 مقاربات فنية وحضارية

ديلاكروا والحرية .. لمحات مضيئة في تأريخ الفن (6)

521-liberty2"الحرية تقود الشعب" او "الحرية تتقدم الجموع" هو عنوان اللوحة الخالدة التي رسمها عام 1830 شيخ الرومانسيين الفرنسيين يوجين ديلاكروا (1798-1863) تخليدا لانتفاضة الايام الثلاثة الحاسمة بين 27 و29 تموز عام 1830 والتي اعتبرت بمثابة الثورة الفرنسية الثانية بعد الثورة الاولى 1789-1794. كانت هذه الانتفاضة من اجل الحفاظ على الحرية الدستورية التي سوفها چارلز العاشر والتي ادت للاطاحة به بعد ان ثار الشعب وفرض ارادته.

521-liberty

مثـّل ديلاكروا فرنسا عموما والحرية الفرنسية بشكل خاص بأمرأة جميلة ثائرة متحررة عارية الصدر وحافية القدمين تحمل بندقية بيد وعلم الثورة الفرنسية ثلاثي الالوان باليد الاخرى. وقد حرص ان يتشكل انشاء اللوحة هرميا حيث ترفع الحرية في رأس الهرم سيادة الوطن واستقلاله لكنها تنبثق من قاعدة عريضة قوامها التضحيات ممثلة بجثث الشهداء الذين سقطوا من اجل الوطن فيما يؤازرها الثوار من الجانبين بتعددية واضحة بين البسيط والمثقف والفقير والمتمكن والصغير والكبير والعسكري والمدني حيث تذوب كل الفروقات امام الولاء للوطن. ورغم ان ديلاكروا كان عضوا في فصائل المقاومة الوطنية الا انه لم يحمل السلاح في الثورة. وكان قد كتب لاخيه بعدئذ قائلا: ولانني لم اقاتل من اجل وطني فانني ارسم بحماس من اجل وطني".

521-liberty4يرى بعض نقاد الفن ان ديلاكروا وضع نفسه في اللوحة ممثلا القطاع الثقافي وكفاحه من اجل الحرية وهو الرجل ذو القبعة العالية الى يمين المرأة، فيما يرى آخرون ان ديلاكروا عمد فعلا الى تمثيل المثقفين في اللوحة لكن الرجل ذو القبعة العالية لم يكن ديلاكروا نفسه بل المخرج المسرحي أتين أراگو وبعضهم قال انه فريدريك فيلو الذي اصبح بعدذاك امينا لمتحف اللوفر.

521-liberty3مع مرور الزمن اصبحت لوحة ديلاكروا هذه رمزا للثورة الفرنسية بل اصبحت ايقونة عالمية للحرية الهمت العديد من الفنانين والشعراء والكتاب في كل مكان خاصة في قضية الترميز للحرية بالمرأة الجميلة الثائرة. يقول النقاد ان تمثال الحرية الامريكي الذي انجزه النحات الفرنسي بارثولدي عام 1886 كان من وحي هذه اللوحة بتجسيده الحرية بامرأة تحمل مشعلا بيدها اليمنى وترفعه عاليا. كذلك يرى بعض النقاد ان فكتور هيوگو اختلق شخصية الفتى گافرك في رواية البؤساء بوحي من الفتى الثائر في اللوحة الذي يحمل مسدسين. ولاشك فان فناني القرن العشرين خاصة اولئك الذين خلدوا الثورة السوفيتية والصينية وبقية الثورات الاشتراكية استخدموا مفردات المرأة والعلم والمشعل والسلاح والشهيد وتقدم الجموع بشكل انسجم كثيرا مع لغة وترميز ديلاكروا في هذه اللوحة

 

خاص بالمثقف

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

حُييت استاذ مصدّق

أُتابع بشغف و صمت كل مواضيعك الفنية والتراثية
والتي اعتبرها مشروع ثقافي وحضاري
بصراحة: شخصيا استفدت منها الكثير وألهمتني
الكثير. فشكرا لك


تمنياتي لكم بالتوفيق
والنجاح

صفاء الهندي
This comment was minimized by the moderator on the site

اهلا وسهلا بك صفاء، والف شكر على متابعتك واهتمامك.

مصدق الحبيب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2977 المصادف: 2014-10-30 03:22:21