 مقاربات فنية وحضارية

ديغو فيلاسكس .. السلسلة الذهبية للفن الاسباني (17)

khadom shamhodلا يستطيع احد ان ينكر عظمة فيلاسكس Velazquez وتاثيره على حركة الفن العالمي وفناني عصره بل ان الفنانين المعاصرين المعروفين اليوم ذهبوا في بداية حياتهم يدرسون ويستنسخون اعماله ، منهم بيكاسو وميرو ودالي وحتى غويا كان يتردد على متحف دي البرادو لدراسة اعماله .. وقد ظهرت اعمال فيلاسكس في البداية باروكية الطراز، تغرق في الوان قوية ومضيئة، كما اعاد الاعتبار الى حيوية وقوة العصر الباروكي مقلدا بذلك عباقرة عصر النهضة امثال تيثيانو ورافائيل ومايكل انجلو وليوناردو دافنشي وغيرهم .. ولكن في آخر حياته تحول الى الواقعية المتوهجة والانطباعية الناعمة والمسرة وبالتالي خفف من ثقل ووطئة الطراز الباروكي .. ويذكر انه كان الممهد الاول للرسامين الانطباعيين الفرنسيين خاصة الفنان مانيت والذي وصفه بانه (مصور المصورين) (والرسام الكبير الذي ليس له مثيل) ..

758-khadom

ديغو فيلاسكس ولد عام 1599 في مدينة اشبيلية الاندلسية من اب خوان رودريكيث وام خيرونيما فيلاسكس .. وكان عند اهل الاندلس عادة وتقليد ان ياخذ الابن اسم امه، مثل بابلو بيكاسو وبيكاسو هي الام . وفيلاسكس هي الام ايضا . ويبدو ان هذا الامر متسرب من ثقافة العرب كما في الحديث الوارد في تراثنا الديني (اختاروا لنطفكم فان العرق دساس) كما يوجد مثل آخر – ثلثي الابن على الخال – وقد ثبت علميا ان جينات سلالة الام حاضرة اكثر عند الولد من الاب .. وربما هذا ما دعى اهل الاندلس الى ان يحمل الابن اسم الام ..

كانت مدينة اشبيلية ساحرة وفاتنة، بل اجمل مدن الاندلس ، وقد فاقت بجمالها قرطبة حيث اتخذها العرب في اول الامر مركزا للحكم وكذلك في زمن الموحدين وعندما سقطت بيد الاسبان عام 1248 اصبحت دار ملك للقشتاليين، ثم اصبحت عاصمة لاسبانيا بعد سقوط غرناطة في زمن الملكين الكاثوليكيين عام 1492 . وما تزال اشبيلية حتى اليوم اروع مدن اسبانيا ..

ومن آثارها الاسلامية الباقية مأذنة الجامع الكبير الذي حول بعد ذلك الى كنيسة وبقت على حالها الى اليوم مع بعض التغييرات في قمتها وتسمى – لاخيرالدا -، وهي اليوم بروعتها وجمالها تبدو لؤلؤة اشبيلية الاثرية التي تحكي ماضيها المجيد ...وهناك ملاحظة حول معنى اسم فيلاسكس

Velazquez ربما الاصل عربي لان المؤرخين الاسبان لحد الآن لم يعطوا معنا محددا للاسم وانما بقى عائما تحت التأويلات والتفسيرات المختلفة، وجلهم ينسبه الى اصول اندلسية قديمة ...

 758-khadom1

حياته الفنية

عندما بلغ فيلاسكس عشرة سنوات من العمر ارسله والده الى احد الرسامين المعروفين في ذلك الوقت لتعلم اصول الرسم وهو الاستاذ فرانثيسكو هيريرا البيخو Francisco Herrera ومكث معه فترة من الزمن ثم انتقل الى استاذ آخر هو فرانثيسكو باجيكو Francisco Pacheco

