرج" امتدادًا لمشروعيه الفنيين المشار إليهما سلفًا إضافة إلى اللوحات الأخر التي تحتفي بثنائية المرأة والرجل لكن سعد علي يعرف كيف يطوِّع هذه الثيمة الأزلية بعد أن يدخلها في شريط مخيلته ويُخرجها في الزمان والمكان المناسبين. قد تبدو المرأة المُنتظِرة مألوفة في هذه اللوحة للمتلقي المتابع لتجربة الفنان فهو يعرف في الأقل عينيها الواسعتين، وأصابعها الطويلة المُرهفة لكن تقنية الرسم على الجسد تعود بنا تسعينات القرن الماضي حينما بدأ سعد يرسم على أجساد النساء في أوتريخت أمام حشد كبير من المشاهدين العرب والأجانب الغارقين في النشوة والذهول. ولو تأملنا عنق هذه المرأة والجزء العلوي من جسدها لاكتشفنا جماليات غير مألوفة من قبل هي أقرب إلى الوشم والزخرفة منها إلى الرسم على الأجساد العارية. أما التناغم اللوني المُبهج في خلفية هذه اللوحة فهو أحد العناصر الشكلية التي يراهن عليها الفنان وربما يضعها قبل الثيمة الرئيسة والأفكار الثانوية المؤازرة للعمل الفني.

144 saadali5

 تتكرر ثنائية المرأة والرجل في أكثر من عمل، فتارة يرسمهما على الخشب ويقصهما على هيأة تمثالين متلاحمين، وتارة أخرى يرسمهما على الكانفاس ككائنين حالمين كما في لوحة "خلوة حُب"، فإذا كان جده الأكبر كَلكَامش قد بحث عن الخلود فإن العاشِقَين في هذه اللوحة يتوقان لتخليد الحُب من خلال إظهار السعادة الغامرة، والرفاهية المطلقة التي ينعمان بها كعشاق خُلّص أبد الدهر. تبدو هذه اللوحة عائمة مثل عدد آخر من لوحات هذا المعرض في إحالة للفردوس الأرضي الذي يصنعه الفنان بنفسه ثم يلج إليه مبهورًا، متقطع الأنفاس.

يعتقد سعد علي بأهمية اللذّات في حياة الإنسان مثل لذة القراءة، والكتابة، والمُشاهدة، والطعام، والشراب، والوصال وما إلى ذلك، وهو يحتفي بها دائمًا في حياته اليومية فلاغرابة أن يجسّدها في أعمال فنية قد تأخذ طابعًا بانوراميًا كما في لوحة "العشاء الدائم" قياس 195× 50 سم منفذة بالزيت على خشب الأبواب القديمة التي اعتاد أن يستعملها كأسطح تصويرية بعد تنعيمها وتكيّيفها لاحتواء متن اللوحة وهوامشها التزويقية. هذه اللوحة المشهدية العائمة تذكِّر بالأجواء العباسية الباذخة، وحياة التجار المرفهين، والطبقة الإرستقراطية السائدة آنذاك. ثمة لوحة مشهدية أخرى تمجد الحياة، والحب، واللذات الأرضية بمجملها وهي الوسيلة الوحيدة التي تُشبع رغبات الفنان وتحقق رؤيته الفلسفية في هذه الحياة الفانية.

تعتبر لوحة "الحالمة" قياس 250× 90 سم التي نفذها الفنان بمواد مختلفة على الكانفاس هي الثيمة المهيمنة في المعرض فهي تجمع بين الحُب، والحلم، والعاطفة الإنسانية المتأججة في جوٍ جنائني فهي مستلقية على أوراق الخرّوب أو نبات الشكولاتا. لا تخلو هذه اللوحة التشخيصية من أبعاد رمزية تفصح عن النَفَس الرومانسي لخالق اللوحة الذي أبدع في رسم المعالم الجسمانية لهذه العاشقة الحالمة وأحاط جسدها بغلالة شفافة بيضاء ضاعفت من إغراءات الجسد المتمعج.

تحضر الحيوانات المدجّنة بقوة في لوحات سعد علي لتوحي بالألفة والحياة المنزلية الوادعة وربما تكون لوحة "شمّة ورد في حقول مايوركا" هي نموذج لهذا التعايش الذي يتجسّد في الحياة العصرية المتطورة التي لا تضحّي بمتع إنسانية أخرى مثل تربية الحيوانات الأليفة التي تحرّك فينا مشاعر غامضة لم نعهدها من قبل.

مثلما أثارته الجنائن المُعلّقة في بابل وانجذب إليها، أدهشته حدائق قرطبة وغرناطة التي تحمل إرثًا عربيًا وبصمات لما تزل ماثلة في القصور والقلاع التي خلّفها العرب ورائهم فكلما مرّ سعد أمام حديقة أسبانية تحمل نكهة الأندلس ورائحتها سرعان ما يستلّ قلمه وكرّاسته ليرسم مخططًا أوليًا ثم يضع لمساته النهائية فيما بعد، وهذا ما حصل مع لوحة "حديقة الأندلوسيا" التي رسمها قبل سنة من هذا التاريخ.

لا تقل لوحة "الصنوبر التائه" أهمية عن "الحالمة" وربما تكون الوجه الآخر لها لجهة الأنثى اليافعة المرسومة بعناية فائقة، وخطوط ليّنة ضاعفت من جمالها خلفية اللوحة الغارقة باللونين الأخضر والبرتقالي اللذين أظهرا هذا الوجه المشرئب في غاية النضارة والنعومة والإغراء.

الملحوظة الأخيرة التي نبديها في هذا المقال هي درجة التطور الكبيرة في رسم الخطوط الخارجية الرشيقة لفيكَرات اللوحة سواء أكانت إنسانية أم حيوانية، فثمة براعة في الخط الواحد الذي يعلن عن ملامح الجسد وجغرافيته الطافحة بالرِقّة والعذوبة والامتلاء. أما التناسق اللوني فقد بلغ ذروته في الأعمال الفنية لهذا المعرض فلا يعرف المتلقي هل يتماهى بالأشكال المرهفة، أم بالخطوط اللينة، أم بالألوان المتناغمة؟

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhod2يذكر علماء البيولوجيا والآثار ان المرأة البدائية كانت الى جانب الرجل في عملية التزويق والزخرفة والتنظيم المنزلي وكانت لها حساسية فنية وذائقة ناعمة لا تختلف عن الرجل الرسام البدائي . ومن هنا ظهرت خلال التاريخ رسامات لا يقل عددهن عن الرسامين، لكن التاريخ لم ينصف ويسجل لنا اسمائهن واعمالهن بل اهملهن متعمدا .. والمشكلة تكمن في ان الرجل كان لا يسمح لها بالظهور لاعتبارات دينية وتقاليد تجعل منها عنصرا بيتيا مربيا وخادما ليس الا، كما اصبحت تباع وتشترى في تلك العصور والحضارات الغابرة . بل ان بعض القبائل العربية كانت تعتبر المرأة عار (واذا المؤدة سألت باي ذنبن قتلت). واصبح الخلفاء والسلاطين يملكون من النساء ماطاب من الجمال والحسن الذي يدهش الناظر والاعمى .. وقد ورد في ثقافة الاديان في اوربا بان المرأة شيطان اعتمادا على قصة ان الشيطان قد اغوى حواء في اكل التفاحة وكانت السبب هي في اخراج آدم من الجنة ؟؟ .. كما ورد ان المرأة شر لا بد منه .. وكل هذه المفاهيم الفكرية الاقصائية العدائية مصدرها الرجل وليس الله . ومع كل ذلك كانت بعض النساء قد ثارت وكسرت هذه القيود المجحفة بحقها و تمردن على المجتمع وبرزن واشتهرن خلال العصور السابقة مثل الايطالية ارتيميسيا لومي 1654 Artemisia Lomi والانكليزية هيلين بياتريكس Helen Beatrix 1866، والفرنسية بيريث موريستو 1869 Berthe Moristo والبولونية تامارا دي ليمبيكا 1898 Tamara Lempicka وغيرهن .

وحفل القرن العشرين باعداد كبيرة من الفنانات والاديبات والشاعرات والمناضلات وتسابقن مع الرجال في الابتكار والابداع . وكانت فرناندي اوليبير صديقة بيكاسو قد ذكرت في مذكراتها ( ان كل امرأة في حياة بيكاسو هي عبارة عن مشروع جديد وبداية حياة فنية جديدة) . كما كانت المصورة والفنانة – دورا - قد هيئت مكانا كبيرا لبيكاسو لرسم جرنيكا وكانت قد ساهمت في بعض تفاصيل اللوحة من ناحية الارشاد والافكار، وكانت هي اول من صور اللوحة في كامرتها الشخصية .. وفي العراق ظهر عدد من الفنانات المميزات واللاتي اغنن الساحة الفنية العراقية جمالا وابداعا مثل سعاد العطار وليلى العطار .

سعاد العطار:

ولدت في بغداد عام 1942 وكانت قد درست الرسم في جامعة كليفورنيا وتأثرت بالفنانين العراقيين الرواد من حيث الاستفاد من التراث الشعبي من زخارف ونقوش وفلكلور ورموز، وكانت البدايات ترسم مناظر وشخوص مستوحات من البيئة العراقية شأنها بذلك شأن الرواد .. ثم ازدحمت لوحاتها في الاشكال والرموز واحيانا تظهر بعض الاشكال السريالية او الاسطورية، كما اخذت تبسط وتختزل في الاشكال من اجل التعبير عن المعاني . وفي مطلع السبعينات اشتركت في معارض الثورة التي تقيمها الدولة مثل لوحة – قاتلتم لغد افضل- 1974 حيث اخذ هذا العمل منحا تجريديا تمثل في ثورة الخطوط والرموز والاشكال المبسطة مثل الايادي المرتفعة والوجوه الصارخة وغيرها من الزخارف التي تساهم في بناء اللوحة ومظمونها . يضاف الى ذلك ادخلت الاساطير في اعمالها وعمدت الى الدقة في الرسم والتأني في التنفيذ مثل لوحتها – جنة عدن -1993

اعمال سعاد زاخرة بالتراث والاساطير والرموز، وهي تنقلنا باعمالها الى الماضي الحضاري وكأنها تروي لنا قصص تلك التقاليد والمفاهيم بجمالها وفطرتها وقد شغفتها عاطفة، فهي تنقل ذلك بطريقة ابداعية جميلة حداثوية تجعل المتلقي يشاركها في الاحاسيس والمشاعر . ويذكر ان الشاعر اللبناني نزار قباني لما شاهد اعمالها قال لها (عمرك 6 آلاف سنة) وذلك لما تتسم به اعمالها من عمق تاريخي لحضارة بلاد الرافدين .

وتبرز مفردات تتكرر في لوحاتها مثل الهلال وكأنه بصمة مميزة وهوية لها وعنصر حضاري للتنفيس والحياة، كما رسمت الشجرة بشكل مبسط ورمزي وتعلقت بها واعتبرتها رمزا للجذور والاصاله . وقد شهدت لوحاتها زخما مثيرا للالوان والانارة والزخارف النباتية المكررة على طريقة تقاليد المدرسة الواسطية .

