 مقاربات فنية وحضارية

اضواء على اعمال فن النحت الجاهز

khadom shamhod2بعد الحرب العالمية الاولى اجتمع عدد من الفنانين في مدينة زيورخ في المانية بعد ما شاهدوا ماخلفته الحرب من دمار وخراب لاوربا حيث ذهب ما يقارب 17 مليون قتيل واكثر من 20 مليون جريح . هذا الكارثة جعلت هؤلاء يفكرون بان كل ما جاءت به الحضارة من تقدم و تمدن و اخلاق وتكنولوجيا لم تستطع من ايقاف الحرب؟ ولهذا قرروا انشاء فن لا يعترف بكل المدارس الحديثة و الفنون الكلاسيكية القديمة واطلقوا عليه اسم – اللافن – حيث ظهرت الدادائية وكان اول عمل لها هو عمل مارسيل دوجامب – المبولة –1917 وهي تعبر عن السخرية من الحضارة وانها تستحق الرفض والتبول ..؟؟

و هنا دخلنا في موضوع غاية في التعقيد والتعريف وهو الفن المفاهيمي والنحت الجاهز .. و مصطلح مفهوم او مفاهيم concepto هي كاءنات مجردة او هي افكار ترتبط بالعقل . وتهدف المفاهيمية الخروج من القيود الاكاديمية والتقاليد الاجتماعية والشكلية وطرح الواقع بصياغة جديدة، وتكون الفكرة في العمل هي الاساس بغض النظر عن قبح الشكل او جماله .. كما عمد فنانوا هذا الاتجاه الى ترجمة الفكرة باي وسيلة مادية كانت .

يسارية الاتجاه:

الملاحظ ان معظم رواد الدادائية والسريالية ثم المفاهيمية هم يساريون اي انهم يؤمنون بالفكر المادي الذي طرحه زعماء الشيوعية، ولكن هناك نجد تناقض بين ما يؤمنون به وما ينظرون له في الاتجاه الفني الذي سلكوه؟؟ حيث ان المفاهيمي هو اتجاه يعتمد على الفكر المجرد وليس المادي

و السريالية تعتمد على الافكار القادمة من اللاوعي .؟؟؟ ولناخذ مثلا واقعيا، الفنان الاسباني تابيس هو من زعماء المدرسة المفاهيمية ومن مدرسة وجماعة يسارية ولكن كيف نفسر و نفهم ايمانه بالبوذية والتصوف وعالم الروحانيات؟؟؟ ثم تركيزه على طرح الافكار في اعماله والاختزال والتبسيط في الاشكال من اجل خدمة الفكرة ..؟؟ ومثال آخر هو الفنان الاسباني خورخي اوتيثا اليساري (والذي سنأتي على ذكره) كان يؤمن بالاساطير والفلسفة واخذت اعماله هذا البعد الغيبي .

التقيت باحد الادباء المفاهيميين الاسبان وسألته عن مدى التناقض في المعتقد والافكار، وبعد دردشة قال لي: انك في نعيم، وانا في بحر بلا ضفاف؟؟؟

النحت الجاهز:

واشتهر في هذا الفن المدرسة البنائية التي ظهرت في روسيا قبل الثورة . وقد استخدموا مواد كثيرة من الآلات والادوات الآلية الجاهزة وقد هدفوا من ذلك بناء و خلق علاقات داخلية ديناميكية بين الكتل المصمتة والخطوط والفراغات وخلق توتر ومفهوم جديد، واشتهر من النحاتين الروس  نوم غابو وانتوني لفسنر . ثم جاء الفنان الفرنسي دوشامب 1887، والبلجيكي رينيه ماجريت 1898 والانكليزي جوزيف كوزوث 1915 الذي عرض طاولة عليها مجموعة من الكتب؟؟، والالماني المعروف جوزيف بويس 1921 حيث عمل نحتا جاهزا يتكون من كرسي عليه كتلة من الشحم . ويذكر ان الفكرة مأخوذة من قصة انسانية رائعة . وهي ان جندي الماني طيار سقط مع طائرته في الحرب العالمية الثانية في منطقة القوقاز فهرع اهل المنطقة لانقاذه وكان مجروحا فغطوا جسمه بالشحم حتى يتشافى من جروحه . وقد ظهر هذا العمل مركبا على غرار الكولاج في الرسم .

