 مقاربات فنية وحضارية

التصوير في صدر الاسلام

كاظم شمهودهل ان الفنان العربي توقف عن ممارسة ثقافة التصوير تماما في بداية صدر الاسلام؟ وهل ان نمط التحريم قد فهمه الصحابة موجها لصناعة التصوير او لعبادته؟. فهناك فرق بين صناعة التصوير للمتعة والزينة والتعبير وبين اتخاذه وسيلة للعبادة والشفاعة، وقد حمل الصحابة التحريم على العبادة، بينما العلماء الاوائل والذين تبعوهم قد فهموه فهما خاطيئا بدليل اختلافهم في الرأي والحكم . وقد ورثنا تراثا فقهيا وتاريخيا مبنيا على الاخطاء ومشوها . واصبحت الامة اليوم تدفع اثمانا باهضة من جراء هذا الخطاب المتخلف.. ولم نجد لحد هذا اليوم اي بادرة حسنة مستعدة لمراجعة هذا التراث واصلاحه، وهناك جهات داخلية وخارجية تعيش على هذا التمزق والانحراف والتخلف .

الشواهد على استمرار التصوير:

يذكر ان العرب مارسو التصوير قبل الاسلام وابدعوا فيه وكانت كنائس اليمن والشام والعراق ومصر مليئة بالرسوم الجدارية الدينية، كما كانت قصور الامراء والملوك تعج بالزخارف والتصاوير مثل قصري الخورنق والسدير في العراق (الحيرة) والاول بناه النعمان بن امرأ القيس في القرن الرايع ميلادي وكان هذا القصر عنوان حضارة ومجد عربي خالد . والثاني يقال انه بناه اللخميين المناذرة .

854 قصر الخورنق

و يمكن الاطلاع على كتاب – قصور العراق العربية والاسلامية – للمؤلف طالب علي الشرقي- 2001 . وكان اعيان وامراء اهل العراق قد قلدوا قصور ملوك الفرس مثل طاق كسرى (الموجودة حاليا آثاره في المدائن)، قلدوها من ناحية العمارة المترفة والزخارف والفسيفساء والجدران المصورة بالاصباغ المدهشة وقد بلغت حدا كبيرا من الترف وفخامة الجمال ومظاهر الراحة والمصابيح المذهبة والسجاجيد البارعة والمطرزة .. كذلك شيدت قصور في اليمن مثل قصر غمدان في صنعاء الذي يعد من عجائب قصور العرب قبل الاسلام وقد سكنه آخر ملوك اليمن سيف بن ذي يزن وهدمه الخليفة عثمان بن عفان؟ . وذكر ابن الكلبي بانه وجدت عبارة بالخط الحميري (غمدان هادمك مقتول) فهدمه عثمان فقتل . وكان هذا القصر مزينا بانواع الرسوم والزخارف . وكان يتكون من سبعة طوابق وترى اضويته ليلا من مسافات بعيدة ..

كما يذكر ان الصور كانت منتشرة في المدينة (يثرب) في زمن الخليفة عمر بن الخطاب مثل منزل ياسر بن نمير خازن بيت المال، كما ان مبخرة الخليفة عمر بن الخطاب التي يستخدمها في المسجد كانت مزينة بالصور الآدمية .. وغيرها من الامثلة

وكان الخليفة عثمان بن عفان هو اول من سمح ببناء القصور وان الناس تشجعت على ذلك في عهده وتحولت الحياة الى ترف وغنى وزخرف وزينة . وشيد معاوية بن ابي سفيان قصرا على غرار قصور الروم من ترف وابهه واقيمت به الحفلات الغنائية وضرب الدفوف . ثم بنى خلفاء بني امية القصور الخيالية وكانت مزينة بالتصاوير . وذكر ان عبد الله بن زياد والي البصرة بنى قصرا سماه الابيض وقد زخرفت حيطانه بالصور الحيوانية وملئه ايضا بالريش والطنافس . وقد ورد ذكر بعض هذه المعلومات في كتاب - تاريخ الاسلام - للدكتور حسن ابراهيم .

وفي زمن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان / 86 هجرية (706 م) كانت خيام الحجاج الاغنياء مزينة بالصور الآدمية .. كما كانت الصور منتشرة على الاقمشة التي ترد من اليمن وعلى الادوات المنزلية وستائر المنازل .

856 قصر غمدان

و كانت ايضا مظاهر النشاط الفني في التصوير مرتبطة بالعمارة الاسلامية ففن الفسيفساء والصور الجدارية كانت تغطي جدران وسقوف قصور الخلفاء ومنازل الامراء والاعيان مثل قصير عمرة وقصر الحير الغربي وقصر المشتى وقد وجت جدرانها مزينة بانواع الصور الآدمية والحيوانية منها صور عارية ... اما في العصر العباسي فكانت الاباحية انفتحت على مصراعيها ولم يعد هناك خجل او خوف من مسألة التحريم .. ونذكر بعض الابيات التي يرد فيها التصوير والاباحية لابو نواس .

تدار علينا الراح في عسجدية    حبتها بانواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها     مها تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما ذرت عليه جيوبها    وللماء ما دارت عليه القلا نس

855 قصر مشتي

ومن ناحية تاريخية يذكر القرآن الكريم بان التماثيل كانت تصنع في زمن النبي سليمان- ع - للزينة ورمزا للقوة والشموخ كأن تصنع تماثيل للاسود وتوضع في مداخل القصور او المدينة، ولكنها عندما عبدت كسرت هذه التماثيل .. وكان هناك من العلماء من فهم التحريم على انه منصبا على العبادة فقط فكل نمط من انواع التصوير والذي تكون غايته العبادة من دون الله فهو محرم سواء كان آدميا او حجرا او شجرا، حيث يذكر ان هناك اقوام قبل الاسلام كانت تعبد الشجر (شجرة الايكة) والحجر (الانصاب)، وبالتالي فان صناعة التصوير من اجل المتعة والرفاهية والتعبير غير محرمة .. ويذكر ان العالم ابن خلدون كان واسع الفكر ومتنور بحكم احتكاكه بالفكر الغربي عن طريق الاندلس، وقد ذكر بان التحريم يقتصر على تصوير الذات الآلهية فقط . ومثال على ذلك ما رسمه مايكل انجلو 1475 م في كنيسة بطرس حيث رسم الله على شكل رجلا ضخما متربعا على كرسي العرش تحيط به الملائكة والانبياء.. وعلى هذا الاساس افتى شيخ الازهر محمد عبدة (لا مانع من التصوير طالما ان هناك متعة ومنفعة للمسلمين) .

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4609 المصادف: 2019-04-19 03:46:05