 مقاربات فنية وحضارية

السلسلة الذهبية للفن الاسباني المعاصر (1) .. انتونيو ساورا

khadom shamhodانتونيو ساورا Antonio Saura    هو احد ابرز فناني ما بعد الحداثة  وعده بعض النقاد من عمالقة الفن الاسباني المعاصر .

 

 كان احد مؤسسي جماعة الممر - el paso  - عام 1957 . وقد شكلت هذه الجماعة خطابا طلائعيا رائعا  في الدعوة الى التجديد والتحرر من تقاليد الفن الكلاسيكي – ما بعد الحرب الاهلية 1936-1939  دون التخلي عن الشكل الشخصي  الذي اعتبروه المحور والقاعدة التي تنطلق منها  الحداثة والمعاصرة  .. ولد ساورا في مدينة ويشقة شمال اسبانيا عام 1930 .. وهي مدينة تاريخية اندلسية، لازالت فيها بعض الآثار العربية مثل بقايا من السور العربي القديم والمسجد الكبير الذي تحتله اليوم الكاترائية الكبيرة . ولازالت الاحياء القديمة والازقة الضيقة وشرفات المنازل والطراز المعماري الاندلسي ..

 

انتونيو ساورا بدأت تطلعاته الفنية وحياته كفنان سريالي عندما زار باريس عام 1954 ومكث فيها سنتين يتعلم في  مدارسها الفنية الحداثة  . ثم سرعان ما تحول الى الاسلوب التعبيري متخذا جاكسون بولوك 1912-  وبيكاسو 1881 - كخط بياني لاتجاهه الجديد .  حيث انطلقت فرشاته الى فضاء اكثر تعبيرية وحرية وجمالا ..   تنقلنا تقنياته ومواضيعه  الى ابعد من كونها في دائرة عالم التجريب لمرحلة معينة ، وانما هي  ظرورة تعبيرية  ومتعة جمالية نابعة  من الذات والعواطف  الانسانية .. .. وقد ذكر احد النقاد الاسبان  بان ساورا يصنع النظام من اللانظام  ..

Un orden del desurden  - ويعني ذلك  ان ساورا يبني اعماله ويستمد  افكاره من الفوضى السائدة  التي يراها في الحياة .. ( ( اذ ان التجديد والاستحداث لا بد من ان يسبقه هدم وتحطيم، حيث يعقبه بناء يقوم على اسس ونظم لم تكن معهودة من قبل . ... وقد كان الفيلسوف الالماني نيتشة صادق الحدث فيما ذكره بصدد هذه الحالة اذ يقول "  ما لم تكن لديك حالة من التشوش والاختلاط فانك لا تستطيع ان تضع ميلادا لنجم متألق ... ))  وفي هذا الاتجاه والاستحداث  والابتكار الذي سلكه ساورا يمكننا ان ندرك بوضوح كيف استطاعت  الحركة الفنية التقدمية في اسبانيا ان  تدفع بالافق الثقافي الى مستوى لم يكن معهودا قبل هذه الفترة  ...

 

لقد شكلت المرأة الموضوع المحوري عند ساورا منذ خطواته الاولى في عالم الفن 1956 - وهي واحدة من اهم المميزات التي تتصف بها اعماله وقد رسم مجموعة راقية من اللوحات اطلق عليها Las Damas   -  السيدات -  وقد عرضت هذه المجموعة في متحف مدينة قوينقة عام 2003 .. هذا العنصر التكراري الابداعي  يسميه بعض النقاد  بالعبقرية ويسميه البعض الآخر الشخصية . حيث نراه يرتقي في عملية  التكرار الى رؤية رومانسية تعبيرية . كما فعل بيكاسو عندما استنسخ  لوحة فيلاسكس - لاس مينيناس – اكثر من اربعين لوحة مكررة  .. كل واحد تجد فيها معالجة واداء وقيم لونية وروحية تختلف عن الاخرى .

و هنا تكمن العبقرية ، حيث تظهر  الامكانية الواسعة  والقدرة الكبيرة على الخيال والابداع .

وفي مجموعة اخرى من اعماله  نرى وجوه واجسام محطمة وممزقة تعبر بحق عن اضطراب وقلق متطرف عالجها بخطوط كثيفة وفرشاة عريضة الضربات، بحيث احيانا لا يستطيع المشاهد التعرف على ملامح  الوجه . وكأنه بهذه النزعة يريد بنا الانتقال للبحث عن الماهية او روح الشكل االمستتر .. .. وكما قال الفنان الفرنسي ديدرو  Didrot  ( ان الفن يجب ان يكون ممثلا للحركات التي تكون اكثر تعبيرا عن انفعالات الروح  .. )

لقد انتصر هذا الاسلوب التعبيري الجديد  في خمسينات القرن العشرين في اسبانيا ومارسه الكثير من الفنانين الشباب في ذلك الوقت كما هو عند بولوك وانطلاقته وتحرره من الشكل ...  ولكن ساورا كان اكثر رمزية ولطافة من بولوك حيث كان ملتزمنا  بملامح وتعابير الوجه .. هذا الوجة المحطم يذكرنا باعمال الفنان الهولندي  لوثبيرت من جماعة كوبرا Lucebert  1924  - grupo cobra   من حيث الحرية في الالوان و الخطوط وكثافتها  وحركة  الفرشات وتشويه الوجة ..

 

في عام 1943 توقف ساورا عن الرسم  لمدة خمسة سنوات .  وكرس حياته للقراءه والكتابة  ثم اخذ ينشر  سلسلة من المقالاته الفنية تحت عنوان – الفن المنحط - في مجلة تدعى – Signal  -  وفي سنة 1948 اخذ ساورا يتنقل بين مدريد وباريس واقام له اول معرض شخصي عام 1950 في مكتبة  سرقسطة . ثم عرض في مدريد عام 1951 .. وهكذا بدأ ساورا يعيد نشاطه الفني ويعرض في كالريات ومتاحف العالم مثل امستردام وجنيف ونيويورك  ومدريد  وغيرها ..

وفي عام 1959  اقام ساورا  مع الفنان الاسباني  الكبير  تابيس  معرضا مشتركا  في ميونخ حيث مثلا صورة الفن الاسباني المعاصر امام الجمهور الالماني .. وفي عام 1958 اشتغل كمزوق لدور النشر للروايات والكتب العلمية وغيرها كما قام بنشر كثير من المقالات الفنية والادبية في الصحافة الاسبانية . واستمر في ذلك الى عام 1984 . وفي عام 1982 منحه الملك اخوان كارلوس الجائزة الذهبية للفنون الجميلة ....  وفي عام 1967 استقر ساورا في باريس بشكل نهائي وهناك توفى  عام 1998 ....

وفي عام 1982 منحه الملك اخوان كارلوس الجائزة الذهبية للفنون الجميلة ....

و بعد وفاته قامت احدى بناته الثلاث - مرين ساورا  1957-  بانشاء مؤسسة فنية لعرض وحفظ اعمال والدها بشكل دائم في جنيف . واصبحت هذه المؤسسة متحفا راقيا وملتقى اهل الفن والثقافة . كما يوجد فيه   صالات للعرض والمحضرات ومكتبة وارشيف الفنان  ساورا ...

 

 

د. كاظم شمهود

 

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2337 الجمعة  25 / 01 / 2013)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2334 المصادف: 2013-01-25 15:41:37