 مقاربات فنية وحضارية

اقتناص اللهفة.. محاكاة الرؤى في أعمال التشكيلي محمود فهمي

89 محمود فهمي1يعد الفنان (محمود فهمي) واحدا من أهم المجددين في مشهد الفن التشكيلي العراقي، فله رؤيته في اقتناص اللحظة التصويرية واللون المجسد لهذه اللحظة التي تجرّ المتلقي إليها وتجعله منغمسا ومبحرا فيها بلا وعي منه مصابا بداء الدهشة ولذة المشاهدة لكائناته وشخوصه المجسدة بأكاديمية عالية وحرفية، تتسم تجربته بالجدة والتحديث في خلق زوايا للنظر وفي عدة أبعاد مما يكسب لوحاته طابع الهيمنة على رؤية المتلقي وقلبه وفكره .

 مما لا شك فيه أن لوحات الفنان (محمود فهمي) تظل عالقة في الذهن لا يمكن نسيانها لمحمولاتها ومدلولاتها وغرابتها، لما لها من قدرة على ملامسة عواطف ومشاعر الرائي لها بحيث تتبوأ مكانا فسيحا في ذاكرته خصوصا وأنه يشتغل على أنسنة فضاءاته المتخيلة ملامسا مخزونات ووجدان المتلقي من صور وما يعادلها في متخيله وواقعه معا، وهذه سمة يتفرد بها (فهمي) دون غيره من الفنانين .

الفن التشكيلي لم يعد كتلا لونية وشخوصا ومساحات بل أصبح حرفة فطنة لابد أن يبلغ صانعها سعة رؤيوية ذكية غير مكررة كي تتسم أعماله بالتفرد والتجديد لتحتل مساحتها في المشهد الفني الجمالي .

رسوم (فهمي) في واقعيتها السحرية تستفز ذاكرة المتلقي وتصيبه بالذهول في موضوعاتها الحياتية التي لم تصل اليها فرش وألوان الفنانين، هي مشاهد يومية وسلوكيات مجتمعية وطقوس فردية وجماعية يقتنصها (محمود فهمي) بمهارة وذكاء ويجسمها بألوان باهية وزاهية تسرّ الرائي وتبعث في نفسه المسرة والفرح والبهجة والفكاهة والارتياح للمشهد المقتنص من حياته بفطرة وحرفية على حد سواء وهذا الذي نقصده بالفرادة والجدة .

89 محمود فهمي2

المشهد التشكيلي في لوحاته يبدو وكأننا نشاهد فيلما سينمائيا أو دراما تلفازية أو مشهدا مسرحيا، فقدرة (فهمي) على محاكاة ذهنية المشاهد لصناعة لقطة درامية عالية يتخللها حوار بين شخوصه وحوار آخر بين شخوص لوحاته وبين المتلقي فيغدو المتلقي جزءا من المشهد الذي صوره الفنان أي يصنع مشهدا بألفة حميمية ينخرط فيه المتلقي بالمشهدية المصورة بكثير من الحرفية والدقة والأمانة للموروث الثقافي الزاخر، فهي تحاكي ذاته وأجوائه وطقوسه وتعيده الى ذاكرته (فلاش باك)، وخاصة أن بعض الطقوس المجتمعية بفعل التطور باتت منسية وصارت تنتمي الى جيلها وتاريخها لهذا تجرّه اليها بشغف ولهفة .

لوحة (فهمي محمود) تشبهه وحده هو اذ لا يجسد موديلا أو يصورا مشهدا فوتغرافيا أو نقلا له بل هو يبتدع المشهد التصويري من انطباعاته الخاصة وخلفيته الفكرية وروحه السامية العاشقة لإرثه وواقعه، وتشير تيمات اشتغاله إلى رسائل عدة ومن أهمها أنها تستفز نفسية ومشاعر المتلقي من خلال إيحاءاتها الايروتيكية والرومانسية من خلال تسليط الضوء على انوثة المرأة التي تشعر بالقيظ فتستدعي دجلة بفيضه ونسائمه لتبدد حرارة قدميها ويلامس أطرافها بفنتازيا لونية وشكلية دقيقة ورصينة ومحترفة وهذه لقطة قد تكون نادرة معبرة عن عفة الأنثى التي تلجأ الى الماء ليطفئ سحنة الأنوثة والمشاعر اللاهبة فيها، فهو تصوير سيمائي رائع، وكذلك قضمها لحبة البطيخ (الرقي) وتأملها الى الجزء المقطوع منها (الشيف) حيث تتغنج الفتيات وهن يحملنه في جلسة ايحائية مباشرة بكثافة ضوئية عليهن وعلى مكامن انوثتهن ويصبح المكان سطوح البيوت خلفية داكنة غافية فيها بعض العتمة لإبراز المشهد التصويري لحركة الصبايا ومن فوق سطوح المباني وكأنهن أردن القول أن انوثتنا وصبابتنا أصبحت لا تتسعها المدن وضاقت بها الأمكنة وليالي بغداد وفاضت بها أحلامنا وأمانينا، و بلغت اللهفة فينا حدود الغنج واستوطنت الهيام .

ثمة أمر يبدو واضحا في أعمال الفنان (محمود فهمي) هو وضوح ألوانه ببريقها وسطوعها، يجسد لوحته بوضوح شديد وبألوان دافئة ساحرة مخملية لا لبس فيها ولا غموض أو عتمة كي تتسق مع موضوعاته فتبعث في نفس المتلقي الارتياح فتجذب نظره ويستعذبها القلب وتبعث في نفسه روح المداعبة بألوان فيروزية هادئة وألوان باردة تنسجم مع إشاراته ورمزيته الايروتيكية، ويجلسها دائما أي - شخوصه - في الأعالي دلالة على التحليق والطيران بأجساد فخمة مكتنزة ومترهلة أحيانا إذ لا يحبذ أن يقيد شخوصه وكائناته في فسح ضيقة فيطلق لها العنان تكاد تقترب من السماء سابحة بالأفق والفضاءات بحرية وتلقائية، فشخوصه الأنثوية فاضت رقتها وأنوثتها عن البيوتات الصغيرة البغدادية ولم تعد تستوعب توقها للتحرر من قيود طالما خنقت فيها الأنثى المتعطشة للحياة ولإثبات ذاتها، فاعتلت سطوحها بل غدت هي السقوف التي تستظل بها البيوت والمدن والحارات، انه فيض روحي ورسائل يبثها (فهمي) للعودة لذلك المعمار الهندسي القديم (الأحواش) ابن البيئة العراقية القديمة التي تكتنفها الفطرة والألفة والحميمية والعلاقات النقية، انها رسالة اعتراض على التطور السريع الحاصل في هندسة المعمار المستوردة والتي لا تتلاءم مع أجواء ونفسية وأخلاقيات العراقيين، هي دعوة للعودة للجذور والأصول والثقافات الشعبية بكل ما تحمله من البساطة والطيبة والسماحة والجمال الفطري .

 شخصيات (محمود فهمي) حالمة طاغية في مشهديتها آسرة لنظر الرائي، ليست كائنات منكسرة بل هي تتنقل ما بين وضعيات  بشوشة / ضخمة الجسد/ طائرة وحالمة / مترفة بالأمل .

 

رياض ابراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4685 المصادف: 2019-07-04 09:50:05