 مقاربات فنية وحضارية

شعوب عبد الرحمن: تتمكنوا من سرقة قمري وأعمال تشكيلية اخرى للفنان المبدع عبد الحميد الفياض

124-abdulhamidalfayad3قراءة عامة في الواقع والوعي الاجتماعي السياسي وتجليات مصادرهما الفلسفية في تجربته الابداعية

 شهدت صفحة الفنان السوري المبدع (عبدالحميد فياض) جدلا ثقافيا على موقع "التواصل الاجتماعي- الفيسبوك" في دراسات وأبحاث برباط فني وفلسفي وجمال علمي اجتماعي وسياسي من أجل سفر مناقشة تكوين اعماله التشكيلية المتنوعة والمتعددة، ونحن لججنا في صورة اسفار النقد الفلسفي للواقع والوعي الاجتماعيين في صيغتهما المعاصرة، كما وجدنا في التكوين أن نتتبع وبمثابرة في تجليات مصادرهما الفلسفية عند الفنان المتميز عبدالحميد بن الفياض؛ مصادره الموضوعية وتجلياتها الذاتية.124-abdulhamidalfayad1

 عليه، حينما اردت أن أشخص مفهوم الحقيقة الجمالية ضمن الواقع والوعي الاجتماعي السياسي عند الفنان فإنني وقعت في مسالك ضيقة نظرا لأن هذا المجال أخذ بي إلى وجهات النظر التي لفتت أنظار الباحث الرئيس والباحثين الاخرين إلى التنبه إلى المنظور النقدي المنطقي والرياضي والميتافيزيقي المتعدد الأبعاد عند الفنان، والمتنوع التفكير الكثير الابداع تشكيليا.

فإذا أجمع الباحثون على أنه أهـم اعمال الفنان أنطوت على قراءة فنية وفلسفية من منظور المدارس الفنية التشكيلية في العصر الحديث بحسب ما أشيرت الاراء على صفحته، فوجدت أنها أراء تصب في الاجحاف، ومراوحة تجديد الفكر، لقراءة الواقع والوعي الفنيين في متناول المؤثرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تلج في صب وعي الفنان الابداعي في مجال قراءته لها اسلوبيا، وتفوقه على الناقد التليد في تقليدية المصطلح في التناول او سطحية وعي المتلقي "المحافظ"، لاجل غلق باب التأويل والترجيح في فهم الواقع والوعي السياسي في المجال الفني، وتجنب المحايثة للذات الانسانية في مسؤولية التغيير، أو على الأقـل من أهمهم فإنهم لا يتفقون في تشخيص آرائه وإثبات تماسكها وانسجامها في نقد-النقد، إلا من دراسات رصينة متميزة قد اثارت فضولي بالتمعن لها بعمق من جديد.

الفنان عبدالحميد فياض تَبَنَّى موقفا نقديا مناوئا للميتافيزيقا الاجتماعية التقليدية، وايضا أنه هو مناوئا المذهب البراغماتي أو الذرائعاني في التشكيلة الاجتماعية ومنظومتها الفلسفية الفنية في الوعي، وخصوصا في أعماله الأخيرة، مع التنبيه إلى أن تحقيب تفكيره الفني يختلف من باحث إلى آخر بحسب التخصيص الدقيق لوضعها امام نصابها الحقيقي في التناول ودقة المعالجة.

على أننا قد نتفق او نختلف من الآراء، التي تميل إلى أن الفنان السوري عبدالحميد فياض يتميز تفكيره الذي صاغـه نقديا فيما بعد تأثر النكسة الاجتماعية والسياسة والفكرية لهزيمة 1967 "النكسة"، وتتالي الوكسات..، فاحتلال العراق 2003 وعما قبل هذا التاريخ بشكلها الواعي المباشر او غير المباشر من مأزق، و إلا اننا نشدد على ما لحقها من تركم الأعوجاجات في التنظير والقراءات الخاطئة في الجدلية التاريخية ومادتها الفلسفية.. وايضا بالحلول العرجاء المخجلة لجميع المشاكل، والتي تمخضت بشعارات هلوعة لديمقراطيات الربيع العربي كما سميت بها 2011 وترقيعها بالحرب الاهلية السورية، الدائرة على مجمل الخيالات والخيارات والاطروحات الطوباوية بين الالغاء والبقاء دون بدائل حقيقية ناضجة، وما دام إشكالنا هو البحث عن الموقف من ميتافيزيقيا الحقيقة للواقع والوعي الاجتماعي السياسيين ومصادر تجلياتهما، فإننا سنَتَبَنَّـى هذا التقسيم للموضوع. وسندعو إلى قراءة خمسة أعمال من باقة اعمال الفنان التشكيلية لنسلط الضؤ على محورين رئيسين كما ورد ذكرهما في العنوان بين العلة والمعلول الأولى بقراءة الواقع والوعي مع التسليم بامتداد تفكير المرابطة الأولى في المرابطة الثانية و تجليات مصادر اتصال وعي الفاعل بينهما.

