مقاربات فنية وحضارية

شاكر الآلوسي بين التراث والمعاصرة

588 شاكر الالوسيقبل العروج الى الحديث عن اعمال الفنان العراقي شاكر الآلوسي احب ان اذكر بعض الملاحظات ذات الصلة، وهي ان الكثير من النقاد والباحثين في مجال الفن قد انشغلوا في مسألتين مهمتين هما الهوية والخصوصية ومفهومهما في مجال التطبيق العملي .. والجميع يعرف ان الهوية هي ماضي وحاضر الامة وما انتجه المبدعون من المفكرين والعلماء والفلاسفة والادباء والكتاب والفنانون وغيرهم، بمعنى آخر هي تراث الامة..و اطلق على هذا الاتجاه في الفن اليوم اسم - ما بعد الحداثة – اما مسألة الخصوصية فهي ليست الهوية وانما هي من مظاهرها او من مزاياها وهي الابداع والمهارة في الخلق والتكوين الشكلي، ولكل فنان له خصوصية في لمسات الفرشة والالوان والخط، وحتى لو كانوا من نفس المدرسة الواحدة . مثلا نجد براك وخوان غريس وبيكاسو يرسمون بنفس الاسلوب والمدرسة والتقنية، ولكن لكل واحد خصوصية في حركة الفرشة واللون والبناء الانشائي ومفرداته التي تعود به الى جذوره التاريخية وتقاليده الفنية .

مكانة التراث في اعمال الفنانين العرب:

بقول جبرا ابراهيم جبرا: (قد نقول ان عمل الفنان العربي مازال قاصرا في الاغلب عن تجربته الحقيقية، اي ان تجربته اكبر من عمله ...) ويقصد هنا بتجربته الحقيقية هو تراثه العظيم الذي يمتد لآلاف السنين .

اما الاستاذ محمود حمادة وهو احد النقاد والرواد في الحركة التشكيلية السورية فيقول: (بان الحركة التشكيلية العربية ضعيفة في الوقت الحاضر وليس هناك شخصيات كبيرة مميزة اصيلة في الفن العربي وان وجدت فهي تعد بالاصابع، والفنان الجيد هو الذي يعمق تجربته باستمرار واعماله تشير اليه... كما اشار الفنان العراقي شاكر حسن بان الفنانين العراقيين يرسمون باساليب اوربية حديثة ولكن مواضيعهم من البيئة والتراث العراقي .

وقد طرحت فكرة تعريب الفن في الاقطار العربية من قبل الفنان العراقي نزار سليم في قاعة وزارة الثقافة في الرباط في ندوة جمعت عددا كبيرا من الفنانين والنقاد العرب في مطلع السبعينات ولكنها لم تحضى بقبول واسع، حيث تسائل المعترضون: هل ان الواسطي حين راح يرسم احداث مقامات الحريري قد تسأل كيف اجعل فنا عربيا ؟ ام ان المحيط الثقافي والفني والاجتماعي والديني والارث الحضاري هي التي كانت القاعدة الاساسية في الابداع والمهارة الشخصية لرسم تلك المقامات ...؟

شاكر الآلوسي فنان استوظف التراث الشعبي والارث الحضاري في اعماله للتعبير عن متعة الجمال والكمال بتقنية معاصرة وخطاب بصري وفكري مؤثر في المتلقي من خلال الرموز والدلالات التراثية . 

588 شاكر الالوسي2

شاكر الآلوسي والتراث:

بنى الفنان شاكر لنفسه قاعدة اكاديمية صلبة وذلك من خلال دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة وعلى يد رواد الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق، ثم انطلق بعد ذلك منفردا يبحث عن خصوصيته وشخصيته في الفن وكذلك عن هويته التي تعود الى آلاف السنين . رسى شاكر على ضفاف التراث ليغرف من مدرسة بغداد الواسطية ما يتلائم مع ذوقه وفن المعاصرة، وقد وجد في التراث ما وجده ماتيس عندما حل في بلاد المغرب عام 1911 حيث وجد ضالته التي يبحث عنها في الفن الاسلامي، ولم يعد الشكل غاية لديه انما اصبح اللون والضوء والمساحات المحاطة بخطوط سوداء والزخارف الاسلامية المبهرة هي من اساسيات اعمال ماتيس الجديدة . لقد شاهدنا عند شاكر تأثيرات المدرسة الوحشية حيث الالوان الساطعة الحارة، والخطوط القوية التي تحيط بالشكل احيانا، كما انه يملئ اشكاله بمساحات لونية متنوعة الدرجات ويطغي عليها اللون الاحمر والقهوائي الفاتح . ونلاحظ التوزيع اللوني في الاشكال مسطح احيانا ومضلل احيان اخرى . ويبدو ان شاكر يعيد صياغة التراث من خلال الايحاء والخيال والرموز والحدس فهو يرسم النساء ليس كما يراها انما كما يفهمها ويتخيلها داخل اطار التراث الشعبي .. وكان الفن عند ماتيس كشأنه عند العرب هو الفرح والايقاع والنغم وبالتالي هو التعبير عن المتعة والجمال . وهذا ما نجده عند شاكر حيث امتازت اعماله بنور اللون، اللون المضيئ وهو اكثر سطوعا وكثافة وبالتالي يصبح اللون مخصص للتعبير عن النور وليس نور الطبيعة انما النور الذي يبحث عنه حس الفنان وذوقه ومشاعره .. وقد انصبت تعبيرية شاكر الجمالية على الوجه المدور الذي نجده عند بعض الرواد وفي تراث مدرسة بغداد فقد حور في الوجه ولكنه رسم بقية الجسم باكاديمية وانطباعية واضحة كما نجد هناك جرءة في حركة الفرشة وضرباتها وكذلك امكانية وقدرة كبيرة في تخطيط الشكل الواقعي .. اما الرومانسية فقد طغت على اشكاله والوانه ومن خلال عذوبة واسترسال الخط وليونته وانحناآته في حركة الايدي والارجل وميلان رأس المرأة بتواضع ورقة وجمال (ملء السنابل تنحني بتواضع - - والفارغات رؤسهن شوامخ) .. واخذ شاكر مواضيعه من التراث الشعبي المعاصر حيث الافراح والاعراس والجلسات النسائية الخاصة والساقيات من بنات الريف والبيوت البغدادية ومشربياتها وتقاليدها العريقة . كما نجد التأليفة الانشائية متكررة على الاكثر والوجوه منظورة ومرسومة من الامام وقلما نجد وجها جانبيا . ولكنه حافظ على التوازن حيث ان الجمال الشكلي يعتمد في صميمه على التناظر والتوازن، وهما في نظر ماتيس (الاهرام الراسخ يفرض نفسه على القرون) ورغم التعبيرية والتشويه القليل لم ينفك شاكر عن معالجة الصورة بكل تأني لكي يصل الى نقطة الجمال والكمال .. وقد ذكر ماتيس ان فن المدرسة الوحشية مصدرها الشرق . ولهذا نجد ان التراث الاسلامي هو المنهل السرمدي الذي يغرف منه الجميع من فنانين عرب واجانب .

