 مقاربات فنية وحضارية

محمد مهر الدين .. من اقطاب الفن العراقي المعاصر (9)

khadom shamhodالكشف عن بواطن الاعمال ومظاهرها يعتبر اداة نافعة للفن والمجتمع وهو في حد ذاته تطورا لخدمة الفنان حيث يلفت النظر الى الخلل او الرقي في مسيرته. ويضع مبادئ وتصورات جديدة تنبع من الاعماق او نواة للتغير تعيد حالة التوازن من جديد ..

و قبل ان اتحدث عن فن الاستاذ محمد مهر الدين لابد لي من مقدمة بسيطة عن طلائع الفن الحديث والاتجاهات الفنية التقدمية التي سادت القرن العشرين . حتى نرى حجم تأثيرات بعضها على البعض الآخر . وخاصة على الفنانين العرب ...

يذكر بعض النقاد بأن خربشة الاطفال أي الخطوط المشخبطة تعتبر نوع التلقائية او العفوية بمعنى آخر فاعلية حركية منفلته، يمكن بعد ذلك أن تتطور الى مغزى رمزي . كما ان بعض السرياليين ترجموا التلقائية بهذه الطريقة على الاخص اندرية ماسون وخوان ميرو 1883-1983 . وكان هذا النوع من السريالية هو الذي قاد الى الحركة الجديدة في الولايات المتحدة الامريكية والتي أعطت أسم – الرسم الحركي – Action Painting -.

وقد مارس اندريه ماسون 1896-1987- هذا النوع من التلقائية بأستخدام الكتابات او الاحرف وكذلك الفنان الروسي كاندنسكي 1866-1944 في ارتجالياته. وفي عصرنا الحاضر برز الفنان الاسباني انتونيو تابيس 1923 باسلوب مكملا لمسيرة اخوان ميرو وماسون .

306-descargaقام تابيس بثورة عارمة في الفن التجريدي الحديث حيث استخدم مفردات فنية تتمتع بقوة استثنائية في عالم الفن المعاصر ويعتبر احد رموز الطلائع للقرن العشرين وقد كان ماهرا وحاذقا في المزج بين التقليد والابداع وبين الرمزية والتجريد .. استخدم في تقنياته مواد رخيصة وسهلة التناول والاستخدام كما كان عند حركة - البوب آرت – وهي طريقة الكولاج حيث اعتمد على لصق الورق والنشارة الخشبية والحبال وقطع القماش ومسحوق حجر المرمر والاسمنت وغيرها من المواد الاستهلاكية، وظهرت بعض اعماله بتراكمات لونية، يظهر فيها الحز والحفر وبشخبطات عفوية . كما هي عند الاطفال . ويذكرنا ذلك باعمال الفنان الكبير الامريكي الاصل

سي تومبلي - Cy Twombly 1928 – في حركة فرشته العفوية والطفولية والشخبطة التي نراها عائمة في لوحاته والبقع اللونية المتوزعة هنا وهناك .. وقد   مهدت هذه الطريق الى ظهور - فن اللاشكلية - كما لا ننسى الفنان الفرنسي دوبوفية 1901 حيث انظم الى رسامي الشوارع في مطلع شبابه باسلوبه الكرافيتي فكان يستخدم الرموز والاحرف والحزوز على الجدران بحثا عن تقنيات ومعالجات جديدة ..

كان علي ان اكتب هذه المقدمة لنعرف مسيرة الفنان محمد مهر الدين وتاثيراته برواد الحركة الفنية الاوربية الحديثة .. ونحن نطرح وجة نظر حول اعمال اي فنان سوى كان صديقا او لا . فالحكم للعقل وليس للعاطفة .. وقبل ان اكتب عن محمد قرأت كل ما كتب عنه من قبل بعض النقاد ... ولم اكن متفقا مع اثرها   نتجة للثرثرة والسفسطة والاطراء والثناء العاطفي ..