نعتبر "الفاعل" الفنان عبدالحميد بن الفياض في مداخلته الفنية عبر اعماله التشكيلية أنها مرتكز في النقد الفلسفي للواقع والوعي الاجتماعي السياسي المعاصر أتى ليكرس المنظور الفلسفي لوعي الانسان ودوره في التغيير الاجتماعي الذي ما انفك نفسه يصدر عنه في تناوله لمختلف القضايا التي تؤثث مشهدية اللوحة متنها الفكري؛ منظور منظومات الاستقلال الفلسفي الذي يجد خير تعبير عنه في التبرم السائدة معظم أعماله، "إن لم أكتفي، بدراسة الخمسة الاعمال منها"، مما أسميها بنزعة نصية تفشى سرها في الفرشاة وأمرها بين جل المشتغلين في الحقل الفني والجمالي والعلمي والفلسفي الإنساني عامة والسوري خاصة، وصيرت فرشاته الفنية بتشكيلاتها المتعددة والمتنوعة، جعلها منها فعل التفلسف الاخلاقي في المنظومة الثقافية، وما جعلها عندنا قرينة الشرح والتعليق والتحشية على الفن التشكيلي لاعماله تداخل النصوص الاجتماعية الفلسفية ووعيها النقدي تداولها لفتح لها ساحاتنا الكبرى من الوعي، سواء منها التي أنتجها التراث السوري الاجتماعي الفلسفي القديم والكلاسيكي، أو تلك التي ما انفك الفكر الغرائبي المتعاصر بمعاصرة الازمات والحروب، ويمطر بها الوعي النقدي السياسي والاخلاقي في الضمير والقيم العربية والانسانية على مستوى الوطن كجغرافية وواقع او الانسانية كوعي محايث التغيير، منذ أن أدرك الفنان هذا الأخير حقيقة تأخره التاريخي إبان عقود مضت، أفاق الواقع بقيء ما بداخله من أغطية تدثرت به من إدعاءات، وإبان زيف صحية فوائدة على نجاعة بقاءه وسلامة بنيوية تنظيم منظومته بالشفاء.

124-abdulhamidalfayad2

 

 إن توجه منظومات التشكيلة الاجتماعية المتعددة، وتنوعها في الواقع، تجلى خطاب الفنان الابداعي بمصادره الفلسفية، يقول مؤكدا الباحث د. الغزالي عبدالرحمن نقلا عن الباحثة اشبيليا الجبوري في ندوة بروكسل الماضية، والمشار إليها اعلاه، يتكئ، دوماً، على مرجع منفصل عن سياقه الثقافي، الأمر الذي جعله يعاني  أغتراب ووحدة الآلآم مزدوجة'؛ أغتراب عن الواقع الاجتماعي ووعيه الثقافي الذي كثيرا ما يعاند كل تفكير مصادرهما الفلسفية العقلانية، تنويرية، وحشة ووحدة عن الروح للتشكيلة الاجتماعية ووعيها الفلسفي، من حيث هي قوة خاضعة سلب/حرمان/قحط وفجاعة، وميل نحو خلق الفجوة التقديرية مع المألوف لوعيها، أو بما هي ظاهرة معرفة تفاؤلية تشاطر وتنشط بالسؤال وفيه، التي جعلت من الفنان حذر محايثة الفهم السوداوي عنها، و ما يصغي إلى تحولات المرحلة لالتقاط مكوناتها وتفاصيلها ، وما تلمسها واقعا فعليا، ما جعل تجسيدها باسلوب فني صارخا الانفعال فيه، والتمرد على مكونات وعيها وواقعها الثقافي البانورامي الفج النكير لمكنزيمات التغيير.

