جمال العتابيما تزال الدولة العراقية فتية، مقتنعة بالقليل من الخبز والعيش، لكن لم يكن مستحيلاً على الوطن المتفائل أن يمنح مبدعيه بما يستحقون، وتستجيب الدولة لمتطلبات العصر وتحولاته، وحاجتها لتدريب أبنائها ومنحهم فرص التعلم، والإنفتاح على تجارب العالم في ميادين العلم والمعرفة والثقافة والفن .لذا إقترن تاريخ الحركة التشكيلية في العراق بإسم أول مبعوث لدراسة فن الرسم في إنكلترة عام 1930،هو الفتى أكرم شكري، هذه البداية، إشارة لأول إنعطاف نحو الفن بوصفه ظاهرة ثقافية ترتبط بموجبات وتقاليد الحياة الجديدة .

منذ ذلك التاريخ يبدأ الفنان التشكيلي أكرم شكري المولود في بغداد عام 1910 مشروعه الفني، الذي إبتدأ بلوحة لشارع في ضباب لندن، وتخطيطاَ جميلاً بالرصاص لرأس رجل، إلا ان رحلة البحث عن تجارب جديدة، وإرتياد المجاهيل بدأت في مطلع الأربعينات، لجيل من الفنانين الرواد، بدأوا الرحلة في الكشف عن الحلول التشكيلية لمعضلاتهم الفنية، وهكذا غدت تلك التجارب، إشارات لإقتحام جدار المسلمات التقليدية السائدة في الأوساط الفنية أنذاك .

عاد شكري من لندن عام 1932 متأثراً بالإنطباعية أسلوبه المفضل،لم يبتعد عن   الطبيعة، وأجواء بغداد  وأزقتها وشناشيلها وأهلها، وهو ما صار واضحاً في معظم أعماله (بائعة اللبن، أفراح غجرية، الحيدرخانة، مسجد الكوفة، سكلّة الخشب في الموصل، الغزال، دجلة في الليل)، إن المتابع لأعمال أكرم شكري في تلك الفترة الثرية، يستطيع أن يتوقف عند خصوصيتها، وطابع التجريب فيها، وهي تحمل لحظة إفتراقها عن مدرسة عبد القادر رسام، وإبتعاد شكري عن أيامها .

1640 اكرم شكري 2

إن مواجهة الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة، تدفع بالفنان إلى المضي بالتجربة حتى النهاية، وجد أكرم نفسه انه في حاجة إلى معين متجدد للغته الفنية، يضيفها إلى وسائله التعبيرية الأخرى، ليمارس بجرأة ذاك التكنيك الدرامي (البولوكي)، متأثراً بالفنان الأمريكي جاكسون بولوك (1912- 1956)، بعد عودته من زمالة دراسية لليونسكو عام 1954، ورحلته إلى الولايات المتحدة والمكسيك، إلتقط خلالها تجربة بولوك، فعاد متأثراً بها، وقدّم بعضاً من أعماله في معارض فنية مشتركة، كما قدّم البعض الآخر في معرضه الشخصي الوحيد في جمعية الفنانين العراقيين، ضمن مهرجان الفن العراقي،على قاعة معهد الفنون الجميلة، في عام 1956 .

1640 اكرم شكري 1وما دمنا بصدد هذا التأثير، نقول أن (جاكسون بولوك) كان أحد الرسامين الذين تركوا أثراً واضحاً في الرسم الحديث، وفي الحركة التعبيرية التجريدية، إبتدع أسلوبه الخاص في تقطير الألوان على سطح اللوحة المفروشة أرضاً، لتشكيل أنماط إيقاعية تبدو وكأنها متقاطعة، يقول بولوك عن هذا الأسلوب : أشعر أنني أقرب إلى اللوحة، أو جزءاُ منها، يمكنني أن أمشي حول جهاتها الأربع، فنانو الإنطباعات العفوية تلك، تأثروا بالسريالية التي تعتمد التلقائية والحلم واللاوعي، دون مراعاة أي دافع أوهدف خفي، إنما البحث عن التأثير العاطفي للفن، ربما كان أكرم شكري ينظر إلى تلك المحاولات، نظرة من يجرّب أو يقارن أو يقلّد، فتباينت أعماله في الأسلوب، وفي متانة العمل الفني، ولجأ إلى إسلوب التنقيط في بعض أعماله، وإعتمده كأساس في التعبير، لكن مدة التأثر هذه لم تمتد طويلاً، على الرغم من أنه أنجز خلالها أجمل أعماله الفنية، مثل لوحة (حواء)، التي تميزت بغزارة نسيجها اللوني الدافيء، وتوازن كثافاتها وملامساتها، التي توحّد فضاء اللوحة وتحييها، هذا التباين في الإسلوب لايكشف عن صراع حاد في الأفكار إلا بمقدار محدود، لكنه يشير بوضوح إلى جانب تجريبي يرتبط بعملية صناعة العمل الفني .

أكرم شكري من جيل الفنانين الشغوفين بالطبيعة العراقية، إذ تطالعنا مشاهدها في أغلب أعماله، سعياً منه لخلق حالة من التوازن مع العالم المحيط به،وهو يحاول جاهداً أن يبقى على علاقة سليمة به، فإتجه صوب المشهد الحياتي العراقي، دون النفاذ إلى أعماق الأشياء، بقدر ما يريد أن يسجل لحظات يومية يشفق أن لاتضيع من مخيلته المسافرة، كان حريصاً أن ينقلها بحدود إمكاناته التقنية، ولعل أكرم شكري أغفل إغراءات اللون في الطبيعة العراقية، ولم يتهيأ كلياً للإحساس بالأشكال، وكان على الألوان الخافتة أن تشعّ، كما نحسّها نحن أبناء هذا الوطن، من ينابيع الضوء التي تتدفق أبداً من أعماق الظلال الشفيفة .

ما يشد روابط اكرم شكري في التعبير عن الحياة العراقية، والتاثر بأحداثها، مساهمته في تأسيس جماعة أصدقاء الفن عام 1940، ومشاركته معارض الجماعة لعامي 41،1942، ومساهمته في معرض أبن سينا عام 1952،ومن المؤسف ان لازمه المرض في سنوات عمره الأخيرة، ولم يمنحه فرصة الخلود لمرسمه ليواصل عمله الفني، وتوفي عام 1983 .

 

جمال العتّابي

 

 

توفيق الشيخ حسينالفن التشكيلي من أجمل الفنون وهو يؤخذ من أرض الواقع ويرتبط بشكل كبير بالوحي والإبداع والإلهام وترجمة الرؤى والأفكار الغير تقليدية بطريقة تعبيرية والتي تحمل بين طياتها كم كبير من الغموض الذي يزيد من درجات الصعوبة في فهمه بالنسبة للشخص العادي، ويعد من أبرز الفنون المعبرة عن القضايا الإجتماعية في المجتمع، ونتيجة للتغيرات والأحداث العديدة التي حدثت في مختلف دول العالم أدت الى ظهور مدارس مختلفة منها :

"المدرسة الكلاسيكية، المدرسة الواقعية، المدرسة التكعيبية، المدرسة التجريدية، المدرسة السيريالية، المدرسة المستقبلية، المدرسة الرومانسية، المدرسة الوحشية".

المتأمل في الفن التشكيلي يجده بإختلاف مدارسه وعلى مر العصور تعبيرا ً صامتا ً ولكنه مؤثر وموثق وربما أكثر من الكتابات .

يقول الدكتور علي الغول :

" الفن تعبير عميق عما هو مخزون داخل القلوب البشرية، من إنفعالات وأحاسيس ذات رسالة معينة موجهة من قبل الفنان الى الجماهير عبر العصور والأزمنة " .

الفن التشكيلي العراقي له تأريخ عميق جدا ً ويرتبط بالحضارات التي شهدها العراق سواء في سومر أو أكد أو بابل أو النمرود، وظهرت أسماء فنانين عراقيين عريقة " فائق حسن، جواد سليم، حافظ الدروبي، شاكر حسن آل سعيد، أسماعيل الشيخلي، أسماعيل الترك، محمود صبري، زيد صالح " وغيرهم من الذين تخطت أعمالهم المحلية والعربية الى العالمية .

يظل المشروع التشكيلي لدى الفنان "صالح كريم" يشكل مبحثا ً متصلا ً ينهل من ثقافات العراق ومن مدينته البصرة، تخرّج من كلية الفنون الجميلة / بغداد / قسم الفنون التشكيلية عام 1974 .

1636  كريم

يقول الفنان " صالح كريم " عن تجربته:

" أرسم النخلة والشناشيل والبصرة والتراث والثقافة التي تخص المشاعر والإحاسيس البصرية المعروفة التي ترفع من مستوى الفني الجديد والملائم للوضع الطبيعي المعتاد، أرسم كثيرا ً ولا أستطيع العيش في الرسم لإني أسجل يومي كله بخطوط مختلفة والوان واضحة تثبت كل لوحة فنية جميلة، إني مستمر في العطاء وسعة البال " .

يميل الى الواقعية الحديثة ويستفيد من الموروث الشعبي والفلكلور والتراث ويحاول الربط بين الماضي والحاضر، يعمل على تصوير حياة الفقراء والبسطاء والحياة الإجتماعية العامة فتراه يستمتع بالخطوط والألوان والأشكال وهو يفهمها ويدرسها لا سيما إن مواضيع لوحاته الفنية مستمدة من واقعه .. يقول عنه " عدنان حسين أحمد ":

" يستلهم الفنان صالح كريم بعض أفكاره من الفنون السومرية والأكدية والبابلية القديمة ويتعاطى معها كمنجز فني عراقي وعالمي، ولعل تقنيات الحفر البارزة والغائرة التي أستعملها الفنان العراقي القديم تنبثق من جديد في لوحات الفنان صالح كريم " .

يتمتع بالثقافة البصَرية المتعلقة بثقافة العين التي تمكنّه التحول الى الفنان قادر على التعبير عما يدور بداخله برسومات وتعابير تشكيلية تحمل بين طياتها عدد كبير من المعاني والأفكار .

تلعب العيون ونظراتها في الرسم عند الفنان " صالح كريم " دورا ً كبيرا ً ومهما ً، لإنها تشكل الثيمة الرئيسية والأساسية للأحياء الباصرة وغير الباصرة وكما عبر داود سلمان الشويلي بالعيون عند الفنان صالح كريم :

" تتخذ في شخوصه تشكيليا ً أشكالا ً متنوعة ومختلفة ومتعددة مثل عيون الأسماك، وعيون الطيور، وعيون بشرية، إلا إنها بلون واحد هو اللون الأسود، وذلك لإنه لا يريد أن ينقل لنا الحالة النفسية للشخص فحسب وإنما يريد أن يعبر عن التكوين البايلوجي لهذا الشخص، وأيضا ً لإنها تحمل المعاناة من قسوة الإضطهاد والعنف الذي يريد أن يوصله الفنان لمتلقيه " .

سُئل َ الفنان" صالح كريم " عن أحب الألوان اليه :

" لون الأرض، فهو يبهرني وهو لون الشط كوني قريب من شط العرب والصحراء قريبة مني، والطين يحيط بي فهو موجود في أغلب لوحاتي ".

رغم بساطة الموضوعات التي تتجلى ملامحها أو تستوحي من محيطه الجميل الذي أشبعه بالدراسة عبر لوحاته المميزة، فتراه متجذ ّربالأرض، يستخدم اللون الذي يميل الى الإخضرار وهو دليل التمسك بتربته ولونها الأخضر الذي يعني الربيع والخير العميم .

يقول الرسام العالمي "ليونارد دافنشي":

"اللوحة هي القصيدة الصامته والشعر هو اللوحة الناطقة".

من هذه المقولة يؤكد الفنان والباحث السوري " عبدالقادر الخليل " ومن خلال إطلاعه على منجزات الفنان صالح كريم الذي جاء بقصائد صامتة تستحق كل أهتمام، الذي جعل من اللوحة رسالة الأمل، والذي أستعار جمال الفن ليعطي فكرة واسعة عن أحلام لم تنام وجسد في كل لوحة رسالة جديدة مزجها بألوان تراب الوطن .

رسم الفنان " صالح كريم " المعاناة التي تعيشها المرأة العراقية، ولأن المرأة عطاء لا يُحد ّ ولا ينضب وكونها رمزا ً للخصب وللعطاء وللتضحية وللمحبة، وقد وثق مشاعره تجاهها بالألوان والخطوط ورسمها بالزي العراقي الأصيل .

يقول الدكتور ماضي حسن نعمة:

" الفنان التشكيلي صالح كريم تمتاز أعماله بصيغة تكنيكية ناجمة عن خزين مهاري عبر مخاض من التجارب الأكاديمية التي أهلته الى فرش الألوان بجرأة ودقة في مسار تفاصيل الجزئيات المصغرة من خطوط ناعمة كي تمنح التكوينات حيوية وعمق في التأمل البصري " .

لقد جسد الفنان صالح كريم في لوحاته فن "البورتريه" وكانت لوحاته تعبر عن إنفعال بين الحنان والدفء والصمت والتألق والحزن والشاعرية والجمال، وأهتم بإبراز العمق النفسي للشخصية، يجد نفسه منغمسا ً في هموم ذاتية وعامة، يتألم لها وبها، المعاناة النفسية هي الوقود الذي يدفعه لأن يقدم صورا ً غير مسبوقة من الإبداع الإنساني، إن ما يتعرض له الفنان صالح كريم من معاناة يومية لتفاعله مع الشأن العام تجعل منه معرّضا ً بإستمرار لحالات نفسية، فاللوحة كالإنسان مكونة من طبقات نفسية، من السطح وحتى الأعماق، كل طبقة تساعد في فهم ما هو أعمق منها، وتعتبر مهارته الإبداعية في عمله الفني أداة يوصل بها دواخله الفكرية والنفسية الى الآخرين كالمتلقين والمتذوقين فنيا ً .

هذا ما عبر عنه القاص "محمد خضير":

" إن إستغراق الفنان صالح كريم في إنشاء موضوعاته المتسلسلة يصدر عن أسلوب خاص بالفنان أكتيبه من مهارته في فن التخطيط  البورتريه والنتيجة فإن الفنان صالح كريم هو رسام وجوه بالدرجة الأولى، قبل تصنيفه رساما ً طبيعيا / فطريا ً، أو أنطباعيا ً / تعبيريا ً، إنه من طينة حرة لا أنشراخ لسبيكتها ولا إنفراط لمكوناتها " .

في نهاية المطاف نجد إن تجربة الفنان صالح كريم الفنية والمتفرّدة تستحق فعلا ً التأمل والدراسة والتقييم ..

 

بقلم : توفيق الشيخ حسين

 

صباح شاكر العكامهيرودوتس (484ق.م – 425ق.م) اشهر المؤرخين الاغريق ولقب (أبي التاريخ)، قام بالعديد من الرحلات الى بلدان العالم القديم، جمع كل المعلومات  التي حصل عليها من البلدان التي زارها في رحلاته، وتدوينه للأخبار والحوادث بسرد القصص والحكايات والاساطير خالطاً اياها في كثير من الأحايين بالأخبار التاريخية دون أن ينبه عن الحد الفاصل ما بين الاثنين، ودون ذلك كله في كتابه (تاريخ هيرودوتس) والذي يعد من أقدم الكتب التاريخية، المكون من تسعة كتب (اجزاء)(1) سميت بأسماء الآلهة أو الحوريات الخاصة بالموسيقى والغناء والشعر والتاريخ وعددهن تسع آلهات بحسب الاساطير اليونانية .

 دون هيرودوتس في كتابه (تاريخ هيرودوتس) عن مدينة بابل في الكتاب الاول المسمى (كليو)(2) . وكان هنالك شكوك في أن هيرودوتس قد زار بلاد بابل، بل أن الأخبار التي ذكرها عنها قد استقاها من آخرين، فقد ذكر تسمية بلاد بابل بآشور(3) . 

وصف مدينة بابل:

لقد وصف هيرودوتس مدينة بابل وبالغ في قياس اسوارها وبعض أبنيتها، وخاصة في العهد الفارسي الأخميني (539ق.م – 331ق.م) حيث كانت معابدها وبرجها الشهير وقصورها لا تزال قائمة، دون هيرودوتس في الكتاب الاول  ص114: " تقع بابل في سهل فسيح، وهي مدينة واسعة مربعة الأضلاع طولها أربعة عشر ميلاً، ومحيطها وأطرافها ستة وخمسون ميلاً، وفوق ما تتصف به من ترامي الرقعة تفوق في بهائها كل مدينة أخرى في العالم، ويحيط بها من كل جانب خندق عريض عميق مليء بالماء، يتوسطه سور ضخم يبلغ عرضه خمسين ذراعاً ملكياً(4)، وارتفاعه مئتي ذراع . على جانبي سور بابل تقوم أبنية متقابلة من غرفة واحدة، بينها مساحة تكفي لمرور عربة تجرها أربعة جياد، ويتخلل السور مائة باب تتوزع محيطها كلها، وجميعها من البرونز وكذلك الأعمدة والنوافذ".

وصف هيرودتس نهر الفرات من منبعه إلى مصبه واختراقه لمدينة بابل وملامسته لأسوارها وبعض الابنية، وكما ورد في الكتاب الاول (كليو) ص114: " أما الفرات فهو نهر واسع عميق سريع الجريان، منبعه في أرمينيا ومصبه في الخليج العربي، يخترق مدينة بابل في مسيره فيشطرها إلى شطرين، والسور يضرب اساساته في الماء على الجانبين، وهناك سور عازل ينتصب على زاوية قائمة من السور الأول مصنوع من الآجر المشوي، ويمتد على ضفتي النهر، وهناك عدد كبير من الأبنية تقوم على ثلاثة أو أربعة طوابق . وتتسم شوارع المدينة ودروبها بالاستقامة، وتؤدي جميعها إلى النهر، وينتهي كل درب إلى بوابة من البرونز في السور، ويمكن بواسطتها بلوغ الماء".

معبد بابل:

في وسط مدينة بابل يوجد قصر الملك ومعبد الاله بعل(5)، وقد ورد في تاريخ هيرودوتس الكتاب الأول عن المعبد ص115 -116: " المعبد بناء مربع أبوابه من البرونز، وله برج في وسطه، ويعلوه برج ثاني فثالث حتى يبلغ عدد تلك الأبراج الثمانية، ويمكن ارتقاء تلك الأبراج جميعها بدرج حلزوني يتحلق على جانبيه من الخارج، وعند منتصف الطريق على السلم يوجد سلسلة من المقاعد وملجأ يرتاح إليه الصاعدون، وفي أعلى البرج ينتصب معبد كبير فيه أريكة أنيقة واسعة غنية بتطريزاتها وبجانبها طاولة ذهبية . وأما الهيكل فلا يحتوي على أي صورة أو تمثال، ولا يقيم في هذا المعبد سوى امرأة واحدة، وإن الاله يدخل المعبد ويستريح على السرير".

كما يصف هيرودوتس الهيكل الثاني المشيد في الطابق السفلي للمعبد: " يضم معبد بابل هيكلاً ثانياً في الطابق السفلي يحتوي على تمثال الإله (بعل) في وضع الجلوس، وهو من الذهب، ويقوم على عرش من الذهب، وبجانبه طاولة ذهبية، وقد أخبرني الكلدان(6) إنهم استخدموا اثنين وعشرين طناً من الذهب في صنع الهيكل . وهناك مذبحان احدهما من الذهب مكرس للقرابين من النعاج وحدها، والآخر ضخم لم يكن من الذهب مكرس لقرابين الماشية الكبيرة . يبذل الكلدان ما يقارب الثمانية والعشرين طناً ونصف الطن من البخور على المذبح الأكبر في الاحتفالات التي تقام كل عام تكريماً للالة (بعل) . وكان في أيام الملك (كورش)(7) تمثال ذهبي لرجل يبلغ قرابة خمسة عشر قدماً طولاً، إلا أن عيني لم تقع عليه (اخبرني الكلدان بذلك) . وكان الملك (داريوس بن هيستابس)(8) أراد أن يضم التمثال إلى كنوزه، إلا أن شجاعته لم تسعفه في تنفيذ ذلك . ولكن التمثال انتهى إلى خزائن الملك (أحشويرش)(9)، بعد قتل الكاهن الذي حاول منعه من أخذه".

زحف كورش على بابل واحتلالها:

قام الملك الاخميني (كورش) بغزو مدينة بابل ذات الاسوار الحصينة واحتلالها، وقد دون هيرودوتس كيفية اختراقها في الكتاب الأول ص119: قسم كورش جيشه إلى قسمين، وجعل كل قسم على جانب من نهر الفرات، وأمر رجاله بتنفيذ حفر مائة وثمانين قناة في اتجاهات مختلفة، وتم ذلك بفضل العدد الغفير من الرجال، والذي استغرق فصل الصيف بكاملة، وعندما حل الربيع زحف بجيشه إلى بابل، وكان البابليون قد تهيؤوا للأمر، وعند وصول جيش كورش إلى مشارف مدينة بابل اعترضوه، ولكنه تمكن من دحرهم، فاضطروا للانسحاب وراء تحصيناتهم، وكانوا قد عملوا على توفير مؤن تكفي سكان بابل لسنوات عديدة، ولكن كورش تابع حصاره، حتى لاح له إن النصر بعيد، فأخذ الانتظار يثير فيه اليأس من نجاح قريب . وضع كورش جزءاً من جيشه عند مصب الفرات في المدينة، ووضع فرقة أخرى عند الطرف المقابل، أي عند مخرج الفرات من المدينة، وأمر تلك القوات باقتحام المدينة حالما يبدو أن مياه النهر غدت ضحلة، وفي غضون ذلك نزل جيش فارس الذي خلفه قائده عند أبواب بابل لهذه المهمة، فخاض الجند في المياه الضحلة للنهر التي لا تكاد تبلغ منتصف ساق الرجل ودخلوا المدينة، عندما كان أهل بابل في عيد وغناء ورقص ومتعة حين أطبق عليهم الفرس وأخذوهم على حين غرة .

الضرائب المفروضة على بابل:

ذكر هيرودوتس في الكتاب الاول ص 120: كانت البلاد الخاضعة للفرس موزعة في مناطق واسعة، تجتمع كلها في توفير الضريبة المعتادة والمفروضة عليها، وتزيد بأن تمد ملك الملوك وجيشه بالمؤن والغلال، ونصيب بابل منها طوال أربعة أشهر من أصل الأشهر الاثني عشر من السنة، بينما تتولى آسيا كلها أمر الشهور الثمانية المتبقية من السنة، وهذا ما يبين أن آشور(10) كانت تضم وحدها ثلث مصادر الثروة الطبيعية في آسيا .

صناعة القوارب في بابل:

أن لوجود النهرين العظيمين (دجلة والفرات) في بلاد الرافدين ولوقوع أغلب المن على ضفاف الانهار قد أدى إلى ازدهار النقل النهري في مراحل التاريخ المختلفة، وقد دون هيرودوتس في كتابه الأول ص121- 122: كانت القوارب تمخر الفرات الى مدينة بابل، وكانت مستديرة الشكل ومادتها من الجلد، وتصنع في أرمينيا، حيث يصنعون إطار القارب من خشب صفصاف السلال، ثم يشدون الجلود المجففة المانعة لتسرب الماء منها لتكون بطن القارب، وليس لهذه القوارب مقدمة أو مؤخرة، وإنما هي مستديرة الشكل كالترس، ويقوم الملاحون بملأ القارب بالقش، ويحملون ما يشاؤون نقله على ظهره، وهي في جلها براميل من النبيذ، ويطلقون القارب ليسير مع التيار، ويتولى قيادة القارب نوتيان، وكلاهما يحمل مجذافاً، أحدهما يقف في المقدمة ليحرك المجذاف نحوه، بينما يقف الثاني في المؤخرة ويدفع مجذافه إلى الامام، وهذه القوارب تختلف أحجامها عن بعضها، وأضخمها يتسع لحمل نحو مائة وثلاثين طناً، ويحمل كل قارب حماراً، وبعض القوارب الكبيرة يحمل عدة حمير . والقاعدة الجارية أنه متى بلغ القارب مدينة بابل وبيعت حمولته، عمد النوتية إلى تفكيكه فيباع الهيكل والقش، بينما تُحمَّل الجلود على ظهر الحمار ليعود براً إلى أرمينيا، ذلك أنه يستحيل على النوتي أن يعود بالقارب بعكس اتجاه التيار صعوداً، وقد أعتمد القوم على الجلود في صناعة القوارب بدلاً من الخشب ؛ بسبب قوة التيار الذي لا يقوون على مقاومته .

أزياء أهل بابل:

ذكر هيرودوتس في كتابه الأول ص122:  يتألف الزي الذي يرتديه البابليون من إزار من الكتان، طويل يبلغ القدمين، وفوقه إزار آخر من الصوف، وعليه عباءة بيضاء، ولهم في الأحذية طرازهم الخاص . وقد درج القوم على ترك الشعر وارتداء العمامة، وكان الرجل منهم يحمل خاتماً وعصا خاصة به، وقد حُفرت على قمتها صورة تفاحة أو وردة أو اقحوانة أو نسر، وقد جرى الناس على تزيين عصيهم بمثل هذه الزخرفات .

الزواج في بابل:

دون هيرودوتس في الكتاب الأول ص122: جرت العادة في كل قرية من بابل على جمع الفتيات عند بلوغهن سن الزواج في مكان معين، والرجال متحلقون حولهن، فينادي المنادي في المزاد الفتيات كل باسمها، ويبدأ عادة بالفتاة الأجمل فالأقل جمالاً وهكذا، فيتم بيع الأجمل بالثمن المرتفع، فيتنافس الأثرياء على الجميلات بدفع أعلى الأسعار . أما من كانوا متواضعي الحال ولا ينشدون الجمال في الزوجة فإنهم من يتقاضى المال ليقبل بالفتاة الدميمة، وقد تكون عرجاء أو لربما كانت كسيحة، فينادى باسمها ويسأل المنادي من يطلب المبلغ الأقل لتكون زوجاً له، فتكون من نصيب أكثرهم قناعة .

التطبيب في بابل:

دون هيرودوتس في كتابه الأول ص 123: " البابليون لا يعرفون الأطباء، فإذا مرض أحدهم حمله أهله إلى الشارع، فيتلقى النصيحة في العلاج من كل من كان له خبرة بأصل شكواه. والعرف عندهم ليس لإمرئ أن يمر بمريض ولا يقف على حاله، وإنما عليه أن يتوقف ويسأله عن شكواه" .

البغاء المقدس في بابل:

عرفت الحضارة العراقية القديمة البغاء المقدس الذي مارسته النساء في معابد بابل تحت عباءة أفكار دينية بعينها، وقد دون هيرودوتس في الكتاب الأول ص124: أن كل امرأة في بابل كانت مجبرة على الجلوس مرة في عمرها في فناء معبد ميليتا (11)، ينتظرن مرور الرجال لينتخبوا منهن اللواتي يطيب لهم معاشرتهن، ولا يجوز للمرأة الجالسة في الساحة العودة إلى بيتها قبل أن يرمي رجل غريب في حضنها قطعة نقد من أي فئة كانت، ثم يصحبها إلى خارج الفناء المقدس. ولا يمكنها رفض القطعة النقدية أبداً لأنها تصبح مقدسة لحظة إلقائها. كانت المرأة تذهب بصحبة أول رجل يرمي لها بقطعة النقود، فيقضي منها وطره، ولا يحق لها أن ترفض أحداً، واذا تم مضاجعها تكون بذلك قد أرضت الآلهة، فتعود بعد ذلك إلى بيتها . ومنذ تلك اللحظة، لا يمكن لأي أعطية مهما بلغت قيمتها أن تؤثر عليها أو تغويها.      

 

صباح شاكر العكام

..........................

الهوامش:

(1) سميت الكتب التسعة بأسماء الآلهة وهي: الاول (كليو)، والثاني (يوتيربي)، والثالث (ثاليا)، والرابع (ميلبوميني)، والخامس (تربسينوري)، والسادس (أراتو)، والسابع (بوليهيمنيا)، والثامن (اورانيا)، والتاسع (كالليوبي) .

(2) كليو: اله التاريخ (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص 125) .

(3) (المصدر نفسه ص125)

(4) الذراع الملكي أطول ثلاث بوصات من الذراع العادي .

(5) الاله بعل )جوبتر): كبير الآلهة عند الرومان ويعد إله السماء والبرق، والمقصود في رواية هيرودوتس هو الإله البابلي (مردوخ). (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص630)

(6) الكلدان: أقوام استوطنوا بلاد بابل وأقاموا عليها امبراطورية عظيمة أسسها نبوبلاصر سنة 627 ق.م، ومن أشهر ملوكها نبوخذ نصر الذي حكم بين سنة 605 ق.م إلى سنة 561 ق.م، والذي استباح مدينة اورشليم مرتين وسبى منها اليهود الى بابل، اسقط امبراطورية الكلدان كورش الأخميني سنة 539 ق.م (تاريخ حضارة العالم ص26) .

(7) كورش: ثالث الملوك الاخمينيين حكم بين (559ق.م – 530ق.م) والذي استولى على بابل سنة 539ق.م  في اثناء حكم أخر ملوكها (نبونيدس) . (حضارة بابل وآشور ص51)

(8) داريوس بن هيستابس: (521ق.م - 486 ق.م) ملك فارسي أخميني، أخمد التمرد الذي حصل في مدينة بابل سنة 521ق.م .(مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص635)

(9) أحشويرش: (485ق.م - 465ق.م) ملك فارسي أخميني خلف والده الملك داريوس،اخمد الثورة التي نشبت في بابل سنة 482 ق.م (المصدر نفسه ص 637)

(10) المقصود هنا بلاد بابل .

(11) ميليتا: الاله عشتار أو عشتروت أو افروديت .

المصادر:

1- تاريخ هيرودوتس – ترجمة عبد الاله الملاح – المجمع الثقافي / ابو ظبي، 2001م .

2- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – طه باقر – دار الوراق للنشر، 2009م .

3- حضارة بابل وآشور – غوستاف لوبون – ترجمة محمود خيرت – دار الرافدين / بيروت، 2019م .

4- تاريخ حضارة العالم – شارل سنيوبوس- ترجمة محمد كرد علي – الدار العالمية للكتب والنشر / القاهرة، ط1، 2012م .

 

 

سامي عبد العال"ليست اللوحات الفنية جغرافيا للألوان، بل وطنٌ للجمال والحياة...."

الأثر، الجمال، الدلالة

في الأعمال الفنية المُبدعة هناك أثر جمالي ما. ليس هو الخطوط، وليس هو الألوان، ولا يعدُّ مظهراً للعلاقة بين مفردات اللوحة، وربما لا يمثل بنية صورية تحط على معالم الرسم. ولكنه طاقة إبداعية لها إمكانية الخلق، وإعادة صهر دلالة العلامات الفنية بصيغٍ كليةٍ. صيغ عليها أنْ تستمر، حتى تبلور نسقاً رمزياً دون تحديدٍ. وطالما لا يوجد مكان معين لها (أي لصيغ الدلالات) ، فلن تتوانى عن الانفجارِ في وجه الحقائق المألوفة. وتباعاً لن تخرُج من تجربتي الفنان والمتلقي إلاَّ آثار راسبة في قاع التشكيل، وضمن تفاصيل الصورة على وجه التقريب. ودوماً هناك تحريك منتج لها، هناك طفو وطفر متتابعان خلال مجمل المعاني الناتجة عن العملِ، حيث يبرِزان عالمَّاً له فرادته وتناسله وظلاله.

103  رمضان نصر 1

103  رمضان نصر 2هكذا تفيض لوحات الفنان الليبي "رمضان نصر" (*) بقدرتها الباذخة على إنتاج الخلفية الدلالية. ففي الوقت ذاته الذي تتسرب خلاله الألوان بين كائنات التشكيل الفني، يعبر الأثرُ الجمالي عن نفسه، يترامى ويترسب كفوران الرمال تحت التفاف الرياح. أثر جمالي لا يزول مطلقاً ولا يبقى مطلقاً، لكنه يشكل الارتباط المتداخل تواً ضمن لاوعي المتلقي واللوحة. وعندما يمثل أثرُ كهذا عُنصراً من عناصر التكوين، ينتشر مُوزّعاً ومُضافاً مع امتداد الأشكال والخطوط. إذ تنتهي هي (الأشكال) ، بينما لن ينقطع هو (الأثر) . إذ ينتاب الفضول الجامح متلقيها، يتداعى مع تذوق الفن لرسم صورة العالم والحياة.

