 مقاربات فنية وحضارية

اقصاء واختراق .. قراءة في لوحة الخروج من المحنة للفنان صلاح حديد

wejdan alkashabالتكوين – حسب طروحات رسكن - هو وضع أشياء عديدة معاً بحيث تكون في النهاية شيئاً واحداً، وطبيعة وجود كل من هذه العناصر يسهم بشكل فعّـال في تحقق العمل، ولهذا سيكون على العناصر أن تكون في مواضع محددة لكي تؤدي وظيفتها في اللوحة.

أمّا الشكل فهو أداة يتوصّـل بها الفنان إلى التعبير عن أفكاره، فإذا كان الفن تعبيراً عن الموقف الإنساني إزاء معطى ما، فلا بُدَّ لهذا التعبير من أن يتمظهر من خلال الأشكال التي يوجدها الفنان على خامة اللوحة، ليحقق من خلالها تواصله مع متلقيه .

يمكننا القول أيضاً أنَّ الشكل هو الوحدة البنائية المتكونة من مجموعة أشكال جزئية تنفعل ببعضها لتنتج تكويناً كليّاً عن طريق تفعيل الرؤية العينية والذاكرة والخيال معاً ليكون الناتج لوحة محمّلة بالدلالات التي ابتغى الفنان ايصالها إلى متلقيه، وإثارة انفعاله بها .

 66-salahhadid

لنحاول أن نستكشف التكوين العام لهذه اللوحة التي تؤشر اختيار الفنان صلاح مشهداً أمامياً لجدار يتخذ شكل المستطيل القائم والمتداخل مع مستطيل قائم ثانٍ، فالمستطيل الأول يحدد الجزء المعروض من الجدار بالإطار، والثاني هو ما قرره الفنان شكلاً للفتحة، ومن المعروف أنَّ المستطيل هو أكثر الأشكال الهندسية دلالة على الوقار والشموخ والعظَمَة، وفي الوقت ذاته هو أكثر الأشكال الهندسية تحقيقاً للنسبة الذهبية في الرسم .

اعتمد التكوين في هذه اللوحة على {5} أشكال هي :

1-      الجدار .

2-      الفتحة في الجدار .

3-      أجزاء الجسد الإنساني .

4-      المنطقة المعتمة الواقعة خلف الجدار .

5-      الفراغ الكامن في مقدمة اللوحة.

إذاً يكشف المسح البصري الأولي للجدار عن كونه جداراً قائماً أصمّاً، فلا توجد عليه آثار كتابة، ولا يبدو أنّ يداً بشرية قد مرّت عليه، وتركت أثراً لخطاباتها التي كثيراً ما تعلن عن وجودها على الجدران، لكنّ الفنان استعاض عنها بعوامل التعرية التي كشفت عن تقادم زمني أولاً، وعن كينونة هذا الجدار، فهو الجدار الأصم الجامد الذي بدأت قشرته الخارجية بالتناكث بفعل المرور الزمني عليه والاهمال مما أفقده ملمحاً إنسانياً كثيراً ما تتمظهر به الجدران قديمها وحديثها .

تُـشكِّل الفتحة بؤرة حَدَثية لسرد اللوحة، فهي الجزء الذي يتخـفّـى فيه المسكوت عنه من دلالات اللوحة، وتكشفه المعطيات المطروحة للمتلقي بصرياً، فالمستقر في الذاكرة الجمعية البشرية هو أنَّ كل فتحة أيّاً كان نوعها : باباً، شباكاً، كوّة، إنَّما هي أداة اتصال بين الخارج والداخل بوصفها منفذاً للداخلين أو للخارجين، انفتاحها دعوة للدخول، وانغلاقها مصدّ لغير المرغوب فيهم، لكنَّ الفتحة هنا تؤدي وظيفة أُخرى، فهي منفذ لمسترقي النظر الذين شاغلتهم عتمة ما ورائها، وهي الفرصة الوحيدة للجسد في محاولته الخروج، وهي أيضاً عامل تخفّيه المفروض عليه جبراً.