في الأحوال جميعها، يكون تجليات الفنان بنقده إلى منظومة تشكيل الواقع والوعي الاجتماعي السوري المستمد موضوعيا من خارجه؛ فهو ينتقد ما تجلى في ما استمدته تلك التركيبة الفلسفية للواقع إما مستمد من التراث وإشكالياته، أو من الفكر الحداثوي الدخيل بالمعاصرة ومداراته على الوعي الاجتماعي العام والذي تأثرت به أطياف اللون الاجتماعي. يعني هذا أن أعمال الفنان ترتكز بالوانها وتشكيلاتها وسلطاتها المدهشة على أن هوة نقدية سحيقة ما انفكت تفصل الوعي عن واقعه في الواقع السوري، وهذا ما انتبه إليه بعدم تثليمه عن الوعي والواقع للانسان العربي العام ، في نظر الغزالي، الفنان عبدالحميد فياض عندما دعا إلى الزج الفني التشكيلي بالفلسفة للارادة بالاختيار للانسان وقع في معمعة الانسان الراهن الهلوع والضحية، حتى تمكن الوعي الاجتماعي الجمعي من أن يصير عند الفنان تلامسه وعيا بالحاضر للمهزوم المُعذب ومشروطا بمشكلاته العصية في بدائل الاختيار لصميم الارادة. لا ينبغي أن نفهم من هذا الموقف إعراضا نيتشويا من صاحبه عن دراسة التراث الفلسفي وتاريخيته من تماثلات ومقاربات كما عبر عنها ايضا أ. د الجبوري في شخصية "غيلان الدمشقي" التي تجسدت تماثليا في لوحة الفنان "المسلخ الوطني"...  أو عن الإفادة من مخاضات الفكر الاجتماعي الفلسفي الذي يحدث الفنان به عن الحرب الواقعه وبتخليدها للتراث بمعاصرة احداث التغيير، بقدر ما ينبغي أن ننتبه، يقول الجبوري، إلى دعوته إلى فهم التأويل الصحيح لمكتسبات تجديد الفكر الاجتماعي الفلسفي الفاعل برمته من الفنان في بلورة فهم معقول للواقع وتحولاته والخضوع لتحليل تجلياتها.

وعلى الرغم من عنايتنا بمفهوم النقد للواقع والوعي الاجتماعي السياسي، وبصرف النظر عن الصورة للتجليات البانورامية ومصادر تجلياتها الفلسفية التي قدمها الفنان للمتلقي عن مسار مفهوم نقد-النقد الفني بمحتوى أعماله وتتشكلاتها الحديثة واليومية، فإن الفان عبدالحميد فياض، لم يرد لأعماله أن تكون قولا اصلاحيا وتعليميا "دينيا" في مفهوم النقد للواقع ووعي تاريخه، بقدر ما بسط فيه صراحة القول في اللغة الفنية التشكيلية في مكانية عمق تواجد حقيقته الفلسفية بالإفادة من مفهوم النقد الفني وعلاقته بين الحياة وسعة تقييمها الانساني في تحليل القيمة للوعي والجمالية الكثيرة من أثارة الأسئلة التي ما تزال تسفوت وتستوقف الوعي الانساني والسوري بوجه خاص، من قبيل إشكالية الديمقراطية، والسؤال عن الحرية، ومباحثة السلطة، ومحايثة المعنى، وفهم الاختلاف، وتناول الحق...والتزود بالجمال الاخلاقي... إلخ، وهي أشكالية يرتشح بها متن الفنان برمته في تنضيح أعماله. وفق هذا الإطار الذي نجد الالوان مهووسة بمفعول الإيديولوجيا وأثرها السلبي في التشويش على الوعي الاجتماعي ومصادر واقعها الانفعالي الدوغماتي في مكنونات الطبقات الاجتماعية السورية المتمثلة في التدرج اللوني وتوزيعها على القماشة للوحة الواحدة، نبهنا الفنان هنا عبد الحميد فياض، حسبه دائما، إلى ما يضطلع به اللون الاحمر في اللوحات والموسوما بـ(سوريا، عيد الحب، المسلخ الوطني، ليه يا بنفسج، وردة حمراء من أمرأة عارية، قراءة في لوحة طيور الجنة..الخ) وسيادة اللون "الاحمر"  ما يجعل به التضخم الإيديولوجي من دور في تعميق أزمة الاغتراب وغربة الوعي بواقع تاريخية الفنان عن راهنه في الواقع.

