مقاربات فنية وحضارية

الواسطي وجيتو والريادة في فن العصور الوسطى (2)

533 giotto 5كان الفنان جيوتو قد دفع بالفن الايطالي الى التألق والارتقاء وتفوقه على  الفن الاوربي واتصف اسلوبه بالواقعية التمثيلية وكان التبسيط واستخدام النور والظل المتدرج من نفس اللون خاصة في طيات الملابس ودراسة الاشكال تفصيليا كلها كانت تعتبر من مميزات اعماله، كذلك نلاحظ اهتمامه بدراسة الاشجار وتفاصيل اغصانها واوراقها . ولذا يرى بعض المؤرخين ان جيوتو قد اعاد الواقعية في رسم الاشياء رغم ان هناك ضعفا في التشريح للشكل او الجسم وكذلك في تشابه سحنات الوجوه وضعف في علم المنظور .. ولكن هذه النواقص تجعلنا نغض الطرف عنها نتيجة للواقعية والغنائية التي تطغي على اعماله وتجعلنا نتعاطف مع مواضيعه خاصة في جداريات كنيسة فرانثيسكو في مدينة آسيس Asis .

وكان جيوتو يعتبر الممهد الاول لظهور اسلوب عصر النهضة وتأثر به اساتذة ذلك العصر خاصة في المعالجات اللونية والشكل والتخطيط منهم مايكل انجلو. وقال فيه دافنشي (لقد ظهر جيوتو وصور ما رآه) وهي اشارة الى اسلوبه الواقعي التمثيلي وخروجه من الفن البيزنطي الرمزي والجامد . ولهذا فقد حمل جيوتو لواء المصوريين الايطاليين الطلائعيين في ذلك الوقت، وكان متعدد المواهب فكان مصورا ومثالا ومهندسا معماريا وراسماليا .. واعتبرت اعماله ثورة على الاوضاع الفنية السائدة في ذلك الوقت، كثورة الانطباعيين في القرن التاسع عشر على الاوضاع والتقاليد الفنية الكلاسيكية القديمة . فقد غير اتجاه الفن الايطالي برمته فرسم الكائنات الحية كما هي ويوم كان صبيا راعيا يرسم في اغنامه. فرسم الرجال والنساء والاطفال وبحركتهم وتعابيرهم الحياتية المختلفة واخرج الفن الايطالي الى النور والسرور .. وظل الفن في فلورنسا مائة عام بعد وفات جيوتو على هذه الواقعية الجديدة حتى قيام عصر النهضة .

فلورنسا ايام جيوتو:

كانت فلورنسا في القرن الرابع عشر من اجمل واغنى المدن الايطالية وكانت بعض العوائل الغنية تنفق اموالا طائلة في سبيل رصف الشوارع وبناء الجسور والمستشفيات والمدارس وانشاء المجاري وبناء القصور وكان الشعور بالجمال وصناعته والاهتمام به لا يقل عن شعور اليونانيين القداما، وقد دفعهم ذلك الى تزيين المدينة بالتماثيل والصور والساحات العامة وبناء البيوت المزخرفة . وكان الناس يزينون صدورهم وايديهم ومعاصمهم بانواع الحلي من الذهب والفضة والجواهر الاخرى . وانعكس ذلك الترف على الفن فزينت القصور والبيوت بالصور والمنحوتات وانواع الخزف .. كما خضعت العمارة الى هذا التوجه من الزينة والترف . وكانت التجارة بين الدولة الاسلامية وايطاليا في حركة نشطة ومتطورة خاصة مدينة فلورنسا فانتقلت اليها منتوجات وصناعة العرب وفنونهم وثقافتهم وتقاليدهم . وكانت الانسجة والاقمشة والاواني الخزفية العربية مزينة ومزركشة بانواع الزخارف والنقوش تغزوا اسواق فلورنسا . ولهذا ليس بعيدا ان يطلع جيوتو على فنون الشرق من خلال هذه المنتجات الفنية المستوردة . بل واكثر من ذلك فقد رسم جيوتو له عدد من الصور الشخصية بتقنيات مختلفة وهو يرتدي الزي الشرقي منها صورة محفوظة الآن في متحف اللوفر .. اما لوحة – عناق امام الباب المذهب – 1304 فتظهر هناك امرأة وهي ترتدي العباءة الشرقية او (الجادر) وبعض الاشخاص ايضا تظهر بازياء شرقية .. وكان التجار العرب يتجولون في ازقة وشوارع المدن الايطالية بزهم الشرقي .

