1128 مشارة«عند كل خطوة، هناك لوحات جاهزة للرسم يمكنها أن تُشغل عشرين جيلاً من الفنانين».

ي. ديلاكروا

سماء زرقاء صافية وبيوت بنوافذ صغيرة وأزقة ضيقة وفضاء رحب تتخلله أشجار النخيل، ومنظر فتاة منتقبة بنظرة عميقة موحية يتخللها الخفر الشرقي تحمل جرة لتملأها من البئر، وشيوخ يشع السرور من وجوههم يلعبون النرد أو منظر الصبية بقنادرهم المغربية متحلقين حول شيخ الكتاب "سيدنا" كما يسمى في مصر....، شكلت هذه المناظر عوالم مغرية مثيرة للمخيلة الفنية الأروبية المكدودة من كلاسيكيات القرن الخامس عشر والسادس عشر مخيلة تعبت من رسم القصور والنبلاء والأمراء وأحصنة السباق أو ليالي السمرالفخمة، فكان القرن الثامن عشر الذي دشنته أروبا بعصر رومانسي يهتم بالفرد ونوازعه وميوله ويقدس اللحظة الشعرية التي تنفتح على التجربة الفردية لكأن الفن وعاء والشعور السائل المسكوب، عصر تمردت فيه أروبا على العقلانية الأرسطية والديكارتية على السواء وتخلت عن قوانين الوحدات الثلاث في المسرح والمواضيع الكلاسيكية الفخمة احتذاء بكبار مبدعي الإغريق، عصر عاد فيه الإنسان إلى ذاتيته وإلى خالص نفسه يسبح بحمد قلبه ويهيم بتقدير بنات فكره بغض النظر عن سمو الموضع أو ابتذاله مادام المعيار هو صدق التجربة وحدة الشعور ورصانة الأداة لغة أو شكلا أو لحنا أو لونا عصر عرفنا فيه هوجو ولاماتين وألفريد دي موسيه وليوباردي وكيتس وشللي في الشعر والنثر وعرفنا لفيفا من الموسيقيين المبدعين المتمردين على القوالب القديمة وعرفنا جيلا من الرسامين الذين فتحوا اللوحة على الإنسان في سموه وابتذاله في نبالته وخسته في عراقة منبته وفي حطته من نبيل إلى صعلوك إلى أميرة إلى بغي إلى عاقل وإلى مجنون مادام الإنسان هو الإنسان سيد الكون الذي أشكل عليه الإنسان بتعبير أبي حيان التوحيدي وليس كالطبيعة في عفويتها وفي تناغمها في حكمتها وتوحشها، في عبقرية ألوانها وفي سحر نوتة نجومها وكواكبها في تتالي أمواج بحرها بإيقاع شعري ملهما لهذا الجيل من الفنانين المبدعين الذين تفتقت مواهبهم عن رسم رومانسي خلد بلوحاته العظيمة.

ومادامت الرومانسية في صيغتها الفنية الأدبية أو التشكيلية أو الموسيقية تقدس الإنسان أي الفرد وتراها تدين الظلم والرتابة والقروسطية والتقليد للأقدمين تراها تحتفي بالحرية وبالتمرد والثورة على الطغاة والمستبدين وتقدس الفعل الثوري وتهيم بالحرية في نمط الحياة وفي شكل الإبداع كما قرأنا ذلك في شعرهم وفي نثرهم وسمعناه في موسيقاهم وتأملناه في رسوماتهم.

ويوجين ديلاكروا أحد أقطاب فن الرسم في القرن الثامن عشر الذي كان يقول عن نفسه :" إنني أعيش وكأنني في حلم وأنظر إلى الأشياء بفضول خشية أن تهرب مني"، والذي ولد في سانت موريس بفرنسا في 26 أفريل عام 1798أي في نفس العام الذي غزا فيه نابليون مصر ونهب تراثها القديم وتوفي في 13 أغسطس من عام 1863وككل فنان ظهرت عليه مخايل النجابة الفنية منذ صغره فانخرط في مدرسة الفنون ومارس الرسم متأثرا بمايكل أنجلو وسافر إلى شمال إفريقيا ولقد قيل عن الجزائر تحديدا من قبل الرحالة الغربيين والفنانين: "لقد أصبحت الجزائر بالنسبة للمصورين أكثر أهمية من الحج إلى روما" وقد غدت قبلة الفنانين بصحرائها وقراها ونسائها وشيوخها وعاداتها المختلفة بالكلية عن العادات الغربية : بحث ديلاكروا المتمرد عن مواضيع جديدة لرسوماته تحت شمس مراكش اللافحة وفي صخب أمواج بحر الجزائر وفي النشاط والحميمية والتلقائية والمسرة والتعاون في البيوت العربية وفي حاراتها وأزقتها وبكل تأكيد سحرته الوجوه المتخفية وراء النقاب والعيون الكحيلة والقدود الشرقية المياسة حتى أبدع تلك اللوحات المغاربية البديعة لعل أشهرها نساء الجزائر وسلطان المغرب.

لا شك أن يوجين ديلاكروا أحد أكبر الفنانين الموهوبين في القرن الثامن عشر بله وفي تاريخ الفنون بصفة عامة ولقد قال فيه الكاتب الكبير تيوفيل غوتييه:

"هو فنان فريد لا أحد قبله ولا بعده " وتعود أهميته إلى كونه مهد للدراسات الاستشراقية تلك التي تعنى بتاريخ الشرق ثقافة ودينا وفنا وعلما، ولا مرية في أن الشرق قد سحر الغرب بأريجه العريق وهويته المختلفة تماما عن الهوية الغربية لذا رأينا قوافل المغامرين ورجال العلم والفن يهرولون إلى الشرق بحثا عن المغامرة والاكتشاف للعادات المباينة للعادات والثقافة الغربية.

مما يعاب على الرحلات الاستكشافية من قبل والدراسات الاستشراقية من بعد أنها لم تتخلص من النزعة الاستعلائية الفوقية التي ترى المركزية في أروبا والتفوق في الجنس الأبيض وما عداه مجرد قطعان بشرية يتفرج عليها كما يتفرج على السيرك !

فليس الشرق سوى عالم غارق في الميتافيزيقا يحكمه ملوك متألهون حيث الهيمنة للذكر وتعيش الرعية على فكرة القدر الذي سطر كل شيء فلا داعي للامتعاض، شرق روحاني تؤطره فرق الصوفية والدراويش ورجال الدين ولا مكان فيه لنظرة علمية بالمفهوم الكونتي، شرق الجواري والحريم واللذة المختبئة في زاوية قصر أو سرداب وليس للمرأة إلا توفير الراحة والمتعة للرجل تلك النظريات والأطاريح التي مهدت للاستعمار والتبشير في آسيا وإفريقيا وكان لعالمنا العربي نصيب من مكابدة الاستعمار الغربي ولقد كان الراحل الكبير إدوارد سعيد خير من فضح مخططات الاستشراق الكولونيالي في كتابه العظيم "الاستشراق"

لكن من الإنصاف أن نقول أن الحضارة الشرقية لم تنل من دولاكروا إلا التقدير والمودة فقد كان يحترمها ويحترم أناسها وتاريخهم وكان أسعد لحظات عمره حين يغادر إلى الجزائر أو مراكش ولقد قال هو شخصيا عن هذه البلاد الشرقية عموما:" ليت أفلاطون يأتي إلى هنا ليرى بأم عينيه هذه الحضارة، علمنا أن الفرس بربر لا علاقة لهم بالفن والثقافة إن هذه الأماكن خُلقت للفن فقط، تعالوا إلى هذه المناطق البربرية نشعر بطبيعة الأشياء وأثر الشمس في الكائنات التي تخترقها وتشعل فيها الحياة بألق مذهل. فالكل هنا يسير في حلة بيضاء، كأعضاء مجلس الشيوخ الروماني ودعاة ألوهية الكون اليونانيين… وإنك لتجد نفسك في روما وأثينا… تخيل يا صديقي… الرومان واليونان أمام بابي !

لقد كانت العبقرية الكبيرة لديلاكروا هي عبقرية اكتشاف اللون والتعبير به عن المواقف الشعورية التأملية أو الوجدانية الخاصة مواقف شعورية تصطلح على قلب المرء كما يصطلح الهواء على الفضاء والنحل على الخلية وهي في تناقضاتها أو في حدتها أو في غرائبيتها وتناقضها أو تناغمها وفي بهجتها أو ألمها مواقف إنسانية خالدة في حياة الإنسان في كل مكان وزمان وكان اللون هو المعبر عن حدة أو غرائبية أو روعة الموقف الشعوري لذا من يقف أمام لوحات ديلاكروا يدرك أنه أمام مهندس اللون وموزعه بذكاء على فضاء اللوحة في لعبة بارعة بين الضوء والظل ولقد قيل عن رسومات ديلاكروا وبراعته في استخدام اللون وتدرجاته :"جمال وقوة الأشياء التي فيها، معطوفة على إحساس معمّق بالحياة وجماله وكذلك الألوان المتألقة في كل مكان".

ولعل من أشهر لوحات ديلاكروا نساء الجزائر مع خادمتهن السوداء تلك اللوحة البارعة في استخدام اللون وتوزيع الضوء والظلال للتوغل في الحياة النفسية للمرأة الجزائرية في القرن السابع عشر نساء لا يتهتكن تهتك المرأة الغربية ويحتفظن لأنفسهن بنصيب من الحلم والانطلاقة والاستمتاع بالحياة والسر كله في النظرات.

ولعل كذلك من روائع ديلاكروا لوحة الثورة تلك التي تمجد الفعل الإنساني الثائر والعاصف ضد الإقطاع والظلم والطامح إلى عصر جديد عصر الحرية والمساواة والكرامة.

بيت ديلاكروا اليوم في الدائرة السادسة الباريسية في مكان فخم وشاعري مزار كبير لمتعطشي فنه ومكتشفي سحر لوحاته والمستمتعين بآيات عبقريته ففي البيت الذي تحول إلى متحف وطني عشرات اللوحات والأغراض الشخصية والمراسلات بينه وبين فناني ومثقفي عصره ولعل أروع ما في شقته الحديقة التي تطل عليها الشقة بتصميمها المبدع والشاعري والتي كانت ملهما لديلاكروا وكانت قبلة للزوار تماما مثل لوحاته.

 

ايراهيم مشارة                

 

جمال العتابيينصرف طالب مكي بكل طاقته، وهو يحمل هذا القدر الهائل من الحزن لموت استاذه، ليشيد حلماً جميلاً، ما من شيء يتموضع في هذه الكتلة الحميمة، المكتومة الأنين، إلا وتشير إلى تلك المسرات التي مرّت سريعاً في حياة جواد سليم الأستاذ، وطالب مكي التلميذ، التي أغتيلت في زمن لا لون له.

طالب مكي هذا الإنسان العابر من (الديوانية) إلى بغداد، المغرم بأوصاف الأرض العراقية، حين أراد أن يعلن عن هذا الحب، لم يستطع تحرير تلك العاطفة، إلا أن يذهب إلى نشوة الحلم في الرسم والنحت،بروح من ضفاف الشواطئ المحشوة بالطين، وهكذا بدأت رحلته الطويلة خلال أقاليمها وسهوبها واحزانها، فإستنطقها، وتحدث إليها وحاورها حواراً خفياً، ولوحده من دون معلم أو مدرسة، فكانت البداية على سطح المنزل في الديوانية،إثر زيارة له برفقة العائلة إلى كربلاء التي أيقظت فيه ألف رغبة، ليروي قصة الطقوس، وما تختزنه الإبتهالات والأدعية في ضريحي الإمامين الحسين والعباس، فشيد عالما من الطين بيديه السخيتين، بحوار من الصدق والعفوية وبلغة بسيطة جسّدها في التراكيب الطينية، مما أثار دهشة الوالد (مكي السيد جاسم) وإعجابه، دون إدعاء بقدرة الفنان الذي فقد حاستي النطق والسمع في مراحل طفولته المبكرة، فقرر حينذاك أن ينتقل إلى بغداد بوظيفته مديراً لمكتبات الإدارة المحلية العامة، ما أراد الأب المثقف لأبنه أن يحيا حياة المعاقين، مكسوف الجبين، وهو يكتشف هذا النسغ الجديد الذي سيقاوم به طالب ضعفه، تكفيه كلمة عطف وحنان تورق كل حياته، وجاء الوعد بقبول طالب في معهد الفنون الجميلة، قسم الدراسات المسائية،إستثناءً من شرطي الشهادة والعمر، وكان للقادم حضور بين جواد سليم وفائق حسن، وغيرهم من الأساتذة الرواد، وإستطاع طالب أن يفرض شروطه هو، بظل موهبة مختزنة في أعماقه، كان النحت يسكن فيه، والطين طوع بنانه، وجواد سليم يبارك فيه موهبته ومثابرته، ويتوقف عند مخيلته الواسعة، وأفكاره الجديدة، كان يسميه (أسد بابل)، الرابض على قلب الأرض، الشامخ الذي يتطلع لكل شيء أمامه دون أن يتحدث، وفي دواخل طالب وهج الفنان ونبضه ودفقه المستمر، واعياً لهذا الفيض الذي يمتلكه، فمنح مكي عمله سمة المآثر، وينابيع الوجد ماضياً وحاضراً.

توطدت العلاقة بين الطالب وأستاذه، وتطورت، المعهد يصير له بيتاً، وجواد أباً ومعلما وصديقاً، يقطف من ثماره الحب والجمال والرعاية، يبتدىء النحت فيه، يراه مدناً تستفيق وتنهض شامخة، وفجأة يختتم جواد فصل حياته وأسفاره، بموت أفجع طالب وأرعبه، كان حزنه شديداً وعميقاً، لم يكن قادراً على إيقاف التأسّيات والدموع، غير ان الشاب الذي يحمل بين جانحيه موهبة فنان لم يستسلم للصدمة بل قابلها بشجاعة وتصميم، وعالجها بعمل نحتي لوجه جواد يعيد له هيبته ووقاره بعد أيام قليلة من إنتهاء مراسم العزاء،أراد طالب أن ينقل جواد من دائرة الموت إلى وجود الحياة، في ولادة جديدة لاينالها الزمن بنسيان، هذا البورتريت النصفي، أكبر من الطبيعي بقليل لمنحه المهابة والجلال، إستطاع طالب فيه أن يستوعب صورة جواد في تحولاته الوجدانية والفكرية، والنفاذ إلى أعماقه، وتحوّل مكان العمل في المعهد أثناء التنفيذ، إلى ملتقى لزملاء جواد، كانوا يتابعون طالب، في ذلك الفردوس،ويغريهم المرور به، والتطلع في تلك الشمس الداخلية التي بدأت تشع من بين أنامل طالب، ويجدون فيه مايردّ عليهم وحشة الغياب، ويعيد لهم وجه جواد محاطاً بحضوره الزماني، غير مصدقين بالموت حين يختصر الأجساد،فأعاد طالب يقظة الطين وبوحه الخفي، وسر الخالدين وإلهامهم السحري. يقف منصتاً جواره ولسان حاله يقول: الفنان هو الذي يبقى.

1123 طالب مكي

ثمانية وخمسون عاماً مرّت، والصورة مازالت نابضة بحالة الألفة الحميمة التي تجمع طالب بمعلمه، هذا هو السر في ديمومتها وحيويتها،وحين نشارك طالب لحظة التأمل في ما صنع، نرى في الوجه نبرة مضيئة تتصاعد من الداخل،وعالماً يذوب في الصمت والخشوع، وفي العيون بريق، تبدو كنجوم صغيرة لألاءة، ولغة تحاول إحتواء الممكنات، في وجه جواد تنبعث أشعة الحكمة نحو العالم الأرحب، ليصبح العمل نحتاً مقدساً يحيا ويزدهر، ووجه طالب يرشح حزناً يؤلف عالماً من الأسى،بين لهب الإبداع والتأمل الحزين، لكنه يحمل قدراً من الوفاء والمحبة والإكبار لأستاذه، والعمل يمثل أولى مراحل النضج الفني لدى طالب مكي، وأولى حالات التسامي في قدراته، وسبق له أن قدّم عملا نحتياً لإمرأة برؤى حداثوية نال اعجاب معلمه جواد، وشجعه على المضي في تلك المعالجات الجديدة.

التمثال مازال في إروقة معهد الفنون الجميلة، مصنوعاً من مادة الجبس، وقد أعاد له النحات حميد الزبيدي الحياة،بعد أن تعرض لضرر كبير بسبب تفجير إرهابي أسود قريب من بناية المعهد عام 2006، هذه الحقائق تقودنا إلى دعوة وزارة الثقافة، ودائرة الفنون لإعادة الولادة المبدعة لهذا العمل الفني الخالد، وتحويله الى تمثال من البرونز في دائرة المصاهر التابعة للوزارة،وتلك مهمة نراها أن تظل ذات قدسية خاصة لجواد وتلميذه الوفي طالب مكي، قبل أن يندثر العمل ويتآكل.

 

د. جمال العتابي

 

غزوان العيسىمقدمه: سوف نتحدث عن تاريخ " الفن الآشوري"، ومنتجاته والحقب والأحداث التي مرت بها الدولة الآشورية وملوكها والظروف التي نشأ في ظلها الفن الآشوري ومن أين اقتبسوا بعض أعمالهم وما هي أبرز أنواع الفنون التي اعتمد عليها الآشوريون وسوف نتحدث عن العمارة في الدولة الآشورية وظروفها وأبرز المعالم وطرق الزخرفة وعلى ماذا اعتمدوا من مواد أولية لبناء القصور والمعابد ولماذا كانوا يقومون بتزيين تلك المباني.

تاريخ الفن الآشوري

ومما يقال عن تأريخ الفن الآشوري إنه يمكننا تحديد زمن ولادته في القرن الرابع عشر ق.م، أي في العصر الآشوري الوسيط، اما ما قبل ذلك أي في العصور القديمة فإن ما ظهر من فن في بلاد آشور كان مقتبساً كله تقريباً من الفن البابلي في الجنوب بيد أن شخصيته أخذت تستقل وتتميز منذ العصر الآشوري الوسيط في طرزه وأساليبه وفي مواضيعه ولا سيما الشؤون الدنيوية الخاصة بالدولة وأعمال الملوك، أما في المواضيع الدينية فقد حافظ على المآثر القديمة. وفي وسعنا الوقوف على الخصائص المميزة للفن الآشوري من زمن الملك "توكاتي ــ نينورتا" الاول (1208 – 1244 ق.م)، وفي مقدمة ذلك المشاهد العسكرية مثل الملك مع جنوده وعرباته الحربية، ومثل استعمال الآجر المزجج واستعمال رمز "الشجرة المقدسة".

