 مقاربات فنية وحضارية

تجار اللوحات الفنية .. Los marchantes

khadom shamhodيعتبر بول دوران روبل 1831- 1922Paul Duran الاب والمؤسس لسوق تجارة اللوحات في العالم وكان اول من دافع عن الانطباعيين بحماسة وشجاعة ووقف امام النقاد والجمهور الذين سخروا من هذا التيار الجديد واتهموه بالطيش والهلوسة والخروج على التقاليد ، وحينها قال كلود مونيه 1840 : دوران وما ادراك ما دوران لولاه لمتنا جوعا ... وقد كشف هذا التاجر نبوغ وحذاقة هؤلاء الشباب نحو التغير والتجديد وقد ثاروا على كل التراث الفني ومفاهيمه القديمة وسعوا الى خلق مفهوما فكريا آخر للفن . ولهذا اندفع لاقتناء لوحاتهم وتسويقها . كان دوران شابا متحمسا لعب دورا مشرقا في حياة التأثيريين، وكان والده صاحب مخزن للقرطاس فأظاف اليه الشاب فرعا لعرض وبيع اللوحات . وخلال ثلاثة عقود استطاع من جمع حوالي 12الف لوحة فنية غالبيتها من الفنانيين الانطباعيين امثال مونيه ورينوار وبيسارو وغيرهم، وكان يقول: ان جنوني في اقتناء اللوحات كان فضيلة، ولو لم اعمل ذلك لمت مبكرا .. وبفضله انتصر الانطباعيون واشتهروا واصبحت لوحاتهم تباع بآلاف الدولارات بعدما كانت تباع ببضع فرنكات خاصة اعمال مونية . وعاش دوران 89 سنة علما من اعلام الفن التقدمي والطلائعي ثم توفى .. ويذكر ان احد تجار اللوحات الباريسيين كان يجلس كل صباح في احد المقاهي في حي مونمارت ويطالع الصحف اليومية ولكن مطالعته غير عادية انما يذهب مباشرة الى صفحة الوفيات . فاذا وجد ان فنانا ما قد توفى ركب عربته وتوجه نحو اهل الميت وعرض عليهم شراء لوحاته . ثم يأخذها وينشر عنها في الصحافة بشكل مكثف ويدفع النقاد للكتابة عنها وبالتالي يرفعة الى الاعالي وترتفع اسعار لوحاته ..

885-khadom1 

تاريخ التسويق:

يذكر ان في اليونان ظهر مثال كانت اعماله تباع باسعار عالية اسمه ايبل، ويقال انه رسم لوحة تمثل الاسكندر راكبا حصانا فلما اقترب الحصان الفعلي من اللوحة صهل .. بعض المؤرخين يذكر ان بداية حركة تجارة الفن تتلخص بتعاقد او اتفاق مباشر بين الرسام او المثال وبين الزبون او المؤسسة الدينية في رسم شئ معين كبورتريت او منظر طبيعي او غيره . كما حدث للشاعر العربي بشار بن برد- 626 م - عندما كلف الفنان احمد الخراط البصري في رسم حمامة ... وفي عصر النهضة كانت تجارة اللوحات قد اخذت طابعا دوليا في حركتها ومراكزها كما كان الرسامون يتنقلون من بلد الى آخر حسب الطلب . وكانت الكنسية الرئيسية تستقطب الفنانين من كل انحاء اوربا وترسلهم للرسم في كنائس البلدان الاخرى . كما ان بعض الرسامين الايطاليين رحلوا الى تركيا كما حدث للفنان الايطالي جنتيلي بيليني الذي رسم السلطان محمد الفاتح عام 1480 . و يذكر هربرت ريد بان الفنانين الايرانيين في زمن العصر العربي والعصور التالية للغزاة المغول والاتراك اصبحوا شعبا من الفنانين المأجورين الرحل حيث ارسلوا الى كل اجزاء الامبراطورية الاسلامية وحيثما حلو كانوا يحملون معهم تقاليدهم الزخرفية -الارابسك - ومنسوجاتهم المزخرفة بالورود ..

885-khadom3وكانت ايطاليا نواة لحركة تجارة اللوحات فكانت فينيسيا وفلورنسا وروما قد شكلت مدراس فنية متنافسة تعج بالسواق وتجارة الفن منذ القرن الخامس عشر . ولاجل تجنب التزوير والغش فقد حددت الاسواق واماكنها والاشرف عليها ومراقبتها ...

في العصر الحديث تطورة تجارة الفن واصبحت هناك اماكن معينة لبيع اللوحات منها الكالريات وو قاعات المزاد العلني وهواة جمع واقتناء اللوحات والمؤسسات المدنية والرسمية كالمتاحف والمهرجانت والمعارض الفنية العالمية السنوية مثل آركو ARCO مدريد . هذا ما يحدث في العالم الغربي حيث الحركة النشطة المستمرة للفن ودرجة التذوق العالية لدى الجمهور .. اما في عالمنا العربي فهناك تقصير فلا اسواق ولا درجة عالية من التدريب لتذوق الفن واحترام

الفنان . قد يكون في بلدان الخليج هناك حركة منظورة لبيع واقتناء اللوحات ولكنها تبقى في مراقبة علماء السوء من تحريم ونهي يضاف الى ذلك ان نسبة التذوق الفني منخفضة لدى الجمهور ..

ويذكر ان من التجار المعروفين في العالم العربي هو دافيد ناهماد David Nahmad وهو من اصل لبناني ويعتبر واحد من اكبر تجار الفن في العالم . يملك 300 لوحة لبيكاسو و4500 لوحة لفنانين عالميين آخرين منهم ميرو وشاجال وكالدير وغيرهم . هذه الاعمال محفوظة وموجودة اليوم في قاعة عملاقة قرب مطار جنيف وتحت حراسة مشددة ..

قبل ايام شاهدت فيديو لبيع اللوحات في المزاد العلني في لندن ومنها لوحات للفنانين العراقيين الرواد مثل فائق حسن وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وحافظ الدروبي وغيرهم والذين كان لهم الفضل في النهضة الحديثة للفن العراقي المعاصر .. وقد صعدت اعمالهم الى اسعار عالية غير متوقعة .. واتذكر في يوم من الايام كنت في الاردن ايام الحصار الظالم على الشعب العراقي فكانت لوحات هؤلاء الرواد لا تتعدى 400 دولار بل اقل من ذلك . كما انني قد زرت معرضا للحفر للفنان العراقي الكبير محمد علي شاكر في عمان وكان يومها حزينا وبائسا فسألته عن احوال المعرض فقال لي لقد بعت المعرض كله بالف دولار ..  

 
 

د. كاظم شمهود                                          

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3394 المصادف: 2015-12-21 01:40:20