 مقاربات فنية وحضارية

عُمران التشكيل وإنتاج المعنى.. قراءة في رسومات مكي عُمران

575 مكي عمرانمكي عُمران فنان تشكيلي من مدين الحلة ببابل مواليد (1961). حصل على (البكالوريوس) عام 1983. وقد حصل على (الماجستير) عام 1989، وأكمل (الدكتوراه) عام 2000.

ـ عضو نقابة الفنانين العراقيين وجمعية التشكيليين وعضو رابطة الفنانين التشكيليين الدوليين عام 1998، ومؤسس جمعية الفن البيئي عام 2005، ورئيس تحرير مجلة (نابو) للبحوث والدراسات الجمالية التي تُصدرها كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل، وهو حالياً أستاذ الفن التشكيلي بكليفة الفنون بجامعة بابل.

ـ أسس منبر إبداعنا لنقابة فناني بابل، وأقام 17 معرضاً شخصياً في العراق وخارجه في العراق وأوربا.

شارك مكي عُمران في معارض عدَة منها:

ـ له معرض شخصي في قاعة حوار ببغداد عام 1995.

ـ وله معرض شخصي على قاعة الأندى بعمان عام2001، من أهم لوحاته فيه كانت لوحته المُسماة (المرحلة السومرية)..

ـ شارك بمعرض شخصي في السُليمانية على قاعة (سردم) عام 2014، بلوحات: (أطفال وأضاحي) و(عيون أتعبها رمد الانتظار) و(انعتاق، متى الخلاص ياوطني) و(أضاحي).

ـ أُقتنيت لوحاته ي العديد من دول العالم منها: فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وكندا، وأمريكا، والأردن، والبحرين، والسعودية.

72 مكي عمران 1

مكي عُمران فنان من طراز خاص، لا يستنسخ تجربة ولا يستنهض أنموذجاً في التشكيل ليُعيد ترميمه، إنما هو يُنتج تشكيله الخاص، فلا تجده مرمياً في أحضان مدرسة تشكيلية مُعينة، ولا يقبل التصنيف: انطاباعي أو تجريدي أو تعبيري أو ضمن (البوب آرت)، هو نحلة تتحرك بشتى الجهات تمتص جمال اللون من أي مدرسة شاءت، لتنتج لنا تشكيلاً أخَاذاً عسله له طعم تراث الأقدمين وحضارتي سومر وبابل وهو وريث سلالتها، ولا يكفيه امتصاص رحيق ورد التراث لأنه شغوف بالمُعاصرة، فيخلط ما استلهمه من هذا التراث ليخلطه بممستخلص نتاج المُعاصرة وتلوين فنانيها ليصبه عسلاً بطعم فيه المُعاش بتلوين جمالي مُبهر، والإبهار عنده لا يعني الهيام أو التمتع بالفرح، إنما هو كشف وتعرية لمكامن الألم. فالمُتعة ليست في تلقي العمل الفني بوصفه موضوعاً للمُتعة التي تُردف الفرح، بل هو إبهار ودهشة حينما يكون في العمل كشف عن مكامن الألم عبر التشكيل اللوني.

72 مكي عمران 2

اللون والتشكيل لعبته الأثيرة، فهو سليل حضارة النتاج الفني فيها سجية وطبع لكن الفن بطابعه الموروث يعتمد على تناغم التشكيل اللوني ومعمارية الجسد واتقان ترسيم تفاصيله، ولك في أسد بابل مثال يُحتذى وبوابة عشتار أمثلة في تقفية اللون وضبط تلوين المساحات داخل جسد اللوحة (بوابة عشتار) أو في تلوين ما في داخلها.

لم يتنكر مكي عُمران لبهاء النتاج التشكيلي والعُمراني لحضارة ورثت ريشته كثيراً من ترسيماتها وتخطيطاتها المُتقنة التي لا يُجيد اخراجها سوى فنان تكوياناته اللونية أصلها أعشاب بابلية فيها بقايا من عشبة الخلود التي قتلت كلكامش، ولكنها أحيته في التشكيل الفني والضمير الأخلاقي ونظرية الوجود في الفكر الفلسفي.

يصنع مكي عُمران لوحته خارج التصنيف الاجرائي لمدارس التشكيل، تُلامس ريشته اللون لتحرير الجسد داخل اللوحة.

