 مقاربات فنية وحضارية

تاريخ ومفهوم فن الحفر والطباعة (الكرافيك) (2)

khadom shamhodان القيم الجمالية والابداعية والفكرية التي تتسع في ميادين الحفريات لا نجدلها مثيلا في الحقول الفنية الاخرى . فالتقنيات الواسعة والادوات المتعددة الاشكال والطرق المتباينة وماكنة الكبس او الطباعة والحوامض الحارقة . وعوامل الصدفة التي تظهر اثناء العمل والتنفيذ كلها قيم جمالية وتعبيرية ينفرد بها فن الحفر والطباعة على غيرة . وتحمل نسخ الحفر من القيم الشكيلية والتعبيرية ماتحمله اللوحة الزيتية او المنحوتات . واصبح النحت اليوم يخضع لعملية الاستنساخ والتكرار مثله كمثل الحفر والطباعة .. وطرق الحفر كثيرة جدا منها: اساليب الحفر النافر والغائر والمستوي . وتنفذ على الحجر او الخشب او المعادن او البلاستك او الورق السميك وغيرها من طرق الفن الحديث .. ومنها الطريقة التنقيطية وطريقة قلم الرصاص وصبغة الماء – القلفونة – والحفر الضوئي والتصوير الضوئي وطريقة الحفر الحجري والزنكغراف والهيليوغرافير والشاشة الحريرية والطباعة بواسطة الحاسوب .. وغيرها

 

الحفر على الخشب:

بعض النقاد والمؤرخين يعتبر الحفر على الخشب من اقدم الفنون التي ظهرت في العالم وانها تطورت مع تطور الانسان وانها من اقدم الطرق التي ابتدعها الانسان القديم . فاذا كان الانسان القديم قد حفر على الحجر فمن الطبيعي انه قد حفر ايضا على الخشب لسهولة الحفر عليه وتوفر مادته .. وكان المنقاش Buril الذي يستخدم اليوم من قبل الحفارين كان معروفا عند صانعي الحلي في بابل والذي انتقل الى صانعي الحلي في اوربا عن طريق العرب في الاندلس . واصبحت اداة الحفر الاولى عند الحفارين الاوربيين منذ القرن الخامس عشر – تيبوغرافيك . وهو عبارة عن قضيب فولاذي برأس حاد على شكل مربع او مثلث ينتج حركة واضحة ونظيفة .. ومنذ سنة 1493 قام الفنان الالماني- دورر - باصدار كتب مصورة عن مهنة الحفر وطرقها وتقنياتها منها كتاب – طرق الهندسة – واليوم هذه الاعمال هي قطع فنية تعلق في المتاحف .. وكان دورر قد قام برحلة طاف فيها معظم الدول الاوربية لبيع مجاميع من اعماله الحفرية . كما اهدى بعضها الى رجال الدين والملوك . وتبادل بها مع اعمال بعض الفنانين الايطاليين مثل رافائيل .. وقد قام بعض الحفارين باستنساخ اعمال دورر وعلى اثر ذلك اصدرت مدينة نورنبرغ عام 1511 قرارا هددت بالعقاب لمن يسنتسخ اعمال دورر. كما كتب دورر في احد المنشورات (الويل لمن يسلب جهد وابداع الآخرين)

 واليوم اعيد الاعتبار الى هذه الطريقة البدائية اي الحفر على الخشب . وهي طريقة الحفر النافر ويعني ان الرسم يكون نافرا او بارزا بعدما يزيل الرسام جميع جوانب الرسم ويبقي الخطوط .

وكانت بدايات هذه الطريقة خالية من التظليل حيث تتصف بالقساوة والفقر الفني . ثم تطورت فاصبحت الخطوط يرافقها ظل ونور مبسط واصبحت اكثر حيوية خاصة في اعمال الهولنديين في القرن السادس عشر..

وفي انكلترا في القرن الثامن عشر اكتشف الفنانون الانكليز طريقة الحفر على الخشب القاسي الصلب حيث يتم الحفر علية بشكل عمودي اي عكس اتجاه الياف الخشب .. بعدما كانت الطريقة

القديمة تتم بالحفر الموازي للالياف . مما ساعد على الحصول على كل التفاصيل يضاف اليها الدقة اللازمة في الرسم ... وكان من ابرز رسامي هذه الطريقة هو - توماس بويك- الذي اصدر كتابا اسمه (الحيوانات ذو القوائم الاربع) عام 1790 ويشرح فيه طريقة الحفر على الخشب الجديدة . كما برز بهذه الطريقة الفنان الفرنسي - دوريه Gustaue Dore - الذي مهد الطريق الى ادخال الفوتوميكانيك على هذه الطريقة ...

 

الحفر على المعادن:

ان تكرار العمل الفني الواحد جعل من الصور او الرسم فنا جماهيريا. فلم يعد الرسم محصورا

على اقلية او فئة او طبقة معينة من المجتمع . كما كان يحدث سابقا في القرون الوسطى حيث احتكرت الكنيسة الفن والفنانين لصالحها في تزيين الكنائس والمعابد بالصور النحتية و الزيتية والجدارية .. كما كان من خيرة الرسامين والمصورين يشتغلون في بلاطات الملوك والامراء ..