لا يتوقف الأثرُ الجمالي حينئذ عن إبراز العلامات. فنظراً لكونه أثراً متخيلاً ومهموساً، فإنَّه يتركُ وجودَّه على صعيد الصور، يذهب لتأتينا أفعاله الدلالية بطرائق تشكيلية. إنه جوهر العلامة التشكيلية plastic sign مع تكوينها من دالٍ ومدلولٍ. الدال في الفن التشكيلي يحتاج إلى أثرٍ كهذا، يوجد مع الإغواء والتوحد بين الناظر والمنظور، بينما يتوارى المدلول مرشوقاً في حاشيته أو معلقاً على ناصيته أو مغروساً في خاصرته. وذلك على غرار ما يتخلق في التكوينات الهندسية غير المكتملة (الأشكال الفراغية) ، ويجري بالانتقال من مستوى لوني إلى آخر، وعلى غرار ما يلتمِّع بالقفز مع ظلال وأطياف الكائنات الهائمة في متن اللوحة. وهو الوضع الأكثر وضوحاً في لوحة "تراكم".

103  رمضان نصر 3

(لوحة تراكم)

وبفضل التكثيف الذي يحتشده نصر في لوحاته، يسري الأثر الجمالي ويتراكم، فتتحقق دلالات الأشياء، كما لو لم تتحقق من قبل. وهنا ينشب اللاوعي مخالبه عبر الهواجس والتعاطف والحنين المتولد عند المتلقي. إذ ذاك يتم الولوج إلى أجواء لوحة " تداخل" كأننا جزء منها. فمن هؤلاء الحاضرون فيها، واللذين يتحولون إلى أثيرٍ مُقطّر؟! لا يخفى علينا أن كلمةَ الأثرِ قريبة من الأثير. من جهة الشفافية الملونة، الانتشار، التماهي، التفتت، التداعي البصري. وهي أمور تظهر في نفس اللوحةِ المُشار إليها. مما يعني أن الدلالةَ ذاتها لا تنتج صورَّها إلا بأثرٍ غائرٍ، أثر غائب. يمثل في فن نصر البعد الرابع وراء الكائن، وينعكس في جوانب الطقس المكاني (مفردات البيئة اجتماعياً ونفسياً) ، وعبر العلاقة الحاضنة (النظر- الهمس- الكلام) بين الأشخاص. إذ يُتوقّع في أية لحظةٍ من اللحظات أن يتعرى فضاء اللوحة غائماً، متفجراً، منتثراً ضمن فاعلية الألوان.

ويأتي الأثرُ مرةً في الأفق البعيد مع قدوم تاريخ الوجُوه والمعالم (طوبغرافيا المكان- ملامح بشرية- تصاميم وهياكل خيالية) وأكثر من مرةٍ يقترب حتى يكاد يلامسنا عبر أشباح مشخصّة كأن المتلقي يشعر بها. صحيح أنها أشباح متماهية الأجساد، إلا أنها حادة في تفاصيل الوجُوه. وفي غير مرةٍ يتشكل هذا الأثر بين فسيفساء الأمكنة وسيولتها لتصبح زماناً. ففي لوحة"تداخل"، على سبيل التوضيح، ليس امتداد الخطوط المكانية أو الجسدية مكاناً أو جسداً، بل دلالات لونية، تترك للمتلقي فرصة أن يتتبع رمزية الصورة التي يتغياها. ولاسيما أن التعبير اللوني لغة تنشأ بين المتلقي وأشخاص اللوحة. ويحتمل أن يغدو كلَّ تعبير بهذا التوصيف كلمة دالة على عالمها. لكن ما هو هذا العالم؟! ستكون الإجابةُ نقطةَ انطلاقٍ وراء خلق الأثر لهذه الأشكال أو تلك القابلة للدلالة.

وفي مقابل حدة المعالم البيئية، تندفع لوحة "تداخل" إلى أن تخفيها في غبار هلامي ينفثه خيال كوني. ومع ذلك لا يتناثر كالدخان، لكنه يتوزع بواسطة بناءٍ هندسيٍ يبرز ويتصاعد حاملاً ترميزاته. فالفنان يعيد تشكيل الإحساس بالواقع، وينحتُ تضاريس لونية أثناء الانفعال به. وبدلاً من تضاريس الوعي الاجتماعي والإنساني المحددة بأطره الحياة الصارمة يترك إيقاعه المقلوب داخلنا كأننا نلامس تغييره.

لهذا، فالوجوه اللونية تمتزج- بفعل الأثر طبعاً- مع خلفيتها الدلالية والوجودية. وجوه تعبر عن نسقٍ من العلامات، تشارك بعضها البعض جدلياً وجهي القناع والفضاء، الخفاء والتجلي. في هذا التراكم قد نرصد وجوهاً مختلفةً بغير التفاصيل السابقة، وربما نعرف أن التراكم في مستواه السيميولوجي هو تراكم آخر. على المتلقي أن يكتشفه مع تحولات اللون وثقله ثم رهافته، ثم ثقله، ثم ذوبانه مع سريان الأثر، ليأخذ تخلقه بالتزامن الدلالي في أغلب اللوحات تقريباً.

103  رمضان نصر 4

(لوحة اشراقة)

التلقي والخلق الفني

ومع الأثر الجمالي، يحركُ المتلقي الارتباط بين الدال والمدلول تاركاً الدال حراً مع التشكيل الفني. بل لا يمكنه إلا أن يشتت العلاقةَ بينهما. هو حين يفعل إنما يلامسُ لذةَ الخلقِ، كما لامسها الفنانُ واحترق بها، يحي رمادَّها في خلق جديد، وينفخ الروحَ في رميمها. وربما من تضمينات اسم لوحة"تداخل"أن تكون ثمة دعوة لممارسة التلقي فنياً. لقد غدا المتلقي فناناً متداخلاً، وأخذ الفنانُ وضعية المتلقي في لحظة الخلق الفني بين السحر والرغبة والجمال. ذلك على قاعدة الكشف والفناء لدى الحلاج"... فإذا أبصرتني أبصرته، وإذا أبصرته أبصرتني". وهذا بمثابة المغزى العميق للفن، حين يتيح تشكيل الحقائق والعالم والإنسان من خلال تجربة الوسيط التقني.

103  رمضان نصر 5حتى مصطلح الفن نفسه هو لصيق الصلة بكلمة الفناء، حسبما يخرجُ التكوينُ اللوني كتلةً حيةً تحمل قدرات الفنان الذائبة (الفانية) في موضوعها لتعيد تشكيله. فلا تختلف المفردات الفنية-في لوحات نصر-عن مفردات الحياة العادية. هو يشتق الدلالة من أنماط التحديدات في الواقع، ويجعلها متجاورةً، متلاصقةً، محتشدةً، متراكبةً لتؤدي وظيفةً سيميولوجيةً، عبر عنها الفنان ببلاغة لونية في لوحة"تراكم وحشد".

أما إذا عُدنا إلى لوحة "تداخل"، فمرة أخرى يمسحُ هذا التجاور عيني المتلقي بستائر شفافة لحقيقة الدلالة تظهر نتيجة العيون الموزعة في أعماق اللوحة وطياتها. وتبقى في بعض منها عيوناً غائرةً، كأنها مازالت تحتفظ في أحداقها بكافة مشاهد الحياة التي نظرت إليها يوماً ما. فهي لا تسمح لنا بتفريغها مما شاهدته، بجانب ذلك لا تكف العيون عن النظر. وبذلك يندلع جو اللوحة فنياً مع الحقائق الإنسانية والمعيشة، حيث تعبر عن ضرورة ما يقبع فيها. وبالتأكيد تزداد الطيات اللونيةُ في تركيبها الدلالي، نظراً لعمق السواد وغموضه الذي يصبغ حدقة العين. فللعيون لغة، دلالة، وأكثر من هذا لدرجة أن توزيعها يحمل أبعاداً تأويلية أخرى.

بدليل أننا حين نترقب مداراةً أو روغاناً من شخصٍ نقول له: عيني في عينك. وتعبر العيون في تلك اللوحة عن إمكانية استعارة عيون المتلقي. دعوة مفتوحة للنظر إلى الداخل الذي قد يتماثل هنا أو هناك عن طريق الوقع الدلالي. هو الأثر الذي لا يُمحى، وفوق ذلك يقفُ خارج كون العلامة منقسمةً إلى دالٍ ومدلولٍ. فالنظرات المباشرة لا تنكسر، بل تمثل العيون جزءاً من لعبة"الاستبدال والاستدماج"، فالذي يوجد بين الرائي والمرئي هو الأثر لا المضمون، والأخيلة لا الأوصاف.

التشكيل الفني بهذا الأثر لا يتوقف عن توليد الدلالات. وتتم آثاره عبر الوعي المنقسم على نفسه مع لاوعيه (بكل ثقله المتواري) داخل فضاء الكائنات اللونية. فاللعبة تستغرق تجربة التلقي، وبذات الوضع تُفّعِل التجربة الفنية زخمها العميق. إذ ذاك تظل الكائناتُ متبدلةً، ومنتشية بقدر نشوة الألوان، وبقدر صرخات الخطوط والتواء المسافات، رغم الانضغاط في إطار اللوحة. إن التشكيل الفني في أعمال نصر هو عملية إنتاج متواصل لا ينقطع، حتى في حالة إتمام الفنان له. ذلك يُظهِر وجهاً آخر للأثر أنه ما إن ينتشر إلا و ينبثق من أي فضاء كان. لأن فضاءه الأصلي متناسل، ويتمتع بالفعل ماسحاً لفضاءات أخرى. فهو يحيل كل متعلقات وأصداء اللوحة بما فيها التداعيات الجمالية إلى نظامٍ دالٍ. وهنا تنعقد صلة الجمالي والفني والتعبيري داخل التجربة التشكيلية، وإن كانت بموادها الخاصة.

بلاغة الألوان

103  رمضان نصر 6من ثم تتواتر مع بلاغة الألوان كافة الصور الحياتية. ولعل هذا ناتج بالأساس عن تواتر الدلالات كما تتصورها تجربة الفنان- المتلقي. فبعد أنْ تنغمس الصور في الخيال، يكسُو الفنان بريشة التلوين المائي هيكل وعظام الكائنات، ليعطيها تجسيداً (قريباً ونائياً) مضفورين في لحُمة اللوحة، بفضل الطابع التاريخي الذي يتربص بالأشكال والرموز التكوينية. ويأخذنا التواتر أيضاً نحو نبض الحياة من جديد، و باتجاه صقل الذائقة الجمالية على خلفية متعة الخلق الفني. كل لوحة لدى نصر تطرح التاريخ كجزء منها، بموجب ما يلي:

1- أن التجربة الفنية مرهونة بالمعطى الدال المُشكِّل للشخوص والتكوينات. وهذا يقتضي وجود تاريخ، كي يتكشف أو ينغلق على أسراره. وكأنها نقوش وحفريات قديمة في ذاكرة الإنسان.

2- تستمد الوجوهُ والمعالم مضمونها من بيئة الفنان. أقرب فكرة أمام عمل كهذا أن المفردات الفنية لها تاريخ في الزمان والمكان والشخوص. بحكم أنها دوال تتقاطع مع أنساق ثقافية وتحيل إليها.

3- تحمل الألوانُ في وجود التشكيل الفني تراثاً جمالياً يقرر معايير الحركة اللونية، مع التقاء الأثر فيما بين الفن والواقع على صعيد الصور والمواد. بمعنى أن هناك ملائمة غير مشروطة بين الألوان المستخدمة ونمط الإدراك الجمالي المنعكس في الأشكال.

4- هناك قيم فنية وجمالية تشكل موقعها عبر نظام الذائقة. نظام كلي و دال في المجتمع الليبي. و ضمن حركة التاريخ يعطي هذا الموقع تضميناته وتراكمه الذي ينهل منه الفنان.

5- بحكم تقنية الألوان المائية تشكيلياً، لا تدع اللوحاتُ الفنيةُ متلقيها منفلتاً أو خارجاً عن إغوائها. فلا يستطيع إلاَّ أن يجوس داخلهاً، يدخل مع شخوصها وعالمها في سراب تتسربل به، ليظهر عندئذ تاريخُها. لا تاريخ شكلي (تصويري) بعيداً عن اللوحات، هي الآن مصدر من مصادره، إنها بالتحديد فنية التخييل التاريخي مثل لوحة جماليات أفريقية.

103  رمضان نصر 7

(لوحة جماليات أفريقية)

لذلك لم تخلُ لوحة "تداخُل" من تلك العيون الفاترة المكدودة أيضاً. كأنها - من فرط محمولاتها الدلالية تاريخياً- تعطينا انطباعاً بأنها في موقف استحياءٍ (تحشم) ، فهي تنظر إلى متلقيها بطرف خفي قائلةً: "آهٍ...آهٍ .. لو أنك ترى ما أرى!!". لتستحيل العيونُ إلى طاقاتٍ جوانية للفضفضة، تبثها اللوحة مع غلالة الألوان المائية حين نشعر باندلاقها الغامض والدافئ. وهناك عيون أخرى في نفس اللوحة تبصق نظراتها بصقاً، وتتحدى متأملِّيها بالتركيز على سريان المضمون، هي تعطينا هذا المضمون حين توصلّه بحدةٍ مع سبق الإصرار والترصد. وفي كل الأحوال عبر التنوع في العيون كحدقاتٍ ناظرةٍ، يتشكل التكوينُ على هيئة دوال ثريةٍ، لكونها تجتذب الرائي داخلاً معها في تخمين المعنى وتقطيعه وترجيحه.

إنه ذات التكوين الذي تحتفل كائناته اللونية بوجودها في صورة كرنفال دلالي وتصطخب خلاله المدلولات الهائمة. هنالك شخوص متشظية (لوحة تراكم) ، وهنالك أزمنة متداخلة مع شروق (سطوع) الألوان وغروبها، مانحةً متلقيها إحساساً قوياً بتحولات الدلالة من الحدة إلى اللين، ومن الإضمار إلى الافتضاح، ومن الاحتشاد إلى التناغم، ومن الوحدة إلى التعدد (لوحة إشراقة) . ولا يتم ذلك فراغياً إلا بقدر ما يتخطط عبر مفردات البيئة الحميمة، كما لو كنا نرى أيقونات كرنفالية تتلألأ رغم الغبار العالق بها. كائنات سابحة في أثيرٍ من الأشعة الضوئية.

103  رمضان نصر 8وهذا يذكرنا بالنظر إلى أشعةِ الشمسِ، حين تطارد أمامها الأشياء والأفكار على امتداد الأفق، وعندما تخترق الأجساد في البيئة الصحراوية. فتبدو لمن يشاهدها تكوينات أثيرية و متماوجة، وبالأحرى بحسب ما ذكرت تغدو التكوينات أثراً فنياً. فلا فرق بين مَشّاهد الشمس والواقع (اللوحة) ، ولا تكتمل حقيقة الشمس إلا بها، وكذلك يصعب تحديد ملامح الموجودات والأبنية والحركة إلا عن طريقها (أي داخل المَشّاهد) . حيث يجري انصهار الأشكال والوجوه تاركةً الفرصة لذات المتلقي. وفرصته أن يعطي فاعلية العلامات حركةً أوسع في توليد المشاعر والعواطف.

ذلك لسبب يبدو تشكيلياً أن الشخوص تدخل، ثم تنضغم بالفعل في تفاصيل المكان، وتذوب الأجساد، وتُختّرَق الوجُوه بفضل الفعل الخلقي للألوان. ولا بقاء من ثم إلا للأثر الطاغي بغيابه وكثافته معاً، لعله يستنطق التكوين في مجموعه. ففي أغلب لوحات رمضان نصر يتبلور الاستنطاق الفني تكويناته بلغة الجمع، الاختلاف والتنوع. فلا يُوجد تحديد بادٍ في اطلاقيته، بل في اضمحلاله حيث تنضح اللوحة بالانسجام والتناقض في نفس الوقت، إنهما يجريان بين الرموز المادية والأمكنة ذات الأبعاد والأحجام. وبفضل التنوع في الشخوص والحيوات التي تحملها اللوحة الواحدة يتجول المتلقي مع الألوان كما هو التشكيل في لوحة"تراكم".

يصل الأثر إلى أن يحمل كاملَ التجربةِ الفنية. لذلك ترتبطُ الحقيقةُ، المرجعيةُ في الفن بحركة التلاشي الناتج عن تحول الموضوعات إلى آثار جمالية، وهي الحد القائم - بفعل الألوان المائية- على ذبذبات السراب إلى درجة الذوبان غير المرئي. وربما هذا وراء الوهلة الأولى الأخذة في البعد والتمدد حين نتأمل مباشرة في لوحات نصر. إذ تضعنا على مبعدة من مشْهدِّها من خلال كثرة التكوينات وصغرها. والبعد دوماً قرب لإمكانية امتلاء المسافة بالخيال الفني الذي يلتقط نقوش الأثر على خلفية الألوان. حتى أن الصور لا تأتي في المجمل بذاتها، بل تشير إلى أطياف تطايرت إلى أن غدت أخيلةً. فلا يمكن لأية علامة تشكيلية إلا أن تجتمع مع علامات أخرى قد لا تكون من جنسها، ثم يعطيها التجاور تناسلاً دلالياً. لعلها تتفتت خلال نسيج اللوحة مع بعضها البعض وتمتزج وفق تداعي الظلال مثلما هو الحال في لوحتي "تراكم" و"تداخل".

كانت العلامةُ في الفنون التقليدية أيقونةً للشهود، للحضور، بينما في لوحة"تراكم وحشد"مادة لامتصاص الدلالات قبل إفرازها عبر وجوه مضغوطة تشعرنا بالتآلف أحياناً وبالتنافر أحياناً أخرى. إن الكُولاج اللوني يعمل في هذا التآلف مستنداً إلى كُولاج شعوري، تتلاقي لديه مفارقات العواطف وتناقضات الذاكرة. وهو عمل يوازي تقنية التشكيل، عمل يُبرِّز المنمنمات الدقيقة. وسنكتشف أنها منمنمات لذاكرة آتية من ماضٍ سحيقٍ، من صحارى وأجواء مليئة بالآفاق مع الإيماءات اللونية.

103  رمضان نصر 9

(لوحة تراكم وحشد)

بعبارة صمويل بكيت، ستكون أنت أيها المتلقي في انتظار ما لا يأتي. لعلك ستطرحُ سؤالاً: ولماذا لا يأتي هذا المنتظر؟! لأن الأثر عصي على الإتيان بنفسه، فهو تجربة الاندماج جمالياً بفضاء التكوين الفني. إن درجات التلاشي تشبه إمتاع الفناء الصوفي ومكابداته. حيث يسيطر الدال كرغبة عارمة للكثافة المترسبة مع مُناخ الكائنات والألوان، و يتحقق نسبياً مع توزيع الأضواء والظلال الدلالية، ذلك إذا ظهرت الأخيرةُ عبر شكل أو آخر بحسب تشكيل الوجوه والمفردات. في هذا الإطار يؤدي التظليل والتوضيح دوراً في ترك نتوءات غائرة معبرة عن مخاض الذاكرة باستمرار. إذ ذاك يمكن للمتذوق التقاط معاني الأثر الدال. إنه يتعدد في متن اللوحة ليظهر الأشياء والصور.

الأثر في لوحة "تداخل" هو أيضاً السر الباقي مع شفافية الألوان المائية. بل يكملُ في عمقهِ ما يصعب تحقيقه، ليحضر التكوين الفني بديلاً انطولوجياً عنه. وهذا التجلي المبدئي في لوحات نصر يظل في حدود الألوان كنجوم حية متطايرة بفعل عملية وجودية خالقة. ومن تشوهات الأثر أنه قد يتعين أحياناً. فيبدو الوضع مع ذلك غارقاً في أطيافٍ مائيةٍ، يختلطُ فيها الدال بالمدلول، حيث يسبق الأثرُ كونهما مجتمعين على شرف (نخب) علامة لا تمتلك بكارتها إطلاقاً. لقد تحولت العلامة إلى أثر. فقدت أغلى وأعز ما تملك، هذا الحضور العذري. لا حضور عذري بعد الآن في أعمال رمضان نصر. الألوان المائية تجعله طافياً وسط البقع الضوئية والأصباغ والأخيلة المتزاحمة. نتيجة أن الماء في الأصل هو رحم الحياة ودفقها المتواصل. ماء الخلق، وإكسير الوجود الذي يجرف الكائنات، لتبقى غارقة تحت سطح الذاكرة. وسرعان ما تأخذ الكائنات عند عمل الذاكرة فعل النقوش المائية، التي تمتلئ بالمشاهد والرؤى والأحلام.

103  رمضان نصر 10

(لوحة تسارع)

 

 سامي عبد العال

..........................

* رمضان نصر المبروك ابوراس:

فنان ليبي، مواليد 1956بمدينة صبراته. حصل على إجازة التدريس الخاصة شعبة التربية الفنية 1976م معهد ابن منظور المعلمين طرابلس. وحصل على ليسانس جغرافيا كلية الآداب جامعة قار يونس 1983بنغازي. أقام وشارك في العديد من المعارض الشخصية والجماعية (المحلية والدولية) . وصمم العديد من الملصقات والأعمال الفنية في الكثير من الجهات العامة والخاصة (جداريات لوزارة السياحة. كلية الهندسة صبراته. مجسم لمدخل الآثار بصبراتة مع مجموعة فنانين) . له العديد من الأعمال المقتناة بمعهد الأورام بصبراته ووزارة الثقافة وبكثير من الدول (سويسرا، ايطاليا، النمسا، مالطا، المغرب، تركيا، الأرجنتين، ألمانيا، بلجيكيا، فرنسا، فنزويلا) . وهو من المؤسسين لجمعية الفنون التشكيلية بالزاوية. وعضو بجماعة رؤى الدولية للفنون. نال جائزة الترتيب الأول في الرسم والتصوير بالمحفل الأول للفنون التشكيلية بمصراتة 2005.

أهم المعارض الخاصة

1995معرض على هامش مؤتمر الجراحين الليبين بمعهد الأورام بصبراته.2007 معرض بالدار الليبية للفنون بذات العماد طرابلس. 1997 معرض بقاعة الثقافة والفنون (دي فيلا) طرابلس. 1998معرض بقاعة الثقافة والفنون (دي فيلا) طرابلس. 2001 معرض بدار الفنون طرابلس. 2003معرض المركز الثقافي العربي الليبي التونسي. تونس.2003 معرض بالقلعة الصغرى سوسه، تونس.

المعارض الجماعية

1977معرض جماعي بنادي الشعب بصبراتة. 1982معرض جماعي بالمدينة الأثرية صبراته. 1982- 1983 معرض جماعي بمدينة الزاوية. 1989المسابقة الثقافية الكبرى ببيت الشباب صبراته. 1990 معرض أعراس التحدي بالقبة الفلكية طرابلس. 1990معرض أعراس الفن التشكيلي، قاعة الشعب صبراته. 1991معرض الوفاء بالمدينة الأثرية بصبراته. 1991معرض جماعي بصبراته، زواره، الجميل. 1992معرض جماعي بكلية الهندسة بصبراته. 1995، 1996،1997مهرجان مصراته للثقافة والفنون. 1996معرض جماعي بمعرض طرابلس الدولي. 1998معرض جماعي بقاعة الثقافة والفنون (دي فيلا) طرابلس. 1999معرض جماعي بمدينة سرت. 2000 معرض جماعي بمدينة الزاوية. 2002 معرض جنين في العين برج الفاتح طرابلس. 2002 اشرف وشارك في إعداد معرض فسيفساء تشكيل ليبي برعاية صحيفة العرب الدولية. 2004 تظاهرة هنيبال للفنون التشكيلية، طرابلس. 2005 المحفل الأول للفنون التشكيلية بمصراته. 2005 معرض جماعي بمعرض طرابلس الدولي. 2007معرض الفنون التشكيلية، معرض الكتاب طرابلس. 2007معرض الفنون التشكيلية، كلية الفنون، طرابلس.2007 معرض جماعي بافتتاح رواق السلفيوم بنغازي . 2007 معرض بمدينة سبها.

أهم المشاركات الدولية

1989 معرض أسبوع الثقافة المغاربية بمدينة القنيطرة المغرب. 1990معرض المركز الثقافي الليبي بقبرص. 1990 معرض مهرجان المدينة بمدينة القنيطرة المغرب.1991معرض بدار الثقافة المغاربية القنيطرة المغرب.1997معرض بقاعة (ماري لويس مولر) بناشاتيل سويسرا . 1997، 1999 مشاركة بينالي مالطا.2001 معرض برواق حمادي الشريف تونس .2005 الأسبوع الثقافي الليبي بالخرطوم (الخرطوم عاصمة الثقافة العربية) . 2005 مشاركة بمهرجان التراث رادس تونس. 2006 مشاركة بمهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية الدورة (19) تونس. 2006ملتقى دوز الدولي للفنون التشكيلية والصورة الفوتوغرافية تونس.2007 ملتقى دوز الدولي للفنون التشكيلية والصورة الفتوتوغرافية تونس. 2007 ملتقى دولي حول الحرف الرواق البلدي صفاقص تونس.2007 المعرض الدولي للفنون التشكيلية بصنعاء باليمن (مجموعة رؤى الدولية) .2007 الأسبوع الثقافي الليبي بالجزائر (الجزائر عاصمة الثقافة العربية) .

 

 

الكبير الداديسيالتشكيل العربي المعاصر (6)

نواصل هذه السلسة حول الفن التشكيلي المعاصر، لنقف اليوم حول علامة فارقة في التشكيل العراقي والعربي المعاصر، لا يملك من يتأمل لوحاته إلا الوقوف احترام للأنامل التي تبدع هذا الإبهار سواء بالصباغة المائية أو الزيتية، نقصد الفنان التشكيلي العراقي عادل أصغر العبيدي ابن ديالى مولدا، وجلولاء تربية ونشأة، خريج معهد الفنون الجميلة في بغداد فكان لكل ذلك تأثيره في بزوغ فنان يمتح من واقعه يعكس تربيته ونشأته، وتكوينه الفني في لوحاته، ليقدم للعالم تحفا فنية لا تقل شأنا عما قدمته أنامل عباقرة الفن التشكيلي العالمي وإن سرم ما هو محلي...

عندما يرسم عادل أصغر البادية يرى كل من يعشق الريف نفسه في كل لوحة، لحسن اختيار المشهد  بعناصره الطبيعية الحية والجامدة، وزاوية الرؤية لتقدم  ريشته لوحات تقطر رومنسية  واقعية وحنينا لألوان المزارع ولباس المزارعين فيختار في الغالب الصباغة المائية التي تتناسب شفافيتها مع رهافة قلوب البدو حتى ليشم المشاهد عبق العراق، وتحمله النوستالجيا إلى رائحة البادية في عفوية بسيطة لا تبخس البدو نخوتهم وشهامتهم، وطيبة قلوبهم، ورضاهم عن ظروفهم رغم قسوتها... معتمدا في كل لمسة فنية على عناصر طبيعة  والشمس ومساقط الإضاءة في تناسق مع نقاء الألوان وتجانسها... ولس متاحا لكل فنان أن يجمع في رضربات ريشته داخل إطار اللوحة تناقضات البساطة والنخوة في شظف العيش.. وهو اختيار واع لخطٍ فني استحق به عادل صفة فنان الفقراء فقلما لجأت أنامه لتصوير حياة الرفاهية وحياة الطبقة المخملية في العراق، فحتى حينما يختار رسم المدينة تنحاز ريشه إلى رصد ذبذبات الأحياء وتفاصيل الأسواق الشعبية، والإنسان العراقي البسيط....

102  عادل اصغر 1وعلى الرغم من ارتباطه بالمحلي، وحرصه الشديد على رسم كل ما هو عراقي في العمارة واللباس، والمطبخ وسلوك الناس... فإن عادل أصغر قدم لوحات لا تقل قيمة عن لوحات عباقرة التشكيل العالمي ويمكن كتاب دراسة طويلة في مقارنة بعض أعماله بلوحات عالمية خالدة، ونكتفي في هذا المقال بإضاءات صغيرة حول لوحة الرجل والمجرفة للفنان التشكيلي الفرنسي جان فرانسوا ميليه، ولوحة الأحدب لعادل أصغر، ليكتشف مشاهد اللوحتين مدى  قوة اللون، وتعبيرية الصورة في لوحة "الرجل الأحدب" فنظرة أولى  إلى ملامح الشخصين، تبرز أن عادل أصغر وإن لم يكشف ملامح بطل لوحته فقد كانت طبيعة الشعر، وبروز أوردة العنق، وعروق اليدين وتدرج اللون بين العنق الرقبة والوجه وبين الشعر أكثر دلالة من وحدة اللون التي كست كل ما بدا عاريا من جسد صاحب المجرفة للرسام الفرنسي، أما الأطراف سواء العلوية أو السفلية فلامجال للمقارنة بين رجلي الأحدب ورجلي صاحب المجرفة، فبينما كانت الرِجلان في لوحة فرانسوا ميليه كثلة لونية واحدة، كانت رجلا الأحدب وحدها عالما دالا من الألوان والمعاني، تعكس رؤية للعالم سواء في نتوء عظام الرجلين وبروز العروق فيها، أو في تدرج الأولان من الغامق إلى الفاتح: فاليدين والرجلين في لوحة الأحدب لعادل أصغر أكثر تعبيرية، وعلى الرغم من لجوء فرانسوا ميليه إلى تأثيث عالم لوحته بمؤثرات طبيعية وخلفية رمادية تناسب وما يحترق في الخلف وفي عمق اللوحة، فإن عادل أصغر لعب على تفاصيل دقيقة وعلى إبراز الظل في اللوحة كرمز دال سواء ظل العصى، أو ظل الأحدب نفسه، الذي بدا كمن أرهقه ثقل جر ظله بحذائه المهترئ والمتآكل وقد  تغير لون الجزء الذي يلامس الأرض من قدم الأحدب، وساهمت الظلال في تحديد مصدر الضوء فيما ظلت لوحة فرانسوا ميليه دون ظلال وإن كان وقت التقاطها يحتم ذلك... أما إذا ما قارنا بين لوحة الطفلة صاحبة المجرفة بفستانها الأزرق لعادل أصغر وبشحناتها العاطفية التي تكتسبها من براءة الطفولة وقوة الإضاءة، وكثافة  الخلفية وعمق اللوحة فالقارئ وحده يحكم....

102  عادل اصغر 2

وعلى الرغم من كون كل النقاد يجمعون على أن الرسام أكثر حرية من باقي الفنانين التشكيليين كالنحاتين والمعماريين الذين تقيدهم المادة، فيما الألوان تبدو أكثر طواعية في ريشة الرسام وبين أنامله إذ يكفيه التنسيق بين الخطوط والألوان وحسن استعمال ضرباته للريشة  للتأثير في المُشاهد، كما أن تعدد المدارس وتنوع المذاهب في الرسم تفتح  للرسام آفاق لا تتاح له في باقي الفنون التشكيلية المعتمدة على الحجر والخشب وغيرها من المواد الصلبة... رغم كل ذلك وأكثر،  فإن عادل أصغر اختار الواقعية والانحياز مع سبق الإصرار والترصد إلى نقل معاناة الفئات الهشة من أهل الريف، وفي الأحياء والأسواق  الأسواق الشعبية  من الساعين لتأمين لقمة العيش متجاوزا نقل الصورة كما هي في الواقع إلى نقل مشاعر الشخوص في الأعمال القروية البسيطة والشاقة، وضنك العيش، وتقديم مُحيا وملامح تلك الشخوص تفوح منها قيم الرضى والقناعة، جاعلا من الإنسان بؤرة أعماله، لدرجة تجعل كل متأمل يرى جزءا منه في كل لوحة بل يرى نفسه وواقعه في اللوحة...