قد يتسآءل المتلقي مثلما تسآءلتُ في اللحظات الأُولى من تلقّي اللوحة : لماذا لم يضع الفنان صلاح حواجز مثل حواجز الشبابيك أو حواجز السجون على هذه الفتحة، ثم جعل القدمين تخترقها ؟

سأترك الإجابة على هذا التساؤل الآن، لأكشف عنه عند محاولتي قراءة الدلالات المحتملة لهذه اللوحة .

القدمان هما نقطة التوازن والارتكاز الجسدي على الأرض، واليدان هما الجزء الجسدي المنتج للفعل، ولهذا اختارهما الفنان لتأدية الحركة في هذه اللوحة . مع ملاحظة تعمد الفنان اخفاء باقي أجزاء الجسد في المنطقة المعتمة الواقعة خلف الجدار {أي في العمق الفراغي} وتخصيصاً الرأس الذي يكمن فيه الدماغ وهو منتج الفعل الإيعازي للقدمين واليدين .

أمّا الفراغ الكامن في مقدمة اللوحة فقد اعتمده الفنان بوصفه فضاءً زمنياً مستقبِلاً لأجزاء الجسد الخارج من منطقة العتمة .

سأحاول الآن قراءة النسقية اللونية التي فرشها الفنان صلاح على خامة اللوحة، منطلقة من الفكرة التي تعارفنا عليها في واقعنا العياني والتي تحيل إلى أنَّ الألوان علامات دالّة تمنح الإنسان فرصة التعرُّف على معطيات بيئته الحياتية وتمييزها، كذلك اللوحة تمنح التكوين ألواناً دالّة تُميّز الأشكال المكوِّنة له بوصفها أشكالاً منقولة من الواقع، لكنها تخضع لمعالجة مغايرة تعمل على إعادة إنتاجها ضمن واقع جديد تفترضه وتعرضه اللوحة فنياً.

تكشف القراءة اللونية لهذه اللوحة عن اشتغال الفنان باتجاه تفعيل ثلاثة ألوان مع تدرجاتها لتؤدي هي الأُخرى اشتغالاتها في عالم اللوحة :

اللون الأول هو اللون البُنّي الذي اتخذ موضعته على الأجزاء غير المتآكلة من الجدار حيث حاول الفنان اكسابه درجة بدت أقرب ما تكون إلى الترابية أو الطينية المتوسطة والمتدرجة نحو البُنّي الفاتح في الجهة اليسرى والجهة السُفلى القريبة من الفتحة، فيما اتجه إلى الدرجة الأغمق قليلاً في الجهات الأُخرى بفعل مساقط الضوء.

واتخذت الأجزاء المتآكلة من الجدار اللون الرمادي المتدرج المائل إلى الدرجة الفاتحة حيناً، والغامقة حيناً آخر بسبب ملمسها الخشن، وبفعل الضوء الساقط عليها أيضاً، مما ساعد على اشتغالها باتجاه تكسير الإيقاع الرتيب للّـون .

كما اتخذت القدمان اللون البُنّي { الترابي} المائل إلى الدرجة الفاتحة للقدم الخارجة من الفتحة بفعل مسقط الضوء عليها، والدرجة الأغمق للقدم الأُخرى المستندة على حافة الفتحة بفعل انحسار مسقط الضوء عنها .

أمّا الفتحة الجدارية فكان لها اللون الأسود، مؤشرة ثلاثة أبعاد :

1-      بُعد زمني، بدلالة اتخاذها اللون الأسود الذي يحيل دلالياً إلى الليل والظلام.

2-      بُعد مكاني، بدلالة كونها مكاناً للحركة المتحققة .

3-      بُعد ثالث {عمق} بدلالة وقوعها في العمق بعيداً عن المتلقي .

