مقاربات فنية وحضارية

محمد خصيف باحثاً في اللامفكر فيه وطبيباً معالجاً للجسم التشكيلي بالمغرب

mohamad alshawiلماذا محمد خصيف باحثاً في اللامفكر فيه؟

ولماذا أيضاً محمد خصيف طبيباً معالجا للجسم التشكيلي بالمغرب؟

يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في كتابه: "الهوية والإختلاف"  "identité et différence " وهو يتحدث عن أبحاثه الدؤوبة في فهم التراث الفلسفي مقارنا نفسه بالفيلسوف هيجل:

" إن قانون الحوار مع التراث التاريخي بالنسبة إلينا هو ذاته بالنسبة لهيجل، حيث إن الأمر يتعلق ببلوغ الفكر الماضي في دقته وقوته. إلا أننا لا تبحث عن تلك الدّقة فيما فكر فيه المفكرون، وإنما فيما لم يفكروا فيه، في اللامفكر فيه impensé، ذلك اللامفكر الذي يستقي منه المفكر فيه ماهيته. بيد أن المفكر فيه هو وحده الكفيل بأن يمهد لما لم يفكر فيه بعد."1

يتبين من خلال هذا الملفوظ أن اللامفكر فيه هو القادر على إعادة بناء حوار مع التراث التاريخي والفلسفي الذي ما زال يسكن راهننا، من خلال طرح تساؤلات وقضايا ومطارحات لم يفكر فيها المفكرون، إذ على أساسها تتسع دائرة التطور والإستمرارية وفق صيرورة تاريخ الفلسفة.

فكيف فكر الفنان التشكيلي والناقد محمد خصيف في اللامفكر فيه بالنظر إلى منجزات التشكيل المغربي؟ بتعبير آخر كيف عالج محمد خصيف اللامفكر فيه من خلال منجزاته التشكيلية الخاصة التي استقى من خلالها تجربةً فريدةً وسمت أسلوبه التشكيلي؟

إن الجواب هاهنا يستدعي منا تحليل الأعمال التشكيلية التي أنجزها الفنان محمد خصيف ولا سيما منها تلك التي تأسست على أنقاض التوجه التجريدي الموسع والرحب الذي وسم بصمةً دلاليةً وتأمليةً في لوحاتهِ المتعددةِ،  التي وقع عليها اختيارنا، لا سيما تلك التي أنجزها إبان الثمانينات من القرن العشرين إلى الآن.

وهي لوحات ذات تقنيات متعددة ومختلطة على اللوحة/ الحامل بطريقة نسقية تجعل من الكل سابق على بنية الجزء، وأيضاً الجزء لا يكتمل إلا بالكل. إنها ألوان متدرجة وأشكال مختلفة في الحجم والكتلة وكذلك في فضاء اللوحة فإنه فضاء شبيه بالبنية الجيولوجية للأرض في بنيتها الجوّانية، والقشرة الأرضية ومكوناتها البرّانية التي درسها علماء الكون في أبعادها الماكرو كوسمولوجية والميكرو كوسمولوجية.

لقد اتفق نقاد الفن التشكيلي على فكرة مؤداها أن اللوحة هي التي تعبّرُ عن الفنان وتتحدث بلسانه. كما أن للفن التشكيلي أبواباً وتوجهات رحبة ومتباينة تارة ومختلفة تارة أخرى، بل إن هناك قواعد وأشكال وأنواع بصرية تأثر بها الفنان محمد خصيف داخل تجربته الخاصة وفي صميم ما هو مفكر فيه إذ على أساسها كان باحثا في اللامفكر فيه.

فتأثره بفن النهضة يظهر في مطارحاته الدينية والتاريخية التي وسمت كتاباته النقدية عن تاريخ الفن وموقع الفن العربي الإسلامي من هذا التاريخ.

