 مقاربات فنية وحضارية

الصورة في مجتمع يكره الصورة

satta hashem2نحن من عالم ومجتمعات تكره الصورة، وهذه هي ثقافتنا التي ورثناها منذ دخول مجتمعاتنا الى الاسلام قبل مئات السنين، وكراهية الصورة هذه جاءت مع نبي المسلمين ومن الفقهاء بعده، وبسبب هذه الكراهية فقد اصبح الاسلام هو الديانة الوحيدة في العالم التي لم تستعمل الصورة او الرمز او التمثال لنشر عقيدتها الدينية او للدعاية والاعلام، وهذا على العكس من بقية الأديان، فإذا ذهبنا الى جامع او مزار إسلامي فلن نجد صورة الرب مجسدة ومعلقة ولن نجد سيرة النبي والصحابة مصورة كما في العقيدة المسيحية الكاثولوكية او الارثوذكسية او البوذية اوغيرها من الاديان، وإنما نرى في جوامعنا الخط والزخارف واذا تصفحت نسخ مخطوطات الحضارات القديمة وكتبهم الدينية خاصة فستجد ان الاناجيل مثلا مليئة بالصور والرسوم الايضاحية للنصوص المنشورة بينما القران قديمه وحديثه مليئ بالزخارف والرسوم الهندسية التجميلية عديمة المعنى، وهذه الأشكال الفنية الهندسية والمجردة هي التي تحكمت في سلوكنا البصري وتجربتنا مع الفنون البصرية كلها، وهي التي خلقت عاداتنا البصرية منذ القرن السابع الميلادي

وهذا ماجعل الفن التشكيلي او البصري الاسلامي عموما، كله فن للزخرفة والديكور والبهرجة وبعيدا تماما عن هموم الانسان اليومية ومواضيع الحياة العامة الا في بعض الحالات الاستثنائية، هذه المواضيع التي وجدت منفذا لها بغزارة عبر الصور الدينية ورموزها البصرية في باقي فنون المجتمعات غير الاسلامية حول العالم، وهذه العقيدة الاسلامية نفسها الكارهة للصورة والرمز والتمثال موجودة في باقي فروع الفنون الابداعية ايضا، وهي المسؤولة عن غياب المواضيع التراجيدية والملحمية في ثقافة مجتمعاتنا ليس بالرسم والنحت والمعمار فقط وانما بالشعر والادب والموسيقى وغيرها

لكن هذا الواقع قد تغير بعد دخولنا عصر الاستعمار، وإدخال المستعمرين الانكليز والفرنسيين بلداننا في العصر الصناعي والتكنلوجي، وادخالهم نظام التعليم الغربي الى مجتمعاتنا، ومن هذه المدارس وتقاليدها الغربية التي درسنا بها صارت عندنا فنون تشكيلية ومسرحية وسينمائية، وعقائد ايدلوجية تعتمد على الصورة لنشر افكارها ومخاطبة جمهور المتعلمين الذين نشأوا في تلك المدارس، وبدات الصورة شيئا فشيئا تدخل آلى منازلنا وتشكل عاملا هاما في وعينا

ولكن هذا لايعني ترسخها في الوعي واللاوعي بشكل عميق نظرا لحداثتها في تفكيرنا اولا ومقاومة الأجيال القديمة ورجال الدين المتزمتين لها ثانيا

والصورة الشخصية او البورتريه كمثال سواءا بالرسم او النحت، قد غابت من ثقافتنا المحلية منذ دخول الاسلام الى مجتمعاتنا وتدميرهم للحضارات التي سبقتهم كنتيجة لكراهية هذا النوع من الفن، قد اعادها الينا والى اصولنا الاولى قبل الاسلام نظام التعليم الجديد وزاد عليها التصوير الفوتغرافي والسينمائي من معنى وشعبية، فصرنا بفضل هذا التعليم ووسائل الحداثة الاوربية التكنلوجية نحب الصور ونحب الديكور والرموز مرة اخرى وأنشأت نظم التفكير الجديد لدينا وببطئ ثقافة بصرية جديدة حاولت وتحاول رد الاعتبار الى تراث الأقدمين الأوائل مؤسسي الحضارات الاولى، وفي نفس الوقت ربطتنا بتيارات العالم الصناعي الحديث وتقاليده المتمدنة، لذلك فأصبح رسم الأشخاص او نحت اشكالهم اوتصويرهم بالكاميرات أمرا عاديا ولازما في مجتمعاتنا ولايمكن لأي قوة مهما بلغت همجيتها ورجعيتها وتخلفها من رد حركة العجلة الى الوراء

الفنون التطبيقية الحديثة

فن العصر الزراعي وفن العصر الصناعي شيئان مختلفان من حيث المبدأ، الاول تأسس قبل عشرة الاف سنة مع نهاية العصر الجليدي الاخير في الكرة الارضية، ومع بداية الثورة الزراعية التي اعقبته خلال العصر الحجري الحديث.