102  عادل اصغر 4

فجاءت لوحاته مشحونة بالمعاني والدلالات، مليئة بالأحاسيس والمشاعر وصخة متمردة على واقع مرفوض فرضه واقع ما بعد سقوط بغداد، ومناشدة واقع حالم  يهرب من ال "آن" وال"هنا"  ليحتمي بالنوستالجيا في الماضي حيث الطفولة البريئة، وريف العراق بصفائه ونقائه، مفضلا التعبير عن كل ذلك بواقعية رافضا كل الرفض الانسياق وراء الاتجاهات التشكيلية الحديثة من وسريالية وتجريبية، تكعيبية، تجريدية، رمزية وحشية... لأن الواقعية في نظره تبقى الاتجاه الأنسب لرسم ملامح عالم عربي متخلف ومتأخر يقول (نحن نعيش وسط شعب مازال متأخرا عن العالم كثيرا، والبعض منه لا يفهم الحداثة بالفن التشكيلي...  والواقعية هي أنسب شيء لطرح الواقع لأنها مباشرة في الطرح لا تقبل الرموز والايحاءات، وهي أيضا من المدارس الصعبة لدقة الطرح فيها، وتحتاج الى مهارة كبيرة في استخدام اللون والتخطيط والخبرة في اسقاطات الظل والضوء في اللوحة، بالإضافة الى النسب والمنظور...) مقتنعا في خياره حتى الثمالة أن الفن يجب أن يصور معاناة الشعوب، وآلامهم وآمالهم، وألا يحتمي وراء رموز لا يفهما أحد.

102  عادل اصغر 5

وحتى إذا ما حاول تجريب التنقيطية كأسلوب يُعتبر عادل أميره بامتياز، فالنقط عنده تبقى مجرد مساحات لونية نقية متجاورة تأثث اللوحة، والتنقيط لا يُخرج اللوحة عن واقعيتها، إذ يكتشف المتأمل أن النقط والتنقيط في لوحات عادل أصغر ليس سوى امتزاج وهمي ماتع لا وجود له إلا في عين المشاهد الذي يستمتع بالنقط، وبتلك لمسات سريعة الخاطفة والمتتابعة وهي تجسد أشكالا واقعية تسبح في التقليد سواء في رسم الأبعاد الأشخاص والأشياء أو في الخلفية والعمق بطريقة تبدو أقرب إلى الانطباعية في لمسات الفرشاة للقماش...

ومن المظاهر الواقعية في تجربة عادل أصغر رسم الشخصيات سواء من خلال البورتريه، إذ قدم أعمالا كثيرة تضم شخصيات من الواقع العربي من أصدقائه أو من الشخصيات العامة، بطريقة تدعو الفتوغرافيين إلى تكسير آلاتهم، مادامت لوحاته  تحاكي الواقع وتقدم لوحات ماتعة للعين بل وأكثر إمتاعا من الواقع، لقدرتها على الجمع في البورتريه  الواحد بين ملامح المرسوم وإبراز مشاعر الرسام، فيشعر المتأمل أن اللون قد استحال مادة حيوية أو كيميائية  تتفاعل وتنقل صدق الأحاسيس وكأن الرسام لا ينقل واقعا وإنما يخلق الواقع ويبعث فيه حياة تأسر بجمالها لبَّ المتلقي...

102  عادل اصغر 6

واقعية عادل أصغر جعلته تشكيلا جامعا ينقل كل تفاصيل الواقع وكل شرائحه الاجتماعية، فهو عندما يرسم الطفولة يُشعِر المتلقي بالبراءة مشخصة داخل إطار اللوحة، ولما يسم المرأة العراقية يقدم من خلاها حضارة وثقافة أمة بكاملها في الملابس والحلي، بعيدا عن تلك النظر النمطية للمرأة كمصدر إغواء بالتركيز على مفاتنها في بعدها الإيروسي، سواء المرأة التقليدية المكافحة في حقول العراق العميق، أو المرأة العصرية.

102  عادل اصغر 3وواقعية عادل اصغر حتمت عليه  أن يظل قريبا من قضايا الوطن الاجتماعية والسياسية يهتم بما يغلي داخل العراق، من طائفية وتهجير، وتفاعل مع الحراك الشعبي وثورات العراقيين على الفساد  ومناشد وطن حر في لوحات معبرة  تتجاوز للواقعية المفرطة l’hyperrealisme ، إلى واقعية انتقادية وأحيانا قواقعية يثور فيها الرسام والمرسوم إلى تغيير الواقع فينعكس ذلك الإحسان في رسم وتشخيص الملامح  وتحديد أبعاد الفضاء المكاني التي تتحرك فيه تلك الشخوص فيقدم لوحات معبرة أقرب للكارت بوستال يشعر المتلقي أن شخصياتها واقعية بالعزف على أيقونة العلم الوطني أو رسم الرسام نفسه كشاهد متذمر على ما تخريب العراق وتهجير أهله.

يستنتج إذن أن اللوحة التشكيلية في تجربة عادل أصغر عالم واقعي  بؤرته الإنسان، وهدفه تحرير الإنسان لذلك اختار الواقعية منهجا فنيا في الرسم متجاوزا نقل ومحاكاة الواقع إلى خلق واقع خاص يختزل الزمان والمكان بتخليد اللقطة الزائلة والمنفلتة وتقديما للمتلقي في تحفة خالدة رأسا دونما حاجة لجهد كي يفهم رسالتها الظاهرة والباطنة، واختيار الواقعية والتعبير المباشر ليس تقصيرا أو قصورا من المبدع  وإنما هو اختيار واع ومسؤول يعكس التزاما اختاره المبدع منهجا في الرسم في نزعة تشخيصية محورها حياة الإنسان وهو القادر على الإبحار في الرسم إلى تخومه القصوى....

 

الكبير الداديسي/ المغرب

 

 

محمد الشاوياتسمت التجربة التشكيلية للفنان عبد السلام نوار ببصمة خاصة، فهي تَنتحُ من التوجه الانطباعي الجديد الذي أرسى دعائمه على تاريخ الفن بطابع خاص. وهو توجه تميّز به هذا الفنان داخل مدرسة تطوان التشكيلية خاصة، وبالمغرب عامة. فغني عن البيان أن يقف كاتب هذه المقالة وقفة تأمل متسائلا:

لماذا لم يُجرِّب عبد السلام نوار أساليب أخرى؟

ولماذا ظل وفيا لأسلوبه الفني رغم التحولات التي عرفتها منظومة الفنون التشكيلية في صيغتها المعاصرة؟

يمكن تَبيُّن معالم التوجه الانطباعي الجديد لدَى الفنان عبد السلام نوار من خلال مبدإ الاختيار الذي أسعفه في جعل هذا التوجه الفني أسلوباً للتجربته داخل مدرسة تطوان. فقد ظل وفياً لهذا الاختيار، راسما لنفسه أنموذجا خاصا يستحق الدراسة والبحث من طرف النقاد والمهتمين. فانطباعيته هي فرع من الأصل، إذ تختلف عن الانطباعية الجديدة للرواد أمثال جورج سورا وكلود مونيي وبيسارو، لتعانق أعمال بول سيزان وبول غوغان، مُقتفية أثر تشارلز انغرند، وهنري روسو، لكن بأسلوب مغاير تماما يجد ضالته داخل مشاريع مجاوزة الانطباعية الكلاسيكية

Le dépassement de l'impressionnisme والبحث عن  ما بعدها، وما أعقب ذلك من توجهات أسلوبية تروم الابتداع والتجديد لعالم الطبيعة والناس

يقول تولتسوي: "إذا أراد الفن أن يكون أصيلا، فلا بد أن يكون مفهوما.. وخاصة لدى هؤلاء الذين يخاطبهم". ولهذا فإن فنان الانطباعية الجديدة يميل إلى إثارة مشاعر المتلقين بطريقة التمثل Représentation وباستخضار موضوعات ترتد إلى عالم الطبيعة بشساعته اللامتناهية وباتساع دائرة شخوصه، لكن دون كثرة الدقة والنقل على سبيل الايضاح.وكما يقول فيكتور هيجو: " كثرة الايضاح تُفسد رؤية الفن".

1594 عبد السلام نواروالجدير بالذكر أن مصطلح الانطباعية الجديدة من نحت الناقد الفني الفرنسي  فيليكس فينيون  سنة 1886، حيث ارتبط بالحركة الفنية التي أسسها جورج سورا،  بالنظر إلى لوحته الشهيرة سنة 1884 التي عالج فيها موضوع الطبيعة المتمثل في نهر السين المار على الجزيرة الكبيرة بباريس بالاضافة إلى الناس الذين يتنزهون والمتحلقون داخل مجموعات. وبنفس المدينة كان ميلاد حركة الانطباعية الجديدة في معرض صالون قصر المعلقات لتنتقل إلى بلدان أخرى كبلجيكا وهولاندا وإيطاليا والنامسا وأمريكا...

ذلك، أن عبد السلام نوار مارس هذا الأسلوب على مستوى التدريس الأكاديمي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، باعتباره أسلوباً ينضاف إلى أساليب فنية أخرى داخل أرومة واحدة، قعَّد لها جيل الرواد بهذه المدرسة من الذين دَرَس عليهم، ومنهم:

محمد السرغيني، التهامي داد، المكي مغارة، علي نخشى، سعد بن سفاج...

ليأتي بعد ذلك تأثير المدرسة البلجيكية في تكوينه العلمي والفني، وهي محطة مهمة أغنتْ رصيده التشكيلي. كانت في سلك الدراسة العليا بالعاصمة بروكسيل حيث نال درجة الأستاذية لتدريس الرسم والصباغة من الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة والهندسة.

ومن أساتيذه بهذه الأكاديمية الذين تأثر  بتجربتهم وسار على منوالهم، حيث تنبأوا له بمستقبل مشرق في الفنون التشكيلية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: جون رَاوْسِي المتخصص في الرسم الواقعي والجذاري، والباحث في تاريخ الفن، وهو الذي أخذ عنه أصول الرسم والصباغة. وقد نشر راوسي دراسة نقدية للمنجزات الفنية عند الفنان السلام نوار، وهي دراسة تدل على التقدير والحب اللذين يحظى بهما من طرفه. وأستحضر أيضا تأثير أستاذه الفنان والأكاديمي دُومِيلْغْرْ ذي الأصول الفلامانية والمتخصص في الرسم الطبيعي، وهو الذي أخذ عنه أسس ومبادئ الرسم المنظوري وتقنيات التعامل مع اللوحات الخاصة بالطبيعة الحية والميتة.

أصر عبد السلام نوار على اتباع المدرسة الانطباعية الجديدة التي اختارها  عن حب أولا وعن تكوين أكاديمي متين ثانيا، فهو لم يترك اختياره عن قلى ولم يهجره عن ملالة. فقد ظلت انطباعيته تصحبه طوال رحلته الفنية التي راكم فيها منجزات وأعمال متميزة: معارض فردية وجماعية داخل المغرب وخارجه، تأطير أبحاث طلبة الفن، مشاركات في الندوات، معارض إستيعادية لتجربته أثناء تكريمه، تأطير أوراش الفن لفائدة الناشئة...

وعلى هذا الأساس فإن تعامله مع اللوحة يُجسد وبحق أصالة الفنان وتفرد المُتخصص. فنادرا ما نجد بعض الفنانين المعاصرين يتسمون بأسلوب محدّد، في ظل التحوُّل الذي عرفته منظومة الفن في صيغتها الراهنة.  فكانت ها هنا جمالية اللون وتعدد الموضوعات التعبيرية أهم خاصيتين رئيستين تندرجان ضمن نسقه الإبداعي. وهو نسق خبر فيه ديداكتيك الفن وطرائق تدريسه خلال مسيرته المهنية. ولعل تدرجه في أنواع الصباغة والخامات والأسندة، لم يمنعه من الاستقرار على أرض اللوحة، فجعل منها وعاءً يثوي داخله أجمل أحاسيسه الإنسانية. وهي أحاسيس تُعانق الوجود في أبهى تجلياته داخل قماشات تنبضُ بالحياة وتعانق أسمى تجليات التعبير الفني.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات

 

 

الكبير الداديسيتعد الفنون التشكيلية والرسم خاصة من أقم الأشكال التعبيرية وأقدرها تعبيرا عن الجمال، وقد تعددت الأدوات والوسائل والمواد الأولية التي يعتمد عليها التشكيلي لإخراج أعماله الفنية عمارة كانت، نحتا، نقشا زخرفة أو رسما... وبما أن الإبداع لا حدود له، فإن التشكيليين لا زالوا إلى اليوم يجددون في ما يشتغلون به من أدوات وتقنيات، مما وسم تجاربهم بالحداثة والتجديد، وإن ظلوا يستعملون بعض الوسائل الموروثة كالريشة، الفرشاة، القلم، القماش، الصباغة والأسندة... فاستبدل بعظهم القماش بالزجاج، والفرشاة بالسكين، والقلم بالفحم، والصباغة بالشكولاتة أو القهوة لكن تبقى غاية الرسم واحدة هي تفجير الطاقات، التعبير عن المكنونات وإمتاع المشاهد...

ولعل من أهم صيحات في الرسم العربي المعاصر، الرسم بالقهوة، وتحويل لحظة الاستمتاع باحتساء فنجان قهوة من متعة آنية ذاتية يستفيد منها شاربها فقط، إلى لحظة إبداع خلاق تتغير فيها الوسائل والأهداف فيغدو الفنجان محبرة والمتعة الآنية متعةً سرمدية وخالدة يستمتع بها الفنان وكل من يتأمل حمال لوحة تتجاوز رسم الظاهر إلى رسم الأحاسيس وبواطن النفس... كما تجلى في تجربة الفنان العراقي "أبو علي العميري" الذي ركب مغامرة اعتماد ألوان جديدة مستخلصة من القهوة تارة وحرق الخشب تارات أخرى في رسمه لبورتريهات شخصيات معاصرة مشهورة أو مغمورة، مقتصرا على اللون الوحيد وتدرجاته لتقديم بورتريهات آسرة بذوق ورائحة البن أو الخشب المحروق، في ابتكار تغدو فيه القهوة والرماد أشبه بالصباغة المائية في تدرجاتها بين الكثافة والشفافية.... لتنبني هذه الفكرة الجنونية على إحالة فنجان القهوة إلى محبرة، والاقتصار على القهوة دون باقي الألوان والأصباغ الطبيعية والصناعية، مع اللعب على إبراز الملامح والتركيز على الضوء والظل

1566  الرسم بالقهوة 1

إن المتأمل في بورتريهات أبي علي العميري يدرك كيف أضاف اللون البني ونكهة القهوة لمسة جديدة لعالم التشكيل، من خلال الجمع بين بساطة الأداة وحداثية الفكرة، فكانت لوحاته لمسة تكسر قواعد الزمن فتعبُر باللحظي الآني إلى الخلود والسرمدية، وهذا ما يفرِّد الفنان عن الإنسان العادي، فإذا كان ملايين الأشخاص يحتسون فناجين القهوة كل يوم، ويظل فعلهم آنيا لحظيا منتهيا في الزمن، فإن الفنان لقادر على أن يبدع من ذات الفنجان تحفا تسخر من الزمن، وتصرخ بأن الإبداع الفني لا حدود له، وأن تلك المواد السريعة التلف، القابلة للتبخر يمكن أن تمسي معينا لا ينضب يرسم منها الفنان تحفا خالدة... هذه هي تجربة أبي علي العميري في اللعب باللون البني في تدرجاته...

1566  الرسم بالقهوة 2تنطلق تجربة كل لوحة بإعداد مسبق لخلفية مناسبة متمردة على القواعد المعتادة في رسم البورتيريهات: فإذا كانت البرورتريهات التقليدية تقوم عادة على خلفية داكنة، ويتدرج الضوء نحو واجهة اللوحة ليكون بياض بؤبؤ العيون والأسنان مصدر الضوء، فإننا ألفينا أبا علي في بورتريهات بالقهوة والحشب المحروق يقلب المعادلة، فجاءت جميع لوحاته بخلفيات مضاءة، وبألوان فاتحة هكذا كانت خلفية لوحة عمر المختار مثلا بيضاء، و كان البياض سيد الفضاء ليبرز من خلاله الوجه معتما ويتدرج التعتيم ليتركز في العينين بخلاف المألوف في رسم البورتريه... وكذلك الأزرق في خلفية لوحات كثيرة كلوحة: كوفي عنان، عبد المنعم مدبولي، الكبير الداديسي، والطفل الباكي الذي الذي حكم عليه رسامه الأصلي أن يظل باكيا إلى الأبد جاعلا من دمعتيه مصدر إضاءة، وحولهما أبو علي العميري دمعتان مترقرقتان من القهوة مصرا على الحفاظ على بؤرية بياض العينين كمصدر إضاءة وسط في هذه اللوحة لكن وسط تعتيم داكن تفوح منها رائحة القهوة لونا ورائحة، ويتضح هذا القلب للمعيارية أكثر في صورة أنطوني كوين عند مقارنة اللوحة بالصورة الأصلية ذات الخلفية السوداء التي جعلها الفنان عن قصد خلفية بيضاء خدمة لفلسفته التشكيلية....

 وبالقهوة وحدها والخلفية الفاتحة استطاع الفنان تمييز الشعر الأبيض عن الشعر الأسود في لحية عمر المحتار ورأس كوفي عنان، وبتدرجات اللون البني يستطيع المتلقي التمييز بين الضوء والظل في الوجوه، نظرا لصرامة الفنان الدقيقة، وموهبته التي مكنته من كشف تفاصيل الوجوه رغم محدودية اللون وتناسل الأبعاد في هندسة ومعمارية الوجه بتجاعيده وثناياه، على الرغم من صغر حجم الكتلة وقرب اللقطة المرسومة التي تتطلب إبراز تعبيرات الوجه، وصفاء العيون وما تعكسه الملامح من حالة نفسية مع السعي إلى إظهار الوجه أحسن مما هو عليه في الواقع دون تزلف أو مبالغة في محاولة لنيل لإعجاب المتلقي وإدراكه لمدى تعاطف الفنان مع الموديل المرسوم

إن رسم بورتريهات لشخصيات لها تأثيرها في المشهد الثقافي والساسي المعاصر اعتراف و تخليد للرسام وللمرسوم، وسير على نهج متوارث - من القدماء الذين رسموا ونحثوا الملوك والألهة - سلكه أبو علي في رسم عباقرة وعظماء زمانه... بحثا عن الخلود... فقد يموت المرسوم ويتحلل جسمه لكن يبقى بجسده وابتسامته في اللوحة، وقد يفنى الرسام ويخلد توقيعه وإبداعه... ليصبح الموت أمام الفن أصغر من شعرة، وتقف اللوحات ساخرة من عبثية القدر الذي يحب أن يضع حدا لكل شيء، إلا الفن فإنه لا يتأثر بالزمن، بل لا يزيده الزمان إلا قيمة وجمالا، وتبدو فلسفة الرسام واضحة أكثر عندما يختار رسم البورتريه بمواد سريعة التلف كالقهوة أو رماد الخشب المحروق، لتغوص التجربة بالرسم في جذور الإنسانية وتحرك في الأعماق حنينا، وهي تعود بالرسم إلى أصل الوجود، وفكرة الخلق والبداية: فكما كان الانفجار الكبير والاحتراق الأول سبب نشوء المادة، فإن أول عملية في تجربة أبي علي بعد الحرق هي خلط المحروق لتشكيل اللون بالتقاء مواد أصل الوجود (الماء،النار،الهواء والتراب) وفي عملية مقصودة يستبدل الفنان التراب بالرماد متعمدا خلق الحياة من الموت، ومقتصرا على تدرّج الأبيض والأسود الذي يسهّل التعامل مع اللوحة بصريا لما بين اللونين من تباين ويغدو من اليسر التمييز في لوحات أبي علي بين الضوء والظل وإن قامت لوحاته على لون وحيد فقط، هو البني في الرسم بالقهوة، و الأسود في الرسم بالحرق الخشب، ليتدفق هذا اللون على القماش الأبيض ويحول الوجوه إلى أيقونات تبحر بالمشاهد في رحلة بصرية عبر عدد لا متناهي من النقط والخطوط فيرى المشاهد في تلك الملامح الفيسيولوجية مرآةً روحيةً تجلو صفاء النفس، ونقاء الجوهر، وهو يرى كل تلك الوجوه سعيدة بقدرها بما فيها الطفل الباكي، لأن اللون المختار يكسو الوجوه وقاراً وأصالة لقربه من أصالة اللون الطبيعي للبشرة ولما فيه من تناسل قريبة من ألوان فطرية كالصمغ والحبر...

1566  الرسم بالقهوة 3

بهذه التقنيات البسيطة تتجاوز بورتريهات أبي علي العميري الصورة الفتوغرافية وحتى الصور الرقمية، لما تحويه لوحاته من حيوية بلمسات تعكس أسلوبا خاصا في التشكيل يجعل كل مهتم بالرسم قادرا على تمييز لوحات الفنان وأسلوبه، وتقنياته التشكيلية التي تمنحه هامشا يتيح له التبديل والتحوير في وجوه الشخصيات بفنيه تنقلها من وجوه مادية وأشكال مجسمة بأبعادها الواقعية إلى بورتريهات فنية ببعدين على مسطح، في تجسيد لعلاقة حرية الإبداع بالقدَر وتحويل الإنسان الفاني إلى كائن فني سرمدي داخل تحفة فنية تحافظ على هوية الشخص وإبداع الفنان وتمنحهما إكسير الخلود، خاصة إذا كان هذا الفنان مقتنعا بأن لا حياة دون حرق واحتراق، وبأن هاتين العمليتين ضروريتان في الحياة نجدهما في الحياة اليومية العادية كما في تشغيل السيارات، تحليق الطائرات، وتدفئة البيوت... أو في الصناعات الأساسية كإنتاج الكهرباء،صناعة الإسمنت الزجاج والمواد المعدنية. ولا حرج إن وضفتا في الرسم..

 لذلك أبى أبا علي العميري أن لا يلج عالم الفن إلا عبر بوابة الحرق والاحتساء... في برهنة منه على أن الفن لا حدود له، وفي تأكيد على أن الإبداع وإمتاع الآخرين يمكن أن يكون من أشياء لا حياة فيها، وأن الحياة برمتها يمكن اختزالها في لحظة احتساء فنجان قهوة... وفي ذلك إطفاء لظمأ ابدي في أعماق النفس للخلود حاولت أساطير وحكايات كثيرة التعبير عنه من خلال فكرة البعث من الرماد والحياة من الموت كما في (أسطورة الفينيق و أسطورة العنقاء) لما تحمله تلك الأساطير من دلالات على قدرة الإنسان على أن يكون صلبا أمام الضربات، وقادرا على النهوض بعد العثرات... فكانت لوحات أبي علي بعثا من الرماد، وهِبة من فنان يمنح اللون الرمادي رمزية وقيمة نغمية متدرجة بين الشدة والنسبية أبعدته عما التصق به من دلالات تحيل على الحياد والسلبية فجاء الرمادي والبني في لوحات العميري مشحونين بالدلالات والمعاني يختزل شدة ولمعان باقي الألوان الأخرى... فيبتعد الرمادي والبني عما التصق بهما من دلالات الحزن الإحباط والكآبة، وتمرد الرمادي عن سلبيته وتموقعه في الوسط بين الأسود والأبيض... لكن أبا علي باعتماده على اللون الرمادي والبني، واستغنائه بحرق الخشب والقهوة لونا بدل أقلام الرصاص، الفحم والصباغة المائية أو الزيتية المستعملة في رسم البورتريه والاكتفاء بلون واحد يتدرج بحسب قربه وبعده من الضوء يكون قد أعاد الاعتبار للرمادي، فرض نفسه أسلوبه الفني رائداً من رواد البورتيريه في التشكيل العربي المعاصر الذين جددوا شكلا ومادة على الرغم من قدم هذا الفن في التشكيل الإنساني، واستطاع تطويع البن رغم صعوبة الرسم بالقهوة لميوعة وسيلان القهوة وسرعة خروج الفنان المبتدئ عن الإطار المراد رسمه، وما يحويه النمقيط بالقهوة من صعوبة....

 

ذ. الكبير الداديسي

 

 

علاء اللاميفي هذه المقالة سأعرف جيلَ الشباب ببعض رموز الفن الفطري العراقي نحتا ورسما، ممن وجدت شيئا من المعلومات عنهم على النت ونسقتها بتصرف أسلوبي طفيف، ليكون هذا التعريف بهم صرخة احتجاج ضد سيطرة الرثاثة الفنية المحمية بحكم الطائفية السياسية المطابق لها في الرثاثة والفساد وانعدام الذوق لدى الزمر الحاكمة وحاشيتها: في ستينات وسبعينات القرن الماضي وما بعدهما نشأت وراجت ظاهرة الفن الفطري والفنانين الفطريين، وكانت موجودة وغير ملحوظة قبلا بزمن طويل، واشتهر بعض منهم في السبعينات خصوصا. وهؤلاء فنانون شعبيون لم يدرسوا الفن وليس لهم أي تحصيل علمي ودراسي فني وكانوا يرسمون وينحتون بتلقائية وطلاقة لا تخلوا أعمالهم من بعض الغموض والأخطاء الأكاديمية أحيانا لأنهم لم يدرسوا النسب والتشريح الفني وماهيات وعلاقات الألوان والكتل والتكوينات...إلخ. وفي السبعينات، تعرفت على والدة الصديقين الفنانين فلاح ويوسف غاطي وهي نحاتة فطرية لها أعمال جميلة شاهدت بعضها، ولا أتذكر جيدا إن كانت قد عرضتها في معرض فني شخصي آنذاك أم لا. ومن الفنانين الفطريين المعروفين في هذا الباب أعرف هنا بـ:

1- النحات العراقي الفطري منعم بربوت وادي الجنابي، الذي اتخذ له اسما فنيا هو "منعم فرات". ولد عام 1900 في محلة باب الشيخ ببغداد، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم عن طريق الكتاتيب. كان فلاحا وبائعا للأغنام في شبابه، إلا انه ترك الفلاحة لينتقل للعمل كعامل في عدة مجالات ككاسب.

* شارك منعم فرات في مهرجان الفن الفطري العالمي بإيطاليا عام 1966 بعرضه لعشرة أعمال نحتية متنوعة بموضوعاتها وتقنيتها البسيطة ونالت إعجاب مَن حضر المعرض. وتضمنت تلك الأعمال النحتية أشكال طيور وحيوانات وكائنات خرافية وموضوعات أخرى ذات طابع انساني، ونال الفنان في هذا المهرجان عدة جوائز منها شهادة دبلوم وجوائز أخرى تثمينا لأعماله.

* كما تحصل منعم فرات على الجائزة الاولى بدرجة ممتازة في المهرجان الدولي الثالث للفنون الفطرية الذي أقيم بمدينة (براتسلافا) في تشيكوسلوفاكيا في شهر أيلول - سبتمبر سنة 1972 وشارك فيه خمسة وخمسون فناناً. وقد حظي هذا الفنان باهتمام ودعم كبيرين من الفنان نوري الراوي وتلقى منعم فرات دعوة في الخارج للمشاركة في المعرض الدولي للفن الفطري في أوربا، ولكن القدر حرمه من المشاركة، إذ توفي بحادث دهس بالسيارة، فقام الفنان نوري الراوي بإتمام إيصال أعماله للمشاركة قبل بدء المعرض بعد وفاته مباشرة، وحاز على الجائزة الأولى، ولكن للأسف فقد حصدته المنية قبل أن يحصد هو جائزته وفرحته بالفوز.

* كتب عنه الناقد الإيطالي البرتو جاتيني (منعم فرات اختار بمفرده طريقة الذي يقوده نحو غاياته الفنية، هذا الاختيار انبثق من أعماق نفسه الأصيلة، وأول عمل قام به هو رفضه لأي شكل ولأي تأثير أوروبي، سواء كان ذلك في التكنيك أو في الشكل الظاهري، ففضل في عمله الفني مستوحيا الماضي بكل ما فيه من جلال...)

* قال عنه النحات العراقي الراحل محمد غني حكمت (إن أعمال منعم فرات أصبحت وستصبح أمثولة لأكثر من فنان عراقي، ذلك لان أعماله الخاصة، وأسلوبه في تصوراته برمتها لا تتصل بمدرسة فنية معينة، ولا تشتبك بجذور من مؤثرات خارجية، أنها خلاصة ملاحظة عامة للمنظورات وتعبيرات مبهمة لأحاسيس وأخيلة عن الحيوان والإنسان في حبهما وفرحهما، في غضبهما ورضاهما، في أحلامهما وأمانيهما، إن شخوص منعم فرات، تتحدث عن قصص وأساطير تعيش في عالم لم نصل بعد إليه.. ولكم تمنيناه! فليس منا من رأى أنسانا برأس حيواني، نعم، فرات بعفويته وجرأته وانتصاره على الحجارة الصلدة استطاع أن يخرج بقامته ووضوحه إلى هذا العالم الذي يفتش عن كل ما هو جديد ويقول للجميع ها أنا ذا اطرح أسلوبي العراقي المتفرد والمتجذر والمنحدر من صلب المبدعين الأوائل، في سومر وأكد وآشور.

1539  محمد فرات

الصورة للفنان الراحل منعم فرات وبعض منحوتاته

* كتب عنه الناقد الفني محمد الجزائري: وقال الناقد الايطالي "البرتو تشاتيني" المختص بالفن الفطري، عن فن منعم فرات إن هذا الفن يمثل الاتجاهات الفنية في كل القارات، من الاسكيمو إلى الهند والمكسيك إلى جزر الأوقيانوس.. ويمثل الفنون البدائية والعراقية القديمة، كما يمثل الأصنام الجاهلية الأولى ويضيف الجزائري : أن أعمال فرات بمثابة استجابة للحالات كلها التي كان يعيشها، والذي يبدو كشفاً لعلائق إنسانية تتشكل عنده على نحو خاص، إنما هو نوع من الاطمئنان للحالات التي اكتسب عنده وجودها مرحلة اليقين، إن بالرفض أو القبول، فجسدها بمباشرة وفطرية وصلت حد الدهشة، فهو لم يكن يحطم الواقع ليعيد تشكيله، إنما كان يعريه من خلال قدراته التعبيرية، ومن هنا، يمكن اعتباره ممثلاً أصيلاً للفن الأصفى الذي لا يعاني نوعاً من أنواع الفصام، لكونه سيد الفن الفطري وسيد الفن الصافي.

2- الفنان النحات عباس جابر: ولد في محافظة ميسان سنة 1954 هو مثال حي على الفن الفطري. منذ طفولته كان يتابع حركة اليدين لوالدته وهي تعجن الطحين لعمل خبز التنور الطيني، وهي تخلط الطحين بالماء فتصنع عجيناً طيّعاً على شكل كرات، فانطبعت في ذاكرته تلك الصور الفنية البسيطة، فضلاً عن عوامل عدة أخرى بيئية وعائلية أثرت تأثيراً مباشراً في تكوين وتنمية هذه الموهبة التي زرعت في مخيلته الذكية فكرة الفن. لتكون منطلقاً في التعامل مع الأشياء. بدأ بالطين ثم الخشب والحجر وتمكن من النحت على نواة التمر والرز والعدس التي لا تستطيع الاطلاع على الأشكال المنجزة منها إلا بواسطة مكبّرة يدوية. كان يطلق ليديه العنان والخيال ويجعلهما تحاوران كل تلك الأشياء، معبراً عن حالات الخوف والحرمان التي تواجه الإنسان مجسداً الواقع العراقي بكل تفاصيله، أقام العشرات من المعارض الفنية عن أعماله بالتنسيق مع مديرية النشاط المدرسي ونقابة الفنانين ودار القصة العراقية.

3- عبد الكريم ناصر منصور الغريباوي: ولد سنة 1962 محافظة واسط. إنَّ الأقلام الخشبية وما تنتجه على الورق كانت هوايته المفضلة في طفولته، انتبهت عائلته لتلك الموهبة شجعته فضلاً عن معلمه في الدراسة الابتدائية الذي حفزه وشجعه أيضاً, الغرباوي لم يدرس الفن لكنه امتلك موهبة فطرية خاصة أثارت زملاءه الفنانين ما جعله يستفيد كثيراً من تجاربهم, في ثمانينات القرن الماضي رسم أولى لوحاته وهي الرحى التي تستخدم في طحن القمح ليستمر فيما بعد في تجسيد بيئته، فكانت لوحة (الدربونة) التي جسد فيها طفولته في قضاء الحي محافظة واسط ، اعتمد الغرباوي على نفسه دون أن يقدم له أي دعم رسمي. شارك في الكثير من المعارض داخل العراق وتلقى دعوات عدة في روما وباريس، إلا أن إمكانيته المادية المحدودة حالت دون إقامة معارضه في تلك العواصم. يجيد رسم الكاريكاتير، لكنه ميال إلى المدرسة الواقعية، ويحلم أن يمثل العراق في محافل عربية ودولية ليرسم للعالم صورة جميلة عن وطنه وشعبه.