وكلها أبعاد تؤشر الإخفاء المتعمد لبقية أجزاء الجسد في محاولة واعية من الفنان لدفع المتلقي باتجاه الكشف عن الغموض الذي يغلِّف الجسد والواقعة معاً .

كما أنَّ قدرة الفنان على موقعة التضليل والتنوير تمظهرت من خلال تبنّيه حركية لونية تمنح اللوحة طاقتها الخاصة بها على التعبير عن الوظائف التي يؤديها التكوين، ويكسبها قيماً دلالية أيضاً .

في مقابل المنطقة الواقعة خلف الجدار تنتصب منطقة تقع أمام الجدار {في مقدمة اللوحة} لتُشكّل مقابلاً متضاداً تماماً، فالمنطقة الأُولى معتمة، والمنطقة الثانية مضيئة، والأُولى غموض، والثانية وضوح، وهذا ما سيشكّل بُعداً دلالياً أدّته الحركة الجسدية التي هي الفكرة التي نهضت عليها هذه اللوحة .

سأحاول الوقوف أولاً عند الحركة مفهوماً وأنواعاً، حيث يشير الباحثون إلى أنَّ الحركة هي انتقال للشيء كلّه أو جزء منه لمسافة محددة في زمن محدد هو الآخر .

ويعرض الباحثون في النقد التشكيلي أنواعاً من الحركة في مجال التشكيل، وهي :

1-      إنَّ المسح البصري الذي يجريه المتلقي للّوحة هو حركة، حركة العين على مساحة اللوحة بحثاً عن تحديد أشكالها وعلاقات هذه الأشكال بعضها ببعض.

2-      حركة الفنان، وتشتمل على نوعين من الحركة :

* حركة فكرية، ذهنية، ذاكراتية غير منظورة، يتم اشتغالها داخل الدماغ، فهي حركة مصفوفاته الذاكراتية ما بين الالتقاط والتخزين والإظهار.

* حركة الفرشاة على الخامة وهي تصنع الأشكال من خلال عناصر اللوحة، وهي حركة ناتجة عن اتحاد ثلاثي : اليد والعين والذاكرة.

3- اللوحة تقدم مشهداً في لحظة زمنية محددة، فتبدو قارّة على الخامة ظاهرياً إلاّ إنّـها في حقيقة وجودها تُـمثّـل حركة متحققة يمكن قراءتها من خلال الوضعية المحددة التي اختارها الفنان.

سأُركِّز في قراءتي لهذه اللوحة على الحركة المتحققة والمتمثلة بامتداد القدم اليسرى خارج الفتحة، فيما ركنت القدم اليمنى على حافتها، وحاولت اليد اليسرى الإمساك بالجدار، إذاً هي حركة نهوض يحاولها الجسد معتمداً على قدميه ويده اليسرى، ولابُدّ لنا من الإشارة إلى أنَّ نصف الكرة المخية الأيمن يتحـكّـم بالنشاطات والعمليات السايكولوجية والفسيولوجية في الجهة اليسرى من الجسم، ويُسمّى بالجهاز العصبي للفنون الجميلة والخيال الفراغي أو المكاني، وذلك لاحتوائه على مراكز مسؤولة عن القدرات الفنية والموسيقية والهندسية والتأملية، والدليل على ذلك أنَّه متطوِّر كثيراً عند كل الفنانين والمهندسين المعماريين .

إذاً كان الفنان صلاح موفقاً تماماً باختياره لليد اليسرى والقدم اليسرى أيضاً، وهو بهذا يحيلنا إلى أنَّ الفن يمكن له أن يحقق وظيفة التوازن النفسي بوصفه عامل إنتاج يشتغل باتجاه تمظهر المشاعر المكبوتة والمواقف المؤلمة التي يعايشها الفنان في السياقات المجتمعية اليومية، ويُحرَم من الإعلان عنها، مما يحيلها إلى عامل ضغط نفسي شديد على فكره، فلا يجد لذاكرته منفذاً تعبيرياً أفضل من الفن، وهذا هو جوهر الفن بوجه من الوجوه .