أخذ الفن الآشوري طابعه الخاص أخيراً في العهد الآشوري الحديث اذ طغى عليه تمثيل مشاهد الحروب والصيد والشؤون الملكية الأخرى مما كان يزين قصور الملوك، كحصار المدن ودك الحصون وتهجير السكان وسوق الأسرى والتمثيل بهم، إلى غير ذلك مما يمكننا أن نقرأ فيه تطور أساليب القتال آلات الحرب والأسلحة. ومن الممكن تقسيم الفن الآشوري على ثلاث حقب أو أطوار:

فالطور الأول يمثل عهد الملك آشور ناصر بآل الثاني (859 – 883 ق.م) وعهد ابنه شيلمنصر الثالث (824 – 858 ق.م) إذ جاءتنا من عهديهما قطع فنية ممثلة مما لم تكن معروفة في السابق.

إما الطور الثاني: فيبدأ من القرن الثامن ق.م، من عهد الملك ثجلاثبليزر الثالث (727 – 744 ق.م) وشيلمنصر الخامس (722 – 726 ق.م) وسرجون الأكدي (705 – 721 ق.م)

ويمثل الطور الثالث: عهود خلفاء سرجون، وهم : (سنحاريب وأسرحدون وآشوربانيبال).

فإن الفن الأشوري ركز على الطابع العسكري وإظهار قوة الملوك وهيبتهم فكانوا يعبرون عن هذه القوة عن طريق التماثيل المنحوتة والنحت على جدران القصور والمعابد فكانوا يميلون إلى النحت بشكل أكبر من الفنون المتبقية ؛ فكانت اعمالهم الفنية ذات طابع عسكري أكثر من كونها ذات الطابع الديني فإن الفنون الأشورية قد اكتسبت بعض الطرق الفنية من الحضارة البابلية إن أسلوب النحت البارز أصيل وعريق في حضارة وادي الرافدين فقد ظهر منذ العهد الشبيه بالكتابي في منتصف الألف الرابع ق.م، واستمر في تقدمه وتطوره في العصور الآتية، فسار الآشوريون على هذا التراث القديم.

ظروف نشأة الفن الآشوري

كان الفن الآشوري متعدد المظاهر، فقد شيّد ملوك آشور أبنية رفيعة المستوى زادت الزخرفة في تألقها، وكان الآجر الرمادي هو "الخامة" الأساس في البناء أما العناصر الجمالية المضافة إليه فتزيده بهاءً؛ ويرجح أن الأخشاب والستائر كانت تغطي الجدران من الداخل في المعابد والقصور ولكن من المؤكد أن الآشوريين تبنوا فن التصوير الجداري، الموروث عن أسلافهم من شعوب بلاد الرافدين، في تلوين جدران قصورهم في كل المواقع التي مرّ ذكرها؛ ولكن المجموعة المهمة التي عثر عليها في قصر تل برسيب على الفرات الأعلى في أقصى المملكة (تل أحمر في سورية اليوم) تعد مثالاً للفن الآشوري وتشكل مساحة مئة وثلاثين متراً من التصوير على الجدران، ويستشف من تجميع القطع أنها تمثل رحلات صيد وتربية خيول كما تظهر جمال الملابس التي كانت سائدة آنذاك (بعض تلك القطع موجود في متحف حلب وكثير منها في متحف اللوفر في باريس).

فان الفن الآشوري كان مفعما بالزخرفة والفن وكانوا الأشوريين يزينون معابدهم وقصورهم بلوحات منحوتة التي اكتسبوها من أسلافهم والحضارات التي سبقتهم في وادي الرافدين .

العمارة في العصر الآشوري

ويمثل هذا العصر بدء نشوء العمارة الآشورية التي تركزت في مدينة آشور ومدينة تبه كورا. ويتميز هذا العصر بعدم وجود آثار عمرانية كافية تساعد على تشخيص مظاهره المعمارية، ولكن يلحظ من خلال البقايا القليلة لهذا العصر من مخلفات فنية معمارية أنها مقتبسة كلياً من الفن والعمارة في الجنوب. مدينة كول تبه-2 العمارة في العصر الآشوري الوسيط (1521 ـ 911 ق.م ) .

يتميز هذا العصر بمرحلتين رئيستين: الأولى الممتدة 1512ـ 1400 ق.م إذ سيطرت الدولة الميتانية والحورية على بلاد آشور في نهاية هذه الفترة، وأصبح الفن والعمارة الآشورية متأثراً بالفن والعمارة الميتانية والحورية. حتى ظهر ملوك آشوريون أقوياء حرروا الدولة الآشورية من الاحتلال، وعملوا على بناء عاصمة جديدة عرفت بـ (كالح) نمرود التي تمثل العاصمة العسكرية للدولة.

لم تكشف التنقيبات التي أجريت في آشور لحد الآن إلا عن جزء ضئيل من المباني والإنتاج الفنية. وعلى الرغم من كل أعمال التنقيب التي قام بها البريطانيون لسنوات عديدة في خرائب مدينة كالح فإنه لم يكشف حتى الآن عن أي شيء من الطبقات الآشورية الوسيطة . ولكن يمكن اعتبار بدء ولادة الفن الآشوري من (القرن الرابع عشر ق.م)، أي منذ استقلال الدولة الآشورية الذي مهد لتطوره وأخذ سمات مميزة في العصر الآشوري الحديث.

خاتمه

فانه الفن الآشوري قد ركز على الطابع العسكري واظهار قوة الملوك وهيبتهم فكانوا يعبرون عن هذا القوه عن طريق التماثيل المنحوتة والنحت على جدران القصور والمعابد فكانوا يميلون إلى النحت بشكل أكبر من باقي الفنون.

فإن الفنون الآشورية اكتسبت بعض الرقي الفني من الحضارة البابلية.

 إن أسلوب النحت البارز أصيل وعريق في حضارة وادي الرافدين فقد ظهر منذ العهد الشبيه بالكتابي منتصف الألف الرابع ق.م.

 واستمر في تقدمه وتطوره في العصور الآتية، فسار الآشوريون على هذا التراث القديم فإن الفن الآشوري كان مفعما بالزخرفة والفن وكان الآشوريون يزينون معابدهم وقصورهم بلوحات منحوتة.

ويمكن عد بدء ولادة الفن الآشوري من (القرن الرابع عشر ق.م) أي منذ استقلال الدولة الآشورية التي مهدت لتطوره وأخذه سمات مميزة في العصر الآشوري الحديث.

 

بقلم: غزوان العيسى

 

89 محمود فهمي1يعد الفنان (محمود فهمي) واحدا من أهم المجددين في مشهد الفن التشكيلي العراقي، فله رؤيته في اقتناص اللحظة التصويرية واللون المجسد لهذه اللحظة التي تجرّ المتلقي إليها وتجعله منغمسا ومبحرا فيها بلا وعي منه مصابا بداء الدهشة ولذة المشاهدة لكائناته وشخوصه المجسدة بأكاديمية عالية وحرفية، تتسم تجربته بالجدة والتحديث في خلق زوايا للنظر وفي عدة أبعاد مما يكسب لوحاته طابع الهيمنة على رؤية المتلقي وقلبه وفكره .

 مما لا شك فيه أن لوحات الفنان (محمود فهمي) تظل عالقة في الذهن لا يمكن نسيانها لمحمولاتها ومدلولاتها وغرابتها، لما لها من قدرة على ملامسة عواطف ومشاعر الرائي لها بحيث تتبوأ مكانا فسيحا في ذاكرته خصوصا وأنه يشتغل على أنسنة فضاءاته المتخيلة ملامسا مخزونات ووجدان المتلقي من صور وما يعادلها في متخيله وواقعه معا، وهذه سمة يتفرد بها (فهمي) دون غيره من الفنانين .

الفن التشكيلي لم يعد كتلا لونية وشخوصا ومساحات بل أصبح حرفة فطنة لابد أن يبلغ صانعها سعة رؤيوية ذكية غير مكررة كي تتسم أعماله بالتفرد والتجديد لتحتل مساحتها في المشهد الفني الجمالي .

رسوم (فهمي) في واقعيتها السحرية تستفز ذاكرة المتلقي وتصيبه بالذهول في موضوعاتها الحياتية التي لم تصل اليها فرش وألوان الفنانين، هي مشاهد يومية وسلوكيات مجتمعية وطقوس فردية وجماعية يقتنصها (محمود فهمي) بمهارة وذكاء ويجسمها بألوان باهية وزاهية تسرّ الرائي وتبعث في نفسه المسرة والفرح والبهجة والفكاهة والارتياح للمشهد المقتنص من حياته بفطرة وحرفية على حد سواء وهذا الذي نقصده بالفرادة والجدة .

89 محمود فهمي2

المشهد التشكيلي في لوحاته يبدو وكأننا نشاهد فيلما سينمائيا أو دراما تلفازية أو مشهدا مسرحيا، فقدرة (فهمي) على محاكاة ذهنية المشاهد لصناعة لقطة درامية عالية يتخللها حوار بين شخوصه وحوار آخر بين شخوص لوحاته وبين المتلقي فيغدو المتلقي جزءا من المشهد الذي صوره الفنان أي يصنع مشهدا بألفة حميمية ينخرط فيه المتلقي بالمشهدية المصورة بكثير من الحرفية والدقة والأمانة للموروث الثقافي الزاخر، فهي تحاكي ذاته وأجوائه وطقوسه وتعيده الى ذاكرته (فلاش باك)، وخاصة أن بعض الطقوس المجتمعية بفعل التطور باتت منسية وصارت تنتمي الى جيلها وتاريخها لهذا تجرّه اليها بشغف ولهفة .

لوحة (فهمي محمود) تشبهه وحده هو اذ لا يجسد موديلا أو يصورا مشهدا فوتغرافيا أو نقلا له بل هو يبتدع المشهد التصويري من انطباعاته الخاصة وخلفيته الفكرية وروحه السامية العاشقة لإرثه وواقعه، وتشير تيمات اشتغاله إلى رسائل عدة ومن أهمها أنها تستفز نفسية ومشاعر المتلقي من خلال إيحاءاتها الايروتيكية والرومانسية من خلال تسليط الضوء على انوثة المرأة التي تشعر بالقيظ فتستدعي دجلة بفيضه ونسائمه لتبدد حرارة قدميها ويلامس أطرافها بفنتازيا لونية وشكلية دقيقة ورصينة ومحترفة وهذه لقطة قد تكون نادرة معبرة عن عفة الأنثى التي تلجأ الى الماء ليطفئ سحنة الأنوثة والمشاعر اللاهبة فيها، فهو تصوير سيمائي رائع، وكذلك قضمها لحبة البطيخ (الرقي) وتأملها الى الجزء المقطوع منها (الشيف) حيث تتغنج الفتيات وهن يحملنه في جلسة ايحائية مباشرة بكثافة ضوئية عليهن وعلى مكامن انوثتهن ويصبح المكان سطوح البيوت خلفية داكنة غافية فيها بعض العتمة لإبراز المشهد التصويري لحركة الصبايا ومن فوق سطوح المباني وكأنهن أردن القول أن انوثتنا وصبابتنا أصبحت لا تتسعها المدن وضاقت بها الأمكنة وليالي بغداد وفاضت بها أحلامنا وأمانينا، و بلغت اللهفة فينا حدود الغنج واستوطنت الهيام .

ثمة أمر يبدو واضحا في أعمال الفنان (محمود فهمي) هو وضوح ألوانه ببريقها وسطوعها، يجسد لوحته بوضوح شديد وبألوان دافئة ساحرة مخملية لا لبس فيها ولا غموض أو عتمة كي تتسق مع موضوعاته فتبعث في نفس المتلقي الارتياح فتجذب نظره ويستعذبها القلب وتبعث في نفسه روح المداعبة بألوان فيروزية هادئة وألوان باردة تنسجم مع إشاراته ورمزيته الايروتيكية، ويجلسها دائما أي - شخوصه - في الأعالي دلالة على التحليق والطيران بأجساد فخمة مكتنزة ومترهلة أحيانا إذ لا يحبذ أن يقيد شخوصه وكائناته في فسح ضيقة فيطلق لها العنان تكاد تقترب من السماء سابحة بالأفق والفضاءات بحرية وتلقائية، فشخوصه الأنثوية فاضت رقتها وأنوثتها عن البيوتات الصغيرة البغدادية ولم تعد تستوعب توقها للتحرر من قيود طالما خنقت فيها الأنثى المتعطشة للحياة ولإثبات ذاتها، فاعتلت سطوحها بل غدت هي السقوف التي تستظل بها البيوت والمدن والحارات، انه فيض روحي ورسائل يبثها (فهمي) للعودة لذلك المعمار الهندسي القديم (الأحواش) ابن البيئة العراقية القديمة التي تكتنفها الفطرة والألفة والحميمية والعلاقات النقية، انها رسالة اعتراض على التطور السريع الحاصل في هندسة المعمار المستوردة والتي لا تتلاءم مع أجواء ونفسية وأخلاقيات العراقيين، هي دعوة للعودة للجذور والأصول والثقافات الشعبية بكل ما تحمله من البساطة والطيبة والسماحة والجمال الفطري .

 شخصيات (محمود فهمي) حالمة طاغية في مشهديتها آسرة لنظر الرائي، ليست كائنات منكسرة بل هي تتنقل ما بين وضعيات  بشوشة / ضخمة الجسد/ طائرة وحالمة / مترفة بالأمل .

 

رياض ابراهيم

 

88 محمود شبرفي بداياته في عالم الرسم والتشكيل هام محمود شُبَر بعشق الروح الصوفية، فكان أكثر ميلاً للاشتغال في التشكيلي التجريدي. تلك هي اشتغالاته الأولى في عالم الرسم متأثراً بصوفية "كاندنسكي" الذي كانت أعماله الفنية موضوع دراسته للماجستير.

كان يطمح بأن يُكمل رسالة والده الفنية، فهو ابن الفنان التشكيلي (النحات) المعروف (شاكر نعمه 1941 ـ 1991) من جيل مُبدعي الفن التشكيلي في سبعينيات القرن المُنصرم والحاصل على الميدالية الذهبية عام 1972 في إيطاليا في معرض الفنانين الأجانب. عُرف (شاكر نعمة) بمهارته في توظيف التضاد بين الألوان لا سيما بين الأسود والأبيض.

الإبن على سرَ أبيه، فكما عُرف عن شاكر نعمه همَه في التشكيل نحتاً ورسماً وتأكيده في أعماله الفنية على صلة الإنسان بالأرض، وهيامه بالهوية الوطنية عبر توظيفه لرؤى المدرسة التعبيرية في الرسم والنحت.

حاول الابن أن يطير بجناحيه ليكشف عن عوالم أخرى خارج مُعطيات المدرسة التعبيرية، ولكنه بعد تجربة فردية وخبرة اجتماعية عاد ليستظل بظل ما عمل أبيه على تنمية مهارته الفنية والفكرية التي تُنبؤنا بأن (هذا الشبل من ذاك الأسد).

عمُ محمود شُبَر هو الفنان (زيدان نعمة) الذي تميزت لوحاته ببهاء اختيار اللون وعشق الحياة برسم الريشة لألوان المحبة.

88 محمود شبر2

لا أظن رغم عشق محمود شُبَر لأعمال عمَه وامتثاله لرغبته ورغبة أبيه في عشق الرسم وتشكيل اللون، ولكن زيدان النعمة بهجة لونية وحياة مسرَة بحكم مُفارقات زمن العيش بين العمَ التشكيلي الذي تنطق ألوانه وتصرخ لوحاته بأن "الدنيا حلوة ونغمتها حلوة" فكان عمَه فنان التشكيل اللوني الذي يبعث البهجة في النفوس. زيدان نعمة (فنان العشق) وبهجة اللون حينما تكثر التحديات، ليخترقها زيدان نعمة ببسمة ترسمها ريشته بألوان زاهية تُحاكي السعادة، فلا مكان للحزن في لوحاته لأنه في مضامين أعماله التشكيلية يعمل على نثر (هيل) جمال التشكيل اللوني، لأن مهمة الفن عنده إعادة تشكيل الحياة وفق نمط العيش ببهجة وشراق فيه بهاء واقبال على مفارقات الدنيا المُحببة في تضاد (اللذة والألم).

بين كبيرين الأب والعم، كيف يتسنى لفنان ورث الفن فكان عنده سجية وفطرة استقاها من الأب والعم، وهُنا يكمن الإبداع والقهر في الآن ذاته، فكيف يتسنى لمن نشأ وتربى في بيئة فيها كبار أن يرسم ملامحاً لـ "بصمة خاصة" فحينما يرث الأبن تاريخ إبداع عائلي لربما يحسده أةو يُغمطه عليه الآخرون، ولكنه سيكون بين نارين، مثلما تقول الأغنية العراقية (على النارين خلَونه إنتجوه)، فبين نار إبداع الأب ونارإبداع العم، ما لذي يُمكن لوريثهما أن يصنع؟!. ولكن كما يُقال (ابن الوز عوَام) فكان ما كان مما تعلموه وما سأخبركم به بأن الابن (الوريث) لنمطين مُختلفين من التشكيل قدَ تمكن من يُخلق له (بصمته الخاصة).

ولأنه نشأ في عراق الحرب، فلم يتمكن من إكمال دراسته للفن في إيطاليا كما كان يرغب والده، تلك المدينة التي تغوص في عُمق جمال الفن التشكيلي.

88 محمود شبر4

كانت الحرب موضوعات رسوماته والسياسة شاغله، فما كان منه تعبيراً لرفض الحرب وهيمنة السياسي على الاجتماعي وطُغيانه سوى اللجوء للمدرسة التجريدية كي يُضمنها رمزية وترسيمات لونية تُتيح له حُرية التعبير عن هذا الرفض داخل فضاء اللوحة، فهو من جيل لم يعش بسلام أبداً فكان كل ما انتهت حرب دخل النظام بحرب أخرى، لذا تجد لوحاته تضج في بداياتها بحركية الألوان وتعددها وتداخلها وصخبها، فكان بحق "رسام الحرب" كما يحلو للبعض تسميته، لكنه رسام للحرب لا من أجل غوايته بها، بل لأنه ماهر في تشكيل صور الدمار في الحرب رسماً وتشكيل رؤية فنية لها مرجعية فنية تعبير الرفض فيها كامنٌ في رسوماته، أو ما قيل عنه أنه يُجيد رسم "فن الانتقام من الحرب"، فهو يُصرَح كي لا يُحاسبه المغرضون في التقليل من (بلاغته اللونية) بأنه "من جيل ولد ما بين حربين ودُخانها والمدافع"، ليُذكرهم بقوله: "أنا لم أرسم المُدن، إنما رسمت الحرب" بلوحات تعبيرية وضربات ريشة فنان يعي رسالة الرسام ليرسم لنا من "أرض الدم" تمظهرات اللون و "حكايا الجسد" االعراقي الذي أنهكته الحروب، فلوحاته خبر يصلح أن يكون "سب تايتل" بتشكيل لوني لتقتصه محطة اخبارية تهتم بشؤون أهل العراق، لتُخبرنا أن في التشكيل خبرٌ أن هُناك بلداً أكلته الحروب، وأهله صامدون!.