إن الفنان السوري عبدالحميد بن فياض، يعول أبداعه على النقد للحقائق الظاهرة والخفية في السلوك الاجتماعي وانطباع تجليات واقع حركة تاريخ الوعي الجمعي في مواجهة معضلة التضخم الإيديولوجي، التي يفيض لونه بفرشاة واشكالا منبعاً توجسيا لمختلف أشكال السلوك اللاعقلاني وثقافة الانسحاب التي هيمنت على الوعي العقلاني السوري في ظل ما تم الاطلاق عليها بمسميات مختلفة لعناويان لوحاته المتعددة والاشكليات المتنوعة للتضخم الايديولوجي المرتشح في كل مجالات الحياة. والملاحظ على إعماله لمفهوم النقد الفني التشكيلي في متن اللوحة الواحدة، هو إبقاؤه على حمولته الفكرية الاجتماعية وكثافته الابداعية الفلسفية الراهنة؛ فهو أي الفنان يوظف الرموز والالوان إلى المفهوم الاجتماعي المتحول للمختلف عند المتلقي للتغيير دون أن يفصله عن سياقاته التأسيسية الاجتماعية لوعيها التنظيمي بسعتها التراثية والتاريخية الجدلية الكبرى للذاكرة الجمعية المتشابكة التعقيد؛ تتداخل فيها نظرات النقد للتغييرعبر رموز افرتها تجارب غربية عن فلسفة كانط في أعمال التغيير لدى الفنانيين، وشلينغ في الوعي ونقيضه والمثالية الألمانية التي نقدها ماركس في المادية التاريخية "الايديولوجيا الالمانية"، وصولاً إلى تجلياته المابعد حداثية عند مدرسة فرانكفورت في إدارة التغيير النقدي وفلاسفة الاختلاف. غير أنه، في مقابل ذلك، يمكننا القول، ان الفنان (عبدالحميد فياض) يعمل على تطويع الفن التشكيلي إلى المفهوم الحيوي للتغيير الاجتماعي خلال أختيار درجة وعيه ليدرجها في مستويات التغيير الذوقي لجمال الوعي وفق تاريخية مراحل صراعه، ليصير قادرا على احتواء القضايا المجادل عنها في البناء والتنمية لضروريات الملحة في اسس واقعية التغيير التي تواجه الفكر السوري والانساني اليوم. ولا  افرط بالقول حين أدل على ذلك من اهتمامه المزمن في ملامح الشخوص باللوحة بمسألة المتخيل للتغيير وعلاقتها بالواقع المعولم التي خصص لها حيزا مهما من مساحة اللون في اللوحة لغرض التواصل الخلافي كما في أعماله الموسومة بـ(،الخلاص، كانت لدينا صورة عائلية، عودة عشتار، ملامح قيد التلاشي، بالاضافة إلى لوحة بداية خضراء لعام ليس ملونا...الخ) الأمر الذي يشي بأن الفنان لا يدرك الفن دون نقد الوعي ونقد الواقع الاجتماعيين في معناهما الأداتي الضيق، وإنما يتخذ ويستجيب منه لرؤية استراتيجية، لخلخلة منظومات التشكلات الإيديولوجية وقنوات الاوعية الثقافية والتعليمية الدوغمائية التي تكبل تربية الوعي الاجتماعي وتحول بينه وبين الواقع للتغيير.