 

محمد مهر الدين:

مهر الدين هو صاحب خبرة طويلة امتدت الى اكثر من خمسين سنة . وتشهد له معارضه الفردية والجماعية وهو زاخر العمل ومخلص في توجهه الفني . دؤب لا يكل ولا يمل من العمل.

ولد في البصرة عام 1938 واكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها . ثم انتقل الى بغداد ودخل معهد الفنون الجميلة وتخرج منه عام 1959 .. سافر الى بولندا ودرس الفن هناك وحصل على شهادة الماجستير في الرسم والكرافيك .. قام اول معرض له عام 1965 في بغداد كما عين مدرسا في معهد الفنون الجميلة .. قام بعدة معارض فنية داخل وخارج العراق وحصل على عدة جوائز تقديرية .. له ثلاثة جداريات في مطار بغداد والبصرة وساحة الاحتفالات في بغداد .. صدر له كتابين عن تجربته الفنية عامي 2010 و2011 .. وهو واحد من مؤسسي جماعة الرؤية الجديدة التي ظهرت عام 1969..

 

التقنية عند مهر الدين:

التقنية هي الطريقة التي تستخدم بها المواد المختلفة   لابراز المؤثرات النفسية والفكرية واحيانا تمزج وتخلط هذه المواد مع بعضها كالاصباغ والورق والرمل وغيرها .. كل ذلك من اجل البحث عن فضاءات جديدة بصرية الملمس ذات قيمة جمالية .. وقد مر محمد مهر الدين خلال حياته الفنية بمرحلتين من التقنيا ت :                                                                                            1 / المرحلة الاولى // كان فيها متقلبا في اسلوبه وتقنياته وقد تأثر بكثير من رواد الفن الحديث وخاصة   بأساتذته في بولندا عندما كان يدرس هناك في وارشو وكان معظم هؤلاء قد درسوا في باريس على يد رواد الفن الحديث امثال ماتيس وبونار وغيرهم ومن هؤلاء - سانبورسكي - و- اريتموفسكي - والاخير كان منتدبا لتدريس مادة الفن في معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1960.. في هذا المرحلة كان محمد مهر الدين قد استخدم مواد مختلفة من الاصباغ مثل الزيت والاكريلكو والورق والرمل والجص والصفائح المعدنية والخشب وقضبان الحديد والصور الفوتوغرافية وغيرها .. وقد تركت هذه المواد ملمسا بارزا على سطح اللوحة يعكس احيانا ظلالا او كانها جدران تآكلت موادها فتركت خربشات وحفر وخطوط مضى عليها الدهر .. كما ظهرت فيها الاشكال   محطمة واحيانا كأنها اشلاء او بقايا انسان متفسخة وسط كومة من الوحل .. وظهرت بتقنية عالية من الجودة والمعالجات الابداعية.. فعندما ننظر الى هذه الاعمال كأننا نرى هناك صراع قد حدث بين الفنان ومواد الخام من اجل اخضاعها وترويظها لعملية التعبير .. وفعلا ان الفنان في عمله يواجه معركة حقيقية من اجل اخضاع هذه المواد لذوقه وارادته وتحويل المواد البسيطة الى مواد ذات قيم جمالية و   حتى يستطيع من اصال افكاره ومشاعره للآخرين .. ومن خلال ممارستي الشخصية كحفار – كرافيكي – اجد نفسي احيانا امام مواد معادن وحوامض كاسرة و انني في سط ميدان معركة اما منتصرا واما خاسرا .. .. قرأت قبل فترة عن آراء احد الفنانين الاسبان المعاصرين المعروفين وهو- ميغيل بارثلو – يذكر : ان كل عشرة لوحات يعملها يخرج منها ثلاث او اربع تعتبر عنده مرضية ناجحة ..

و كانت اعمال مهر الدين في هذه المرحلة تعبر عن الحس الوطني والثوري وقضية فلسطين والنضال والكفاح المسلح . وجاءت عنيفة معبرة تتماشى مع تلك المرحلة التي يعيشها العالم العربي سنوات الستينات .. والتي تعتبر سنوات ذهبية بالنسبة للفن ...