بعد سقوط النظام الديكتاتوري وقبل ذلك بزمن تحوَل من فضاء التكوين التجريدي ليكون من عرَابي المدرسة التعبيرية في الفن، ليرسم لنا صور الجنود وهم في معسكرات التدريب أو في ساحة المعركة بيدهم وبمعونة جنود (المارينز) الأمريكان يُمسكون بصورة لصدام بدلالة تعبيرية واضحة على أن سقوط النظام لم يكن كما كُنَا نتمنى، فكانت لوحته (اسقاط الصنم) تعبيراً عن الرفض الحقيقي لما جرى وما يجري على العراق وفي العراق "نرسمُ للعراق وعنه".

88 محمود شبر3

إن رسومات محمود شُبَر إدانة لكل أشكال الحرب بما فيها الحرب التي أسقط فيها الأمريكان النظام الديكتاتوري بحجة الديمقراطية التي دمرت تاريخ وآثار وفنون العراق، فماذا يعني أن تُسقط نظاماً دكتاتورياً وتُخرب في الوقت ذاته حضارة وتاريخ بلد؟!.

وماذا يعني أن تُسقط نظاماً ديكتاتورياً لتأتي ببديل عنه تحت مظلَة الديمقراطية رجالاته يقودون البلد بعقلية خُرافية قدمت من القرون الوسطى؟!.

تلك هي رسالة محمود شُبَر الفنية، بوصفه (فنان مُعاصر ينتمي للزمان والمكان)، وهو من الفنانين الذين يُصرحون ولا يخجلون بأن له "بصمة خاصة"، وهو (بابلي) يستمد ثقته من تاريخ حضارته في التشكيل رسماً ونحتاً ومعماراً أمدها آلاف السنين (حضارة بابل)، ولكنه لم يتعكز عليها ولم يرتض لنفسه أن يكون تشكيله على غرار تصميم بابلي سبق، فما أنتجه أجداده من خلق وابداع فني لهو كفيل بأن يمنحه القُدرة على الخلق والإبداع في التشكيل الفني رسماً يُكمننا من الحُكم على لوحته من دون تدوين اسمه عليها بأن عائديتها لمحمود شُبَر، لأنه فنان (رسالي) يُحاول بـ (بصمته الخاصة) في التشكيل اللوني أن يرسم الوطن بما فيه من خراب وما فيه من أمل يحمله هو ومن ماثله وشاركه الهم من (جماعة الأربعة) أن يُعيدوا انتاج الوطن وفق مُخيلتهم الإبداعية المؤسسة على قراءة لتاريخ وطنهم بكل ما يكتنزه من جمال ومعرفة.

88 محمود شبر1

في لوحته (السياب) يجمع بين الرؤية الأخَاذة في رسم صورة السياب وقصيدته (مطر مطر..ما مر عام وليس في العراق جوع)..

إنه فنان نقد (الوعي المُتمركز) حول الذات وتعرية تضخيم "الأنا" التي يستخدمها الرومانسيون الذين يتغزلون بـ "الزمن الجميل" ليُعَري بعض من (وثوقيتهم) ومصادراتهم التي يترنمون بها على أن العراق بلد الخير والنماء والرخاء، وتناسوا كل شظايا جست جسد العراقي بحروب لا عدالة فيها، فمسَت وخدشت حياء (الأنسنة) التي غادرتنا قبل أن يحين قطاف الزهر وتشكيلات فنان ماهر بعد غوص في (فُسيفساء) التنوع العرقي والمذهبي في العراق، وتلك مهارة تكتنزها ريشة محمود شُبر في التشكيل وتقبل التنويع.

لا يتخذ محمود شُبر من الرسم أداة لإضهار مهاراته الإبداعية التي لا يُختلف عليها، وإن كان ذلك من مُعطيات التعبير عن إمكانتاه، ولكنه (فنان) مُفكر، ومُفكر فنان، يجعل من فنه التشكيلي عتبة لتدوين تاريخ لمرحلة مهمة من تاريخ العراق، فهو يكشف عبر ريشته تاريخ "العُنف الدموي في العراق" والعمل على جعل الفنان بمصاف المُفكر، كلاهما يكتب وينتقد، فالمفكر يُدون تاريخ الشقاء والعُنف باستخدامه قلمه ورؤيته النقدية، وشُبَر من خلال ريشته ورؤيته التعبيرية داخل فضاء اللوحة،يُشارك مؤرخ الأفكار مهمته، فهو من الفنانين الذين يُمكن تصنيفهم على أنهم من دعاة "الفن للحياة" لا "الفن للفن" بمعنى أن الفن عنده تربية للذائقة الجمالية أولاً ونقداً صورياً عبر الرسم للواقع لا من أجل "تفسيره" إنما هو عمل دؤوب لـ "تغييره"، وكأنه يُراداف بين مهمة الفن ومهمة الفلسفة التي تحدث عنها (ماركس).

في خضم توظيف رجالات السياسة والدين في العراق للدين والشعائر نجد محمود شُبَر يلج هذا المُعترك ليكون مُشاركاً بنقد هذا التوظيف بلوحة تشي بالكثير من الدلالات يظهر بها "الإمام الحُسين بوجه على شكل شمس راكباً حصانه الأبيض، حاملاً رايته الحمراء دلالة على أن الحرية لا تُطلب إنما تُنتزع وكل هذه دلالات على أهمية ثورة الحُسين (ع) بوصفها ثورة إنصاف وسعي لتحقيق الإصلاح، ولكن خلفية اللوحة لوحة مرورية في سهم يُشير إلى كربلاء وآخر يُشير إلى (طويريج) ووجهة الإمام عكس كلا الطريقين!!.

88 محمود شبر5

أية بلاغة أقوى من هذه البلاغة؟!، إنها (بلاغة التشكيل) والتصوير والرسم والتشكيل، فطويرج في اللوحة المرورية اشارة سيميائية مُكتنزة الدلالة، وكربلاء صارت قبلة للمُدَعين أنهم أصحاب الحُسين، ولكن البلد ينخره الفساد!! لذا نجد الإمام يتجه صوب هدفه بعيداً عن الفاسدين في السياسة والدين!.

في محاولة مُبتكرة ولا أظن أحداً قبل محمود شُبَر قدَ استخدمها في فضاء التشكيل نجد شُبَر يستخدم في أعماله التشكيلية (اللوحات المرورية) في العراق الدالة على المُدن والإشارة للتحويلات، ببلاغة تشكيلية مُبهرة، ففي لوحته (الموصل تُرحب بكم) تجد اللوحة متآكلة بعض حروفها، اللون الأسود يأكل بعض حروفها المكتوبة باللون الأبيض، وهذه ليست لوحة فقط رسمتها ريشة فنان مُحترف يترك العنان لروحه للتعبير عنها لونياً بواسطة الريشة، إنما هو فنان يكتنز من الوعي المعرفي والسياسي بما يؤكد وجهة نظرنا التي أشرنا لها، ألا وهي ربط الفن بالحياة، وربط الفن بالفكر، فهو لا يرى في الفن مُجرد تجليات صوفية رومانسية كما بدأ، إنما هو اليوم يعمل على أن يجعل من الفن رسالة ثقافية فكرية وتنويرية، بل وتغييرية وثورية.

من جماليات التشكيل عند محمود شُبَر أنه لا يدمج فقط  بين وظيفتي التشكيل (الفن) والفلسفة، إنما هو يدمج بين وظيفتي (النقد الفني) والتشكيل (الفن)، فأنت كمتلق لـ (لوحة) شُبَر لا ترى مهارة التشكيل اللوني فقط، إنما يُرغمك شُبَر أن تكون أنت من ضمن (جسد اللوحة) إن لم تكن أنت عنصراً من عناصرها، فهو لا يكتفي بالألوان تشكيلاً وتعبيراً قصدياً عن معنى، إنما هو يستخدم جملاً لغوية باللهجة العراقية (العامية) لتكتمل رسالة الفن عنده.

اللوحات المرورية علامات إشارية يخترق بها محمود شُبَر لغة التعبير الجمالي ليجعلها لغة تفكر وتأمل، وإن قيل أنه لم يكن أول فنان تشكيلي استخدم (إشارات المرور)، لكنَي أقول وبثقة أنه الأول الذي جعلها تنطق بمعانٍ مُغايرة، فهو من صيَرها (أيقونة) ليست للتذوق الجمالي فحسب، بقدر ما جعل منها (أيقونة) للدلالة على تقدم البلد في زمن، ودلالة على تراجعه في زمن (الما بعد) لا لتفضيل زمن على زمن وفق منظومة التفكير العاشقة المُتيمة بالماضي، بل لأن الحاضر (السياسي) و(الاجتماعي) بدى لنا أقل احتراماً لقيم المعرفة والجمال من الذي مضى، وإن كان الذي مضى فيه من المرارة العيش وكُره فردانية السلطة الكثير، فوجدنا في تشكيلات محمود شُبَر اللونية بمعانقتها للتعبيرية (الحروفية) ما يختصر لنا فهم مكامن التبدل والتتغيَر في وقعانا المعاصر، ولك أن تلحظ لوحته التي تظهر بها (بساطيل) الجنود العراقيين مُتهرأة.

لربما نكتشف بعض تأثير وحضور لحروفيات (شاكر حسن آل سعيد) في رسومات محمود شُبَر، ولكن التوظيف مُختلف تماماً بحكم تحول الحال وتغير الأحوال، وتبدل الموضوعات وتعاظم الصراع، فلم يستخدم محمود شاكر الحرف لزيادة الإبهار في اللوحة، وربما كان ذلك حاضراً في لوحات (آل سعيد) إنما كان استخدام الجملة داخل فضاء اللوحة لاستكمال العمل الفني (معنىً ومبنىً)، فهو استخدام قصدي لا من أجل التحشية أو التجميل بل بقصد تحقيق الهدف الذي يرومه صانعه أو مُبدعه.

(بغداد تُرحب بكم) معرض فني شارك فيه محمود شُبَر، ليُظهر به تارة وجه بغداد الجمالي حينما كانت قبلة المعرفة والعلم لتجد لوحاته الإشارية ناصعة بهية مثل وجه بغداد كما يأمل هو ونأمل نحن، وتارة أخرى يكش لنا بعلامته الإشارية وجه بغدد الرمادي ولا أقول الأسود الذي خربته الحروب، والطائفية والفساد السياسي والمالي والإداري.

بغداد تُرحب بكم تظهر في رسومات محمود شُبَر بلوحة مُستوحاة من عمل للواسطي تظهر فيها جمال الواسطي رافعة رؤوسها صارخة بمقولة تكتنز الرفض وقولة "لا" لأن مضامين الجُمل تصرخ بالرفض عبر توظيف مهاري تشكيلي للإشارة المرورية التي رسمها لنا محمود شُبَر بألوان تشي بحجم الخراب الذي مسَته أيادي السوء وأصر على بقائها أهل الفساد (أصحاب القرار) برمزية وتعبير يشي بحجم الخراب الذي تعيش فيه بغداد، فالإشارة المرورية (بغداد تُرحب بكم) لا بغداد اتضحت صورتها ولا الترحيب بدى، ليكتب محمود شُبَر مُعلَقته داخل فضاء اللوحة استكمالاً للمعنى:

مخطوطة بغداد تُرحب بكم

يحيى بن محمود الواسطي

محمود بن شاكر شُبَر

ولك أن تعرف القصد بين زمنين، زمن الواسطي وزمن شُبَر، حينما كانت بغداد عاصمة الدنيا، واليوم بغداد في ذيل الدول الأكثر فساداً وخراباً وسوء نظافة وتنكر واستهجان للجمال.

يعشق الحكايات التي تنقله للسكينة، كما يقول، ولكنه يرسم لنا بجمال التعبير بالألوان ما تخطه ريشته صور القُبح بوصفها واقع نعيش فيه، علَنا نستفيد من تشكيلاته اللونية (الحروفية) وفهم واقعنا المُتردي من أجل مُشاركته البحث عن دروب للخلاص وإصلاح ما أفسدته السياسة من خلال الفن أو الفكر، أو كلاهما معاً.

الفن خلاص كما الفلسفة، والمهمة مُضنية في (التخيل) عند الفنان، و(التعقل) عند الفيلسوف، وكلاهما في عوالم (الميتا فني) و(الميتا فلسفي) يلتقيان، ومثل هذا التوق والشوق قد يلتقي عالم "الميتا ديني" ويتداخل مع عالمي "الميتا ديني" و"الميتا فلسفي"...

 

ا. د. علي المرهج

 

وفق لعبة الفن المدهشة التي لا تدع فنانا حقيقيا على طمأنينة حيث القلق الابداعي المسترسل..و نهج الفن المفتوح..على ممكنات متعددة..يلج الكائن عوالم التلوين بدأب وعناد باذخين ديدنه الذهاب عميقا في القول بالبحث المضني وما يتضيه من سفر واقامة وتحولات تنهض على سؤال عظيم هو بمثابة البوصلة التيتنير وتدل على الطريق ..كان لا بد من مسافة للعناق بين روسيا وتونس وكان أيضا لا بد من أكثر من ربع قرن لتبين الدلال اللوني وهو يهب المساحة دهشته المربكة..

968 اولقا

نعم.. و هكذا كانت الحال مع الفنانة الروسية التونسة أولغا مالاكوفا وهي تنثر لوحاتها في فضاء

ال" موفمبيك" حيث السرد الملون بالحكايا والمرح والدعابة والتقاليد الثقافية والاجتماعية التونسية لتقول عبارتها الحلوة بلكنتها المعهودة " سنين دايمة " وتسافر بنا في هذا الكم من اللوحات في عوالم فنية ليشهد كل ذلك قطها الحاضر في الأعمال بألوان وأحجام متغيرة من عمل الى آخر وفق العمل بالأكريليك على القماشة ومقتضياته الفنية ...تفعل ذلك وهي تنشر نوعا من دفء التلوين والروح المرحة على الأجواء التونسية لنرى الأطباق والمأكولات وغيرها  المشاهد والتقاليد والمناسبات ومنها موسم أوسو الذي يحتفل به في سوسة وهنا عملت أولغا على التفاعل الجمالي بطريقتها مع الموضوع لتتحلى اللوحة بالألوان والزخرف والنجمة الساحلية...في بعد أولغوي مالاكوفي مخصوص..فنانة منحت ذائقة النظر للحالة التونسية شيئا من بهارات المرح والدعابة والتناغم لتقول بالفن في معرضها هذا كوجهة كونية لا تقلقها مسافات ولا لغات ولا ثقافات..فقط الرسم مجال حيوي للنظر المختلف والمؤتلف..

أعمال معروضة لأولغا منها " "سيدي رمضان " و" فداوي " و" الغريبة " و" بابا أوسو " ...و غيرها ...بلمستها الفنية المخصوصة عملت مالاكوفا في هذا المعرض على ابراز شخصيتها الفنية والثقافية لتقول جانبا من بهجتها المفعمة بالحلم تجاه حالات تونس وأصواتها وألوانه جماليا ووجدانيا..أعمال فنية متنوعة ميزت خصوصية التجربة التشكيلية للفنانة التشكيلية أولغا مالاكوفا الروسية-التونسية  المقيمة بتونس والتي تدرس بها منذ سنوات في الجامعات التونسية .المعرض الجديد هو على سبيل التحية لشهر رمضان الكريم والعيد بعنوان " سنين دايمة " في الفضاء السياحي موفمبيك بضاحية قمرت . لقد شكلت المعارض الفنية الخاصة  والجماعية للفنانة التشكيلية أولفا مالاكوفا حيزا من الرؤية الفنية تجاه المكان وما اختزلته الذاكرة من مشاهد  وحالات وتفاصيل ..و من خلال تعدد معارضها مضت أولقا في لوحاتها مع التلوين المتخير الذي طبع شخصيتها وهي المفتوحة على العوالم والعناصر..هذا الى جانب مجالاتها العلمية ضمن البحث في الحقل الجمالي .. وفي هذا السياق كان اشتغال الفنانة التشكيلية والباحثة أولقا على موضوع مهم يمس الحياة التشكيلية التونسية وفق عمل أكاديمي وعلمي  بجامعة باريس 8 ومنذ سنوات وهو عمل مهم ليس للثقافة التشكيلية التونسية فحسب بل للساحة التشكيلية العربية باعتبار أن الابداع التونسي رافد مهم من روافد الحياة الابداعية العربية والعالمية  بعنوان "من اللّوحة إلى التّنصيبات / بناء الفضاء المشهدي في تونس من الحقبة الاستعمارية إلى اليوم  وفيه " ... عالجت الباحثة في مجلدين هذا الموضوع وتساءلت عن إشكالية وجود مفهوم للمشهد الطبيعي في النقد والتاريخ الفنّيَين، ثم تطرّقت إلى التطورات النظرية والاجتماعية والموروث الحضاري التونسي والإبداعي المعاصر من خلال ألف صورة لأعمال فنّية تونسية وأوروبية ولمشاهد معمارية اجتماعية تراثية أثّرت في رؤية الفنانين... وهو عمل مهم لكونه يعزز المجال الدراسي والعلمي والبحثي بالخصوص تجاه مشهد تشكيلي تونسي متعدد ومختلف ويراوح بين رؤى الأصالة والمعاصرة ضمن سياق فيه التجارب والرموز والاتجاهات المتعايشة والمشكلة عبر أجيالها العنوان البارز للمشهدية التشكيلية التونسية..هذا وتواصل الفنانة أولغا مشاركاتها الفنية من خلال المعارض وذلك وفق حضور مدروس تسعى فيه للقول برؤيتها الفنية في سياق البحث عن الاضافة والتجدد والخصوصية..مثل معرض أولغا مالاكوفا بعنوان " سنين دايمة " بالفضاء السياحي موفمبيك بضاحية قمرت فسحة تشكيلية أخرى ببصمتها الفنية والثقافية.

 

شمس الدين العوني

 

 

960 محمود عجمي 1تعد الوظيفة الجمالية لفن النحت كسائر الفنون التشكيلية الحداثية لها الأثر التكويني للذائقة المتحركة وفق حركة الزمن وتجدد الأمكنة، لذا تحولت من نمطيتها التقليدية التي تعبر عن حاجة تؤديها الى ضرورات العمل الهندسي والبنائي وحسب الذائقة والتوجه السائدين والى أنماط أكثر صيرورة وديناميكية غير متشبثة بمبادئ الحرفة الفنية الشائعة، لذا بات الخزاف أكثر مرونة بالتنصل من أبجديات الخزف في تكويناته الشكلية وأفكاره والافلات من تلك القبضة الكلاسيكية المهنية المحافظة ليغدو حرا بالتصرف في خلق تشكلاته وكينوناته الخزفية لغرض مسايرة حركة الزمن والتطور .

بنائية الشكل وهندسة التكوين لا يمكن أن تقوض المحتوى الفكري والجمالي لدى النحات من خلال استخدامه لخامات معينة بذاتها لذا توجب عليه توظيف كل ما توفر له من خامات لتعبر عن فكرته وما يناسبها من شكل معين أو استخدام عدة خامات والوان تجسد فكرته كي تتوائم  مع مخيلته أولا ومن ثم انسجامها مع ذائقة المتلقي وفق بصريته وحدسه ووعيه ومدى تلبيتها الحسية والفكرية له .