ومن رواد النحت الجاهز:

1 / دافيد اسميث 1906:

و هو نحات ومصور امريكي ولد في نيويورك عام 1906، كان موقعه في النحت الحديث كموقع بولوك في التصوير، وتمتاز اعماله كونها من نتاج الحضارة التكنولوجية المتقدمة، كان في شبابه يعمل في معمل سيارات ثم في الصناعات الثقيلة خلال الحرب العالمية الثانية، وذكر انه اخذ الراية من الفنانين الاسبان خاصة بيكاسو وخوليو غونثالث وخورخي اوتيثا وادواردو جييدا حيث استغل مادة الصلب خير استغلال في بناء اعمال ذات جمالية وسحر . كما تأثر بموندريان وكاندنسكي والتكعيبية . وقد كان سميث طلائعيا متمردا على التقاليد الفنية وفنانا مذهلا في مرحلة الخمسينات وسريع الانتاج . وقد قدم اعمالا غاية في الابداع والابتكار حيث يستغل قطع الحديد المختلفة الاشكال ويبني ويركب منها اعمال خيالية . ففي سنة 1946 اقيم له معرضا في نيويورك وكان من اعماله المعروضة مكعبات من الحديد بعضها فوق بعض قائمة على قاعدة عمود . وفي ايطاليا وجهت له دعوة للعمل والعرض حيث هيئت له مصنعا قديما بمثابة ورشة عمل فانتج 26 عملا نحتيا جاهزا في غضون 30 يوما وباحجام مختلفة ..

2 / انطوني كارو- 1924:

و هو نحات انكليزي وقد تمتع بسمعة كبيرة كما هي عند دافيد سميث، حيث استخدم الاشياء الجاهزة من الصلب وقضبان الحديد وقطع من الهشيم المعدني الخشن وعمل منها تكوينات لولبية تتدفق حيوية وخيال، وكان تلميذا للنحات الانكليزي هنري مور، وكانت اعماله تأخذ في بنائها مركزا افقيا بينما معظم اعمال سميث راسيا او عمودية . وبالتالي فان اعمال كارو تبتلع الفراغ والارض من تحتها وقد تم الغى القاعدة . بينما سميث يفضل ان تكون اعماله في الهواء الطلق معلقة .. كاروا يأخذ القطع الجاهزة من حديد البناء مثل ( الشيلمان ) والقضبان والاسلاك والانابيب والاسطوانات وغيرها من المعادن ويشكل منها اعمال نحتية جاهزة تعبر عن خيلاته وافكاره . وقد شاهدت له معرضا ضخما في لندن في كالري تاتي TATE قبل عدة سنوات كان غاية في الجمال والابداع وكانت قطع الصلب كبيرة الحجم وضخمة ولا اعرف كيف ادخلوها صالات العرض .

3 / خوليو غونثالث 1876:

يعد خوليو غونثالث Julio Gonzalezالاسباني الكاتالاني  1876-1942 اسطورة الفن الحديث والاب المجدد الطلائعي للنحت المعاصر وقد فتح قرائح الفنانين الحديثين في شتى صور الفن وروائع الابداع .. وهو الاول الذي شق الطريق لفن النحت الحديدي ذو الاشكال الهندسية بطريقة الطرق والصهر بالنار . وكانت اعماله تطبع تكوينه وميوله الحرفي والفني الذي انطبع به منذ نعومة اظفاره يوم كان مع ابيه يعمل حدادا .. فخرجت اعماله بجمالها وروعتها اصيلة تعبر عن ذلك الانتماء لحرفة الحديد  ... ولد خوليو في برشلونة عام 1876 وكان ابواه من اصول اندلسية، وكان ابوه وجده يعملان في الحدادة وكان خوليو يساعد والده في ورشة الحدادة عندما كان صغيرا .. وفي عام 1898 توفى والدهم . وفي عام 1900 قررت العائلة بيع ورشة الحدادة والانتقال الى باريس . هناك نصب خوليو له ورشة عمل حدادة ونحت  كانت محط لقاء الفنانين امثال بيكاسو وبراك وغيرهم من المعروفين الباريسيين ..

و يذكر بعض المؤرخون ان حركة التجديد للنحت بدأت بعد الحرب العالمية الاولى او قبلها قليلا  وان خوليو غونثالث في اعماله النحتية المعدنية الذي استخدم فيها اللحيم من ابدع ما ظهر في بداية القرن العشرين . وكانت تعتبر نقطة هامة في التحول النحتي الحديث .. يضاف اليه النحات الامريكي ريتشاد ليبولد في الاربعينات وكذلك النحات البريطاني ادواردو باولتس والفنان الفرنسي مارسيل دوشامب الذي لفت النظر الى النحت الجاهز وكذلك الفنان جان دوبوفيه الذي استخدم طريقة التركيب في منحوتاته وصنع بعضها من الاسفنج ...