وقد بقى عنده ستت سنوات.. وكان ماجيكو فنانا بارزا وواسع الثقافة وله اطروحات كثير في مجال الفن منها كتاب – فن التصوير – الذي طبع عام 1649 والذي يؤرخ حقبة مهمة من تاريخ الفن في ذلك الوقت .. وفي عام 1614 انهى فيلاسكس تعليمه ونال شهادة الاعتراف والتدريس، وبدأ ينظم الى حركة الفنانين المحليين وبرز عليهم . ثم نال شهرة واسعة، وتأثر به الفنانون الشباب واخذوا يستنسخون اعماله .. وفي هذا الوقت كلف بتنفيذ عدد من الاعمال منها لوحة - الفطور – وهي من اول اعماله المبكرة واليوم موجودة في متحف بيترسبوغ .. ويذكر المؤرخون ان اعمال فيلاسكس الاولى كانت متأثرة بالفنان الايطالي – كرافاجيو- وكذلك بفناني الفلامنك خاصة من ناحية معالجة الضوء وتسليطه من احد جوانب اللوحة ..

في عام 1623 سافر الى مدريد وحصل على وسام الملك فيليب الرابع ثم عين رساما للبلاط .. وقد نفذ اعمالا كبيرة للعائلة المالكة والشخصيات البارزة في الدولة .. في عام 1629 سافر الى ايطاليا لدراسة اعمال فناني عصر النهضة ومضى سنتين هناك، ثم عاد الى مدريد وهو يحمل معه طراز فن الباروك . وقد رسم كثير من اللوحات تعتبر من افضل الاعمال التي طغى عليها تأثيرات الفن الباروكي خاصة الفنان الايطالي تيثيانو وغيره Tiziano . وفي عام 1649 سافر مرة اخرى الى ايطاليا وهناك رسم البابا Inocencio X وكل رجال البلاط ، ثم سطع اسمه في عالم الفن والشهرة

 

تقنياته

عندما عين فيلاسكس رساما للبلاط الملكي وجد هناك عشرات اللوحات لعظماء الفنانين الايطاليين والافلامنكو معلقة في القصر، وكانت فرصة رائعة وثمينة كي يطلع على اعمال هؤلاء العباقرة مباشرة .. اما الفرصة الثانية هي سفره الى ايطالية ودراسة اعمال فناني عصر النهضة وبذلك توسعت تجربته واستوى ظهره وارتفع رأسه وعلى اسمه وسمعته ..

وكانت اول خطوات فيلاسكس الفنية متأثرا بأستاذه باجيكو الذي كان من اتباع طراز مايكل انجلو وكان تقليديا كلاسيكيا .. اما استاذه الاول هيريرا فقد كان فنتاسيا وشاعريا في اعماله ولديه فرشة ذات حركة قوية وحرة في العمل وفي اللون، كما وجد فيلاسكس هذه الحرية والفنتاسية في اعمال الجريكو وربما هو الاستاذ الحقيقي له الذي وجد فيه ضالته .. اما تأثيراته الاخرى فقد جاءت من الايطاليين وتأثيرات اسلوب الباروك ...

و في آخر عمره اخذت اعماله تأخذ نوع من العفوية والواقعية والحس المرهف حيث بلغ من التحكم والسيطرة على تقنياته درجة كبيرة خاصة في مسألة الضوء، وتمثل ذلك في الصورة التي رسمها للبابا وكذلك لوحة - الاميرات Las meninas 1656 – التي تعد من اشهر اعماله . وقد ظهر فيلاسكس في هذه اللوحة وهو يرسم وعل صدره وسام الملك وصليب سنتياغو وهو اعلى اوسمة الدولة . وكان الملك قد سمح للفنان ان يضع نفسه في اللوحة مع العائلة المالكة . وكان يريد بذلك ان يخاطب البلاط ورجال الدولة بان الفن نوع من النبل والعلى وفيلاسكس من النبلاء ..

ويذكر ان ما خلفه فيلاسكس من لوحات تتراوح ما بين 120 الى 125 لوحة موزعة في متاحف العالم، ومنها مجموعة كبيرة من اعماله توجد اليوم في متحف دي البرادو في مدريد .

توفى فيلاسكس في مدريد عام 1660 عن عمر بلغ 61 سنة..

 

د – كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3201 المصادف: 2015-06-11 01:00:35