 مقاربات فنية وحضارية

هل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن مسألة العصرنة - contemporanéité؟

محمد الشاويتوطئة: لقد سبق وأن تحدثنا عن الفن المعاصر وخصوصياته ومختلف الإشكالات التي من الممكن أن يطرحها في مقال سابق وسمناه ب: "الفن المعاصر من الدلالة إلى المدلول"؛ لذلك فإن مسألة العصرنة نعتبرها امتدادا لما دأبنا على معالجته.

وعلى هذا الأساس يمكننا بسط التأملات الآتية:

ما دلالة العصرنة contemporanéité ؟

وما علاقتها بالفن المعاصر؟

وهل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن العصرنة؟

بتعبير آخر كيف يستحضر الفن المعاصر مسألة العصرنة؛ وكيف يبتعد عنها بخلق تحديثات  modernisations بصيغة معاصرة؟

1- دلالة العصرنة:

ليس من السهل إقامة قطيعة بين محطات تاريخ الفن وصيرورة تكوُّنِه، إذا لم نستحضر خصوصيات تطور تاريخ الفن نفسه. ولعل هذه الخصوصيات -بصيغة الجمع- ستدفعنا إلى تعميق النظر في الأطروحة التي نتبناها ومؤداها أن السابق يؤسّس للاحق فكرا وفنا وعلوما. فإذا أردنا تحديد دلالة العصرنة فإننا ملزمون بالخضوع لسمة ماهو معاصر؛ فهي بصيغة صريحة تستدعي جميع السياقات التخطابية والجمالية لمرحلة التاريخ الراهن الذي نحيا داخله. إنه تاريخ ينقلنا للحديث عن "العالم الذي يحيط بنا" كما ذكر الفيلسوف والسوسيوجي ريمون أرون. فهو  تاريخ  في متناولنا، ومن السهل بلوغه، على خلاف "عالم الذين عاشوا قبلنا" كحديثنا عن الفن خلال فترة ما قبل الميلاد أو الفن عند الإغريق أو  في العصر الوسيط... وهذا مثبت في سجلات التاريخ، وسبق للمؤرخين توثيقه بالسند والمادة التاريخيتين.

فالتاريخ الراهن يحتوي دلالة العصرنة بالنظر إلى مختلف العوامل المأثرة في الفن المعاصر من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والدينية...

فدلالة العصرنة تستدعي أيضا الوقوف عند أهم البرادايمات (النماذج الارشادية للعلم وللمعرفة العلمية) التي ساهمت في تحوُّلِ منظمومة العلم، وتاريخ الفن في صيغتهما الراهنة.

2- الفن المعاصر وتحديات العصرنة:

لقد جرى القول عادة حسب المهتمين بالفن المعاصر - وجلهم باحثين ونقاد - بأن مسألة القطيعة مع اللوحة تشكل أساسا يرتكز عليه الفن المعاصر. إنها قطيعة من حيثُ التعاطي الفني شكلا ومضمونا، مع ضرورة طرح أساليب جديدة تُوَسِّعُ من أفق التلقي. لكن ظلت العديد من التجارب المعاصرة (مع استثناء بعض التجارب الجادة) تركن لإعادة إنتاج التجارب السابقة لمدارس فنية -لها تاريخها العريق- داخل نسق معاصر.

إنها حسب اصطلاحنا تحديثات جديدة بصيغة معاصرة. وهذا من شأنه أن يجعل قاطرة الفن المعاصر تنزاح عن مسيرتها داخل نظام يتكرر فيه ما تم تناوله من تجارب ومنجزات تشكيلية.

لذلك فإننا نتساءل ها هنا هل استطاع التشكيليون أنفسهم استيعاب معنى الفن المعاصر؟

وهل استطاع نقاد الفن إفهام التشكيليين بمقومات الفن المعاصر وأهم ركائزه؟

لقد صدق المنفلوطي في قوله: " فمحال أن يعجز الفاهم عن الإفهام والمقتنع عن الإقناع".

 

بقلم: محمد الشاوي - فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4524 المصادف: 2019-01-24 00:54:50