 مقاربات فنية وحضارية

التعبيرية في الفنون السومرية والفن الحديث

zouher sahebان ما يشكل جزءاً من اليومي، يصبح في الوعي الجمعي نوعاً من الاسطورة، التي تنتمي الى الخيال والى مجال اللا محتمل. ذلك ان (التمثال) في المبدعات السومرية، حدسي متحرر من ضغوط القيود الحسية، ومحمل بطاقة روحية مهيمنة، وبنوع من التضايف بين الذاتي والموضوعي، بحيث ان الخارجي لا يكون مسوغاً لوجودها، الا ان يكون تعبيراً عن الداخلي. فهناك عالم ذاتي ليس اقل واقعية ولا اقل حقيقة من العالم الذي يعتبره الحس المشترك عالماً موضوعياً.

ومقولة التماثيل السومرية هذه، تؤسس مقترباً لها مع اسلوب التعبيرية، حيث عمل الفن على تفعيل فكرة اخضاع الطبيعة، وجعلها طبق الاصل لاستجابة الفنانين الذاتية .. والذين بذلوا جهداً فكرياً وتقنياً لاختراق الظواهر، بغية كشف عما شعروا انه يؤلف الجوهر الاساس في الظواهر".

ذلك ان بنية الفكر بين سومر والتعبيرية، قد بثت الرغبة في الذات، ان تدخل سر الحياة، وان تتعقب دروب الطاقة الخلاقة في الوجود، وان تبتكر ليس ابتداءً من الواقع المنظور، بل اتفاقاً مع حقيقة اكثر عمقاً. وهنا يبرز نوع من القصدية (الوجدانية) لتحطيم نظام الصورة الايقونية كقيم بنائية مادية، متحولة لبنية فكرية تسقط الصورة الذهنية، ولكن كايقونات ذات مغزى كوني، يؤسس الشكل فيها مقترباً له بين التماثيل السومرية ولوحة الزوجين للفنان (مودلياني) وتمثال السيدة (بوكَاني) للنحات برنكوزي.

وبفعل انكماش التعبير في منظومة التماثيل السومرية على الحياة الداخلية للذات، التي تتجاهل العالم الخارجي، فان نظام التماثيل السومرية. يؤسس له مقترباً مع اقنعة (انسور) وموديلات (جورج روو) . فهناك قصدية واعية مستندة الى الخيال والارادة والوجدان، سعت الى تحطيم المنظومة الايقونية لنظام الصور الشكلي، بغية التغلغل بما هو انفعالي، لكشف مشكلات الذات الانسانية. فهنا يمكن (رصد) نوع من النزعة العاطفية حلت محل العقلانية، ترجح خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع . وفي ذلك نوع من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية.انه الفنان نفسه المقدم على هيئة عمل خلاق، يعبر به عن سعادته الداخلية." ذلك ان الوجود كله في التعبيرية امتداد لروح الفنان او نفسيته، فالفنان مركز الكون، والكون كله نابع منه".

هذا هو جوهر التعبيرية بين سومر والفن الحديث، ومصدر قوتها وجمالها وروعتها.وهكذا فان نظام الصورة التشكيلية بين المبدع السومري الاول والمصور التعبيري، ليست تسجيلاً للواقع الخارجي، بقدر ما هي املاء لذات الفنان، بفعل انصهار الوجود في مخيلته، كما لو كان التمثال قطعة من ذاته، لا جزء من الواقع الموضوعي المحيط به. انه نوع من النزعة غير التسجيلية، التي سعت في سلسلة الاشكال بين سومر والتعبيرية، الى اختزال الظواهر المرئية لتاكيد استقلالية الاشكال الخالصة.

انها تفرض نظاماً على الاشكال، وتقصي من بنائيتها، ما هو عرضي وزائل في رؤيا الاشياء، وتسخر الاشكال والمقاييس لا كادوات بل كحلول. متوصلة بذلك الى اسلوب يتيح للفنان مزيداً من الحرية للايفاء بحاجاته الروحية، وتاويل ما لا يحصى من املاءاته الذاتية. ذلك ان التعبيرية بين المبدعات السومرية والفن الحديث، تقوم على اعادة بناء العالم في حالته السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الاشياء من دلالة الا بقدر ما تتحول لتعكس وضعاً انسانياً.

