 مقاربات فنية وحضارية

منال البستاني: لقاء أنكيدو جلجامش.. قراءة في لوحة الفنانة رنا علي

manal albustaniيقول الفنان الروسي فاسيلي كاندانسكي أن نخلق عملا فنياً يعني أن نخلق العالم La création d'une œuvre , c'est la création du monde: ها هي  الفنانة العراقية التشكيلية رنا علي في لوحتها  الموسومة " لقاء أنكيدو جلجامش " قد وسمت اللوحة برؤية هندسية ذات مقصدية: وخلقت عالماً يشعُّ بالصداقة والألفة والضياء مستخدمة كل الأنساق الدلالية والألوان الدافئة البنفسجية والأرجوانية والخضراء والصفراء والبرتقالية في انزياح شعري يملأ المتأمل بفيض من المشاعر  الممزوجة بالاغتراب النفسي والحضاري  الذي يرمز إلى  واقعٍ دموي مؤلم . إن اللوحة مصقولة بقيم جمالية تطفح  بمشاعر الود الحار ذي المغزى الأسطوري: ومثقلة بمعاني التلاحم والشوق والحنين الذي تحرص الأنوثة على بثه في تمام الماهية: والتماثل بين الـ أنا والآخر من جهة الخصائص الإنسانية : جسدان متلاحمان:  يضم كل منهما صدره للآخر وعناق حار ينبض بالحب الدائم الخضرة من خلال نبتة الخلود  التي تتوسط قلباً واحداً هو قلب جلجامش الملك السومري الذي يرمز للسلطة وصديقه أنكيدو الذي يرمز للشعب: وقد جاءت النبتة رمزاً للعراق مهد الحضارات وأرض الحياة .

تعكس اللوحة معانيَ سامية غابت في حياة الإنسان المعاصر الذي ألغت فكره السياسة المليئة بالذوق الفاسد: الخالية من الأخلاق  لأنها أضاعت قيمة الإنسان في الحياة: فالوشم الذي نقشته الفنانة على يدي الصديقين جاء رمزاً للأمانة والوفاء والولاء: تأخذنا اللوحة مع الوشم إلى العصر البدائي: فالوشم في قاموس الرموز الفرنسي Dictionnaire Des Symboles , p.929 هو رمز للحياة البسيطة والحكمة السياسية والأمانة والتآزر والتماسك . إنّ رنا علي  تفسح للإنسان مجال التواصل الاجتماعي الرحيم مع أخيه الإنسان كالنسيج القوي المتماسك  الذي لا يتبدل : رمزت بالوشم إلى العصبية السياسية التي توشّم بها سياسيو الوقت الراهن  فقضوا على فكرة الترابط  الإنساني:  لتقول إنّ الإنسان هو الأساس: وإن تلاحم الإنسان مع الإنسان في ساحة الحياة هو الأمومة الحاضنة في زمن غابت فيه الحكمة واللغة المتراصة .

 اللون البنفسجي  في تدرجه واللون الأرجواني حضرا بنغمية انسيابية مليئين  بطاقة سحرية ولغة بيانية تفيض بالنشاط والحيوية  والعاطفة والسمو في الإبداع الفني: وهما يعبران عن القرابة الروحية ذات الطقوس الأصيلة الدافئة  التي تناقض عاطفة الكراهية والشعور بالنكد والحقد والنفور والتعالي . تؤكد الفنانة رنا علي على عاطفة الخير التي يرى فيها الفيلسوف الانكليزي  ديفيد هيوم الرغبة الطيبة: وأن العاطفة أساس الأحكام الأخلاقية: وأنّ الصداقة هي غذاء الروح مماثلة لغذاء الجسد . ربطت الفنانة الصداقة بشجرة اليقطين التي أنبتها الله على النبي يونس عليه السلام  وورد ذكرها في القرآن الكريم " وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ": فاليقظين ثمر ذو  ملمس ناعم وشكل مضلع  ولون برتقالي أبدعته الفنانة بدفء عميق : فالصداقة تحيل الروح من حالة التوتر والسوداوية والعزلة إلى حالة التوازن والعمق المضيء  لما لها من فضائل كريمة ومذاق حلو يزيل الحزن والاكتئاب  ويطرد الذباب الطائفي  وجراثيم أمريكا التي ولّدت  الحروب وأمراض السرطان وارتفاع ضغط الدم وأشعلت نار الفتنة بين الإنسان وأخيه الإنسان :  انزاحت باللون الأصفر انزياحا بيانياً   وألغت رداء يهوذا الأصفر المسموم بالخيانة لتجعل منه سوراً يحمي المحبة مبنياً على أسس حضارية: اللون الأزرق  الذي يربطه كاندانسكي بالتصوف: جعلته رنا علي لوناً يطفح برؤى تفسح المجال للقيم التي تحترم القوانين وتبني الأوطان وتنهى عن التسيب والعبث بالبنيان والإنسان لذا نراه  ينساب إلى أبعاد غيبية لما للصداقة من معانٍ روحية تقود إلى الإيمان والهداية  وتُبعد عنّا الحيرة  قال تعالى " حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ": تنفي الفنانة الأنانية المادية التي تُبنى على الطابع النفعي: تشير إلى محنة الإنسان في عصر الهزال والعراء والإعياء والسقام: فالصداقة هي همزة الوصل بين الأرض والسماء والماضي والمستقبل:  تنأى عن الارتباك الذي سببته فلسفة ما بعد الحداثة : وانحرفت نحو التيه وعدم معرفة وجه الاهتداء وخلقت الاختلاط والتشويش  بدلا من أن تكون  الأم الحاضنة للإنسان تنتشله من الظلم: فإنسان اليوم هو يونس عليه السلام وهو في العراء منبوذ وسقيم .