سعاد في لندن:

بعدما حلت سعاد في لندن في عام 1976 بدأت ترسم من جديد، ودرست الكرافيك واشتركت في الورشة الدولية التي فيها فنانين من كل دول العالم واختلطت معهم وكانت لها فرصة كبيرة للتعلم والاكتساب والتجديد . وفي الفترة الاخيرة عملت معرضا في لندن يحتوي على 45 لوحة تعكس فيها تأثيرات انطباعية وتراثية من بيوت قديمة واقواس وزخارف ونقوش اسلامية واسطية .

حصلت سعاد على جوائز كثيرة منها مشاركتها في بينال القاهرة عام 1984، كما طلبت منها مؤسسة اوبرا في لندن بعمل مجموعة من الاعمال .. كما شاركت في معارض دولية كثيرة وعرضت في لندن ومدريد وفرنسا وغيرها .

وبعد مأسات اختها ليلى حل فيها الحزن والالم المزمن فاصبحت غير قادرة على الرسم . ويذكر انها احيانا تبقى ساعات في رسم وردة واحدة . واصبحت اعمالها الاخيرة يطغي عليها طابع الحزم، ومن اعمالها – الامس لن يعود –

ليلي العطار:

هي من الفنانات الشابات اللآتي ادهشن الواقع العراقي الفني في مرحلة الستينات بجرئتها وشجاعتها وتحررها واختلاطها مع الفنانين العراقيين والادباء وحضورها الدائم في حركة المعارض التي تقيمها جمعيىة الفنانين والمعارض المشتركة الاخرى . و تتصف ليلى بالجمال الخارق وعيون واسعة مأطرة بكحل اسود كأنها عيون سومرية، ووجه مدور محمر وقامة شامخة رافعة الراس وشعر اسود سائب و لها اسلوبا جميلا في الكلام والبلاغة وقد رأيتها في عدت معارض في نهاية الستينات .

ليلى هي من مواليد بغداد لعام 1944، تخرجت من كلية الفنون عام 1965، وقامت اول معرض لها عام 1968 . استخدمت ليلى الرمز في اعمالها والخيال الاسطوري مثل لوحتها شجرة جرداء لا حياة فيها والى جانبها امرأة عارية تتجه نحو الشمس، وربما تمثل هذه اللوح الرغبة الجامحة نحو الحرية والتخلص من القيود التي تشعر بوجودها . ونرى احيانا تتكرر المرأة في لوحاتها في جو رمزي غامض يعكس ازمة الوحدة والانفراد . وقد نفذت تلك الاعمال باسلول واقعي تعبيري خيالي يحمل هما عميقا تعيشه الفنانة. شغلت ليلى مديرة الفنون في بغداد وحصلت على جوائز عديدة وشاركت في ندوات وبرامج تلفزيونية فنية واقامة عدة معارض فردية ومشتركة . وفي اعمالها الاخيرة استخدمت الكولاج الورقي واصبح العمل الفني عندها هو الخامة نفسها مع تلك الخطوط الحرة التي يرى من ورائها اشكال تعبيرية محورة تحمل الهم والحزن ..

حادث مقتل ليلى:

عاشت ليلى الازمة والحصار الذي فرضة الغرب على العراق وعاشت المجاعة والمعانات التي عاشها الشعب العراقي تحت النظام الصدامي ..يقال ان ليلى رسمت بوش الاب في لوحة فسيفسائية في مدخل ارض فندق الرشيد وكان الفندق تقام فيه المؤتمرات باستمرار ويسكن فيه المراسلين ورجال الصحافة الاجانب، ولهذا يكون على الداخل والخارج من الفندق ان يدوس على صورة بوش لانه ليس هناك ممر آخر .. وفي ليلة عام 1993 تم اطلاق ثلاثة صواريخ بكل دقة استهدفت بيت الرسامة ليلى فراحت ليلى واهلها اشلاء تحت الانقاض،...؟؟؟ ولكن هناك من يقول ان ليلى لم ترسم بوش على الارض بطريقة الفسيفساء وليس هذا من اسلوبها، وانما هذا الخبر من صنع الاستخبارات العراقية البعثية .. كما ان القصف جاء من الطائرات الامريكية على احياء ومناطق بغداد دون تحديد، فكان بيتها ضمن ما قصف من الدور والعمارات ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhod2بعد الحرب العالمية الاولى اجتمع عدد من الفنانين في مدينة زيورخ في المانية بعد ما شاهدوا ماخلفته الحرب من دمار وخراب لاوربا حيث ذهب ما يقارب 17 مليون قتيل واكثر من 20 مليون جريح . هذا الكارثة جعلت هؤلاء يفكرون بان كل ما جاءت به الحضارة من تقدم و تمدن و اخلاق وتكنولوجيا لم تستطع من ايقاف الحرب؟ ولهذا قرروا انشاء فن لا يعترف بكل المدارس الحديثة و الفنون الكلاسيكية القديمة واطلقوا عليه اسم – اللافن – حيث ظهرت الدادائية وكان اول عمل لها هو عمل مارسيل دوجامب – المبولة –1917 وهي تعبر عن السخرية من الحضارة وانها تستحق الرفض والتبول ..؟؟

و هنا دخلنا في موضوع غاية في التعقيد والتعريف وهو الفن المفاهيمي والنحت الجاهز .. و مصطلح مفهوم او مفاهيم concepto هي كاءنات مجردة او هي افكار ترتبط بالعقل . وتهدف المفاهيمية الخروج من القيود الاكاديمية والتقاليد الاجتماعية والشكلية وطرح الواقع بصياغة جديدة، وتكون الفكرة في العمل هي الاساس بغض النظر عن قبح الشكل او جماله .. كما عمد فنانوا هذا الاتجاه الى ترجمة الفكرة باي وسيلة مادية كانت .

يسارية الاتجاه:

الملاحظ ان معظم رواد الدادائية والسريالية ثم المفاهيمية هم يساريون اي انهم يؤمنون بالفكر المادي الذي طرحه زعماء الشيوعية، ولكن هناك نجد تناقض بين ما يؤمنون به وما ينظرون له في الاتجاه الفني الذي سلكوه؟؟ حيث ان المفاهيمي هو اتجاه يعتمد على الفكر المجرد وليس المادي

و السريالية تعتمد على الافكار القادمة من اللاوعي .؟؟؟ ولناخذ مثلا واقعيا، الفنان الاسباني تابيس هو من زعماء المدرسة المفاهيمية ومن مدرسة وجماعة يسارية ولكن كيف نفسر و نفهم ايمانه بالبوذية والتصوف وعالم الروحانيات؟؟؟ ثم تركيزه على طرح الافكار في اعماله والاختزال والتبسيط في الاشكال من اجل خدمة الفكرة ..؟؟ ومثال آخر هو الفنان الاسباني خورخي اوتيثا اليساري (والذي سنأتي على ذكره) كان يؤمن بالاساطير والفلسفة واخذت اعماله هذا البعد الغيبي .

التقيت باحد الادباء المفاهيميين الاسبان وسألته عن مدى التناقض في المعتقد والافكار، وبعد دردشة قال لي: انك في نعيم، وانا في بحر بلا ضفاف؟؟؟

النحت الجاهز:

واشتهر في هذا الفن المدرسة البنائية التي ظهرت في روسيا قبل الثورة . وقد استخدموا مواد كثيرة من الآلات والادوات الآلية الجاهزة وقد هدفوا من ذلك بناء و خلق علاقات داخلية ديناميكية بين الكتل المصمتة والخطوط والفراغات وخلق توتر ومفهوم جديد، واشتهر من النحاتين الروس  نوم غابو وانتوني لفسنر . ثم جاء الفنان الفرنسي دوشامب 1887، والبلجيكي رينيه ماجريت 1898 والانكليزي جوزيف كوزوث 1915 الذي عرض طاولة عليها مجموعة من الكتب؟؟، والالماني المعروف جوزيف بويس 1921 حيث عمل نحتا جاهزا يتكون من كرسي عليه كتلة من الشحم . ويذكر ان الفكرة مأخوذة من قصة انسانية رائعة . وهي ان جندي الماني طيار سقط مع طائرته في الحرب العالمية الثانية في منطقة القوقاز فهرع اهل المنطقة لانقاذه وكان مجروحا فغطوا جسمه بالشحم حتى يتشافى من جروحه . وقد ظهر هذا العمل مركبا على غرار الكولاج في الرسم .

ومن رواد النحت الجاهز:

1 / دافيد اسميث 1906:

و هو نحات ومصور امريكي ولد في نيويورك عام 1906، كان موقعه في النحت الحديث كموقع بولوك في التصوير، وتمتاز اعماله كونها من نتاج الحضارة التكنولوجية المتقدمة، كان في شبابه يعمل في معمل سيارات ثم في الصناعات الثقيلة خلال الحرب العالمية الثانية، وذكر انه اخذ الراية من الفنانين الاسبان خاصة بيكاسو وخوليو غونثالث وخورخي اوتيثا وادواردو جييدا حيث استغل مادة الصلب خير استغلال في بناء اعمال ذات جمالية وسحر . كما تأثر بموندريان وكاندنسكي والتكعيبية . وقد كان سميث طلائعيا متمردا على التقاليد الفنية وفنانا مذهلا في مرحلة الخمسينات وسريع الانتاج . وقد قدم اعمالا غاية في الابداع والابتكار حيث يستغل قطع الحديد المختلفة الاشكال ويبني ويركب منها اعمال خيالية . ففي سنة 1946 اقيم له معرضا في نيويورك وكان من اعماله المعروضة مكعبات من الحديد بعضها فوق بعض قائمة على قاعدة عمود . وفي ايطاليا وجهت له دعوة للعمل والعرض حيث هيئت له مصنعا قديما بمثابة ورشة عمل فانتج 26 عملا نحتيا جاهزا في غضون 30 يوما وباحجام مختلفة ..

2 / انطوني كارو- 1924:

و هو نحات انكليزي وقد تمتع بسمعة كبيرة كما هي عند دافيد سميث، حيث استخدم الاشياء الجاهزة من الصلب وقضبان الحديد وقطع من الهشيم المعدني الخشن وعمل منها تكوينات لولبية تتدفق حيوية وخيال، وكان تلميذا للنحات الانكليزي هنري مور، وكانت اعماله تأخذ في بنائها مركزا افقيا بينما معظم اعمال سميث راسيا او عمودية . وبالتالي فان اعمال كارو تبتلع الفراغ والارض من تحتها وقد تم الغى القاعدة . بينما سميث يفضل ان تكون اعماله في الهواء الطلق معلقة .. كاروا يأخذ القطع الجاهزة من حديد البناء مثل ( الشيلمان ) والقضبان والاسلاك والانابيب والاسطوانات وغيرها من المعادن ويشكل منها اعمال نحتية جاهزة تعبر عن خيلاته وافكاره . وقد شاهدت له معرضا ضخما في لندن في كالري تاتي TATE قبل عدة سنوات كان غاية في الجمال والابداع وكانت قطع الصلب كبيرة الحجم وضخمة ولا اعرف كيف ادخلوها صالات العرض .