على ضوء هذه المعطيات، يمكنني القول أننا لابد أن نفهم كثيرا من المواقف التي أعرب عنها الفنان السوري المبدع عبد الحميد فياض في أعماله من جمالية في نقد الواقع والوعي الاجتماعين الفلسفيين، من قبيل تشديده تناسق رؤية التجليات الفلسفية المشتركة في التغيير، والمتابعة على حاجتنا الملحة إلى تغيير الفكر الفلسفي الاجتماعي وتشكيلاته الطبقية في مفهوم النقدية للحرية والتغيير الاجتماعيين، على مستوى ترسيخ علاقة فهم اسلوبية الفن التشكيلي وعلاقته بنواضم وضوابط الأطر الديمقراطية وتنوعها اللوني، كما على مستوى منهجية التربية في تطبيقات التعليم وتطوير ألية الوعي الاجتماعي القائمة على الحرية الانسانية و الجرأة في الحق والنقد في معطيات وظائفية المجتمع للبناء والتنمية. بل ويمكننا أن نفهم عمق ارادة الاختيار الفنان، أيضا، كمساهم فعال في مراجعته النقدية للأنتاج المجتمع المعرفي لأبرز المشاريع نحو الحرية الفكرية والتخصص التي أفرزها تطور ألية تحسين أداء الفكر الفلسفي الاجتماعي السياسي السوري خاصة والانساني عامة من أجل معرفة دقة منتجه الفكري المعاصر لتوليد فاعلية واهمية الساحة الفنية للابداع، من قبيل ما نجده عند الفنان نفسه ، وغيره من المبدعين المتلزمين؛ فالثابت في اختلاف في هذه المقالة هو الدقة في مواجهة الانسان لنفسه، وان كانت ضمن هذه المحطات  تستغرق كلها إلحاحه على ضرورة تأسيس وعي اجتماعي وواقع نقدي بالقضايا المحيطة بالتغيير وللانسان وممارسة مسؤوليته في إقرار المستقبل لوعيه المستنير بالجرأة للمطالبة بالحقوق والعدالة والواجبات والحرية في رسم المجتمع الديمقراطي،  التي ما تزال تجثم بظلالها على الوعي والواقع الاجتماعي السوري، رغم سعة ما اراد ان يفيض بها الفنان من نقد للوعي الثقافي الانساني عامة كي نتخلص من التشكيك و الظن في النوايا السيئة في تخريب العقل وافساد المجتمع دون دراية دقيقة عن محمولاتها الفلسفية وبنان سعتها الثقافية.

وبعد اجاز لنا الموقع الشخصي للفنان للاطلاع والمداخلة النبيلة لعالم وافاق أعماله التشكيلي، جاء دور مداخلتنا إلى تلك المحمولات الفلسفية وبنا سعيه الثقافي ، الذي اختار مسميات للاعمال في دوائر نقديته التشكيلية للواقع والوعي الاجتماعي، أفرز لها متن المكون النقدي للوعي فلسفيا، مبرزا ما قد اهملت  واقصيت مضامينة بدعوة التمثيل الفردي المهمل، والشمولٌ بحجة اقترانه بعدم الخروج عن الوعي الجمعي المألوف، أنها قراءات في المسكوت عنه في النقد الواعي الفلسفي للواقع الاجتماعي المعاصر، أصال بفرشاته ألوانه نحو التغريب وتجلياته في الوعي المتراكم  في ثنايا وزوايا اللوحة توليفا نحو العمق الاجتماعي وسط للوحة، استهلها اعماله إن  الفرشاة مدخلها للوحة كالفلسفة الاجتماعية وشخوص يحركها النقد لوعيها التشكيلي سيان، حضورها تتجسد في حضوره، وغيابها دون شك تتجسد بمسافة غيابه. لنقل ودون مبالغة وشرود واعي بذاتنا، أن الفنان أصاب النصاب بدقة تناوله الواقع والوعي الاجتماعي السياسي في صميم الفلسفة الجمالية ليست إلا متجليا ناقدا مصادرها وما سيترتب عليها حال أغفالها، ولن تكون إلا كذلك، مدا مستلبا لهذه التجليات، تنصيبٌ للواقع ووعيه التاريخي الحتمية لمشانق إعدامها حال عدم تحمل مسؤولية تبني التغيير النوعي للثقافة الحقة والتربية الرصينة وجرأة علمية التعليم. في حال البدء للوحات الفنية كان النقد يتوجه إلينا دون غيرنا كواقع معلن وفي "الختام" نستنتج ان الواقعة في وعينا الذي يقرأ التغيير بلا أدوات تطبيقية مسبقة في معرفة الاشكاليات والتوجسات ومراعاة احقية المخاطر، ذاك حقا عنوان لازمني شخصيا بتأملاتي، ملازم للكل متابع حصيف في الاهتمام، بمحط النظر.