يعد الفن الخزفي السومري في مراحله المتقدمة هو اللبنة الحقيقية لجوهر هذا الفن الذي ازدهر كثيرا تبعا للتطورات السياسية والثقافية للمجتمع وتماشيا للتقاليد والأطر الحياتية والدينية ولإشباع عدة عناصر نفسية وذوقية وايدلوجية سادت في تلك الفترة وتعمقت في مراحل لاحقة من البنية السياسية والمجتمعية لأبناء الرافدين وحضاراتهم المتعاقبة، فانتقلت تقنياتها من الجانب الفطري الى أسس فنية رصينة حداثوية من ناحية الاشتغالات الفنية الحرفية عالية الدقة لتجسيم الأعمال وادخال عناصر فنية جديدة عليها وفق المتاح في البيئة الرافدينية أو الاستعانة بالخامات المستوردة، ونضف الى ذلك تأثرها بالفنون للحضارات القائمة في حينها .

960 محمود عجمي 2لا يمكن أن نفصل حركة الحضارات ونعدها تدور في فلك زمني ومكاني بعيدا عن حركة الحضارات الأخرى كبنية الدول والجيوش والاقتصاد والثقافات والروحانيات ، نعتقد ان الحضارات العالمية شئنا أم أبينا فإنها تتسق وتتكامل فيما بينها،  فالزمن في دورته لا يمكن ان يقفز ويدور في أفلاك خاصة به دون المرور بمدارات ثانية، لذا رأينا كيف تشابهت الأديان والأفكار منذ الخليقة وكيف فسر الفلاسفة وكما جاءت بها كتبهم أو الوثائق والألواح أو كما جاء به الأنبياء فلا نجد اختلافات جوهرية في تفسير الخلق والنشئ والتطور للخليقة والكون وكيف تم نقل ما دار من أحداث وتطورات منذ العصور الأولى، وقد نجدها في بعض الأحيان مستنسخة من حضارة الى أخرى ومن جيل لآخر ومن الصعب ان نميز بين فكرة وفكرة ونظرية واخرى .

الفنان النحات (محمود عجمي) قد انتبه لهذه الحركة الكوكبية لصنائع الانسان كحقيقة تاريخية وجغرافية فالملاحظ عن أعماله قد تميزت بهذه السعة المعرفية والفلسفية اذ كان واعيا الى هذه الحتميات والمسلمات فأتت أعماله وفق هذه الأسس والحقائق .

الحجارة والطين والحصى والألوان هي خامات اعتمدها (العجمي) في أغلب أعماله وخاصة في معرضه الشخصي السابع الذي عنونه (ترنيمة الحصى) وضم المعرض الى جانب الاعمال الخزفية أعمال الرسم فتضمن  أكثر من عشرين عملا تشكيليا  في الرسم الى جانب نفس العدد قد يزيد أو يقل من أعمال نحتية .

في هذا المعرض كانت الحصى والجلمود والفخار هي العنوان البارز واللافت فيه، اذ حافظ على جسم الخامة من حيث الشكل والحجم دون تغيير ولم نجد لأدواته وآلياته بالتقشير والحفر والتنعيم أثرا لها على جسد الخامة باستثناء ما أضاف لها من ألوان و بعض الأشكال لكي تفصح عن كائن أو بيئة ما لتتخذ عمقا جماليا وفكريا دون أن يخوض في الخطاب الفلسفي المغرض الذي يبتعد عن فطرة موضوعاته ويشتت رؤى المتلقي . وأراد القول بان الوجود بكليته خلقا واحدا وجمالياته يكمل أحدهما الآخر ، وأحال السكون في الطبيعية الى ترانيم وغناء يشدو بالجمال والأمل .

لقد لعب (محمود عجمي)  على ثيمة السكون ودلالاتها شكلا ومضمونا فصيّر الجلمود الهامد حيوانا ناطقا بالحياة والحصى الصغيرة جعل منها فم طفلة مزهر بالمرح وجاورها بحصى أخرى لتشكل قططا وحشرات وحلازين وسلاحف وكائنات مختلفة ، لذا جاءت حصاه وحجاره وطينه المفخور حافلا بالحياة الصاخبة بالجمال والديمومة والحركة فبدت أعماله جسدا واحدا من ناحية شكلها العام وقدرة المتلقي على استقبالها وتأويلها دون جهد فيتلقاها بنفس فطرة صانعها ومخلقها .

960 محمود عجمي 3

في معرض (العجمي) عدد من لوحات الرسم يمكن وصف البعض منها بلوحة (كولاج) اذ مزج بين الجسد التصويري المتخيل ولصق الى جانبه كتلة فوتوغراف لأعماله الخزفية فحاكت رسوماته منحوتاته لكي تشكلا موضوعات مهادنة  ومحاكية لبعضها  .

  امتازت هذه الأعمال  (الكولاج) بصفة الجدة والتجديد على أقل تقدير في تجربته الشخصية وأعطت سمة التعبير والتجريد لقسم من لوحاته حيث تجد جسدا بلا رأس مدد على أريكة  بهيئته السومرية الأنثوية التي اتصفت بالسمنة كما في ثقافة السومريين الذين يرون جمال الأنوثة يكمن بتضخيم مكامن الانوثة في جسد المرأة وابراز مفاتنها فترك نسائه (العجمي) بلا رأس لاعتقاده بان النظرة الذكورية للمرأة  تكمن في جسدها دون فكرها وثقافتها ووظائفها الحياتية ومشاركتها كعنصر ثان في صنع جماليات الحياة وعلومها ومعارفها ومساهمتها في بناء وارساء دعائم التطور والتقدم، أي نقل بحرفية واشارات ظاهرة وباطنة نظرة الشرقيين للمرأة واقصائها عن الفعل الحضاري والمنتج الثقافي وترسيخ فعل المرأة بالإنجاب وتلبية غرائز الرجل وحاجاته فقط غير آبهين بصفاتها الألوهية كصنيعه للحب والجمال والزهو والحنكة السياسية في الادارة والقيادة كما وردت الينا من السفر البابلي والسومري والأكدى .

 

رياض ابراهيم

 

955 رائد العبيدي 1النحات (رائد العبيدي) يحاكي الفراغ المتسع بفضاءاته على الكتلة النحتية ويملأه برموز وبشيفرات ودلالات مستوحاة من لبنة أفكاره فتوحي الى اشارات وجودية وفلسفية متكئا على الكم الهائل من الفكر الرافديني ممثلا بحضاراته الخالدة، محنة الوجود هي اقسى من محنة الموت وما بعده فما كان عليه أي رائد العبيدي الا ان يمتطي ثورا مجنحا نفضت الحروب غباره ليحلق باحثا عن عشبته وضالته في مدينة (انتويربن) البلجيكية عاشقة الفن ليجلس على ضفاف نهرها هر (سخلده) في مدينة (انتويربن) هذا النهر الذي نقل اليه صمته وتأملاته وهمومه التي كان يحكيها الى شط (المحاويل) الذي يجري محاذيا لقريته المتفرع من نهر (الفرات) هذا النهر الذي كان شاهدا على المراكب التي كانت تقل الصخور والاحجار والخشب ليبني بها (نبوخذ نصر) دولته ويخوض غزواته ويؤسس (حمورابي) قوانينه وشرائعه، نهر (الفرات) كان شاهدا ايضا كيف تغنجت (عشتار) على حبيبها (تموز) ليوقع بشرك عشقها حتى انصهرت روحه مع روح الغرين لذا حافظ (الفرات) على لون مائه الغرين كما يحافظ (رائد العبيدي) على ألون خزفه ومنحوتاته بلونها البني الشبيه الى غرين (الفرات) وبياضها بلون نقاء وفطرة وطيبة قلبه .

البيئة التي احتضنت العبيدي هي بيئة قروية اتسمت عليها العصبية القبلية والامر الغريب ان هذه الحاضنة لم يخضع لاشتراطاتها النفسية والثقافية ولم يأبه لها ومن الصعب على مثل هذه البيئات ان تصنع فنانا مبدعا حقيقيا صوفيا تجريديا متحررا من هذه العصبيات، انه تمرد على كل هذه العصبيات والحروب وحول نيرانها الى افرانا تنتج اجمل الاعمال الخزفية نيران الحروب والاقتتال صاغ منها مصنعا له وورشا للإبداع وحول الدمار الى جمال واملا لشعبه الموجوع الذي لم يستكن من خوض الحروب منذ الخليقة ومازال .

حينما حطت قدماه في اوربا قد أدهشته الحداثة ومدارسها أول مرة في وقت الذي انحدرت الحداثة في اوربا وتقهقرت الى ما بعد الحداثة وهي العودة الى الكلاسيكية والجذور والاصالة بعد أن خذلت الحداثة متذوقيها وباتت عبث فني وأدبي واقتصادي وسياسي لا يخضع الى مفاهيم القيم الانسانية والذوقية لذا ما كان على (رائد العبيدي) أبى الغوص والغرق فيها فلجم النظر عنها ولم يلتفت اليها وخاصة قد سبقته شعوبها برفضها، لذا عكف لينهل من جماليات تراث بلده الثرّ ممثلا بحضاراته العريقة من فنون ولقى وآداب واثر قل نظيرها بالعالم .

لو تمعنا اعمال العبيدي الخزفية تجدها متفردة باسلوها وموضوعاتها وطريقة اخراجها وتصميمها والتقنية التي يشتغل عليها فيحول الطين الى فخار نحتي بعد ان يدخلها في افران صهر لتتحول الى قطع سيراميك محافظة على شكلها وقياساتها ونقوشها وحفرياتها ويجزئ اجامها الكبيرة الى عدة قطع ليحافظ على تكوينها الشكلي والتعبيري وبعد ان تصهر يعيد تشكيلها كجسم وكتلة واحدة مدهشة بذات القياسات ولم يجري عليها اضافات لونية لتحافظ على لونها الترابي لتشعر المشاهد وكأنها قطعة اثرية صنعت منذ الاف السنين فيضيف اليها الاكاسيد والاون البني الخفيف او الابيض الشفاف لتصبح جوهرة نحتية مدهشة .

الاسلوب الفني الذي يميز رائد العبيدي عن غيره فيه عنصر الدهشة وفيها القدرة على التالف مع الرائي لها تبعث في نفس المتلقي حميمية وروح محاكية لروحه بجو صوفي روحاني تجذبه وتثير مشاعره وفكره دون وعي منه .

(يقول عفيف البهنسي، إن العقيدة الوحدانيّة الراسخة في روحيّة الإنسان العربي، فرضت على الفن العربي مبدأين: الأول هو (تصحيف الواقع). أي تحوير معالمه الخاصة، وتعديل نسبة أبعاده وفق مشيئة الفنان. والمبدأ الثاني هو: إغفال الشكل الواقعي. أي الابتعاد عن تشبيه الشيء بذاته.. ومن هنا تحديداً ولد الرقش العربي الذي هو عبارة عن أشكال تجريديّة لا علاقة لها بالواقع)

955 رائد العبيدي 2

ان اسلوب العبيدي بالنحت الفخاري يعد مبتكرا وخاصا به فيحيل أكبر الأعمال شكلا وحجما ورشاقة ليأخذ طريقه الى الأفران الحرارية العالية الحرارة لينصهر ويتحول الى خزفا (سيراميكيا) هذه الجزيئات والقطع بعد ان تكتمل تضاريسها وقياساتها محافظة بالوقت نفسه على كل حفرة وشق أو تطريزة وشفرة ثم يجمعها وينصبها لتتخذ قوام تمثال ونصبا شامخا بامتداداته فيبلغ ارتفاعها من مترين وما يزيد عنه دون أن تشعر بمياسته ورهافة ملمسه وتكوراته وانحناءاته وكأنها شجرة تخشى الظل والبرد وتأبى تعرضها للحرارة فكيف تحافظ على ديمومتها كما في تمثال (الشجرة الخالدة والأم الآلهة والمرأة النعناع) وغيرها من أعماله .

 أعمال (العبيدي رائد) تبدو للرائي رهيفة ورشيقة وناعمة وقد تكون خفيفة الظل كيانا لكنها صلدة ومتينة ومتماسكة كما في عمل (الشجرة الخالدة) وكأنها شجرة تفاحة (آدم أو عشبة كلكامش) وهذه الشجرة كقطعة خزفية اتخذت من ثدي المرأة قاعدة لها لتسقيها بالحياة والنماء والجمال ، هذه الشجرة الغرائبية الشكل تمثل المخيلة الخصبة للنحات (العبيدي) شجرة بعيون صقر وبرشاقة غزال وبضفيرة بنت مدللة تستند على عود (الآراك) الذي يبعث عطر الطيب والمسك ، انه ثيمة ارسال وبعث لعطر الحياة وجمالها ، انها لوحة تجمع بين السريالية والفنتازيا التي اتصفت أعماله بها والتي تجاوزت في منظوماتها الفنية والجمالية حدود الخيال الى المطلق من التفكير والايحاء والتيه .، وعند التمعن تجد بابا في أسفل قائم الشجرة فهو بمثابة باب الجنة، هذه الجنة الشجرة التي غلقت أبوابها بوجه (آدم) الذي ارتكب معصية الغواية بقضمه تفاحة (حواء) أو نشوة شهدها .

ثمة نموذج آخر وهو عمل فني نحتي كبير لفت نظري لاختلافه عن سائد الأعمال النحتية شكلا ومضمونا وتقنية وهو تمثال (المرأة النعناع) فقد جمع النحات بين جسدين متضادين في فعلهما ووجودهما فالأول هو المرأة بكليتها وما تحمله من صفات وجودية وحياتية والأمر الآخر (النرجيلة) وهي احدى الوسائل وأداة للتدخين الشائعة في مناطق الشرق أي عمل يجمع بين المرأة (والنرجيلة) وهو تمثال لامرأة برأس (نارجيلة) هذه الفنتازيا الغريبة قد تجدهما متضادين فكيف يتجرأ الفنان لجمع المتضادات في معانيهما ألم تعد مجازفة فنية وفكرية ؟

لو تمعنا الى جسد المرأة ككتلة وتضاريس أنوثتها ان كانت رشيقة طبعا لوجدت الخصر النحيف والأرداف البارزة والأثداء أيضا كتكورات جاذبة للعين واذا ما نظرت الى أداة (النارجيلة) ستجد لديهما ذات الصفات الجسمانية من نسق قاعدتها وخصرها وحتى فوهتها فهي هنا قد اقتربت شكلا من ناحية التضاريس الجسدية بينها وبين المرأة، ولكن في حقيقة الأمر لم يكن هنا النحات يقصد ذلك بل أخذ الجانب الروحي والفكري بين الثيمتين اذ ان المرأة تمثل لدى الرجل النشوة والشهوة وجمالية الوجود وهي تمثل أنفاسه الصاعدة والنازلة ولا يمكن أن يحييا بدون وجودها وعطرها وزكرشة ملابسها وزينتها ومفاتنها لذا تشكل المرأة بالنسبة للرجل ذاته الأخرى، وتخيل الفنان هنا أن (النارجيلة) ومن كثرة الادمان على تعاطيها كدخان رطب ومعطر بمختلف العطور واللذائذ تمثل له نشوة كبرى قد أدمن طعمها وعطرها فهو يشهق دخانها كما يشهق عطر أنثاه، فقد تشابهت شكلا ذات اللذة الروحية فيما بينهما، حقيقة هذا ما نسميه الرقش أي العمل او النموذج الذي لا علاقة له بالواقع لسبب لان ليس كل الناس لديها ذات النظرة والقدرة للجمع بين نشوتين فانها لا تغدو فنتازيا جميلة قد ابتكرها الفنان في عمله هذا وهي تبدو صادمة لذائقة وفكر وخيال المتلقي وهذه احدى أهم السمات التعبيرية لدى (رائد العبيدي.)

 

رياض ابراهيم / كاتب واعلامي / العراق

 

 جمال العتابي(كيف ينظر فنان عراقي عاش محنة الحرب الى فنان اسباني عاش كوارث الحرب في بلاده كذلك؟ د. جمال العتابي يجيب من خلال منظوره فناناً وانساناً) .

بين الفنان والمشاهد حوار غير متعادل، حول ماهية الأثر الفني، اللوحة تفيض وتمتد خارج إطارها الزمني، تتجدد دائماً لتأليف خيال يتناسق مع حساسيتنا ومعرفتنا الراهنة . تشعّ بالجلال، حينما تغمد جسدك في فراغ اللوحة الداخلي، وتقيم حواراً حراً كشريك في عملية الخلق بلغة تعاش من الداخل .

لا شيء كالصمت قادر على خلق الشعور بالتماهي مع هذا القدر من الجلال، لتقف خاشعاً وسط الوجوه الساكنة في لحظات اللقاء، أمام الجورنيكا الأثر الخالد لبيكاسو، الجدران صامتة هي الأخرى،بين الظل والضوء، واقعة بين العين والجدار، لا تتوقف من إرسال إشارات المضامين، مسافة تكاد لا تسمع فيها غير وجيف القلوب، اللوحة تتوهج في صمتها واشتعالها، تسبح في فضاء أبيض، كما لو كانت في معاقل حصينة لا تنالها إلا العيون، وعيون الحسناوات (الحارسات) يترصدن حركة أيدي المشاهدين، خشية أن يتجرأ أحدهم على التصوير، يأخذك الانتشاء ببهاء الإبداع في متدارك هذا الإيقاع،فتحاول الإفلات من هذا القيد، غير ان الجورنيكا لا تمنح نفسها بسهولة للمتلقي،فهي لا تكتفي بإنارتها الداخلية، بل تدعنا ان نمارس معها تجاسداً فنياً يتوازن مع حالة الاسترجاع الزمني الذي عاناه الفنان، يشد الأوتار ويرخيها، يشيّد عمارة ثم يمحوها، يستعيد ويتذكر، يتأوه ويحلم بعالم يسوده السلام .

944 جمال

الجورنيكا أقرب إلى موسيقى كونية هادرة ترفض قوانين السكون، هي دورة أفلاك ترتعش بألوان الأبيض والأسود والأزرق الداكن، لاقتناص لحظات صراعات التاريخ مع جنون الحرب، الصراع بين الظلمة والنور، بين ألق الوجدان ودخان الحرائق والكوارث الإنسانية، الحرب لم تدّمر حواسنا فحسب، بل أيقظتها إلى الحد الأقصى، بكل تراكمها الكمي،محررةً من القياسات والمسافات، وحده الفنان من يعرف ذلك، يهيب بنا أن لا نتأسّى، بل أن نبحث عما وراء أثره الفني،الذي يحمل تاريخ مولده، لكن قصته طويلة، يتناقلها الأبناء عن الآباء، لأن بيكاسو تحرك إلى أزمنة أخرى، إلى مختلف مستويات الحلم والذاكرة،ليستوفي كامل طاقته التعبيرية، ويبلغ أوج عنفوانه الفني، في خلق لوحة تفكر ذاتياً، بما تختزن من طاقة، في مساحة مسطحة ذات إشعاع داخلي .هي ذي الحرب ذئاب تترصد الأقمار، ويصطلي في مجامرها الفقراء والنساء والأطفال،مدن تسقط وتحترق بظلمائها، وتحتفل الأرض بالشهداء، فينهض الموتى وتنتفض القبور.

