 مقاربات فنية وحضارية

الموديل العاري في رسوم عباقرة الفن

280 كاظم شمهودعادة ما يكون الانحراف الاخلاقي مرتبطا بحالة الفقر والالم والمآسي، وكان السبب والدافع الحقيقي الذي جعل الكثير من الفتيات الفقيرات الاوربيات يغادرن اهلهن وقراهن ومدنهن والرحيل الى طلب العيش في استوديوهات الفنانين والعمل كموديلات عاريات . ويذكر انه في القرن التاسع عشر كانت اوربا قد مرت في ازمات حروب وصراعات وفقر مما ادى ذلك الى نزوح الكثير من الفتيات الى باريس والتي تعد في ذلك الوقت قبلة لعشاق الفن والادب، والعمل في ورشات الفنانين . وكانت فرناندي اوليفر احدى تلك الفتيات التي كانت تعمل كموديل عاري في حي مونتمارت . تعرفت على بيكاسو عام 1904 واشتغلت عنده كموديل عاري، كما كانت غالا الروسية زوجة سلبادور دالي تشتغل كمود يل عاري في ذلك حي قبل مجيئها الى دالي في مدينة كاداكيس في اسبانيا .. وعادة ما تكون تلك الفتيات ضحية للاغراء وممارسة الجنس مع سيدها الفنان .. وكان بيكاسو مثال لذلك حيث كان يجلب الفتيات بحجة الرسم ليمارس معها المتعة وقد صور لنا ذلك بعدد من لوحاته السريالية فرسم نفسة برأس ثور وحشي ينقض على فريسته .. ويذكر بان الكاتب والمفكر كينيث كلارك قال ان الفن له قدسية وجمالية مجردة فاذا اثار الموديل العاري الفنان جنسيا اثناء الرسم فهو فن كاذب...؟؟؟؟

ان موضوع رسم الموديلات العارية ليس جديدا في تاريخ الفن فقد ابتدعه الفراعنة حيث نجد تماثيل عارية لبنات الفراعنة والملكة نفرتيتي، وقد وجدت ايضا تماثيل تمثل فينوس عارية في الحضارات الرافدية والهندية واليابانية ...

و رسم اليونانيون والرومان الجسم العاري وعدوه رمزا للجمال والصفاء وربطوا ذلك بالآلهة وفي تاريخنا العربي كان العرب قبل الاسلام يطوفون حول البيت الحرام عراة .

وكان التصوير العاري مرتبط بدلالات دينية عند المسيحيين حيث كان المسيح دائما يرسم عاريا وكذلك الملائكة . وصور مايكل انجلو يوم القيامة باشكال عارية ولازالت الصورة ماثلة في الفاتيكان . وصور لادير آدم وحواء يخرجان من الجنة وهما عراة 1533 . وصور بوتشلي مولد فينوس عارية . وفي القرن الثامن عشر رسم غويا 1746 الاميرة لاماخيا عارية على غفلة من اهلها ثم رسمها بملابسها الاميرية خوفا من الفضيحة وردود الافعال الانتقامية . ورسمه توليزلوتريك 1864 الذي كان يشتغل في كابريا الطاحونة الحمراء وقد عرض الزواج على احد العاهرات فرفضت وكاد ان ينتحر . كما انتحر صديق بيكاسو الفنان كاساخيماس عندما رفضت احد عاهرات الكابريهات الزواج منه في باريس . ورسم هذا الموضوع ايضا من قبل روبنز ووظفه في اعماله مستوحي ذلك من الاساطير القديمة، ورسمه تيسيانو 1538 ومانيت في لوحته المعروفة . الغذاء على العشب 1863. والتي احدثت ضجة ورفضا من قبل المجتمع كونها تحمل موضوعا واقعيا وليس اسطوريا وان ذلك مخالف للتقاليد، ورسمه سيزان 1839في لوحته . المستحمات .، كما رسم ذلك زعيم المدرسة الكلاسيكية الحديثة دافيد1748 في القرن الثامن عشر على غرار المدرسة الكلاسيكية اليونانية حيث ظهرت بعض اشكاله عارية في عدد من لوحاته التي تمثل بعض المعارك . ورسم الفنان أنجر 1814تلميذ دافيد الموديل العاري كما هو ماثل في لوحة الحمام التركي وغيرها .

281 كاظم شمهود

كما رسمه ادوارد مونخ وغوستابو كليمنت وماتيس وغيرهم . ولم يبقى رس ام من رسامي القرنين التاسع عشر والعشرين الا وقد تمتع برسم الموديل العاري . وكان الموديل العاري يدرس كمادة اجبارية في الاكاديميات الاوربية ولحد هذا اليوم . وعندما دخلت اكاديمية الفنون الجميلة في مدريد لمعادلة الشهادة عام 1978 وجدت الطلبة يرسمون الموديل العاري . وكانت الاكاديمية تتعاقد مع الفتيات للعمل كموديل مقابل اجور . . واتذكر قصة للاستاذ الفنان العراقي حافظ الدروبي حيث اسس المرسم الحر في الاربعينات من القرن العشرين ودعى اليه اصحابة من الرسامين وقدم فيه موديلا عاريا . وفي عام 1908 تأسست اكاديمية الفنون الجميلة في مصر باشراف اساتذة فرنسيين وايطاليين وكان يدرس فيه مادة الموديل العاري حتى مجيئ الاخوان في زمن السادات ومنعوه عام 1976 .

ورسم بيكاسو لوحة غانيات افنيون عام 1907 وهي تمثل عدد من بنات الدعارة عاريات واللاتي عاش معهن في برشلونة قبل ان يحل في باريس، وقد رسمها باسلوب جديد لم يعرفه ويألفه تاريخ الفن العالمي وهو الذي ادى بالاخير الى ولادة المدرسة التكعيبية والفن الحديث قاطبة . ويذكر المؤرخون بان الفنان الاسباني رامون تورس رسم عام 1906 لوحة بعنوان (تعيش من خلال الحب) تمثل ثلاثة عاهرات على قارعة الطريق. هذه اللوحة رفضت من قبل لجنة التحكيم للمعرض السنوي الوطني في اسبانيا بحجة مخالفتها للاخلاق . وكانت هذه اللوحة قد رسمت قبل ان يرسم بيكاسو غانيات افنيون عام 1907.

وبالتالي فان موضوع رسم العري كان موجودا عند الاقدمين اما استغلال النساء الموديلات للجنس فهو موضوع آخر، ورغم ان الجنس يشكل جزء من حياة وفطرة الانسان الا انه له قيمة قدسية اخلاقية سواء كان في النظم العلمانية او الدينية لان الفطرة الانسانية تفرض ذلك ومنذ الخليقة وعصور ما قبل التاريخ ولحد اليوم وبالتالي فهناك خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها من ناحية انسانية لان الاباحية والانحلال الاخلاقي هي في الواقع ضياع للهوية وهدم للبناء الروحي والمادي للانسان والمجتمع ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4366 المصادف: 2018-08-19 13:00:25