 مقاربات فنية وحضارية

الفن بين المتعة والتعبير

khadom shamhodبعد عصر النهضة ظهر في فرنسا فن يدعى فن- الركوكو- في بداية القرن الثامن عشر وكان يمثل الاسلوب الاخير الذي شاع فيه مصطلحا – جميل - و– فني – وكان يعبر عن التحرر المطلق للذوق والزينة .. وحسب المؤرخين فان هذا الاسلوب قد ارتبط بالطبقة الوسطى .. وكان الممهد الحقيقي للعصر الحديث وبداية للمرحلة التي انتشرت فيها الافكار الديمقراطية والنزعة الذاتية ..

و يمتاز اسلوب الركوكو بالزخرفة الداخلية وتحويل المواد الخارجية الى الداخل، وقد انتشر هذا الاسلوب في المانيا واصبح نوع من الثورة، وثورة مقدسة وكان اكثر الاساليب محلية وقومية .. وتأثر فن الركوكو بالفن الاسلامي خاصة قصور الحمراء في الاندلس حيث كانت تمتاز بالثراء الزخرفي الذي يزين جدران البلاط من الداخل بينما الخارج نشاهده كأنه قلعة ضخمة محاطة بالاسوار ..غير ان هذا الفن اختفى بعد الثورة الفرنسية عام 1789 .

503-khadom2وقد بدا بالانتشار عام 1715 حيث كانت اوربا تعيش مرحلة من الرخاء والرفاهية. وقد فضل اصحاب الطبقة الارستقراطية (اصحاب السلطة والمال والجاه) وكذلك الطبقة الوسطى (البرجوازية الغنية) من النبلاء والامراء وكبار الاغنياء، فضلوا العيش في المدينة بدلا من العيش في القصور الضخمة المشيدة في الريف .. لهذا فقد شيدوا القصور والمنازل الراقية واهتموا بزخرفتها وزينتها من الداخل .. وكان هذا الاتجاه ذو طابع دنوي ابتعد عن المقدسلت واتجه الى الاساطير القديمة .. يضاف الى ذلك فان هذا الفن نجده قد زين القبور مما اعطى حياة للموتى ...

و يذكر المؤرخون ان مبتدع هذا النوع من الفن هو انطون واتوا 1684-1721 وهو فنان فرنسي امتازت اعماله بالرقة والدقة والحساسية المرهفة وكان الممهد للرومانسية في الادب والفن . واعتبره البعض رسام ومصور من الدرجة الاولى .. وكان متأثرا بروبنز والمدرسة الفينيسية (البندقية) .. وعاش فترة الرخاء الذي عاشه المجتمع الفرنسي واهتم بتزيين المنازل من الداخل مستخدما مناظر الرعاة ومشاهد المسرح و الحفلات الراقية ... ومن اعماله الشهيرة هو زخارف فندق بوليري الشهير في باريس ...

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو هل ان هذا النوع من الفن يخدم مجتمعاتنا الشرقية وسط هذه الفوضى من الحروب والمعتقدات والتطرف والتخلف والتحجر والدكتاتورية ؟؟؟؟ ... انا اعتقد ان الفن اليوم يعيش في عالم تسيطر عليه قوى جبارة تصنع الحياة او تدمرها؟؟؟؟؟ واقع ظهرت فيه المتناقضات بارزة على السطح . وكذلك تغيير طرق الاستعمارو اساليبه في السيطرة و التفتيش عن المواد الاولية والاسواق ... ؟؟؟؟ كما ان هموم الشخصية الغربية تختلف عن هموم الشخصية الشرقية بحكم التراث الثقافي والديني والفني وغيره ...

اتذكر يوما عندما حطيت في مدريد عام 1977 وكنت هاربا كغيري من الشباب العراقي الجميل من ظلم وتعاسة البعث وطاغيته صدام .. فقمت معرضا فنيا في مدريد . وكانت لوحاتي تحمل بين طياتها الهم والغم والحزن العراقي .. وكان الزوار قلائل وفي احدى المرات رأيت امرأة تدخل المعرض وتخرج منه بخفة وبسرعة ؟؟؟ فسارعت اليها لاسألها عما اذا قد ازعجها شئ من المعرض ؟؟ قالت: حزين معرض حزين كله حزن ..؟؟ . نعم ان المجتمعات الغربية اليوم تنعم بالرفاه والاستقرار (على الاغلب خاصة قبل الازمة الاقتصادية العالمية) وبالتالي تبحث عن فن زخرفي تزيني يثير المتعة والراحة النفسية يتناسب مع وضعها المستقر .. وبالتالي فان فن المتعة والرفاه والزينة ليس محرما ولا ممنوعا ولكنه له ظروفه الخاصة والمناسبة، وفي المكان والزمان المعين والمحدد . وهناك اولويات ..

503-khadom

.. وكان الفنان كوكان 1848-1903 قد هرب من الحضارة البرجوازية وذهب الى جزر تاهيتي يبحث عن نفسه .. فعندما رسم لوحاته في تاهيتي، كان في الواقع يعبر لا عن الواقع المرئي انما يرسم واقعه الذاتي، فهو يحث على الابداع والخلق .. فيقول (اردت ان اؤسس الحق في ان اجرب كل شئ) والحق في نظر الفنانين التجريديين الحديثين هو الماهية او الذاتية التي تكمن وراء ظواهر الاشياء ..

وكان بعض الفنانين يضع في عمله رؤية الذهن قبل رؤية العين كما فعل بيكاسو فحينما ساله احدهم كيف يجعل هذه الاشكال ممزقة ومفككه اجاب (الاسطورة هي التي تعيش) وكان يشير الى الفكر العقلي . لان الاساطير هي عبارة عن تفاعل الانسان مع المحيط .. وبالتالي اصبح الوعي للفنان وعي اجتماعي ...

ان الوعي يعتبر قمة الادراكات العقلية للواقع والتاريخ وفقدانه يتيح للبرجوازية خلق الحروب العامة والموضعية او خلق الاختناقات الاقتصادية وتعميق التناقضات الاجتماعية خدمة لمصالحها

.. وهو ما يحدث اليوم في عالمنا لعربي .. ولهذا فان الفن الذي يعتمد الوعي الاجتماعي ويعبر عن واقعه المعاش يكون من الاسباب التي تصوغ هدفا تقدميا عمرانيا للنفس والبلاد والعباد ...

- اذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2957 المصادف: 2014-10-10 01:21:01