الجورنيكا وحيدة في الصالة التي تسبح في فضاء أبيض، لا سبيل للوصول اليها،سوى أن نمنح أنفسنا حق التأمل والاستذكار، والانهماك في تقريب مشهد ضراوة الواقع الذي يعيشه إنسان هذا العصر، ونشفق على أنفسنا ان لا تضيع من مخيلتنا المسافرة سحر تلك اللحظات، إلا بالانغماس في التأمل، واستدعاء الصراخ المنداح من الأعماق، هاهنا تخفق القلوب وتتسارع النبضات مع إيقاع المرحلة الزمنية العاصفة التي يجسدها العمل الفني، المشاهد يقف خاشعاً كما لو كان يمارس طقساً مقدساً من طقوس الحياة، ألا فلتظل ساهرا أيها القلب، ما دمت قد عببت كل هذا الصمت، وأنت ساكن تلتقط بكل إحساسك المتفتح من تلك الموسيقى الهادرة من صهيل الحصان. وحين يولد فجر السلام يبدأ الوطن الحب .

 

د. جمال العتابي

.................

* الجورنيكا ..لوحة الفنان الأسباني بابلو بيكاسو أنجزها في أواسط حزيران عام 1937، معروضة في متحف الملكة صوفيا للفنون في مدريد، وهي مستوحاة من آثار القصف الوحشي لمدينة غورنيكا في إقليم الباسك الأسباني من قبل الطائرات النازية والفاشية، أثناء الحرب الأهلية الأسبانية ، اللوحة مرسومة بالزيت بقياس يقرب الثمانية أمتار عرضاً، وثلاثة ونصف متر ارتفاعا،شكراً لك صديقي العزيز الفنان سعد علي، أنك أقمت هذا الطقس، وهيأت بخوره وصلواته، فلولاك لم أدخل هذا الفردوس، قبلة على جبينك .

 

عدنان حسين احمدنظّمت صالة "قزوين المعاصرة" في لندن معرضًا مشتركًا لأربعة فنانين أذربيجانيين وهم أمين قهرمانوف وحاجي ميرزا فارزالييف وجلال أغاييف وفوغار مرادوف. وقد ضمّ المعرض الذي انضوى تحت عنوان "رحلة إلى الروح" 16 لوحة متنوعة الأحجام والتيمات نفذّها الفنانون بوسائط مختلفة على الكانفاس. ينتمي الفنانون الأربعة إلى مدارس فنية متعددة، فالفنان أمين قهرمانوف (43 سنة) يجمع بين التجريدية والسُريالية ولعله الفنان الأرشق تقنية، والأكثر عمقًا في تجسيد المخلوقات الأسطورية في لوحاته مع أنّ قهرمانوف قد كابد كثيرًا لمواصلة حياته المهنية كفنان لأنّ أسرته لم تكن ترى في الفن التشكيلي مهنة، ومن حسن حظه أن جدّه كان داعمًا كبيرًا لموهبته الفنية الواضحة حيث أدخله الدروس الفنية الخاصة التي طوّرت من أدواته، وصقلت تجربته المتميزة منذ بداياتها. ثم التحق قهرمانوف بكلية الفنون في العاصمة الجيورجية تبليسي الأمر الذي هيأ له المزج بين المدرستين الفنيتين الجيورجية والأذربيجانية. اشترك قهرمانوف في هذا المعرض بثلاث لوحات منفّذة بالزيت على الكانفاس وهي على التوالي "الطبّالان"، "نساء عاشقات" و "السيدة والكلب". ومِنْ يعرف أمين قهرمانوف من كثب سيدرك من فوره أنه يستلهم موضوعات لوحاته من أحلامه، ومخيلته البصرية، وصور الأساطير التي تتماوج في شريط ذاكرته الصافية التي لا يغشّيها الضباب. ففي لوحة "الطبّالان" 2012 التي استوحاها من أحد أحلامه الكثيرة نلحظ طبّالين يقرعان الطبل، ويغنيّان، ويرقصان في أثناء الليل. لقد لا مسَه هذا الحلم، وحرّك مشاعره بحيث رسمهُ فورًا ما إن استفاق منه. تُذكرّنا هذه اللوحات بأعمال الفنانين التعبيريين الألمان، كما أنها تخالف لوحاته الأولى ذات الألوان الرمادية الباردة التي سوف يغادرها لاحقًا إلى الألوان الحارة ما إن يتخلص من تأثير المرحلة الجيورجية التي تتسم بالألوان الدكناء. أما لوحة "نساء عاشقات" 2015 فهي لا تختلف كثيرًا من حيث اللون والخط والحركة عن أسلوبه التعبيري المتعارف عليه لكنه أضفى عليها من عندياته لمسات جمالية تحيلنا إلى شغفه الأسطوري الواضح. أما اللوحة الثالثة والأخيرة فهي لوحة "السيدة والكلب" التي تتألف من ثلاث فيكَرات بشرية وحيوانية ونباتية، فهناك المرأة العارية، والكلب المسترخي، وعذق الموز، إضافة إلى الفراش والوسادة وهيمنة المناخ الإيروسي البعيد عن الابتذال. لا يجد قهرمانوف حرجًا في أن يرسم بعض أفراد أسرته في أوضاع حميمة، ويؤكد دائمًا بأنّ الحُب هو شغله الشاغل.

936 Absheron 2

يحتل الفنان حاجي ميرزا فارزالييف (68 سنة) منزلة خاصة في المشهد التشكيلي الأذربيجاني وذلك لتنوّع مصادر إلهامه فهو "يستقي موضوعاته من الزرادشتية، والميثولوجيا التركية القديمة، والديانة الإسلامية، كما أنه مولع بتطعيم لوحته بعدد من القصص، بعضها يفضي إلى رحلة واحدة، وبعضها الآخر يتشعب لرحلات متعددة لكن القصص جميعها تحفِّز المشاهد على فعل التخيّل" الذي يدفعه إلى التحليق بعيدًا عن أسْر العالم الأرضي. منذ صغره كان حاجي ميرزا يدرك ملَكتهُ العقلية، وكان يحب التمثيل، ويؤدي الأدوار المسرحية في المدرسة لكنه ما إن رأى جنديًا شابًا يعلّم الطلاب طريقة الرسم، وكيفية إنجاز لوحة جيدة حتى تخلى عن التمثيل والتحق بدروس هذا الجندي الرسّام الذي أمدّه بالكثير من المعطيات الفنية والأسلوبية. وحينما قُبل في كلية عظيم عظيمزادة للفنون في باكو وتكشّف أسلوبة المتفرّد الذي يختلف تمامًا عن بقية الطلاب، ولم يستطع أن يجاريهم فيما يرسمون من أعمال تقليدية متواضعة كان هو يتوغل في الفن المفاهيمي والأفكار الفلسفية. وأولى هذه اللوحات التي تدفع إلى التأمل هي لوحة "عازف الناي" 1994 المكتظة بالفيكَرات وفي الثلث الأول من يمين الناظر نرى هذا العازف الذي ينبّهنا إلى سرعة زوال شيئين أساسيين لم نضعهما في الحسبان وهما الزمن والوجود، وكلاهما يتسرب من بين أصابعنا من دون أن نشعر به. في لوحة "الجَمَل" ثمة إحالة إلى الموروث الأذربيجاني الذي يستند إلى بعض الأساطير التي يوظفها الفنان بذكاء بصري يدفع المتلقي للتفاعل مع أعماله الفنية برمتها. لا تبتعد لوحة "الأصلع والأملط" عن الموروث الشعبي الذي يتمحور على عيد نوروز، فالأصلع يمثل المرحلة التي تسبق تجديد الطبيعة لنفسها، فيما يرمز الأملط إلى الخصوبة. أما لوحة "الغول" فتتداخل فيها الوجوه البشرية والحيوانية والأسطورية لكن ألوانها الباردة توفر فرصة نادرة لتأمل عوالمها الداخلية المستمدة من القصص الخرافية الأذربيجانية القديمة. ربما تكون لوحة "الباب" من أهدأ اللوحات فهي خالية من الفيكَرات تمامًا باستثناء هذا الباب المفتوح على المدى البرتقالي وخلفيته البنيّة الموشاة بضربات من الرصاصي البارد. تكمن قوة هذا التكوين في الألوان الثلاثة، الأصفر الفاقع، والبرتقالي الصارخ، والأخضر الواهن الذي يشكّل تجاورها مع الممر الممتد سمفونية لونية رغم صغر المساحة وندرة الألوان.

937 The Guitar Player

ينفتح الفنان جلال أغاييف ( 36 سنة) على فن الغرافيك أول الأمر لكنه سرعان ما ينعطف نحو الألوان الزيتية والكانفاس ليُدخل المُشاهِد في لوحاته الأفعوانية التي تقترب من المتاهات الكبيرة وكأنّ الداخل إليها لا يستطيع الخروج منها أبدًا. تمثل لوحة "المدينة القديمة" 2018 أول أنموذج لهذه المتاهة التي أحبّها الفنان وتعلّق بها، لكن هذا التعلّق سيمتد إلى أمكنة أخرى مثل "Absheron 1" التي جسّد فيها منزله الساحلي الذي عاش فيه في طفولته حيث نرى المنزل مغمورًا بالأغصان الكثيفة للأشجار العملاقة. أما السلالم الستة التي تظهر أعلى هذه الأشجار فتمثل الجيران، ومدى قربهم وارتباطهم وتداخل بعضهم ببعض وكأنهم أسرة واحدة متضّامة. أما " Absheron 2" فهي تشبه الأولى من حيث الشكل والمضمون لكنها تختلف في بعض التفاصيل الصغيرة. تتكرر لعبة المتاهة في لوحة "المدينة القديمة " ذات الشكل البيضوي لكن المضمون واحد وهو متعة الضياع في دهاليز المدينة وجوفها الذي يعرفه جيدًا. تختلف اللوحتان المتبقيتان عن الأربع السابقات في التيمة التي أحبها الفنان، فلوحة "كهرمان" 2017 تعيدنا إلى علاقته الحميمة بوالدته التي انتبهت إلى موهبته منذ زمن مبكر، وبذلت قصارى جهدها لتغذيتها، كما ساهمت في تقديمه للوسط الفني الذي حقق فيه نجاحات مذهلة. لا تقلّ لوحة "فيروز" بهرجة وتألقًا عن سابقتها، فالأحجار الكريمة تحمل دلالات كبيرة في أعمال أغاييف الفنية التي وجدت طريقها إلى صالات الفن التشكيلي في أذربيجان وتركيا وروسيا والمملكة المتحدة.

يتميز الفنان الرابع والأخير فوغار مرادوف برؤية فنية عميقة ومن حس حظ المُشاهدين في لندن أن يقفوا أمام لوحتين مهمتين من سلسلة "وجوه" التي اشتملت على 20 لوحة فنية اقتنى منها أحد جامعي التحف 18 عملاً تاركًا لنا فرصة الاستمتاع بلوحة "عازف الغيتار" 2007 التي يرسم فيها وجهًا واحدًا لـ 195 مرة لكنه يتلاعب بالألوان، ومن خلال هذا التلاعب اللوني يُظهرلنا صورة لعازف الغيتار. الأمر نفسه يتكرر مع "عازف الكمان" الذي يرسمه بالطريقة ذاتها والتي تعود بالأساس إلى تصاميم السجاد التي اشتغل عليها لمدة زمنية طويلة. نال مرادوف لقب "الفنان الفخري لأذربيجان" عام 2018 وذلك لمساهماته المهمة في التراث الثقافي للبلاد. وفي الختام لابد من الإشادة بمُنظمتيّ المعرض  Afsana Tahirovaو Elnara Shikhlinskaya اللتين قدمتا هذه اللوحات بطريقة حِرفية تحرّض على المُشاهدة والتأمل والاستمتاع.

 

عدنان حسين أحمد

 

ثورة المنحور/ ابا عبد الله وصرخة الجياع

المدخل: اوجاع وصرخات الفنان المتالق د. صبيح كلش لم ولن تهدا فانها كالبحار الهائجة او الطوفان انها صرخات تهز عرش السماء ومطارق تحطم الاحجار وفرشاة ولون تعيد للشمس اشراقتها ونورها الساطع ورموز ودلالات وعبر ودروس غابت وغيبت بفعل فاعل ومفعول بة ولاجلة حتى اصبح العالم الاسلامي يرقص كالطير المذبوح بفعل/ سادتنا ومولانا و شيوخنااوامرءانا لذين لا يفكرون باوجاعنا بل ان جل تفكيرهم ما تحت الحزام او فوقة قليلا/ يتكلمون عن الزهد كالببغاوات وهم بفترسون حتى لحوم الموتى حتى تجرد عالمنا الاسلامي من الاسم والعنوان واصبحنا نعيش في هلوسة فكرية وهذيان اقل ما يقال عنها ميلودراما الجوع والاضطهاد والترغيب والترهيب او دراما عن الضمير الانساني الغائب والمغيب او كوميديا ساخرة تعددت اشكالها والوانها باسم الوطنية او الاسلام او الجهاد ووووو الخ وتحت شعارات مختلفة تركز وتؤكد العبودية والاستغلال/ ملك وسيد وامير ومجتهد وووووووو مغلوب ومغلوب علية سيد وعبد وامير وشحاذ ووووووولخ كلها تحت شعار اسلاموي / ولقمة القاضي

87 صبيح كلش

من هنا او هنالك تبدا ولا تنتهي ملحمة الجوع/ اللوحة الثالثة للفنان المتالق د صبيح كلش اذ انها حكاية وقصص وملاحم ليست كحكايات لف ليلة وليلة بل انها حكاية من الواقع الى الواقع ذاتة ابطالها رموز صرخت لا للظلم والجور وتيمتها غياب الضمير الانساني ودلالاتها معانيها مستلة من التاريخ المغيب عن الاجيال والضمير الانساني/ حكاية يرويها لنا الفنان د كلش بالفرشاة واللون والخط والرمز والدلالة تبدا ولا تنتهي بسؤال/ متى ستعيد الامة الاسلامية هيبتها وهي خير امة اخرحت للناس/ قبل الخوض في التفاصيل الفنية للوحة ورمزها والوانها المتناسقة جلب اهتمامي واهتمام كل متذوق اغيره / اخيتار الفنان د كلش / قبر وضريح ابن بنت رسول الله ص /الحسين ع/ وتم رسمة بحرفية وواقعية لا يقدر عليها الا فنان متمرس ويدرك ادواتة بشكل فني/ اعلى منتصف اللوحة/ ماذا يشكل هذا الرمز في عالمنا الاسلامي وما هي دلالالتة ولم الضريح يشع بالانوار كشروق الشمس/ اللون الاصفر وتدرجاتة المختلفة/اذ لو ادرك المتذوق هذا الرمز وفلسفتة لادرك كل معالم اللوحة وما يصيب هذه الامة من اوجاع وامراض وووالخ اذ ان هذا الرمز يمثل موسيقى الروح والجسد لكل انسان موحد كان ام غير موحد يستل منة كل الدروس والعبر في منهحةا الاسلامي والانساني ولولا غياب هذا الرمز لما حل بامة الاسلام من كوارث متتالية تبدا بملحمة الجوع ولا تنتهي بالظلم الجور والتشرد والجهل والتجهيل وووووووالخ ولهذا نجح الفنان في كل رموز المتتالية ة والوانة وكتلة للتعبير عن المعنى الظاهري والمخفي لهذا الرمز الحسيني الذي يمثل سفينة وطريق النجاة لهذه الامة وكل الامم التي تعاني الجور والظلم والاستبداد فهو صوت الاحرار في العالم بعيدا عن الاسم والعنوان والعقيدة والزمان والمكان لان الجوع والقهر والتسلط ليست سنة الهية بل سنة شيطلنية وباشكال مختلفة/ وهذا ما جسدة الفنان عبر الاشكال والهياكل البشرية التي تصرخ من الجوع والالم/ بداء من الهيكل العظمى /اسفل منتصف اللوحة/ وتوالي الاصوات البشرية صعودا الى رب العزة والجلالة مرورا بضريح ابا عبد الله ع /منتصف اللوحةوخطوط ا لصرخات المتتالية من الاسفل الى الاعلى/ وتعميقا للمعنى الانساني لرمزية الحسين كان د كلش فيلسوف وفنان محترف اذ قد جعل من صرخات الجياع والمسلوبين في العالم تاتي من خارج اللوجة لتمتزج مع صرخات الجياع لهذه الامة/ الخطوط الصفراء والسوداء والزرقاء ووووالخ/ اسفل يسار اللوحة / من هنا تكمن فلسفة وفكر ملحمة الطف في كل تداعياتها وارثها التاريخي في مخاطبة العقول والنفوس التي لا تزال لم ولن تدرك المعاني والدلالات والدروس والعبر لهذه الملحمة الخالدة عبر لوحة فنية استاتيكية في شكلها وديناميكية في حركتها الساكنة حتى تشعرك بانك جزءا من هذا الواقع المؤلم الذي نعيشة وعاشه الاباء والاجددا وسيعيشه الاحفاد مستقبلا لاننا امة قد تخلت عن قيمها ومبادءها واصبح الخنوع والاستسلام جزءا من شخصيتها حتى اصبح الجهل والتجهيل شعارنا والبكاء والنحيب طريقنا والجوع والتشرد والاستسلام حياتنا ولا نحرك ساكنا ولا نضرب الفاعل والنكرة ونقول نحن خير امة اخرجت للناس/ كالرمز الذي اعتمده د كلش التفاحة الحمراء/ منتصف للوحه/ والتي تمثل الهبات والزكوات والخمس ووووالخ وهي اموال طائلةنقدم الى مرقد الامام والتي استباحها السراق واللصوص حتى انتفخت بطونهم من السحت ثم تصغر هذه التفاحة رويدا رويدا حتى تصبح سوداء غفنة تقدم الى الفقراء والجياع ولتعميق هذه الدلابة هو الخط الاحمر من باب الضريح الى الجياع ونهاية التفاحة/ منتصف اللوحة ثم تدرج لون التفاحةالى الاسفل الى تصل الى الاسوداد الى فم الجياع / ان هذا المعنى الدلالالي الذي جسده الفنان بابداع يكشف عورات المدعين والمنافقين في استغلال الواقعة والضريح من اجل مصالح مادية حتى اصبحت المنابر الحسينية لاسماء ومسميات وقصائد شعرية تباع وتشترى بالعملة الصعبه لا تختل ف عن اي متاجرة اخرى باسم الدين لو العقيدة او النسب اوووالخ ولهذا يؤكد الفنان بان مرقد الامام ورمزة الدلالي هو طريق النجاة وتخليص الامة من الجوع والقهر والجور/ العبرة/لا للبكاء والنحيب والشعائر التي لا تقول للظالم انك ظالم وسارق وقاتل بل هو صرخة حق تعمق الايمان وتجسد فكر الاسلام وتنقذ المظلوم من الظالم

شكرا لك ايها الفنان المتالق د كلش لقد علمتني درسا لا ينسى في ملحمة الجوع/ بان الحق لا يعطى بل ياخذ حتى لو كان لثمن النحر/ ولنا في واقعة الطف خير مثال

 

ا. د. طارق المالكي

 

929 valerieيشكل التجريد حينا والواقعية وفن البورتريه حينا آخر في أعمال الفنانة التشكيلية فاليري شيوكولا  Valerie schioccola  أهم الأدوار التي تغذي مشهد أعمالها، لأنها تجعلها تنبض بالرشاقة والحيوية المطلقة، مما يصنع نوعا من التفاعليات بأبعاد حقيقية واقعية ملموسة، تبرز المادة التشكيلية في شكل وجودي يشرك البعد الحسي والعنصر البصري للقارئ.