3 / خوليو غونثالث 1876:

يعد خوليو غونثالث Julio Gonzalezالاسباني الكاتالاني  1876-1942 اسطورة الفن الحديث والاب المجدد الطلائعي للنحت المعاصر وقد فتح قرائح الفنانين الحديثين في شتى صور الفن وروائع الابداع .. وهو الاول الذي شق الطريق لفن النحت الحديدي ذو الاشكال الهندسية بطريقة الطرق والصهر بالنار . وكانت اعماله تطبع تكوينه وميوله الحرفي والفني الذي انطبع به منذ نعومة اظفاره يوم كان مع ابيه يعمل حدادا .. فخرجت اعماله بجمالها وروعتها اصيلة تعبر عن ذلك الانتماء لحرفة الحديد  ... ولد خوليو في برشلونة عام 1876 وكان ابواه من اصول اندلسية، وكان ابوه وجده يعملان في الحدادة وكان خوليو يساعد والده في ورشة الحدادة عندما كان صغيرا .. وفي عام 1898 توفى والدهم . وفي عام 1900 قررت العائلة بيع ورشة الحدادة والانتقال الى باريس . هناك نصب خوليو له ورشة عمل حدادة ونحت  كانت محط لقاء الفنانين امثال بيكاسو وبراك وغيرهم من المعروفين الباريسيين ..

و يذكر بعض المؤرخون ان حركة التجديد للنحت بدأت بعد الحرب العالمية الاولى او قبلها قليلا  وان خوليو غونثالث في اعماله النحتية المعدنية الذي استخدم فيها اللحيم من ابدع ما ظهر في بداية القرن العشرين . وكانت تعتبر نقطة هامة في التحول النحتي الحديث .. يضاف اليه النحات الامريكي ريتشاد ليبولد في الاربعينات وكذلك النحات البريطاني ادواردو باولتس والفنان الفرنسي مارسيل دوشامب الذي لفت النظر الى النحت الجاهز وكذلك الفنان جان دوبوفيه الذي استخدم طريقة التركيب في منحوتاته وصنع بعضها من الاسفنج ...

4 / خورخي اوتيثا 1908:

 ولد الفنان خورخي اوتيثا Jorge Oteiza في مدينة سان سيباستيان عام  1908 وتوفى عام -2003 والتي تقع شمال اسبانيا، وهي عاصمة  مقاطعة غيوبوثكوا الباسكوس Guipuzcua ويعد الاستاذ الاول في النحت في اسبانيا .. كما يعتبر هو ومواطنه  ادواردو جييدا من ابرز النحاتين العالميين في القرن العشرين .Eduardo Chíllela 1924-2002 .

اذا تأملنا الانتاج الفني لخورخي والمرحلة التأريخية التي عاشها في بداية القرن العشرين . نجد هناك تأثيرات كثيرة قادمة من بعض  الفنانين الاوربيين والاسبان امثال الفنان الاسباني خوليو غونثالث 1876 الذي كتبنا عنه سابقا. وكان خورخي كثير السفر والتنقل بعيدا عن موطنه الاصلي، كما كان يساريا مطاردا .. ويذكرنا هذا الفنان المغامر ورحلاته التي دامت حوالي 15 سنة بالفنان الفرنسي كوكان الذي هرب من جحيم الحضارة الاوربية وذهب للعيش مع الشعوب البدائية في جزر تاهيتي .. وفي عام 1950 كلف في عمل عدد من المنحوتات الدينية لاحد الكنائس في- غيوبوثكوا – وقد نفذها باسلوب حديث غير مألوف للذوق الديني الكنسي مما دعى رجال الدين الى ايقاف العمل . وبقى هكذا معلقا حتى سنة 1968 حيث سمح له مرة ثانية بالاستمرار في عمله .. ومنذ الخمسينات غادر خورخي الشكل التشبيهي ودخل عالم الاشكال الهندسية حيث احدث حوارا بين المادة والفراغ ...

و بعد حصوله على الجائزة الاولى في بينال البرازيل عام 1957 اصبحت اعماله مرغوبة الطلب من قبل الكالريات والمؤسسات والمتاحف الفنية وكسب شهره عالمية، وهنا دخلت اعماله في عالم العمارة والشعر والفلسفة، وهو يقول (لاحظت ان اعمالي النحتية تتكلم ...) ويمثل ذلك بعدا روحيا وفلسفيا متطورا في حياته الفنية . كما اعتمد على الاسطورة والخيال في تنفيذ ومعالجة اعماله ..

5 / ادواردو جييدا 1924:

ولد جييدا في مدينة سان سيباستيانSan Sebastian – بلاد الباسكو – في اقصى شمال شرق اسبانيا عام 1924 ... بدا شييدا حياته كشاب رياضي ينتمي الى نادي - ريال سوثيداد - كحامي مرمى وكان ابوه يشغل رئيس النادي . ثم ترك الرياضة بعدما اصيب باحد ركبتيه .. بعد ذلك انتقل الى مدريد ودخل مدرسة الفنون . وبدأ يمارس النحت مستخدما مادة الجص .. بعدها عاد الى موطنه الاصلي واخذ يتعامل مع مادة الصلب في تنفيذ اعماله النحتية  . ثم سافر الى باريس واشترك بعدة معارض فنية .. ومن هنا بدأت سمعته تأخذ طريقها الى الانتشار .. بعدها عاد الى موطنه عام 1951 . واستقر فيها حتى وفاته عام 2002 ..

لقد تأثر شييدا باعمال الفنان والمثال الكبير خورخي اوتيثا Jorge Oteiza  1908 وهو من مدينته سان سيباستيان – وسلك نفس التعامل والحساسية مع مادة الصلب المطاوع والمعالجات والتشكيلات وهناك نجد تشابها كبيرا بينهما .

كانت اعمال شييدا نتاج تأمل هادئ للفضاء وعلاقته بالانسان .. استخدم مواد الصلب والغرانيت – حجر السماقي – والخشب والطين . وتعامل مع الحديد المطاوع بالطرق والصهر .. وشكلت اعماله حوارا مؤدبا جميلا بين الفراغ والشكل والفضاء . وكانت اعماله معضمها اختزالية اي مسطحة بتشكيلات تركيبية رائعة ، معظمها مكعبات وباحجام كبيره . وهي اليوم منتشره في انحاء العالم وقيمتها الفنية كاعمال بيكاسو وتابيس ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhod2ولد الفنان العراقي ريكان دبدوب في الموصل عام 1940، ودرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد وتخرج منه عام 1961، ثم اكمل دراسته في روما فرع الرسم عام 1965 .و اشتغل ايضا بالنحت على الخشب، وبعد عودته الى العراق اخذ يدرس مادة الفن في جامعة الموصل . وهو احد اعضاء جمعية الفنانين العراقيين وقد اشترك في جميع معارضها السنوية، واقام اكثر من 30 معرضا شخصيا .. وفي عام 1993 احيل الى التقاعد . وفي عام 2017 رحل دبدوب الى دار الآخرة وترك الموصل بدون ربيعين، بعدما افنى كل عمره في الرسم والابداع والتجديد واصبح من اعلام الفن العراقي المعاصر .

مسيرته الفنية:

ريكان هو ابن الموصل العريقة التي اسسها الآشوريون وجعلوا من نينوى عاصمة لهم - 883- 612 ق م – وكانت اقوى و اكبر امبراطورية في ذلك العالم القديم اشتهرت بملوكها العظماء وقصورها ومكتبتها العظيمة ومنحوتاتها المميزة التي نراها اليوم تزين معظم متاحف العالم . ولكن مع الاسف تعرضت هذه المدينة القديمة الحضارية في الفترة الاخيرة الى ابشع واشرس هجمة ارهابية من اصحاب العقول المتحجرة والظلامية، فقد حطموا آثارها واحرقو مكتباتها وهجروا اهلها وسبوا نسائها ..

كان ريكان في بداية حياته الفنية يرسم بتعبيرية واقعية لمشاهد من مدينة الموصل بقبابها ومنائرها وازقتها وتقاليدها المعمارية القديمة، وتذكرنا بعض اعماله احيانا في بنائها المعماري باعمال الفنان نوري الراوي . رغم ان الوانه كانت في البداية يطغي عليها طابع الحزن .و بعد تقدمه فكت اعماله طوق الحزن عنها واشرقت الوانها جمالا وسحرا . وكان ريكان يدرس مادة الفن في كلية الهندسة . وحينما يرسم يلتف حوله طلابه ليتعلموا منه صناعة وطريقة رسم المناظر الطبيعية بصبر وتأني وتقنية عالية . و كان واحد من انشط الفنانين العراقيين واكثرهم غزارة وعملا وحبا لفنه، وكانت اعماله تتصف بالقوة البنائية الراقية ...

اسلوبه:

تحول ريكان الى التجريد كما هي العادة عند مسيرة بعض الفنانين الحديثين وقد شرع مباشرة في بناء اعماله من عناصر واشكال هندسية كالمستطيلات والمربعات والمثلثات والثقوب واشارات رمزية وقد نفذها بشكل تعبيري مختزل على طريقة الفنان الروسي كاندنسكي 1866، واحيانا نرى بعض الاشكال عائمة في فضاء اللوحة كما هي عند الفنان الاسباني خوان ميرو 1893.. وقد استخدم في عمله مواد مختلفة مثل مساحيق الاحجار والرمل وغيرها بالاضافة الى استعمال مواد الزيت حيث اعطت هذه المواد الى سطح اللوحة ملمسا خشنا .. كما نجد احيانا وجوه تعبيرية مختزلة داخل مربعات مع اشارات رمزية وثقوب تتكرر في معظم اعماله .. وكانت اعماله التي نفذها في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات كانت كثيفة الالوان زاخرة الجمال ومترابطة، وذكر البعض كانها منحوتات لها بعد ثالث . ويقول ريكان (انا وجدت نفسي الآن ... اريد رسمي ان يكون غريبا) . هذا المقولة تذكرنا بالفنان السويسري بول كلي 1879 عندما زار تونس عام 1914 وانبهر بتقاليد الفن العربي والاسلامي والشمس المشرقة حيث قال (الآن وجدت نفسي ..) . وفي آخر حياته ادخل ريكان الصور الفوتوغرافية في اعماله التجريدية الى جانب مفرداته البصرية القديمة كالاشكال الهندسية والثقوب .

يذكر ان ريكان عادة عندما يرسم منظر ما يقوم بتحويله الى تجريد مثل جداريته الكبيرة – مدينة الموصل – التي نفذت على شكل اربعة اجزاء، فهو يقوم بعملية معقدة من التحويلات حيث يبسط ويختزل ويبني ويعطي لها ملمسا تشع منه تعبيرية وشاعرية جميلة .

تكرار فتحة الانبوب :

ان ما يميز اعمال ريكان هو عنصر فتحة الانبوب او الثقب التي نراها تتكرر مزروعة في جميع اعماله وكانها تمثل هويته، وهي صفة ظاهرة عرفها وشاهدها اهل الفن والنقد منذ انطلاقة ريكان في الفن التجريدي الحديث ولازالت . ومثله كمثل الفنان العراقي حسن عبد علوان حيث نشاهد في اعماله عنصرين متناغمين هما المرأة العراقية والعمارة التقليدية . ونرى امرأة واحدة تتكرر في اوضاع مختلفة وغالبا ما يجعلها طائرة في الفضاء وتشكل الاساس في بناء اعماله التي تحكي حكايات اسطورية من الف ليلة وليلة .. وهكذا نرى ثقوب الانبوب في لوحات ريكان تتكرر باستمرار دون هوادة ..