4- محمد الخزرجي، مواليد 1972من بغداد، من عائلة متوسطة الدخل. أحب الرسم منذ الصغر منذ كان عمره 8 سنوات بدأ الرسم على الورق يوجه إحساسه وتدفعه الموهبة, تردد على نادي الثقافة والفنون في حي القاهرة ببغداد في حينها في الثمانينات، وبدأ تجربته الأولى مع الألوان، كان الأستاذ المسؤول في النادي فنان فطري أيضاً، صقل موهبته لينطلق فيما بعد في عالم اللون والظل والضوء والسماء ومفردات الحياة الواقعية. الاستمرارية في الرسم هي من ولدت لديه الخبرة والاحترافية. فانجذب إلى المدرسة الواقعية دون المدارس الأخرى ورسم الشناشيل البغدادية وذوي الحِرف العراقية الأصيلة ووجوه أهالي المحلة، فكان اكتسابه لكل هذه الاندفاعات الفنية بالفطرة، كان الإحساس يحركه ويعتقد أن الفطرة هي البديهية التي تحرك أنامله وعقله وإحساسه دون تدخل من جانب العلم المكتسب.

 

علاء اللامي

 

 

مِن الجنون ما يَقتل، ومِن الجنون ما يَجعلك تتسلى وتَلْهُو وتَلعب كما لم يَلعب طفل، لكن ليس الأطفال وحدهم يَلعبون، فهذا صاحبُنا سلفادور دالي SALVADOR DALI  أَقْسَمَ أَلاَّ يَسمح لنفسه بغير أن يَلعبَ، وأول ما قرر أن يَلعبَ به هُو شاربُه..

مثير حدّ السخرية أن يَكون للإسباني سلفادور ذلك الشارب الغريب الْمُعَلَّق أعلى الشفة بطريقة لافتة للانتباه حدّ التشكيك في سلامة ذوقه وفق ما يَقتضيه العرف ودِين العقل.. أليس من الباعث على الضحك أن يَتعلم أحدُهم فنونَ التخطيط على لَوحة مُحَيَّاه؟!

شاربُ صاحبِنا المسكون بحُبّ الجنون لَعِباً يجعل وجهَه بمنظر الشارب لوحةً تشكيلية سريالية.. ولا غرابة، فالرجُل سلفادور هذا ماذا نتوقع منه أن يَكون إن لم يَكُن حقيقةً قد رضعَ حليبَ السريالية والجنون..

1526 سلفادور دالي

لوحة إصرار الذاكرة للفنان سلفادور دالي

السريالية جعلت سلفادور دالي يُثير ذائقتك الفنية بما كان يَرسمه من لوحات تشكيلية قِمَّة في الغرابة، ومازالَتْ إلى الآن مَضرب المثل في رَسْم مَشاهد مِن الحياة بخطوط وألوان وأشكال وأحجام فوق واقعية على طريقة النموذج السريالي في الفَنّ..

لكن هل كان سلفادور يَكتفي بالإيغال في الحِسّ السريالي فَنّاً فقط؟! من المؤكد لا، والدليل القاطع الذي لا يَتوانى عن لَيِّ عُنُقِ الشك هو زَحْف الْمَدّ السريالي إلى الحياة الشخصية والواقعية لسلفادور..

سلفادور في حَدِّ ذاته يُمكنك أن تَقول عنه إنه لوحة سريالية متحركة، بدءاً من شاربه، مُروراً بملابسه التي كانت تَصدم بذوقها من يَتقاسم سلفادور معهم الزمنَ والمكانَ، وُصولاً إلى مواقفه وأحواله وتصرفاته..

تصرفات سلفادور الصبيانية دفعَتْه مراراً إلى مغادرة صفوف الدراسة بسبب الانطباعات السيئة التي كان يَتركها عند أساتذته نتيجة المشاكل التي كان يَتسبب فيها لزملائه أو تلك المقالب الباردة التي كان يُلَفِّقُها لهم..

أن تَستهويكَ الكتابة التشكيلية سريالياً، هذا أمر مفهوم ولا مَشَقَّة في قبوله، لكن أن تُجَسِّدَ اللوحةَ السريالية على شاكلة الكتابة الفنية بالجسد (جسدك) من باب التمادي في اللعِب، فهذا ما لا يَتفق معه عقل ولا منطق..

اَلْمَنْطِق هنا بَيت القصيد، لماذا؟! لأن سلفادور عُرِفَ بكسره لكل قاعدة ومنطق، فلا قانون يَضبط مزاجَه سِوى الجنون، ولا فلسفة تَكون لطريقه المصباحَ سِوى الخروج عن النص..

النص الغائب عن حياة سلفادور هو الحكمة، الحكمة بما تَفرضه من تخطيط سَوِي وما تَقتضيه مِن هندسة للحياة في مستوى التطلعات التي يَرسمها العاقلُ لنفسه..

نَفْسُ سلفادور كانت بأهوائها المتقلبة والخارجة عن نطاق سيطرة العقل السليم تَستدرجه إلى السقوط في مُسْتَنْقَع الألوان الغامضة للحياة، تِلك الحياة التي كان صاحِبُنا يُفَصِّلُها على مقاسات جُنونه الخَلاَّق..

عَظَمَةُ الجنون (وليس جنون العظمة) أَوْحَتْ لسلفادور بأن يَتَّخِذَ لشخصيته الخارجة عن التصنيف مَساراً يَتجاوز حدودَ الممكِن في الحالة الطبيعية، فالرجُل لم يَكُنْ يُخفي ولعَه بالمغامرة وصعود جَبَل الرغبة، وأيّ رغبة؟! إنها الرغبة المجنونة في الانقياد لسطوة الأفكار المجنونة..

الأفكار المجنونة التي كانت تَدور في فلك رأس سلفادور كانت تَرقص وتُغَنِّي، وتُرَفْرِف وهي تَرى رُؤيةَ اليقين كيف أن ذلك الربان المجنون الذي يَقود سفينتَها (الربان سلفادور) يُطيعها طاعةً عمياء، ويمتثل لأمرها مُسْتَسْلِماً بَاسِم الثغر والعينين، مهما رَمَاه الآخَرون بحجارة الجنون الذي لا يَغيب عن أبله أو سفيه..

هل كان سلفادور مُتَيَّماً بقراءة معنى الاستياء في وُجوه المحيطين به؟!

أم كان عقلُه يُصَوِّرُ له استياءَهم في صورة إعجاب؟!

أم كان يَشعر بنشوة التميز عن غيره بما يُحدثه في شكله من فوضى عابرة لحدود الجسد؟!

أم أنه لم يَكُنْ منبهراً بآيات الجمال في صورة التناسق أو التناغم الذي كان يُغَلِّف كل ما يُوجَد حوله؟!

لِنَقُلْ إنها لعنة الجنون وكفى، تلك اللعنة التي قد يَطيب لك يا صديقي أن تُسميها لعنة مقدسة، لماذا؟! لأن صاحبَنا سلفادور المسجون خلف قضبان سرياليته كان يَتَلَذَّذ بلعنة الجنون..

درس في الجنون يُعَلِّمُك إياه سلفادور مِن مدخل اللذة الفنية التي تُشبِعُها الممارسةُ السريالية، سواء في حدود الإطار التشكيلي للإبداع على الورق، أم على امتداد أرض الواقع التي لا تَنفي تأثر سلفادور بِـ «عَبْقَر» السريالية على مستوى تَجربة الحياة الشخصية..

هذا سلفادور، الفنان التشكيلي والمفتون بالصورة المجاوِرة عشقاً وممارسةً لصُنَّاع السينما، وأيّ صورة؟! لقد كان يُخطط لتجسيد صور تَتخلل مَشاهد سينمائية مُخْتَلَسَة من حقيبة الأحلام الْمُهَرَّبَة من بلاد اللامعقول..

في تجربة سلفادور يَتوقف الزمنُ، وتتعطل ساعاتُ الحياة، لكن هل تُصَدِّقُ يا صديقي أَنْ يَقوى سلفادور على تجسيد إحساسه هذا بذوبان الحياة؟! يَقوى يقيناً، ولهذا ظَلَّتْ إلى الآن لوحةُ «إصرار الذاكرة» التي رَسَمَها سلفادور وفق ما تَسمح به بنود المدرسة السريالية من أروع لوحاته وأكثرها جودة وشهرة..

إنه مَشهد قد لا يَتحقق إلا على سرير الحُلم، فهل تَصَوَّرْتَ يَوماً أن تَزورَك صورة كهذه في غير مدينة الأحلام؟! طبعاً لا، ولهذا يَشعر الرائي بعين التأمل بنشوة فنية قَلّ نظيرها وهو يُبْحِر في قراءة لوحة الساعات الذائبة تِلْكَ..

لَعَلّه من الحيف حقاً أن نَتَوَاطَأَ مع الباطل ضد حكمة الرجُل هذا، لماذا؟! لأن مَن يَغوص بريشته وأقلامه في بحر الإبداع التشكيلي بهذه الروعة وتلك الدقة لن يكون إلا سَيِّدَ الإبداع..

إنه جنون الإبداع الذي يَرفَع مًنْجَزَكَ في عيون مَن يُقَدِّرُ جمالَ الإبداع، جنون يَرتقي بك إلى معارج التميز مهما بَدَوْتَ للآخَرين غريبَ الأطوار فوضوي الشكل شارد الذهن تَحضر وتغيب كأنك الضوء الشارد الذي لا تُغريه محطة بين سماء الزمن وأرضِ المكان..

الفنان المبدع بحق والسابق بخطواتٍ ضوئية لزمنه لا يُقَدِّرُه إلا شبيه له أو مُتَذَوِّق لِفَنِّه بِعَينِ إحساسِ المجنون بإبداعه، لذلك كان من حُسْن حَظّ سلفادور أن يزفّ إليه القَدَرُ زوجةً متفهمة لمزاجه الإبداعي، ومن هنا كان من الطبيعي أن تُعينَه زوجتُه على جنونه..

زوجة سلفادور الروسية المعروفة بِـ «غالا» (مع أن اسمها الحقيقي إيلينا) قَدَّمَتْ له خدماتٍ جليلةً بسهرها على رعاية إبداعه وإدارة علاقات الترويج له، ولذلك كان من غير العدل ألا يَحزن سلفادور على موتها وقد تَرَكَتْه كالنخلة اليتيمة المشنوقة في صحراء قاحلة..

صحراء قاحلة هي الحياة التي مِن النادر أن تَجد فيها من يَشعر بشهوة رغبتك الإبداعية الجميلة ويَتعاطف مع خيوط إحساسك بما تُشَكِّلُه مِن فَنّ رقيق وعابر للقلوب الذَّوَّاقة للفَنّ الحقيقي..

بِرَحيل زوجته كان في انتظار سلفادور مَوْعِد مع الحُزن الذي جَعَلَه يَرى الحياةَ بألوان كئيبة تَقتل رغبتَه في الاستمرار بعيدا عن شمعة الأنثى التي كانت تُعَبِّدُ طَريقَه إلى النجاح..

زوجة مثالية تلك التي تَستجيب لرغباتك الدفينة وتُنَفِّذُ دون أن تَطلبَ منها، تُضيءُ غرفةَ حياتك وتُزَوِّدُها بما يَكفي من حرارة العاطفة التي تَتَّخِذُ منها أنتَ مَصْدَرَ طاقة، طاقة مُحَفِّزة على العَطاء ومُحَفِّزَة بالْمِثل على البَقاء..

ما جدوى البَقاء بعد رَحيل الغالية؟! هكذا نُقَدِّرُ السؤالَ الذي ربما كان يَسأله سلفادور لنفسه مراراً، لكن القَدَرَ كان رحيماً هذه المرة أكثر مما يُمكن لامرئ أن يَتصور، ببساطة لأن الحياةَ في قلبه غادَرَت حالفَةً ألاَّ تَعودَ..

كان سُكوتُ ساعةِ قلبِ سلفادور يؤذن بالرحيل إلى ما لا رجعة، وهكذا أَنْقَذَتْهُ أزمتُه القلبية من جحيم حياةٍ أَصْبَحَتْ قاسيةً بعد غياب نِصفه الثاني وتَوأم روحه..

بَيْنَ روح الإنسان وروح الفن مسافةُ صِفْر. لهذا لم يَطُلْ عذابُ سلفادور، وسرعان ما سكتَتْ ساعةُ حياته التي كانت تَذُوب شيئا فشيئا، إلى أن تَبَدَّدَتْ كُلِّيا فتَلاشَتْ معها صرخَةُ الحياة..

صحيح أن سلفادور قد رَحَلَ، لكن ساعاتِه الفنيةَ مازالَتْ حاضرةً بقوة، ساعاته تَشْهَد بها لوحاتُه الفنية التي طَفَقَتْ تَقول: مِنْ هُنا تَاريخُ عبقريةٍ مَرَّ، مِن هُنا مَضَتْ حِكاية..

 

بقلم الدكتورة سعاد درير

 

 

سامي عبد العالذات لوحةٍ قال الفنان الاسباني سلفادور دالي: "كلُّ ضربةٍ لفرشاة الفنان ناتجةٌ عن معايشةِ مأساةٍ يُعانيها ". كأنَّه يُذيب تجلط الآلام بالتقاط المستحيل باعثاً فينا روحاً جميلاً. ينطبق القولُّ على الفن المغموس في ظلام المآسي التي تكابدها الشعوب مع انكسار الأحلام الكبرى، كحال إحباط الشعوب العربية بعد جدب ربيعها العاصف. وأنْكي من الفشل أنْ يظل الفنان حبيساً لتفاصيله الموحشة أينما ذهبَ، لتخرج حواشي الخطوط والوجوه كطيَّات تشكيليةٍ في هوة اللوحة وتقلباتها. فدوماً خلال تحرر الشعوب، كانت الفنون التشكيلية هي الحاضرة في طليعة الحراك، هي الفاعلة ثورةً وأداةً ووصفاً ودموعاً وسخريةً وهذياناً.

اللوحة عندئذ وثيقةٌ مرسومةٌ بألوان سريةٍ. تحكي التفاصيل الدقيقة، ترسم الآفاق، توقظ الحواس الشغوفة، تحول الأشكال إلى طاقة متفجرةٍ وتثير آمال المتلقي كجزءٍ من أبداعها الحي. أي حين يتلقاها يجدها " عالماً فنياً " يجتذبه للإحساس المجنون بالحقيقة الأخرى دون الحقيقة، بالمعنى الآخر دون المعنى، بالإمكان الآخر دون الإمكان!!

ليس شيئاً عابراً - هذا اللجوء العاري الذي يعيشه السوريون - حتى يطويه الخيال، وليس شيئاً صلباً كي يجد موطأَ صوتٍ في صخب العالم. فهل وقفت بقايا المجتمعات العربية- إن وجدت- مثلاً أمام إنسانيهم الضائعة؟ هل اهتم أحدٌ بتضميد جراحهم ولملمة فوضاهم؟ إنَّ وضع اللاجئين الكئيب أشبه بالعدم في أوصال التاريخ الراهن للغسق السياسي. ولم يعدّ هنالك إلاَّ فضاء الفن الذي يجسد الأشياء على مسرح الدهشة. وكأنَّها أشياء لم تكن من قبل، تاركاً خطوطها الأثيرة على جسد اللوحات وراسماً مشاعرنا الدفينة التي لا يمكن إطلاق سراحها.

101  عبد الله العمري 1

ريشةُ الفنان السوري" عبد الله العُمري " بمثابة الخيال الغرائبي الذي صور واقعاً فاجعاً على نحو فذٍ. لقد أبرزَ الفنان المفارقة فيما يجري للاجئين السوريين: بأنْ رسم قادة العالم في نفس الحال المزري، في الوحل الذي أغرقوا داخله شعباً مشرداً. صَورَّهم الفنان العمري شخُوصاً رثة بتقنيات فنية وإنسانية وسياسية تبوح وتندد وتثور أكثر مما تُخفي. شخوص الرؤساء تقف هشة بريشة الفنان في طوابير الخبز انتظاراً للقيمات المجهول، حيث تعلوها الأتربة وتلتهما فوبيا المصير وينقشها غبار الأوطان وتتوزع نظراتها مع مظاهر الخوف.

101  عبد الله العمري 2الفن يدخل السياسة من الباب الخلفي لقلب منظومة القهر إلى موضوعٍ مفعولٍّ به على ذات الصعيد. أي أنَّه يُطَّهِر هذه البقع الآسنة من رواسبها حين يأخذ أدوار المقاومة الشرسة لقبح السياسات المفروضة على الإنسان. فتنشط دلالات الفن عند الحدود القصوى للعجز القسري عن الفعل. إنه لا عجز لدى الفن إلى نهاية المدى، لكونِّه عملاً يحمل المفاجأة الإبداعية باستمرار. الفن هو الخالق الآتي من أقاصي الحياة للثأر الناعم من قاتلي الإنسانية، من مشردي الأطفال، ومن مرملي النساء، ومن مدمري المجتمعات.

إنَّ اللوحات تبعث للمتلقي شعوراً بما قد يفعله الفن قصاصاً من الجناة. تعري هؤلاء الذين كانوا سبباً مباشراً في مأساته. هؤلاء الذين تآمروا ودمروا سوريا الوطن والحياة  باختلاف مشاربهم. قادة أمريكا (أوباما وترامب)، قادة روسيا (بوتين وسواه) قادة العالم العربي (بشار الأسد وأمراء النفط وسماسرة المؤامرات وتجار الكلام) قادة أوروبا (ميركل وساركوزي) قادة إيران (خامنئي وأحمدي نجاد وحسن روحاني وحسن نصر الله) قادة تركيا (أردوغان وغيره).

أكد عبدالله العمري - لشبكة " AJ " الإنكليزية- أنَّ ما دفعه لذلك كانت بمثابة ردة فعل شخصية على قصته كشخصٍ مهجر، وعندما تنامى الغضب داخله أراد أن ينتقم بشكل لطيف عبر الفن. ويقول إنَّه عبر لوحاته يمنح المتفرج الفرصة للتعرف على القوة الحقيقية للهشاشة. ويوضح أنه خلف "واجهة السلطة لا يتبقى لدى الديكتاتوريين شيء."

والفنان العمري من سكان العاصمة السورية دمشق، وقد درس الأدب في جامعتها. ثم ترك بلاده، في شهر سبتمبر ألفين واثنتي عشر، كي لا يجند بجيش النظام "بعد أنْ أصبح كل شيء فوضوياً "، متجهاً نحو أوروبا، حيث يعيش في بلجيكا. يقول العمري إنَّه كان يشعر في البداية بالغضب عندما يفكر بسياسي كبشار الأسد، ليلاحظ بعدها أنَّه من الأفضل قلب الغضب إلى قوة، التي من خلالها يجرد القوي من قدرته .وعُرضت أعماله في بريطانيا ولبنان وفي العاصمة الألمانية برلين وفي دبي1.

لكن هل تثير اللوحات الفنية فكرة العقاب أم أنَّه يترك الإبداع لاستدعاء الأصداء؟ هل يمكن اشهار الجمال أمام وجع القبح أم أن جماليات القبح تصبح جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الفن؟ كيف يصل الفنان إلى أغراضه بأعمال فنية هي قيد التلقي؟ لماذا يكون الفن أبعد أثراً وخطورة إزاء واقع مأزوم؟ هذه أسئلة تشق الطريق نحو فهمٍ أعمق لخلفيات اللوحة الفنية.

أولاً: الأثر التعويضي بين الضحية والجلاد لون من الثأر الرمزي. فشخصيات الرؤساء مرسومة بحرفيَّة عالية الدلالة، حتى أنك تلمح مأساة اللجوء لدى القادة فعلاً، رغم حضور كيانِّهم المستقل عبر التفاصيل.

ثانياً: صحيح الشخصيات مختلفة إلاَّ أنَّ الفنان عبد الله العمري لا يغفل القضية الأساسية: كشف ويلات النازحين والتعبير عن معاناتهم.

ثالثاً: تداخل السياسي والفني غير مرئي، لكنه فاعل عن كثب في اللاوعي. اللوحة تحرر المتلقي من قيود الواقع، من القهر الذي يعيشه تاركاً العنان لتداعيات الملامح والأحوال. وهي ناشطة في فضاء اللوحات بشكلٍّ يكاد ينطق بالمسكوت عنه.

رابعاً: كشف القبح بواسطة المتورطين فيه هو فعل باقٍ طوال الوقت. وربما العمل الفني أشرس من الواقع ذاته. فهو قابل للتلقي بقدرات الفن الابداعية وطاقات التأويل دون حدود.

101  عبد الله العمري 3

خامساً: اكتفاء اللوحة بذاتها لا يتم إلاَّ بعدم اكتفاء الواقع بذاته. لأن الأخير قميء وتنتقل أشباحه إلى لوحات هي الصورة الفاضحة لشخصيات معروفة. أوضح العمري لموقع "بينتو" الألماني: أنه لا يريد تجريدهم من السلطة، كي يشعر على نحو أفضل، بل الأمر متعلق برغبته في "جعلهم بشراً مرةً أخرى"، كناية عن تجريدهم من الهالة المرسومة حولهم، في كونهم غير عاديين.

101  عبد الله العمري 4سادساً: دلالة اللوحات الفنية تمثل " لعنة " تحل بالقاتل. وهذا تصور انثروبولوجي قديم تعبر عنه ريشة الفنان. فروح الضحايا تلاحق الجاني طوال الوقت. لقد جسدَّها الفنان بهيئة كاملةٍ، القادة كيانات فنية تتحرك بشخوصها الأصلية. بل جعلهم الفنان عنصراً تراجيدياً لوضع مؤلم. وكأنَّ المتلقي سوف يتساءل ماذا لو كانت الدول التي أسهمت في أزمة سوريا تعيش الأحوال ذاتها؟ الإجابة سريعة بمجرد النظر إلى اللوحات!!

سابعاً: يشتغل فضاء اللوحة على الحكي الذي يسرد نوعاً من العدالة المضمرة. فلنتخيل لو تساءل إنسان ماذا حدث؟ وما مصير هؤلاء اللاجئين؟ فالقادة كلاجئين جدد هم النتيجة التي تحقق العدالة.

ثامناً: أسست اللوحات لقوة الهش والمهمش والمقهور، فالبطل لم يعد هو الرئيس الفاعل إنما  هو إنسان ضائع رغم أنه في حال اللجوء لا يملك حتى حياته الخاصة.

تاسعاً: هناك مغايرة لصورة القوة الدولية. فهل الرئيس هو اللاجئ أم هو الديكتاتور السابق.  إبقاء الشكل المبدئي للشخصية حتى النهاية حيلة فنية لخلط الحالين. بحيث يقنع صاحبها ماذا سيجد لو كان لاجئاً وكذلك يقنع الضحايا بالتطلع إلى حياة كريمة وتحرير وطنهم.

وفي هذا  أشار " عبدالله العمري"  إلى إنه يرغب من خلال لوحاته هذه في التمكن من تصوير كيف ستبدو " كبار الشخصيات " إن كانوا مكاننا نحن السوريين، كيف سيبدون لو كانوا في موضع الفقراء، واللاجئين والمهجرين!!

إحدى اللوحات تحتفظ بالملامح الأمريكية في شخص ترامب. وقد أشارت حالته إلى مأساة التشرد هرباً من الخراب. ومع رتوش الرسم يحس المتلقي كأن الخَطُب جلل وأن الموضوع ليس مصادفة، لأن الوجه (وجه ترامب) يعكس ما فعلته قواته بكل لاجئي العالم. حيثما توجد قوات أمريكية يوجد لاجئون، يدمرون منازلهم ويحصدون غنائم دولهم ثم يلقون لهم طعاماً وأغطية بالطائرات.

وها هو الموعد يأتي فنيَّاً لنرى ترامب يحمل حاجياته المهلهلة على ظهرة رافعاً ابنته فوق كتفه ولا يملك من حطام الوطن غير صورة العائلة. بينما تأخذ خلفية الصورة ألوان الصحراء الدالة على الموات الغائر بين إحساس المتلقي بالواقع وما ستؤول إليه الأمور. وأنَّه لا عودة إلى الحياة بعدما انطفأت الأشياء. فهل سيعود الفارُ من الموت إلى قحط الصحراء كمن يستجير بالرمضاء من النار؟

101  عبد الله العمري 5

المفارقة كون الرئيس الأمريكي اللاجئ يحمل كيساً هو كل طوق النجاة بعدما كان مهيمنا على الأحداث. الكيس رمز الاحتفاظ المخيف بأي نوع من الحياة في شكل طعامٍ أو كسرة أمل. أين ذهبت السلطة؟ أين القوة العسكرية المُرعبة؟ أين الثروات الضخمة العابرة للقارات؟ لا شيء من هذا على الإطلاق. ويقف الفنان كأنَّه يشكل أقدار العالم ويجرد الزعماء من أنيابهم القاتلة وليذيقهم بعضاً مما صنعت أيديهم.

تبدو الفكرة بارزة حين ننظر إلى لوحة باراك أوباماً، ملامحه لم تفلت من العوز والضعف الإنساني. جاء معجوناً بالخراب الذي لحق بالشعوب وذاق الافقار والإجهاد، وانحنى نتيجة الحمل الثقيل الذي يتلاعب بظهره كما تلاعب هو بظهور المعدمين. ثم كان انتصابه وقوفاً باللوحة اعترافاً وجهاً لوجه بمصير لهذا الحال. ولا يغيب عن المشهد هذا الامتثال في الصورة من قبل أوباماً كأنَّه يقر بحقيقة الحادث له. وتناولته الألوان بقسمات المستكين جراء المعاني الإنسانية التي تلهب إحساس المتلقي.

101  عبد الله العمري 6أما بشار الأسد، فقد جاء بصورته غارقاً وسط البحر، يقف بالكاد داخل المياه حاملاً فوق رأسه مركباً ورقياً.  مركب لا يجدي فتيلاً وسط أهوال الدمار الذي سببه لدولته ومع عمليات القتل وهدم القرى والمدن. والمعنى أن الرئيس نفسه قد غرق حتى أذنيه وعلاه الخراب وتمزقت ملابسه وضاعت هيئته.  إن الطوفان الحرب هو الذي شارك فيه ورعى قمع الثورة حتى نال منها.

المركب الذي يحمله الأسد فوق رأسه مجرد هوام ورقي لا يجدي نفعاً. ولأن نظامه القاتل غير مجدي. وقد يشير المركب إلى بقايا سوريا الدولة، أصبحت مجرد شراعٍ ورقيٍّ والنجاة التي تبشر بها لا تحتمل أيَّ فعل. وبإمكان أية مياه تمزيقها كما لا تقوى على حمل الوطن إلى بر الأمان. فضلاً عن أنَّ المركب قد يشير إلى الوطن الذي يتصور الأسد أنه يخرج به عالياً بينما هو وطن ممزق ومفتت ومتحارب حتى الموت.

ويأتي أردوغان في لوحة تعود به إلى كونه شيخاً يدفع بحاله الضعيف إلى الواجهة. و المعروف أنَّ غطاء الرأس يميز الإسلاميين غير أنَّه مفتوح الملابس لينال منه الإهمال كثيراً. وبوجود اللحية تقفل الدائرة التي تحيط بسورياً حين يراقب أردغان الأوضاع مسلحاً المعارضة الإسلامية ومؤَّمنا طريق الامداد والخروج والعودة لهم. وإذا جردنا اردوغان من سلطته لن يكون سوى شخص له رأس ولحية وصدر عار وانحناءة واهنة تستجدي المارَّة.

وفلاديمير بوتن العنيد ترسمه اللوحة طالباً المساعدة من العابرين. قد ظهر غائماً منهكاً يجتاحه العوز حتى وإنْ غرِب عن المشهد. فهو خال الوفاض من أية قوة وبات مهمشاً دون حول ولا إرادة. ولم يعد له إلا التسول على قارعة الحياة. والكتابة التي يحملها عبر لافتة إنما تدل على وهن وجوده لدرجة كونه لم يستطع رفع صوته. والملاحظ أنه جاء رجلاً طاعناً في السن ذا شعر أبيض وتجاعيد منهكة وعيون زائغة. وهذه دلالة أكبر من اللوحة والمشهد تجاه إشارة ذكية إلى كون روسيا دولة عجوز تقع تحت قائمة طويلة من العقوبات الأمريكية.

أما اللوحة الأعمق تعبيراً فهي لوحة يظهر فيها الفنان العمري وأمامه طابور من الدكتاتوريين الذين ينتظرون بقايا الطعام واشباع شأفة جوعهم. يظهر الفنان وهو منهمك في اتمام الرسم واضعاً الرؤساء ضمن قائمة طويلة من الواقفين. وتبدو القدرة الفنية على معالجة الأثر الفالت من قبضة الوعي المباشر، حيث يكون على الرؤساء ابداء الخضوع لما ينتظرهم كما خضعَ اللاجئون عنوةً لذلك. لقد حرص الفنان على وضع إنسان عادي في أول الصف لتأكيد إنسانية المشهد واتمام الدلالة إلى غايتها. ووجود الفنان بالمقدمة بمثابة المعالجة التي تتحكم في المشهد لخلق الأبعاد والرمي نحو مأساة السوريين المشردين.

كما أنَّ وجود الفنان في وجه اللوحة يطل على الواقفين. أخذ مكان مصدر تلبية احتياجات المنتظرين وإغاثة الجوعى. فالفن أصبح هو مصدر الغذاء الروحي لانتظار المصير المجهول وابداع الحياة مرة أخرى. وحين يمارس الفنان لمسات لونية فكأنما يعطي الرؤساء قبلة الحياة المفتقدة، أي يلامس ضعفهم الهش أمامه بدلاً من كونهم هم المستبدين الذين لم يسمعوا يوماً استغاثة الأطفال وصراخ الثكالى والشيوخ أثناء قصف المدن السورية.

وتبلغ قمة دراما الفن التشكيلي ذروتها حين ندرك وجود لوحتين في لوحة واحدة، مما يضاعف مستويات الحياة ويجعل الصراع فنياً سياسياً. فالفنان ممسك بقدر اللوحة والتصرف فيها بينما السياسيون لا قيمة فاعلة لهم. وقد نقل المشهد إجمالاً مساحة الهامش التي يحتلونها ليس أكثر. وكأن الفنان يختزل العالم إلى نوع من الاعتقال الفني للديكتاتورية تحت الشطب. وقد أصبح رموزها (الرؤساء) كائنات منزوعة السلطة. ولو أنَّهم قد رأوا أنفسهم في تلك الوضعية لكفوا عن تدمير الأوطان والتآمر عليها. لكن الثأر ههنا ليس عنيفاً، ليس انحرافاً خشناً، ليس دموياً. إنه ثأر إبداعي بدون ضحاياً، بدون ألمٍ. هو قوة " محو وشجب " لا ينتهيان، يظلان يمارسان دورهما حتى بعد غياب المشاهد.

 

سامي عبد العال

........................

1- لمزيد من التفصيل ولد الرسام والمخرج السوري عبد الله العمري في دمشق عام 1986. تخرَّج العمري عام 2009 من جامعة دمشق، وحصل على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي وعلى معهد أدهم إسماعيل للفنون البصرية. خلال دراسته عمل في العديد من أفلام الرسوم المتحركة وسلسلة افلام الفيديو " الوصية الحادية عشرة " وهو فيلم من إخراج المخرج السوري موفق بركات. وشارك في مهرجان دمشق الدولي للسينما 2010. وقد برز العمري في العديد من المعارض والمهرجانات في لبنان وسوريا بما في ذلك ثلاث سنوات متتالية في الصالون السنوي الشباب عام 2011 مهرجان الرسوم المتحركة الدولية في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق حيث حصل على الجائزة الثالثة. وشارك في مهرجان دبي 2012 " محفوفة العاطفة"، ركز العمرى في لوحاته على تراكيب القماش ومعالجة حالات نفسية معقدة مع الحفاظ على عمق الجمال من خلال تطبيقه التصويري الواقعي وكفنان متفرغ في معرض كمال بدمشق قام العمرى بالاشتراك مع غسان السباعي وفؤاد دحدوح في ورشة عمل جديدة. عُرضت لوحاته عام 2012 لأول مرة في مزاد صغار مقتني اللوحات الفنية حيث حصلت لوحاته على الكثير من الاهتمام والتقدير.