ان الصورة اصبحت وسيلة اتصال بصري وفكري . ان فن الحفر والطباعة بطرقه الحديثة رفعت تأثير هذا الفن على المجتمع الى مستوى عالي جدا . لقد اصبحت الصورة قادرة على ان تستجيب بشكل اوسع لحاجات المجتمع بعدما اكتشفت طريقة الحفر على المعدن . ويذكر ان اول عمل محفور على المعادن ظهر بطريقة الحفر الحامضي عام 1513 م -

ظهرت هذه الطريقة في القرن الخامس عشر مع صانعي الحلي في وادي الراين في المانيا وفلورنسا في ايطاليا , وقد جائت من العرب عن طريق الاندلس كما ذكرنا ذلك سابقا . وكانوا

يستخدمون اداة المنقاش في الحفر , وبعد ذلك استخدمت الابرة الحادة .. ويذكر انه لم يتحقق طبع اعمال فنية على الورق حتى القرن الرابع عشر . علما ان صناعة الورق اول ما ظهرت في الصين ثم ظهرت في بغداد عام 793 بعد ذلك وصلت الى الاندلس عام 1150 – بعدها عبرت الى اوربا .. علما اننا ذكرنا سابقا في المقامة رقم (1) بان الفنانين السومرين والبابليين قد مارسوا صناعة الحفر على المعادن . منها نذكر قدح مصنوع من الفضة محفور عليه طائر النسر بواسطة اداة الحفر بوريل buril المنقاش – الآن القدح في متحف اللوفر في باريس ويعود تاريخه الى حوالي 2500 ق م –

فمنذ القرن الرابع عشر بدأ ظهور الصور الدينية والكتب المصورة .. ومنذ القرن الخامس عشر قام الحفارون برسم وطباعة الصور الشعبية التي ترمز الى الحياة اليومية و الاسطورية . وكذلك الصور الوثائقية والخرائط الجغرافية والتقاويم واوراق اللعب .. بعد ذلك الاوراق المالية والطوابع البريدية وطباعة رسوم الاقمشة . و في باريس بين اعوام 1656 و1760 طبعت ملايين الصور الدينية وتم توزيعها على المجتمع .. وهكذا بدأت الحياة تتسارع و تتسابق في الاختراعات والتطور العلمي والفني والطباعة .

ان اوائل الحفارين الاوربيين كانوا يسمون – بمعلم اوراق اللعب – وكانت اولى هذه الاوراق تسمى تارو ماتينيا Tarots de Mantegna نسبة الى مخترعها الرسام الايطالي ماتينيا .

ثم وظفت صور الحفر والطباعة للدعاية واستخدمت كاداة وسلاحا فعالا . وقد كلف الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الحفارين برسم وطباعة اعمال تخلد منجزاته . وكانت توزع على السفراء وعامة الناس .

وقد قام رمبرانت بنقله نوعية في عالم الحفر عندما اظاف الى الحفر النور والظل حيث خلق عالما من القيم اللونية المتجانسة فقد لجأ الى تدعيم الاسود بواسطة الابرة الحادة وبهذا فيكون رمبرانت مجددا في فن الحفر . كما ان روبنز سار على طريقة رمبرانت في مبدأ الظل والنور ..

واشتهر من الفنانين الانكليز في الحفر وليم هوغارث حيث كانت رسومه الكاريكاتيرية تطبع وتنشر . وكان ساخرا وناقدا للاوضاع الاجتماعية . وتعرض هو ايضا لسرقة اعماله واستنساخها . مما حدى بالبرلمان البريطاني الى اصدار قانون يسمى قانون هوغارث يمنع ويعاقب كل من يستنسخ اعماله . كما قام الفنان الفرنسي دوميه بدور فعال في الحفر والطباعة على الحجر . واشتهر ايضا الفنان الاسباني غويا بحفرياته على الزنك ومجموعته المشهورة – النزوات – وكان فن الحفر والطباعة سلاحا مخيفا . فكان تأثير الصور وانتشارها اكثر فعالية من الخطب السياسية . لهذا فقد تعرضت بعض الصحف الى الاغلاق . كما ادت ببعض الرسامين الى السجن مثل الفنان - دوميه- وتعرض غويا الى المسائلة من قبل الكنيسة .. وفي عام 1599 تعرضت مشاغل الحفر والطباعة الى المنع اكثر من مرة لانها كانت تنافس رسوم المنمنمات التي كانت حكرا على رجال الدين الذين كانوا بمنأى عن القضاء .. وكانت مشاغل الحفر والطباعة الاكبر والاكثر اهمية هي مشاغل الكنيسة والتي كانت تقوم بانواع الحفر حتى الالواح الخشبية المعدة لطباعة الاقمشة .. ومن اشهرها مشغل دير لافيرته Laferte في فرنسا .. 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2657 المصادف: 2013-12-14 11:44:35