ويشير الناقد الفرنسي كلود روشان إلى أنَّ أهم وشائج الفكرة التشكيلية هي الحركة، لأنّ الحركة بكل بساطة هي علّة التكوين والتصوير، ومن ثمَّ نواة الفن التشكيلي، فتصبح المزية المتفردة لكل فنان هي اعتماده لفكرة الحركة في مشروعه التشكيلي، فهي أحياناً (الحركة) تتفوّق على كل مقومات الفنان بل وتصبح هي القيمة الكبيرة في عمله الإبداعي .

من المتعارف عليه أنَّ الجدران بأنواعها تُشكِّل حاجزاً بصرياً، وهذا ما اشتغل الفنان صلاح باتجاه تأكيده، فحجب كل ما يمكن أن يكون وراءه من المكونات مثل الغرف أو المساحات المفتوحة، ليسلب هذا الجدار جزءاً من كينونته الواقعية، ويحيله إلى رمز دلالي لكل حاجز يحاول أن يؤدي وظيفة الإقصاء والإخفاء، إلاّ أنّه في هذه اللوحة فشل في أدائه لهذه الوظيفة، فتحوَّل من عالم خاص محدد بإطار يمتلك أبعاده الهندسية إلى عالم يمتلك قيمته التشكيلية، لأنَّه شكَّل تضاداً تفاعلياً مع الفتحة التي أحرجت صلابته من جهة، ومع الأجزاء الإنسانية التي اخترقت الفتحة بشكلٍ فعلي من جهة ثانية، مؤدية حركتها الرافضة تماماً للعتمة والانغلاق والخوف، معلنة اصرارها على التجاوز والانطلاق نحو رحبة الحياة .

من هنا يمكنني القول بأنَّ اعتماد الفنان اللون البنيّ للجدار، وهو من الألوان الترابية التي تنتمي إلى الألوان الحارة، وتحيل دلالياً إلى الأرض والارتباط الروحي بها لأنَّ التراب هو أصل الموجودات، فالجدار إذاً ليس هو الحاجز أو المصد فقط، بل هو رمز للحياة بصلابتها وقوة حضورها وحرارتها، ولكنَّ هذه الصفات ليست حاضرة بشكلها الصريح لأنَّ الأجزاء المتآكلة اتخذت لوناً دخيلاً على بُـنيّـة الجدار وهو اللون الرمادي، والذي هو من الألوان الحيادية الواقعة في منتصف المسافة ما بين الأبيض والأسود، والرمادي بتدرجاته يُشكِّل كشفاً زمنياً بعيداً يخترق صلابة الجدار {الحياة} مُحيلاً حضوره إلى ما يشبه التراكمات الإنسانية التي مرّت عليه.

إذاً الدلالات التي أراد الفنان كشفها في هذه اللوحة هي كينونة الوجود الإنساني الذي يحاول الإفلات من المحنة والظلام والإقصاء وسوداوية الأحداث وانغلاقها، ورفض الكمون والموت والاستسلام، من خلال حركة الاختراق لتحقيق الوجود الإنساني الحر، معتمداً فكرة أنَّ الأمل لا يموت، والحياة ستسمر رغم المحنة .

إذاً يمكنني وصف هذه اللوحة بـ {تنبؤية} لأنّها تنطبق على وضعنا حالياً، بالقدر نفسه الذي تنطبق عليه في وصف أيّة محنة يمرُّ بها الإنسان، وبهذا تحتمل الوجهين: العام الذي يحيل إلى معاناة مجموعة بشرية في أيّ مكان وزمان، والخاص الذي يحيل إلى إنسان خاض محنةً ما، ولكنه لم يفقد الأمل، ولم يترك للمحنة فرصتها لتحطيمه، بل كان هو مَن يحطم قيودها ويتجاوزها.

 

د . وجدان الخشاب

العراق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3028 المصادف: 2014-12-20 07:32:47