 مقاربات فنية وحضارية

صفصطة نظرية البعد الواحد عند شاكر حسن آل سعيد (1)

577 شاكر حسنتابيس وشاكر حسن: تأثر الفنان العراقي شاكر حسن بالفنان المفاهيمي انتونيو تابيس 1923 وقلده في الاتجاه الصوفي والتأمل العقلي وكذلك في التقنية والاسلوب، حيث استخدم اسلوب التجريد والاختزال والتركيز على الرمز متماشيا مع نظرية التأمل، والرسم بعفوية الاطفال وادخال الحرف الى سطح اللوحة كما هي عند تابيس . كما كان شاكر يؤمن بدور العقل اللاواعي في عملية التكامل الذهني اي يؤمن بالمدرسة السريالية .. يقول شاكر

(الرؤية السريالية هي في صميمها رؤية انسانية لانها ترى الشعور هو الشكل الصادق للكيان البشري ولكن الشكل الصادق له اقتران التعبير بطبقاته التحتيه اللاشعورية او العقل الباطن ..) 

و يقول احد منظري السريالية وهو ماركس ارنست ان هدف الفنان السريالي ليس هو ان يخلق نوع من الصلة الودية بينه وبين اللاوعي، بل ان هدفه هو ان يحطم السدود الفيزيقية والسيكولوجية معا بين الوعي واللاوعي ثم يخلق حقيقة اسمى حيث يمتزج الحقيقي وغير الحقيقي، التفكر والعمل .

ومن هنا نرى ان رؤية الاستاذ شاكر حسن تتطابق مع رؤية وافكار رواد الحركة السريالية وان التعبير الصادق والحقيقة السامية تأتي من امتزاج او اتحاد الشعور الواعي مع اللاشعور او من العقل الواعي واللاواعي . كما يقول شاكر:

(اما الرؤية التأملية فترى ان الشعور الانساني بما هو عليه كشعور موجب ازاء الكون يثلب (ينقص) باستمرار الوجود الحقيقي له، لانه لا يكفي للتعبير عن حقيقة الوجود المكاني والزماني معا، الا انه يمكن ان يكون شعورا مثمرا اذا ما اصبح متفانيا بالكون بمجرد ان يستحيل الى وجود سلبي ..)

من خلال هذا النص يدخل شاكر في عالم الصوفية وانطلاق النفس نحو الكون والفناء فيه وحديث الروح للروح، فالانسان بما هو انسان ايجابي متفاعل ومبدع في الحياة، وان هذا لا يكفي الا اذا اصبح متفانيا في عالم الكون اي ان يفني نفسه او روحه ويمتزج في عالم الارواح والخلق، فاستحالته الى وجود سلبي يعني افتقاره ونقصه وحاجته الى ذلك الخالق العظيم ...

يقول الحلاج (انا اهوى ومن اهوى انا، نحن روحان حللنا بدنا) ويقول ابن عربي (انا الحق)

و بالتالي فان هذه الاقوال تشير الى الفناء والذوبان الروحي مع الخلق . وحسب التفسير الصوفي ان الله الحق عندما خلق الانسان من روحه اضفى عليه صفة الحق .

يقول شاكر (فاذا كان- المدهش- هو النموذج للسريالية فان المتفكر هو النموذج للانسان المتأمل او انسان البعد الواحد ..)