أرتقى ألفنان عبدالحميد فياض نَظُرَ حساسيات جمالية مختلفة لكثرة أهتزازاتها الفلسفية، أضفت على التشكيل بعدا فنيا حواريا بشأن ما يتعلق بالنقد الاجتماعي وتركيب الوعي الطبقي منه ومن شحن المفاهيم والأسئلة التي حددها بعلامات. بيّنٌ وواضحٌ حميميةُ العلاقة بين النقد للوعي الاجتماعي، وأسئلة الواقع ومنظومة القيم والمعرفة، لذلك ليس بمستغرب أن تشكل فرصة محاورة لاعماله الفنية بمزوال آخريات العلوم او الفنون الادبية، لانها توفر مناسبةً للنبش في  خفايا الانسان والمجتمع وانتماءه ونبش قضايا وحدة الذات وانفصال الزمن وفينومينولوجيا معرفة الجسد وميتافيزيقية السلطة و أرادة الموت والحياة و تمرحل الديموقراطية وفنون لاعبيها في السوق والمجتمع...إلخ، في علاقتها بأهمية وعي الوجود لعقل بشري متنبه، فرض عليه حاجاته ورغباته أن يرهَق بلوذه نحو فك طلاسم الواقع وحركته الاجتماعية بأسئلة ليس بمُكنتِه ردها خارج حراجة الوعي التاريخي والجدل القائم بماديته، فهي قِدرة قدرُه في الحصول على حاجته كما صرح بذلك (كارل ماركس) في رأس المال وايضا (عمانؤيل كانت) مدخله لنقده العقل الخالص، وهوسرل في الظاهراتية ووالخ.

التجليات، بالأحرى الكتابة في التجليات وما حولها من مصادرها الفلسفية، شكَّلت لدى الفنان تحديات ومدخلا سلسا من مداخل علم الاجتماع السياسي في الفن التشكيلي تناول خلالها هموم الإنسان المعاصر والراهن. فبعد حركة مضخات عناصر المرويات التاريخية من النظريات الفلسفية الاجتماعية الكبرى بصدد الصراع الإنساني والتماثلات للحتميات المادية ونقائضها، وتصدع النزعات الطبقات التقليدية، تصاعد موضة التجديد المولعة باغتيال حتوف التاريخ من نظريات أبطاله المثقلة بالحيرة والاغتراب من أهمية لاغتيال سلطة الوجود "الله، الطبيعة، الانظمة، والفاعل المهيمن..."، نلاحظ ما تداو له الفنان من لفت الترسخ المراهن عليه من لدى المهتمين من نزوعات نحو قتل الوعي المهيمن ولو بمسيس حاجة التغيير إلى التفكير النقدي بواقعه الاجتماعي ومنظومته الحيوية،  الفنان جعل من حيرته لمساءلة ما ترتب عن ذلك من إشكالات جديدة في أتجاه المتلقي بثقافته الطارئة، والتي جعل ما همّت به ذاكرته من سلوكيات أنضدها على انعكاس لاسلوبه الفني نحو تقييمات الوضع الثقافي البشري في سياق أعادة النظر في كل ماورد في مرتكز بناء صنوف الايديولوجيات الواهمة في تدليس وعي الانسان ، وتحريضه على تصفية الحساب مع تركة الوعي لواقعه من حقب فراغية الصناعة في التماثل، التي خلَّفَها اللون الحاد وخطوط التشكيل لطبقات أجتماعيتها المتباين لموت الانساق الدوغمائية وما جعلها ان تنسحب نحو المجتمعية الثيوقراطية الضاعة، وقد تصاعدت لدى الفنان خطابات تدعو فهم تهييج الذاكرة ضمن ملكات الإدراك الحسي المجتمعي ضمن شرائح اللوان المتعدد في اللوحة الواحدة، و مدها بغذاء فكري متقبل للآخر في النقد الفلسفي الاجتماعي ودوره الحركي في إعادة ترتيب الاولويات، للخروج من الدوغماية أقل غباء وانحسار وانطواء مما ولج المرء بها، كما عبّر عن ذلك في لوحة "عودة عشتار/عشتروت".