وفن الواقعية تأثر به حينما كانت مرحلة البحث والتشكيل بمطارحة قضايا  وموضوعات  ذات الارتباط بإشكالية الهوية المغربية وسؤال الحداثة الذي لم يكتمل مشروعه في التشكيل المغربي بعد.

 ويظهر أيضاً تأثيره بالفن الانطباعي في أعماله الربيعية التي تعود بنا إلى منتصف الثمانينات، وتحديدا  مراكش الحمراء التي كانت مسقط رأسه، حيث بحث فيها عن الطبيعة والحياة والهواء الطلق، وتلك العناصر الأربعة المكونة للوجود، والتي جمعها الحكيم أنبادوقليدس في نظريته بعد طاليس، وأنكس مانيس، وهيراقليطس وأنكساكوراس...

وتأثيره بالفن السوريالي يظهر لنا في أحلامه الجميلة على قماشه التي عارض فيها وبشدة أفكار البورجوازية باحثا عن أشكال تعبيرية تسمو وتعلو عن الواقع الاجتماعي.

وفي فنه التعبيري؛ فإننا نجد معارضة ناطقة برسومات وأشكال من صميم المعانات اليومية، أي تلك التي تعبر عن آلام المجتمع وحقيقته، وتحضرنا بهذا الصدد لوحة "الرجل الذي يعاني من إعاقة حركية بقدميه"، والتي تعبر بصدق عن معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في مشهد من صميم الحياة اليومية.

أما الفن التجريدي عنده  فإنه يتخذ لغة اللون البصري، تلك اللغة الخاصة التي ترتبط باللامفكر فيه، وهو ما يستدعي من الناقد أن يقوم بالتأويلات متعددة للخروج من المعنى المجازي نحو المعنى الحقيقي الثاوي خلف لغة الألوان وتداخلاتها التي تعبّر عن المسكوت عنه والمضمر والمبهم...

يرصد لنا محمد خصيف في حواره مع التاريخ ليس بمعناه الجاف الذي يدل على ما مضى ويشكل ذاكرة للإنسان، إن التاريخ عنده الماضي والحاضر والمستقبل في علاقة جدلية السابق فيها يؤسس للاحق.

يقول الفنان الروسي مهادين كيشيف Muhadin Kishev : "على اللوحة الفنية أن تكون جميلة في أي أسلوب كان تصميمها".  و اللوحة التجريدية؛ الجيدة التصميم لا تأتي من فاعل الصدفة والعفوية بل إنها تحمل مقياس وقواعد أساسية كما هي اللوحة الواقعية. ويضيف. إن الفن التجريدي أصعب من الواقعي لأنه يحتاج لدقة التعبير وأن لا ينقص أو يزيد فيه شيء . يخطئ من يظن بأن الفن المعاصر والفن التجريدي هو سهل التصميم .

نحن أمام لوحات تشكيلية ذات لغة خاصة امتاز بها الفنان محمد خصيف، إنها لُوَيْغة داخل اللغة.

les  beaux livres sont écrits dans une sorte de langue étrangère ..." Marcel Proust 

إن الكتب الرائعة كما يقول بروست هي المكتوبة بلغة خاصة (لُويغة) داخل اللغة، وهذا ما عبَّر عنه الفيلسوف جيل دولوز بالتمتمة داخل اللغة. أي أن الكاتب المبدع هو الذي يبتكر لغة خاصة به داخل لغته التي يمارسها، فكذلك هو الشأن بالنسبة للفنان التشكيلي فإن المتلقي يعرفه مثلما يعرف الأديب المنفلوطي والشاعر محمود درويش والعقاد والمزيني وكتبات محمد أديب السلاوي...

كذلك نعرف محمد شبعة والجيلالي الغرباوي وفريد بلكهية ومحمد القاسمي ومحمد خصيف ومحمد الجعماطي ومصطفى النافي...