578 انتونيو تايس

صفصطة نظرية البعد الواحد:

يطرح لنا شاكر نظرية البعد الواحد ويصف الانسان المتأمل بالبعد الواحد، والبعد الواحد يعني النقطة . ويبدو ان شاكر حسن قد قرأ عن فلسفة الامام علي –ع- وانه اخذ مفهوم البعد الواحد منه، وشاكر ابن السماوة والبيئة التي تعج بالفكر الشيعي ومجالس الدين والخطباء . حيث يقول الامام علي (انا النقطة، انا الخط) (انا النقطة، تحت الباء) ويقول الرسول –ص- (خرجت الموجودات من تحت الباء) فالباء بصحنها الذي تدنوه النقطة والتي هي اساس كل حرف وكل خط مستقيم او حلزوني . وبالتالي فان النقطة هي الكون واختصار لآلاف بل ملايين الكائنات والمجرات بأمر الله واسمه والخاضعة لجبروته . ومن هنا تكمن اهمية حرف الباء في البسملة – بسم الله الرحمن الرحيم – لانه هو ما يجر الاسم الاعظم ويشير اليه، فالباء هي التي تشير الى المخلوقات والله الرحمن الرحيم هو الخالق . وهذه التفاسير تحتاج الى تأمل فلسفي . وليس من السهل فهمها الا اذا قرأ احدنا الفكر الصوفي .. (و بالمناسبة فان الجماعات الصوفية في شمال فريقيا تدعي بان الامام علي هو مؤسس الصوفية؟).

فالنقطة او الصفر هي رحم الوجود الذي يستوعب انطلاق كل الاشكال الهندسية والكتابات والكلمات، فهي سر العلوم والمعارف وسر الحياة كلها . واشار الامام علي الى سر نقطة الباء والتي تشير الى الكون والموجودات بأمر الله، فهو بذلك يشير الى الوحدة التي تجمل كل ما دون الله كشئ واحد حجمها كحجم النقطة عندما تكتب . ولهذا فان الباء التي تحتها النقطة اندرج فيها الكون كله . والنقطة هي اللامحدود في دورة الحياة، وتعبر عن الولادة، والموت، والنهاية والبداية . والنقطة او الصفر توضع في نهاية الكلام والجملة، كما انها تشير الى الصمت والسكون، وترمز ايضا الى النهاية ..

و بالتالي فان نظرية البعد الواحد لشاكر حسن هي مستنبطة من تلك المعاني الغيبية واسرار الكون والحياة وتلك المعاني الصوفية في الاندماج والفناء مع الخلق والخالق .

(و هذا المتأمل هو انسان يشعر بكيانه الكوني من خلال انسانيته عندما يجعل من سلبيته عنصرا جديدا للتوحد مع الخليقة جمعاء، فهو لا يعيش ذاته كايجابية ازاء سلبية العالم الخارجي بل يعيش ذاته كسلبية ازاء ايجابية نفس العالم ..)

هنا شاكر يشير الى مفردتين في فلسفته الصوفية وهما السلبي والايجابي ويبني عليهما مفهوما جديدا ويربط الانسان من خلالهما بالكون . فالسلبي هو الذي يتلقى الاختراق ويذوب في الآخر الاكثر منه سعة وطاقة وجمعا، وهو بالتالي يشعر بكيانه عندما يتوحد مع الخليقة . اما الايجابي فهو النافذ المخترق الذي يولج في الشئ او يدخل في الشئ وهو بالتالي مصدر قوة وفكر .

و لهذا فان الانسان لا يعيش بهذه الايجابية ازاء سلبية العالم، يعني اندماج وامتزاج وذوبان الخليقة بعضها ببعض اي لا يعيش وحده ذاتيا بل يعيش كسلبية فانية في هذا العالم المتحرك الايجابي الحي فالعالم هو سلبي وايجابي في نفس الوقت سلبي لان الخليقة جمعاء تفنى وتذوب بعضها في بعض وكل شئ يصبح جزءا من هذا الكون وايجابي لان الجمع يعطي قوة وحيوية ويكون مصدر فكر وتأمل . وهكذا انشغل شاكر حسن بالنقطة او البعد الواحد والفناء والتأمل وربط الفنان الانسان بالكون في خط صوفي عمودي بحت  وابتعد شيئا عن التشكيل ذو البعدين .... (والتكملة في الحلقة القادمة) .

 

د. كاظم شمهود

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4494 المصادف: 2018-12-25 04:31:47