إنّ جماليات العمل الفني تزداد سمواً حين تهزُّ الروح بمضامينها الإنسانية فهذه اللوحة رسالة فنية أصيلة تعكس مأساوية الظروف التي يعيشها العالم  وقد ساد الاضطراب والعنف والفساد السياسي والتعصب الطائفي والغموض  الذي يجعل الإنسان في حيرة من المصير الذي يتربص به: لهذا تؤكد الفنانة على الصداقة وتربطها بالإدراك الحسي والروحي والنوايا الواضحة : تُعمِّق من خلال الفن فكرة التصالح والإيمان بالقيم العليا  والوعي  بوجود الآخر والتحرر من مركزية الذات من أجل الانفتاح على الآخر والتعامل معه بسلوك إنساني . إنّ الفن يحثنا على التواصل السلمي  ويلتحم بصميم الفلسفة  فالاتصال الحقيقي يتمثل برؤية ماكس شيلر في التعاطف فلا غنى للأنا عن الغير.

رسمت الفنانة رنا علي التو اشج الإنساني كتواشج أغصان الأشجار وتداخل الشرايين والأوعية الدموية في الجسد بفاعلية تبث الحياة في الجسد الاجتماعي في عصر توا شجت فيه الهموم في القلب: فالتواصل الأصيل يساعدنا على تجاوز المآسي والكوارث التي حلت بنا: فحياة الإنسان كما يقول توماس هوبس حياة استفزازية قذرة مُضرة  ذات طابع وحشي . الفنانة تدرك بوعي عميق أننا نعيش في الوضع الحالي حالة من الهمجية قائمة على الشر والتطاحن والنزاع ألسلاحي الشرس لذا تنزع إلى الميول العاطفية وتدعو للسلام واستخدام العقل الذي يسمو على الشر بالقوة الأخلاقية: فالحياة الإنسانية قائمة على التشابه والتماثل و ليست مجالاً للبطش والتحايل والمكر والتبختر الذي تمارسه القوى الشريرة التي تدور حول نفسها وتعيش بغرائزها التدميرية النزّاعة للميول التخريبية للإنسان وللبنية المحيطة به: تلك القوى التي جعلت من العالم حرباً لا هوادة فيها وغمرت العالم بأجواء مكفهرة ليل نهار.

تدعو اللوحة إلى التحرر من الانطوائية والاندماج مع الآخر بنقاء وصفاء وثقة وسلام في حياة يسودها النور والنظافة . تدعونا إلى لغة متماسكة حسنة الالتحام: والعودة إلى الحالة الصافية والطبيعة السليمة التي لم تُشَب بعيب: وإلى السلامة والاستقامة في واقع بعيد عن الطغيان والآفات والنقائض لذا تجلت اللوحة بمضامين وجدانية ودلالات تسبح في فضاء كوني تدعونا إلى الرفق ببعضنا والتوحد في الكينونة . غمرت الفنانة اليد بهيمنة إنسانية طافحة بالحنان والاحتواء: تفضح غياب العدالة والمساواة وبحضورهما يزول الشعور بالغبن والخوف: رسمت رنا علي رباطة الجأش والرصانة والشجاعة في التآلف  مؤكدة وظيفة اليد التي تبني ولا تقتل ولا تهدم ولا تُلهب النيران . فهي تجسد لغة الحضارة العراقية : حضارة ما بين النهرين السومرية والأكادية والآشورية والبابلية من خلال الرموز  والخطوط الزرقاء والبيضاء التي فاضت بلغة القيثارة: لغة الموسيقى السماوية الملائكية التي توحي بلغة الأسرار ذات  الخطاب الروحي الذي يلغي الفوضى والضجيج وغبار التعصب والتمسك بالقيم البالية  .