بعض المراقبين والمحللين للفن يقولون ان تكرار الشكل في اللوحة من معرض الى آخر ومن سنة الى اخرى يعمل على شهرة الفنان بغض النظر عن جودته او جماله، لان التكرار يترك صورته في الذاكرة الانسانية، رغم ان البعض يسأم وينفر من التكرار .. ولهذ نرى بعض الفنانين يجعل هدفه الاول هو البحث عن شئ يميزه عن الآخرين مهما كان الثمن قبيحا او جميلا مقبولا او مرفوضا لدى الناس . بينما لا تخطر هذه الاطروحات على بال رواد الفن الحديث ...  واتذكر قبل فترة في احد المهرجانات الفنية ان احد (الفنانين) عرض مشهدا يعتبره لوحة فنية، تمثل شابا حيا متمددا على فراش ويصرخ بين الحين والآخر ...؟؟؟ كما شاهدت حالة اخرى عرضت في مهرجان مدريد الفني الدولي، لوحة تمثل قدح حقيقي نصفه مملوء ماء وسعره 20،000 الف يورو؟؟ .. وفي مشهد آخر وانا اتصفح وابحث عن تطورات الفن الحديث، وجدت فنانا مهتما بعمل لوحات تتشكل من الازرارات وفتحاتها او ثقوبها، ويكون منها لوحات ملمسية او بارزة او ما يطلق عليه بالنحت البارز الجاهز ؟؟؟ ربما هذه المشاهد (الفنية) الحديثة تدل على الفراغ الفكري والفني والافلاس الذي وصل اليه معظم فناني الفن الحديث .

ريكان دبدوب كان وديع الدردشة وطيب القلب ويشهد على ذلك طلابه، وهو من جيل الستينان الجيل الجاد والملتزم والمبدع والمكافح، وكانت تجاربة وخبرته مستقات من اساتذته العراقيين الرواد، وقد عمقها بدراسته في الخارج، واتذكر انه كان كل سنة يقيم معرضا شخصيا في المتحف الوطني كولبينكيان في بغداد في مطلع السبعينات .... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

satta hashem2اذا صادف يوما ان تكون في لندن في زيارة او اقامة او ماشابه، فحاول ان تذهب الى زيارة متحف (التيت البريطاني)، او يسمى ايضا التيت كاليري، وهذا اسمه القديم قبل انفصاله الى قسمين سنة 2000، الاول هو البريطاني وهذا مانقصده ونطلب منك زيارته، والثاني المودرن او الحديث، ثم قم بزيارة القسم الخاص بالفن البريطاني لفترة الخمسينات، ستعثر على مصغر مجسم لعمل نحتي لنحات اسمه – ريغ بتلر – بعنوان السجين السياسي المجهول، وبطاقة التعريف المرفقة والمثبتة في اسفل المصغر تحمل اسم النحات وعنوان العمل وتقول بأن بتلر هذا قد انجز عمله بين السنوات 1951-1952 وفاز به بالجائزة الاولى في المسابقة الدولية التي نظمتها ودعمتها المخابرات المركزية الامريكية وتحت عنوان – المسابقة العالمية للنحت /السجين السياسي المجهول -،هكذا تقول وثيقة المتحف، (نرفق صورة هذا التعريف).

1494 satie

وحاليا وبعد انتهاء الحرب الباردة فلم يعد الارتباط بالمخابرات امرا مخجلا او محرجا عند الكشف عنه سواءا كان ذلك للمؤسسات ام للافراد، وبالعكس فالافصاح عن مثل هذه الاسرار امرا يخدم المعرفة والحقيقة بالتاريخ وحتى النجومية لمن كان له مثل هذا الماضي من الجاسوسية والدعارة .

ومايهمنا في ذلك هنا هو ان هذه هي نفس المسابقة التي حاول الفنان العراقي الراحل جواد سليم المشاركة بها وقام بأنجازعمل نحتي وفقا لشروطها وبالهام منها في سنة 1952 وبنفس العنوان الذي طلبته المسابقة، ومنذ ذلك الحين في الخمسينات والى الان، ونحن نقرأ ونسمع بدعاية قوية عن عمله النحتي ذاك في كتابات الصحفيين ونقاد الفن العراقيين واصدقاء الفنان تقول :

( فاز نصبه (السجين السياسي المجهول) بالجائزة الثانية في مسابقة نحت عالمية وكان المشترك الوحيد من الشرق الأوسط وتحتفظ الأمم المتحدة لنموذج مصغر من البرونز لهذا النصب)

او بكلمات مبالغة اخرى : (من أعمال جواد المشهورة منحوتته (السجين السياسي) التي قام بتهريبها إلى لندن عام 1953 للمشاركة في المسابقة الدولية مع 3500 نحات حيث فاز بالمرتبة الأولى لفناني الوطن العربي وبالمرتبة السادسة بالنسبة لنحاتي العالم وكان المشترك الوحيد من الشرق الأوسط وتحتفظ الأمم المتحده لنموذج مصغر من البرونز لهذا النصب ).

ولا ادري من اين جاء العراقيون بهذا اللغط الفارغ وهذه الرطانة، فهذه مسابقة عالمية كبرى وقد اصبحت شهرتها في ذلك الوقت تنافس شهرة جائزة نوبل، وعلى مدى عدة سنوات لاحقة اصبحت الشغل الشاغل للمجلات والدوريات الفنية والسياسية على السواء وبمختلف لغات العالم، وجميع الفنانين الذين حصلوا على جوائزها صاروا نجوم بالفن الاوربي والعالمي الحديث.

واريد لها منذ البداية ان تكون رمزا في الصراع الثقافي والاعلامي بالحرب الباردة، وقد كانت هذه المسابقة من الناحية العلنية باسم وتنظيم معهد الفن المعاصر في لندن، لكنها سريا، وبعد اطلاعنا على وثائقئها المتوفرة حاليا للجمهور، فقد كانت من تمويل وتنظيم واعداد المخابرات المركزية الامريكية وكما يذكر المتحف لجمهوره اعلاه، ويدعي كتبة تاريخ الفن بالعراق وصحافته واصدقاء الفنان بان الفنان جواد سليم قد شارك بها وفاز بجائزتها الثانية ولاندري كيف ومتى واين وثائق منحه الجائزة ؟

وقبل ان نكشف بطلان هذا اللغو لابد من تقديم نبذة عن هذه المسابقة اولا، وماهي شروطها واهدافها اصلا، وايضاح بعض الحقائق غير المعروفة لاولئك الذين يروجون تلك الشائعات عن وعي او بدونه.

في كانون الثاني من سنة 1952 نشر معهد الفن المعاصر في لندن الاعلان وشروط المشاركة وعناوين المراسلة، ووجه الدعوات للعديد من دول العالم لحث المسؤولين والنحاتين بالاشتراك في هذه المسابقة.

وكان الداينمو المحرك لكل هذا المشروع والمسابقة هو انتوني كلمان الملحق الثقافي الامريكي السابق لدى السويد الذي عين لفترة قصيرة مدير تنظيم المعهد، والذي وصل الى لندن في سنة 1951 مدعوما بالاف الدولارات من ممولين امريكان مهمين ومجهولين او لايودون الافصاح عن هوياتهم كما كان يقول وكما تقول الوثائق وكان هو حلقة الصلة بين هؤلاء المجهولين - يعني المخابرات الامريكية - وبقية اعضاء لجنة التحكيم التي كان هو على رأسها.

تكونت لجنة التحكيم من عشرة اعضاء نذكر بعضا منهم : الناقد البريطاني المشهور هربرت ريد الذي كان يشغل منصب رئيس المعهد، و رونالد بنروس نائب رئيس المعهد، والناشر اي. سي. كركوري الذي كان يشغل منصبا فخريا كرئيس لقسم المالية في المعهد، وهو ايضا الذي اسس في سنة 1950 في جامعة ليدز لجنة كركوري للزمالات، والتي كان احد اعضاءها النحات ريغ بتلر الذي فاز بالجائزة الاولى فيما بعد (يعني ان العلاقات والوساطات لعبت دورا)، النحات هنري مور الذي كان يشغل منصب مستشار فني في المعهد .

طلب من النحاتين في ذلك الاعلان ان بقدموا مصغرا لنصب كبير يمثل السجين السياسي المجهول، لوضعه في مكان بارز في احدى العواصم الاوربية الكبرى بحيث يتم نصبه ليكون معلما دوليا هاما، وكان هناك تأكيد من قبل المنظمين على ان الماكيت او المصغر المشارك ليس عملا نحتيا نهائيا وانما هو نموذج اولي ينبغي ان يكون ملائما لوضعه في دولة اوربية، وكان اكثر الاماكن تفضيلا لهذا النصب هو مدينة برلين وعلى الحدود بين المانيا الشرقية والغربية.

وفي الاول من حزيران سنة 1952 وهو اخر موعد للتقديم بلغ عدد المتقدمين للمشاركة 3500 فنانا من سبعة وخمسين دولة بالعالم، ولم يشارك العراق ولا اية دولة عربية اخرى بالتقديم لهذه المسابقة، حسب الوثائق التي استطعنا الاطلاع عليها لحد الان .

وقد رفض الاتحاد السوفياتي وبقية الدول الاشتراكية وقتها المشاركة بها لانهم اعتبروا اختيار مدينة برلين لاقامة النصب استفزازا وتعميقا للحرب الباردة، ثم انها جاءت بعد وقت قصير من توقيع الدول الغربية على معاهدة جنيف لسنة 1951 الخاصة باللجوء السياسي، والتي فهمت في الدول الاشتراكية على انها موجهة ضدهم ولدعم خصومهم داخل تلك الدول.

فجميع ما تمكنا من الحصول عليه من وثائق تبين لنا من خلالها زيف تلك الدعاوي التي يرددها صحفينا وكما يلي :

اولا : ان الاشتراك بهذه المسابقة تم عن طريق الدول التي ينتمي اليها الفنانين وليس التقديم بشكل شخصي، بمعنى ان كل دولة عليها ترشيح فنان اوبضع فنانين للمسابقة، وهذا شرط من شروطها

ثانيا : تم قبول اعمال 140 فنانا فقط، كانت دولهم قد رشحتهم بعد مسابقات محلية، فمثلا تقدم 607 فنان من المانيا الغربية وحدها، ولم تقبل منهم لجنة التحكيم الالمانية سوى اثنى عشرة فقط، ومن امريكا تقدم حوالي المئتين وتم قبول عشرة فقط وهكذا مع بقية الدول

ثالثا : لايوجد اسم جواد سليم كواحد من هؤلاء ال 140 في كاتالوك المعرض ولا في المقدمة التي كتبها رئيس اللجنة التي اختارت الاعمال والاعمال الفائزة وهو الناقد الشهير هربرت ريد، ولا اية وثيقة اخرى خاصة او عامة لهذه المسابقة، ولا يوجد اسم فنان عربي واحد اصلا او شرقي معروف او غير معروف ضمن قائمة المشاركين الذين تم اختيارهم.

رابعا : اختارت لجنة التحكيم اثنى عشر فنانا من مجموع 140، لدور شبه النهائي، او لتحديد الفائزين بالجوائز الثلاثة الاولى، وجميع هؤلاء ال 12 فنان هم كالعادة من دول اوربا الغربية

وقد اقيم المعرض الخاص بهذه المسابقة في متحف التيت او التيت كاليري كما كان يسمى، في الفترة من 14 –اذار  وحتى 30- نيسان من سنة 1953 .

