 مقاربات فنية وحضارية

الفنان حميد شكر.. فيكَرات تائهة تُطلق العنان لمخيّلة المتلقّي

عدنان حسين احمدليس من السهل أن تكتب عن صديق مُبدع تعرفه منذ اليفاعة والشباب خشية أن تكون شهادتك عنه مجروحة وتقع في  فخّ الإخوانيّات والمدائح الزائفة، لذلك سأحاول جهد الإمكان أن أتفادى الثناء والتقريظ وأتحدث عن صديقي الشاعر والفنان حميد شكر الذي عرفته منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي وتعمّقت علاقتي به بعد أن تخرّج في قسم النحت بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1980 ووضعته ضمن قائمة الأصدقاء المقرّبين الذين ينغمسون في القراءة، ويحبّون مشاهدة الأفلام السينمائية، ويرتادون المتاحف وصالات الفن التشكيلي أمثال الروائي شاكر نوري، والشاعر جلال زنكَابادي، والقاص تحسين كَرمياني، والشاعر الراحل جلال جميل الخالدي "طابَ مثوىً"، والفنان علي قادر، والتشكيليين الثلاثة محمد  شوقي، وعادل أصغر، وشهاب أحمد، وبضعة أصدقاء يساريين من بينهم حسن ميرزا، وعبداللطيف عبد الوهاب، وخيري الداوودي، إضافة إلى أسماء أخرى لا يتسع المجال لذكرها جميعًا، لكنّ ما يميّز الفنان حميد شكر عن ثُلة الأصدقاء والمثقفين أنه كان مشروعًا لشاعر جيّد يكتب بلغة عذبة، سلسة تخلو من التزويق اللفظي والمحسنات البديعية التي أكل الدهر عليها وشرب، ولعله الفنان التشكيلي الوحيد في المدينة الذي كان يفيد من قراءاته الأدبية ويوظِّفها في أعماله النحتية التي يُجاري بعضها نتاجات فنانين كبار من طراز ألبيرتو جياكومتي وأميديّو مودلياني وغيرهما من الفنانين العالميين الذين ينهمكون في العمل على الشكل والمضمون وينجزون أعمالاً نحتية صادمة ومغايرة لما هو شائع ومألوف تمامًا مثل المنحوتات التي أنجزها النحات حميد شكر في السنوات العشر الأخيرة وأشترك بها في المعارض السنوية لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين. وعلى الرغم من أنّ النحات حميد شكر متأثر بأستاذه الفنان محمد غني حكمت الذي درّسه في أكاديمية الفنون إلاّ أن ذلك التأثر لم يمنعه من استلهام الفن الرافديني والإفادة من معطياته الجمالية التي يمكن أن نتلمّسها في العيون السومرية الواسعة التي تتسلل عبر ممرات ودهاليز اللاوعي لتجد طريقها إلى منحوتاته النسائية على وجه التحديد. ولو وضعنا مؤثرات الفن الرافديني على تجربة النحات حميد شكر جانبًا لوجدنا أنفسنا أمام أعمال نحتية غريبة لم يألفها الفن العراقي من قبل مثل منحوتة "عائلة" التي نفّذها من مواسير المياه المعدنية صانعًا منها أسرة صغيرة تتألف من ثلاثة فيكَرات تبتعد عن التشخيص الدقيق لكنها توحي به إذا ما أطلقنا المخيّلة على سجيتها شرط أن تبتعد عن التنميط الذي اعتادت عليه الذاكرة البصرية للمتلقي. وفي منحوتة ثانية لعائلة أخرى يركِّز النحات على فعل الاندماج بين الزوجين وتوحّدهما الأبدي الذي يصل إلى درجة التماهي، وهذا الشريط الذي يلفّهما هو أقرب إلى الرباط المقدّس إن لم يكن هو نفسه. ولابد من الإشارة إلى أنّ هذه المنحوتة يمكن أن تخضع لقراءات متعددة وتأويلات مختلفة قد لا تتطابق بالضرورة مع تأويل صانع المنحوتة وخالقها الإبداعي. كما لا تخرج منحوتة "رجل وامرأة" عن تأويل الاتحاد الأبدي الذي يصعب فصله وتفكيك عناصرة التكوينية المتعشِّقه بعضها ببعض. ولكي لا نبتعد عن ثيمة الإنسان سواء أكان فردًا متوحدًا مع ذاته أم كائنًا مرتبطًا بثنيّة روحه لابد لنا من التريث قليلاً عند منحوتة متفردة في المبنى والمعنى وهي منحوتة "التيه" التي يستحق أن يكون نموذجها المكبّر الذي يتجاوز حجم الإنسان العادي مثبتًا في واحدة من ساحات بغداد الشهيرة المكتظة بالناس، وإن تنازلنا قليلاً لوضعناها إمّا في قلب محافظة ديالى أو مدينة جلولاء، البلدة التي أنجبت هذا النحات المتفرد برؤيته الفنية الصادمة التي تهزّ المتلقي من الأعماق. لقد استوحى النحات حميد شكر ثيمة هذه المنحوتة من رواية "الأخوة كارامازوف" لديستويفسكي، ولو لم يكن النحات قارئًا نوعيًا جيدًا لما اقتنص هذه الفكرة المتوارية بين طيات هذه الرواية ذات اللمسات الفلسفية التي تختبر الكائن البشري في أوقات الشدة والرخاء. فما إن يرى الناظر هذه المنحوتة بقدميها المتعاكستين في الاتجاه حتى يسقط في شراك السؤال المحيِّر: إلى أين تتجه كل قدمٍ على انفراد؟ ثم يكتشف كل متلقٍ جوابه: "إن الإنسان لا يعرف إلى أين يمضي!" بتعبير دستويفسكي، أو أن هذا الكائن البشري ممزق بين اتجاهات شتّى، أو لعله يدور بين تموجات التيه والضياع في هذه الرحلة الغامضة التي تبدأ بالميلاد وتنتهي بالقيلولة السرمدية.