إنك ستتعرف على الكاتب وكذلك الفنان دون أن أدلك عليه لأنهم صنعوا لأنفسهم لغة خاصة  فقد قاموا بتحويل نصوص ولغة أخرى وأعمال تشكيلية لمثون تشكيلية من الريبرطوار الكوني والمشترك الإنساني فصقلوا من ينبوعه تجارب لهم. أقول ومن خلال معرفتي بأنه لا وجود لعمل تشكيلي بُرَاءْ، بل إن كل عمل لا بد وأن يتداخل مع أعمال أخرى، لأن العمل الفني الخالص لا وجود له. إن لغة الفن التشكيلي التجريدي في ماهيتها هي مسعى وطريق مضمر لا يفصح بها الفنان التشكيلي عن نفسه، إنها لوحات تحكي عن الفكرة التي تنتمي إلى عالم الفكر الذي يصعب القبض عليه إلا بمعية السند. لأن الفكرة البصرية هي  التي تتبدى لنا باللون المعبِّر عن عمق الموضوع. ولهذا فإن الذي يبحث عن جمال الطبيعة في اللوحات التجريدية فإنه من الصعوبة بمكان رؤيته. إننا نجد أن لغات العالم مختلفة ومتنوعة، فكذلك هو الشأن بالنسبة للغات التشكيلية. إنها لغة التعبير     لا تحتاج إلى  ترجمة وهذا معروف عند المهتمين بالتشكيل والموسيقى. 

1492 khassif

إن الفن التجريدي هو الذي أسعف الفنان محمد خصيف في التعبير عن  قلق وجودي يعتري أفق تفكيره؛ ليشدو من خلاله نغمات الوجود في علاقته بالموجود الإنساني الذي اختفى داخل" أبنية فراغ"، إنها تلك التي حصرت وحدّدت حرية الكائن البشري وفق نمط محدد في الزمان والمكان.

ويظل سؤال الشكل واللون يُؤرقُ المتلقي الذي يريد فهم أفق تفكير هذا الفنان ونمط صياغته للغة التشكيلية التي وسمت أعماله. فما هي هذه اللغة؟ وعلى أية أسس ومبادئ يمكن فهم وتحليل الخطاب التشكيلي الثاوي داخل هذه الأعمال؟

في تقديرنا يصعب المجازفة بالقول بأن لغة لوحات الفنان محمد خصيف تستدعي قراءة واحدة فحسب أو تأويلا بعينه. إنها جماع للعديد من التحليلات التحتية والفوقية، ولتأويلات ترتبط بسيكولوجية المتلقي وبمستوى تفاعله مع ضربات الريشة وتشابك الخطوط المستقيمة والمائلة في قوالب قد تبدو نمطية للبعض إلا أنها ليست كذلك.

ربما هي عودة الروح للجسد أو تقابل الظاهر مع الباطن، والوجود مع العدم...

 تلك التي ارتبطت بالميتافيزيقا الغربية.إن القراءة الإستيطيقية التي نروم اعتمادها في تحليلنا  لهذه اللوحات تقوم على أساس مركزية اللاشعور الإنساني ومدى سيطرته على الحياة النفسية للإنسان، إنها شبية بفرضية اللاشعور التي دافع عنها فرويد باعتبارها ثورة علمية تضاهي ثورة كوبيرنيكوس في الكوسمولوجيا وثورة شارل داروين في حقل البيولوجيا.

إن هذا اللاشعور الذي يختفي خلف تعبير الفنان محمد خصيف  يتخذ صبغة جماعية مشتركة شبيه شيئا ما باللاشعور الجمعي    ل كارل غوستاف يونغ وكذلك غوستاف لوبون.

إنه مظهر تجريدي اخترق الحامل لكي يفصح عن  "أزمة التشكيليين المغاربة"  وضياع الإنسان المعاصر في صلب البنى المشكلة لمنظومة المجتمعات المعاصرة، ولا سيما في الإقتصاد والسياسة والثقافة، هذا الثلاثي الذي تتضارب في طياته جل هموم المثقف المغربي.