ومنحت الجوائز كما يلي :

الجائزة الاولى للنحات والمعماري ريغ بتلر – بريطانيا، وقيمتها 4500 باوند

الجائزة الثانية منحت لاربعة فنانين بقيمة 750 باوند لكل واحد وهم :

مركو باسالديا – ايطاليا، باربارا هيبورث – بريطانيا، انتوني بيفسنر – فرنسا واخيه نعوم كابو – امريكا (هؤلاء اخوة يهود كل واحد يعيش في دولة)

الجائزة الثالثة وقيمتها 250 باوند :

منغازي – ايطاليا، ليبولد –امريكا، ادم – فرنسا، بيل –سويسرا، كالدر –امريكا، جادويك – بريطانيا، هيندر- استراليا

من المعروف ان جواد سليم قد انجز عملا بعنوان السجين السياسي المجهول لهذه المسابقة وهذا مايعرفه الكثيرين وهناك صور عديدة ووثائق لهذا العمل، وربما مازال باقيا في مكان ما او لدى شخص ما، ولكن وفقا لما تعرفنا عليه مؤخرا من وثائق في ارشيف متحف التيت المنشورة والتي ذكرنا قسمها الاساسي اعلاه فان جواد سليم لم يشترك بهذه المسابقة ولم يكن بامكانه المشاركة اصلا، حتى لو كان قد اخذ عمله وسلمه مباشرة الى لجنة المسابقة، والسبب لان شروطها واضحة انذاك وهي الاشتراك عن طريق الدولة وليس بشكل شخصي، ولهذا فلاادري من اين جاءت هذه الدعاية التي تجزم بمشاركته وفوزه ومن روجها ولماذا؟ وكيف اخذت هذه الكذبة كل هذا الوقت دون ان تكشف؟ واصبحت وكأنها حقيقة في اذهان الناس او قل في ذهن جمهور الفن التشكيلي لاتقبل الجدل، لماذا لم يُتعب او يحاول اتعاب نفسه واحد من اولئك الذين يدعون انهم مؤرخين فن او الذين الفوا الكتب عن جواد سليم بأن يتحققوا من حقيقة الامر من الجهات البريطانية الراعية لهذه المسابقة، لماذا لم يدفعهم الفضول لمعرفة المزيد عن هذه الجائزة حتى على افتراض ان ادعاءاتهم صحيحة.

جميع الفنانين الفائزين بالجوائز انفة الذكر، قد اكتسبوا شهرتهم العالمية واصبحوا مؤثرين بالفن الحديث بعد نيلهم تلك الجوائز ومشاركتهم في ذلك المعرض، ومن وقتها اقتنت كافة متاحف الفن الحديث في اوربا اعمالهم وزادت اسعارها بقفزات، واصبحوا بفضل كتابات ريد وتلك الدعاية النموذج الذي اقتدى به كل جيل الستينات اللاحق في اوربا والعالم، اذن لو كان جواد سليم واحدا منهم، وقد حصل ولو حتى على اقل هذه الجوائز شأنا، سوف لن نقول الثانية فلماذا لايذكره احد الان كما يذكر الاخرين؟.

كيف يفوز فنان من دول المستعمرات في جائزة بهذا الحجم وهذه الدعاية الهائلة التي غطت سمعتها الوسط الفني العالمي زهاء خمسة سنوات ويبقى اسمه مغمورا بالعالم، بلا معارض خارج حدود بلاده وبلا تكليفات فنية في دول اخرى، بلا شهرة او مقابلات او دراسات نقدية عن اعماله، خاصة وان رئيس لجنة المسابقة التي منحت الجوائز  هربرت ريد كان يعد اعظم واشهر ناقد فني بالعالم انذاك، ويكفي ان يكتب سطرا واحدا عن فنان ما حتى يصبح ذلك الفنان حديث اهل الفن وحماته حول العالم،اذن لماذا لم يذكر اسم جواد سليم في مقدمته لكاتالوك معرض الجائزة الذي حرره هو واختار جميع المشاركين والفائزين بنفسه ؟ولماذا لم يذكره او يكتب عنه لاحقا حتى ولو ضمن ملحوظة بائخة ؟علما بان ريد هذا مات سنة 1968 وجواد مات سنة 1961 فهل من المعقول ان لايؤبنه ببضع كلمات وهو المعروف في وقوفه وراء شهرة ثلاثة ارباع فنانين اوربا انذاك؟، اسئلة واسئلة وكلها محيرة.

وكيف يعقل ان تمنح المخابرات المركزية الامريكية جائزة بهذه الاهمية لفنان عربي مغمور ليس له ناقة ولاجمل في صراعها مع خصومها في الشرق الاشتراكي وليس من فائدة سياسية ستراتيجية مرجوة منه حتى وان كانت موهبته اعظم من منافسيه جميعا، حيث ان الفكرة وراء هذه المسابقة اصلا هو ليس اكتشاف المواهب والعبقريات بل ان تستعمل كسلاح سياسي ايدلوجي في الحرب ولعكس تصور الغربيين لانفسهم .

اما الكذبة الثانية التي تم تسويقها بدون دليل فهي وجود نسخة برونزية لدى الامم المتحدة لهذا العمل، ولااحدا يعرف في اي مقر من مقراتها وفي اي دولة وباي عاصمة، خاصة ونحن نعرف ان جميع الاعمال الفنية التي تمتلكها هيئة الامم المتحدة موثقة في ارشيف فني ضخم يستطيع اي باحث او اي انسان عادي مراسلة الجهات المختصة والحصول على المعلومات المطلوبة، والسؤال لماذا يخلو هذا الارشيف من عمل جواد سليم البرونزي ان وجد ؟ بينما يحتوي على تبويب وفهارس لفنانين اخرين من الشرق الاوسط، اين يوجد هذا العمل البرونزي المزعوم؟

بالواقع وكما يبدو لنا الان من هذا السرد، فأن المتسبب الاول في كل هذا الهراء ربما هو المترجم والناقد الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، صديق جواد سليم واحد اكثر المعجبين باعماله، وقد يكون هو مخترع قصة مشاركته بتلك المسابقة وفوزه، وليس عندي الان كتابه عن جواد سليم الذي نشرته وزارة الاعلام سنة 1972 ضمن كتب السلسلة الفنية، لكي اعيد قراءته لاستطيع التأكيد او النفي، ولكن على ما اتذكر ففي هذا الكتاب يذكر جبرا هذه الكذبة، ولا ادري هل كان ذلك حبا بجواد سليم ام سعيا لاستغفال العراقيين، اتمنى ان يقوم الان واحدا من نقاد الفن في بلادنا والمواكبين لتطور الفن العراقي بعرض مفصل لكل ماذكره جبرا بهذا الخصوص .

كم يؤسفني عرض هذه الحقائق التي اكتشفتها لاول مرة بالصدفة في نوفمبر سنة 2011 ولم أشأ الكتابة عنها كل هذه السنوات وبلادنا تعيش كل هذه الماسي والتعاسات التي لانهاية لها، وسوف اكون سعيدا جدا اذا ما تقدم احد الباحثيين الجادين بما هو عكس ما تقوله الوثائق التي اطلعتها عليها لحد الان، غير ان الاماني تبقى اماني ولابد لنا يوما ما من كتابة تاريخنا كما هو وبلا رتوش .

وباختصار نكرر بان جواد سليم قد نفذ عملا نحتيا باسم السجين السياسي المجهول، وهذا مالايناقش به احد، لكنه وفقا لما منشور من وثائق من تلك المسابقة، فانه لم يشترك بها اصلا، ولم يتم اختيار عمله ولا في اي مرحلة من مراحلها، ولم يفوز باية جائزة من جوائزها ولم يعرف به ولابعمله احدا من منظمي اوداعمي هذه المسابقة للنحت لا سابقا ولا لاحقا، وان كل ماقيل عن هذا الامر لايعدو كونه غير وهم وقد تلبس عقول العراقيين.

 

ساطع هاشم

...........................

للمزيد من المعلومات

http://www.tate.org.uk/art/artworks/butler-working-model-for-the-unknown-political-prisoner-t02332/text-catalogue-entry

https://www.moma.org/calendar/exhibitions/2421

https://espionart.wordpress.com/2013/07/12/monument-to-the-unknown-political-prisoner/

 

mohamad alshawi"بعض الرسامين يحولون الشمس إلى بقعة صفراء، والبعض الآخر يحول البقعة الصفراء إلى شمس." بابلو بيكاسو

لا شك أن كل مهتم بتدريس الفن التشكيلي بالمغرب سيلاحظ حتما وجود تعدد وتدرج في مدارس ومذاهب تدريس الفنون التشكيلية؛ أنواعاً مختلفة من التقنيات التي تروم تقديم دروس نظرية وتطبيقية للطلاب الفنانين .

لكن السؤال الأساس لهذه الدروس يرتبط بديداكتيك تدريس الفن، والمراد به منهج تلقين الفن وطريقة تدريسه للطلاب. فهو بتعبير أكثر دقة: العلم المرتبط بعملية التدريس. فكما أن لكل مادة من المواد التي تُدرس في المؤسسات التعليمية ديداكتيك تدريس خاص بها، مثل ديداكتيك اللغة العربية والفرنسية والرياضيات ... فإن للفن أيضاً ديداكتيك وبيداغوجيا ومناهج وطرق متعددة لتدريسه. وعلى هذا الأساس يمكن طرح التساؤل الآتي:

ما طبيعة وخصائص ديداكتيك الفن بالمغرب؟ وعلى أية أسس ومقومات يقوم هذاالديداكتيك؟

في تقديرنا فإنه يصعب على كل من الفن والفلسفة القبض عليهما بديداكتيك معين بالنظر إلى التخصصات المعرفية الأخرى، بل إن الفن نفسه خرج من رحم الفلسفة .

من هذا المنطلق صار الفن التشكيلي وغيره من الفنون الأخرى التي تدرس في المعاهد كالنحت والرسم والصباغة و الفنون البصرية والجميلة في الوطن العربي عامة وبالمغرب خاصة، مرتبطاً بعملية اجتهاد خاص بالأستاذ الفنان الذي يُدرس في غالب الأحيان مجال تخصصه، أو نفس موضوع شهادة تخرجه من نفس المعهد أو دبلوم الدراسات العليا الذي أنجزه خارج الوطن.. ولا نستغرب أن يدرس مادة من مواد الفن لا علاقة له بها غير الخير والاحسان وهكذا دواليك. والنتيجة أن طالب الفن تم تنميطه وخندقته وفق أفق تفكير أستاذه، ورهين تصوره البصري. وهذه مسألة قد نقبل بها في السنة الأولى للتكوين، لكن أن يصاحب هذا التوجه جل مسيرة طالب الفن التكوينية، فهذا أكبر خطأ يعتري التوجه البصري والتكويني بمعاهد الفن عندنا .

أضف إلى ذلك تموقع الطلاب في عباءة أستاذهم الفنية وعدم السماح لهم بالخروج منها وإلا تعرض للعقاب المرتبط بالنقطة. طبعا لأن المعيار هنا هو إرضاء الأستاذ وليس فتح أفق للتفكير البصري في وجه هذه الفئة التي حصرها هؤلاء في محطة أولى من محطات التعلم ولم ترتق للمحطات الأخرى لكي تعانق الإبداع وتكتشف أسراره الدفينة.