ان دلالة تمثال المتعبد السومري ليست الا فكرة التعبد، اما صورته فتتلخص في تعبيرها الخيالي. وكي يتضايف هذان الوجهان في نظام التمثال الشكلي، يلزم تحول الموضوع الى شكل فني . بحيث لا يكون القصد ان تمثل هذه الاشكال ذاتها بما فيها من خصوصيات فردية، ولا ان تعرض للوعي مباشرة (الميتافيزيقي) المخبىء فيها، بل تكون اشارة وتلميحاً اليه. ذلك ان التجريد يطال كل السمات الواقعية في الصور السومرية والاسلوب التعبيري، ولا يغدو تمثلاً حقاً في بنائية مثل هذه الاشكال الرمزية، الا بعد ان يلغي من عالم المرئي كل ما يؤلف بنية الموضوع الفردية، بفعل تبسيطه واختزاله اياه.

وقد بدت هذه التقابلات الشكلية، مفهومة بين نظام التماثيل السومرية وتمثال السيدة (بوكاني) للنحات برنكوزي ذلك ان الشخصيات مفرغة تماماً من وجودها كايقونة معاشة، ومرحلة بفعل تماثل ضغوط البنية العميقة للفنان، الى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور. نوعاً من الصوفية عصفت بالمتعبد السومري، ومن بعده شخوص (كيرشنر – روتلوف)، لاجتياز حالة البشري وصولاً الى حضور الابدية.

لم ينظر المبدع السومري الى الفن باعتباره تمثيلاً للاشياء المرئية، بل وسيلة للكشف عن حقائقها، ذلك ان المرئي في الذهنية السومرية، لم يكن الا حالة مفردة فقط، ففي (الكوني) هنالك حقائق كامنة اخرى، انه الفن الذي ينفصل بفعل الذات عن الطبيعة كالنار والادوات. فالقيم الثابتة في المبدعات التشكيلية السومرية، هو تاويل دلالات غير متوقعة ولمسة من الجمال يحققها الفنان بالتقارب الشاعري بين اشياء اعتيادية، تنتزع من حالتها التقليدية، لتتحول الى أنظمة شكلية . وهي افاق ابداعية تبدا بوساطة الانسان ذاته، وبتأكيد حقه في ان يتجاوز الطبيعة اعتماداً على مقاييس ومعايير جمالية جديدة. وربما يتصل ذلك بفكرة (بودلير) المشهورة : " أريد حقولاً ملونة بالاحمر واشجار لونت بالازرق، فليس للطبيعة من مخيلة".

ومن هنا يمكن ان يتسامى سقف التعبيرية أعتلاءً، ليقيم سلسلة تاريخية بين التماثيل السومرية ومقابلاتها التعبيرية في متحف الانسانية الخالد. ولكن هذه المرة بدلالة الخامة والتقنية، وهي تقدم خطابها الشكلاني الجمالي على السطوح التصويرية

ان فكرة تجميع الخامات في بنية التماثيل السومرية، تؤسس لها مقترباً مع بنية الشكل في الفن الحديث. ذلك ان (القصدية) السومرية الساعية للتاويل الكيفي الابداعي، في الجمع ما بين القار واحجار البلور الملونة والعاج والقرميد، في بنية الاشكال. تبرز في الذهن فكرة الخشب او الحجر او الصلُب، اكثر مما توحي بفكرة اللحم البشري. حيث عرف الفنان كيف يبعث فيها بريقاً مرتعشاً، يزيل عنها ما علق بها من قيم مادية . فهذه المبدعات غير محددة بزمن او مكان معينيين، بفعل تحررها من قيود التاريخية، انها تخاطب الانسانية بطريقة رمزية شمولية . انها ابلاغ الى اولئك الذين يدركون بوعي رؤية غيبية مماثلة.

هذا الوعي الجمالي بدائرة تجميع الخامات لبناء جسم التمثال، بغية تفعيل تعبيريته، يعقد له مقترباً من التواصل، مع افكار (دوشامب) في الخامات الجاهزة المتنوعة لتكوين نسيج التشكيل، ويقيم تواصلاً ايضاً مع اعمال (بيكاسو) وبالاخص تمثاله (كاس الابسنت)، وبفكرة (براك وبيكاسو) بتقنية (الكولاج) في التكعيبية التركيبية. ليقدم السطح التصويري للتشكيل، خطابه بشكل انساق تعبيرية جمالية، تتعدى واحدية الخامة، باحثة عن تعددها وتنوعها باعتبارها مدلولات جمالية يبثها سطح التشكيل.

 

أ. د. زهير صاحب

كلية الفنون الجميلة – بغداد 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2544 المصادف: 2013-08-23 00:44:04