ولأن الفنان أبى أن يصوغ موضوعا بعينه يسري  على مضمون اللوحات، وذلك لفطنته الجمالية بأن المتلقي هو الذي ينبغي أن يحدد الموضوع وأن يستجيب للحامل لكي يحصل التفاهم.

وكما يقول المنفلوطي :

" محال أن يعجز الفاهم عن الإفهام"، فإننا نقول في سياق آخر : محال أن يعجز الفنان فهم صديقه الفنان، ولمَ لا أن يقوم  بعملية الإفهام لجمهور المتلقين للفن التشكيلي..؟

يبدو أن النسق الذهني المشكل لأعمال محمد خصيف التشكيلية يغترف من حقول متعددة تسعف هذا الفنان والإنسان في بلورة خطاب تشكيلي تجريدي يعبِّر من خلاله عن تداخل هذه الحقول نفسها، مؤثثة لمفاهيم تشكيلية يمكن أن نستنبط منها مفهوم الذوق والنغمة والخيال والزمان...

إذ يظهر الذوق في طبيعة الألوان ومدى انسجامها داخلة بنية موحدة يكون فيها السابق يؤسس للاحق. أما النغمة فإنها تظهر في تكامل عنصر الذوق مع التعبير الجمالي في هرمونيةٍ تشكل كلا متكاملا ووحدة عضوية.

وبالنسبة للخيال فإنه نواة الأعمال  ولبنتها الأساس، إنه هو الكفيل بإضاءة الحامل وبلورته في قالب جمالي يفتح أفاقا رحبة لإسمرارية التأويل وتعدد الرؤى. وأخيرا فإن للزمان معنى يعبر عن ثلاثي لا محيد عنه: الماضي والحاضر والمستقبل  في شكل سنكروني ودياكروني، إنه زمان يعي الفكر في أنماط متعددة، وفي صيغ متنوعة من معيشه اليومي الذي مافتئ يطرح قلقاً وأسئلة مستقبلية لم تتم الإجابة عنها بعد.

لقد قطع الفن التجريدي مسافات طويلة جداً أكثر من قرن على ظهور هذا الاتجاه وذلك منذ أول خطوة دؤوبا سنة 1910 في عمل للفنان الروسي باسيله كاندنسكي. بل إننا في راهننا فما زال الفن التجريدي صعب النفاذ عند بعض المجتمعات التي مازالت متأخرة الذوق كما هو الشأن بالنسبة لوعيها البصري. إنه فن يعيش في دول متقدمة وفي أرق المتاحف العالمية ويدرسه النقاد والمهتمون بالدوريات والمجلات المتخصصة، بل إن أعمال الفن التجريدي مازالت مغتربة عندنا كما هو شأن اغتراب الحداثة ببلادنا. فهناك من الفنانين من رفضوا الحداثة وآخرين من داخل نفس الاتجاه التجريدي يمارسون دون أذنى وعي فلسفي ونقدي به، وهذا ما يرفضه الفنان والناقد محمد خصيف في كتاباته النقدية التي طَبَّبَ من خلالها جروح التشكيل بالمغرب محاولا إسعاف ما استطاع بمعرفته العلمية والأكاديمية التي تلقاها طلابه ومتتبعي سلسلة دراساته الإكلينيكية على التشكيل المغربي، وهو يدرس كل حالة على حدى فمنها ما طبق عليها العلاج النفسي وأخرى استدعت الأدوية من أقراص ومرهمات وشراب وكبسولات، ومنها ما استعصت عليه فكان الحل هو العلاج الكميائي،  وفي المرتبة الأخيرة كانت تقنية العلاج بالصدمات الكهربائية التي طبقها في ردوده على سياسة المعارض بالمغرب، وعدم الالتفات لدور الفنون التشكيلية في مجال التربية والتعليم ومسألة الخلط بين الحديث والمعاصر، ومشكلة الحداثة التشكيلية بالمغرب من خلال نماذج لفنانين رواد، محطات من تاريخ التشكيل بالمغرب...