عجبا لكم أيها السادة الأساتذة مازلتم لم تفهموا أن طلابكم لا يفهوا ..!!

نعم لا يفهمون حقيقة الفن وجوهره، تلك المهمة الملقاة على عاتق من يمتلك حساً وشعوراً فنياً لخلق الأفكار الجمالية. ويحكم لقد سجنتم طلابكم في زنزانة توجهاتكم ومدارسكم الفنية..!! أتركوهم لكي ينسجوا على منوالهم و يبرزوا لنا ما حصدوه من ثمار أزهاركم طيلة سنوات التكوين والبحث.

إن وظيفة الفن كما حددها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه المشترك مع فيليكس غواتاري حول موضوع: "ماهي الفلسفة ؟"، هي وظيفة خلق الأفكار الجمالية. أما العلم فوظيفته ارتبطت بخلق التخصصات والمعارف. بينما الفلسفة فإن وظيفتها هي صناعة المفاهيم. فل تدعوهم يخلقون الأفكار الجمالية ويسارعون إلى تفعيلها.

في نظرنا لا يمكن أن يكون ديداكتيك الفن عبارة عن مقاطع جوفاء من دروس نظرية وتطبيقية، فهو ديداكتيك قائم بنفسه يساءل الفنان ويقدم له الجواب ويطرح أسئلة أخرى ترتبط بفلسفة تدريس الفن، وهي فلسفة عمادها تاريخ الفن ومذاهبه كما مارسه محترفو الفن ورواده . فضلا عن كون مستقبله رهين بما تعرفه العلوم من تطور ومعارف في شتى المجالات .أما أولائك الذين مازالوا يعتقدون أنهم قساوسة الفن ورهبانه وكرادلته، فإنهم يقولون قولا بئيساً يعود بنا إلى القرون الوسطى .

لا حرج عليكم أيها الرهبان، لقد صار الكل يعرف بأنكم كاتوليكيي المذهب.فل تترقبوا ثورة بروتستانتية جديدة لصغار الرهبان والراهبات من طلابكم، وهم طلاب لا يقيمون القداس على منوالكم، لقد تركوا لكم القداس وحطموا جذران كنيستكم وخرجوا من عباءتكم نحو عالم الحرية والتفكير الحر الذي خُلق الفن من أجله. فروحه هي روح التجديد والتعبير عن قضايا العصر . وقد صدق الفنان التشكيلي الراحل محمد شبعة حينما قال مخاطبا هؤلاء وهو يوجه طلابه نحو المسار الذي ينبغي عليهم إتباعه: "اجعلوا للتشكيل مكانا في حياتكم، واعملوا على تحريره من أسر النص الجاهز، وامنحوه استقلاله وتميزه".إن استقلال التشكيل وتميزه هاهنا يكمن حسب ملفوظ القولة في تحرره من كل ما هو جاهز ونمطي، ساد على مر عصور داخل الأعمال الفنية التي كانت نموذجا بصم على مخيلة الفنان المغربي ولم يتخلص منه، بل إنه ظل يكرره، إن بطريقة أو بأخرى. مما جعل المتلقي يصنف التشكيل في قالب بعينه من خلال التيمات التي سادت داخل دور العروض وهي تيمات ظلت مشتركة بين الفنانين آنذاك وما زالت إلى يومنا. فالمعنى الحقيقي للتشكيل لا يمكن أن يستوعبه طالب الفن إذا لم يعمل على بناء ركيزة فلسفية منهجية يقوم عليها تفكيره الفني والجمالي، الشيئ الذي سيؤدي حتما إلى فتح آفاق رحبة للخروج من دوامة إعادة الإنتاج نحو الإبداع.

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن سؤال الفلسفة هو الكفيل بإخراج الدرس التشكيلي في معاهد الفنون من صناعة الفنان الحرفي نحو صناعة الفنان المبدع الذي لا ينسج على منوال الآخرين، بل إنه يتجه نحو منوال خاص به وبالتالي فإنه حسب تقديرنا يستطيع بناء مسار خاص به سيعطي لأعماله تميزا وقيمة جمالية وعلمية.

 

د. محمد الشاوي - فنان تشكيلي مغربي وأستاذ فلسفة

 

khadom shamhod2يعتبر الرسام الهولندي ميغيرين من اكبر مزوري اللوحات في العالم Henricus Meegeren 1889-1947 . بدأ حياته هاويا للرسم ثم اصبح رساما وبدأ يعرض اعماله للجمهور ولكنه لم يوفق في فنه ولم يلاقي اي ترحيبا من الجمهور ونقاد الفن . ولهذا قرر ان يثبت لهؤلاء ذكاءه ونبوغة في طريقة اخرى . حيث اصبح تاجر للفن واخذ يعمل على تزوير لوحات عظماء اهل الفن ويوهم الآخرين بانها اصلية . وكان ميغيرين قد بدا بدراسة المواد التي يستخدمها الرسامون في القرون السابقة من طريقة تراكيباتها الكيمائية وطريقة خلط الالوان واستخدام النار في تجفيف الالوان الزيتية وكذلك اظهار الشقوق واستخدام فرشاة لها شعر ذلك الوقت ومادة القماش الاصلي الذي يعود الى 300 سنة والخشب وغيرها من طرق رسم ذلك الزمان ..

في نفس الوقت كان هتلر واحد مساعديه الجنرال هرمان غورين Hermann Gorin 1893-1945 - من اكبر مقتني وجامعي اللوحات العالمية، كما يذكر ان هتلر كان قد مارس الرسم، واتذكر اني قد شاهدت له على الاقل لوحتين في متحف طهران . وبعد احتلال المانية النازية لهولندا، كان الجنرال غورين يبحث عن اعمال الرسام الهولندي Johannes Vermeer 1675- 1632 .(والحديث عن بيرمير العظيم يحتاج الى مقامة خاصة) وبيرمير مات مبكرا ولم يترك من الاعمال المنسوبة له سوى 33 او 35 لوحة ويعتبر من عظماء فن العصر الذهبي النورياندس .

وفن الباروك .. الجنرال غورين عثر على على احد مساعدي تاجر اللوحات ميغيرين المذكور سابقا وطلب منه شراء عدد من اعمال بيرمير، ولكن مساعد التاجر اظهر له صعوبة ذلك وغلائها كونها نادرة . ويذكر ان الجنرال قدم له 200 لوحة اصلية لعظماء عصر النهضة مقابل لوحة واحدة لبيرمير، وكان سعر هذه اللوحات في ذلك الوقت 11 مليون دولارا، بالتالي تبادل الاثنان الاعمال وانتهت الصفقة .. واللوحة التي بيعت تمثل – السيد المسيح مع عدد من الاشخاص –

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء وتقاسم الغنائم . عثر الحلفاء على آلاف اللوحات الاصلية والتي تعود الى عظماء الفن الاوربي مخفية في انفاق، منها مجاميع ومقتنيات الجنرال غورين . وقد وجدوا فيها لوحة – السيد المسيح .. للرسام بيرمير Vermeer وبعد التحقيق عرفوا بائع اللوحة وهو التاجر الرسام ميغيرين .. استدعي ميغيرين الى المحكمة في تاريخ 29/5/ 1945بتهمة بيع اعمال بيرمير الى الالمان والتي تعتبر تراث للامة الهولندية وبتهمة اخرى هي التعاون مع النازية؟. ولكن ميغرين ادرك الامر في نفس اللحظة وقال للمحكمة يا سادة ان هذه الاعمال مزورة ومقلدة وليس اصلية وانا كنت الرسام المزور؟ وانا مستعد اقوم بتجربة الاستنساخ والتزوير امامكم، فسمحوا له وقام بعمل ذلك ؟؟؟ فاندهش الجميع وصدرالحكم بالسجن لمدة سنة واحدة . ويذكر انه قال بعد اصدار الحكم (الآن عرفت ان هناك اثم في العالم) . ولكن سوء حض ميغيرين قد اوقعه هذه المرة ولم يستطيع الافلات منه، فقد مات بعد اسبوع من اصدار الحكم بسكتة قلبية في 30/12/1947 ..؟؟

هذه القصة احدثت رجة وقلق كبير في صفوف مقتني وتجار اللوحات، وهي ان تكون بعض لوحاتهم التي اشتروها بالملايين الدولارات مزورة وغير اصلية .. وكان من الصعب كشف اللوحات المزوره في ذلك الوقت خاصة ان المزورين كانوا من الحذاقة والذكاء يقلدون الاصلية بكل موادها ومفاصلها القديمة . ومن جهة اخرى لازالت الاجهزة العلمية يومذاك غير قادرة على كشف المزيف .. وبقى الخبراء والنقاد في حيرة وتسائل طيلة القرن العشرين حتى عام 1977 حيث كان التاجر والرسام ميغيرين Meegeren محل نقاش وجدل واعتبروه عبقرية في التزوير والتقليد لا مثيل لها في التاريخ ..

الاصلي والمزور:

هل ان التزوير لازال قائما في اللوحات الفنية؟ وماهو الاختلاف بين الاصلية والمزورة؟ يجيب عليه بعض النقاد بنعم وان تقنيات المزورين في تسابق مع اجهزة الكشف؟ حيث ذكر البعض انه يوجد هناك نسخة مزورة للوحة موناليزا. وان اللوحة المعلق في اللوفر لا يعرف هل هي الاصلية ام المزورة؟ وان الزوار عندما يشاهدونها تصعد مشاعرهم بالاعجاب والاثارة والاندهاش وربما يأتون من بلدان اخرى لرؤيتها، ولكن لو همس احد في اذن احد المشاهدين وقال له انها مستنسخة وليس الاصلية ؟؟ ماذا يحدث ؟ بالتأكيد ستهبط مشاعر الاعجاب الى الصفر وينصرف عنها؟؟ ولنقل بشكل آخر لو ان احد الرسامين قلد احد لوحات فان كوخ بالتمام والكمال ووضع توقيع فان كوخ وربما خرجت افضل من الاصلية من ناحية حداثة الالوان والقماش وغيرها .. ثم قال للناس هذا فان كوخ ؟؟؟ فمن المؤكد ستتدافع الناس لرؤيتها مبدية اعجابها وسرورها وستشتغل كامرات التصوير والفيديوات حتى السماء ؟؟ ؟؟ اذن المسألة تتعلق في التاريخ وليس بالعمل ومفهوم اللوح يذهب الى القلب ليتعاطف او يرفض.. وبالتالي فان البعض يقول ان العمل الفني هو في ذهن الانسان وهي عبارة عن رسوم اكينوس مبرمجه حسب عدة عوامل او قيم تحددها وتصنفها وتحكم عليها . ...تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

mohamad alshawiلماذا محمد خصيف باحثاً في اللامفكر فيه؟

ولماذا أيضاً محمد خصيف طبيباً معالجا للجسم التشكيلي بالمغرب؟

يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في كتابه: "الهوية والإختلاف"  "identité et différence " وهو يتحدث عن أبحاثه الدؤوبة في فهم التراث الفلسفي مقارنا نفسه بالفيلسوف هيجل:

" إن قانون الحوار مع التراث التاريخي بالنسبة إلينا هو ذاته بالنسبة لهيجل، حيث إن الأمر يتعلق ببلوغ الفكر الماضي في دقته وقوته. إلا أننا لا تبحث عن تلك الدّقة فيما فكر فيه المفكرون، وإنما فيما لم يفكروا فيه، في اللامفكر فيه impensé، ذلك اللامفكر الذي يستقي منه المفكر فيه ماهيته. بيد أن المفكر فيه هو وحده الكفيل بأن يمهد لما لم يفكر فيه بعد."1

يتبين من خلال هذا الملفوظ أن اللامفكر فيه هو القادر على إعادة بناء حوار مع التراث التاريخي والفلسفي الذي ما زال يسكن راهننا، من خلال طرح تساؤلات وقضايا ومطارحات لم يفكر فيها المفكرون، إذ على أساسها تتسع دائرة التطور والإستمرارية وفق صيرورة تاريخ الفلسفة.