التجلي بالنسبة إلى الفنان أيضا، هو بحسب مصدره قلق، هو الوعي الاجتماعي بالمسؤولية التاريخية، التي يستشعرها الفنان بمكنونه الفلسفي في لحظات "تعَسُرَ الإِشْرَاق"، وإستيقاف ٌ للمتلقي على أوهامه، منشد إليه حمله على الانفلات منها، بالاسترهان على أضطراب السؤال وحيرته، وشغب الفكر ومشاكسته، والجرأة ووضوحه على استعمال العقل الخاص بدون وصايات قبلية جاهزة خفيضة فقط. بل للتجلي نقد البداهات الراسخة في العلن، وعلى رأسها التبرم في العقائد مما هو بدهي جمعي، وايضا المراجعة لكل ما يتقدم إلينا باسم الظاهر والمخفي ببداهة الحقيقة و يقظة اليقين، وبتلك الاخيرتين يتشكل، إنه  التجلي نحو التشخيص و وتشخيص نحو التأسيس، كما اوضحها الفنان في اللوحة الموسومة بـ( ملامح قيد التلاشي) وعلمه الاخير والموسوم بـ( لن تتمكنوا من سرقة قمري) 2016.

إنني كما أعتتقد أن لتجلي الفنان في قراءة الواقع والوعي النقدي الفلسفي الاجتماعي، هو بمثابة تتويج لجهود وتجارب ابداعية سابقة لصاحبه، حيث يظهر دقة الاسلوب بانشغاله فيها منذ زمن، بالحفر المعرفي في غموض وإبهام بعض اشكاليات الفكر الإنساني من قبيل الفائض الاجتماعي القيمي وعناصر بلاغة محركاته التاريخية الهامشية في النابض الجدلي لقوة التاريخ والذاكرة المتعلقة في "المرأة/الرجل/ العائلة، الاختلاف/التوافق/الاتساق، الكتابة/الخط/ اللون، الصمت/الصراخ/السكوت، المحظور/ المعلن، الشمول/الخاص، القوة-السلطة/الضحيه-كبش الفداء...الخ، بالإضافة إلى أسلوبيته الفذة على استنطاق المتخيل بغية تجاوز "حوار القطيع" بين تلك الثنائيات الميتافيزيقية التي تسيدت الفكر الاجتماعي وتحدياته من قبيل العقلانية والعبثية الممنهجة، الإشراق والأغتراب، الذات المقصية والآخر الحاضر، ويبدو أن للأمر، نظرية الفعل الاجتماعي لماركس لها صلة بإيمانه العميق بجدوى نظرية التواصل للفعل الاخلاقي الهبرمسية، في توطيد قواعد تفتيش الخلل في ثقافة ووعي تعلم وتربية العيش المشترك، وهو يجنب التغيير الاجتماعي المزيد من المآسي خلال نقده الصارم، في تجنب ما يكفيه العالم من المآسي والرعب الذي أصيح  يتفطن عليه الليل والنهار من اجيال لمن حوله في كلّ لحظة وحين من ازدراء بمقتضيات محاربة التاريخ من جهة والذاكرة وصنيعة تفاعلها بالمقدس التراثي ورمزه الفلكلوري.

هكذا سعى الفنان السوري المبدع (عبدالحميد فياض)، وهو يحاول استعادة بعض القضايا الرئيسة الشاغلة في الواقع والوعي الاجتماعي، والتي نضحت به اعماله التشكيلية، أن يقود بعض تجليات مصادرها إلى أقصاها بتدارس رهاناتها، موجَّهِا لها تأملات ببعض الأسئلة الأساسية، التي يرتبط معظمها بإيماءاته المشاكسة الآنفة الذكر، وممكن من المتابع والمتخصص محاذاتها خلال موقعه الشخصي، حيث يمكنه من أن ينوه برغبة ما غفلنا عنه دون قصد ما للفنان اعمق مما ذكرنا ، دون شك هناك المزيد، ما لبث للفنان من إشراق ابداعي في استنبات فكر فني نقدي، حصين في الفضاء للواقع الاجتماعي ووعيه من سحنات مؤثرة بفاعلية اسلوب الفنان التشكيلي المميز،  ما قد يساعد على تخطي أنغماس الاوهام برابطها من صلة بالأحلام المجهضة، والتخلص من مساحيق الوعود الايديولوجية المهينة، ولعلّ هذا من مستوجبات كل حديث عن الفنان السوري في النقد الفلسفي الاجتماعي السياسي الراهنة في تجلياته خلال الحرب وما قبلها وراهنية مسخلفاتها. 

 

شعوب عبد الرحمن

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

اكتب تعليقك هنا...شكرا للاستاذة شعوب على كل ماورد ..وشكرا لكم على ابقاء المقال قائما حتى الان..

الفنان التشكيلي عبد الحميد الفياض
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3604 المصادف: 2016-07-18 08:29:17