راجع الرابط التالي لمنتديات ورد للفنون:

https://www.ward2u.com/showthread.php?t=18658

 

 

سمر محفوضأحمد الصوفي فنان سوري تشكيلي وإشكالي بامتياز، يدفعك للشغف والإرباك كمعادلة جديدة لاكتشافاته على مختلف الأصعدة يمتلك دفة الأفق والاتجاه، يحملك إلى مشارف الدهشة والترقب لتكون بمواجهة ما مع تجربته المتميزة، حيث استطاع أن يجد لنفسه مكانا خاصا في الوسط المليء بالمتاعب والألغاز والجماليات أيضا، منغمس بمشروعه الإبداعي عبر بحثه الدائم عن مفردات لونيه بالفن التشكيلي وخاصة التصوير الزيتي ..تنوعت أعماله فى التصوير من الواقعية إلى الواقعية الرمزية إلى التجريدية -يختار موضوعاته وينفذها بمنتهى الجدية، مشحونا دائما بالاحتجاج ورفض القهر الاجتماعي والشخصى،، ينبع أسلوبه الخاص من طبيعته ومن رؤيته الخاصة للموضوع الذي يعبر عنه، يتميز بشخصية فنية واضحة ترتكز على الجدية والإخلاص - دفاتره كل شيء الورق والتراب والمساحات البيضاء للغيم يهوي بك بضربة ضوء قاصمة إلى سواد كفيف، بباطن كفه او لوحته حيث لافرق بينه وبين مخيلته أو يده، وهو الذي أكد أن لا حافة للإبداع او قمة تستكمل بعدها التجربة فضولها للاكتشاف ..

100  احمد الصوفي 1بل تنتهي تجربة الفنان بانتهاء حياته والتجربة لا تكتمل بل هي في نضج متوالي، فالمنجز الإبداعي عنده عمل فردي يتطور باستمرار، يحملك عبر منعرجاته الى مناطق خطرة، ممسوسا بالتوهج على جغرافية اللوحة حيث يتلامح البعد الثالث المتعلق بالعمق كقيمة جمالية مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر -اغلب لوحاته المنفلتة من الإطارات على شكل رسالة مبطنة بان السيل الذي يسكنه لاتحده الحواجز يعتمد التجريب منهجا للابداع، واللوحة لديه تحمل مستويات عدة، وكأنها أنجزت على مراحل بالرغم من وحدة التشكيل واللون والفكرة، ينقل محتويات مخيلته على السطح الأملس للعمل فيعج الفراغ بالسكينة كما بالفكرة، على اعتبار أن الفن هو انعكاس لروح الفرد والمجتمع، ربما لهذا السبب بالتحديد كانت التعبيرية التصويرية-النزقة- هي الأقرب اليه منهجا ضمن تناغمها العميق.. واختزالاتها التي تمنح مساحة مناسبة للانفلات من قيود الوعي ليقدم لنا هذا الاستبصار الجمالي الاستثنائي.

‏ الأبيض \ الأسود - نضج المقولات الداخلية

100  احمد الصوفي 7

عكس الكثيرين ممن اشتغل على تناقض الأبيض \اسود كان الصوفي متفائلا بأسوده الدال على الطمأنينة، والسكينة، والدعة -تزامنا مع أسئلة عديدة تطرح عن تحولات العصر، يميل إلى تقطيع لوحته إلى مقاطع عرضية وطولية متوازية في اللون، وذات انسجام ممتع في تدرجاتها النغمية والتشكيلية...حيث يمكن ان نطلق عليها" نضج المقولات الداخلية"، والتأمل ..قد لايهتم الصوفي بمدى قدرتنا على فهم/ وعي، الارهاص الفني لان اللوحة عنده فضاء للتجلي ولا تخفى النزعة التجربية، إن على مستوى اللون، أو على مستوى الموضوع، وهو غير منشغل بالتبسيط والحياد أبدا بل فارس نور أدواته الضوء واللون، الأسود لديه بوابة زمنية لاجتياز التداخل بالعماء المطلق، والأبيض انعكاس لجميع الألوان، تشف تشكيلاته عن كتل أجساد متداخلة، متحدة بقلق وترقب، كأنما هي رؤية للعالم المتفتت، قوامها التشتت حول الفكرة الواحدة،.. هذا التوظيف الفني المتفرد لمساقط الضوء والظل الذي تجاوز التركيبة الأحادية لكليهما ليصبح أكثر تمثيلا، وأوسع أداء لمعنى التشكيل الجمالي – الدلالي، .. عن تجربته والحرب، (يقول لازال لدينا سنوات طويلة لنتمكن من رؤية الحرب بمنظور آخر وعقل أكثر كثافة وأقل تشنجاً.) تلك بعض آيات اللوحة عند الصوفي، لوحة تقرأ الحياة، لوحة ترسم الحياة.وانعكاسات الضوء والظل بما يحمله الواقع من هذه الحديّة، يفكك المشهد ويعيد صياغة الأشياء واقتناص الأثر الإنساني من خلال التكوين البصري كتكثيف الحياة ..

100  احمد الصوفي 2

الايقاع اللوني وتدرجاته

لم تتوقف ألوانه عن نقل الحدث او التهويم ليخط هرموني اللون الداخلي ومكنوناته، أسهم في هذا التأثير الحضور اللوني اللافت لدرجات الترابي المائل للأحمر في درجاته الأكثر مكرا وشفافية، ودفئا، مع تجاوره اللوني بالرمادي في لا مركزيته مما منح الأصفر مزيدا من الانتشار ممثلا بالبعد الاقصى للتكوين ومفسحا المجال لتناغم منتظم ببعد فلسفي فكري.، وبالبحث والاكتشاف الدائم على صعيد الأسلوب والتقنيات، .مستشرقا عبر اللوحة عوالما قيد الانجاز في عصر ينحدر بسرعة نحو التغول والتوحش.

100  احمد الصوفي 4

بطاقات الوجوه المحو والتجسيد

من الملاحظ عند الصوفي حين يرسم الوجوه المجردة وهي المرآة الحقيقية لما يحمله الإنسان من وعي وثقافة وحزن وفرح وأمل، الاهتمام بالتفاصيل والتقسيم لشرائح كل جزء يحكي تاريخا مرسوما بدقة عبر التقاطيع، ومن الملاحظ أيضا غياب الملامح حين يريد رسم الجسد كاملا وكأنما لا ضرورة للملامح فحركة الجسد هي الأصل وهي المعبر العميق لكافة التفاصيل، من أدق خطوط انكساراته حتى انضج تكوراته المغوية، يعرض وجوه، هي في الغالب لرجال ونساء، بدون ملامح في إسقاط عن مرحلة محددة، تضع ذواتنا بمواجهة محو معلن، في تحريض الدلالات وإثار الأسئلة، ليعيد طرحها وجوه أبطاله وكأنهم من قلق يغسله الدمع كل صباح.

100  احمد الصوفي 3

الزمكنة والتأمل كحامل جمالي

يحرر المشهد من أسر الظرف الزماني والمكاني.. في تجاوز للإرادة نحو التأمل.ولان أن الفنان هو أحد أهم عناصر الحالة الجمالية، لإعادة صياغة العناصر برؤية جديدة مبتكرة.. يبدأ من رغبته بإنكار اليقين، وبحثنا عبر المحتمل. ليقود اللحظات المنبثقة من هيكل الهيئة إلى حضور بصري، مستخدما تقنيات الاكرليك والألوان الزيتية والكولاج ناقلا أرواح شخوصه ضمن عوالمها الداخلية وتفصيلات انفعالاتها عبر الإيحاء وهو بذلك يشير أن لا تركنوا للمشهد ولا للشخوص فهي تتغير بسرعة مرعبة، . معلنا أن لا إيديولوجية لديه تسيطر على آلية الفن، عند تجليات وتعبيرات، التشكيل وما يعايشه والفنان، في وجوده، وتجاربه الانفعالية، كاختبار فردي نقوم على تبينه في إنتاجه بوصفه تجربة، نعتمدها وفق منطلق التلقي المستقى تحديدًا من فكرة التذوق، من جهة، ومن الجمالية الحديثة، بمفهوم التجربة في الفن من جهة تالية، لنؤكد أن الفنان - الصوفي ابتعد كثيرًا عن التشخيص، ولم تعد عنده اللوحة إظهارًا للمرئي، بل باتت مقطع رؤيوي يجمعه بما هو خارجه، كبيان تأملي هو وجهة نظره في وصف العالم، باعتباره واصف حيادي للعلاقة التي تنشأ بين الجزء والكل، . ما يجعل من التجربة والتجريب فعلًا جماليًّا وفرديًّا بمعنى ما بوصفه ممارسة وتعبيرًا ومنتهى وفق ما يصل إلينا، عبر تذوقنا، لا وفق شهادة صنعٍ مسبوقة.

100  احمد الصوفي 5

المراة \ جماليات التكوين والرمز

هي معادلا موضوعيا لتحقيق التوازن، والجسد الأنثوي يحتل حضورا فارقا في اللوحة، وفي حرارة الألوان وتجانسها المشبع بالرمزية الخالصة ليتدخل وعي الفنان بكسر الرتم وتبسيط الخطوط، التي حفلت بالخيال مع أنوثة طاغية مستلهمة من المرأة الخلق، والزمن الفقد، والتكوين بالفضاء التالي، حيث استمرار التوالد والتخليق وتوغله في الفنون البصرية منتقلا للتجريد كحامل لوني في مساحته المضاءة والمعتمة أيضا، وصولا إلى المناخات المستعصية في براعتها وسهلة القراءة في رسالتها التشكيلية. ليس سعيا للاختلاف، بل وصولاً إلى بلورة المعاني العميقة، في تشابك يزداد نضجاً مع تنامي التجربة.

استقلالية التحفيز والذاتية

بين الانشغال بالهمّ العام والشخصي والعمل على الخلاص منه، .كل ما لديه عبر اللوحة يشدك نحو غواية الغرق، اللوحة لا تدعوك بل تحفز المخيلة للنزول الى دوامات اللون، امعانا في التحريضٍ على المزيد من الايغال والافتتان. انكسارات، منحنيات تكعيبات تداخلات طولانية وعرضانية للون تماهي، وتصدع، تراكيب، تهاويم. كلها هوامش تالية لفكرته -الفنان إما أن يكون فنانا، أو لا شيئا على الإطلاق..وفى حالة كونه فنانا عليه أن يتحمل كل شيئ.. فتجربته ذاتيه ومستقله ولا يمكن لأحد أو لقوه التدخل فيها -والفن لديه رؤيا جمالية وبدائل لفساد الروح، معتبرا أن المواجهة مع سطح اللوحة هي البحث عن نقاط الإرتكاز لكى يتصادى الإيقاع وتنفسح محدودية المكان. فى ملامسة لافحة الضوء.. تتجاوز وتتصالح فى هدوء .. وتصطخب فى أطوارها كائناته فلا تحدها قيود ولا حدود.. الأداء المراوغ والمشاكس .. يرسم بحب وشوق وتوق وعنفوان وتمرد وصخب والحركة الكامنة .. تجمع بين الصمت والسكون لكثافة العناصر وثقلها .. والتي تؤكدها الحركة الدائرية للضوء .

فى تحديد الشكل والكتلة ..

استلهم الفنان مفرداته من الخيال مرة ومن الواقع مرة أخرى، حيث لا مثيل لتلك التهويمات اللونية إلا في عالم خاص، يعمل على تجريد المشهد ثم بعد ذلك نلاحظ ان الخطوط تتناغم بموسيقى الإيقاع الداخلي.. وكثيرا ما تحيلك الرموز إلى معان مجتمعة أو متفرقة في سيطرة، على مجريات تدفق اللون عبر السطوح البيضاء. حيث الخوض فى تفاصيلها الدقيقة المتواصلة. يحيلنا إلى الخلق الأول بألوانه التربية متماهية العمق لتأتي اللوحات خالية من أي صخب تشكيلي، وذات منحى تصميمي يعتمد التقشف الانفعالي، مقابل ثراء شديد على المستوى الإسقاطي.. محققا بذلك نتائج وتأثيرات مختلفة تضافرت فوق مساحاته العناصر بالعفوية الخاصة، من هنا يصبح العمل هو كل المساحة باعتبار الفراغ المحيط جزء آخر من العمل أو عامل مكمل للشكل، حيث لا يمكن الاكتفاء بالمساحة الملونة المحدودة ب ومحتواها بل المساحة الكلية.. إذ يعد الفراغ المحيط بلون السطح أحد عناصر التشكيل والتلقى على حد سواء.. هذا الاختبار الصعب، وإن يبدو بديهيًّا للغاية فهو شائكًا وجدا، حتى لا أقول إشكاليًّا’متعدد الشواغل والتجليات..لان عمق التجربة وتأصيلها مرتبط ارتباط كلي بحجم الجهد والإصرار وتكثيف الحوار الداخلي، وصولا إلى منطقة الصدع او الانجراف ومن بعدها التسامي والشغف، وهو باختصار التصالح مع موضوع اللوحة ليؤكد أن الفن بالإجمال هو سابق للحدث ويتقدمه بخطوة او خطوات، هذا اذا ما آخذنا بعين الاعتبار أن الفن يستشرف الواقع وينبئ بالمتغيرات.

100  احمد الصوفي 6

التجربة جماليّا من دون تبني مقولاتها، الإيقاع اللوني والشكل

الهرموني اللوني والشكل هو السمة الغالبة على أعمال احمد الصوفي في التشكيل الذي اعتاده وتألق به كحالة توهج تسكنه، وتلح عليه وسائط أخرى لإنتاجً بصري، مشغول بجزيئات اللون وتفاعله، يخلق أشكاله بتلقائية ويملك قرار تشظيه على سطح العمل ضمن تجسيد متعة النقل من الذاكرة، وتجلي كثافته وعمقه حسب رغبة تكوينات اللون بوصفها مولدًا حيويا، لتجربة داخلية، تتيح، جمالية لتشكلات مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر، بما فيها الفن العربي الجديد نفسه، وهي اكثر فاعلية في تحقيق ما يصبوا إليه من من منجز زيتي على سطوح الفنان أحمد الصوفي بحيث يعمل على أنسنة المنجز البصري في هذا الحقل الجمالي المهم، والذي يُسهم في صياغة الرأي الفني وبناء التفكير البصري. كموضوع على قدر كبير من الجمالية. وقد نالت أعمال أحمد الصوفي اهتمام دولي على هذا الصعيد ما دفع الخارجية الروسية إلى اقتناء إحدى لوحاته، كما تتربع لوحة أخرى للفنان في القصر الجمهوري اللبناني.

وجهة نظر تجاه الحياة والفن

الفن التشكيلي هو وحدة الفنون العضوية والمتابع لتجربة الصوفي سيلاحظ مدى التنامي بالعمل من بدايته التى تجردت من الصنعة والافتعال إلى اليوم حيث غدت عبر امتدادها أكثر تبسيطا وقوة ودلالة وفهما لآليات التكوين واللون فى محاولة جديدة منه لتحقيق خصوصيته ضمن عناصره التى اختارها، وتوظيفها بطرائق مختلفة، ويشدد الفنان التشكيلي أحمد الصوفي على حرية الفن قائلاً أنا مع الحرية في الفن، والتي من خلالها يطرح الفنان أفكاره المدنية العلمانية بعيداً عن الاصطفافات ذات الطابع الفئوي أو الحزبي أو السياسي ).والفنان بنظر الصوفي يعمل لأجل الإنسان بكل ألوانه واختلافاته الفكرية والبيئية ويعالجها بأسلوبه.

بطاقة تعريف

الفنان التشكيلي أحمد الصوفي مواليد 1969الجنسية: سوري \خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق \1999\ قسم الرسم والتصوير الزيتي \عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا

المعارض الفردية: المركز الثقافي العربي في إدلب 2010\ غاليري النهر الخالد في حمص 2010 \ في غاليري زمان في بيروت 2008 \ في صالة الفنون الجميلة بحمص أعوام 2003- 2004-2007 \في صالة نقابة الفنون الجميلة في اللاذ قيه عام 2004

المعارض الجماعية: معرض خريجي كلية الفنون الجميلة عام 1999 \ معرض خيري دير الآباء اليسوعيين في حمص 1999 - 2009 \معرض الخريف في نقابة الفنون ي حمص منذ عام 2000 حتى 2007 \ معرض في برج السباع الأثري في طرابلس لبنان 2000 \ معرض الفنانين التشكيليين في سوريا من عام 2001 حتى 2007 \معرض الشباب في سوريا أعوام 2002- 2003 \ معرض الربيع 2002 حتى 2007 \ معرض في غاليري زوايا أعوام 2003 - 2004 \معرض في وارسو مع مجموعة فنانين بولونيين عام 2019\ ملتقى أهدن في لبنان عام 2004 \ فناني من حمص النهر الخالد في حمص 2009 \اللوحة الصغيرة نقابة الفنون حمص 2009 \ملتقى الفن العالمي في اليونان (باترا) \ملتقى الواسطي الدولي للفنون في العراق

 

سمر محفوض – سورية

شاعرة وناقدة

 

 

علي حيدر الحساني الخطّ العربيّ نور أضاء في هذا الوجود وأشرق في هذا الكون فهو الممثّل لكل لوازم الإنسانية والمعبّر عن مشاعرها والممثّل لمعانيها والمسدّد لتعبيراتها والمؤكد لحقوقها والموضّح لمرادها أينما ظهر بهر وأينما زُرع أثمر، فكان زرعه في بلاد العرب التي تلقت الكتابة وهم على حالة من البداوة فالعرب أمة غير كاتبة ضاع تراثها ولولا الشّعر سهل الحفظ لم تبق لهم باقية، حتى شاعت عبارة (كل علم ليس في القرطاس ضاع).

ولم يكن لدى أمة العرب من أسباب الاستقرار ما يدعو إلى الابتكار في فنّ الخطّ الذي وصل إليهم، ولم يبلغ الخطّ عندهم مبلغ الفنّ إلاّ عندما أصبحت للعرب دولة تعدّدت فيها مراكز الثقافة، ونافست هذه المراكز بعضها بعضاً على نحو ما حدث في الكوفة والبصرة وبغداد والشام ومصر فاتجه الفنان نحو الخطّ يحسّنه ويجوّده ويبتكر أنواعاً جديدة منه، حتى أصبح فنّ الخطّ العربيّ فناً إبداعياً لم ينل عند أمةٍ من الأمم أو في حضارة من الحضارات ما ناله عند العرب والمسلمين .

 ماهي العوامل التي ساهمت في تطوُّر فنِّ الخط العربي وازدهاره وانتشاره؟

هذا سؤال طرحته في الفضاء الألكتروني (فيس بوك) لأصدقاء الصفحة وجلّهم من المتخصصين والمتذوقين والمهتمين بفنون الخطّ العربيّ فكانت الأجوبة التالية:

 يرى الخطاط المغربي والحروفي الأستاذ محمد نبيل الرقيبي أنّ "الحب والثقة" هما من ساهما في تطوّر فنّ الخطّ العربيّ .

في حين يرى الخطّاط والمهندس العراقي محمد الزكي :الإتقان اللامتناهي وتعدد المدارس هي من ساهمت في تطوّر فن الخطّ العربيّ .

وكان للناقد الفني الفنان التشكيلي الأديب محمد لقمان الخواجه رأي وإضافة متنوعة حيث كتب :

الاهتمام الزخرفي جاء بديل عن الاهتمام بذوات الأرواح في الفن الإسلامي وبما أنّ الزّخرفة واحدة من مزّوقات الخطّ العربيّ، فشمل التطوّر الخطّ ومذاهبه المدرسية التي ظهرت بعد الخط الكوفي غير المنقط فالحاجة بدأت مع النسخ والكتابة التي هي بمثابة الطباعة .

تطوّر فن صناعة الكتاب في القرن السابع الهجري مع مدرسة بغداد للتصوير على يد الواسطي الذي صوّر مقامات الحريري وهي مرحلة نضج للخطّ، وكانت حاجة كتابة الدّواوين الحكومية ليتناسب مثلاً معها الخطً الديواني .

ابن مقلة وضع مقاسات لخطّ الثلث مثلاً وتصرّف بضوابط خطوط أخرى وأدخل معها قواعد الخط الكوفي، ابن البواب الآخر دوّن ضوابط للأنواع من الخطّ العربيّ .

وتابع الخواجه: في الكتب تطوّر فنّ الخطّ منذ عصر التّدوين في القرن الثاني الهجري وتطوّرت معه المنمنمات وفن التجليد وصناعة الكتاب كما اقترن هذا التطوّر بظهور المذاهب منها المعتزلة، وتدوين كتب الجاحظ بنفس القرن وهو معتزلي، حتى ظهور الحركات وضبط النحو ظهرت كتب خاصّة بالخطّ العربيّ وأوزانه وكتّابه وماشقيه، كما دوّن القرآن الكريم كأول ضابط للحركات ودراسة القراءآت السبع، مشكلة جمع القرآن الكريم ظهرت بعد حروب الرّدة الحرب مع مسيلمة، حيث قتل الكثير من حفظة القرآن الكريم الّذي كان بالمشافهة فقرّر عثمان بن عفان الخليفة بجمعه وتدوينه وتوحيده بلهجة قريش خارج عنعنة وظئظئة وتاتئة القبائل وحفظ قراءآته الصحيحة التي رضا عنها النبي الكريم .

واستدرك الخواجه قائلاً : التطوّر الآخر في الاختلاط فمثلاً في بلاد فارس اكتسب الخطّ العربيّ ثلاثة خطوط والرابع حديث معاصر، التعليق أو الفارسي

النسخ تعليق وخط الشكسته، كما أخذ من الأتراك في الفترة العثمانية الطرّة أو الخطّ الطغرائي، أما الفارسي المعاصر فأقصد الخط المعلى.

ثمّ أخذت التّسميات المحليّة تتفرع في الخطّ الكوفيّ المنقوط، الكوفي المغربي، الغرناطي، الكوفي المظفور وووووو .

وكتب الخطاط مهند فاضل أستاذ الخط العربي في معهد الفنون الجميلة للبنين فرع النّجف الأشرف :

قد حظي الخطُّ العربيّ بعد نزول القرآن بعنايةٍ خاصَّةٍ جعلت فنَّاني الخطِّ العربي يتعاملون مع هذا الفنِّ معاملة الاحترام والتقديس، بل واعتبروا تدوين القرآن الكريم «ترتيلًا صامتًا» له، ممَّا ساهم في حرصهم على ظهور الخطِّ في أبهى صورةٍ وأجمل شكلٍ، وساهم في إخلاصهم للتطوير والابتكار والإبداع في شكل الحرف العربي كما ساهم توسُّع المسلمين في فتح البلدان خارج شبه الجزيرة العربية في انتشار الإسلام وبالتالي اللغة العربية بشِقَّيْها المنطوق والمكتوب، وكان لتمدُّد الحضارة الإسلامية من أقصى الشرق (الصين) مرورًا بالهند وبلاد جنوب شرق آسيا والعراق والشام وتركيا ومصر وشمال أفريقيا وبعض الدول الأفريقية والأوروبِّية وصولاً إلى أقصى الغرب (الأندلس) أثرٌ بالغٌ في تطوُّر فنِّ الخطِّ العربي وازدهاره، كما ساعد وجود حضاراتٍ قديمةٍ في تلك البقاع المفتوحة كحضارة بابل وآشور وسومر في العراق، والحضارة المصرية القديمة في مصر، وحضارة الهند القديمة؛ في وجود ذخيرةٍ ثقافيةٍ وبشريةٍ هائلةٍ ومُتنوِّعةٍ، ممَّا ساعد على ابتكار أشكالٍ جديدةٍ ومُتنوِّعةٍ للحرف العربي أدَّت إلى ظهور أنواعٍ جديدةٍ، منها ما هو بأسماء المدن والبلاد التي نشأت بها، كالخطِّ الفارسي (نسبةً إلى بلاد فارس)، والخطِّ الأندلسي (نسبةً إلى الأندلس)، أو سُمِّيت بأسماء البلاد التي انتشرت بها، كالخطِّ الكوفي (نسبةً إلى مدينة الكوفة بالعراق)،حتى اصبح الخط العربي ايقونة المسلمين .

في حين اكتفى الفنان التشكيلي الدكتور لبيد مالك بالسؤال:

الخطّ العربيّ ما يتطور، كيف يتطوّر مثلاً ؟

وكان للمفكّر الإسلامي المعروف الشيخ غالب الناصر رأي في ذلك حيث كتب : تطوّر الخطّ في العواصم الإسلامية مثل بغداد قديماً ثم اسطنبول اخيراً، في زمن ما قبل انتشار الطباعة الآلية أي بسبب غياب المطبعة، كانت جميع الكتب الرسمية للدّولة ورسائل الخلفاء والسّلاطين والسّجلات تحرّر بخطّ واضح وبشكل أنيق، ومن ثم كانت تصرف رواتب ضخمة للكتّاب بمعنى كان يوجد قطّاع اقتصادي للخطّ وصناعة الكتابة وهذه العناية أسّست للخطّ الأنيق وللفنون في مجال تجويد الحرف ورسم الكلمات، وكذلك تقدم فن الزخارف الرائعة المرتبطة بالخطّ، ازدهار هذه الصناعة هو من أسهم في تطوير الخط العربي .

فنان الكاريكاتير الشهير الأستاذ علي المندلاوي اكتفى بنشر تعليق عبارة عن لوحة كاريكاتيرية رسم فيها الخطّاط والحروفي العالمي الأستاذ حسن المسعودي كنموذج ساهم في نشر فن الخط عالمياً .

في حين كتب الأستاذ الباحث والفنّان حامد رويد:

حسب علمي المتواضع، لتحريم الرسم والنحت فجاء الخطّ والزّخرفة والعمارة عوضاً عنهما، والأمر الآخر أنّ الغالبية العظمى منه كانت ولا زالت تخطّ لغة القرآن، وأخيراً وليس آخراً طبيعة الحرف العربيّ جعله مطواع للخط .

ويرى الأستاذ هادي كاصوص الخطّاط والفنّان الحروفي السوري :

الخطّ العربيّ لم يتطوّر من ٢٠٠ سنة هناك خطاط وحيد عمل تطويرعلى الخطّ وهو منير الشعراني، والحروفية نقلت الخطّ العربيّ الى التشكيل الفني نقلة جميلة لكن هناك استياء كبير من الخطاطين الكلاسيكيين لعدم ضبط ميزان الحرف مع العلم في رواج واسع له في كل مناطق العالم .

ويشير الكاتب والفنان علي الدليمي مدير المتحف الوطني للفن الحديث في وزارة الثّقافة العراقية أنّ : الخطّ العربيّ قاعدة ثابتة منذ أيام ابن مقلة وحتى يومنا هذا، ولكنّه (تجوّد) وليس تطوّر على يد فطاحل الخطّ العربي كل على أسلوبه .. وأنواع الخطوط المعروفة ثابتة أيضاً .. أما ما ظهرت بعد هذه الخطوط المعروفة من تنوع وأشكال خطوط فيها اجتهادات لخطاطين ليس لها تأثير على الخطوط السابقة المعروفة، فلكل نوع من الخطوط له مكانته وأصوله وجماليته.

وكتب الخطّاط علاء مهدي أستاذ فنّ الخطّ العربيّ في معهد الفنون الجميلة للبنين فرع واسط :

لا يخفى على الخطاطين أنّ الاهتمام التركي بالخطّ العربيّ وخاصّة رعاية ودعم الدولة آنذاك ومنزلة ومكانة الخطاط حينها كانت أحد أسباب تطوّر الخطّ حيث لم يشهد الخطّ العربيّ على مدى تاريخه اهتماما جديا كما في هذا الوقت.. هذا اولا كان الجانب المادي والمعنوي.

الثاني الجانب الروحي ان الذوبان الروحي مع القران والقدسية ايضا كان له اثره المباشر في تحفيز الخطاط على الابداع والتجويد في كتاباته.

ثالثا في عصرنا الحديث للتكنولوجيا اثرها وخاصة النت بحيث صار الخطاط يطلع على الاف اللوحات للخطاطين المشهورين والتي لم يكن يستطيع الحصول عليها بسهولة. وافلام الفيديو للخطاطين في تعلم الخط ايضا اختصر الزمن والمكان على الخطاط في تحصيل المعلومة .

ويشير الأستاذ ماهر حميد المهندس المعمار والباحث الآثاري السوري: أعتقد انّ عوامل كتيرة منها، خروجه من جزيرة العرب الى منطقة بها خليط من الثقافات و الفنون، و منها تحريم الرسم الذي جعل الموهوبين يصبّون موهبتهم بالخطّ، ومنها انّه أصبح صنعة، والصنعة تجعل الصانع يعمل بجد للتفوق على منافسيه .

في حين يرى خبير التّراث المعمار الأستاذ الدكتور علي ثويني: ورائها السوق ونشاط الورّاقين المحموم لسد الحاجة لشعب تصاعد أداءه الفكري وأصبح إقتناء الكتب ديدن وتنافس، حتى أنّ بعض الورّاقين والخطّاطين ورسّامي المنمنمات أصبحوا دالّة معرفية مثل ياقوت الحموي وأبو حيان التوحيدي ويحيى الواسطي وغيرهم . قرأنا (نقلها هادي العلوي) بأنّ الكتاب الذي يخطّ بسوق الورّاقين ببغداد كان يباع بعد شهر في قرطبة بأعلى الأثمان، وهذه الحركة في الجدوى والمردود صاعدت نوع الأداء، فأمست حرفة وبعد الحرفة تأتي المهارة والدقة والضبط ووضع القواعد. هكذا هي سنن الإنسان في الارتقاء من الوظيفية المحضة للجمال الأدائي المتسامي .

وكتب الخطاط الباحث الأستاذ رسول الزركاني رئيس جمعية الخطّاطين العراقيين فرع بابل:

 ينبغي أن نميّز بين تطوّر الخط وتحوله ..الخلط بين المفردتين يقودنا الى انّ الخطّ جامد لا يتطوّر . وهذا خطأ، الخطّ لا يتحول لكن يتطوّر . التحول تغيير جذري قد لا يمت للأصل بصلة أما التطوّر فهو بخطوات متسلسلة مترابطة يعتمد اللاحق منها على ما سبق ويكون بطيء بالعادة . لقد ارتكز تطوّر الخطّ قديماً على ثلاثة عوامل رئيسية أولها الحاجة الوظيفية قبل اكتشاف الآلة الطابعة، والتي جعلت من الخطّ الوسيلة الوحيدة لنقل وتوثيق العلوم من خلال نسخ الكتب باليد ومنها كتاب القرآن الذي له من القدسية ما يجعله في مقدمة الكتب حيث دفعت قدسيته الخطاطين لتجويد فنون الخط والتذهيب والتجليد وكل ما يتعلق بها .العامل الثاني اهتمام الدّولة بشريحة الخطّاطين وإيلائهم المناصب المهمة والأدوار الرئيسة في المؤسسات الحكومية في بغداد واسطنبول .العامل الثالث الحرص على تقديم الفاضل على المفضول فمكانة الخطاط وصفته وما يتقاضاه مرهون بتجويده، ما دفع الخطاطين للتجويد والاعتكاف على تقديم الافضل، وهناك عوامل أخرى أقل أهميّة ساهمت بتطوّر الخطّ العربيّ .

ويرى الباحث اليمني وسفير التّراث الأستاذ عبدالغني الابارة:

بلا شك أنّ هناك عدة أسباب أدّت الى تطوّر وتنوع الخطّ العربيّ وازدهاره ومن أهم الأسباب نزول القرآن باللّغة العربيّة دفع الفنان المسلم بالاعتناء بالحرف والكتابة العربيّة قبل أن تصبح فنّ الكتابة أو الخطّ العربيّ بعد أن صار لها قواعد وأسس ولا تكتب بصورة دارجة أضف الى ذلك تطوّر الحياة في المجتمعات تطلب حدوث تدخل حس الفنّان المسلم الّذي أضاف بحسه الفنيّ العالي بعض الإضافات والتعديلات وأصبحت الكتابة العربية تتمتع بروح الجمال بعد أن كانت حروف يابسة خالية من الجمال والانسياب العذب وهناك سبب آخر يتعلق بتحريم الرسم مما دفع الهواة للرسم بتوظيف طاقاتهم الإبداعية لصقل الحرف العربيّ حتى خرجت الحروف العربيّة بحلّتها البهيّة تنافس كل كتابات العالم بل إنّ الحرف العربيّ أصبح ملهماً للفنانين التشكيليين في أوروبا وأمريكا وعنصر أساسي في لوحاتهم التي تعرض في أرقى المعارض الفنية التي تقام هناك .