تتخذ ثنائية المرأة والرجل أشكالاً جديدة كأن تكون معالمهما الخارجية مقصوصة ومسحوبة من لوح طيني أو معدني ولم يبقَ من هيكلهما البدني سوى الإطار الخارجي الذي يذكِّرنا بهما، وسوف تتكرر هذه التقنية الإيحائية لفيكَرات نسائية ورجالية منفردة تارة ومجتمعة تارة أخرى، وهي تقنية ذكية تُبعد المتلقي عن الأشكال والتكوينات الحقيقية وتستدعي بدلها الأشكال المجازية التي تُطلق العنان لذاكرة المُشاهد وتمنحه الفرصة لأن يُحلّق في الخيال.

ثمة منحوتات صنعها حميد شكر من حديد صُلب لكن الأشكال الجديدة التي أبدعها تكشف عن قدرته الواضحة في تطويع الحديد وترويضه إلى الدرجة التي توحي بفيكَرات العائلة المتضّامة أو بأبٍ يقذف ابنته عاليًا ثم يمسكها من جديد.

يشكِّل البورتريه النحتي لحميد شكر هاجسًا قديمًا يعود إلى سنوات الأكاديمية ورغم أن أعماله النحتية تحمل شبهًا بالشخصيات المنحوتة إلاّ أنها لا تتطابق معها في كل التفاصيل فثمة مساحات مبهمة يتقصّدها النحات للتعبير عن خبراته الفنية، ومشاعره الداخلية بعيدًا عن الاستنساخ الضوئي. ورغم أن بعض المنحوتات كلاسيكية تسعى إلى تحقيق الشبه الخارجي مثل منحوتات سعدي يوسف، وسامي مهدي، وخزعل الماجدي، ولطفية الدليمي، وشاكر نوري، ورملة الجاسم لكن ثمة منحوتات أخرى أضفى عليها لمسات درامية مُعبِّرة مثل منحوتة " الرأس المجروح" إذ شقّ جبينه بجرح مائل وضمّده بقطعة شاشٍ وبُرغيين غرزهما في أعماق الرأس.

ينهمك حميد شكر بالجسد البشري برمته لكنه يكتفي أحيانًا بأجزاء محددة منه كالرأس والعُنُق كما في منحوتة "قيلولة" لأنها تفي بغرض الإغفاءة الحميمة على عُنق الزوج أو الحبيب أو العشيق ربما، وجاء تطويل العُنُق استجابة لهذه اللحظة الرومانسية الشفافة التي تُحيلنا إلى إنسانية الإنسان الذي يتخلى عن شراسته وينهل من عذوبة النبع الأول مُذكرًا إيانا بالقُبلة الأولى التي طبعها آدم على شفة حواء.

يمتلك حميد شكر بصمته الخاصة التي حققها بعد مران طويل وجهود مضنية فبينما كان المدّرسون يدخلون صفوفهم بياقاتهم المنشّأة كان هو يعمل في الصلصال أو ينحت في الحجر أو يصب الجبس في القوالب المهيأة سلفًا وينتظر بفرح ولادة الأشكال التي رسمها في مخيلته المشتعلة التي لا تخذله إلاّ في أحايين قليلة عندما تتعسّر الولادة وتحتاج إلى عملية قيصرية كي لا يتشوّه الجنين. لم تأتِ البصمة المُشار إليها سلفًا من فراغ وإنما جاءت بعد أربعة عقود من التأمل العميق، والعمل المضني، واستلهام الأفكار من الروايات العالمية ذات الوزن الثقيل.

 

عدنان حسين أحمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4773 المصادف: 2019-09-30 04:47:47