فكيف فكر الفنان التشكيلي والناقد محمد خصيف في اللامفكر فيه بالنظر إلى منجزات التشكيل المغربي؟ بتعبير آخر كيف عالج محمد خصيف اللامفكر فيه من خلال منجزاته التشكيلية الخاصة التي استقى من خلالها تجربةً فريدةً وسمت أسلوبه التشكيلي؟

إن الجواب هاهنا يستدعي منا تحليل الأعمال التشكيلية التي أنجزها الفنان محمد خصيف ولا سيما منها تلك التي تأسست على أنقاض التوجه التجريدي الموسع والرحب الذي وسم بصمةً دلاليةً وتأمليةً في لوحاتهِ المتعددةِ،  التي وقع عليها اختيارنا، لا سيما تلك التي أنجزها إبان الثمانينات من القرن العشرين إلى الآن.

وهي لوحات ذات تقنيات متعددة ومختلطة على اللوحة/ الحامل بطريقة نسقية تجعل من الكل سابق على بنية الجزء، وأيضاً الجزء لا يكتمل إلا بالكل. إنها ألوان متدرجة وأشكال مختلفة في الحجم والكتلة وكذلك في فضاء اللوحة فإنه فضاء شبيه بالبنية الجيولوجية للأرض في بنيتها الجوّانية، والقشرة الأرضية ومكوناتها البرّانية التي درسها علماء الكون في أبعادها الماكرو كوسمولوجية والميكرو كوسمولوجية.

لقد اتفق نقاد الفن التشكيلي على فكرة مؤداها أن اللوحة هي التي تعبّرُ عن الفنان وتتحدث بلسانه. كما أن للفن التشكيلي أبواباً وتوجهات رحبة ومتباينة تارة ومختلفة تارة أخرى، بل إن هناك قواعد وأشكال وأنواع بصرية تأثر بها الفنان محمد خصيف داخل تجربته الخاصة وفي صميم ما هو مفكر فيه إذ على أساسها كان باحثا في اللامفكر فيه.

فتأثره بفن النهضة يظهر في مطارحاته الدينية والتاريخية التي وسمت كتاباته النقدية عن تاريخ الفن وموقع الفن العربي الإسلامي من هذا التاريخ.

وفن الواقعية تأثر به حينما كانت مرحلة البحث والتشكيل بمطارحة قضايا  وموضوعات  ذات الارتباط بإشكالية الهوية المغربية وسؤال الحداثة الذي لم يكتمل مشروعه في التشكيل المغربي بعد.

 ويظهر أيضاً تأثيره بالفن الانطباعي في أعماله الربيعية التي تعود بنا إلى منتصف الثمانينات، وتحديدا  مراكش الحمراء التي كانت مسقط رأسه، حيث بحث فيها عن الطبيعة والحياة والهواء الطلق، وتلك العناصر الأربعة المكونة للوجود، والتي جمعها الحكيم أنبادوقليدس في نظريته بعد طاليس، وأنكس مانيس، وهيراقليطس وأنكساكوراس...

وتأثيره بالفن السوريالي يظهر لنا في أحلامه الجميلة على قماشه التي عارض فيها وبشدة أفكار البورجوازية باحثا عن أشكال تعبيرية تسمو وتعلو عن الواقع الاجتماعي.

وفي فنه التعبيري؛ فإننا نجد معارضة ناطقة برسومات وأشكال من صميم المعانات اليومية، أي تلك التي تعبر عن آلام المجتمع وحقيقته، وتحضرنا بهذا الصدد لوحة "الرجل الذي يعاني من إعاقة حركية بقدميه"، والتي تعبر بصدق عن معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في مشهد من صميم الحياة اليومية.

أما الفن التجريدي عنده  فإنه يتخذ لغة اللون البصري، تلك اللغة الخاصة التي ترتبط باللامفكر فيه، وهو ما يستدعي من الناقد أن يقوم بالتأويلات متعددة للخروج من المعنى المجازي نحو المعنى الحقيقي الثاوي خلف لغة الألوان وتداخلاتها التي تعبّر عن المسكوت عنه والمضمر والمبهم...

يرصد لنا محمد خصيف في حواره مع التاريخ ليس بمعناه الجاف الذي يدل على ما مضى ويشكل ذاكرة للإنسان، إن التاريخ عنده الماضي والحاضر والمستقبل في علاقة جدلية السابق فيها يؤسس للاحق.

يقول الفنان الروسي مهادين كيشيف Muhadin Kishev : "على اللوحة الفنية أن تكون جميلة في أي أسلوب كان تصميمها".  و اللوحة التجريدية؛ الجيدة التصميم لا تأتي من فاعل الصدفة والعفوية بل إنها تحمل مقياس وقواعد أساسية كما هي اللوحة الواقعية. ويضيف. إن الفن التجريدي أصعب من الواقعي لأنه يحتاج لدقة التعبير وأن لا ينقص أو يزيد فيه شيء . يخطئ من يظن بأن الفن المعاصر والفن التجريدي هو سهل التصميم .

نحن أمام لوحات تشكيلية ذات لغة خاصة امتاز بها الفنان محمد خصيف، إنها لُوَيْغة داخل اللغة.

les  beaux livres sont écrits dans une sorte de langue étrangère ..." Marcel Proust 

إن الكتب الرائعة كما يقول بروست هي المكتوبة بلغة خاصة (لُويغة) داخل اللغة، وهذا ما عبَّر عنه الفيلسوف جيل دولوز بالتمتمة داخل اللغة. أي أن الكاتب المبدع هو الذي يبتكر لغة خاصة به داخل لغته التي يمارسها، فكذلك هو الشأن بالنسبة للفنان التشكيلي فإن المتلقي يعرفه مثلما يعرف الأديب المنفلوطي والشاعر محمود درويش والعقاد والمزيني وكتبات محمد أديب السلاوي...

كذلك نعرف محمد شبعة والجيلالي الغرباوي وفريد بلكهية ومحمد القاسمي ومحمد خصيف ومحمد الجعماطي ومصطفى النافي...

إنك ستتعرف على الكاتب وكذلك الفنان دون أن أدلك عليه لأنهم صنعوا لأنفسهم لغة خاصة  فقد قاموا بتحويل نصوص ولغة أخرى وأعمال تشكيلية لمثون تشكيلية من الريبرطوار الكوني والمشترك الإنساني فصقلوا من ينبوعه تجارب لهم. أقول ومن خلال معرفتي بأنه لا وجود لعمل تشكيلي بُرَاءْ، بل إن كل عمل لا بد وأن يتداخل مع أعمال أخرى، لأن العمل الفني الخالص لا وجود له. إن لغة الفن التشكيلي التجريدي في ماهيتها هي مسعى وطريق مضمر لا يفصح بها الفنان التشكيلي عن نفسه، إنها لوحات تحكي عن الفكرة التي تنتمي إلى عالم الفكر الذي يصعب القبض عليه إلا بمعية السند. لأن الفكرة البصرية هي  التي تتبدى لنا باللون المعبِّر عن عمق الموضوع. ولهذا فإن الذي يبحث عن جمال الطبيعة في اللوحات التجريدية فإنه من الصعوبة بمكان رؤيته. إننا نجد أن لغات العالم مختلفة ومتنوعة، فكذلك هو الشأن بالنسبة للغات التشكيلية. إنها لغة التعبير     لا تحتاج إلى  ترجمة وهذا معروف عند المهتمين بالتشكيل والموسيقى. 

1492 khassif

إن الفن التجريدي هو الذي أسعف الفنان محمد خصيف في التعبير عن  قلق وجودي يعتري أفق تفكيره؛ ليشدو من خلاله نغمات الوجود في علاقته بالموجود الإنساني الذي اختفى داخل" أبنية فراغ"، إنها تلك التي حصرت وحدّدت حرية الكائن البشري وفق نمط محدد في الزمان والمكان.

ويظل سؤال الشكل واللون يُؤرقُ المتلقي الذي يريد فهم أفق تفكير هذا الفنان ونمط صياغته للغة التشكيلية التي وسمت أعماله. فما هي هذه اللغة؟ وعلى أية أسس ومبادئ يمكن فهم وتحليل الخطاب التشكيلي الثاوي داخل هذه الأعمال؟

في تقديرنا يصعب المجازفة بالقول بأن لغة لوحات الفنان محمد خصيف تستدعي قراءة واحدة فحسب أو تأويلا بعينه. إنها جماع للعديد من التحليلات التحتية والفوقية، ولتأويلات ترتبط بسيكولوجية المتلقي وبمستوى تفاعله مع ضربات الريشة وتشابك الخطوط المستقيمة والمائلة في قوالب قد تبدو نمطية للبعض إلا أنها ليست كذلك.

ربما هي عودة الروح للجسد أو تقابل الظاهر مع الباطن، والوجود مع العدم...

 تلك التي ارتبطت بالميتافيزيقا الغربية.إن القراءة الإستيطيقية التي نروم اعتمادها في تحليلنا  لهذه اللوحات تقوم على أساس مركزية اللاشعور الإنساني ومدى سيطرته على الحياة النفسية للإنسان، إنها شبية بفرضية اللاشعور التي دافع عنها فرويد باعتبارها ثورة علمية تضاهي ثورة كوبيرنيكوس في الكوسمولوجيا وثورة شارل داروين في حقل البيولوجيا.

إن هذا اللاشعور الذي يختفي خلف تعبير الفنان محمد خصيف  يتخذ صبغة جماعية مشتركة شبيه شيئا ما باللاشعور الجمعي    ل كارل غوستاف يونغ وكذلك غوستاف لوبون.

إنه مظهر تجريدي اخترق الحامل لكي يفصح عن  "أزمة التشكيليين المغاربة"  وضياع الإنسان المعاصر في صلب البنى المشكلة لمنظومة المجتمعات المعاصرة، ولا سيما في الإقتصاد والسياسة والثقافة، هذا الثلاثي الذي تتضارب في طياته جل هموم المثقف المغربي.

ولأن الفنان أبى أن يصوغ موضوعا بعينه يسري  على مضمون اللوحات، وذلك لفطنته الجمالية بأن المتلقي هو الذي ينبغي أن يحدد الموضوع وأن يستجيب للحامل لكي يحصل التفاهم.