74 شاكر الالوسي

وقد بحث شاكر عن ذاتيته وهويته في التراث واعتقد انه هو الاكثر بحثا وعمقا وسعة في استنطاق الموروث الحضاري من غيره من الفنانين العراقيين المعاصرين . نعم كان جواد سليم قد بدأ البحث في التراث وانشغل به ولكن عمره القصير لم يسمح له بتعميق تجربته ونضوجها . وقد اتهم الغرب الفنون المشرقية بالموضوعية وفقدان الذاتية، كما اتهمها بالسحر ولكنه سحر صوفي نتيجة للاختزال والايقاع والنغم في الوانه وزخارفه الاخاذه الساحرة .. ويقول المفكر بيرابين R. Biraben (ان السحر العربي دائما مشترك تقريبا مع الصوفية انه نتيجة لتفكير قديم عند العرب الساميين)، وطبعا هذه وجهات نظر تفتقد للدقة احيانا، فالفن الاسلامي فن عام شامل اشتركت في بناءه امم وشعوب لها جذور وتقاليد فنية متنوعة عريقة وفي داخل هذا الاطار العام نجد مدارس لها خصوصيتها وملامحها التي تميزها عن غيرها فهو فن موضوعي وفي نفس الوقت ذاتي .

وعندما حل بول كلي في تونس عام 1914 قال انه وجد ذاته في روح الفن الشرقي وانه بدأ رحلته الفنية من جديد ولكنه كان خائفا من خطورة الفن الغربي على عالمه الروحي الشرقي الداخلي واصبح فن كلي مشبعا بالارابسك وذلك البعد الروحي لتلك المظاهر الساطعة الصافية .

شاكر اصبح مشبعا بروح التراث ودلالاته الفكرية وكأنه وجد ذاته فيه، وطرحه بقيم شكلية معاصرة وهي قيم تبرز من خلال مشاركتنا العاطفية الانسانية العامة مع تلك الاعمال وبعدها الفلسفي الذي يشير الى عمق خيال ورؤى الفنان الفكرية.

وبالاضافة الى التراث الشعبي الذي ظهر في اعمال شاكر فانه رسم اعمال ذات طابع ومواقف نضالية من خلال اعماله التي اطلق عليها اسم - مانشيتات - وهي بمثابة بوسترات او اعلانات احتجاجية حديثة الاسلوب لما مر به العراق من مآسي وخراب ايام الاحتلال الامريكي واصدر لذلك كاتالوك يحتوي على مجموعة من القصص الواقعية المأساوية، ويذكرنا ذلك بالرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو 1932 الذي عمل معرضا عن سجن ابو غريب ووكيف تعرض السجناء الى التعذيب والقتل من قبل الامريكان ..

شاكر الآلوسي من مواليد 1962 من منطقة آلوس في اعالي نهر الفرات وهي جزيرة صغيرة وسط النهر وتقع قرب الحفلانية وحديثة غرب مدينة الرمادي، خريج كلية الفنون الجميلة في بغداد ومحاضر في مراكز جامعية متعددة منها كلية الفنون الجميلة في بغداد وكلية الهندسة وغيرها، كما اقام عددا كبيرا من المعارض الشخصية والمشتركة في داخل وخارج العراق وقدم بحوثا دراسية عن التراث والفلكلور الشعبي العراقي . ولازال شاكر يتمتع بطاقة حيوية كبيرة وحركة مستمرة في مجال النشاطات الفنية والثقافية..

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4499 المصادف: 2018-12-30 02:07:30