كما أن جودة التقنيات التي تستعملها المبدعة تساعد في عملية المعالجة الواقعية وإبراز العمل الفني في رونق وجمال فائق، فتجربتها الفنية الموفقة وخبرتها الكبيرة في مجال التشكيل تجعلها تبدع أشكالا جديدة في التجريد وفي العمل الواقعي وفي فن البورتريه.

929 2valerie

 لأن سحرية التجريد من جهة وجمال الفن التشخيصي المعاصر من جهة ثانية، تعتمد الموهبة الفنية والتجربة والخبرة والتقنية المعاصرة، لتأليف منجز تشكيلي يمنح القارئ إحساسا جديدا، وشعورا قيميا ونظرة جمالية فاتنة. استجابة للضرورات الجديدة. إنها أبعاد بائنة تتوافر بشكل قوي في تجربة الفنانة الكونية فاليري.

929 3valerie

كما أن تفاعلها مع كل مقومات المجال التشكيلي، ومع كل المواد التعبيرية الراقية، ومع الألوان التشكيلية المتخصصة، قد جعلها تنتج أساليب تعبيرية معاصرة، تنبني على قاعدة تشكيلية معاصرة، باختياراتها وتوجهاتها المباشرة، التي تستشرف العالم التشكيلي الباسم. بأسلوبها الخصب الذي يحتوي مجموعة من المعارف التشكيلية والمعالم الفنية والذوقية التي تندرج ضمن نسيج ثقافي واجتماعي وفكري، ورصيد معرفي تشكيلي، وبحضورها المائز في الساحة التشكيلية العالمية. إنها تحمل خصائص فنية فريدة وجديرة بالمتابعة النقدية الجادة، لأنها تبصم في الفن التشكيلي المعاصر كل مكوناته ومفرداته وعناصره ومراميه الإبداعية المتطورة، والجماليات التشكيلية، وكل الأساليب التي تنبض بالحياة والتطور، وتهدف إلى إنتاج فن تشكيلي راقي بمقومات معاصرة.

 

محمد البندوري

صرخة الجياع وصدى رب العزة/ الله جل جلالة

لم تنته صرخات واوجاع الفنان د. صبيح كلش في لوحتة الاولى/ بل تلتها صرخات موجعة و متتالية كتوالي الليل والنهار/ ودوران الشمس والقمر اذ انها صرخات ضمير انساني يشعر بما تعيشة الامة من الم وجوع وفكر انساني/ اذ وبعد ان عجزت الرسالة الالهية المرسلة بيد سيد الكائنات من التطبيق ولا لا يزال الجوع والقهر والتشرد هو سيد الموقف في عالمنا العربي والاسلامي ولم يبقى امام صرخات الجياع الا التوجة الى رب العزة والجلالة لانقاذ حالهم/حالة الاستسلام التي عاشتها وتعيشها الامة الاسلامية منذ 1400عام.

86 صبيح كلش

من هنا تكمن معالم ورموز اللوحة الثانية لملحمة الجوع عبر فرشاة ولون وخط وكتلة /جمعت في حيثياتها كل ما هو واقعي وتحريدي ورمزي لتقول كلمة واحدة/  في محتواها الفكري والفلسفي والعقائدي والانساني/ هل غاب الله عن عبادة ام ان عبادة قد غابوا عن رب العزة/ وهل ان الظلم والقهر  والجوع سنة الهية ام انها سنة شيطانية/ وهل ان ابليس قد انتصر في تحدية ام ان الله يمهل ولا يهمل واين تكمن الحكمة/ انا خلقنا الانسان في احسن تقويم/ فكرا وعقلا وشعورا وووالخ/ وهل ان التحدي الالهي ببني ادم وليس ببني ابليس لم يكن متوازيا/ على الرغم من كل الاغراءات في الفردوس/ ولم طغت تلك الاشكال الهلامية الشيطانية من بني ادم التي تعيش من اجل ان تاكل ولا تاكل من اجل ان تعيش حتى اصبحنا في عالم لا يختلف عن عالم الغاب في غطاء اسلامي/ من هنا تكمن رسالة الفنان الى بني ادم وبني الشيطان على حد سواء/ لو تمعنا وتامالنا في حيثيات اللوحة ورموزها المختلفة فقد استطاع الفنان كلش بعبقرية الفنية ان يجسد لنا بشكل واقعي الرمز الالهي المتمثل بالكعبة المشرفة/ والتي احتلت المساحة الكبرى من جسد اللوحة بداء من عمق الارض وصعودا الى السموات السبع/ والمتمثلة بكلمة الله جل جلالة والاية القرانية/ في اعلى قمة اللوحة وعبر السموات المختلفة الالوان/ التي نراها تارة بيضاء واخرى حمراء وزرقاء ورمادية وووووالخ ومما بعمق المعنى الدلالالي لصورة عزة الجلالة واصوات الجياع تلك الخطوط المختلفة التي تنبع من افواة الفقراء والجياع لتصل الى تلك السموات/ وهي صرخات كالبراكين الهائجة  التي لم تلاقي صداها في الارض  ولهذا فانها تتوجة الى رب العزة متجاوزة الارض في  في جو قدسي لا يختلف عن الاحواء القدسية كالتضرع في الصلاة او في الاماكن المقدسة لطلب الرحمة والمغفرة/ ولهذا نجح الفنان كلش في تصوير هذه الاجواء القدسية في مناجاة الله عبر تلك الاشكال البشرية المتشابهة في الشكل والمضمون /الاشكال البشرية في الجانب الايسر من اللوحة/ وان هذا التشابة لم ياتي اعتباطا عند فلسفة وفكر الفنان بل انه تركيز على قدسية الانسان لرب العزة حتى تكاد ان تشم فيها رائحةا والمسك والعنبر تعظيما لتلك القدسية ومما يزيد من جمالية اللوحة وفكرها الفلسفي/ تلك الهياكل البشرية/مقدمة اللوحة في حانبها الايمن/ التي جردها الزمان والمكان الاسلاموي من شحومها ولحومها حتى اصبحت هياكل بلا هياكل وعظام بلا ارواح وارواح  بلا اصداء اي انها اصوات الموتى بعدما سلخ الجوع اجسادها / ومما يزيد من جمالية اللوحة الالوان التي استخدمها كلش بحرفية عالية لما يحملة اللون من معاني ودلالات مختلفة/    والتي تكمن في ثلاث الوان اساسية مع تدرجاتها المختلفة/الازرق والاحمر والاصفر فاذا كان اللون الاحمر بتدرجاتة المختلفة رمزا للموت والقتل/ فاننا نراه قد تجسد بشكل واضح في الهياكل البشرية/الجانب الايسر من اللوحة/ حتى تكاد الطواطم والرموز المختلفة/ تشعرك بالموت والمقابر الجماعية لبني ادم/ تلك المقابر التي لم  يسمع صداءها لاننا نعيش في عالم صم بكم لا يعلمون / وان اصوات الفقراء والجياع والمظلومين لا تطرب السادة والشيوخ واصحاب السيا دة والملوك والامراء او ان الفنان اراد ان يصور لنا عالم الشياطين من بني ادم التي تمتص الدماء كدراكولا وان مصيرهم النار / اما اللون الازرق فقد جسدة الفنان كلش بحرفية رائعة جمعت ما بين نداءات الجياع ورب العزة حتى تكاد الاشكال البشرية وهي تتضوع للجليل الاعلى متشابة في اللون عبر تدرجاتة المختلفة بل وصل الامر ان اقتطع الفنان جزءا من اللون الازرق/ رمز الجلالة/ كي يكون اداة للتضرع والتقديس حتى اصبح اللون الازرق لون الهي يمسح على اكتاف الجياع بالرحمة والمغفرة/الجانب الايسر والهياكل البشريةاي انه رمز عن الفردوس/ اما اللون الاصفر وتدرجاتة المختلفة كان رمزا الهي/ يبدا من منتصف اللوحة ولا ينتهي بالسموات/الكعبة المشرفة وانتصابها وجدارها/ وان كل الرموز والدلالات التي تحيط بها رموز مشرقة كاشراقة الشمس/ وهي دلالالة على الرحمة وان الله شديد العقاب  وانة يمهل ولا يهمل

لقد وضعنا الفنان كلش في لوحتة الثانية فلسفة الجوع امام تساءل وتامل ومراجعة لانفسنا التي انهكها الجوع والظلم والقهر وان رب العزة يراقب كل شئ وان اصوات الجياع تهز اركان السماء والارض وان اولاد الشياطين ستمسخ اجسادهم وعلى بني ادم الذين يحملون روح الله ان يكونوا اداة للتغير تلك الاداة التي غرسها الله في اجسادهم وعقولهم وافكارهم/ انا خلقنا الانسان في احسن تقويم/ وان لا يكون بني ادم من الضعفاء والعبيدا لاسيادهم / كلكم لادم وادم من تراب/ ولا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى/// والحر تكفية الاشارة

 

ا. د. طارق المالكي

 

85 FT10.fwفرناند توسان Fernand Toussaint 1873-1956

رسام بلجيكي اختص برسم البورتريه النسائي،

وتفوق بإ سلوبه ما بعد الانطباعي.

85 FT9.fw

كان فرناند مولعا بالرسم منذ الطفولة وكان محظوظا بالتمتع بتشجيع ودعم عائلته التي سمحت له ان يتتلمذ في صباه على يد الفنان جان فرانسوا بورتيل  Jean-Francois Portaels ، 

85 FT8.fw

 ثم ادخلته الاكاديمية الملكية وهو بسن الخامسة عشر. 

85 FT7.fw

بعد ان امضى ثلاثة سنوات في الاكاديمية، سافر الى باريس عندما بلغ الثامنة عشر من عمره ليكمل دراسته مع فنان البورتريه البلجيكي الشهير هناك ألفرد ستيفنس  Alfred Stevens . 

85 FT6.fw

هذه التجربة التي دامت خمس سنوات هي التي أثرت في توجهه للبورتريه وصقلت إمكاناته التكنيكية. 

85 FT5.fw

وبالرغم من ان فرناند رسم العديد من لوحات الحياة الجامدة ومشاهد المدن إلا انه اصبح متميزا برسم البورتريه الذي ازدادت شعبيته عند نساء الطبقة الارستقراطية لما رأين في اعماله من سحر ورومانسية. 

85 FT4

وهكذا كانت اغلب تكليفاته الرسمية من قبل تلك النساء أو رجالهن

85 FT2.fw

وهي التكليفات التي تدفع له أكثر وتغريه على الاهتمام الدقيق بتصميم المشهد واختيار الوانه وتفاصيل اكسسواراته، الامر الذي كان يستحوذ على اعجاب من يرسمهن أشد الاعجاب. 

85 FT1 Fernand

وبذا فقد فازعام 1929 بجائزة البورتريه الذهبية في صالون باريس، وهي جائزة مرموقة صعدت من سمعته كرسام بورتريه متميز للخمس وعشرين سنة التالية من نشاطه الفني.

85 FT3.fw 

توفي عام 1956 عن عمر 83 عاما.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

914 الفن الصينيهل الحساسية الفنية ثابته او متغيرة عند الفنان والمتلقي؟ وهل يمكن اعتبارها كقيمة اخلاقية وجمالية في فهم وتقييم الاعمال الفنية؟

بعض النقاد والمحللين يقول ان الغريزة الجمالية ثابته في الانسان في اي زمان ومكان ولكن المتغير عنده هو الحساسية فهي في حالة خلق وتدمير متواصل تتماشى مع حركة الكون في الخلق والاختفاء .. ونحن نستطيع ان نكشف من خلالها عالم الشكل واللون والتناغم والرومانسية .

ويذكر ان الحساسية انواع منها قديمة تقليدية لم يستطع صاحبها من الخروج من نسقها التاريخي اما لتخلف ثقافي او تحجر ذهني مغلق او انها بقت على قناعاتها الكلاسيكية الموروثة فلم تغادرها، وهذا اللون من الحساسية احيانا له آثاره السلبية ليس على الفرد وحده فقط وانما على المجتمع، كما هو ظاهر عند بعض التيارات الدينية .. والحساسية الاخرى هي المتنورة الحديثة التي تمردت وانقلبت على الموروث القديم وخلقت سلطة جديدة للواقع وانتماء للمعاصرة حيث استطاعت من اعادة الافكار ضمن منضومة جديدة واستمتاع فني جديد حيث يمكن من خلالها تنظيم حياة متطورة وراقية على مستوى الفرد والجماعة ..

914 كونستابل

هناك من الناس من لا يدركون العلاقات النسبية في الجانب المادي وقيمها الجمالية والفكرية نتيجة تدني في درجة التذوق، حيث ان الذين يملكون حساسية فنية عالية يستجيبون للعمل الفني المنظور والمعروض امامهم فاما يعجبه وام لا. ولا يمكن ان يقف المتلقي امام العمل ساعات يحلل ويفسر ثم يصدر حكما بالرفض او الاعجاب .. ولهذا فان العملية اعتقد هي وجدانية مصحوبة بكل الانعكاسات التلقائية والعاطفية . فعندما نتعاطف مع الآخرين فاننا نعيد احساساتهم في انفسنا وحينما نتأمل عملا فنيا نزج انفسنا داخل اطار هذا العمل وبالتالي يحدث اعجاب او جفاء .

ويذكر بعض العلماء بان الايمان العقائدي يصعد وينزل حسب الظروف والبيئات فاذا كانت البيئة روحانية مليئة بانشطة التعبد والزهد تجد درجة الايمان صاعدة واذا خلت من ذلك تجدها متدنية .. وهذا ينسحب ايضا على الحساسية الفنية .

منذ الثورة الفرنسية والرومانسية والانطباعية بدأ الفن يتحرك نحو التغيير وبلغ غزارة مذهله في الانتاج الفني في عصرنا الحاضر ويذكر البعض بانه ليس هناك حقبة اكثر ثورة او عصر كان الفن فيه اكثر تجريبا من القرن العشرين .. حيث تداخل الرسم والنحت والتصوير الفوتغرافي واستغلت الاقترانات في ملاعب الابداع . وامتد الرسم اكثر من حدود القماش واصبح العمل ذهنيا . كما ان بعض الفنانين اهتم فقط في اللون وحوله الى بقع متباينة على سطح اللوحة، كما هو عند عدد من الشباب في انكلترا والولايات المتحدة مثل موريس لويس 1912-1962 وغيره . 

914 نصب الحرية

وبعد الحرب العالمية الاولى 1914 التي حدثت في اوربا هرب كثير من الفنانين الاوربيين الى نيويورك مثل موندريان ودوجامب وليبشتز وشاجال واندريه ماسون واندرية بريتون وغيرهم وبهذا فقد حلت نيويورك محل باريس وقد ساهم تواجدهم هذا ان تتبوأ نيويورك مكانة عالمية كبيرة يضاف الى ذلك وجود المتاحف الراقية وكبار تجار ومقتني اللوحات مثل التاجر اليهودي الثري كوكينهم Guggenheim الذي اسس عدد من المتاحف في امريكا واوربا .. وهنا ظهر لدينا نوع من التذوق والحساسية تتناسب مع البيئة والتحولات الجديدة . حيث ظهر ما ينشد الضخامة والحرية المطلقة والحركة الدرامية مثال اعمال جاكسون بولوك 1912.

في وسط هذه الثورة العارمة من الاساليب والمدارس المتنوعة والمتباينة خلقت لنا عالما من القيم الادراكية والحسية، عالم دائم التغير والتباين في درجات تذوقه . علما ان بعض مذاهب الفن الحديث قد الغت مبدئي الجمال والاخلاق التي رسمها الاغريق وبقت محتفظة بالمبدأ الميتافيزيقي وبذلك ظهرت حساسية فنية جديدة وعنصري الخيال والتأمل والاتجاه نحو الفن المفاهيمي . اما المدارس الشرقية فنجد لها بعدا ذوقيا وفكريا آخر وانها توحي بالشكل عن طريق الخط مثل المدرسة الصينية ولهذ فان الاحساس بالشكل يأتي عن طريق حنكة الخط وان التذوق له يتعالى على غيره من عناصر العمل الفني ..

914 هنري مور

في بدية القرن العشرين كان هناك في العراق تخلف واضح في تذوق الفن وهو ما واجهه الفنانون الرواد بمرارة والم، وكان جواد سليم يجمع بين الرسم والنحت ولكن كانت رغبته الى النحت اكثر وقد ذكر في كتاباته انه يريد التخلص من الرسم لكن المشكلة التي واجهها هي عزوف الناس عن النحت تماما وعدم تذوقهم له . وفي احد معارض جمعية اصدقاء الفن عرض قطعة نحتية صغيرة من المرمر سماها – النهر الاسود – ورغم سعرها البخيس فلم يقترب منها احد ... وعندما كلفه عبد الكريم قاسم بنصب الحرية اقترح عليه من قبل البعض ان يضع صورة عبد الكريم في داخل النصب .. لكن جواد بذكاءه الفني التجئ الى الرمزية لانها اكثر خلودا من التمثيل الشخصي وان الثورة التي ارادها الشعب قادها عسكري فجعل العسكري في وسط النصب وهو الذي يرمز في حقيقته الى عبد الكريم قاسم . ولم يجرئ احد بعد ذلك من الحكام على تهديم النصب رغم ما تعرض الى اطلاق نار مكثف في زمن القوميين والبعثيين ثم التهديد بازالته من قبل بعض المتشددين ...

وبالتالي اعتقد ان الحساسية الفنية هي عنصر ينمو وينضج مع تجارب الحياة وتفاعلها مع الثقافة والفن وتتباين بتباين واختلاف البيئات والاماكن والازمان وتقاليد الامم، ويكون مغذي هذه الحساسية روافد ومشارب متعددة منها القرأءة ومشاهدة صالات العرض وزيارة المتاحف وحضور الندوات الثقافية والاطلاع على الكتب الفنية المعتبرة وآخر ما وصلت اليه الحركة الفنية العالمية ..