ويشير الباحث الخطّاط الأستاذ حسين الحلو مدير شعبة الخطّ العربي في أمانة مسجد الكوفة:

نعم حدثت تطوّرات على فنّ الخطّ العربيّ في كثير من الأزمنة وعبر تواريخ بعيدة الحين والآخر، نعم تحدث تطوّرات ومن خلال تعديلات تجري تدريجياً في ظهور أساليب تختلف نوعاً ما عن سابقاتها يقوم بها الخطاطون وأكيد هنالك رؤى وأفكار منثرة لمعرفة الأسباب، ولاشك انّ من هذه الأسباب هو الحداثة التي تتجدد والتطوير المستمر وبقية الآراء أكيداً تندثر معهم وكما تم إعادة النظر فيها من خلال طرحها كنوع من انواع الخط العربي المطلوب في المسابقات الخطية التي أقيمت في السنوات القريبة الماضية كأن تكون في أرسيكا تركيا أو الإمارات والخليج بصورة عامّة وفي الكوفة مسابقة السفير لفنّ الخطّ العربيّ وغيرها وكلّها لها تأثير على تطوّر فنّ الخطّ العربيّ وهذا السياق يعتبر المفصل أو المحور الرئيسي الذي يتبعه الخطاطون في تناقلهم في التحديث الذي يطرأ علي أي نوع من أنواع الخطّ ليسهم في تطوّره ويقود الحراك الفني في أي زمن أو وقت وبقية المعلومات قد تطرق لها الاخوة الاساتذة مشكورين طبعاً أوافقهم الرأي في كثير ممّا طرح في التعليقات السابقة .

في حين يشير خبير المخطوطات العراقيّ الأستاذ صلاح الخاقانيّ:

الخط بدأ بالمدني ثم المكي والبصري والأنباري والكوفي ليأخذ الكوفي مجال واسع من الانتشار والتطوّر من المشرق إلى المغرب ليضع كل بلد سمته عليه فظهرت خطوط جديدة لها قواعدها حسب متطلبات الحياة السياسية والاجتماعية والثّقافية للدّولة فأصبح لكتابة المصاحف خطوط معينة ولتدوين العلوم خطوط ولكتابة الدّواوين وللمراسلات أيضاً، لتستقر خطوط وتندثر أخرى فالتي ثبتت جرت عليها تحسين وتهذيب ولهذا أصبحت فترتين فترة استحداث واندثار خطوط وفترة تحسين.

ويشير الخطاط والأديب الأستاذ ذوالفقار سبتي الى أنّ دعم السلاطين العثمانيين أدّى الى ازدهار الخطّ العربيّ .

ويرى الباحث في شؤون الخط العربي وجمالياته الأستاذ محمد كاظم : بصراحة سؤال عميق ومتشعب ولا يمكن إيجازه في سطور، كالواقف على بحر محاولاً رؤية امتداده وعمقه وإحصاءه. كذلك تطوّر الخطّ العربيّ له جذوره الموغلة في القدم تجلّت بمراحل لكل مرحلة سماتها وظروفها وعواملها، فهنالك عوامل ثقافيّة وعوامل مكانيّة وعوامل مجتمعيّة وعوامل إعتبارية وعوامل حضارية لكل منها شرحها وتوضيحها قد لاتسع سطورنا إحتواء موضوعاتها، لنا بحث مستقبلي عن ذلك بإذن الله . والأهم في هذه العوامل هو تطوّر ذائقة الخطّاط والجمهور المهتم بفن الخط العربيّ، حيث يسعى الخطّاط لكسر رتابة المألوف وينشد المتسامي المضاهي للكمال، مستعيناً بتجارب الأقدمين وما تمليه ملكته الفنيّة وذائقته الخلّاقة، ولا يمكن أن ننسى التحول الكبير في الخطً العربيّ على يد عمالقة الخطّاطين العثمانيين كـ حمد الله الأماسي والحافظ عثمان وراقم ومصطفى عزت ونظيف وسامي وحامد رحمهم الله، لا سيما وارتباط الحرف المخطوط بالمقدس من القرآن الكريم. إضافة الى عوامل الانفتاح وتداخل الفنون الأخرى وتزاوجها وتمازجها مع الخط العربي ليكون بانوراما بصرية مبهرة بنظمها وإخراجها.

 

عليّ حيدر الحسّاني

 

سامي عبد العالتعدُّ لوحة "موت سقراط" للرسام الفرنسي جاك لويس دافيد 1Jacques David  توثيقاً لهذه الحادثة بصيغة فلسفية فنيَّة متأخرة. تترك الألوان والشخوص تقول تشكيلياً ماذا جرى. ليس يجدي التذكر ولا اعادة القراءة حول تناول فيلسوف اليونان لجرعات السُم، لأن الكلام الصامت، جدل العلامات، الحوار الآسر بالألوان، هي أشياء تحكي(همساً وصراخاً) كما لو لم تحكِ لوحةٌ فنيةٌ من قبل.

ذلك أنَّ الفنَّ لا يَقُول شيئاً عن الواقعَ كما هو ولن يفعل. كذلك لن يترك أيَّ توقِيْع طارئ emergent signature بالألوان دون أساسٍ. لأنَّ أثر الفن( كتقنيةٍtechné  ) ليس وسيلةً لتمثيل معطى خارجيٍّ ولا عملاً مكرّراً، لكنه يبرز دلالة الوجود الإنساني كتجلٍّ لماهيةٍ تأخذ صورها باستثناءٍ خاصٍ، حيث يتَّوحد الفني- التقني بما هو جوهري في حيواتنا الإنسانية. ورغم تنوع الحياة إلا أن ثمة علاقة مشتركة ما كنوع من الأصالةِ، إذن الوحدة بالنسبة إليهما(الفني والتقني) ليست اتحاداً، بل" اختلافاً إبداعياً "creative difference عبر فضاءٍ أرحب اسمُه الحياة. وبالتالي فإنَّ تجربة الفن هي اختلافٌ" في in " وليست اختلافاً " على  on".

فلربما تُؤكد هويةُ الموت بالفن لونَّاً من الحياة، أي تكشف الحقيقةَ بأكثر أشكالها غرابةً وخفاءً. من زاويةٍ كهذه لا يَحْضُر الفنيartistic  عرَّضاً، لكنه يكَّثِف فائض الحياة عندما يجسدُها بأبسط المشاهد. حينئذ لم تعد ثمة قفزةٌ في فراغ، لأنَّ اللوحة الفنية مكتفيةٌ بذاتها الثرية حدَّ الثمالة. هي العالم، هي الإحساس كرغبة جامحة في صياغة الأشياء، هي الأسطورة المنحدرة كصخرةٍ تجاه ما يقابلها. إنَّ اللوحة تبرز احساساً بما يتفلت من قبضة لحظتها الحاضرة. كلُّ لوحةٍ في الأفق تتشكل بطريقة المفارقة: سابقةٌ على أوانها منذ أزمنة سحيقةٍ وبالوقت ذاته آتيةٌ متأخرةً عن موعدها لدرجة المستقبل!!

وحتى فعل التعبير، إذا نُسِبَ إلى الفن لا يجري بمقاييس اللغة، ولا بضروب التشابه اللفظي. فالفنَّ يستحضر أصالةً المعاني بإدماج الجانب الإنساني بالزمن. وإنْ أراد الفنان إخفاءَ مشاعره وراء لمساته اللونية، لن يستطيع مغافلة ريشته، مثلما لا تغفل اللوحةَ أبعاداً ممتدةً سلفاً في حركة التاريخ مع فضائها التعبيري.

1461 موت سقراط

نحن إذن أمام معضلةٍ فنيةٍ: ماذا تقول الصورة بكل مخزونها التشكيلي، رغم أنَّها لا تنطق؟ وكيف يكون الكلام مصورّاً كحفريات في أحد المعابد الفرعونية؟ هنا فإنَّ لوحة موت سقراط لدافيد أكثر من مجرد أطياف لونيةٍ على سطح مضيئ. هي " نص فلسفي" في كيفية رسم الحياة لا تجسيد لمشهد الموت فقط( موت سقراط). صحيح أنَّ تجرُع السم هو الجانب الرئيس فيها، لكن التفاصيل تصوغه بشكل مغايرٍ. المشهد لقطة متجددة لعلاقة عضوية بين الفيلسوف واختيار "نقطة نهايةٍ " لمسيرته إزاء المجتمع اليوناني. لقطة تطرح سؤالاً فلسفياً: كيف تكون جدِّة النهاية novelty of end داخل اللوحة وخارجها معاً؟ بأيَّة طريقةٍ ترسم جدل الحياة والموت إفرازاً لرؤى باقيةٍ لدينا حتى الآن( جدل المرئي واللامرئي بكلمات موريس ميرلوبونتي)2؟

المثيرُ للتأمل أنَّ ما لم يقُله سقراط سيقُوله جاك دافيد مضاعفاً، متنوعاً، بريشته الفنية، فصمت مشهد الموت كما يبدو من وجه اللوحة هو كلام. كلام فيما وراء الكلام، كلام يقول الكلام، أي كلام على كلام كانضغاط التاريخ في كبسولات من الزمن والرؤى والأحداث. لأولِّ وهلةٍ سيكون الحوار السقراطي صمتاً ناطقاً في زمن تالٍ(زمن اللوحة وزمن المتلقي) وبواسطة غير اليونانيين بحرفية الكلمةِ. لقد كانت فلسفةُ سقراط شفاهيةً كفيلسوفٍ جَوَّال بين الناس، لكنها جاءت كعلاماتٍ ورموز تشكيلية مُضمخةً بالهمْس الخارجي. نقوش لونية تقتضي فكَّ شفراتها لمن لم يشارك في قتله أو لمن سيشارك لا حقاً (باتخاذ موقف غير سقراطي). أي كيف يتمُّ إحياء سقراط مرة ثانيةً بهذا الوقت المتأخر من الراهن الفلسفي للبشرية؟

في قلب اللوحة المرئية لدافيد، يتجرَّع سقراط السُمَّ القاتل بالنسبة لنا الآن، بالنسبة لهؤلاء الأحياء. ذلك أننا نرى اللوحة حاملة لهذا المضمون ومازلنا نتلقاها من وقتٍ لآخر. فالموت السقراطي كأي موت لا يكتسب معانيه إلاّ داخل الكائن الحي مهما يكن زمنُه، بدءاً من تلامذة سقراط والمحيطين به وبالنسبة للشعب اليوناني وصولاً إلينا نحن. تاريخياً نحن الذين أعطيناه موتَّه وأصبح له كل الزخم وفقاً لرؤيتنا. ومن لحظاته الأخيرة بالحياة نحن الذين كتبنا سيرته بميتات قادمة وسردنا حكايته الفكرية لسنوات وجاء اسمها تاريخ الفلسفة (حوارات سقراط).

تفترض سرديات التفلسف اشتغالها على موت الفلاسفة وبقائهم، سيَّر نهايتهم وحياتهم. ومن ثمَّ سيكون لدينا المقدرة على إعطاء سقراط الحياة بالمثل. وسيكون له الزخم الفلسفي طالما يُشاهد عبر وسائط وبمرات لا تنتهي. لقد تجرَّع السمَّ ليعيش الآخرون في زمان آخر، في عصر آخر يقع الموت منهم موقعاً لتأويل الحياة. وهذا هو المعنى الكلاسيكي الجديد عبر تأكيده التاريخي داخل اللوحة الفنية.

وتبدو أصوات اللوحة مقفلةً تجاه من يشاهدها بطريقة قد لا تدرك أهمية المشهد. لكن تفاعل الأصوات والحوار وتداخل الإشارات والإيماءات يقولان أكثر مما نتوقع. وخاصة إذا ما اقتربنا أكثر مما يحدث بوصفنا مكان الشخوص بجوار سقراط، كأننا نرى المشهد بصيغة الجمع مع المشاركين فيه. كلُّ ما في الأمر أننا لا نسمع أصواتاً رغم شعورنا بها عن كثبٍ. بالطبع علينا أنْ ندخل اللوحة دخولنا لزمن مغاير، مراوغ، مخاتل إلاَّ أنه يمسنا في الصميم. ويحكي عنا ولا سيما لمن يشعر بقيمة الفكر حين يُحاصَّر ويُلاحَق وحين يكتب نهايته بنفسه باختلاف عصوره.

إنَّ التلقي جزءٌ لا يتجزأ من تكوين اللوحة، لأنَّها ابتداءً خيط من نسيج الحياة وحركتها التي تلامسنا. وسقراط لن يكون هو سقراط بمفرده منعزلاً، لكن بالطريقة ذاتها سيتعدد في مواقف تالية. ولن تجري دلالته هناك دون دلالته هنا، لأنَّه ترك ظلالاً في اللوحة والحياة والفكر. أصبح سقراط رمزاً لإمكانية القول والذهاب إلى حيث تريد الحياة دون ضجيج. ومن خلال المشهد، نرى الجوهر الإنساني مشبعاً بالتراجيديا الإنسانية إذا توافرت عناصرها ودلالتها. وربما تتحقق في أكثر من سياقٍ تاريخي حين نتابع ملاحقة المثقفين والكتَّاب وحرق كتبهم كما في الثقافة العربية والغربية على السواء. ليست حالتا حرق مؤلفات التوحيدي وابن رشد بأقل دلالة من حالتي حرق جسد جوردانو برونو وتمزيق جسد هيباتيا.

- اللوحة فعل حياة (شريحة حية) تعيش أمامنا.

- الأصوات تكاد تتناهى إلى أسماع من ينصت.

- ذاكرة المشهد أبعدُّ من لسان حاله.

- السياق الجديد للوحة يتكلَّم إلى من يتابع الحدث3.

- هناك تجاوز للحظة بوصفها في حكم النهاية المؤقتة إلى نهايات أخرى.

الحدث السقراطي حدثٌ استثنائيٌّ في تاريخ الإنسان المتفلسف، حين يمارس طقس الموت إزاء نفسه طائعاً بحسب اعتقاده. فهل الفلسفة تعلمنا اختياراً وجودياً نتحمل مسؤولياته طوال الوقت حتى لو مثل نهاية لنا؟ هل الفيلسوف يعطي مراناً على تقبل المصير ساعياً لجعله أفضل قبلما يحين موعده؟ وبخاصة أنَّ المصير قد يكون حياة إنسانية حرَّة وتطوراً إنسانياً مفتوحاً وليس تزلفاً لقوة تمسك زمام الأمور في المجتمع. بطريقة أخرى: كيف تلتقط الفلسفة الحياة طليقة من فم الموت المحدق بنا؟ هل التفلسف تأجيل خفي لنوع من الموت الهش إذا ما قُرن بانفتاح الحياة؟

سقراط في لوحة الموت يخاطب قدرات الحياة، يستنطقها عبر التفاصيل التي رسمها الفنان. الضوء والظلال والألوان والأشكال حروف حيَّة كتب بها جاك دافيد نصه التشكيلي.  حتى أن هناك سهراً تاريخياً ما ينقل المشهد من عصر إلى عصر. لقد كان الحوار والنقاش هما أبرز ما يميز فلسفة سقراط خلال محاورات أفلاطونية(على لسان أفلاطون) وما تناقله الآخرون كالسوفسطائيين. وها هو يحافظ على تيمة كهذه حتى أثناء مشهد موته4. يعلم أنَّ السُمَّ قريبٌ من فمه، ومع ذلك يأتي جسدُه المنتَّظر بمثابة مأدبة النقاش. مثل حركة الأصابع وعلامات الوجه وإيماءة الصدر وتوزيع الأعضاء والنظرات مع استقبال كل الواجهة .... جميعها تستعيد أجواء محاورات افلاطون خلال سياق مختلفٍ.

في غير موضع من مؤلفاته أبرز نيتشه كراهيته لسقراط واعتبره عدو الحياة الماكر بامتياز. لكن قال عنه أيضاً: إنَّه الذي لم يكتب حرفاً واحداً. وهذا صحيح، بينما الأصح أنَّ موتَّه يفتح عمل اللغة حتى بعد رحيله. لأنَّ حواراً حياً هو شكل من الكتابة الأثرية التي جاءت متأخرة. لقد فقدت حضورها الحي living presence بمصطلحات جاك دريداً. هي وثيقة فنية في كيان صور نصية باقية للقراءة. وجاءت لوحة موت سقراط لدافيد رسماً معبراً عن موت الحاضر الحي آنذاك، وتغدو حفرية تشكيلية تحت التنقيب البصري. دوماً عندما يأتي حال سكوت الفلسفة خلال عمل فني ما، تتجلى هناك الصورة التي تكتب أصداء ما تقول دون سيناريو فَاتَ أوانه.

إذن ضوء اللوحة الذي يمسح حوار سقراط وتلاميذته هو الأساس، ضوء الصورة المتخلل كحبر أثيري ينقش تفاعل الشخوص. حيث نقطة التماس مع النهار الذي يرسم الوجوه، ليبدو التباين كأنَّه كاميرا بالداخل توجِّه عيون المتابعين. فالضوء كوَّة تنفتِّح على مركز اللوحة، بينما سقراط قائم بمهابته رغم كونه في أضعف لحظات حياته الآفلة. والضوء يستدعي أثراً فرعونياً بكون الموت خروجاً إلى النهار. أي هو العتبة بين الظلام والنهار نحو الانعتاق، إنَّه الوسع الذي لا ضيق بعده.

والموت ليس ينقصه إلاَّ الضوء كي يتضح وضوح الحقيقة، إنْ لم يكُن نفسه هو ذروة الحقيقة. سقراط بمثابة التجسيد الحي والميت لها مع أنَّه في الحياة اتهم بالتجديف على الآلهة وإفساد عقول الشباب5. هل يكشف النهار زيف الآلهة؟ هل الآلهة تعيش في ظلام الحياة لدرجة أنَّها تبقى طي الكتمان؟ هل المطلوب ألاَّ يعِي الشباب بمصير الحياة و بالتالي فكل حوار هو تهديد بانكشافه؟

جسد اللوحة ينوِّه أنَّ الضوء ليس زائراً طارئاً، لكنه تشكيل فني مقصود. لأنَّ حادثة الإعدام تتم فيما يبدو داخل مكان مغلق، ربما هو السجن أو موقع مخفي عن الأنظار على الأقل. والطبيعي ألاَّ يصل الضوء إلى هذا السجن. فهناك الدهليز المؤدي إلى أعلى مع درجات سلمية تقود نحو السطح. وهو يشي بأن مكان الإعدام أقل من مستوى الأرض. والضوء هو اللغة الشفافة التي تستنطق الشخوص. وتعطيها مساحة الدلالة التي تستحقها. ويستقر الضوء كرداءٍ لجسد سقراط المنتظر فوق أريكه، بينما تتوارى الأضواء الجانبية معطية مساحة أقل من الاهتمام وتلفت الانتباه إلى الحوار بصيغة أو بأخرى.

ومع جوانب اللوحة، هناك يميناً بعضُ تلامذة سقراط المتداعين جسمياً من هول المشهد نتيجة ارتباطهم بمعلمهم. والواضح أنَّ كلام سقراط قد اسهم في هذا الحال، فإصراره على ما يؤمن به جعله يدفع بنقطة الأحداث نحو النهاية. وظهر بأقصى الصورة إلى الأعلى أحدهم مائلاً على الجدار وفاقداً لقواه. وهذا يعني أنَّ الأمل في خروج سقراط من هذا نفق الموت غير وارد. ووجود الدرَّج مؤداه أنَّ الطريق أقرب إلى حياة أخرى لها ضوئها الخاص. كما يوجد في يسار اللوحة أفلاطون وقد أدار ظهره إلى سقراط في ايماءة إلى مغادرته بؤرة الحدث تاركاً إياه خلف ظهره. هل معقول أنْ يهمل أفلاطون معلمه؟!

يظهر أفلاطون المواجه لسقراط واقعاً في المدخل وقد أدار ظهره. وهذا فحواه فتح طريق خلفي للنسيان إنْ لم يكن هو النسيان ذاته. لقد اعتبر افلاطون من خلال معرفته بسقراط وبالمجتمع اليوناني أنَّ موت سقراط ذكرى رغم حضوره القوي في المشهد. ففي العادة أنَّ للذكرى بعداً زمنياً لا يخطئه الفهم، لكن الحضور الافلاطوني يعني أنها ذكرى حية وستكون على هذا المنوال. وبخاصة أن أفلاطون جعل فعل الكتابة بالحروف فعل تذكر، استرجاعاً، استعادةً لما مضى. وكأنَّه سمح لنفسه بأنْ يكون حرفاً في الصيغة الفنية للصورة كي يغدو جزءاً من استعادة ذكرى أستاذه الأثير.

ثم يقول الضوء إنَّ كثرة تلاميذ سقراط باللوحة ليست أمراً اعتباطياً، فها هم يخْفُون وجوههم وهو مظهر الحضور القوى مكتفين فقط بدعم استاذهم لعلَّه يتراجع عما يعتقد6. وفي الاثناء يشير سقراط بحركة الأصابع إلى أنَّه لن يتراجع عما عقد العزوم عليه رافضاً فكرة الهروب كما اقترح البعض. هل يهرب الفيلسوف من فلسفته في الحياة؟ كيف لا يواجه إمكانية بلوغ ذروة الحياة بالموت؟

وتباعاً يلقي الضوءُ دلالةً على يده اليمنى متناولة سم الشوكران القاتل. وهي أصابع هادئة مطمئنة ليست مرتعشة ولكنها مقبلة على الموت بلا جزعٍ. أما المسافة بين الأصابع وقِدْر السُم، فلها كل المعنى في قراءة القرار، وهي مسافة التأمل فيما سيحدث لسقراط وأنَّ الحياة ستأخذ بالأفول تمهيداً للعيش بهيئةٍ أخرى. ودوماً المسافة التشكيلية فرصة لمعرفة حال سقراط وقوة عزيمته التي لا تلين. فالذي لا يهابُ الموت هو الفيلسوف على الأصالة. الفلسفة في الأفق اليوناني كانت مراناً على الموت، لأنَّ مصيراً كنهاية للجسد أضيق من براح الأفق الروحي، وهو القاعدة التي تجلب الاستثناء لا العكس. وذلك رداً على الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالفلاسفة7.

كما أنَّ الموت فعل تحرر من عبودية الجسد نحو الانطلاق. وربما كان الفنان جاك دافيد حريصاً على وضع " آلة موسيقية " متوارية بجوار سقراط، تحديداً بجوار القيود الحديدية التي تكبله. كأنَّ الفنان يرسم كون الجسد أسيراً، موضوع تحت الإقامة الجبرية، وطالما أنَّ الإنسان مازال مرتدياً للجسد، فمن السهولة قمع حريته. وليس أقرب إلى ذلك من وضعه في الأغلال سواء أكان من قِبل السلطة الحاكمة أم سلطة الغوغاء أو سلطة المقدس.

والاشارة لطيفة بأن النَّيْل من الفكر بالأغلال قد يجدي مؤقتاً، لكنه لن يفيد كل الوقت حتى وإنْ أدى إلى الموت. والعكس إذا مات صاحبُ الفكر، فإنَّه سيتحرر روحياً من هذا القانون الطبيعي مثل نغم طليق عبر الآفاق. وبالتالي يصبح لكل إنسان آخر أنْ يلامس روح سقراط كنغم يندمج مع الكون بمعناه الفيثاغوري( العالم عدد ونغم).

إنَّ النغم مع الضوء والموت بمثابة الرجوع إلى الأصل الذي لن يكون أصلاً دون الفن. وضع سقراط أشبه بحلم لا يصدق وبخاصة شكل أفلاطون وبعض مريديه الأشبه بالنيام. فإذا كانت الذكرى مسيطرة على الحال رغبة بمرور الحدث من غير ألمٍ، فالحدث يماثل الحلم غير المباشر من خلال العناصر المتوافرة فيه. فبعض العيون المغلقة من هول الأثر بمثابة العلامات التي تفتتح حلماً للقاء مؤجل بعد تجاوز الموت. أي الخروج إلى نهار آخر هو الحلم كاستعارة هي شكل آخر من الحضور الروحي بين سقراط ومريديه. في مكان ما وفي تاريخ ما وفي حياة ما بحسب ما يتمنون داخل قرارة أنفسهم.

وربما وجود الأريكة وفراشها علامة ضمنيةٌ تؤدي الهدف وتلح عليه. والحلم والنوم علامتان تدلان على الحياة. ففي  الحلم هناك حياة تعيش على أنقاض الواقع وفي الحلم لن يكون الواقع كما هو، والنوم كذلك هو الوصول إلى حالة تعادل بين الوجود اللاوجود.

وبالعودة إلى حركة أصابع سقراط مع تناول السم، نجدها أصابع قرار ماضٍ إلى غايته مقارنةً بيدِ أحد تلامذته (كريتو) قابضاً على فخذه، لإشعار سقراط بضرورة الرفض تمسكاً ببصيص الأمل. لكن الأهم أنَّ ثقة الأصابع فوق السم نابعة من حرية الاختيار ارتباطاً بمكانته وبما كان يقول. الموت يكلل عبارة سقراط الشهيرة (اعرف نفسك بنفسك)، لأنَّ جسده ينادي مصيره الفاني بوصفه الحاجز الأخير. كما أنَّ بعض العُري لا يغفل وجود قماش حول جسده، ليس ستراً لمناطق خفية لا يود سقراط إظهارها، بل لأنَّ اللحم هو نبض الحياة في الكائنات. فهل سيموت الإنسان حقاً وإنْ عرف نهايته؟ وهل إذا مات ستعود الحياةُ إلى بعضها (حين يتغذى النبات والحيوان من جسده)؟ والدلالة بجوار الحلم تشكل عودة إلى الحياة كوعدٍ لا يستوفي الناظر زمانه ومكانه. والدليل أنَّه موجود داخل إطار لا نهائي من التشكيل الفني. وهذا ما جعله قيدَ التجدد الآن وبعد كل آنٍ8.

هنا تمثل لوحة جاك دافيد اسهاماً في تخليد الحدث السقراطي وابتكار حيوات جديدة له، فاللوحة مازالت تتجاوز عتبة الموت مع اختلاف الأزمنة. وبالتأكيد لم يرسمه الفنان دافيد من فراغ، لكن لتلبية الحاجة إلى تجديد رمزيته إزاء موتٍ هو أصلاً في حاجةٍ إلى معنى. فكم في الحياة من سقراط ومن ميتات أشبه باختيار فلسفي خلال معارك الإنسان ضد القهر والجهل والتخلف والمرض والديكتاتورية. ومع إنسانية النهاية أيا كانت، هناك ما يُشفي غليلَّ الموت، لكنه لن ينال من الرمز بحالٍّ. وهذا ما جعل جاك دافيد يترك توقيعه الفني حين نسج فضاء اللوحة بأكبر قدر من المعاني.

 

سامي عبد العال

........................

1- جاك لويس دافيدJacques Louis David (1748 ( 1825 - كان رساماً فرنسياً مبدعاً، وأحد أبرز فناني مدرسة الكلاسيكية الجديدة Neoclassicism. ولد لعائلة باريسية من الطبقة المتوسطة وبعد أن اغتيل والده، عاش مع أعمامه. حين بلغ من العمر ستة عشر عاماً، درس الفن بالأكاديمية الملكية Académie Royale في عام 1774 ربح جائزة روما. بعد ذلك سافر إلى إيطاليا حيث تأثر بالفن الكلاسيكي وبأعمال فنان القرن 17 نيكولا بوسان ومكث هناك لست أعوام. ابتكر دافيد أسلوباً كلاسيكياً جديداً وخاصاً به. وكان أحد الداعمين للثورة الفرنسية بشكل كبيرٍ. وكان أحد أقرباء الفنان بوشيه الذي ساعده في بداياته حين تتلمذ عليه. أشهر أعماله: " قسم القتال" (1784)، و "موت مارا" (1793)، و" نساء سابين " (1799). توفي عام 1825 في بروكسل.

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

2- يشير ميرلوبونتي إلى أن الحاضر والمرئي  لا يهمنا إلا بقدر ما يعكسان المضمون الهائل من الماضي والمستقبل... وفي اطار هذا الرأي  تجسد الأعمال الفنية هذا الجدل بشكل واسع كما في لوحة موت سقراط.... (موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم عبد العزيز العيادي، مراجعة ناجي العونلي، سلسلة المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2008، ص 192).

3- وهذا جزء من مضامين العمل الفني عند جاك لويس دافيد، حيث تمثلت ثورته بالعودة الى الجذور والاصول الاغريقية والرومانية في الفن، أي العودة الى الكلاسيكية من جديد مبتعداً عن فن الروكوكو الزائف الذي ارتبط بالقصر الملكي. إنَّه أحد مبدعي التصوير الفرنسي وصاحب التعاليم الكلاسيكية الصارمة. كان دائب التفتيش في التراث الاغريقي والروماني القديم عن مواضيع مناسبة لأعماله خدمة لأغراض الثورة ورغبة في تصديرها الى شعوب أوربا. وكان مدعوماً من كبار رجالات الثورة، فقاد الفن والفنانين إلى اعتناق مذهبه في الفنون الكلاسيكية المحدثة.

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

4- لقد اعطت محاورات أفلاطون سقراط دور الاستاذ والمعلم والحكيم والفيلسوف. وهي الفكرة نفسها في المشهد. بالتالي ينضاف حدث الموت إلى حوار طويل يمارس فيه سقراط استاذية تعليم الآخرين: كيف يفكرون ويناقشون قضايا الحياة والوجود والحقيقة. واللوحة الفنية حافظت على هذه الخاصية في جميع التفاصيل، وهي إمكانية الكلام سواء أكان لغة أم تصويراً. لأنَّ ( الصورة والكلمة ) شيئان في جسد العلامة. أحداهما تغذي الأخرى وتفرط عقدها بالأخيلة والتداعيات.

5- Romano Guardini, The Essential Guardini: An Anthology, Edited by Heinz R. Kuehn. Liturgy Training Publications, 1997, P19.

6- Romano Guardini, The Death of Socrates, Kessinger Publishing, 2007, P 53. 7- Matthew Dillon and Lynda Garland, Ancient Greece: Social and Historical Documents from Archaic Times to the Death of Socrates (c.800 – 399 BC), Routledge London and New York, 2000, PP 395 - 400.

8- هناك من تتبع العلاقة بين سقراط والمسيح بناء على فكرة الموت والحياة الأخرى( قيامة الرمز). فسقراط مات نتيجة إيمانه بالخلاص من القهر واعتقاداً في بقاء أفكاره وعدالتها. والمسيح صُلب فداءً للبشر ولتخليصهم من الخطايا. لكن جوهر الشخصيتين هو التجدد في أشكال متشابهة الدلالة من واقع الحياة.

- Michael E. Hattersley, Socrates and Jesus: the argument that shaped western civilization, Alegora publishing, New York, 2009.

- Robert Mark Wenley, Socrates and Christ: A Study in the Philosophy of Religion, Cambridge Scholars Press, London, 2002.

 

1446 لوحة"فوتوغرافيا" الفنانة سلافة المبروك

جدران سخية تسرد حكايات وألغازا وخرافات وقصصا..

وماذا لو تعلق الأمر بالفنان وهو يقف تجاه الجدار المتخير قولا بالبوح والنظر والتأويل حيث الكتابة واللون وما تمنحه المساحة من فن تلقائي في الشقوق والخربشات والألوان وأحيانا ما ينبت من الحشائش والأزهار..الجدار وهكذا هو بمثابة القماشة الأخرى فيها تلوينات لم تبتكرها اشتغالات الفنان والرسام ..انها الحكاية الباذخة كالبراءة البينة.

الفن على قارعة الطريق.. كالحكمة تماما لا تلوي على غير من يلتقطها فالعين مجال للاكتشاف والكشف.. نعم هكذا هي لعبة التلقي الجميلة في مجالها الحسي والبصري وهنا أذكر العنوان الشعري اللافت للشاعر الجزائري الرائع عمار مرياش حين أطلق على أشعاره ذات تسعينات من القرن الماضي عنوانا جماليا مكثفا ودالا هو "اكتشاف العادي".

هذا يأخذنا الى الطريق بعناصره ومكوناته ومنها المباني والجدران وغيرها..فعلى الجدار الذي نمر به يوميا عوالم شتى ليس الادراك تجاهها بالأمر الهين وخاصة اذا كانت المسالة تتصل بالثقافي والقيمي ..

الجدران عليها أثر الزمن والناس والأحوال وما شابه ذلك والمتمعن في الأثر بعنفوان النظر والحواس يكتشف مجالا وحيزا مهمين لقراءة المنظور اليه فما بالك بالمساحة الهائلة من الأثر الماكثة على الجدران التي فيها القائم والمتداعي والمتشقق بفعل السنوات العابرة ..

