 مقاربات فنية وحضارية

صلاح جياد .. من اقطاب الفن العراقي المعاصر (11)

khadom shamhodيذكر ارباب النقد والتاريخ بان طرق الفن التي يمارسها الفنان منذ نشأتها في الكهوف حتى يومنا هذا تتلخص بثلاثة اساليب هي: الواقعية والمثالية والتعبيرية . والعنصر المشترك بين هذه الاساليب هي الحساسية الجمالية الفطرية والتي هي ثابتة في الانسان فلا يختلف فنان الكهوف البدائي عن الفنان المتحضر المعاصر .. ويمكن ان نضع الاسلوب الاكاديمي ضمن المدرسة الواقعية .. وقد ظهر منذ ان اسس افلاطون المعاهد الاكاديمة في اثينا ووضع منهجية للبحث العلمي تلتزم بقواعد معينة واصبحت الدروس تدرس بطريقة منهجية في ميادين وحقول المعرفة المختلفة ومجالاتها المتعددة ومنها الفن بجميع فروعه .. وقد تأسست المعاهد والاكاديميا ت في عالمنا العربي لدراسة الفن في بداية القرن العشرين .. ففي مصر اسس الايطاليون اول مدرسة للفنون في القاهرة عام 1898 واشرفوا على تدريس الطلبة المصريين .كما اسست الدولة المصرية مدرسة اخرى للفنون عام 1908 . وفي العراق اسس فائق حسن معهد الفنون الجميلة عام 1939 . وفي سوريا ظهرت اكاديمية الفنون عام 1960 . وفي المغرب اسس الاسبان مدرسة للفنون في تطوان عام 1945 . وفي الجزائر اسس الفرنسيون ورشة للفنون في فيلا عبد اللطيف اثناء الاحتلال ... وهكذا بدأت الدراسات الفنية بجميع صنوفها التشكيلية تسير على نمطية المناهج الاكاديمية الاوربية في جميع الاقطار العربية ...

62-salahjyad1صلاح جياد الاكاديمي:

يذكر الفنان اسماعيل الشيخلي بانه درس على يد الفنان فائق حسن في معهد الفنون الجميل مع مجموعة اخرى من الطلبة - 1939 .. وكان الاسلوب المتبع هو الاكاديمي . ثم حدث انقلاب كبير في طريقة التدريس بمجيئ الفنانين البولونيين الى بغداد عام 1941 -1942 . حيث اصبح التدريس ضمن الاتجاه الاكاديمي الانطباعي لان بعض هؤلاء الفنانين الاجانب كانوا تلاميذ الفنان الفرنسي بونار فنقلوا تجربته الانطباعية الى الفنانين العراقيين امثال فائق حسن وحافظ الدروبي وجواد سليم وغيرهم .. وقد تخرج على يد فائق حسن مئآت من الفنانين العراقيين خلال اكثر من اربعة عقود .. وكلهم يشهدون بفضله . .. ومن الفنانين الذين اعتبروا من (مدرسة) فائق هو الفنان العراقي صلاح جياد .. ويعتبر صلاح قمة واستاذا في عملية اداء الاسلوب الاكاديمي سواء كان في التخطيط الاكاديمي المنهجي للشكل او في معالجة الالوان وتوزيعها . وكان لصلاح فرشة عنيفة ضاربة حرة وحركات عفوية تقود الى تلقائية جميلة وتأتيه عناصر اللوحة طائعة حيث ما يشاء .. كما هو حاصل عند الفنان الانكليزي تيرنر 1775 - عندما كان يضرب بفرشاته العريضة القوية على الكانفاس فتصعد مع امواج البحر التي دأب على رسمها .. وكان صلاح مثيرا للاعجاب بين الاساتذة والطلبة وقدوة وعونا في الارشاد والتوجيه .. وكان يخاطبه الاساتذة باسم – استاذ صلاح - وهو اعتراف له قبل التخرج .. وكان ظاهرة فريدة موهوبة ومتفوقة ولم يضاهيه احد حتى من الاساتذة .. ويظهر تمكنه الكبير في السيطرة على ادواته واسلوبه الاكاديمي منذ بداية دراسته في معهد الفنون الجميلة ..

بدأ صلاح يتجه الى الرسم الحديث في وقت مبكر اثناء دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة .. وخضعت لوحاته الى الجانب التركيبي من مقاطع اشكال هندسية ورموز تاريخية وانشاء حر والوان منتخبة . واصبحت تأثيرات المحيط العربي واحداثة تستقطبه فكانت ظاهرة على اعماله خاصة القضية الفلسطينية وقضايا اخرى من عالمنا العربي .. .. ولكنني اراه في هذه المرحلة بالذات انه اكثر حرية في رسم المواضيع الاجتماعية واتجاهه الانطباعي الاخاذ الذي يطرب المتلقي حيث يذكرنا بسيزان وأئمة المذاهب الانطباعية .. فتظهر الشناشيل والاعراب والنساء القرويات وبائعات الماء وغيرها من المواضيع الشعبية . وهي مواضيع بارزة في اعماله نراها قمة في التقنية والابداع والجمال ..