 

د. كاظم شمهود

 

تبدا الملحمة بسؤال انساني لا ينتهي

هل اغتيل الله ام لا تزال المحاولة جارية ؟/

الظلم والارهاب والقتل والجوع والتشريد ووووالخ كلها باسم الله

من هي الاداة التي حاولت وتحاول عملية الاغتيال وما هي الوسيلة/ ومن هو المنفذ/

اسئلة متنوعة ومتعدد تطرحها ملحمة الجوع على العالم الاسلامي وهي عبارة عن ثلاث جداريات حجم اللوحة الواحدة 2م × 2م بمواد مختلفة على سطح قماش الكانفاس ، مؤرخة في 2007

84 صبيح كلش

المقدمة

وبنفس التساؤل/ من اغتال الرسل موسى وعيسى ومحمد ص وهم اصحاب الرسائل الالهية الى البشر جمعاء/ وماذا حملت تلك الرسالات/ غير كلمة الانسان ثم الانسان/اي العدل والحق والرحمة ونصرة المظلوم ووالخ الم يتم اغتيال مليار مسلم بسيف الجهل في وقتنا الحاضر/ والا لم ينتشر الجوع والظلم والجور والقتل والجهل والتهجير في بلاد يطلق عليها اسلامية من حيث المظهر الخارجي اما واقعها وواقع الانسان فيها فحدث بلا حرج/ اما مظاهر الاسلام اليوم في عالمنا اليوم وبالامس فانها تبرز في جوامعها ومراقدها فتكاد ان تكون اغلبها واهمها مطرزة بالذهب والالماس والاحجار الكريمة ولا يمسها الا المطهر من النجس/ اما الانسان المغلوب على امره فان حلمة الاول والاخير ان يمتلك سكن ياؤية ورغيف خبز يسد رمقة / وهل ان الله عز وجل بحاجة الى تلك البيوتات المظرزة وهو صاحب الملك الاعظم ولم لا يبلغ رسلة عن تلك البيوتات بل اكتفى بالانسان ثم الانسان الرحمة والعدل وووالخ لم لا نعترف بان الاسلام وصاحب الرسالة تم اغتيالة باداة لا تختلف عن الاداة التي تم فيها تصفية المسيح ع ولم يبقى من المسيح ع ورسالتة الانسانية غير البيوتات/ الكنائس والتي تسمى مجازا بيوتات الله ولا يسكنها او يمسها الا المطهر من النجس/ وعلى كل انسان من دفع مبلغ محدد من اجل اصلاح تلك البيوتات ودعم المشرفين عليها وهم جيش جرار لا يختلف عن الجيوش الجرارة في الدين الاسلامي/ البطاله المقنعة/

من هنا او هنالك تبدا الحكاية/ حكاية الانسان والجوع والظلم/ او حكاية صراع الانسان مع الانسان او صراع الانسان مع مفهوم العدل والحق الالهي/ اذ انها ملحمة وحكاية تبدا بالانسان ولا تنتهي بالجبروت الانساني حتى اننا اليوم نخشى من محاولة اغتيال الله وتدمير العالم بعد اغتيال رسل الرحمة ووتشوبة رسالتهم الانسانية حتى اصبح العالم مهدد في اي لحظة بالفناءوتحت شعار القوة والجبروت لا مفهوم العدل ولا الحق الالهي / اذ اننا اليوم نعيش ملحمة لا انسانية بطلها الجوع والظلم والقهر والارهاب والترهيب/ لا تترجمها الكلمات والاشعار الحماسية و لا مراجعة التاريخ الملغم بالمفخخات ولا الاقنعة التي اختلفت اشكالها و الوانها كاشكال الازياء الدينية المطهرة حتى اصبح الاسلام شكل بلا مضمون اذ ان صوت القران يقاس بالصوت الحسن ويقيم رجل الدين يازياءة ولا نتذكر الاسلام الا في شهر رمضان ويتسابق اصحاب المال والسحت في بناء الجوامع المطرزة بالذهب والياقوت اما الانسان فانة محطة معطلة تعج بالانين والصراخ والجوع ولا طريق لها الا الهروب الى الله حيث يتوقف القطار في محطة الجوع لجمع الاشلاء والهروب بها الى باب الله .

اللوحة الاولي ملحمة الجوع (1) رسالة الرسول ص والواقع المرير

كل ما حملة الرسول الاعظم ص من رسائل الهية الى البشر/ القران الكريم والسنة النبوية/ يجمعها قاسم مشترك واحد/الانسان/ والرحمة والحق والعدل ووو وما ارسالناك الا رحمة للعالمين

من هنا تبدا ملحمة الجوع للفنان المتالق د صبيح كلش الذي قدم لنا تلك الملحمة الانسانية بالريشة والالوان والخطوط المتقاطعة مع التاريخ والجغرافية في عصور الاسلام المختلفة الى يومنا هذا عبر سؤال وتساءل عن الانسان الذي انهكة الجوع والفقر ولم يجد له من مفر الى الهروب الى الله في ثلاث لوحات مختلفة يجمعها قاسم مشترك هو/ الجوع والانسان/ اذ ان تلك الملحمة الانسانية تشكل المعيار الحقيقي عن انهيار الانسان وانهيار الامة بكل معايرها وقيمها الانسانية /اذ انها خير امة اخرجت للناس/ ذالك الانهيار الذي حل في امة الاسلام والذي لا يعترف به فراعنة العصر /وهو الانسان/ ذالك الكيان الذي خلقة الله باحسن تقويم وبث به من روحة/ ولم يفرق الله عز وجل بين انس واخر/ كلكم لادم وادم من تراب/الا ان الشيطان وابليس كان شاطرا كما يقال فقد اخترق جسد الانس وحولة الى شيطان بل واعنف من ابليس ذاتة في القتل والارهاب وسرقةقوت الفقير وتحت شعارات مختلفة لا تختلف عن شعارات حقوق الانسان في الامم المتحدة والتي غالبا ما تنصر الظالم على المظلوم/

لو تاءملنا اللوحة الاولى وتجردنا من كل الثقافات المركبة لوجدنا هنالك في قلب اللوحة خط وهمي يبدا من الارض ولا ينتهي الا باسم الجلالةوفي قلب هذا الخط رموز مختلفة لا تخرج عن مفهوم الاسلام كالهلال والقبة /قبر الرسول الاعظم ص/ وطيور السلام التي تنقل عذابات الفقراء وجحيمهم من الارض الى السماء عبر رساءل لا تحمل في طياتها الا الانين والالم والجوع عبر قلوب نقية طاهرة/ قلب اللوحة/ تعطرت بقلوب القوس قزح بعد ان فقدت كل شئ ولم يبقى من انسانيتها سوى الهياكل المحطمة التي لا تسطيع حتى الكلام لانها تسكن في جحور تحت الارض/تدرجات اللون الازرق والخلفية والهياكل/ ولم يبقى لها سوئ النداءات/البقعة الصفراء المطعمة بالقلوب/التي تنقلها طيور السلام الى خالق الكون والغريب ان اغلب هذه الرسائل والنداءات تصتدم بالجدران فتهز جحور الفقراء كما تهز الصواعق الضمائر المغيبة فيصحى الفقراء من جوعهم ويعاودون الاجتماع في قراءة سورة الفاتحة لتوديع قريبهم او زميلهم اووالخ/اسفل منتصف اللوحة والهياكل البشرية والاجتماع/اما كلمة الرحمن والرحمة ومهمة الرسول الاعظم ص فقد غطت اغلب بقاع اللوحة حتى ان قبة الرسول وقبرة وبيتة فقد جسدها الفنان كلش بواقعية واضحة عبر كم هائل من ال رموز ودلالات تعبيرية وتجريدية وهو تكوين لا يقوى علية الا رسام متمكن من ادواتة ويمتلك وعي فني بمفاهيم الفن المعاصر/ اذ اين نحن في العالم الاسلامي من رحمة الله ورسلة/ وما ارسلناك الا رحمة للعالمين/ ولم تم استبدال الرحمة بالقتل والجور والظلم في عالمنا الاسلامي ومن هو المستفيد الشيطان ام الانسان المتشيطن بلباس الدين او غيرة/ اذ ان اكثر من 1400 عام على مقتل الرسول الاعظم والعالم الاسلامي في سبات وجهل متعمد حتى امتد هذا القتل بذريتة واحفادة واهل بيتة ع من اجل تغير سنته او افراغ كل محتوياتها بمحتويات لا تتوافق مع الرحمة والعدل الالهي وابسط دليل على ذالك هي واقعة/ الطف/ وثورة الاصلاح التي قادها ابن بنت رسول ص/ثورة الحسين/ والتي ضحى بكل غالي ونفيس من اجل اصلاح سنته جدة الاعظم ع/اذ اصبح تاريخ الواقعة لدى البعض يوم احتفال تنحر فية الذبائح وتعلق الاجراس على رقاب الكلاب ويرتدي فية الاطفال والرجال الازياء المعطرة وووالخ اذ ان داعش اليوم هي نفسها داعش الامس في افكارها وسننها التي افرغت الاسلام من جوهره الحقيقي والخليفة ابا بكر البغدادي هو حفيد الخلفاء المتشيطينين بلباس الدين والورع وووالخ ولهذا كتب التاريخ بلا تاريخ وعظمت اسماء بلا مسميات ونقل عن الرسول احاديث وقصص لم يقلها واصبح ترتيل القران في مسابقات وجوائزلاختيار الصوت الاحسن حتى اصبحت هويتنا / مسلمون بلا اسلام / لهذا انتشر الرجس وعمت الفوضى في العالم الاسلامي واصبح الجوع والجور والارهاب شعارا اسلاميا

من البديهي ان نقول بان الله عز وجل قادر على كل شئ وان الله يمهل ولا يهمل وووالخ ولكن لا بد للانسان من اتخاذ موقف والا لما انتشر الجوع والجور في عالمنا الاسلامي اي علينا ان نعتمد على انفسنا اولا ثم نتوكل على الله/ اعقل فتوكل/ ومن هنا تبدا ثورة الاصلاح التي ارادها الفنان كلش في لوحنة الاولى من الملحمة/ صرخات الجياع والرسالة المحمدية في العدل الالهي اذ ان الفنان ونحن ايضا نتساءل اين هي رسالة الرحمة واين يكمن العدل الالهي/ وهل ان اغتيال الرسول ص واغتيال اهلة واحفادة كان مخطط له ومن يقف خلف هذا المخطط/ وهل تجح هؤلاء الشياطين في تشوية الاسلام وافراغ محتواه الانساني حتى اصبح الجوع والجور والظلم عنوان وواقع يعم كل الدول التي تدعي الاسلام/ اليس هذا هو الواقع

هذا هو العنوان الحقيقي للوحة الاولى وتحت عنوان الجوع والرسالة الالهية للرسول الاعظم ص اذ ابدع الفنان كلش في سرد تا ريخ لم نطلع علية وعنوان قد غاب وتغيب عن الكثير اما بسبب الجهل او التجهيل المتعمد وليس امامنا سوى التامل في اللوحة وقراءة رموزها

الثورة على انفسنا اولا من اجل عملية الاصلاح والا سنصبح كالهياكل البشرية في اللوحة/ نطلب الرزق من الجليل الاعظم ولا نقل للظالم / انك السارق باسم الله .

 

د. طارق المالكي

 

82 منال ديب 1نظّم غاليري P 21 بلندن معرضًا شخصيًا للفنانة الفلسطينية منال ديب المقيمة في أميركا حاليًا. وقد ضمّ المعرض 32 لوحة، وأعمالاً فنية رقمية، إضافة إلى خمسة أعمال فيديوية وُزعت بطريقة أنيقة ومريحة على صالتي المعرض الكبيرتين نسبيًا، كما استثمرت داغمار بينتر، القيّمة على المعرض الممر الطويل الذي يربط بين الصالتين وزيّنته بالعديد من اللوحات المعبِّرة التي تستوقف الحضور العرب والأجانب المعنيين بالقضية الفلسطينية أو المتعاطفين معها.

قبل الولوج في تفاصيل الأعمال الفنيّة لابدّ من الإشارة إلى أنّ منال ديب وُلدت بمدينة رام الله في فلسطين، وأكملت دراستها الإعدادية هناك، ثم انتقلت إلى العاصمة الأميركية واشنطن، ودرست فنون الأستوديو في جامعة ألينوي بشيكاغو، وحصلت على درجة البكالوريوس في الدراسات متعددة التخصصات مع التركيز على علم نفس الفن من جامعة جورج مَيْسِن بفرجينيا، فلا غرابة أن تدخل الثيمة النفسية إلى العديد من أعمالها الفنية وخاصة تلك التي تعالج فيها موضوعات الهوية، والمنفى، والحنين إلى الوطن مع أنّ ثيماتها إنسانية ولا تنحصر في حدود الوطن المستباح لأنها معنيّة أصلاً بثقافات الشعوب، ومدّ الجسور بين الأديان السماوية الثلاثة، كما أنها تبحث عن أواصر التفاهم والتسامح بين الأقوام البشرية بغض النظر عن أعراقهم ودياناتهم وطوائفهم وربما يكون الفن التشكيلي هو الوسيلة المُثلى للتعاطي مع الكائن البشري في كل مكان من دون الحاجة إلى اللغة، فالفنون البصرية في كثير من الأحوال لا تحتاج إلى اللغة وإنما إلى تواصل المتلقي مع العمل الفني المعلّق أمامه.

82 منال ديب 2

ربما تكون ثيمة الذاكرة هي الأكثر هيمنة في هذا المعرض، فالفنانة منال ديب تتذكّر أيام طفولتها وصباها الأول في رام الله، كما تتذكّر القدس وبقية المدن الفلسطينية التي مرّت بها أو شاهدتها عبر الصور الفوتوغرافية والتلفازية والسينمائية فتسترجعها لتخلّدها  في أعمال فنية كما هو الحال في لوحة "إلى الأبد في عقولنا" حيث تتذكر الفنانة أفراد الأسرة برمتها، أو غيرها من الأُسَر الفلسطينية، فالدلالة قد تخرج من إطار الذات إلى الموضوع أو تتجاوز الخاص إلى ما هو أعمّ وأشمل.

لابد من الإشارة إلى تقنية منال ديب في تجسيد أعمالها الفنية، فهي، كما ذكرتْ داغمار بينتر، تقتفي آثار ثلاث فنانات فلسطينيات معروفات وهنّ زلفة السعدي، جوليانا سيرافيم ومنى حاطوم اللواتي رسمن الشخصيات الثقافية والتاريخية والشعبية إضافة إلى الطبيعة الصامتة، والمَشاهِد المستوحاة من الحياة الاجتماعية الفلسطينية لكن منال ديب اختطّت لنفسها طريقًا مغايرة حيث اتخذت من وجهها أو جسدها بالكامل خلفية لمعظم أعمالها الفنية، فهي ترسم ملامح وجهها بواقعية متقنة جدًا لا يجد المتلقي صعوبة في التعرّف عليها. كما أنها توظّف معطيات الخط العربي بطريقة تجريدية، فالمُشاهد لا يستطيع أن يلتقط كلمة واحدة من المناخ الحروفي الذي تُبدعه، فالهدف ليس قراءة كلمة ذات معنى، أو جملة مفيدة، أو صورة شعرية رسخت في الأذهان العربية، فمنال، كما نعرف، مولعة بالشعر العربي ولعلها تستشف من بعض القصائد موضوعات لأعمالها الفنية المتنوعة غير أن هدف المنحى الحروفي هو جمالي بالأساس ولعلّه يحيلنا أيضًا إلى عالمنا العربي بشكل خاص والإسلامي بشكلٍ أعمّ. أما العنصر الثالث والأخير فهو توظيفها للبُعد النفسي الذي يمكن تلمّسه بسهولة للمتلقي المُلِّم بتجربتها الفنية. ويكفي أن نشير هنا إلى لوحة "كتاتونيا" التي نفذّتها بالديجيتال على المعدن بقياس 50 x 75 سم، غير أن هذا النمط من اللوحات المعقدة يحتاج معرفة وإلمام بعلم النفس. فالكتاتونيا تعني "الجامود" أو "الإغماء التخشّبي" وهو "زيادة توتّر العضلات في وقت الراحة لكنه يزول بممارسة الحركات الإرادية". المتأمل لهذا العمل الفني يرى فيه أبعد من جمود العضلات أو توترها، فهو صورة إيروسية لكنها لا تقع في فخّ البورنوغراف الهابط. كما لعبت الألون المتناغمة دورًا مهمًا يقود المتلقي بالضرورة إلى الاسترخاء بعيدًا عن ذبذبات التوتر الذي يعاني منه الجسد الأنثوي الجميل الغارق في صمته ووجعه الداخلي.

82 منال ديب 3

تمرّ غالبية الأعمال الفنية لمنال ديب عبر الأنا الفردية المتواضعة التي لا تتعالى على الآخرين حتى أن صورتها الشخصية تكاد تكون العمود الفقري للعمل الفني الذي تريد أن تؤكد من خلاله أنها موجودة مثل وجود الوطن بطبيعته الأزلية التي لا تتلاشى أو تُبتلع مهما تغوّل الأعداء والطامعون بمهبط الرُسلِ والديانات. فالفلسطيني يظل مرابطًا في أرضه، وحارسًا أمينًا على قبة الصخرة التي أسمتْها في واحدة من لوحاتها بـ "قُبّة الأرواح" وهي استعارة بصرية شديدة التأثير على المتلقين الذين يتأملون هذه القُبّة المطوّقة بوجه الفنانة منال ديب التي أصبحت في هذا العمل الفني رمزًا لكل الفلسطينيين من دون استثناء، فإذا كانت منال، وهي البعيدة جسديًا عن القدس، وتقيم في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وتحتضن القبة في رأسها، فكيف بالناس الفلسطينيين المرابطين الذين يسوّرون القُبة بأجسادهم وأرواحهم، ويحيطونها بعقولهم وقلوبهم ليل نهار؟

تُعتَبر لوحة "باروك" من أقوى اللوحات التعبيرية التي حوّلت فيها الفنانة معالم وجهها إلى بناء أثري يذكرنا بكل المدن الفلسطينية العتيقة بأبوابها المستطيلة ونوافذها المشرَعة على العالم الخارجي. والغريب أن وجه الفنانة بات أكثر رقّة رغم صلادة الحجر الذي طغى على كل تفاصيله الدقيقة.

لوحات كثيرة في هذا المعرض تعزز فكرة البقاء، والمرابطة، والتشبث بالوطن والذكريات من بينها لوحة "الحنين" أو "أن تكون هناك"، ففي الأولى يجلس اللاجئ الفلسطيني الطاعن في السن منتظرًا تحقيق حلم العودة إلى الوطن، بينما تتأمل المرأة الفلسطينية في اللوحة الثانية المدى الواسع وكأنها تقرأ في كتاب مفتوح ما يخبئه الغد لها ولأبناء جلدتها.

82 منال ديب 4

لوحة "مخبأة" عمل بليغ يختصر الكثير من الكلام، إذ تتوارى الفنانة خلف التاريخ العريق والموغل في القِدم لكنها تطل علينا بعين واحدة مُترقِّبة وكأنها تقول للأعداء المغتصبين لأرضها: "أنني موجودة في هذا الفضاء الفلسطيني، ومتجذرة فيه"، ولعلها تحيلنا إلى لوحة أخرى تحمل عنوان "ثقافة" التي يتجلى فيها المعطى البصري الذي يُحيل إلى الأزياء الشعبية والتراثية التي رسمت عليها خارطة فلسطين على خلفية مفتوحة وكأن لسان حالها يقول بأن هذا البلد منسوج من أعصابنا وشراييننا قبل أن يُنسج على ثيانا وأرديتنا.