534 giotto 6

الواسطي مؤسس مدرسة بغداد:

ظهر يحيى بن محمود بن ابي الحسن كوريها الواسطي في نهاية القرن الثاني عشر او بداية القرن الثالث عشر خاصة اذا علمنا انه زوق مخطوط الحريري سنة 1237 بمعنى انه ظهر في زمن الرسام الايطالي شيمابوية 1240 م المذكور سابقا، وقبل ولادة الرسام الايطالي جيوتو 1267 ربما بخمسين سنة ولم يعثر على مصدر قديم يتكلم عن حياة الواسطي وتاريخ ولادته ما عدا انه من مدينة واسط – الكوت وهذه من مآسي تاريخ حركة الفن العربي حيث هناك فترات مجهولة ومحذوفة من التاريخ . ويذكر ان العالم العربي المقريزي – 1364 - لديه كتاب (ضوء النبراس وانس الجلاس في اخبار المزوقين من الناس) ذكر فيه اعدادا كبيرة من المصورين العرب في العصور الاسلامية، ضاع هذا المخطوط او حرق .؟ علما ان البعد الزمني بن الواسطي والمقريزي قليل جدا .

– اذن نحن امام قطبين عالميين متوازيين في حركتهما الفنية احدهم ظهر  في الغرب وتزعمه شيمابوية وجيوتو والاخر في الشرق وهي مدرسة بغداد وتزعمها يحيى بن محمود الواسطي . وكان الواسطي يعتبر مؤسس مدرسة بغداد لفن التصوير،  وازدهرت هذه المدرسة في القرنين الثاني عشر والرابع عشر ميلادي  واثرت على انتاج  المصورين المسلمين في ذلك الوقت . ولم يعرف عن الرسامين المسلمين الذين عاصروا الواسطي الا القليل منهم : المصور ابن الرزاز الجزري وكتابه – الحيل الميكانيكية 1206- م، وعبد الله بن الفضل مزوق كتاب- خواص العقاقير 1224 م - وعلي بن حسن بن هبة الله 1209 مزوق كتاب البيطرة  وغيرهم . وقد حملت مدرسة بغداد خليطا من التأثيرات من اسلامية ورافدية وساسانية  وسلجوفية وتيمورية .  وان الصناع كانوا من مختلف الجنسيات والاديان وخاصة المسيحيين العرب الذين هم اكثر حنقة وبراعة وكانوا يزوقون كتبهم المقدسة بالصور قبل ظهور الاسلام وبعده . هؤلاء المسيحيون هم عرب من بلاد الرافدين والشام ومصر الاقباط وبالتالي  كانوا يشكلون جزءا من حركة التصوير في البلاد الاسلامية وكانوا من ابرع المصورين في تزويق المخطوطات العربية وكذلك رسم الجداريات في الكنائس المسيحية والقصور العربية مثل قصير عمره في الاردن . وربما كان الواسطي من اصول وجذور مسيحية واشار الى ذلك الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد لان لقبه– كوريها – وكذلك جرأته في رسم الكائنات الحية وعدم اهتمامه بمسألة التحريم وهي من مميزات الفنانين المسيحيين .

واتذكر قصة حدثت قبل الاسلام وهي حدوث فيضانات كبيرة في مكة وقد ادت الى تهديم الكعبة، ثم اعادوا بنائها وكان هناك رسام مسيحي يدعى – باقوم – ساهم في اعادة بناء الكعبة وطلب منه تزويق داخل الكعبة فرسم صور ابراهيم وعيسى ومريم والملائكة –ع- وعندما دخل الرسول –ص- مكة وامر بتهديم الاصنام يقال انه وضع يده على رسوم مريم وعيسى وقال: (الا هذه ...) ويذكر ان هذه الرسوم بقت داخل الكعبة الى تاريخ ثورة عبد الله بن الزبير حيث ضربت الكعبة بالمنجنيق وهدمت مرة اخرى عام 73 هجرية من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي . هذه القصة ينقلها  الازرقي في كتابه –اخبارمكة -

ومهما يكن فان التصاوير التي تنسب الى مدرسة بغداد لم تكن كلها من انتاج المصورين في عاصمة الخلافة العباسية بغداد بل ان الكثير منهم من اصول وبلدان وعواصم ومدن اخرى . وكان المصورون يومذاك يتنقلون بين البلدان الاسلامية بدون تأشيرة او جواز سفر (باسبورت) كما كانت المخطوطات تتنقل بين المراكز الاسلامية وهي مصورة ومزوقة مما جعل تأثيراتها الفنية تعم جميع الامبراطورية الاسلامية وبذلك اتخذت لها طابعا فنيا امميا .

وسنكمل الموضوع في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالٌ رائعٌ حقاً وبديع

دُمْتَ. باحثاً. قديراً. عن كنوز تراثٍ مجيد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4477 المصادف: 2018-12-08 00:22:30