 62-salahjyad3

صلاح في باريس:

عندما انتقل صلاح الى باريس عام 1976 هروبا من مضايقات النظام الدكتاتوري الشوفيني . بدأت مرحلة جديدة في حياته الفنية بل اننا نرى هنا ملحمة كلكامشية حقيقية في الفن ..فقد استدرج صلاح الموروث الرافدي فظهرت الاشكال السومرية والآشورية بوجوه محطمة مكتظة بالخطوط المتقاطعة العنيفة او غاطسة وسط شبكة عنكبوتية من الالوان والخطوط المتنوعة وبطريقة التفكيك .. ونشاهد عنف وضربات للفرشة قوية تتصاعد نبراتها بقساوة . وكأن صلاح يستدرج الماضي ودمجه بالحاضر الحديث بحثا عن الهوية .. الهوية التي ضيعتها القرون الماضية بفعل السياسات الخاطئة والحكام الجهلاء الذين اذلوا الناس واهملوا تاريخهم ومجدهم .. فنشاهد روؤس وثقوب واجسام مبتورة ووجوه اسطورية ورموز سومرية وغير ذلك ... وربما يريد صلاح بتحطيمه للجسد ان يستنطقه ويدخل الى اعماقه للوصول الى الحقيقة المستورة الغائبة في حضارة وادي الرافدين ....يقول بيكاسو: (الفن المصري والاغريقي لا يمتان الى الماضي انهما اكثر حياة اليوم مما كانا بالمس ..) ولهذا نرى ان الحضارة الرافدية لازالت تعيش حية وسط ابناء العراق من خلال من ما نراه من تقاليد وعادات ومصطلحات لغوية وحتى الازياء .. اما الدراسات المعاصرة في علم الوراثة فتثبت ان الجينات الوراثية يمكن لها ان تنقل الصفات النفسية والاخلاقية وغيرها من القرون الماضية ..

يذكرني اسلوب صلاح بفنان من جماعة Cobra يسمى Asger Jorn -1914 من كوبنهاكن حيث كان يتعامل مع الشكل بحرية مطلقة خاصة الوجه الذي تتقاطع عليه الخطوط والالوان واحيانا يستخدم الآيربراش في تغطية بعض المساحات ( figura abstraida -1962 ..) هذه الجماعة استخدمت العنف في عملها الفني كرد فعل لما احدثته الحرب العالمية الاولى من خراب ودمار لاوربا ... وقد عرضت في امستردام وباريس وغيرها من المدن الاوربية ...

كما تذكرنا اعماله الاخيرة بالفنان الامريكي جاكسون بولوك 1912 فقد كان بولوك في معركة وصراع عنيف مع اللوحة وكان لا يبدأ بتخطيطات مسبقة وانما يبدأ مباشرة بالعمل على اللوحة (اريد ان اعبر عن مشاعري اكثر مما اريد ارسم هذه المشاعر) .. وقد غادر الفرشاة في آخر ايامه واستخدم طريقة الرش والتنقيط، وكان يرسم بعفوية وتلقائية كبيرة مثيرة للجدل في وقته ...

 

العمل في الصحافة:

كنت قد درست مع صلاح في معهد الفنون الجميلة عام 1968 والسنة الاخيرة له من اكاديمة الفنون الجميلة عام1971 . كما عملنا سوى في مجلة مجلتي والمزمار منذ عام 1969 الى رحيله الى باريس عام 1976 . وكان نعم الصديق والاخ الطيب . واشتهر صلاح بمسلسلاته الجميلة في المجلة منها - رحلة ماجلان - واحمد بن ماجد، وغيرها من القصص التاريخية التي رفدت الاطفال بثقافة بصرية جديدة غير مألوفة سابقا في العراق . وكنا نعتبرها لوحات اكاديمية معبرة اكثر من كونها مشاهد قصصية للاطفال . لما تتمتع به من التناغمات اللونية والحساسية الجمالية الراقية .. وكان يرسم في المجلة بنفس الروح والحس الذي يرسم فيه لوحة فنية من ناحية الاسلوب الاكاديمي ومعالجة الشكل واللون وكذلك طلاقة الفرشة الانطباعية وتلقائيتها .. وكانت معظم اوقات صلاح يقضيها بالرسم كما كان صامتا . وهو صمت تركيز وتعمق وتأمل. يقول بيكاسو: (ان العمل الوحيد للمصور هو ان يمارس التصوير ..) (هناك مصورون يحولون الشمس الى نقطة صفراء، ولكن هناك مصورون آخرون يحولون النقطة الصفراء الى شمس بفضل فنهم وذكائهم ..)