إنّ لغة الجسد لغة عميقة في معانيها الروحية جسدتها الفنانة بلغة الفن: لغة التواصل والرموز والإشارات: وراحت تحثنا فيها على الخُلق الجمعي في عصر  اتسعت فيه مساحات العنف والسلوك العدواني: إنها تعبر  عن حاجات جوهرية غابت في حياتنا من أهمها الحماية . فقد نثرت الفنانة  على الأرض أوراق الزيتون رمزا للسلام:  بنسق تعبيري وظلال ومعانٍ  مثقلة بالجمل اللونية  المُثبتة: وجعلت من الماضي البعيد حاضرا نفت فيه العداوة والحقد لتجعل الفعل الأساسي التجدد المستمر، مزجت اللونين البرتقالي والصحراوي  بصورة من الألفة ألغت الفردية لتجعل من المجتمعات الإنسانية متآزرة المشاعر،  في عناق يملأ الحياة بالبهجة والصفاء فبدت اللوحة كأنها رقصة هادئة في فردوس أرضي متناسق خالٍ من التشابك يخفف من توتر الحياة والغضب .

 تجلت الساعة اليدوية في المعصم رمزا للزمن وللصداقة التي تنشط ضربات القلب وتساعد الإنسان على الانفلات من عجلة الزمن الأصفر المكفهر والرمادي الأسود الكئيب إلى زمن أكثر رأفة بالإنسان.

إنّ الفن في رؤيتها قلب يناضل من أجل الخروج من السلطوية: ومن أجل  الحرية التي تطفح بنور الصداقة الفطري الذي يحررنا من القلق والوحدة: وجعلت  الغلبة للقلب الذي هو منبع العاطفة والوجدان: ألغت الرأس الذي يحوي العقل الذي ينزع نحو الهيمنة والسلطة والسيطرة والتقنية والمنطق الضيق في هذا العصر الأناني: الذي هو في رؤية هيدجر الفلسفية  عصر الذاتية التي هي أرضية المشروع الحداثي: من أجل أن تنأى رنا علي بالإنسان المعاصر عن السيوف المسلطة فوق رأسه وتنتشل العالم من الدم لتتجه صوب الفكر الحر الذي يلغي الفوارق ويزيح الحواجز بين السلطة والإنسان ويجعلهما في حالة وئام .

تؤكد الفنانة على الصداقة من خلال العنوان " لقاء أنكيدو جلجامش " الصديقان اللذان يجسدان عبر التاريخ صورة الألفة الإنسانية بمعناها الجوهري: و تبسطها بهذا العناق الحميم: لا تبقيها حبيسة في حدود بل تغمرها بنور عفوي حدّ أنّ اللوحة بدت ذات رمزية عميقة للمتأمل كأنها أم تشدُّ بقوة طفلها إليها: تعبيراً عن الحاجة إلى قيادة ذات طابع يحمل سمات الأمومة  وهي أقوى رابطة إنسانية لذا توهجت بالحماس والطاقة الذين ينزعان نحو محو لغة  الشر وكل آلياته المتمثلة اليوم بالطائفية والنزاعات العرقية ذات الحدة والخشونة فأبرزت الفنانة العصب الإنساني الذي يُؤمّن إدارة وظيفة الإنسان الكونية  للسير في الحياة العارمة بالسلام والعافية  .

ازدانت اللوحة بالحنين إلى الإنسان الفطري من خلال الزخرفة التي لازمت الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ فتجلت بتكوين فني تشكيلي تعبيري متكامل وانسجمت الألوان في علاقات متناغمة  رغبة من الفنانة رنا علي في استحضار مبادئ الجمال الإنساني فتكشّفت  الملامح الميتافيزيقية للوحة ذات طابع  اغترابي نمسك من خلاله بالحنين للازدهار الحضاري  والفكري والمعرفي لحضارة وادي الرافدين التي تصارع الوجه القبيح لأمريكا السلطوية التي تحكم بتعسف ولا تسمح بمعارضة أو اعتراض وصديقتها الطائفية وهما مقطوعتا الرأس. 

 

د. منال البستاني

 

 133-ranaali

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة القديرة
حقاً ان اللوحة الفنية , تشكل قصيدة شعرية رائعة بشكل معبر بابداع منسجم , وكما القراءة النقدية , جاءت متوافقة تماماً لجزئيات والوان اللوحة الفنية , وبالشرح المسهب المبسط في تقمص رائع في التشريح النقدي . . تحية الى الفنانة التشكيلية المبدعة رنا علي . والى المزيد من العطاء

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3708 المصادف: 2016-10-30 06:08:32