 

2 / المرحلة الثانية // .. يتعامل فيها مع سطح اللوحة كتعامل رواد الفن الحديث حيث نجد في بعض اعماله الاخيرة غياب اي ملمح شخصي . فطغت على اعماله السطوح اللونية والخطوط والارقام وو الايماءات والرموز والخربشات ومعالجات عفوية وتلقائية كما هي عند الفنان الاسباني تابيس .. وقد استخدم مختلف المواد في تقنياته من زيت واكريليكو وورق ومواد جصية وصور فوتوغرافية وغيرها . فنرى الحزوز والمساحات الفارغة وقشط بعضها لاخراج ما ورائها ..   واحيانا نجد فوضى في الخطوط والعفوية تذكرنا بالفنان الامريكي سي تومبلي 1928 . غير اننا نجد في لوحات اخرى صياغات بنائية هادئة ونصا بصريا يتحكم فيه العقل باستخدام مثلا الخط المستقيم الدقيق التنفيذ اوحتى الاشكال الهندسية الاخرى ..

الرمزية عند مهر الدين :

يقول كاندنسكي: (ان كل لوحة عندي تنطوي بصورة غامضة على حياة كاملة) ويقول سوزان لانجر: (الفن ككل رمزا للوجدان البشري) ويقول اوسكار ويلد : ( كل فن هو بالاساس فضاء من الرموز) .. والرموز التشكيلية تتسم بالتغير والتطور حسب رؤية الفنان وحسب المنظومة الاجتماعية ويلعب فيها اللون اكثر دورا في التعبير وكذلك الشكل حيث تعطي مدلولات رمزية ..

والرمزي هي حركة في الفن والادب ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر. والرمزية تتعامل بالرموز للوصول الى المعاني الخفية .. ومن روادها في الفن كوكان وكليمت وريدون وفي الادب الممهد لها بودلير 1821 وغيره ..

وللرمز الفني معنى يساعد على تفسير وفهم ما هو مخفي سوى من حيث المدلول اللوني او الشكلي .. وجوهر الحياة لا يمكن التعبير عنه وعن جماليته الا بالرمز المنطلق من اعماق النفس

.. وقد قرأت في الفترة الاخيرة عن علم يسمى علم السيميولجيا وهو يعني بدراسة الاشارات والدلالات ومعانيها المستخدمة في المجتمع والتي يوظفها الفنان في اعماله. وهي خطوة اعتقد جيدة ومهمة في تطور الفنون البصرية . وكان مؤسس هذا العلم هو - دي سوسير-

الرمزية عند محمد مهر الدين متأتية بتأثيرات رواد الفن الحديث .. لا كما يقول بعض من كتبوا عنه انها (.. انها من سلالة بدأت تتشعب من دهاليز مدننا ..؟؟؟.) كما ان استخدامه للرمز ياتي ضمن مزاجية خاصة وغير مستقرة نتيجة لشعوره بالغربة والبعد عن الوطن من ناحية ومن ناحية اخرى هو انه يساري المنحى وان هناك خذلان من قبل اصدقاءه في الفكر .. كما انني عرفته عن قرب وبعلاقة طيبة وقد انتقد بشدة بعض الساسة والحزبيين والمثقفين الذين يتصدرون العمل الوطني (....) ويتخذونه واجهه لمصالحهم الخاصة الضيقة .. التقيته في الاردن في عمان عدة مرات وقد دعاني لزيارة معرضه ثم تناولنا الغذاء سوية ودردشة جميلة . وقد حاولت بكل جهدي ان ادعوه لزيارة اسبانيا ولكن مع الاسف لم انجح في ذلك نتيجة للاجراءات القانونية المعقدة ... وسوف احاول انشاء الله مرة اخرى لدعوته الى اسبانيا ليرى عن قرب سيمفونية اساتذة الفن الحديث، بيكاسو، ميرو، دالي، واستاذه المفضل انتونيو تابيس -- تحياتي الى استاذنا الكبير محمد مهر الدين متمنين له العمر الطويل ....

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2706 المصادف: 2014-01-31 23:02:37