صلاح جياد المسعودي من مواليد البصرة 1947 .. تلك المدينة التي شهد التاريخ لها قدما وحضارة حيث ولد فيها وترعرع عباقرة الادب والشعر العربي العمودي والحديث وكذلك شهدت مولد الفنان الكاريكاتيري احمد الخراط البصري في القرن الثاني الهجري/ الثامن ميلادي/ الذي اشتهر ايضا برسم الصور الشخصية .. وكانت البصرة تسمى الابلة واعتبرت من عجائب الدنيا السبع في ذلك القت .. تخرج صلاح من معهد الفنون الجميلة عام 1968 ومن الاكاديمية عام 1971 . اشتغل في عدة مجلات عراقية منها مجلة الف باء وصحيفة الجمهورية ومجلة مجلتي والمزمار وغيرها. كما ساهم في تأسيس جماعة الاكاديميين 1971 التي تتكون من الاستاذ المرحوم كاظم حيدر وفيصل لعيبي ونعمان هادي ووليد شيت . ثم غادر العراق الى باريس عام 1976 .. وفي باريس تخرج من مدرسة الفنون البوزار وانهى دراسة الدكتوراة في تاريخ الفن في كلية الفنون فيها .. اقام معارض كثيرة في داخل وخارج العراق وحاز على عدة جوائز ذهبية..و الحديث عن صلاح يقودنا الى ذكر الفنان فيصل لعيبي فهما توأمان عبقريان كانا ولازالا من قامات الفن العراقي المعاصر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

السيد صلاح عباس المحترم :
سأرد على ما كتبته بنقاط مختصرة ..
1 / ان ما كتبته لا يمثل الا رأيك و وجهة نظرك الشخصية و نحن نحترم كل الآراء مهما اختلفنا معها ...
2 / ما تقوله ان هذه المواضيع نطلق عليها ( بالمواضيع الميتة ) . من انتم حتى تتطلقون عليها بالميتة ؟؟؟؟ .. الناس خلقت على الوان و اجناس في المعتقدات و الفكر و المذاهب و في الاذواق و الحكم و طرق التعبير و الكتابة و غير ذلك .. وليس هناك قواعد في الفن او الادب يلتزم بها الجميع .. والا لما ظهرت الفنون الحديثة و الشعر الحديث وغيرة .. و لماظهرت الانظمة الديمقراطية ... من انتم حتى تحكمون على اعمال الآخرين بالميتة ؟؟؟ من انت حتى تكون و صيا على الآخرين تقيم و تحكم على هذا او ذاك ..؟؟؟
3 / كل كاتب له طريقته و اسلوبه في التعامل مع الموضوع سواء كان سردا تأريخيا او فلسفيا او اخلاقيا او سرياليا او ماديا .. بشرط ان يكون ملتزما بألاخلاق الكريمة و احترام الآخرين ... و احب ان اذكرك بأساتذة التاريخ و النقد الفني و اتمنى ان تطلع على اسلوب كتاباتهم ... / حسن محمدحسن -الاسس التأريخية للفن المعاصر / نعمت اسماعيل علام - فنون الغرب / زكي محمد حسن - له كتب كثيرة / ارنولد هاوزر - الفن و المجتمع / -- و غيرها .
4 / لقد اتخذ الفيلسوف الالماني -كانت - حكم الذوق الجماعي اي الحكم الموضوعي و بنى عليه فكرة التقييم .. اي ان الفن يتخذ طبيعة جماعية مع احترام ذاتية الفنان . و بالتالي . يمكن لنا ان نعرض مختلف الآراء و النظريات ذات الفيض المتدفق بتلك التيارات المختلفة التي تحفل بها البشرية .و لكن ليس هناك مجال لذلك ..
5 / ان ماطرحته من وصايا شخصية غير صحيح و كأنك تشهر سيفك على الآخرين بقبول منهجيتك و اسلوبك في التفكير و الطرح .. هذه تذكرنا باسلوب البعثين و امثالهم اما ان تكون معنا بهذا الطريق او تحذف من قاموس الوطن .. .. ( رحم الله امرأ عرف قدر نفسه ... ) ....
6/ حضرتك قبل اسبوع بعث لي رسلة يطلب مني الكتابة عن فيصل لعيبي لنشره في مجلة تشكيل , بعدما اطلع على ما كتبته انا عن اعمال فيصل و نشر في وسائل الاعلام .؟؟؟ . و ألآن بعد ما كتبت عن الفنان صلاح جياد انقلبت الموازين واصبحت مواضيعي ميتة ؟؟ ماذا جرى ؟؟ ؟؟؟ اتمنى ان تكون طيبا و عقلانيا و ان لا تدخل في مطب التناقضات و المواقف التي تسئ ليس لك فقط وانما الى المثقفين الآخرين وانت تشرف على مجلة عراقية فنية ( وهذه طامة كبرى ).؟؟؟ . ...

د -كاظم شمهود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3014 المصادف: 2014-12-06 00:43:34