هكذا أخذتنا الفنانة سلافة المبروك الى هذا المسرح التشكيلي الكبير الذي هو الجدار تبتكر من خلاله قولها الفني البليغ ذات معرض سابق بقاعة علي القرماسي بالعاصمة تحت

 عنوان " حكاية جدار ".

سلافة شغلت الكاميرا وفق تخيرها لما يتلاءم مع دواخلها لقنص ما منحته جدرانها المبثوثة في أمكنة من تونس العتيقة وغيرها لتبرز اللوحة الفوتوغرافية المعروضة بكثير من الاعتمال الذي عليه قماشة فنان يدير تشكيليا مساحة اللوحة..

عناوين شتى للوحات "تجاور" و"انصهار" و"حفريات" و"انطباع" و"فصول" و"حركة"...و غيرها .. يجمع بينها ماأرادت أن تعبر به وعنه تشكيليا الفنانة سلافة البياتي لنجد جانبا من الاشتغالات التجريدية وهناك صور فيها من الألوان ما هو نتاج الطبيعة وفعل الزمن.

بعض الأعمال وكأنها حفريات وصور مأخوذة من علو ومنها ما يشبه تفاصيل وجزئيات عبر المكروسكوب وتحيل الى المساحات المجهرية وغير ذلك وهذه كلها من ذاك الحوار المفتوح بين الفنانة وبقاع مخصوصة من الجدران..

صور رائقة وفيها دقة ورهافة عوالم الجمال الفني والجدار هنا يمنح الناس الكثير من التشكيل من ألوان باذخة ولطخات ملونة وخربشات وعلامات وكل ذلك في انصهار وتلاؤم مع الحالة التي تعبر عن زمن هو من أسرار الحكاية عند هذا السيد الجدار.

لوحات وحالات بأسرها تعانق العدسة لينظر المتلقي باتجاه الفكرة السردية الملونة بالتواريخ ..

انها لعبة الآلة والحالة..العدسة والجدار وما ينتج عنها من كلام ومعان ..و حكايات خبر الفنان منذ القدم بلاغة فحواها وبالعودة الى الكهوف والخربشات والرموز وغيرها نلمس هذا العناق القديم بين الفن والمكان...

أيتها اللغة المرسومة على الجدار..

قولي للكائن

علميه معنى اللون والشقوق

عله يلقى وجهه العامر بالتواريخ..

أيتها اللغة الزاخرة بالنعاس

و بالجواهر..

امنحينا عذب الحكايات

و المسرات..

فلك البهاء..

و لنا الحدائق الماثلة على الجدار....

نكتفي بالغناء ونمضي هانئين الى مطر قادم...

حكاية جدار واللعبة السردية تشكيليا ففي 18 صورة كمنت هذه التفاصيل الجميلة المقيمة بالجدران ولكن من ينتبه...غير الفنان الرهيف المؤلف للعلاقة العالية مع التفاصيل والعناصر والأشياء بفعل ما يقتضيه الفن من فطنة وانتباه تجاه الكل..الآخر الأنا.

تقول الفنانة سلافة عن هذا العمل المعروض ومختصر فكرته "...كنت كلما مررت بشوارع وأزقة تلك الحارات القديمة شدتني تعابيرها وآثار الزمن وفعل الانسان بها وأراها لوحات تشكيلية تجريدية ذات جمالية قد لا تشد العابرين ...".

و في هذا الجانب وبخصوص هذه التجربة يقول الفنان علي الزنايدي "...نقرأ لوحات فنية أهدتها لأعيننا جدران سخية تسرد حكايات وألغازا وخرافات وقصصا ...هي أهازيج الجدار في أفراحه وأتراحه في صيغ ثرية تبعث على الحلم والخيال .."

حكاية جدار مساحة جمالية تقولنا عبر السرد من خرافة وأسطورة عبر اللون والرمز والعلامة والتوقيع لتمنحنا مساحة القماشة حيث الفضاء المتاح للعمل الفني.. هي التقاط الفنان للمتروك والمهمل والمنسي والموجود الذي لا نعيره حواسنا واهتمامنا ونحن نمر به ومعه مرة ومرات..و لكنها فطنة الفنان يجترح منجزه وأعماله من ممكنات الأمور والأشياء ..

 

شمس الدين العوني

 

99  صلاح جياد 1كانت الصدمة مدوية حينما وصلني نبأ موته المفاجئ صباح يوم الاثنين 16 مارس ـ آذار 2020 عن طريق الصديق المبدع، فنان رسوم الكاريكاتير منصور البكري، حينما قال لي عبر الهاتف بصوت اجش: [لقد فارق صلاح جياد الحياة!. وأردف: [كانت "لحظة الرحمة" صدمة كبيرة لكافة الاصدقاء في الوسط الثقافي والفنون التشكيلية].. عسى ان يجد الراحة في فضاءات أكثر وجدانية، بعيدا عن عبء الاضطرابات النفسية وعذابات الانحسار والآلام التي عانى منها طويلا.

توأدت خطابات اصدقاء الفقيد على صفحات التواصل المختلفة. لاهميتها، اقتبس بتقيد: نعم هذا الطيب والوديع والمثابر في العطاء بلغة يعجز عنها اللسان في وصف اعماله التشكيلية، صلاح جياد، ذهب بصمت وهدوء "صفاء عبد الحميد".. خبر صاعق ومؤسف جدا برحيل الرسام والفنان الكبير صلاح جياد وخسر الوسط الثقافي والفني العراقي احد اهم اعمدته وركائزه هذا الفنان الراقي والملتزم فنانا وطنيا وديمقراطيا وعلمانيا "المخرج ناصر حسن" .. فاجعة كبيرة وخسارة فادحة لفقدان حبيبنا الفنان صلاح جياد الذي اذهل حتى أساتذته بامكانيته الفنية الفريدة. يا لخسارة العراق ويا لخسارة رفاقه وزملائه الذين رافقوه بالعمل في مجلتي والمزمار وفي مجلة الف باء، كنت مذهلا بكل شيء في فنك وفكرك وأخلاقك العالية "منصور البكري".. الفنان الكبير والفذ والصديق الحبيب صلاح جياد (أبو يمامة) الجميل في ذمة الخلود خسارة فادحة للفن العراقي والعربي ولنا نحن أحبابه ولأم يمامة الفنانة مليكة حاتم وليمامة ابنتهما الوحيدة، كل العزاء القلبي الحار. فصبراً جميل. ستبقى يا صلاح ما بقينا "الفنان فيصل لعيبي".

99  صلاح جياد 2

وتحت عنوان صلاح جياد وداعا، نشر "المنتدى العراقي في فرنسا" ـ بألم وحزن عميق فقدنا صباح هذا اليوم 16 آذار 2020، الصديق والأخ والمناضل الفنان صلاح جياد المسعودي، عن عمر 73 عاماُ، بعد صراع مرير مع المرض. فقدنا رجل من ابرز شخصيات الجالية العراقية في فرنسا وكذلك على الصعيد الفرنسي والعراقي والعربي، وكان احد المناضلين الأشداء ضد النظام الدكتاتوري الصدامي، فنان من الطراز الأول ترك اثراُ وبصمةُ في تاريخ الفن التشكيلي. كان الراحل من أكثر العراقيين التصاقاُ بقضية العراق وعمل الى آخر لحظات حياته من اجل رفعة وعلو العراق وشعبه من اجل تحقيق أمانيه بالحرية والديمقراطية ومن اجل بناء عراق ديمقراطي فيدرالي متقدم. كان لطيف المعشر ودودا ولا يكل عن السؤال عن الأصدقاء وأبناء الجالية، ويقدم كل ما باستطاعته لمساعدة الآخرين.

99  صلاح جياد 3

لظروف استوجبتها "محننا" دون أن يبق لنا القدر نحن عراقيي المهجر أثر التواصل، انقطعت صلتي بالصديق الفنان التشكيلي المتميز ـ فنيا واخلاقيا وانسانيا ـ صلاح جياد المسعودي، ذلك البصري الاسمر الممشوق، البهيج الابتسامة، خفيف الظل، لاكثر من تسعة عشر عاما على الرغم من قرب المسافة ووفرة وسائل النقل.. وكنا نلتق اثناء زيارات شخصية متبادلة بين برلين حيثما انا اقيم وباريس اذ هو، وتتكرر في مناسبات ثقافية وسياسية تنظم هنا وهناك مثل احتفال جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي "اللومانيتيه" السنوي التقليدي، أو اجتماعات جمعيات الطلبة العراقيين في الخارج أو لقاءات سياسية تتعلق بالشأن الوطني العراقي.  

99  صلاح جياد 4

ذات يوم في نهاية السبعينيات رن الهاتف، وكان الصوت في الطرف الآخر ذكوريا، يبعث على الاطمئنان والسرور.. آلو مرحبا .. مرحبا، من معي، أجبت.. صلاح جياد، قادم من باريس وحصلت على رقمك من فيصل لعيبي الذي يبلغك التحيات.. التقيته بعد ساعة في محطة القطارات الشهيرة "زوو Zoo" وكان برفقته شابين تعلو وجنتيهما البشاشة وابتسامة عريضة.. عرفني عليهما بلطف: الفنان التشكيلي غسان فيضي والفنان المصور عبد الحسين.. ثم توجهنا نحو السيارة وغادرنا الى الدار. زوجتي التي في انتظارنا، كانت قد انتهت من تحضير الطبيخ على الطريقة الالمانية توا، وراحت ترتب أدوات المائدة باهتمام بالغ بدت كلوحة فنية ـ تناسق تام بين الوان الصحون والكؤوس المختلفة الاحجام والاشكال.. انتهت امسيتنا عند الفجر وكانت صاخبة لا تخلو من الفكاهة والحديث عن الثقافة والفنون والنقاش السياسي حول الشأن العراقي ـ  وما بين هذا وذاك كان الفنان غسان يمسك العود، يسمعنا أغاني من التراث العراقي والوطنية للحزب الشيوعي.

مكث عندنا الاصدقاء، صلاح وغسان وعبد الحسين سبعة ايام ممتعة. زوجتي وانا كنا في غاية السرور خلال فترة اقامتهم. تركت ذكريات مليئة بالمفاجئات وعبث الحياة، تراكمت خلال الأزمنة ولا تزال حاضرة لم تنته.

في حديثي مع الصديق الفنان غسان فيضي بعد رحيل الفنان المبدع صلاح جياد باسبوع، وكنا بصدد الحديث عنه قال: [خسر العراق والفن التشكيلي فنانا عملاقا لقبه خبراء فن الرسم ومشاهيره "ملك الالوان"] اشارة الى اسلوبه النادر في كيفية صناعة اللون في لوحاته. مهوس بابتكار الالوان المناسبة من مستحضرات طبيعية، تحاكي المرئيات والسمعيات كحروف الهجاء. اللون عنده صعب الوصول اليه كالكلمة التي تدل على معنى في نفسها ولا تقترن بزمان ومكان.. 

99  صلاح جياد 5

أعماله الفنية في الغالب ذات اتجاهات متنوعة غير محددة، فهو بالاضافة الى ممارسته اعمال رسم البروتريه أيام نهاية الاسبوع عند كنيسة القلب المقدس الواقعة في قلب باريس على تلة الشهداء مونتمارتر Montmartre في المكان الذي اعدم فيه مطران باريس الأول دبينسوس في القرن الثالث عشر للميلاد عقاباً على ايمانه. فان أعماله تتنوع بين الواقعية والانطباعية والتعبيرية التي تخلق مزاجا معينا، وبين السريالية أو تمثلها بشكل مختلف. لكن جميعها تُظهر صورا للواقع، وليس بالضرورة أن تكون شكلا مجنونا، انما يمكن ان تعني أيضا الوانا مجنونة غير معتادة كاستعماله ماء الذهب ولون الكازين "الكستانيا" وبذر الكتان والطلاء الزيتي، بالغة الترتيب، لا تحتوي على النظرية الجمالية للألوان، انما على نظريات جمالية وعلمية حول وظيفة وتأثير الألوان، تعريف واضح، يقتصر على الأساسيات لـ "ترتيب الألوان". هنا عادة ما يتم تمثيل شيء أو شكل بطريقة مفصلة للغاية، هو كل شيء ونهاية كل شيء.

99  صلاح جياد 6

في حديثي المطول حول سيرة الراحل الفنان المتميز صلاح جياد مع غسان أخبرني بمرارة: [رغم أنه من الفنانين التشكيليين العراقيين المتميزين فنيا وفق المعايير العالمية ويمتلك رؤية فنية مؤثرة، الا ان صلاح للاسف لم يحظ بأية اهتمام يستحقه على كافة المستويات].. والجدير بالذكر وبحكم معرفتي الطويلة لهذا الفنان البصراوي الشفاف، انه لم يهرول يوما وراء المجد والغنائم حتى في احلك الظروف المعاشية.. بقي الى يوم رحيله زهيدا، تنتشي له النفس، يملأ القلب قوافي. 

 

عصام الياسري

 

 

اسعد عبداللهللعراق رموز فنية وابداعية عديدة في العقدين الاخيرين، لكن الاعلام العراقي غائب تماما عن تسلط الضوء عليها، لذلك فالعراقيون لا يعرفون شيئا عنهم، وهنا اجد من المسؤولية الاعلامية ان اكتب عن تلك الرموز الابداعية، وايضاح بعض الصور العراقية المشرقة، واليوم قررت ان اكتب عن الفنان ستار كاووش، رحل من بغداد، وحط رحاله في هولندا عام 1999، جاء إلى الفن حاملاً مشعل التعبيرية، لكنه لم يستمر فيها، تتلمذ على يد أستاذه القدير الفنان الرائد فائق حسن، لكن لم يقلده، عاش في بلد فان كوخ دون أن يكون ظلاً له. جرأته الفنية جعلته يتجاوز كثيرا من المدارس الفنية، التي ظل البعض أسيرًا لها، انه ابن الرافدين الذي خرج من اسر المحلية ليصل الى العالمية.

كافح كاووش كثيرا في صومعته، الواقعة في مدينة صغيرة في طرف العالم الجميل، لينتج لنا الجمال مقابل القبح المستشري في الكون، وهو رسام تشخيصي يبعث الدفء والحياة بلون قوس قزح عبر شخصياته.

الفنان دوما يمتلك فرنا ساخنا، وهكذا يفعل كاووش حيث يدخل الوانه لفرنه الخاص لتتشكل وتنتج لونا تركوازيا امتاز به، مشعا كسحر اغواء النساء في الف ليلة وليلة، وتتشابك خطوطه والوانه لتنجب لوحة تلو اللوحة بتفرد عجيب وهو كاووش العراقي.

كاووش والحب

الفنان يبرز ما يلهمه، بعضهم يرسم عن المرض والمحنة والجهل، والبعض عن الحرب والدمار، وهنالك من يهتم بالطبيعة، اما كاووش فكان ما يلهمه هو الحب، عندما تنظر للوحاته تحس ان الوانه تتراقص وتتمايل على لحن حب الحياة، ان التفاؤل يشع منها، ان كاووش يعتبر اللوحة كالانثى فان الاعجاب بالفتاة الجميلة لا يعني ان اصبحت عاشقا، فالاهم في لعب الحب ان تعرف كيف تصل الى قلب الفتاة، وهنا ياتي الجد والاجتهاد الى ان تجعلها تحبك، كذلك اللوحة يجب ان تستخدم كل حيلك وبراعتك كي تدخل القلب وتستقر فيه.

 ابرز ما يمكن ملاحظته في لوحات كاووش ان الظل يغيب تماما الا في تفاصيل الجسد، واشارة بعض المختصين ان كاووش يقترب كثيرا من الفن التشكيلي الفرعوني المرسوم في قبور الفراعنة والاهرامات والتوابيت الفرعونية، والتي تم حفظها في الرمال لالاف السنين، بخلاف بيئته العراقية حيث لم تصلنا  من الحضارة السومرية والبابلية الا القليل بسب الصراعات والحروب التي دمرت كل شيء.

رؤية لمنجز كاووش

عند مشاهدة لوحات كاووش وهي متوفرة على عديد المواقع، تلحظ ان اسلوبه عبارة عن مزيج متنوع بين ثقافات عديدة، مع ابراز سحر الشرق، هنالك حياة تنبض في لوحاته، الفرح، الحب، البهجة، يمكن القول هنالك نوع من التفرد في اسلوبه التعبيري، انه اسلوب ابن الرافدين العاشق لقوس قزح، فكأنني اشاهده في اغلب لوحاته عبر الوان صارخة، انه يرسم الحب والجمال في مقابل القبح والدمار، فمن الجميل ان يكون للفنان رسالة عبر لوحاته، وكاووش هذه رسالته الواضحة، تلخص بكلمتين (الحب والانثى).

الرحلة بين لوحاته تكشف محاولات مثيرة للاهتمام لكسر التقاليد، لكن ايضا لا يمكن اغفال ان لوحاته مستوحاة من البيئة العراقية، مثل الملابس الشعبية في وشاح المرأة وطاقية الرجل، وهذا لا يلغي سعيه للجمع بين الشرق والغرب في لوحاته، الجمع بين بيئتين عاش فيهما ــ العراق + والمهجر ـــ كما يقول هو في حوار: " امزج بين أجواء بغداد والف ليلة وليلة التي أعرفها وبين المناخ الهولندي الذي اعيش فيه الان".

 

رموز الموروث العراقي

في لوحات كاووش ظهر الطائر الاسطوري العنقاء، والذي يتكرر حضوره في الفن الشرقي بصورة عامة وفي الفن العراق بالخصوص، وهنالك اختام شبيه بالأختام السومرية برزت في بعض لوحات كاووش، انها الرمزية الواضحة للشرق، ويقول في احد حوارته عن هذه الرمزية فيقول: "تراني في أعمالي أعيد بعض الرموز والإشارات بطرق مختلفة لأنها أثرت عليّ وهي تنسجم مع مناخي الفني وأسلوبي، ومن هذه الرموز، التفاحة والطاقية وظرف الرسالة والأصابع التي تتحرك بغنج والعيون الساهمة والمظلة والأجنحة التي تحلق بالعشاق والحالمين، هذه وغيرها الكثير تمثل لي تفاصيل ورموز أثرت عليّ بشكل أو آخر ووظفتها في أعمالي".

كثير من لوحات كاووش تجدها ليست محاكاة للواقع بل هي كالحلم المفرح، او تنتمي لزمن سعيد فيه الكل مبتهجون، بل هي التقاطات جميلة من واقع مزري، هو يلتقط السعادة ليحولها الى فكرة وحدث وفن، بعض تلك الجزئيات مهملة من الاغلبية، وهي لحظات سعيدة وجمال مميز، من قبيل المقاهي المكتظة بروادها، والعشاق وهم يتبادلون النظرات، والنساء في الاسواق والكراجات، خصلات الشعر، العيون الانثوية بسحرها الخاص، الشتاء والشاي والانثى، الشبابيك، كل هذا يمكن ان يعطي جمالا غير متنبه له.

فالتفاصيل الصغيرة كاووش يهتم بها كثيرا مثل ظرف رسالة، الذي تكرر كثيرا في لوحات كاووش والذي يرمز للغربة والابتعاد والانتظار والحنين والاماكن، هكذا هي لوحات كاووش ورمزيتها العجيبة.

من هو ستار كاووش؟

ولد في بغداد 1963، وحصل على شهادة البكلوريوس من أكاديمية الفنون الجميلة

 في بغداد 1990، أقام أكثر من 20 معرضا شخصيا وحوالي 60 معرضا مشتركا في العراق، الأردن، إيطاليا، الولايات المتحدة، أوكرانيا، السويد، ألمانيا، فرنسا، الأمارات العربية المتحدة وهولندا.

صدرت خمسة كتب ملونة عن تجربته التشكيلية :

1- غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية للناقد عدنان حسين أحمد، باللغة العربية.

2- أصابع كاووش De vingers van Kawoosh ويحتوي على 23 قصيدة لشاعرات وشعراء هولنديون كتبت خصيصا عن لوحات كاووش، باللغة الهولندية.

3- كاووش غموض الرسام (Mystery of a painter ) أصدره إتحاد الفنانين الهولنديين بمناسبة مرور عشر سنوات على وجود الفنان كاووش في هولندا، وباللغتين الهولندية والإنجليزية وقد ضم الكتاب مائة لوحة ملونة، وهي مختارات من اللوحات التي رسمها في السنوات العشر الأخيرة. وقد كتب مقدمة الكتاب البروفيسور ميشيل فان مارسفين مدير متحف درينته.

4- مدينة كاووش باللغة العربية وهو السيرة الشخصية للفنان كاووش حين كان في بغداد، كتبها الكاتب خالد مطلك وصدرت عن دار نشر تشارلستون الأمريكية.

5- نساء التركواز باللغة الأنجليزية والهولندية، وقد كتبت المقدمة السيدة شارلوتا هوخنس التي تعمل في متحف بانوراما مسداخ ومؤسسة موندريان.

6- الجائزة الثالثة في معرض الفن العراقي المعاصر، بغداد 1992.

الجائزة الأولى في معرض الفن العراقي المعاصر، بغداد 1993.

جائزة العنقاء الذهبية كأفضل تشكيلي عراقي في هولندا سنة 2011

زينت لوحاته أغلفة العشرات من الكتب الهولندية والعربية والإنجليزية.

7- عضو جمعية التشكيليين العراقيين. عضو إتحاد التشكيليين الهولنديين.

عضو أتحاد التشكيليين الهولنديين.

8- اختارت منظمة العفو الدولية لوحة ستار كاووش (الحديث بصوت هادئ) وطبعتها بطاقة بريدية وزعت في مختلف دول العالم. سنة 2006

اختير من قبل مجلة باليت الهولندية والمتخصصة بالفن التشكيلي عضو في لجنة التحكيم في معرضها السنوي عام 2006.

9- اختيرت لوحاته لتزين أحد أعداد (كتاب في جريدة) التي تصدره منظمة اليونيسكو والذي صدر مع أكثر من عشرين جريدة عربية في وقت واحد سنة 2011.

 

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

 

إن الوعي بالبعد الجمالي للخط العربي وتناميه تماشيا مع التطور الحضاري العربي، يظهر بجلاء في الشعر العربي، وبذلك نجد بعض الشعراء قد أنجزوا نصوصهم وفق المعطى الجديد للشكل البصري، واعتمدوا الخط العربي في تشكيل المكان، من خلال مشاريع رؤيوية نظرت لتجربة جديدة بالرغم من بعض الأخطاء التي وقعت فيها.

وبشكل عام، فقد كان لهذه التجربة التي لاحت بوادرها في محاولات – وإن كانت محدودة – والتي كانت مع الشعراء: بنسالم حميش، من خلال ديوانه: كناش إيش تقول، المحاولة اليتيمة في هذا التوجه البصري. وعبد الله راجع من خلال: سلاما ويشربوا البحار. وأحمد بلبداوي من خلال ديوانه سبحانك يا بلدي، وناصر لقاح من خلال ديوانه أشجار نصيرة الجدلى، واحمد بلحاج آية وارهام من خلال ديوانه طائر السمسمة، ومحمد بنيس: في اتجاه صوتك العمودي وكذلك من مواسم الشرق، وأيضا من خلال كتابه ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب الذي يمكن اعتباره حلقة تنظيرية تروم بنية المكان فيما يخص المنحى البصري باعتبار أهمية المكان من الناحية الدلالية وأيضا من خلال دعوته للعودة حنينيا الى الخط المغربي. في حين  بلغت العلاقة بين الشعر والتشكيل محطة أساسية من خلال الكتاب المشترك بين الشاعر المغربي حسن نجمي والفنان التشكيلي محمد القاسمي بعنوان:" الرياح البنية". والذي يعد إنتاجا جديدا في القصيدة البصرية والتوجه البصري.

إلا أن هذه المحاولات وإن تميزت باستنادها إلى الخط المغربي في تحقيق البعد البصري أو إلى الأساليب المختلفة في تشكيل الجمل والمقاطع الشعرية واختزال المساحة وتنويع الفضاء، وإخراجها في منظور مغاير عما هو مألوف، فخصت قصائد شعرية محدودة من الشعر المغربي المعاصر فقط، ولم تتسع لتشمل النثر ولتمتد إلى الأعمال الكتابية في التراث المغربي في شموليته، كما أن عدم تشكل الوعي النقدي الذي يروم هذه المتغيرات؛ جعل هذه التجربة محدودة، خصوصا لدى محمد بنيس الذي فاقم من حدة عزلة هذه المحاولة حين أضاف رسومات لأجساد عارية حكمت مباشرة على القصائد الشعرية بالموت. وفي الوقت الذي أشار فيه إلى بنية المكان في الأشعار القديمة وإلى الأشكال البديعية التي تخطت الشكيل التناظري للقصيدة العربية الى منجز يروم البعد البصري، رسم دعوته التي تبدت في بعدها التنظيري تجديدية لكن مع التطبيق تبدت فيها مجموعة من الاختلالات، يتعلق بعضها بالتناقض والبعض الآخر بتعدد الدال كما أن بعض النصوص الشعرية أصبحت شبيهة في شكلها بالنصوص القرآنية، لأن بعض الأشعار كتبت بالخط المغربي المبسوط على النمط القرآني.

في حين يمكن اعتبار تجربة الشاعر احمد بلبداوي أكثر حظا في استمالة البصر، ونجحت إلى حد ما في وضع لمسة بصرية وفي تقريب المتلقي من الشعر الحديث، أو من التجربة الشعرية الخطية الجديدة، خصوصا وأن احمد بلبداوي اعتمد على تخطيط أشعاره بيده في تحقيق شعرية النص موظفا جماليات الخط المغربي المجوهر والمبسوط، كما وظف الخط الكوفي بشكل جمالي. وفي ذلك يقول: "حينما أكتب القصيدة بخط يدي، فإنني لا أنقل إلى القارئ معاناتي فحسب، بل أنقل إليه حتى حركة جسدي، أنقل إليه نبضي مباشرة، وأدعو عينيه للاحتفال بحركة جسدي، على الورق يصبح المداد الذي يرتعش على البياض كما لو كان ينبع من أصابعي مباشرة لا من القلم"  وهذا يحيل الى العلوم العقلية التي ظهرت في الآونة الأخيرة من بينها ماعرف بالغرافولوجيا (Graphology) الذي  يعنى بتحليل شخصية الإنسان انطلاقا من خط يده الذي يعتبر جزءا من شخصيته  وتكوينه البشري، بالرغم من كون  هذا الاتجاه (الغرافولوجيا) لايهتم بجمالية الخط.

إن تجارب هؤلاء الذين جعلوا من التركيب الخطي بعدا بلاغيا يفتح النص على البصر قد ساهمت في لفت النظر الى هذا المجال الابداعي، والانزياح إلى عالم مغاير جعل المتلقي يغير طريقة تفاعله مع النص المكتوب، بعدما قويت العلاقة بالخط والمكتوب في نطاق الرؤية البصرية وعملية الاستيعاب. خصوصا وأن تلك  النصوص بكل مفرداتها وعناصرها، قد تميزت بالأيقنة الفضائية والتلوين ومخاطبة لغة الألوان ومحاورة مختلف الخطوط.

 

د. محمد البندوري

 

محمد الشاويتوطئة: ليس غريبا أن يعرف الفن المعاصرة ثورةً كليةً على التيارات والمذاهب السابقة. فسيرورة تطور الفن وصلت حسب هذه الثورة إلى مستوى التبخيس والاستهزاء، إذا تأملنا هُزأة ما يُقدم. بل ربما إلى مستويات أخرى تجعلنا نُفكر في نُكتٍ معاصرة عن موزة مارويسيو كاتيلان الفنان. وهي موزة ليست ككل الموز. لقد وصلت في السوق الأمريكية للفن إلى مبلغ 120 ألف دولار في معرض "آرت بازل" المقام على شاطئ ميامي. وهذا الارتفاع في ثمن البيع يجعل قاطرة الفن المعاصر تدق ناقوس الخطر. لذلك علينا أن نطرح سؤال المعاصرة من جديد في علاقته بلُحمته الأساس ألا وهي العصرنة، وفي ضوء التأمل الآتي:

هل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن العصرنة contemporanéité

بتعبير آخر كيف يستحضر الفن المعاصر مسألة العصرنة، وكيف يبتعد عنها بخلق تحديثات modernisations بصيغة معاصرة؟

وما موقع الموزة من كل هذا؟

1398 الفن والعصرنة 2

1- العصرنة ومدلولاتها:

ليس من السهل إقامة قطيعة بين محطات تاريخ الفن وسيرورة تكوُّنِه، إذا لم نستحضر خصوصيات تطور تاريخ الفن نفسه. ولعل هذه الخصوصيات -بصيغة الجمع- ستدفعنا إلى تعميق النظر في الأطروحة التي يرتكز عليها مقالنا النقدي، ومؤداها أن السابق يؤسّس للاحق فكرا وفنا وعلوما. فإذا أردنا تحديد دلالة العصرنة فإننا ملزمين بالخضوع لسمة ماهو معاصر. فهي بصيغة صريحة تستدعي جميع السياقات التخطابية والجمالية لمرحلة التاريخ الراهن الذي نحيا داخله. إنه تاريخ ينقلنا للحديث عن "العالم الذي يحيط بنا" كما ذكر الفيلسوف والسوسيوجي الفرنسي ريمون أرون. فهو تاريخ في متناولنا، ومن السهل بلوغه، على خلاف "عالم الذين عاشوا قبلنا" كحديثنا عن الفن خلال فترة ما قبل الميلاد أو الفن عند الإغريق أو الرومان أو في العصر الوسيط... وهذا مثبت في سجلات التاريخ، وسبق للمؤرخين توثيقه بالسند والمادة التاريخيتين.(1)

فضلا عن ذلك فالتاريخ الراهن يحتوي دلالة العصرنة، بالنظر إلى مختلف العوامل المؤثرة في الفن المعاصر من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والدينية... فمدلولات العصرنة تستدعي أيضا الوقوف عند أهم البارادايمات (النماذج الارشادية للعلم وللمعرفة العلمية) التي ساهمت في تحوُّلِ منظمومة العلم نفسه، وتاريخ الفن في صيغتهما الراهنة. (2)

لكن أن تصل المسألة إلى درجة التبخيس، فهذا دليلٌ على كَبْتٍ داخلي refoulement تحمله الذات الفنية التي جعلت من المزة موضوعا يرتبط بالعصرنة.

وإذا تأملنا وأمعنا النظر، فالموزة رمز معاصر للتوجه الشواذي (نسبة إلى الحالات الجنسية الشاذة وغير المألوفة بين الذكور والإناث إذا ما قارناها بالعلاقات الطبيعية) شأنها شأن الراية القزاحية، ووسادة النوم... وتوظيف هذا النوع من الرموز المعاصرة، يدل في الأصل على اضطراب نفسي ارتبط بالانحرافات الجنسية. ولعل تصنيف رائد التحليل النفسي فرويد للاضطرابات النفسية، يجعلنا نقف عند ثلاثة أشكال رئيسة: العصاب والذهان والانحرافات الجنسية.(3) لكن علماء النفس والطب النفسي في تصنيفهم للأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية لم يجعلو للشواذ والسحاق موضعا داخل كُتب التصنيف المُؤمركة(نسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية) إيمانا منهم أنها ليست حالات مرضية، ولأن منهم من يُحبُ المثلية والسحاقية، بل هناك من ينتمي إلى دائرة المجموعة. (4)

ذهب أحد الباحثين إلى اعتبار الموزة قضية ثورية. وأساس ذلك ارتباط الموزة بالاقطاعية الزراعية التي تتحكم في محاصيل الموز بالولايات المتحدة الأمريكية. وهي كما تبين لنا إقطاعية تخدم مصالح الليبراية الجديدة بمرجية الربح أولا، ليتم تعضيدها بالرأسمالية التي تخدم الفرد قبل كل شيء. فهذه مقاربة تُحترم إذا ما طبقنا المنهج الاجتماعي في تحليلنا للعمل الإنشائي للفنان مارويسيو كاتيلان. وكذلك هو الشأن بالنسبة للمنهج الماركسي الذي يلتقي مع نفس المنهج الاجتماعي، لكن باستحضار الصراع الطبقي بين طبقة الفلاحين ومُلاك الأراضي من الإقطاعيين. وما دام الإنسان في ظل الاقتصاد الرأسمالي"يُنتج البضائع، والبضاعة تباع قبل أن تُستهلك"(5) فإن الفنان هنا يُعبِّرُ عن صميم هذا الإنتاج برؤية جمالية نقدية. فهل تتحقق هذه الرؤية مع مارويسيو؟

لكن دعونا نعود إلى رمزية الموزة فنتساءل: هل مارويسيو شاذ جنسي؟ أم إن الأمر فقط مسألة تعاطف مع فئتين مختلفتين:

فئة الشواذ والسحاقيات، وفئة المزارعين من الفلاحين الصغار؟

لا شك أن الميكانيزمات الديفاعية Mécanismes de défenses التي تحظى بها شخصية الفنان ماريزو قوية جدا، إلى درجة التعتيم عن ما يجول بداخله، وما تحمله طاقته الليبيدية Libido من ميول انحرافية/جنسية. المسألة أشبه بورعِ قسٍ وعفتِه، وقَلبهُ يهيم بالغِلمانِ من صغار الدير، هيام المُحبِّ لمحبُوبه. أو كالراهبة التي لم تستطع قتل غريزتها الطبيعية (الجنسية)، فأيقظتها خلسة مع ثوأمها الروحي في الدير على شكل ثنائي متكامل.