يختار ألوانه بعناية، شغوف بالتداخل اللوني وكأنه يروم مُداعبة فُرشاته لترسم لنا مرةبعشق للون واحد يخترقه نقاء اللون الأبيض بتداخله مع لون الجسد بحُمرة أخاذة فيها تدليل وتأويل لتبني فضاء الحُرية في اللوحة ساعة غيابه في حياتنا.

72 مكي عمران 3

يرسم وجوهنا الحالمة كما الأطفال نعشق تداخل الألوان ببهائها حين عناقها من النقاء الذي يُمثله اللون الأبيض الذي يشي لنا من خلاله عُمران عن أمل نبحث عنه في تعدد أشكال الوجوه الحالمة بغدٍ أفضل تُعبر عنها بعض تشكيلات لوحاته التي خطتها ريشت فنان يرنو للجمال في بلدٍ لطالما كان الحُزن نغمه الأثير وصوت نايه الشجي.

لوحات عُمران يلعب اللون الأبيض فيها دور رُبَان السفين في الحفاظ على نسق الجمال في القيادة الفنية للألوان، أو ربما يكون هو اللازمة للقصيدة للُحافظة على (رتم) الجمال فيها وإن اتسم هذا (الرتم) بالتكرار، أو هو كما الجُملة الموسيقية التي تحكم (دولاب) اللحن أو تحولاته في الأغنية.

لقد كان ولا زال حال اللون الأبيض في لوحات عُمران كحال (قائد الأوركسترا) الذي نظن أنه يُحرك يديه ذات اليمين وذات الشمال وأعلى وتحت من دون وعي لدوره وبعض منَا يرى أن لا دور له ويُمكن الاستغناء عنه، ولكن ما لا نعلمه أن (قائد الأوركسترا) هذا يضبط أداء الموسيقيين لـ "اللحن" ويُحافظ على النزام في توزيع المهمات بين الموسيقيين وتوزيع الأدوار لهم في عزف الجملة الموسيقية.

وتلك هي مهمة اللون الأبيض في لوحات عُمران، فكلما كان التداخل اللوني زاخرٌ في كثير من لوحاته ستجد عُمران يُمزاج ألوانه بتعدد مداليلها بالأبيض الذي يحكم به جمال التعبير التشكيلي ومحاولته ردم فجوات الألم في تلقينا لأعماله.

72 مكي عمران 4

تكثر البقع الداكنة في لوحاته للتعبير عن حجم المُعانات، ولكنه لا يستكين للألم لتجده يُبدل ريشة رسم الألم بريشته التي تكتنزها روحه الحالمة بغدٍ أبهى ليُحيط بُقع العُتمة باضاءات روحية نابعة من حُبه للحياة وعشقه لها، ليكون اللون الأخضر البهي يزرع فينا الحُلم، والأزرق ليكون مُعبراً عن صفاء السماء فلا زُرقة فيه يُحيق بها نزوعنا للحُزن، إنما هي زُرقة يطويها اللون الأبيض بحثاً عن نقاء الروح، أو زُرقة يتداخل معها عطايا اللون الأحمر بتوهجهه المُضيء وكأنه الشمس باشراقها.

الجسد في لوحات عُمران إعادة تشكيل لرؤيتنا له خارج المألوف من حياتنا. وجوه ناظرة نظرة وإن غيَر طريقة رسمها كما المعهود، فهي وجوه تتعدد تشكيلات حضورها في اللوحة، ولكن الأبهى والأكثر حضوراً هي الوجوه الباحثة عن قيم الجمال ليعلو بهاء رسمه لها داخل فضاء اللوحة على وجوه عابسة قزَم وجودها عُمران في فضاء لوحته انتصاراً للحياة والجمال.

لم ينس الطفولة في لوحاته وفي بعض نتاجه تقارب مع نتاج (د.عاصم عبدالأمير) زميله وصديقه ومواطنه.

الطفولة في تشكيل مكي عُمران عنوان التأصيل والوصل، بل وعنوان العودة للذات في نزعاتها اللامسؤولة عن قهر السنين بقدر ما فيها من تأكيد على قيمة المُعطى الجمالي المُستوحى من رؤية التكوين البشري في برائته.

 

د. علي المرهج

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4494 المصادف: 2018-12-25 04:37:30