 مقاربات فنية وحضارية

زها حديد .. لغتهاعراقيتها أم إبداعها؟

abdulsahib alnasirأثار تسجيل فيديو مؤخرا للمبدعة العراقية المعمارية زها حديد احاديث كثيرة اهتمت كلها بموضوع عراقية زها، ولغتها العراقية، وانتمائها للعراق ام لبلدها الثاني بريطانيا. وترك جانبا موضوع إبداعها وفنها. ولم يوفق مدير الندوة بالخوض والتوسع في جوهر فنها وقدرتها الابداعية، وهو معذور لأنه ليس ذو اختصاص، وكنت اتوقع من السيدة المحترمة ان ترفض هذا اللقاء ان لم يكن مع شخص عارف بمهنتها وصنعتها وذو اختصاص او اقلها مطلع على فنها وابداعها. إلا ان الحدث اصبح واقع وبث الشريط وتناقلته الاوساط الفنية ولم تتناقله الاوساط الفكرية. لان ابداع السيدة حديد هو ابداع فكري بالاضافة الى انه ابداع معماري فني، هي سيدة صاحبة مواهب واتجاه لمسيرة معماري جديد وخاصة وهي مازالت في مرحلة البحث للوصول الى الكمال في اسلوبها الخاص، او التوقف قبل الكمال اذا لم تتمكن من الاستمرار في هذه المسيرة القيادية بإبداع ابعد واكثر شمولا، وهي قائدة اتجاه تجمع حولها متابعين ومقلدين وناقلين ككل المبداعين في التاريخ، وككل المبدعين تواجه رفضا ونقدا وآلاف من التفسيرات تبحث عن اسباب خروجها عن المألوف.

598-sahib1 حاول محاورها (غير الموفق) ان يجرها الى السياسة العربية المتعصبة، ان كانت تحس انها عراقية ام بريطانية، ولماذا فضلت الحديث باللغة الانكليزية عن العربية! .فلو اجهد السيد المتحدث نفسه وبحث فنها وابداعها واسلوبها قبل المقابلة وبالأخص عن السبب (اللغة) لتوصل ان الجمود العربي وانغلاقه وعدم قبوله للانفتاح علميا على العالم، ولعرف ان اللغة العربية تفتقد الى المفردات العلمية الحديثة وهذا نقص المجمع العلمي العربي بالإضافة الى تسلط الجبابرة الجهلة مثل صدام والقذافي الذين أضروا بالنهضة العلمية العربية عندما عربوا الجامعات العلمية ، وهو نفس السبب الذي يلجأ اليه ويستعين به المبدعون والاختصايون والعلماء العرب، لذا ترى احاديثهم مشبعة بالمصطلحات الاجنبية كالانكليزية والفرنسية عموما .

ثم موضوع عراقيتها او انتمائها لبريطانيا البلد الذي تعلمت فيه ودرّست وابدعت وفجرت طاقاتها الإبداعية وانتشر فنها عالميا من خلال وجودها في لندن، ولو كانت زها حديد بقيت في العراق أغلب الاحتمال لما سمع بها أحد خارج العراق. وهذا يؤكد دور البيئة الحضارية وأهمية الاستقرار السياسي لاستثمار المواهب. ولكن ما الضير اذا كانت زها حديد مبدعة بريطانية من اصل عراقي؟ بينما مكانتها اليوم عالمية، وهل تغيرت جيناتها في بلد مهجرها؟ هل تناست التراث العراقي الغني بالابداعات؟ وهل كل التراث العراقي هو الفلوكلور فقط كما يصوره ويعتقده الكثيرون؟ كما قالت السيدة حديد. ان التراث بعمومياته وسعته لا يعني الفلوكلور فقط . لان هذا الفن (الفلوكلور) هو فن شعبي وجزء من التراث لكنه لا يشمل كل ابداع اي بلد، واختزال التراث بالفلوكلور هو اجحاف لتراث اي بلد، خصوصا العراق ذو التاريخ الطويل الضارب في القدم والتحضر بكل مراحله .

يا حبذا لو نظرنا الى ابداع هذه السيدة كخالقة لاتجاه جديد في مسيرة العمارة العالمية عبر حدود المكان والفضاء والامكانات التقنية الهندسية حين سخرت كل مواد البناء وابعادها بالأخص التحمل الانشائي لمواد البناء حيث تمددت بها واستعملتها الى اقصى نقطه التحمل .

The ultimate strength of partially in filled and steel- braced reinforced concrete frames

تصاميم السيدة حديد يتحدى المواصفات وحتى قدرة الجاذبية الارضية فهي تطرقها وتمددها كمن يطرق معدن الصفر ليخلق منه شكل وانحناءات وسطوح لشكل يمتد مع البصر ويمتزج بحدود الطبيعة .