اما الثاني فعمره مئتين وخمسين سنة فقط ان لم يكن اقل، واختلافهما في كل شئ، بالاشكال والمضامين والرؤية الفنية للعالم والاهداف الفكرية وتقنيات الاعمال والمواد الخام وقواعد العمل وكل شئ تقريبا

الاول فن مجتمعات الفلاحين نجده في جدارية في قصر او كنيسة او مزار، او تمثال من المرمر او النحاس، او انية من الخزف، او صورة مرسومة في كتاب، او سجادة من خوص السعف او النسيج، او لوحة زيتية او مائية وغيرها العشرات، اما العمود الفقري لمضمون هذه الاعمال الفنية والاشكال الفنية التي ابتكرتها مخيلة الفنانين في كل زمان ومكان في العصر الزراعي فهي متمركزة في ايادي السلطة والاغنياء ورجال الدين، وليس في يد الفنان الفرد، بمعنى ان الفنان لايقرر موضوع ومضمون ما يبدع وينتج الا اذا وصلته المضامين والموضوعات من اصحاب السلطة او المال او الواعظين، وما عليه الا صياغة الاشكال ضمن التقاليد الموروثة جيلا بعد جيل، وهذه ظاهرة عالمية تشترك بها كل الشعوب، وهذا هو الفارق الجوهري بين الفنان في العصر الفلاحي والفن والفنان الحديث في العصر الصناعي

فالفن والفنان كما نعرف اليوم اعني في عصرنا الصناعي ومن تجربتنا في الحياة اليومية، كامن في كل نفس بشرية تولد في هذا العالم، على شكل استعداد طبيعي غريري نفسي للحس الجمالي والعاطفي نحو الاشياء والاخرين، اي ان جميع الناس يولدون فنانين، والفارق هنا هو بكمية وجود هذا الفنان في هذا الانسان او ذال وليس في النوعية، وهذه هي البذرات الاولى لكل نفس سترتقي لاحقا في الحضارة كفاعل ايجابي، وربما في مديات التاريخ الشخصي القادمة للفرد، ستندفع تلك البذرات لتصبح فنانا محترفا يرسم او ينحت او يرقص ويغني .

هذا هو الميكانيزم الطبيعي لظهور الفنان عامة وتطوره في كل واحد منا ضمن عوالم الانسان المحدودة في مجتمعات الثورات الصناعية الحديثة، وهذه ظاهرة جديدة لايزيد عمرها على القرنين من الزمان .

الديني والدنيوي

في سنة 1866 تأسست في بريطانيا الجمعية العلمانية الوطنية برئاسة جارلس برادلف عضو البرلمان عن منطقة نورثهامتن انذاك وهي اول جمعية من نوعها بالعالم على حسب علمي، وفروعها مازالت موجودة الى يومنا هذا في كل المدن الكبيرة، وقد باعت في السنين العشرين الاولى فقط بعد تأسيسها اكثر من ثلاثة ملايين نسخة من مقالات ومؤلفات اعضاءها وكلها كانت في مقاومة الدين ورجاله، ونجحت في الدعاية للعلوم والاداب والتحرر من النوازع الدينية والرقابة الاسرية القوية والتي تميز المجتمعات الزراعية والفلاحية، هذه النوازع التي اصبحت ضعيفة في المجتمعات الصناعية بفضل مثل هذه الجهود وغيرها، قارن مثلا الانهيار الكبير للقيم الاخلاقية لمجتمعات الفلاحين التقليدية كما في مجتمعاتنا بما هو حاصل في المجتمعات الحديثة وخذ الزواج في شكله التقليدي بالمجتمعات غير الصناعية مقارنة بالعلاقات المفتوحة بين الجنسين في الدول الصناعية

وهكذا ومنذ ان تأسست هذه الجمعية ونشرت افكار اعضاءها فأن العلوم الحديثة والابحاث الاكاديمية الرصينة تستخدم مصطلحات الديني والدنيوي عند الحديث عن مضمون الظواهر الاجتماعية او الثقافية او السياسية وغيرها لتفسير وقائع التاريخ والفكر وتقديم دروسها للاجيال اللاحقة .

فنحن نقول عند رؤيتنا للروائع الفنية مثلا، كالاعمال النحتية الخالدة للفنانين الاشوريين العظام فنصفها بقولنا هذه المنحوتة او تلك هي عمل فني ديني وعندما نصف لوحات الفنان من العصر الحديث نقول هذا فن دنيوي لان مضمون وغاية هذا العمل الفني او ذاك هو الذي يقرر صفته في هذه الحالة، او نقول هذه رواية دينية ولا نقول هذا فن علماني، كذلك نصف الجامع مثلا فنقول انه مكان للعبادة اي انه مبنى ديني بينما نصف الحدائق العامة بانها امكنة للراحة والترويح فهي مكان دنيوي وليست مكان علماني، وهذا يسري على الاف الامثلة المشابهة في فروع المعرفة الاخرى وبعكسه سيكون تجاهل هذا سخافة، كسخافة كتبة الاسلام السياسي فيما يقولون.

وعليه فان الواقع في بلادنا يقول بان كل ماحدث في الماضي القريب وليس البعيد للقبائل المنسية في صحاري العرب والشرق عامة من حروب ودسائس وعمالة في ظل الصراع الدولي في المئتين سنة الاخيرة منذ بداية الثورة الصناعية وعصر الاستعمار يجثم على نفوسنا الان مثل كابوس دائم لايمكن الفكاك منه، وقد نجح دجالي الاسلام السياسي بالاربعين سنة الاخيرة على وجه التحديد في توظيف الصور والرموز التي ابدعتها المخيلة الدنيوية والتي احتقرتها وحاربتها ديانتهم وازدرتها عقائدهم على مدى مئات السنين الى اسلحة دعائية فتاكة تعج بها قنواتهم التلفزيونية ومنشوراتهم الدنيئة لسحق انسانية مابقي لنا من انسانية وتكريس الجهل والتخلف في مجتمعاتنا.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4213 المصادف: 2018-03-19 13:20:43