4 / خورخي اوتيثا 1908:

 ولد الفنان خورخي اوتيثا Jorge Oteiza في مدينة سان سيباستيان عام  1908 وتوفى عام -2003 والتي تقع شمال اسبانيا، وهي عاصمة  مقاطعة غيوبوثكوا الباسكوس Guipuzcua ويعد الاستاذ الاول في النحت في اسبانيا .. كما يعتبر هو ومواطنه  ادواردو جييدا من ابرز النحاتين العالميين في القرن العشرين .Eduardo Chíllela 1924-2002 .

اذا تأملنا الانتاج الفني لخورخي والمرحلة التأريخية التي عاشها في بداية القرن العشرين . نجد هناك تأثيرات كثيرة قادمة من بعض  الفنانين الاوربيين والاسبان امثال الفنان الاسباني خوليو غونثالث 1876 الذي كتبنا عنه سابقا. وكان خورخي كثير السفر والتنقل بعيدا عن موطنه الاصلي، كما كان يساريا مطاردا .. ويذكرنا هذا الفنان المغامر ورحلاته التي دامت حوالي 15 سنة بالفنان الفرنسي كوكان الذي هرب من جحيم الحضارة الاوربية وذهب للعيش مع الشعوب البدائية في جزر تاهيتي .. وفي عام 1950 كلف في عمل عدد من المنحوتات الدينية لاحد الكنائس في- غيوبوثكوا – وقد نفذها باسلوب حديث غير مألوف للذوق الديني الكنسي مما دعى رجال الدين الى ايقاف العمل . وبقى هكذا معلقا حتى سنة 1968 حيث سمح له مرة ثانية بالاستمرار في عمله .. ومنذ الخمسينات غادر خورخي الشكل التشبيهي ودخل عالم الاشكال الهندسية حيث احدث حوارا بين المادة والفراغ ...

و بعد حصوله على الجائزة الاولى في بينال البرازيل عام 1957 اصبحت اعماله مرغوبة الطلب من قبل الكالريات والمؤسسات والمتاحف الفنية وكسب شهره عالمية، وهنا دخلت اعماله في عالم العمارة والشعر والفلسفة، وهو يقول (لاحظت ان اعمالي النحتية تتكلم ...) ويمثل ذلك بعدا روحيا وفلسفيا متطورا في حياته الفنية . كما اعتمد على الاسطورة والخيال في تنفيذ ومعالجة اعماله ..

5 / ادواردو جييدا 1924:

ولد جييدا في مدينة سان سيباستيانSan Sebastian – بلاد الباسكو – في اقصى شمال شرق اسبانيا عام 1924 ... بدا شييدا حياته كشاب رياضي ينتمي الى نادي - ريال سوثيداد - كحامي مرمى وكان ابوه يشغل رئيس النادي . ثم ترك الرياضة بعدما اصيب باحد ركبتيه .. بعد ذلك انتقل الى مدريد ودخل مدرسة الفنون . وبدأ يمارس النحت مستخدما مادة الجص .. بعدها عاد الى موطنه الاصلي واخذ يتعامل مع مادة الصلب في تنفيذ اعماله النحتية  . ثم سافر الى باريس واشترك بعدة معارض فنية .. ومن هنا بدأت سمعته تأخذ طريقها الى الانتشار .. بعدها عاد الى موطنه عام 1951 . واستقر فيها حتى وفاته عام 2002 ..

لقد تأثر شييدا باعمال الفنان والمثال الكبير خورخي اوتيثا Jorge Oteiza  1908 وهو من مدينته سان سيباستيان – وسلك نفس التعامل والحساسية مع مادة الصلب المطاوع والمعالجات والتشكيلات وهناك نجد تشابها كبيرا بينهما .

كانت اعمال شييدا نتاج تأمل هادئ للفضاء وعلاقته بالانسان .. استخدم مواد الصلب والغرانيت – حجر السماقي – والخشب والطين . وتعامل مع الحديد المطاوع بالطرق والصهر .. وشكلت اعماله حوارا مؤدبا جميلا بين الفراغ والشكل والفضاء . وكانت اعماله معضمها اختزالية اي مسطحة بتشكيلات تركيبية رائعة ، معظمها مكعبات وباحجام كبيره . وهي اليوم منتشره في انحاء العالم وقيمتها الفنية كاعمال بيكاسو وتابيس ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4157 المصادف: 2018-01-22 01:56:59