598-sahib2السيدة حديد وعند البدء ببناء بمشروع مدينة (باكو) اخترت اربعة نماذج ملحقة طيا وحاولت ربطها بابداع السيد ستيف جوب ونموذح ال اي ماك (iMac) الجديد والسطوح التي ادخلها كـ screen saver الشكل الخامس ملحقا. فاعمال السيدة زها التي تعدت الخطوط المستقيمة والعمودية لتتوسع في الافق بكل حرية تعطي شعور بمجالات الفضاء الواسع وحرية التمدد وتعطي للمشاهد محلات ليتخيل العوالم الاخرى بدون اي حدود .

فنماذج السطوح العمو دية والمستوية قد (غيّبت) واندمجت ككل، وتلاشت حدودها واندمجت لتقرأ كشكل واحد متكامل ومتواصل. وهي تعشق التلاعب يالأشكال لتخلق شكل خاص بها ويمس سحر ابداعها هذا الشكل داخليا وخارجيا، ويمكن للمتابع العارف ان يقرأ بنايات السيدة زها حديد من الخارج او الداخل على حد سواء، ولا يمكن معرفة اي خلاف او تباين بين الداخل (الانتيرير) او الخارج (الاكستيرير). وهذا النوع من الابداع يذكرنا بعبقرية المعمار الاسباني كاودي Gaudí في عصره، بالاخص بناية

The Sagrada Familia ،Casa Milà, Barcelona, Spain

من المؤكد ان السيدة حديد قد حملت معها من العراق في فترة الخمسينات والستينات التزاوج بين التراث القديم والحديث فترة ابداع المصممين العالمين وابنيتهم في العراق مثل: له كوربزيه(Le Corbusier) ووالتر كروبيوس (Walter Gropius) وفرنك لويد رايت (Frank Lloyd) وجيو بونتي (Gio Ponti,) ، ووارنر مارش (Werner March) وألفار ألتو (Alvar Alto).

في لقاء خاص في مدريد للسيدة زها جمعها مع المعماري وهو من اكبر المعماريين البريطانيين والعالميين ، قال عند النظر الى اعمال زها . يندمج الانسان بفرح لرؤية هذه الخطوط وبهذه الاستمرارية السلسة بدون نهاية (seam less continuity)

لكن لا يتمكن هذا الانسان ان يتصور صعوبة الوصول الى هذه الاشكال والجهد المتناهي للوصول الي الشكل المنتج الاخير. وبالمناسبة حتى عندما تكلمت السيدة حديد باللغة الانكليزية التي تتقنها في تلك الندوة ، كان حديثها متقطع ودون مستوى اعمالها. كيف لا وهي فنانة وليست اديبة لغوية. انه من الصعوبة الكتابة عن السيده حديد واعمالها في مقالة قصيرة، فهو اجحاف بقدرتها وابداعها وفنها وإن ترفض السيدة حديد ان تسمى فنانة اعتزازا بقدرتها كمصممة معمارية ومخططة .

ملاحظة مهمة: من الصعب على اي معماري (اجنبي، مهاجر) في اي بلد في العالم الغربي ان يتوسع كمصمم معماري ويكلف باعمال كبيرة، بل يستخدمون كموظفين ضمن المكاتب الكبيرة. السبب ان هذه المهنة او الصنعة تتطلب عند بدء التفكير في انشائها اموالاً طائلة ويفكر المستثمرون او اصحاب المشاريع في ذلك البلد كثيرا قبل تكليف مصمم اجنبي غير معروف لهم او لمجتمعهم شخصيا، او غير معروف لدا شركات التطوير والبناء المالية. وهذا ما عانت منه زها حديد لاكثر من عشر سنوات في لندن، كما عانا منه كثير من المعماريين العراقيين ، فمثلا وبعد ان ترك العراق الاستاذ هشام منير قل انتاجه في وقت كان من اوسع المكاتب الاستشارية العراقية وابداعا .

كانت اول مشاريعها خارج المملكة المتحدة، وحتى هذه اللحظة لم توافق ادارة مدينة كاردف (Cardiff) وإدارة مقاطعة ويلز (Wales) بتنفيذ تصميمها الذي فاز بالمسابقة ثلاث مرات، لمجرد انها اجنبية الاصل، وقال بعضهم لأنها ليست من مقاطعة ويلز، وإن هي بريطانية لكنها لندنية

 

عبد الصاحب الناصر

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3047 المصادف: 2015-01-07 23:44:40