2 - تحديات الفن المعاصر عند مارويسيو كاتيلان بين مقعد التغوط الذهبي واستبانة الموزة:

1398 الفن والعصرنة 1 لقد جرى القول عادة حسب المهتمين بالفن المعاصر - وجلهم من الباحثين والنقاد - بأن مسألة القطيعة مع اللوحة تشكل أساسا يرتكز عليه الفن المعاصر. إنها قطيعة من حيثُ التعاطي الفني شكلا ومضمونا، مع ضرورة طرح أساليب جديدة تُوَسِّعُ من أفق دائرة التلقي. لكن ظلت العديد من التجارب المعاصرة (مع استثناء بعض التجارب الجادة) تركن إلى إعادة إنتاج التجارب السابقة لمدارس فنية -لها تاريخها العريق- داخل نسق معاصر، لتعود اللوحة من جديد لكي تطفو على السطح.

كما أن حضور الإنشاءات الفنية والفيديو آرت والتركيبات الفنية والأحجام والمنممات الجديدة... قد ساهم في خلق فكرة << الموضوع/الشيء الفني>> objet d'art في قوالب متباينة تحذو حذو النعل الفرانكوفوني، وتتوق إلى التعالي عن الكعب الأنجلوسكسوني حسب الطلب. ووفق أهواء وميول السوق الفنية. لذلك فقد أدرجنا هذه التوجهات الجمالية ضمن ما اصطلحنا عليه ب: <<التحديثات معاصرة>>.

وهذا من شأنه أن يجعل قاطرة الفن المعاصر تنزاح عن مسيرتها داخل نظام يتكرر فيه ما ثَم تناوله من تجارب ومنجزات تشكيلية يصعب الاقرار معها بالقطيعة. لكن أن تصل المسألة إلى التعبير بواسطة مقعد التغوط في حُلةٍ ذهبية أو بواسطةِ موزةٍ مع لاصقٍ يُستغدم في اسكات المعتقلين من ضحايا التعذيب... فتلك موجة جديدة تجعل المتلقي يستصغر الفن المعاصر، ويسخر من الفنان مارويسيو كاتيلان. إنه "موت الفن" (6) كما تنبأ له الفيلسوف الألماني هيجل في محاضراته حول علم الجمال التي جمعها تلميذه هغليش غوسطاف هوطو Hotho.

لذلك فموت الفن عند هيجل دليل على نهاية النسق الجمالي بالنظر إلى النسق الفلسفي الذي انتهى مع فلسفته المثالية الجدلية. فتأويل فكرة موت الفن أو نهايته يجعلنا أمام فنٍ جديد لم يستطع الفيلسوف هيجل أن يتنبأ به، نظرا لما حققته الرومانسية من طفرات نوعية داخل سيرورة تاريخ الفن. بتعبير آخر فالرومانسية هي الفن الذي كان يحلم به هيجل والذي لطال ما تأثر به. وعلى هذا الأساس فإن السابق يؤسس للاحق كما سبق أن أشرنا فكرا وعموما وإبداعا، وفق مرجعية دائرية شبيهة بكرة الثلج التي تتدحرج. وهذا ما اقتنع به هيجل، وشكل به فكرة الروح المطلق وأطروحته في تاريخ الفلسفة وفي الفن أيضا. أما بالنسبة للفنان مارويسيو كاتيلان فقد أعلن موت الفنان نفسه تحت رجلي الرأسمالية الجديدة. هي رأسمالية أسعفته بنقودها من أجل العرض حسب الطلب. فهل مات الذوق الفني ومات معه الفنان؟

 

بقلم: محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

.....................

هوامش وإحالات مرجعية:

(1) R. Aron, Leçon sur l'Histoire. Cours du Collège de France. Établissement du texte, presentation et notes par Sylvie Mesure. Revue Belge de Philologie et d'Histoire. 1992.

(2) voir: Nathalie Heinich, Le paradigme de l'art contemporain. Structures d'une révolution artistique, Gallimard, Paris, 2014.

(3) S.freud, Névros, psychose et perversion, Traduit de l'allemand sous             

la direction de Jean Laplanche. Introduction de Jean Laplanche, Paris ,             

 P.U.F,  2010.

(4) voir:

La classification prédominants pour les troubles mentaux- La classification internationale des maladies réalisée par l'organisation mondiale de la sonté (OMS) et le Manuel diagnostique et statistique des troubles mentaux (DSM-IV) (DSM-V) (DSM-X)réalisée par lAssociation Américane de psychiatrie (AAP).

(5) عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، 2003، ص.87.

(6) Hegel, Cours d'esthétique, t,I. trad. J.P. Lefebre et V. Von Schenck, Paris, Aubier, 1995. p. 17.

 

 

محمد آيت لعميمينحدر الفنان التشكيلي العراقي فائق العبودي من سلالة باذخة، تضرب بجذورها في فجر التاريخ، ينتمي إلى بلاد الرافدين، وأرض الهلال الخصيب، بكل ما لهذه التسميات من شحنات دلالية في متخيل، ووجدان من يرتبط بهذه الجغرافية الولود، والمعطاء، بدءاً من ابتكار حروف الكتابة وسنّ القوانين، والبحث عن نبتة الخلود احتفاء بالحياة، ضد رهاب الموت والعدم، أرض أساطير البعث والخصب،أرض النبوءات المؤسسة، أرض التعدد اللغوي، وبرج بابل شاهد على ذلك ،تمددت فيها الحضارات حتى آخر ما يفخر به العرب في الزمن العباسي، الذي تشكلت فيه الهوية المتعددة، وانتجت لحظة لم تتكرر في التاريخ، فمن يجر وراءه هذه الأحقاب من التحضر لن يكون إلا مبدعاً، وفناناً تتلبسه روح الابتكار، والإتيان بما يدهش ويمتع.

ينتمي الفنان العبودي بالوراثة لهذه الجغرافية الممتدة في الزمن، وإلى كل الترسبات الراسية في ذاكرة المكان، فهو الجنوبي الأصل، البغدادي المولد الذي فتح عينيه في بيئة تحتفي بالفن، وتوليه أهمية كبرى ،حيث يتميز العراق الحديث بالاعتناء بالرسم، والتشكيل كجزء من التكوين في المدارس، ناهيك عن أن المدرسة العراقية في الفن رائدة بأسمائها المشهورة، التي بصمت المشهد العربي بأسلوبها المتفرد الأصيل، وبفتوحاتها التجديدية والتجريبية، في هذه الأجواء المشحونة بالإبداع، والريادة في مجالات الإبداع المتنوعة نشأ  الفنان فائق العبودي، وتشربت ذاكرته البصرية بأساليب عديدة لفنانين اجترحوا طرقاً متنوعة في الإبداع الفني والتشكيلي، إضافة إلى هذه المرجعية الفنية القوية ،هناك مرجعيته البصرية التي أتاحها المعمار العراقي، بكل تنويعاته وتشكيلاته من خلال المراقد والأضرحة، وكل زينتها وزخارفها،والأبواب العتيقة ، والقباب، فهذه المكونات المعمارية للمدينة القديمة تترسخ في الذاكرة، وتفعل فعلها في الاختيارات الجمالية للفنان، فيستدعيها بطريقة لاشعورية عند ابتكار صور تجريدية لها، بغية خلق عالمه الموازي لعالم الأشياء المعروضة في الواقع.

98  فائق العبودي 1

إضافة لكل هذه العناصر المرجعية،هناك المتحف العراقي في بغداد الذي يضم عصارة الحضارات المتعاقبة، فوحده المتحف يولد لدى الفنان طاقة هائلة للإبتكار، والاستلهام، والتحاور الجمالي، والاستزادة من التدفق الروحي، والإشباع البصري، وتقوية الانتماء، والإحساس بالسند التاريخي.

يتميز الفنان فائق العبودي بهدوء يستضمرغلياناً، وحركية غير معلنة، تتجلى في تجافيه عن كل منجز، وكأنه قلق تجري من تحته ريح، وكأني به يردد مع المتنبي:

 أريد من زمني ذا أن يبلغني... ماليس يبلغه من نفسه الزمن.

هذه الروح المتوثبة تنعكس في التنوع الذي يصاحب تجربته، التي يعكف على بنائها بتؤدة، ووعي جمالي، وفكري ضروري لإنضاج أعماله، ومنحها بعداً وجدانياً.

استطاع فائق العبودي أن يبتكر لنفسه إسلوباً خاصاً به  لاتخطئه العين، قوامه تحقيق التناغم بين جمالية الرمز، والعلامة، واللون، وتنويع المساند، ومواد الإشتغال.

98  فائق العبودي 2

ينوع العبودي المواد، والخامات التي يشتغل عليها، بين خشب، وورق، وقماش، ويبحث عن تعتيق اللوحة إلى درجة أن المشاهد يتلبسه إحساس، وكأن هذه اللوحات أخرجت للتو من باطن الأرض، من ضمن لقى، وكنوز مطمورة، أعتقد أن هذا النزعة لتعتيق اللوحة يكمن من ورائها مفهوم فكري، حول مسألة الزمن التي حيرت العقل،وكانت محط تأمل فلسفي وأدبي وعلمي، كيف لنا أن نوقف سيلان الزمن الذي يجري ويجرنا معه؟ فجواب العبودي عن هذا السؤال المؤرق، هو الرصد الواعي لما يخلفه الزمن في الأشياء التي تبدو في اللوحة متآكلة، وباهتة، وممحوة، إن فعل المحي، والأثر يوظفهما العبودي بشكل فني يوازن فيه بين جمالية الأداء، وعمق الفكرة.

لقد هاجر العبودي من الشرق حيث الشمس، والعوالم العجائبية التي رصدتها مخيلة الكتاب المجهولين، للنص الخالد ألف ليلة وليلة ،إلى الغرب حيث تغرب الشمس، وكأنه في مهجره يحاكي مسار الشمس، التي ظل يحتفظ بها معه، فهو المقيم في سويسرا في لوزان تحديداً،إلا أن هواه الفني ظلّ مشدوداً إلى وجدانه، وذاكرته، التي تشبعت برموز، وعلامات حضارة عميقة، وسحيقة، فالرمز الذي تحفل به لوحة العبودي ضارب في القدم ،يحقق به مجموعة من الوظائف الجمالية والهوياتية.

98  فائق العبودي 3

فعلامات الكتابة السومرية هي في أساسها رسومات تجريدية، هذه العلامات مشحونة بعناصر هندسية، ويتم توظيفها كجزء بنيوي في اللوحة، باعتبارها رسماً، وتشكيلاً، يتغير كشف حجب الرؤية، وإزالة الرتابة، والألفة التي تحول دون رؤية البعد الجمالى لهذه العلامات، ولو لم يتم فهم معناها فإنها تثير الدهشة، والاستغراب.

من العلامات المتواترة في لوحات العبودي ذلك الرمز الدال على الخصوبة المرتبط بعشتار وإنانا، وقد تم اقتراض هذا الرمز في الثقافة الاسكندنافية، ولدى الأمازيغ في شمال افريقيا، وهو حرف الزاي لديهم، واتخذه الصوفية قديماً رمزاً للإنسان الكامل، بحيث تحول هذا الرمز إلى علامة كونية يشحنه كل شعب برمزيته الخاصة، والفنان العبودي استثمره جمالياً، وتعامل معه بطريقة جعلت منه مادة ينوع عليها أشكاله الفنية، وكأنه يسعى إلى استنفاذ كنهه، والغوص فيما وراء الحرف، فلوحات العبودي تحرر هذا الرمز بالتنويع فيه هندسياً، ويتخذ الرمز هيئات متعددة تتناغم مع اللون، الذي يوظفه العبودي بشكل مكثف،وينوع الأصباغ الحارة القوية، محدثاً بذلك نوعاً من الدهشة لدى المتلقي، فلوحة العبودي تراود المشاهد لتشبع عينه باللون، لذلك تحتشد اللوحة بالكامل، ولا تترك الفراغ،في رغبة ملحة لغمر القماش، أو الخشب، أو الثوب، أو باقي المساند الأخرى بالألوان. 

98  فائق العبودي 4.jpg

هناك شبه موسيقى هادئة تنبعث من ألوان العبودي، هدوء يحافظ للعين على راحتها، ليستدرجها لولوج النوافذ المطلة على عوالم الفنان، لترى كيف يصوغ الأشكال، أبواب مشرعة، رقُم في هيئة وسادات، لوحات توهم بالقدم مثل مخطوطات دبغها الزمن، وتآكلتْ بفعل التعرية، والكشط، زرابي مرقومة عليها آثار البلى، أعمدة مكتوبة بطريقة متاهية.

إذا كان كبار الفنانين الغربيين من أمثال فان غوغ، الذي اعتمد في بعض لوحاته الحرف الياباني، وأيضاً بعضاً من ثقافة اليابان لاعطاء لوحته بعداً غرائبياً، والانفتاح على الشرق من أجل أن يعطي فنه دافعاً تجديدياً، في لحظة عرف فيها الفن الغربي ركوداً، فإن العبودي استوحى ثقافته الشرقية المرتبطة بهويته ووجدانه، ليجعل منها رافداً فنياً لاينضب، وليقدم للغرب، وأيضاً للشرق شيئاً فيه طرافة، وجدّة، وخلق ألفة لدى المشاهد لعلامات، ورموز تحتاج إلى زمن كي تُقرأ وتفك شيفراتها، بهذا يحاول فن العبودي أن يروض عراقة العلامة في أشكال متجددة على الدوام لتبقى راسخة في ذاكرة المتلقي.

 

د. محمد آيت لعميم

كاتب وناقد ومترجم - المغرب

 

 

أعمال صالون صفاقس السنوي أنموذجا

نتيجة لتطور المفاهيم الجمالية والفنية في الفن المعاصر، قد أوضحت الأعمال الفنية أن هناك مفاهيم متباينة نحو استخدام الخامة كوسائط مادية في بنائها، فهناك أعمال فنّية تبدو وكأنّ لا علاقة لها بالمادة بوصفها عنصرا أساسيا يدخل في تكوينها، فيقتصر استخدامها كوسيط لتسجيل بعض المظاهر، وتظهر بعض الأعمال الفنّية اهتمام الفنانين بمدى أهمية العنصر الجمالي للمادة. وقد استفاد بعض الفنانين من الإمكانات التشكيلية والتعبيرية للخامة في تأكيد أفكارهم الفنّية وقيمهم التعبيرية، ونتيجة للتطور التكنولوجي والعلمي الذي ساعد على تحقيق أفكار إبداعية تتخطى كثير من المفاهيم التراثية.

إنّ لكلّ مادة جسد يتحدث بلغة خاصة عن نفسه، هذه اللغة هي روح المادة التي يسعى الفنان إلى كشفها والسماح لها بالإنطلاق والتحليق من خلال عمل يضج بالحيوية والحركية. فالخامة تتضمن في ثناياها جوانب لا حصر لها، يجب البحث فيها عن كلمة السر لفتح أبوابها لتظهر صورة أو شكل العمل، واستبعاد ذلك الوسيط أو الخامة، يجعل من العمل الفني غير متكامل.

ولعلّ عودة افتتاح معرض صالون صفاقس الذي تأسّس منذ سنة 1986، والذي احتجب خلال العديد من السنوات، قد رجع تدريجيا سنة 2017 في دورته الخامسة والعشرون، ثمّ انقطع لمدّة سنتين، وعاد بكلّ جدّية في دورته السادسة والعشرون، ولعلّ من أبرز مزايا هذا المعرض أنّه يحتكم إلى مهمّة التواصل ما بين العمل الفنّي والمتلقي، فوسائل الإعلام هي وسائل اتّصال بالدرجة الأولى ويهمّها أن تثير أثناء تغطيتها للمعارض الفنّية، هاجس التواصل بين الفنان والجمهور، وأن تثير فيه رغبة الزيارة لهذه المعارض والتواصل مع مختلف تلك الأعمال التي تبرز ثقافة تشكيلية لونية وتقنية. فهل على الفنّ التعبير فقط؟ أم يمكنه المساهمة في تغيير وجهة المتلقي؟

إذ ليس العمل الفنّي هو ذاته لكلّ المتذوقين، ذلك لأنّ لكلّ عمل دلالاته التي تثير خيال المتلّقي وتحفّزه على التأمّل والتساؤل، فينفتح المجال واسعا للتحليل والتأويل والاكتشاف، كلّ حسب قدراته وخبراته وثقافته، فتختلف قراءات اللوحة الفنّية بتنوّع الرؤى والتفاعلات الوجدانية ويصبح خطابها متعدّدا. فقد أكّد هذا المعرض على إصرار الفنان ومدى حرصه على إرساء علاقة متينة مع المتلقي من جهة، لتحقيق مستويات من الاستجابة على إحياء تذوّق تلك المتلقي للعمل التشكيلي، سواء على مستوى الإنجاز أو ما يعقب هذا الإنتاج من نتائج. إذ إتّسمت معظم الأعمال بأسلوب ورؤية جديدة على مستوى مختلف التقنيات المادوية والتكنولوجية المعاصرة.

فما على المتذوق سوى أن يدرك الأبعاد التعبيرية والإيحائية للون ولما وراء اللون، وبذلك فإنّ الإبداع لدى الفنان هو حيرة، فكرة، فعلا، فنتاجا، إذ أنّ معظم الأعمال سعت إلى إثارة مفاهيم ذهنية تعبّر عن قيم ورؤى ومواقف وأحاسيس إنسانية. إذ نرى في مثل هذه الأعمال تفاعلا بين الوعي باللاوعي والموضوعي بالذاتي والوجداني بالحسّي، وصولا إلى اللامرئي ليصير مرئيا ودّالا،  باعتبار أنّ الفنّ هو فعل وتفاعل وحوار بين الفنان ومحيطه ونتاجه من جهة وبين ذاته والآخر من جهة أخرى. وبهذا فإنّه يكفي أن نتعرّف على بعض توصيفات لأعمال فنّية مشهورة، وجدت اعترافا بانتسابها لمجال الفنّ التشكيلي، التي من ضمنها ماهو ذو مضمون ومحتوى، ومنها ماهو تجريدي بحث، ومنها ماهو ميدان للتأمّل والتأويل، ومع أنّها جميعا أعمال فنّية فإنّ طرق الإنجاز لها متعدّدة.

إذ استوقفنا هذا المعرض، لكونه قد اشتمل على مجمل الاختصاصات،  والاشتغال على تنويع المحامل والوسائط والدمج بين تقنيات مختلفة، ممّا أفرز نتاجا قد تميّز بخاصيات تشكيلية وتقنية ومادوية نوعية، ولنستهلّ في البداية بما حظي به الرسم من تقنيات مختلفة  بالنصيب الأوفر في منتوج بعض الفنانين الذين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر كلّ من الفنان عبد اللطيف الحشيشة وصفوان علولو وخليفة البرادعي ورضا الغالي وكلّ من الفنانات نجوى عبد المقصود وهندة بوحامد وهيفاء عبد الهادي وغيرهن من الفنانات والفنانين، الذين اتّسمت أعمالهم بنزعة تجريبية وبجرأة عالية التي جاءت من فهمهم العميق لقوانين وخصائص المواد التي يشتغلون عليها، إذ نستطيع أن نرى إلى ما يمكن أن نسميه بالإيقاع التعبيري اللوني، ربّما لأنّهم أرادوا تقديم  نفس آخر، إذ سعوا في مثل هذه الأعمال إلى تقديم تناول بصري لإيقاعات مختلفة من حيث التقنية والأسلوب.

وبهذا يكون العمل الفنّي، هو حوار متواصل مع المادة اللونية والأشكال والخامات في تكوينات لا متناهية تنزع إلى التجريد أكثر من نزوعها إلى التشخيص والتمثيل، وهو أيضا حوار الحسّ مع الفكر والأداة لإنشاء خطاب جمالي، إذ  حاول هذا المعرض أن يبني ما يمكن أن يثبت خطوات المبدع من خلال تعاضد مختلف الاختصاصات، فمن تشابك الخيوط وتعاضد مختلف التقنيات والوسائط، فللفنان محمد سحنون على سبيل الذكر لا الحصر، له العديد من الأعمال التي تندرج ضمن نسق فنّي واحد إلاّ أنّها في الوقت ذاته تمثّل منعطفات مختلفة وأبحاثا متفرّقة في تركيب الشكل وبناءات العمل إجمالا وفي طبائع الخامات والتقنيات مثلما هو مجسّد في عمله المشارك به في هذا المعرض، حيث أنجز أعمالا فنّية ذات خصوصية عالية، حملت تمثيلات شديدة التنوّع لتصوّراته وعبّرت إلى حدّ كبير عن سعيه نحو التجديد والإبداع المستمّر.

ولعلّ في ذلك ما يجعلنا ننبهر بالتكوينات الحروفية التي أنجزت من قبل بعض الفنانين، محاولين إعطاء قراءة مغايرة للخط العربي. إذ أنّ كلّ فنان حاول أن يتمرّد على القوالب المعرفية الجاهزة، حيث سعى كلّ منهم إلى استدعاء سياقات رؤيوية وجمالية من مصادر غنّية، ولكن أثناء بحثهم لا يتجاوزون الإرث الفنّي المحلي، بل إنّهم لا يتجاوزون أي موضوع يجدون فيه إثراء لأعمالهم الفنّية.

إنّ مثل هذا التوّجه في انتهاج التكوين الحروفي قد مثّل بالنسبة للفنان خالد الفقي، هاجسا دفعه إلى خوض تجارب فتحت له مسارات جديدة، إذ أنجز هذا الفنان تكوينا اتّصف بقيم فنّية متنوّعة، والعمل على صياغة الحلول الجمالية التي تضمن له اندماج الأجزاء في الكلّ مع استثمار حضور الخط العربي في خلق طرح إبداعي يثير الدهشة، ولتحقيق خطاب متعدّد المعاني والإنفتاح على العديد من الأبعاد التعبيرية، إذ عمل على إمكانية الدخول فيما يشبه التناص أو إنتاج قراءة بصرية للخط العربي، توازي الشكل الفنّي العام للوحة وتستوحي المحتوى، إلاّ أنّها لا تفقد إبداعيتها ولا تستحيل إلى صور. فقد عمل هذا الفنان على إعادة تمثيل الخط العربي عبر محاولات إثراءه  بنماذج فنّية أخرى، حيث يقول الناقد محمد أبو رزيق "بأنّ قراءة العمل البصري هي نوع من القراءة المكافئة  لقراءة النصّ المكتوب"،   وهو توجّه قد نجد له صدى في العديد من التجارب العربية التي احتفت بتوظيف الخط العربي والعلامة الخطية، ولذا تأتي ممارسة هذا الفنان إضافة هامّة إلى من سبقه في هذا المجال، معتبرا بأنّ  الحرف هو الهيكل العظمي للوحة التشكيلية الحروفية العربية.

كما تستوقفنا الأعمال الخزفية لكلّ من الخزاف كمال الكشو وبلحسن الكشو ومنجي والي ...وغيرهم التي أفصحت على تفرّد تقنياتهم التي تتميّز بخصائص مميّزة تتوافق في تعزيز ما قدّمه هؤلاء الفنانون للبحث عن ماهو جديد ومبتكر، فكلّ منهم قد استخدم طرق متعدّدة ومتباينة في آليات التطبيق مثل تلك التقنية التي أصبحت نهجا خاصّا لكلّ فنان في تفعيل آلية تجربته، وذلك لأنّها تعدّ من أهمّ التقنيات المعبّرة وذلك للتعبير عن قيم شكلية من خلال استغلال الطين والطلاء بطرق مختلفة في الإنجاز والتقديم.

ذلك أنّ تناول أهمية التقنيات وأساليب التنفيذ والمهارات العملية للأداء الفنّي، نجدها تعطي الفنان حرية في التعبير، وتكون ذات تميز وتفرد خاص، كما أنّها تميز العمل الفني حين لا يظهر أي التباس بين تلك التقنيات وأساليب التنفيذ، ممّا يوضح تمكّن الفنان وقدرته على الأداء ، دون أن تفقد الخامة قيمتها داخل العمل الفنّي، فهذه الخامات والتقنيات والتنوّع في الإنجاز، تعين الفنان لإيجاد حلول غير تقليدية تجمع بين التعبير ومختلف الوسائط، ولعلّ ذلك ما نتلمّسه في بعض الأعمال النحتية مثل عمل الفنانة ريم معلى ونزار الطريشيلي وعادل الجموسي، وهنا نجد أن الخامة والتعبير يساهم كلا منهما بدور فعال داخل كيان العمل الفنّي، فالتعبير يتطلب تقنيات محكمة تساهم الخامة كثيرا في إظهاره، فالخفة أو الثقل، والتألق أو الإظلام، والنعومة أو الخشونة، كل تلك الخصائص تزيد العمل الفنّي من قدرته التعبيرية، حيث يقول شاكر حسن آل سعيد " بأنّ مهمّة الناقد هي إيصال شحنة الانفعالات في العمل الفنّي من الفنان إلى الجمهور" ، ولكنّ عمق الاختلاف ربّما يتجلّى في مسألة كيفية قراءة العمل التشكيلي.

تستوقفنا أيضا أعمال الحفر التي قد تنوّعت من فنان إلى آخر كلّ حسب أسلوبه وخامته المفضلة، حيث نقف على عمل الفنانة لبنى عبد المولى وفاطمة دمق والفنان عبد الله كمال، فكلّ قد عبّر بطريقته عن نزعته التجريبية بجرأة عالية التي جاءت من فهمهم العميق لقوانين وخصائص المواد التي يشتغلون عليها، وبين هذه الدوغمائية الخطية تتسرّع التفاصيل الموحية في المثول، قد تكون أجسادا بشرية أو كائنات حيوانية ذات هيئة فانتازية، ممّا فتح لهم مجالا أوسع وإمكانيات أكبر وبدائل قد مكنّتهم من التحرك والتعبير بحرية وبما يتفق مع رغباتهم واتجاهاتهم الفنّية.

فالتركيب والخامة، لا يمثلان عملا أو قيمة فنّية، ما لم يتضمنا التعبير، وهو عنصر له ارتباط كلي بماهية الشكل والخامة، حيث سعى كلّ فنان إلى توظيف خصائصه الشكلية والتعبيرية في تحقيق فكرته، والتعبير في العمل الفني قد يكون مباشرا أو ضمنيا أو رمزيا. فلا بد أن يحتوي العمل على تعبير ما، ولا يعني ذلك انغماس الفنان في جماليات الخامة والشكل، لإهمال هذا الجانب العام، الذي بدونه يفقد العمل طبيعته الفنية والجمالية، ما لم توظف هذه الجماليات في إظهاره وتوضيحه، فالخامة والشكل والتعبير، لبّ وجوهر الفكرة الفنية، و بصرف النظر عن الخامات وهدف الفنان، فإنّ هذه الاعتبارات الثلاث تبدو وكأنّها تشكل النواة لكلّ محاولة أو سعي لعمل فنّي.

إذ أنّ قيمة العمل الفنّي تنتج من تضافر عناصره الثلاثة، الخامة والشكل والتعبير، وقيمة كلّ عنصر ترتبط بالعناصر الأخرى، فمن الأهمية تبيان جوانبها في تقييم العمل، من حيث قيمته التشكيلية والتعبيرية، ويوصف التعبير بأنه هو الهدف والفكرة التي يحتضنها الفنان ليخرجها في شكل جمالي يحتوي على نظام تتجاوب معه الأحاسيس الإنسانية، لهذا لا يكون التعبير عنصرا إيجابيا إلا بتفاعله مع عنصري الخامة والشكل، حيث لا يوجد عمل بدون شكل وخامة، وعندما يفكر الفنان في العمل الفنّي، فإنّه يختار خامته ويعمل على صياغتها بطريقة تحقق له أقصى عطاء تشكيلي وتعبيري.

غير أنّ قناعاتنا تزداد يوما بعد يوم بأنّه لا مجال لفنان عصر التكنولوجيا الحديثة والبرمجيات الذكية والعوالم الافتراضية أن ينغلق ويعتكف في برجه ليتمسّك بنفس تقنياته وأشكال تعبيره، وذلك لأنّ العلاقة بين الفن والتقنية أو الفنون والتكنولوجيا هي علاقة ديناميكية، علاقة إبداع تدفع بالفنّ إلى ابتكار أشكال تعبيرية دائمة التجدّد والتنوّع، إذ نلاحظ بأنّ مجال التصوير الفوتوغرافي أصبح يتقدّم بالتوازي مع كلّ المساحات التعبيرية الفنّية، حيث نجد حضورا لهذا التناول في تجربة كلّ من الفنانة سماح بوشعالة من خلال اعتمادها على تقنية الفوتومنتاج وكذلك حنان المعزون على التصوير الرقمي، والفنان حمدي المعلول وغيرهم من الفنانين الذين أخذوا من تقنية التصوير الفوتوغرافي أداة في أعمالهم، ليصبح إمكان اختراقها وتحويلها من بعد ذلك إلى أشكال فنّية، وذلك من خلال تعمّقهم وتحكّمهم في مسارهم الفكري والذوقي. إذ نلاحظ بأنّ مثل هذه الأعمال قد اتّسمت بصبغة تجاوزية للمرئي الذي تمثّلته وأعادت صياغته برؤى مختلفة، فالفنّ الرقمي ليس مجرّد وسيلة توثيق، بل وسيلة إنتاج لصور فنّية تجمع بين الواقع والخيال مع إمكانية نسج علاقات تفاعل بين طريقة عرضه وطريقة إعادة تمثيله كوسيلة إبداعية أكثر منها توثيقية.

فقد سعى كلّ من هؤلاء الفنانين لردم الفجوة والهوة ما بين الفن التشكيلي وعالم الرقميات، وتركيزهم على اختيار المادة المناسبة التي تعبّر عن عمق التعاطي مع اللون بكلّ دلالاته الرمزية، وما على الفنان سوى أن يسعى لتطوير وسائله التقنية لتطوير عمله الفنّي والارتقاء به نحو المعاصرة، إذ فتح هذا المجال التكنولوجي ما لا نهاية من إمكانات تشكيل رؤى جديدة ومتعدّدة في تحديد نسق بناء العمل الفنّي، حيث استبدال ورشة التصوير الزيتي بالحاسوب، فحاسوب الفنان هو بمثابة ورشة العمل الفنّي الذي تنبثق منها الرؤية الفنّية والمنجز التشكيلي، من خلال انتهاج الرسم الرقمي واتخاذه كآلية تطوير لمبدأ التمثيل.

وفي الأخير لا يسعنا القول سوى أنّه لا يستقيم للعمل الفنّي أيّ وجود وفهم من دون وجود تلازم بين وجود العمل الفنّي وبين الطبيعة الإنسانية التي تحتضنه وتغذي قيمه. فللعمل الفنّي قيمة هو بمثابة ذاكرة فنّية أو أثرا حضاريا أو جزءا من الضمير الثقافي للمجتمع، وهذا راجع إلى مدى تطوّر ثقافة النظر إلى الأعمال الفنّية، وبهذا فإنّ الثقافة هي المؤشر الأساسي في التعبير الفنّي، وبذلك فإنّ البعد الخصوصي الثقافي لن يتأتّى إلاّ بمعرفة حقيقية لما نريد أن نعبّر عنه من دواخلنا وتحرير التشكيل من مسميّاته وقوالبه التقليدية وتوفير المناخات الحرّة في التناول والتعبير.

 

مكية الشرمي

أستاذ ة مساعدة بالمعهد العلي للفنون والحرف بصفاقس