وكما يقول المنفلوطي :

" محال أن يعجز الفاهم عن الإفهام"، فإننا نقول في سياق آخر : محال أن يعجز الفنان فهم صديقه الفنان، ولمَ لا أن يقوم  بعملية الإفهام لجمهور المتلقين للفن التشكيلي..؟

يبدو أن النسق الذهني المشكل لأعمال محمد خصيف التشكيلية يغترف من حقول متعددة تسعف هذا الفنان والإنسان في بلورة خطاب تشكيلي تجريدي يعبِّر من خلاله عن تداخل هذه الحقول نفسها، مؤثثة لمفاهيم تشكيلية يمكن أن نستنبط منها مفهوم الذوق والنغمة والخيال والزمان...

إذ يظهر الذوق في طبيعة الألوان ومدى انسجامها داخلة بنية موحدة يكون فيها السابق يؤسس للاحق. أما النغمة فإنها تظهر في تكامل عنصر الذوق مع التعبير الجمالي في هرمونيةٍ تشكل كلا متكاملا ووحدة عضوية.

وبالنسبة للخيال فإنه نواة الأعمال  ولبنتها الأساس، إنه هو الكفيل بإضاءة الحامل وبلورته في قالب جمالي يفتح أفاقا رحبة لإسمرارية التأويل وتعدد الرؤى. وأخيرا فإن للزمان معنى يعبر عن ثلاثي لا محيد عنه: الماضي والحاضر والمستقبل  في شكل سنكروني ودياكروني، إنه زمان يعي الفكر في أنماط متعددة، وفي صيغ متنوعة من معيشه اليومي الذي مافتئ يطرح قلقاً وأسئلة مستقبلية لم تتم الإجابة عنها بعد.

لقد قطع الفن التجريدي مسافات طويلة جداً أكثر من قرن على ظهور هذا الاتجاه وذلك منذ أول خطوة دؤوبا سنة 1910 في عمل للفنان الروسي باسيله كاندنسكي. بل إننا في راهننا فما زال الفن التجريدي صعب النفاذ عند بعض المجتمعات التي مازالت متأخرة الذوق كما هو الشأن بالنسبة لوعيها البصري. إنه فن يعيش في دول متقدمة وفي أرق المتاحف العالمية ويدرسه النقاد والمهتمون بالدوريات والمجلات المتخصصة، بل إن أعمال الفن التجريدي مازالت مغتربة عندنا كما هو شأن اغتراب الحداثة ببلادنا. فهناك من الفنانين من رفضوا الحداثة وآخرين من داخل نفس الاتجاه التجريدي يمارسون دون أذنى وعي فلسفي ونقدي به، وهذا ما يرفضه الفنان والناقد محمد خصيف في كتاباته النقدية التي طَبَّبَ من خلالها جروح التشكيل بالمغرب محاولا إسعاف ما استطاع بمعرفته العلمية والأكاديمية التي تلقاها طلابه ومتتبعي سلسلة دراساته الإكلينيكية على التشكيل المغربي، وهو يدرس كل حالة على حدى فمنها ما طبق عليها العلاج النفسي وأخرى استدعت الأدوية من أقراص ومرهمات وشراب وكبسولات، ومنها ما استعصت عليه فكان الحل هو العلاج الكميائي،  وفي المرتبة الأخيرة كانت تقنية العلاج بالصدمات الكهربائية التي طبقها في ردوده على سياسة المعارض بالمغرب، وعدم الالتفات لدور الفنون التشكيلية في مجال التربية والتعليم ومسألة الخلط بين الحديث والمعاصر، ومشكلة الحداثة التشكيلية بالمغرب من خلال نماذج لفنانين رواد، محطات من تاريخ التشكيل بالمغرب...

ناهيك عن دراسات ومقدمات باللغتين العربية والفرنسية لكاطالوغات الفنانين، فمنهم مجايلين له وآخرين شباب جُدد ما زالوا يبحثون عن ضالتهم. أضف إلى ذلك مقالاته الجادة والنافذة إلى النقد العلمي بجريدة العلم و لوبنيون وكذلك بمواقع إلكترونية وازنة داخل المغرب وخارجه.

 وأخيرا نجد سلسلة دراساته الإكلينيكية للحالة الفنية التي اتسمت بها شخصية كبور في سرديات نقدية حول موضوع: "مصير فنان" يقول واصفا موت والدة كبور العبسي ومآله بعدها:

"كانت وفاتها ثقلا عليه إذ واجهته صعوبات جمة وقت تجنيزها، ولولا تدخلات الجيران وسكان الحي ما كان الجثمان ليواري التراب في حينه. تلك عادة ألفها سكان الأحياء الشعبية بالمدن العتيقة، تراهم يتكفلون بما يلزم جنازة الميت، من حفر القبر وشراء الكفن وحنوط وتغسيل ودفن وعشاء. هذا إذا كان أهل الميت في عسرة، أما إذا قام الأهل بما يجب، فيكتفي الجيران والأقرباء بتوفير الأطعمة، طبقا لما جرت عليه السنة، وتيمنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم،حين وصله خبر استشهاد ابن عمه جعفر بن أبي طالب: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم».

أغلقت كامل أسباب الرزق في وجه كبور، وتراكمت الأوراق المرسومة التي ملأت جنبات البيت، وفي غياب باولا بقي كبور حائرا في كيفية ترويجها. أيعود إلى الساحة العمومية لينشرها كما كان في السابق، أم يبحث له عن مجمع آخر يبيع له ما أنتجه. اتصل بباولا مرات عديدة، لكنها في الأخير أخبرته أنها منشغلة ولن تتمكن من زيارته. هي طبعا كانت لها اهتمامات أخرى، المعرض الذي أقامته ولوازمه من اتصالات بالزبناء والصحافة، والتنقل المستمر إلى المطبعة... في ذلك الوقت كانت قد طوت صفحة كبور العبسي وغيبتها من أجندتتا، وفتحت صفحات أخرى غيرها، ولن تعود الكرة مرة ثانية إلا بعد حين. فعلاقتها بكبور لم تكن أبدا علاقة مودة ودعم وعَضُدٌ، بل علاقة بيع وشراء ومتاجرة ليس إلا. فلا يهمها حاله إن أكل أو بات جائعا، اكتسى أم بقي عريانا. نعيت إليها أمه ولم تكثرت. لم تهاتفه ولو بكلمة واحدة. "

إن الأستاذ والتشكيلي محمد خصيف حالة فنية وقامة أكاديمية،  فقد استطاع أن ينجح في تحريك مشاعر وذوق المهتمين بالفنون التشكيلية وذلك فيما خطه بيده من كتابات ودراسات جادة مستثمرا وبدقة متناهية ما قاله كلايف بل في كتابه الفن:

"(...) قد يستطيع الناقد إزاء كل لوحة لم تحرك مشاعري أيلفت إنتباهي إلى أشياء أغفلتها في اللوحة إلى أن يقع لي الانفعال الجمالي فأدركها بوصفها عملا من أعمال الفن. إن وظيفة النقد هي تبين تلك الأجزاء التي من شأنها حين تتحد أن يفضي مجموعها، أو بالأحرى نظامها، إلى إنتاج الشكل، فليس بإمكانه أن يرغمني على الانفعال ما لم ينجح في أن يجعلني أرى شيئا ما يحرك مشاعري"

وهذا ما تفوق فيه الناقد محمد خصيف، كما أنَّهُ على استعداد دائم للرد على أولائك النقاد الذين لا يعرفون أنه لا معنى بأن يخبروننا في كتاباتهم أن شيئا ما عملا فنيا، بل بالأحرى أن يجعلنا هؤلاء نرى ذلك..!!

إن تأملا معيناً للربط بين محمد خصيف باحثا عن اللامفكر فيه و طبيبا معالجا للجسم التشكيلي بالمغرب في علاقته بالأعمال/المحك أو السند فإننا نؤكد في هذه الورقة أن هذا التأمل في سعي نحو تبين علاقته بأفق نظر المتلقي، إذ لا نستمتع فقط بجمالية الشكل وسمة المضمون، بل إننا مع محمد خصيف نعيد إختيار أنفسنا ووعينا بإعادة قراءة أعماله التشكيلية ونظيرتها النقدية المكتوبة، والتعرف عليها من خلال جديدها وجديتها العلمية. إنها أيها السيدات والسادة لذة متعة ترتبط بعملية ذهنية جد نشيطة إنها عملية التعرف Reconnaissance فهناك من يعتقد أنه عندما يكون أمام هذه الأعمال التشكيلية يكتشف شيئا جديدا أو مشهدا أو فكرة ما...

إنَّهُ حسب تقديرنا يتعرف المتلقي على ما يعرف أو ما كان يعرفه من قبل، أي تلك المرجعية المعرفية السابقة لديه بوصفها محكا لهذا التعرف. فكل ما يعرفه الإنسان فهو يؤثث لمفهوم العلم، بينما الإكتشاف فإن دلالته ترتبط بما هو غير معروف ولأول مرة يتم التعرف عليه. 2

لقد استطاع الفنان والناقد محمد خصيف أن يجمع بين الفن التشكيلي والنقد الفني بكفاءة علمية لا نظير لها، ولا سيما أن حقيقة النقد أصعب من الإبداع لكونها تستدعي الإبداع نفسه، فالناقد الحقيقي هو مبدع في الأصل، وهذا ما تميز بها فنانا المحتفى به الذي نتمنى له موفور الصحة والعافية. يقول الباحث التونسي والناقد الحبيب بيدة:

"إننا لا يمكن تسمية من يصف لوحة في بعض الجرائد، أو يتكلم عن مسيرة فنان ما بطريقة انطباعية، أنه ناقد. فالنقد بالمعنى العلمي، في نظري أصعب من الإبداع، بل إنني أذهب بعيدا وأقول بأنه لكي يكون الإنسان ناقدا يجب أولا وقبل كل شيئ أن يكون مبدعا، أي أن مهنة الناقد يجب أن تكون نابعة من وعي الفنان التشكيلي، على اعتبار أن ذلك يكون نتيجة تعامل مستمر مع اللوحة من حيث أشكالها وموادها اللونية وتفاعلاتها للوصول إلى بلاغ المراد وتوصيله(...) نحن في حاجة إلى أن يقوم الفنانون العرب أنفسهم بأعمال نقدية، لأن النقد أيضاً هو إبداع للقيم الجمالية الموجودة في العمل الفني، كما أنه يجب على الناقد أن يكون مبدعا في نفس الوقت. فبدون نقد لا يمكن للفنان أن يراجع أساليبه."3

 

بقلم: محمد الشاوي

.....................

هوامش وإجالات مرجعية:

(*) مداخلة تقدم بها الفنان التشكيلي المغربي والباحث في النقد الفلسفي للفن محمد الشاوي  في إطار تكريم الفنان والناقد محمد خصيف بمدينة أگادير،  ربيع  2017

1- إعتمدنا على ترجمة عبد السلام بنعبد العالي من خلال كتابه: أسس الفكر الفلسفي المعاصر مجاوزة المستافيزيقا ص:44 

2- أنطر بهذا الصدد: مليم العروصي، من الرسم إلى فلسفة الفن، مجلة الوحدة، العدد:

70/71، 1990، ص:17.)

3- الحبيب بيدة، مداخلة في ندوة :الفنون التشكيلية العربية والإختيار الحضاري، مجلة الوحدة، ص: 103 /104.