 مقاربات فنية وحضارية

سلطة القصر والمعبد في عهد حمورابي 1792-1750 ق.م

zouher sahebمنذ البدء: إذ ولدت الكلمة الاولى بين احراش القصب، أولت حضارة بلاد الرافدين الانسان كل اهتمامها.. فبحثت في اشكالياتهِ المادية والروحية على حد سواء. معتبرة الانسان والقيم الانسانية المتحركة في الفهم الأجتماعي: أعلى قيمة في الوجود، فكانت الديمقراطية وسيلة لتجسيد حرية الأنسان بأبهى صورها إشراقا.. وكان القانون لتحقيق طمأنينة الانسان ورسم جغرافية ماله وما عليه في ملابسات حياتهِ الخاصة والعامة.

وتواصلاً مع هذه الرؤية، شهد العصر البابلي القديم: ظاهرة تعاظم سلطة الملك وإنفصال السلطات التشريعية والتنفيذية المتمثلة بالملك عن السلطة الدينية المتمثلة بالمعبد وطبقة الكهنة. فرغم احتفاظ الملك بصفتهِ الدينية بوصفه ممثلاً للآلهة في حكم البشر، فانه صارَ سيداً مطلقاً على جميع ارجاء مملكتهِ. وبلغت هذه الخاصية في نظام الحكم اوجها أبان حكم الملك حمورابي: إذ تم نقل جميع السلطات من هيمنة المعبد الى القصر، فاصبح صنف القضاة وشؤون المحاكم وطبيعة الحياة في معظم تفاصيلها (علمانية) النزعة.

لذلك يمكننا عَدّ العصر البابلي القديم بمثابة عصر الأنوار في بنية الحضارة الرافدينية. فتمتع الفنان في ربوع هذه (البحبوحة) بشيء من الحرية، التي لم تكن مطلقة، بل محددة بحدود النظام.. بتعاظم سطوة الذاتي على حساب الموضوعي، في خاصية التعبير عن المشاعر والاحاسيس الذاتية في ابداع اعماله الفنية. الأمر الذي يشجعنا على اقامة علاقة مقاربة بينه وبين عصر الأنوار الذي شهده الفكر الاوربي في القرن الثامن عشر الميلادي، الذي ازاحَ الكنيسة بوصفها السلطة المقررة لنظم المعتقدات، والوسيط بين الأنسان وربه.. الى ان تكون العلاقة بين الانسان وبارئهِ علاقة (ذاتية) وخاصة جداً، يقررها نظام المعتقدات الكامن في داخلية كل أنسان.. على حد تعليمات (لوثر) الهامة في تحولات الفكر الانساني.

ورغم ان الاكتشافات العلمية قد اظهرت: اهتمام الفكر البابلي في عهده القديم بمعابد الآلهة، بوصفها معلماً معبراً عن بنية المعتقدات الأجتماعية العامة.. فان هذه الاكتشافات في (ملمح) آخر قد أماطت اللثام عن نوع من العبادات الشعبية.. إذ إنتشرت في أزقة المدن الرافدينية وبيوتها نوع من المزارات الصغيرة المكونة من غرفة صغيرة تتوسطها مصطبة تقديم القرابين، الامر الذي يؤشر شيوع نوع من العبادات الشعبية الجماهيرية، دون تدخل الكهنوت في تفاصيلها.

ويقابل ظاهرة إنكماش سيطرة المعبد على تفاصيل الحياة الاجتماعية في المدن البابلية. توسع هيمنة الملوك في ادارة دويلاتهم.. ويتمثل ذلك من سلسلة القصور الضخمة المكتشفة في التحريات العلمية مثل قصر الملك (بلالاما) في اشنونا، وقصر الملك (سن ـ كاشد) في الوركاء.. واهمها قصر الملك (زمري ـ لم) في مدينة ماري، الذي يعد مدينة متكاملة البنية في سعته الأسطورية المتفردة.

الأمر الذي يُفسّر كثرة الرسائل الملكية الداخلية والخارجية: ونقصد بالرسائل الداخلية هي نوع من الاحكام والقرارات المرسلة من قبل الملك الى حكام الدويلات التابعة لمملكتهِ، التي ترتبط احكامها بادارة الممالك وحل شؤون المواطنين.. اما مثيلاتها الخارجية فانها تختص بالعلاقات الدولية في شؤونها المتنوعة. فقد بلغ عدد الرسائل المكتشفة في قصر ماري للملك (زمري ـ لم) من كلا النوعين ما يربو على 70.000 الف لوح كتابي من الفخار. وبشكل عام.. لم تكن سلطة الملوك وبالأخص الملك (حمورابي) ذلك الرجل المثقف الذي شجع الأدب والفن إيما تشجيع: مطلقة، وانما كانت محددة ضمن مواد دستور البلاد.. الذي نظم سلطة الملك ضمن قواعد منضبطة تَصّب في صالح سعادة المواطن البابلي في كل الأحوال.

كانت رسائل المواطنين تكتب على الواح الطين، وتُسطّر تسطيراً جمالياً خاصاً. وبعدها تفخر وتغلّف باغلفة فخارية.. حفاظاً على سريتها، واحتراماً لشخصية المواطنين. لتوزع بالنهاية من قبل موزعين خاصين.. ومحتوى هذه الرسائل لم يغادر أبداً مشاكل رسائلنا المعاصرة المرسلة بالتلفون النقال او جهاز الحاسوب.. ففي العام 1978م حينما كنا نواصل الاكتشاف في احدى العواصم البابلية في منطقة جلولاء.. قدَّم الدكتور (فاروق الراوي) قراءة موقعية لاحدى هذه الرسائل التي أرسلت في حينهِ من قبل مواطن في خانقين الى صديقهِ في جلولاء، وخلاصة الرسالة مفاده: (في العام الماضي (إدايّنت) مني (كونية) تمر.. بسبب تلف محصول التمر في بستانك، اثر سقوط الأمطار بشكل مبكر وغير متوقع.. وفي هذا العام جَنيتَ تمورك بشكل طبيعي.. ولم ترسل لي دَيني من التمر.. هو هذا جميل المعروف؟). ترى ما اشبه اليوم بالبارحة؟ اليست حضارة بلاد الرافدين من أنقى حضارات العالم.. إذ لم يشب صفائها وتواصلها أي افكار دخيلة، رغم كثرة الغزوات الخارجية التي تعرضت لها البلاد.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2959 المصادف: 2014-10-12 00:33:08