 مقاربات فنية وحضارية

فلسفة غياب الظل في الفنون الشرقية

كاظم شمهودلماذا عمدت الفنون الشرقية الصينية والاسلامية الى حذف الظل في الرسم و التصوير رغم انهم يعلمون جيدا بالواقعية الموضوعية للاشكال؟؟ وهل هناك علاقة فلسفية او روحية تتعلق بمفهوم الظل في الفن؟؟

يوجد كتاب اسمه –الفن العربي المعاصر – للدكتور عبد الكبير الخطيبي يتطرق بعض الشئ عن مفهوم الفنون الشرقية ومميزاتها قديما وحديثا ، ويقسم الفنون الى ثلاث حضارات، 1 – حضارة العلامة، وتشمل اليابان والهند والصين والعالم الاسلامي، 2 – حضارة اوربا والولايات المتحدة، 3 – حضارة افريقيا ... كما اطلعت على بعض محاضرات البروفسور الفيزيائي السوري علي منصور الكيالي وهو يتحدث عن حقيقة وفلسفة الظل في حياة الانسان.

وقرأت ايضا تفسيرا للظل في كتاب –الميزان - للعلامة الطباطبائي.

معنى الظل:

للظل معاني كثيرة لغوية واصطلاحية وعرفية ودينية وفنية وله مجازات ايضا كثيرة .. فالظل يعني ظل الانسان او الشجر او اي شئ آخر قائم بتأثيرات الشمس او الضوء .. و بالاصطلاح، خفيف الظل اي مريح، و ثقيل الظل اي مزعج . والظل ايضا يعني عتمة تغشى مكان حجبت عنه الشمس او غابت فتركته في ظلام ..

اما التفسير الديني فياخذنا الى ابعاد عريضة وطويلة تحيط بها قصص وحوادث تأريخية قديمة تفسر كعقاب للاقوام التي خالفت سنن الله . (وظل ممدود) الممدون من الظل يعني الدائم الذي لا تنسخه شمس، فهو باق لا يزول . (وظل من يحموم) المحموم يعني الدخان الاسود، بمعنى ظل ظلام وعذاب خيم على المكان او الناس .. ويذكر القرآن –(يوم الظلة) وهو يوم عذاب مدين حيث امطرهم الله نارا فاحترقوا .. وربما احدكم يتذكر حادثة مدينة بومبي الايطالية التي ثار عليها بركان فسيوفيوس عام 74 م فارتفع 9 اميال واظلها وغشاها بالكامل وغدت في ظلام دامس لا يرى احدهم الآخر وامطرت عليهم السماء مع حمم ورماد البركان.. وخلال ساعات طمرت المدينة باهلها تحت الرماد. وبعد 1700 عام كشفت آثار المدينة بسكانها وهم متحجرين. ويذكر انها كانت مدينة متحضرة وغنية ولكن كان من ثقافة اهلها الفاحشة والاباحية الى ابعد الحدود حتى اظهرت المنحوتات والرسوم الباقية انهم كانوا يمارسون الزنا مع الحيوانات كما كشفت فيها رسوم جدارية تشير الى ذلك .

واما البرفسور علي الكيالي فيذكر ان الظل هو عبارة عن طاقة ترافق الانسان والحيوان وليس له علاقة بالشمس، نعم هي تشير اليه وتكشفه لا تصنعه، ويذكر امثلة على ذلك . (الم ترى ربك كيف مد الظل) وليس الشمس التي مدته . (ولو شاء جعله ساكنا، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا) وذكر قصة موسى –ع- عندما حل في مدينة شعيب وراى تدافع الرعاة على سقي الماء ثم راى فتاتان جالستان على جنب فسقى لهما الماء، ثم آوى الى الظل بعدما تعب ويفسرها انه ذهب الى الظل كي يستعيد طاقته.

636 مومبي 1

غياب الظل في الفنون الشرقية:

يبدو ان الخط حل محل الظل واخذ طاقته الروحية، ويتميز الفن الصيني بالخط والتسطيح فالرسم الصيني هو امتداد للخط والكتابة الصينية حيث انه يرسم ويكتب بنفس الفرشاة. وقد رسم الفنان الصيني وفهم الطبيعة كمصدر لنفاد الروح ومرأت توجيهية للعواطف الانسانية، وقد اشارت المعتقدات الدينية البوذية المنتشرة في الصين وغيرها ان المملكة الروحية ظاهرة في الطبيعة، مثلا في الصخور، في الشلالات، في الشجر، الى غير ذلك، وبما ان هذه المعتقدات ركزت على حب الطبيعة فان الفنان الصيني قد اهتم برسم المناظر الطبيعية والطيور والزهور والجبال والبحار وغيرها .. فالمصور الصيني يرسم ما يمثل الظواهر الطبيعية ولكنها لم تكن ابدا مجرد ذلك المنظر الطبيعي بالذات فمن وراء ما هو خاص يكمن ما هو عام . وهدفه ان يتصل بتلك القوى الخفية (الروح) .

636 مومبي 2

و قد ورد في ثقافتنا الدينية ما من شئ في الحياة الا وله حركة وروح سواء كان حجر او شجر او غيره (لوانزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) .. فالفنان الصيني يحيل الاشكال الى سطوح ويحددها بخطوط بارز وقوية . فالخط يوحي بالكتلة او الشكل الصلب والكتلة لها ظل او طاقة امتصها الخط ، والخط هو اكثر العناصر اساسية في الفنون المرئية حتى ان بعض الفنانين لم يتردد في ان جعله اساس الفنون جميعا .. ويقول الفنان الانكليزي بليك: (ان القاعد العظيمة و الذهبية للفن كما هي للحياة هي: كلما كان الخط المحيط اكثر تحديدا وحدة وبروزا كان العمل الفني اكثر كمالا ..) فالخط يمثل دائما نوع من الاختزال التصويري، وانه لمن المدهش ان نتخيل مقدار التجريد الذي كان من الممكن ان يقع فيه الخط دون الاساءة الى القوانين التقليدية للتمثيل .. اما الفنان المسلم فقد اخذ من تقاليد الفنون الصينية في الاعتماد على الخط في رسم الطبيعة والاشكال واعتبار الخط ذو طاقة حيوية وزخرفية في التمثيل، اما ما يقال ان (التحريم) كان له دورا في جعل الفنان المسلم ان يتخلى عن الظل ويلتجئ الى التسطيح والتبسيط والاختزال، اعتقد ان هذا موضوع آخر يحتاج الى شرح واسع، اولا لان (التحريم والكراهية) طالت كل الكائنات الحية .. ثانيا لم يلتزم احد بذلك سواء كان من المصورين او النقاشين او الخلفاء والامراء وطبقة الاغنياء . وقد وجدت رسوم في قصور الخلفاء الاموين والعباسيين والاندلسيين مثل قصير عمرة في الاردن وقصر الجوسق في سامراء وقصور الحمراء في غرناطة وكذلك مصوري المنمنمات الاسلامية مثل الواسطي وابن الجزري وابن الفضل وهبة الله وغيرهم .. ثالثا ، ان الفنان المسلم كان يتبع تقاليد الفنون الصينية والساسانية والرافدية حتى في سحنات الوجوه احيانا . وقد كتبنا عن هذه الاشكاليات في مقالات سابقة ...

 

د. كاظم شمهود

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4526 المصادف: 2019-01-26 01:19:36