ناهيك عن دراسات ومقدمات باللغتين العربية والفرنسية لكاطالوغات الفنانين، فمنهم مجايلين له وآخرين شباب جُدد ما زالوا يبحثون عن ضالتهم. أضف إلى ذلك مقالاته الجادة والنافذة إلى النقد العلمي بجريدة العلم و لوبنيون وكذلك بمواقع إلكترونية وازنة داخل المغرب وخارجه.

 وأخيرا نجد سلسلة دراساته الإكلينيكية للحالة الفنية التي اتسمت بها شخصية كبور في سرديات نقدية حول موضوع: "مصير فنان" يقول واصفا موت والدة كبور العبسي ومآله بعدها:

"كانت وفاتها ثقلا عليه إذ واجهته صعوبات جمة وقت تجنيزها، ولولا تدخلات الجيران وسكان الحي ما كان الجثمان ليواري التراب في حينه. تلك عادة ألفها سكان الأحياء الشعبية بالمدن العتيقة، تراهم يتكفلون بما يلزم جنازة الميت، من حفر القبر وشراء الكفن وحنوط وتغسيل ودفن وعشاء. هذا إذا كان أهل الميت في عسرة، أما إذا قام الأهل بما يجب، فيكتفي الجيران والأقرباء بتوفير الأطعمة، طبقا لما جرت عليه السنة، وتيمنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم،حين وصله خبر استشهاد ابن عمه جعفر بن أبي طالب: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم».

أغلقت كامل أسباب الرزق في وجه كبور، وتراكمت الأوراق المرسومة التي ملأت جنبات البيت، وفي غياب باولا بقي كبور حائرا في كيفية ترويجها. أيعود إلى الساحة العمومية لينشرها كما كان في السابق، أم يبحث له عن مجمع آخر يبيع له ما أنتجه. اتصل بباولا مرات عديدة، لكنها في الأخير أخبرته أنها منشغلة ولن تتمكن من زيارته. هي طبعا كانت لها اهتمامات أخرى، المعرض الذي أقامته ولوازمه من اتصالات بالزبناء والصحافة، والتنقل المستمر إلى المطبعة... في ذلك الوقت كانت قد طوت صفحة كبور العبسي وغيبتها من أجندتتا، وفتحت صفحات أخرى غيرها، ولن تعود الكرة مرة ثانية إلا بعد حين. فعلاقتها بكبور لم تكن أبدا علاقة مودة ودعم وعَضُدٌ، بل علاقة بيع وشراء ومتاجرة ليس إلا. فلا يهمها حاله إن أكل أو بات جائعا، اكتسى أم بقي عريانا. نعيت إليها أمه ولم تكثرت. لم تهاتفه ولو بكلمة واحدة. "

إن الأستاذ والتشكيلي محمد خصيف حالة فنية وقامة أكاديمية،  فقد استطاع أن ينجح في تحريك مشاعر وذوق المهتمين بالفنون التشكيلية وذلك فيما خطه بيده من كتابات ودراسات جادة مستثمرا وبدقة متناهية ما قاله كلايف بل في كتابه الفن:

"(...) قد يستطيع الناقد إزاء كل لوحة لم تحرك مشاعري أيلفت إنتباهي إلى أشياء أغفلتها في اللوحة إلى أن يقع لي الانفعال الجمالي فأدركها بوصفها عملا من أعمال الفن. إن وظيفة النقد هي تبين تلك الأجزاء التي من شأنها حين تتحد أن يفضي مجموعها، أو بالأحرى نظامها، إلى إنتاج الشكل، فليس بإمكانه أن يرغمني على الانفعال ما لم ينجح في أن يجعلني أرى شيئا ما يحرك مشاعري"

وهذا ما تفوق فيه الناقد محمد خصيف، كما أنَّهُ على استعداد دائم للرد على أولائك النقاد الذين لا يعرفون أنه لا معنى بأن يخبروننا في كتاباتهم أن شيئا ما عملا فنيا، بل بالأحرى أن يجعلنا هؤلاء نرى ذلك..!!

