 مقاربات فنية وحضارية

الحساسية الفنية واثرها على المنتج الفني

914 الفن الصينيهل الحساسية الفنية ثابته او متغيرة عند الفنان والمتلقي؟ وهل يمكن اعتبارها كقيمة اخلاقية وجمالية في فهم وتقييم الاعمال الفنية؟

بعض النقاد والمحللين يقول ان الغريزة الجمالية ثابته في الانسان في اي زمان ومكان ولكن المتغير عنده هو الحساسية فهي في حالة خلق وتدمير متواصل تتماشى مع حركة الكون في الخلق والاختفاء .. ونحن نستطيع ان نكشف من خلالها عالم الشكل واللون والتناغم والرومانسية .

ويذكر ان الحساسية انواع منها قديمة تقليدية لم يستطع صاحبها من الخروج من نسقها التاريخي اما لتخلف ثقافي او تحجر ذهني مغلق او انها بقت على قناعاتها الكلاسيكية الموروثة فلم تغادرها، وهذا اللون من الحساسية احيانا له آثاره السلبية ليس على الفرد وحده فقط وانما على المجتمع، كما هو ظاهر عند بعض التيارات الدينية .. والحساسية الاخرى هي المتنورة الحديثة التي تمردت وانقلبت على الموروث القديم وخلقت سلطة جديدة للواقع وانتماء للمعاصرة حيث استطاعت من اعادة الافكار ضمن منضومة جديدة واستمتاع فني جديد حيث يمكن من خلالها تنظيم حياة متطورة وراقية على مستوى الفرد والجماعة ..

914 كونستابل

هناك من الناس من لا يدركون العلاقات النسبية في الجانب المادي وقيمها الجمالية والفكرية نتيجة تدني في درجة التذوق، حيث ان الذين يملكون حساسية فنية عالية يستجيبون للعمل الفني المنظور والمعروض امامهم فاما يعجبه وام لا. ولا يمكن ان يقف المتلقي امام العمل ساعات يحلل ويفسر ثم يصدر حكما بالرفض او الاعجاب .. ولهذا فان العملية اعتقد هي وجدانية مصحوبة بكل الانعكاسات التلقائية والعاطفية . فعندما نتعاطف مع الآخرين فاننا نعيد احساساتهم في انفسنا وحينما نتأمل عملا فنيا نزج انفسنا داخل اطار هذا العمل وبالتالي يحدث اعجاب او جفاء .

ويذكر بعض العلماء بان الايمان العقائدي يصعد وينزل حسب الظروف والبيئات فاذا كانت البيئة روحانية مليئة بانشطة التعبد والزهد تجد درجة الايمان صاعدة واذا خلت من ذلك تجدها متدنية .. وهذا ينسحب ايضا على الحساسية الفنية .

منذ الثورة الفرنسية والرومانسية والانطباعية بدأ الفن يتحرك نحو التغيير وبلغ غزارة مذهله في الانتاج الفني في عصرنا الحاضر ويذكر البعض بانه ليس هناك حقبة اكثر ثورة او عصر كان الفن فيه اكثر تجريبا من القرن العشرين .. حيث تداخل الرسم والنحت والتصوير الفوتغرافي واستغلت الاقترانات في ملاعب الابداع . وامتد الرسم اكثر من حدود القماش واصبح العمل ذهنيا . كما ان بعض الفنانين اهتم فقط في اللون وحوله الى بقع متباينة على سطح اللوحة، كما هو عند عدد من الشباب في انكلترا والولايات المتحدة مثل موريس لويس 1912-1962 وغيره . 

914 نصب الحرية

وبعد الحرب العالمية الاولى 1914 التي حدثت في اوربا هرب كثير من الفنانين الاوربيين الى نيويورك مثل موندريان ودوجامب وليبشتز وشاجال واندريه ماسون واندرية بريتون وغيرهم وبهذا فقد حلت نيويورك محل باريس وقد ساهم تواجدهم هذا ان تتبوأ نيويورك مكانة عالمية كبيرة يضاف الى ذلك وجود المتاحف الراقية وكبار تجار ومقتني اللوحات مثل التاجر اليهودي الثري كوكينهم Guggenheim الذي اسس عدد من المتاحف في امريكا واوربا .. وهنا ظهر لدينا نوع من التذوق والحساسية تتناسب مع البيئة والتحولات الجديدة . حيث ظهر ما ينشد الضخامة والحرية المطلقة والحركة الدرامية مثال اعمال جاكسون بولوك 1912.

في وسط هذه الثورة العارمة من الاساليب والمدارس المتنوعة والمتباينة خلقت لنا عالما من القيم الادراكية والحسية، عالم دائم التغير والتباين في درجات تذوقه . علما ان بعض مذاهب الفن الحديث قد الغت مبدئي الجمال والاخلاق التي رسمها الاغريق وبقت محتفظة بالمبدأ الميتافيزيقي وبذلك ظهرت حساسية فنية جديدة وعنصري الخيال والتأمل والاتجاه نحو الفن المفاهيمي . اما المدارس الشرقية فنجد لها بعدا ذوقيا وفكريا آخر وانها توحي بالشكل عن طريق الخط مثل المدرسة الصينية ولهذ فان الاحساس بالشكل يأتي عن طريق حنكة الخط وان التذوق له يتعالى على غيره من عناصر العمل الفني ..

914 هنري مور

في بدية القرن العشرين كان هناك في العراق تخلف واضح في تذوق الفن وهو ما واجهه الفنانون الرواد بمرارة والم، وكان جواد سليم يجمع بين الرسم والنحت ولكن كانت رغبته الى النحت اكثر وقد ذكر في كتاباته انه يريد التخلص من الرسم لكن المشكلة التي واجهها هي عزوف الناس عن النحت تماما وعدم تذوقهم له . وفي احد معارض جمعية اصدقاء الفن عرض قطعة نحتية صغيرة من المرمر سماها – النهر الاسود – ورغم سعرها البخيس فلم يقترب منها احد ... وعندما كلفه عبد الكريم قاسم بنصب الحرية اقترح عليه من قبل البعض ان يضع صورة عبد الكريم في داخل النصب .. لكن جواد بذكاءه الفني التجئ الى الرمزية لانها اكثر خلودا من التمثيل الشخصي وان الثورة التي ارادها الشعب قادها عسكري فجعل العسكري في وسط النصب وهو الذي يرمز في حقيقته الى عبد الكريم قاسم . ولم يجرئ احد بعد ذلك من الحكام على تهديم النصب رغم ما تعرض الى اطلاق نار مكثف في زمن القوميين والبعثيين ثم التهديد بازالته من قبل بعض المتشددين ...

وبالتالي اعتقد ان الحساسية الفنية هي عنصر ينمو وينضج مع تجارب الحياة وتفاعلها مع الثقافة والفن وتتباين بتباين واختلاف البيئات والاماكن والازمان وتقاليد الامم، ويكون مغذي هذه الحساسية روافد ومشارب متعددة منها القرأءة ومشاهدة صالات العرض وزيارة المتاحف وحضور الندوات الثقافية والاطلاع على الكتب الفنية المعتبرة وآخر ما وصلت اليه الحركة الفنية العالمية ..

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4639 المصادف: 2019-05-19 03:16:30