مقاربات فنية وحضارية

علي طالب من اقطاب الفن العراقي المعاصر (20)

khadom shamhodالفن الذهني من الاتجاهات الفكرية والتشكيلية التي شغلت معظم الفنانين والادباء منذ عهود غابرة، حتى غدت مذهبا او خطا لكثير من الفنانين وميزانا للتقييم والحكم. علي طالب واحد من الفنانين الذين اتجهوا في اتنتاجاتهم الفنية نحو الفن الذهني مستخدمين التصورات العقلية الحدسية حيث ينحون فيها نحوا واعيا معتمدين على الخيال والتأمل في صناعة العمل الفني.. والفن الحديث مثل التكعيبية والتجريدية عموما تتجه نحو الذهنية.. ويذكر بعض النقاد ان رافائيل وسيزان من رواد الفن الذهني..

 

حول الفن الذهني:

يذكر ان الفنان الايطالي اوتشيللو كان اكثر فناني عصر النهضة يعمل ضمن نمط الادراكات الواعية وكان يرسم بوعي وبطريقة ارادية وطبقا لمشروع ذهني سبق له ان صممه.. هذه الخاصية الذهنية هي التي تقترب من الحساسية الحديثة، ذلك لان الاتجاه الاساسي للفن الحديث رغم بعض الاستثنائيات الرومانسية المعينة كان ينحو نحو اعادة التكامل الذهني...

كما يذكر ان الفنان بييرو د لا فرانشيسكا كان اول الفنانين الذين مارسوا اسلوب التكعيب بشكل واعي وذهني وكانت لوحته – الجلد بالسوط – تتمتع ببناء هندسي كامل من المكعبات المتقابلة. وهو الفنان الذي يمنح مشاعره تنظيما ذهنيا سائدا.. ومن ذلك يتضح ان هذين الفنانين كانا يتمتعان بحساسية ذهنية حديثة تتجاوب اليوم مع الكثير من الفنانين المعاصرين. وسواء كان الفن يتجه اتجاها واعيا او عاطفيا فكلاهما يؤدي الى المساهمة في التكامل الفني..

109-ali1

ولد علي طالب في مدينة البصرة عام 1944 تلك المدينة التي كانت تعد من عجائب الدنيا السبع.. كانت تسمى الابلة وتمتد امارتها الى البحرين وقطر وشرق السعودية والكويت حتى ظفار.. وعندما فتح المسلمون العراق عام 14 هجرية اسسوا مدينة البصرة وقد خطها الصحابي عتبة بن غزوان.. وكانت البصرة والكوفة من اهم مراكز الثقافة العربية واشتهرتا باللغة والنحو والادب وسوقها الثقافي المشهور المربد. وقد ولد في البصرة عباقرة الشعر والادب العربي منهم الفرزدق والجاحظ والاصمعي وابن الهيثم وفرقة المعتزلة وغيرهم.. وفي العصر الحديث ولدت البصرة بدر شاكر السياب ونازك الملائكة رواد ومؤسسي الشعر العربي الحديث...

انشغل علي طالب برسم الرأس الانساني كغيره من الفنانين الاجانب والعرب وجعله مركزا لاعماله وقد اشار بعض الفلاسفة اليونان الى ان الانسان مركز الكون مثل بروتاغوراس كما اشار جياكوميتي (ان الوجه الانساني غاية لم تكشف بعد) وفي تعبيرات القرآن الكريم ان الانسان خليفة على الارض وان العقل اجمل واحسن مخلوق على الارض وربما في الكون (وخلقنا الانسان في احسن تقويم).. لهذا كان ومازال رسم رأس الانسان يشغل حيزا كبيرا عند بعض الفنانين الاجانب امثال الفنان الاسباني انتونيو سورا 1930 وستيبان لوباسكا 1900 واشجير خورن 1936 من جماعة كوبرا Copra كما رسمه فائق حسين وضياء العزاوي وكاظم حيدر وغيرهم.. ويذكر ان علي طالب منذ مرحلة الستينات من القرن الماضي وهو منشغلا في رسم الرأس وما يدور حول هذا الرأس من ويلات واحزان وكوارث... وقد جاء احيانا الرأس مقطوعا وهو ربما يرمز الى الامام الحسين –ع- وبالتالي ان حضور الرأس او الانسان في لوحات علي له دلالات ومعاني كثيرة جائت من تراكمات بيئية من اجتماعية وسياسية عاشها الفنان وكذلك من خيالات وتأملات ذهنية كثيرة.. والناظر الى لوحاته يجد هناك تفسيرات مجازية كثيرة فهي حمالة وجوه ومن الصعب ان نعطيها عنوانا محددا. حيث تسبح في فضاء فني واسع التعابير والتأويل وتدخل فيها الاسطورة والرمزية والواقعية..

ان المتأمل الى المنجز الفني لعلي يرى كأنه منبثق من اعماق النفس تلك النفس التي نراها لوامة دائما على ظلم الانسان لاخيه وتظهر على شكل رموز تشكيلية ذات الوان معتمة او كدرة .. مستخدما مواد كثيرة على سطح اللوحة من زيت الى مواد خشنة ومن سطوح وخطوط معبرة وبالتالي نشاهد على سطح اللوح هناك كتل والوان وخطوط وفراغات وتجريد .. و من اعماله المميزة هو رأس منحوت كبير يمثل ضحية المقابر الجماعية الناجمة عن السياسة الوحشية للنظام السابق واطلق عليه اسم – المقبرة الجماعية – ويذكر ان علي طالب ايضا يمارس النحت الى جانب التصوير... ..

 109-ali2

السيرة الذاتية:

ولد في البصرة عام 1944 وتخرج من اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1966. احد جماعة المجددين حيث اشترك في معرضهم الاول عام 1966. له جدارية في دار الظيافة في بغداد. عمل مدرسا في معهد الفنون الجميلة. اقام عدة معارض في الداخل والخارج ونال عدة جوائز.. حاليا مقيم في هولندا وفي حركة نشطة دؤبة للعمل الفني واقامة المعارض..

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3324 المصادف: 2015-10-12 00:21:29