ربما تكون لوحة "الأرواح باقية" تحفة لونية تستقطب اهتمام الزائرين حيث يتعاضد الشكل مع المضمون، ويتناغم المبنى مع المعنى، فهي تستدعي الأرواح الفلسطينية التي رحلت منذ الأزمنة القديمة وحتى الوقت الحاضر ولكن طريقة الاستدعاء تُذكّرنا بالتقنية الميتاسردية التي تقرأ النص البصري قراءة مركبة بعيدًا عن الاستسهال والرؤية التبسيطية.

نختم المقال بلوحة "فلسطين الجديدة" وهي عمل فني رقمي لافت للانتباه في ثيمته الذكية، وألوانه المُبهرة، وخطوطه اللينة المرهفة، ففلسطين هذا البلد الجميل الذي ينزف دمًا هو أشبه بالغريق الذي يبحث عن خشبة النجاة ولا يستطيع العثور عليها في خضم الأمواج المتلاطمة العاتية. خلاصة القول إنّ معرض "قلب بلا ملاذ" هو إضافة نوعية لتجربة الفنانة منال ديب التي سوف تحفر اسمها بقوة في المشهد التشكيلي الفلسطيني الموزّع في المنافي الأوروبية والأميركية.

 

عدنان حسين أحمد

 

كاظم شمهودهل ان الفنان العربي توقف عن ممارسة ثقافة التصوير تماما في بداية صدر الاسلام؟ وهل ان نمط التحريم قد فهمه الصحابة موجها لصناعة التصوير او لعبادته؟. فهناك فرق بين صناعة التصوير للمتعة والزينة والتعبير وبين اتخاذه وسيلة للعبادة والشفاعة، وقد حمل الصحابة التحريم على العبادة، بينما العلماء الاوائل والذين تبعوهم قد فهموه فهما خاطيئا بدليل اختلافهم في الرأي والحكم . وقد ورثنا تراثا فقهيا وتاريخيا مبنيا على الاخطاء ومشوها . واصبحت الامة اليوم تدفع اثمانا باهضة من جراء هذا الخطاب المتخلف.. ولم نجد لحد هذا اليوم اي بادرة حسنة مستعدة لمراجعة هذا التراث واصلاحه، وهناك جهات داخلية وخارجية تعيش على هذا التمزق والانحراف والتخلف .

الشواهد على استمرار التصوير:

يذكر ان العرب مارسو التصوير قبل الاسلام وابدعوا فيه وكانت كنائس اليمن والشام والعراق ومصر مليئة بالرسوم الجدارية الدينية، كما كانت قصور الامراء والملوك تعج بالزخارف والتصاوير مثل قصري الخورنق والسدير في العراق (الحيرة) والاول بناه النعمان بن امرأ القيس في القرن الرايع ميلادي وكان هذا القصر عنوان حضارة ومجد عربي خالد . والثاني يقال انه بناه اللخميين المناذرة .

854 قصر الخورنق

و يمكن الاطلاع على كتاب – قصور العراق العربية والاسلامية – للمؤلف طالب علي الشرقي- 2001 . وكان اعيان وامراء اهل العراق قد قلدوا قصور ملوك الفرس مثل طاق كسرى (الموجودة حاليا آثاره في المدائن)، قلدوها من ناحية العمارة المترفة والزخارف والفسيفساء والجدران المصورة بالاصباغ المدهشة وقد بلغت حدا كبيرا من الترف وفخامة الجمال ومظاهر الراحة والمصابيح المذهبة والسجاجيد البارعة والمطرزة .. كذلك شيدت قصور في اليمن مثل قصر غمدان في صنعاء الذي يعد من عجائب قصور العرب قبل الاسلام وقد سكنه آخر ملوك اليمن سيف بن ذي يزن وهدمه الخليفة عثمان بن عفان؟ . وذكر ابن الكلبي بانه وجدت عبارة بالخط الحميري (غمدان هادمك مقتول) فهدمه عثمان فقتل . وكان هذا القصر مزينا بانواع الرسوم والزخارف . وكان يتكون من سبعة طوابق وترى اضويته ليلا من مسافات بعيدة ..

كما يذكر ان الصور كانت منتشرة في المدينة (يثرب) في زمن الخليفة عمر بن الخطاب مثل منزل ياسر بن نمير خازن بيت المال، كما ان مبخرة الخليفة عمر بن الخطاب التي يستخدمها في المسجد كانت مزينة بالصور الآدمية .. وغيرها من الامثلة

وكان الخليفة عثمان بن عفان هو اول من سمح ببناء القصور وان الناس تشجعت على ذلك في عهده وتحولت الحياة الى ترف وغنى وزخرف وزينة . وشيد معاوية بن ابي سفيان قصرا على غرار قصور الروم من ترف وابهه واقيمت به الحفلات الغنائية وضرب الدفوف . ثم بنى خلفاء بني امية القصور الخيالية وكانت مزينة بالتصاوير . وذكر ان عبد الله بن زياد والي البصرة بنى قصرا سماه الابيض وقد زخرفت حيطانه بالصور الحيوانية وملئه ايضا بالريش والطنافس . وقد ورد ذكر بعض هذه المعلومات في كتاب - تاريخ الاسلام - للدكتور حسن ابراهيم .

وفي زمن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان / 86 هجرية (706 م) كانت خيام الحجاج الاغنياء مزينة بالصور الآدمية .. كما كانت الصور منتشرة على الاقمشة التي ترد من اليمن وعلى الادوات المنزلية وستائر المنازل .

856 قصر غمدان

و كانت ايضا مظاهر النشاط الفني في التصوير مرتبطة بالعمارة الاسلامية ففن الفسيفساء والصور الجدارية كانت تغطي جدران وسقوف قصور الخلفاء ومنازل الامراء والاعيان مثل قصير عمرة وقصر الحير الغربي وقصر المشتى وقد وجت جدرانها مزينة بانواع الصور الآدمية والحيوانية منها صور عارية ... اما في العصر العباسي فكانت الاباحية انفتحت على مصراعيها ولم يعد هناك خجل او خوف من مسألة التحريم .. ونذكر بعض الابيات التي يرد فيها التصوير والاباحية لابو نواس .

تدار علينا الراح في عسجدية    حبتها بانواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها     مها تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما ذرت عليه جيوبها    وللماء ما دارت عليه القلا نس

855 قصر مشتي

ومن ناحية تاريخية يذكر القرآن الكريم بان التماثيل كانت تصنع في زمن النبي سليمان- ع - للزينة ورمزا للقوة والشموخ كأن تصنع تماثيل للاسود وتوضع في مداخل القصور او المدينة، ولكنها عندما عبدت كسرت هذه التماثيل .. وكان هناك من العلماء من فهم التحريم على انه منصبا على العبادة فقط فكل نمط من انواع التصوير والذي تكون غايته العبادة من دون الله فهو محرم سواء كان آدميا او حجرا او شجرا، حيث يذكر ان هناك اقوام قبل الاسلام كانت تعبد الشجر (شجرة الايكة) والحجر (الانصاب)، وبالتالي فان صناعة التصوير من اجل المتعة والرفاهية والتعبير غير محرمة .. ويذكر ان العالم ابن خلدون كان واسع الفكر ومتنور بحكم احتكاكه بالفكر الغربي عن طريق الاندلس، وقد ذكر بان التحريم يقتصر على تصوير الذات الآلهية فقط . ومثال على ذلك ما رسمه مايكل انجلو 1475 م في كنيسة بطرس حيث رسم الله على شكل رجلا ضخما متربعا على كرسي العرش تحيط به الملائكة والانبياء.. وعلى هذا الاساس افتى شيخ الازهر محمد عبدة (لا مانع من التصوير طالما ان هناك متعة ومنفعة للمسلمين) .

 

د. كاظم شمهود

 

81 تحرير علي 1تحرير علي أكاديمي وفنان تشكيلي بصري، يُشاكس المعنى المرسوم للمرأة سلفاً في مُحيط حياتنا المُجتمعي التقليدي، ليكسر نمطية المُعهود السائد في مورثنا الذي لا يرى في المرأة سوى إناء لتفريغ الرغبة الرجولية، أو التعامل معها على أنها إنسان من درجة أدنى..

رسومات تحرير علي تمنح المرأة قيمة جمالية وأخلاقية أكثر تسامياً وتضحية من الرجل.

لم يتعامل تحرير علي في تشكيلاته اللونية مع المرأة مثلما أظهرتها التقاليد على أنها أسيرة لرغبات الرجل وأهوائه ونزوعه المرضي في تحصينها وتقزيم دورها في الحياة التي لا مكان له فيها ولا وجود لولاها.

إلهام التشكيل في رسومات تحرير علي أنثى، مرة تكون الحبيبة، وأخرى تكون الأخت، أو الأم، وهي الأم التي تخط ريشته أفراحها قبل الألم في تنويعاته الحسية واللونية..

الألوان في رسوماته تتراقص ليس كما الطير مذبوحاً من الألم، إنما تتراقص فرحاً وتزدهي تشكيلاتها بحسب روحيته الباحثة في الألم عن الأمل.

لم يتعامل مع الألوان بحُكم صنعته وهو المُتقن لها، بل تعامل معها وفق ما تشي له روحيته الحالمة بغدٍ جديد للمرأة العراقية.

كل من له شغف بسيط في الفن يستطيع كشف مُضمرات لوحات تحرير علي حينما تكون المرأة ثيمته لتوصيل رسالته، فهو الباحث عن تجلياتها في الرسم، وهو الساعي للدفاع عن حضورها الذي يفوق حضور الرجل في الحياة، فهو لا يدعو للتساوي بين الجنسين وتلك دعوات يتبناها فلاسفة وفيلسوفات الأنثوية أو النسوية، بقدر ما هو يسعى للكشف عن تجليات لها في الحياة عبر التشكيل تتجاوز بها حضور الرجل وفاعليته، سواء بكمية الحنان والحُب، أو بحجم ما تحمله من الألم الذي تُضمره ساعة شدَة لتمنحنا حياة أفضل.

81 تحرير علي 2

إن المرأة (الزوجة) أو (الحبيبة) أو (الأخت) وتتويج حضورها في (الإم) إنما هي تتويج لمعنى الأنسنة الحقة التي تُجيد التعبير عنها المرأة لتتجاوز تصنيفاتنا الجنسانية في التمييز والأهلية التي يدعيها الرجل على المرأة تعبيراً لفظياً، ولكنها أحسنت التعبير عنه سلوكاً ومُمارسة.

فمن منَا يستطيع تصور حياته بلا إمرأة، زوجة أو حبيبة، أو أختاً أو بنتاً؟!.

أظن أن المرأة هي من تُعلمنا التضحية والإيثار، والصبر على مضان الحياة وقهرها، فلكم مثال يُحتذى في أمهاتنا وصبرهنَ وجلدهنَ وإيثارهنَ وسهرهُنَ وتضحياتهُنَ بسنين العُمر في أوان الحرب، فلم يشتكينَ من فقدانَ أزواجهنَ أو أولادهنَ من ضنك العيش كثيراً كي لا يجعلنَ الأبناء يشعرون باليُتم والخُذلان!.

تضحيات المرأة العراقية فاقت كل التصورات، فما كان من تحرير علي سوى الحُلم في فضاء التشكيل وترك ريشته تختار الألوان لترسم لنا لوحاتاً حالمةً مثل روحه لتشكيل حياة ترنو النساء فيها والفتيات للجمال فأجاد التعبير وأحسن الصنعة، فكشفت ريشته عن أحلامالنساء التي تكتنزها روحه التوَاقة لرسم خريطة المحبة داخل اللوحة بكل غنجها وأنوثتها، وإن كانت لوحاته تشي بأن تأطيره لها إنما هي من مُقتضيات شروط عرض اللوحة على الجدار، ولكنها ستبقى قيوداً تُقيَد رغباته في كسر نوازع الاقصاء للمرأة في مُجتمعاتنا التي تُخبرنا عنها رسوماته في هيامها بالحُرية وكسر كُل الأطر المُجتمعية المُصطنعة في الموروث السائد عن المرأة.

81 تحرير علي 3

لم يَحترّ تحرير علي كثيراً في تصنيف نفسه سواء أ كان من الفنانين الذين يُمكن أن يُصنفهم النُقَاد على أنهم يُدرجون تحت مُسمى اتجاهات الحداثة أو ما بعدها،.

إن تشكيلاته اللونية ونزوعه التجديدي تجعلني من الذين يجرأون على ادراجه من ضمن تشكيل ما بعد الحداثة، فهو لم يشغل نفسه بمقولات الحداثة في البحث عن إنصاف للمرأة ومساواتها بالرجل، وتلك من مساعي التشكيل والفكر الحداثي، بقدر ما هو يصنع لوحة تحمَلُ في تشكيلاتها اللونية ما ينتصر به للمرأة بوصفها كائن يرسم التكوين الطبيعي للحياة التي فيها المرأة صانعة لمباهجها، وتتحمل مآسيها، وليس على الرجل سوى الترنح والتباهي برجولته الفارغة من الصبر على صعاب الحياة التي كفته المرأة حق التفكير بها وفيها.

81 تحرير علي 4

رغم أن هُناك الكثيرين من الرجال يرتكنون على الدين في الحياء من المرأة، لكن التاريخ والنص المُقدس لا يتحملان ارتكاسية الرؤية وتراجع الفهم لقيمة المرأة بقدر ما يتحمله المُفسرون، ولست هُنا بمعرض الدفاع عن النصوص المُقدسة في دفاعها عن المرأة وقيمتها في الحياة بوصفها مدرسة التربية ومصير الأمم في تقدمها وتراجعها، ولكن يبدو لي أن تحرير علي قد تمكن من تحرير نفسه من التفسيرات المُسبقة للدين التي تمتهن المرأة وتحط من قدرها.

لوحات تحرير علي صرخة انصاف للأنثى (المرأة) لتجاوز تصويرها مُجرد جسد قابل للبيع والشراء في سوق النخاسة الجنسي بوصفها أمة أو جارية أو مُلك يمين.

إن تحرير علي يرسم المرأة بأبهى صورة تتجلى فيها الأنوثة فتُحدثنا عن حكايات شهريار وشهرزاد، وتُحدثنا عن قيس وليلى، وعنتر وعبله، وروميو وجوليت، وعن كل حكايات الحُب العُذري في النظر للأنثى على أنها عامل من عوامل البعث والتجديد للرؤية الحيوية..

لقد تفانى تحرير علي في رسم المرأة، بألوان الطيف وابتكارته خارجه، فالمرأة حانية، والمرأة مُحبة، والمرأة غزالة نرنوا للحاق بها وهي تُسرع الخُطى للصعود في عوالم المحبة كي تكون أيقونة للتوَق والعشق، والمرأة عنده قيثارة سومرية تحملها وفُستانها الأحمر يحمل شفرة التعبير عن شغفها بالحبيب وقيثرتها موسيقى عشق مُعتق سومري صادق، فالمرأة ن أحبت بصدق أجادت العزف على وتر المحبة.

تعامل تحرير علي مع المرأة بوصفها جسداً، فكان لفُستانها الأحمر الأثير في رسوماته دلالة رمزية على أنها أنثى وأنوثتها طيبة تختزن في طبقاتها بركاناً سيثور ويصهر صلادة الصخر التي يدعي الرجل أنه يكتنز صفاتها.

81 تحرير علي 5

الصخر بكل صلادته تنخره مياه الشلالالت والسواقي، بل وتنخره مياه التنقيط بعد حين!، وحُسن النساء إن لم تليق به وصف الشلالات، فهي ببعض مفاتنها يليق بها وصف:

(ناكوط حبَ) عساها ابخت كلمن يكسره.

لقد كسر تحرير علي الحبَ كي يفيض محبةً مثل أنثى الغنج يليق بها فتتكسر على صخرتها كل الآهات..

الصخرة أنثى في تشكيل تحرير علي، فصلادتها تتكسر من فرط التغنج في العشق وفيضها الرامي للمحبة والسلام، فمن لوحات تحرير إمرأة تحط على رأسها حمامة السلام فتستريح. إنها رسالة منه على أن الحرب يتفاخر بها الرجال، وإن كان بعض منها سببها إمرأة، ولكن السلام يليق بالأنثى، فهي حمامة بيضاء يرنو السلام إليها وتهدأ النفوس بُقربها وتستكين.

مرة يُصورها على أنها حمامة ومرة يُشكل الألوان لترسم عصفورة تتهادى على يديها، لتزدهي لوحته بالفرح: إمرأة بتراجي ذهبية، تركبُ قارب النجاة وعلى يديها عصفور بهجته في اللوحة ومُساكنته للأنثى والتغريد على يديها بألوان زرقة وصباح واشراق إنما تُعيدنا لاستنهاض كُل التفسيرات لحضارة سومر وتبنيها للمرأة بوصفها أيقونة للخصب والنماء.

المرأة تعزف شجن الشوق والتوق بلباسها الأحمر وهي يُلامس شفتيها الناي، أي موسيقى هذه تلك التي تعزفها أنوثة الأرض؟ كي تُعيد للأرض صيرورتها وديموتها، لتجد سماء اللوحة شمس وزرقة بهيجة وبيتٌ تُشرق ألوانه وكأن الشمس قد سكنت فيه بلمسة ريشة فنان يمنحنا الألق وسط حياة زاد فيها القلق.

 

ا. د. علي المرهج

 

741 جوليا 2جوليا وايكفيلد فنانة أسترالية تقيم في أديلايد، عاصمة جنوب أستراليا. نشأت جوليا في انكلترا ودرست الرسم والطباعة في لندن، مدرسة القديس مارتينز ثم مدرسة الفنون. وقد أنتجت ما يزيد على ٥٠ كتابا تعليميا تم نشرها في استراليا والمملكة المتحدة ومن بين الناشرين ماكميلان للتربية والثقافة، توماس نيلسون، ايفانز يو كاي وايرا .

741 جوليا 4

أهم مفردات جوليا الحيوانات الأليفة المحبذة عند الصغار وألوان النهار المبهجة أو اللون الرمادي والرصاصي الذي يخاطب البالغين ولا سيما من هم في منعطف من حياتهم. بالإضافة إلى شخوص بأوضاع عناق وتعاطف وتحابب.  ساهمت جوليا أيضا بالتعريف بالفن العراقي في اديلايد وقدمت للقراء  مجموعة من القصائد العراقية لبعض الشعراء المخضرمين وعلى رأسهم الشاعر المعروف يحيى السماوي. وفيما يلي نماذج من لوحاتها المخصصة لتوسيع علاقة الطفل بالبيئة والطبيعة. 

741 جوليا 1

 

741 جوليا 5

 

741 جوليا 6

 

741 جوليا 3

 

 صالح الرزوق