 مقاربات فنية وحضارية

العراق .. مهبط الإلهام الأول (1)

zouher sahebإذا عرفنا الإبداع، بأنه ذلك الإنجاز المعرفي القائم على التجريب، وغير المسبوق بخبرة مماثلة، والذي يمتلك صفة الجدة والأصالة. يمكن القول إن أرض العراق الطيبة المعطاء والتي شملتها الاكتشافات العلمية كلها دون استثناء، كانت مهبط الإلهام الأول في التاريخ . فكان للفكر الإنساني على أرض الرافدين دور الريادة في سلم تطور الحضارة الإنسانية، تلك الفاعلية الإبداعية الأصيلة، التي وضع بها الفكر العراقي، العقد الأساسية في مسيرة تطور الحضارة الإنسانية. فمن هذه الأرض، زحف لهيب المعرفة لينير بنوره الوهاج العالم المحيط. وهنا تكمن الفضيلة الآمرة الكبرى، بأن يقدم إنسان هذه الأرض الخيرة للبشرية، مكونات الفكر الإنساني الأصيلة الأولى .

فعلى أرض العراق، ولدت ثورة الاقتصاد الإنتاجي الأولى في التاريخ، باختراع الزراعة، واكتشاف تجربة تدجين الحيوان، والذي قاد لأعظم ثورة اقتصادية في التاريخ، إذ تعادل بأهميتها الثورة الصناعية التي شهدها العالم الأوربي لاحقاً . فقد حدثت ثورة الإنتاج هذه متحولاً خطيراً في بنائية الفكر الإنساني، حين تفوق الفكر على عفوية الطبيعة، مؤسساً نظماً اقتصادية، تعتمد التخطيط والتحسب للمستقبل، وبدء الفكر في حينهِ يبدع تفلسفاً فكرياً في بنية الوجود، مؤسساً أنظمة المعتقدات الدينية، وممارسة الشعائر الطقوسية، واضعاً أسس التفكير المايثولوجي الإبداعية الأولى في التاريخ .

ومع ثورة الإنتاج، كان الاستقرار، ومع الاستقرار أسست القرى الزراعية الأولى، فكان مولد فكرة التخطيط الحضري والإقليمي لأول مرة في التاريخ . ومع زيادة عدد السكان كانت فكرة المشاريع الإنتاجية الجمعية الموحدة، فكان مولد فكرة الزعامة لتوحيد الجهود البشرية . إنه التأسيس الأول في الخبرة البشرية للنظم الاجتماعية في تاريخ الحضارة .

709-sahibوتفتخر الإنسانية في تاريخ الحضارة الطويل، باختراع الكتابة على أرض الرافدين، في عاصمة البطل (كلكامش) وذلك في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد . وبهذا الاختراع المعرفي العظيم، خطت المعرفة أهم خطواتها نحو التاريخ، لحفظ جهود البشرية الإبداعية من الضياع . لقد علَّم إنسان العراق، البشرية الحَرف لأول مرة، محققاً تحولاً مهماً في أنساق الكتابة، من مرحلتها الصورية الرمزية ومن ثم نحو مرحلتها الصوتية المقطعية . وذلك أعظم نصر فكري في تاريخ المعرفة .

وأبدع الفكر العراقي، أول نظام للتعليم حين أوجد فكر المدرسة، بقيمها التربوية الأصيلة . حيث جلس أول تلميذ لتلقي المعرفة، ووقف أقدم مُعلم يعلم العلوم . لقد كان المعلم في سومر يسمى بالأخ الكبير، وفي ذلك تأسيسٌ أول للتعليم التربوي في فلسفة المعرفة في تاريخ الحضارة الإنسانية .

وفي ربوع العراق ابتدعت أقدم النظم الديمقراطية في التاريخ، حيث فكرة تأسيس مجلس شيوخ المدينة وشبابها، حيث يُمثل الفرد وينتخب ويصوت كذات مدركة وواعية لخصوصيتها وكرامتها وأرادتها . إنها فكرة تكافئ الفرص، ومولد الحرية، مثل ديمقراطية (بركلس) الإغريقية بأكثر من ثلاثة آلاف سنة .

وتدين الإنسانية بالعرفان بالجميل لإنسان العراق، الذي أبتدع أول مرة بنائية القوانين الإنسانية . إنها فكرة توحيد النظم العاملة في بنائية الحضارة بهيئة أنساق، تبغي إنسانية القانون بالدرجة الأساس . فمنذ عهد الحاكم السومري (أوروكاجتيا) الذي كثف خطابه الإنساني في القانون بعبارة (جئت لأخلص الضعيف من القوى ولن أدع أحد ينام وهو جائع) وحتى (لبث عشتار) وحمورابي العظيم في العصر البابلي . كان منهج القوانين هو النزعة الإنسانية، والتي أفاضت على العالم روح القانون الإنساني في اتجاهات مختلفة .

وفي عوالم الأدب وبنائيتهِ الإبداعية، كان إبداع الملاحم والأساطير على أرض الرافدين، والتي تدلّلعلى تداول الخطاب المايثولوجي، لأول مرة في تاريخ التأمل والخيال في الأدب العالمي . ذلك إن ملحمة كلكامش بما تضمه من رؤية متفلسفة بأنظمة الوجود، وإشكالات الفكر الإنساني في جدل الصراع بين الوجود والعدم . تشكل ركيزة أساسية في بنية الأدب العالمي، بصدد تركيبتها الشعرية، وجمالياتها اللغوية، والتأويلات الرمزية الواردة فيها . هذه الشاعرية الإبداعية تجد ذاتها أيضاً، في (الطوفان) و (تموز ومأساة عشتار) وغيرها من الإبداعات الفكرية على أرض العراق، التي شهدت الإبداع أول مرة في التاريخ مثل أوديسا هوميروس بأكثر من ثلاثة آلاف عام .

وحين أنذر الطوفان بحدوثهِ، كان اهتمام الفكر الرافديني، بجمع ألواح المعرفة خوفاً عليها من الضياع، إنها التنبأ الأول بصون الروحانيات على حساب الماديات هذه النزعة المتجهة للِحفاظ على المعرفة، هي التي قادت إلى إنشاء المكتبات أول مرة على هذه الأرض الطيبة . ذلك إن مكتبة الملك اللآشوري (آشوربانيبال) تشير إلى استنساخ ألواح المعرفة القديمة، وتأسيس نظم الفهارس المكتبية . تُرى ما أعظم أذن، الانتصار الفكري الذي حققتهُ حضارة العراق في مسيرة تاريخها الطويل المليء بالإبداعات .

وفي حركة الفكر في مجال العلوم، وضع العراقيون قوانين مهمة، وحققوا تقدماً مهماً في مجال علوم الكيمياء والطب والفلك، وجاء الانتصار العظيم، باكتشاف المرحوم الأستاذ (طه باقر) لأحد الألواح الطينية من العصر البابلي القديم، وهو يحمل وضع الأسس الأولى لنظرية (أرخميدس) الذائعة الصيت .

سلامٌ عليك يا عراق ألف مرة، لأنك كنت الأول، وكنت السباق، وكنت المكتشف وكنت الأصيل وكنت الرائد الأول، على مَرّ التاريخ .

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3139 المصادف: 2015-04-10 23:58:21