 مقاربات فنية وحضارية

المقدس في الفن والفكر

كاظم شمهودورد معنى المقدس في القاموس العربي انه يعني المعظم، المحترم، المبارك، مثلا، قدس الله (بالضمة) فلانا اي طهره وبارك فيه، وقدس الله (بالفتحه) عظمه وبجله ونزهه، (فاخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوى) يعني انك في ارض طوى المباركة .. نحن اليوم نعاني من اشكالية التقديس لبعض الاشخاص والافكار والمذاهب والفنون والثقافات والتقاليد والعادات التي نقلتها لنا الاجيال منذ العصور الغابرة واخذتها عامة الناس دون تحقيق او تعقل .. فاصبحت الامة العربية والاسلامية اليوم لكي تحقق التطور والمعاصرة عليها ان تعود الى تقاليد الماضي ومفاهيمة الفكرية وكل من يعترض فهو كافر ... لقد احرقت كتب الغزالي وابن رشد والاصفهاني وكفر الفرابي والرازي وابن سينا والكندي وقطعت اوصال ابن المقفع وطبخ وخنق لسان الدين ابن الخطيب واحرقت جثته . وكل ذلك جرى باسم الحفاظ على المقدسات؟ .. وعندما قام جمال الدين الافغالي ومحمد عبدة بثورة الاصلاح العربية، جاء اخوان المسلمين في مصر عام 1928 وافشلوا تلك النهضة ودعوا ان الحل هو العودة الى الماضي؟ ومن الماضي وجد في صحيح البخاري 14 حديثا تتكلم عن فضل شرب بول البعير في صحة الانسان وعلى اثر ذلك اصيب اليوم مئات الاشخاص بامراض الكلة .. ؟

التقديس الخاطئ

الانسان مهما كان يملك من علم ومعرفة فهو عرضة للخطأ، حيث يذكر علماء الاجتماع ان الاخطاء صفة انسانية يقع فيها الجميع وهي صفة تساعد الانسان على تجنب السلبيات في الحياة، كما انها تصقل الانسان وتزيده منعة وقوة في مواجهة الحياة ووضع الحلول الصحيحة لها . ولما كان الانسان بهذا النمط فعليه الا يحمل نفسه فوق طاقته (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، وبالتالي تكون صفة التسامح والاخاء سائرة في المجتمع. ولهذا ليس هناك قدسية لاي شخص مهما كان سواء في حقل الادب او الشعر او الفلسفة او التاريخ او الفن وما شاكلها (ما عدا الاعتقاد بالرموز الدينية من الانبياء والكتب السماوية المقدسة) ..

605 الفن والمقدس

في بلداننا العربية بدأت نهضة ثقافية وفنية بعد الاستعمار الانكليزي والفرنسي للدول العربية وقيامها بتأسيس المدارس الفنية على المناهج الدراسية الاوربية، وقد شجعت عدد من الشباب للدراسة في الخارج، وبعد انتهاء دراستهم عادوا الى بلدانهم يدرسون مادة الفن على المناهج الاوربية.. وكان الرواد يرسمون باساليب اوربية حديثة ولكن المواضيع مأخوذة من الواقع الاجتماعي بما فيه من تقاليد وعادات ومن الارث الشعبي والحضاري ... هؤلاء الاساتذة اصبحوا عند البعض اليوم مقدسين وعليهم هالة ويحرم مسهم او نقدهم او طرح وجهة نظر في اعمالهم وتنظيراتهم الفكرية ؟ .. هذا الغلوا هو نوع من الجهل ويعمي احيانا القلوب قبل الابصار ويحبط او يغلق الاجتهاد والابداع في الفن الذي اصبح له اليوم آفاق عالمية غير محدودة، وانا اعتقد واكاد ان اجزم بانه ظهر فنانون بعد الرواد افضل واحسن واكثر تطورا وامكانية من الرواد انفسهم، نعم للرواد كل الاحترام ولكن ليس التقديس .. يذكر لنا التاريخ بان جيوتو كان تلميذا للفنان الايطالي المعروف شيمابويا ثم تفوق على استاذه واصبح من رواد عصر النهضة وتأثر به مايكل انجلو .. ولهذا اتمنى ان يعي فنانو او رسامو الغلو والتقديس بان المسيرة الفنية والفكرية هي تكاملية تطورية واكتسابية يشترك فيها الجميع .  

606 الفن والمقدس النظرية العلمية

اولا ان النظريات العلمية هي نسبية وليس مطلقة وهي قابلة للتغيير والتعديل وتبعا للظروف الموضوعية وخاضعة للتطور الاجتماعي والعلمي والحضاري، كما انها تخلوا من التناقضات والتنافرات، وفيها تكون الفكرة واضحة وعقلانية ومنطقية وغير مبهمة وغامضة، ولهذا فان النظريات الصحيحة اذا تكررت دراستها في اماكن وازمنة مختلفة تعطي نفس النتائج.

اليوم نجد كثير من النظريات العلمية السابقة كانت مقدسة ومسلما بها لفترة طويلة ثم اثبت خطأها مثلا وجود عروق زرقاء في جسم الانسان ؟، كما كان يعتقد بوجود قنوات مياه على سطح المريخ، ثم اثبت خطأها في وقت قريب، كما كان يعتقد ان الكون لا يزيد حجمه ولا ينقص، حتى انشتاين كان يعتقد بذلك، ثم اثبت العلماء اليوم ان الكون يزداد كثافة وتوسع مع مرور الوقت . وبالتالي فان النظريات العلمية والفنية هي نسبية وغير مقدسة .

الفن المقدس

مر الانسان في فترات تاريخية سابقة كان يقدس فيها الصور والمنحوتات وكذلك الايقونات الصغيرة والكبيرة، وهي رسوم دينية مسيحية توضح مبادئ الديانة المسيحية بشكل ملموس ومعظم، وكان الفن المسيحي مبني على الرموز والايحاءآت، واكثرها رموزا صورة مريم والمسيح –ع- وكذلك مشاهد للقديس بطرس وهو يحمل المفاتيح بيده، وتعني مفاتيح الجنة . ولازالت بعض الشعوب في الشرق الاقصى تقدس الصور والتماثيل وتعدها آلهة او واسطة للآلهة. (ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى) . وكان الفنان المسيحي مشغولا بالفن المقدس وكان واعيا بالقانون الالهي وواعيا بالعرف الذي ينقل النماذج المقدسة والمتفق عليها من قبل رجال الدين وواعيا لعمله والذي يضمن بالتلي الشرعية الروحية للاشكال المقدسة . وهكذا نجد كل فناني عصر النهضة اشتهروا من خلال الفن المقدس والذي رسمته لهم قوانين الكنيسة .

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4514 المصادف: 2019-01-14 00:25:30