إن تأملا معيناً للربط بين محمد خصيف باحثا عن اللامفكر فيه و طبيبا معالجا للجسم التشكيلي بالمغرب في علاقته بالأعمال/المحك أو السند فإننا نؤكد في هذه الورقة أن هذا التأمل في سعي نحو تبين علاقته بأفق نظر المتلقي، إذ لا نستمتع فقط بجمالية الشكل وسمة المضمون، بل إننا مع محمد خصيف نعيد إختيار أنفسنا ووعينا بإعادة قراءة أعماله التشكيلية ونظيرتها النقدية المكتوبة، والتعرف عليها من خلال جديدها وجديتها العلمية. إنها أيها السيدات والسادة لذة متعة ترتبط بعملية ذهنية جد نشيطة إنها عملية التعرف Reconnaissance فهناك من يعتقد أنه عندما يكون أمام هذه الأعمال التشكيلية يكتشف شيئا جديدا أو مشهدا أو فكرة ما...

إنَّهُ حسب تقديرنا يتعرف المتلقي على ما يعرف أو ما كان يعرفه من قبل، أي تلك المرجعية المعرفية السابقة لديه بوصفها محكا لهذا التعرف. فكل ما يعرفه الإنسان فهو يؤثث لمفهوم العلم، بينما الإكتشاف فإن دلالته ترتبط بما هو غير معروف ولأول مرة يتم التعرف عليه. 2

لقد استطاع الفنان والناقد محمد خصيف أن يجمع بين الفن التشكيلي والنقد الفني بكفاءة علمية لا نظير لها، ولا سيما أن حقيقة النقد أصعب من الإبداع لكونها تستدعي الإبداع نفسه، فالناقد الحقيقي هو مبدع في الأصل، وهذا ما تميز بها فنانا المحتفى به الذي نتمنى له موفور الصحة والعافية. يقول الباحث التونسي والناقد الحبيب بيدة:

"إننا لا يمكن تسمية من يصف لوحة في بعض الجرائد، أو يتكلم عن مسيرة فنان ما بطريقة انطباعية، أنه ناقد. فالنقد بالمعنى العلمي، في نظري أصعب من الإبداع، بل إنني أذهب بعيدا وأقول بأنه لكي يكون الإنسان ناقدا يجب أولا وقبل كل شيئ أن يكون مبدعا، أي أن مهنة الناقد يجب أن تكون نابعة من وعي الفنان التشكيلي، على اعتبار أن ذلك يكون نتيجة تعامل مستمر مع اللوحة من حيث أشكالها وموادها اللونية وتفاعلاتها للوصول إلى بلاغ المراد وتوصيله(...) نحن في حاجة إلى أن يقوم الفنانون العرب أنفسهم بأعمال نقدية، لأن النقد أيضاً هو إبداع للقيم الجمالية الموجودة في العمل الفني، كما أنه يجب على الناقد أن يكون مبدعا في نفس الوقت. فبدون نقد لا يمكن للفنان أن يراجع أساليبه."3

 

بقلم: محمد الشاوي

.....................

هوامش وإجالات مرجعية:

(*) مداخلة تقدم بها الفنان التشكيلي المغربي والباحث في النقد الفلسفي للفن محمد الشاوي  في إطار تكريم الفنان والناقد محمد خصيف بمدينة أگادير،  ربيع  2017

1- إعتمدنا على ترجمة عبد السلام بنعبد العالي من خلال كتابه: أسس الفكر الفلسفي المعاصر مجاوزة المستافيزيقا ص:44 

2- أنطر بهذا الصدد: مليم العروصي، من الرسم إلى فلسفة الفن، مجلة الوحدة، العدد:

70/71، 1990، ص:17.)

3- الحبيب بيدة، مداخلة في ندوة :الفنون التشكيلية العربية والإختيار الحضاري، مجلة الوحدة، ص: 103 /104.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4146 المصادف: 2018-01-11 00:16:19