 مقاربات فنية وحضارية

موزة الفنان مارويسيو كاتيلان وآفة العصرنة

محمد الشاويتوطئة: ليس غريبا أن يعرف الفن المعاصرة ثورةً كليةً على التيارات والمذاهب السابقة. فسيرورة تطور الفن وصلت حسب هذه الثورة إلى مستوى التبخيس والاستهزاء، إذا تأملنا هُزأة ما يُقدم. بل ربما إلى مستويات أخرى تجعلنا نُفكر في نُكتٍ معاصرة عن موزة مارويسيو كاتيلان الفنان. وهي موزة ليست ككل الموز. لقد وصلت في السوق الأمريكية للفن إلى مبلغ 120 ألف دولار في معرض "آرت بازل" المقام على شاطئ ميامي. وهذا الارتفاع في ثمن البيع يجعل قاطرة الفن المعاصر تدق ناقوس الخطر. لذلك علينا أن نطرح سؤال المعاصرة من جديد في علاقته بلُحمته الأساس ألا وهي العصرنة، وفي ضوء التأمل الآتي:

هل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن العصرنة contemporanéité

بتعبير آخر كيف يستحضر الفن المعاصر مسألة العصرنة، وكيف يبتعد عنها بخلق تحديثات modernisations بصيغة معاصرة؟

وما موقع الموزة من كل هذا؟

1398 الفن والعصرنة 2

1- العصرنة ومدلولاتها:

ليس من السهل إقامة قطيعة بين محطات تاريخ الفن وسيرورة تكوُّنِه، إذا لم نستحضر خصوصيات تطور تاريخ الفن نفسه. ولعل هذه الخصوصيات -بصيغة الجمع- ستدفعنا إلى تعميق النظر في الأطروحة التي يرتكز عليها مقالنا النقدي، ومؤداها أن السابق يؤسّس للاحق فكرا وفنا وعلوما. فإذا أردنا تحديد دلالة العصرنة فإننا ملزمين بالخضوع لسمة ماهو معاصر. فهي بصيغة صريحة تستدعي جميع السياقات التخطابية والجمالية لمرحلة التاريخ الراهن الذي نحيا داخله. إنه تاريخ ينقلنا للحديث عن "العالم الذي يحيط بنا" كما ذكر الفيلسوف والسوسيوجي الفرنسي ريمون أرون. فهو تاريخ في متناولنا، ومن السهل بلوغه، على خلاف "عالم الذين عاشوا قبلنا" كحديثنا عن الفن خلال فترة ما قبل الميلاد أو الفن عند الإغريق أو الرومان أو في العصر الوسيط... وهذا مثبت في سجلات التاريخ، وسبق للمؤرخين توثيقه بالسند والمادة التاريخيتين.(1)

فضلا عن ذلك فالتاريخ الراهن يحتوي دلالة العصرنة، بالنظر إلى مختلف العوامل المؤثرة في الفن المعاصر من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والدينية... فمدلولات العصرنة تستدعي أيضا الوقوف عند أهم البارادايمات (النماذج الارشادية للعلم وللمعرفة العلمية) التي ساهمت في تحوُّلِ منظمومة العلم نفسه، وتاريخ الفن في صيغتهما الراهنة. (2)

لكن أن تصل المسألة إلى درجة التبخيس، فهذا دليلٌ على كَبْتٍ داخلي refoulement تحمله الذات الفنية التي جعلت من المزة موضوعا يرتبط بالعصرنة.

وإذا تأملنا وأمعنا النظر، فالموزة رمز معاصر للتوجه الشواذي (نسبة إلى الحالات الجنسية الشاذة وغير المألوفة بين الذكور والإناث إذا ما قارناها بالعلاقات الطبيعية) شأنها شأن الراية القزاحية، ووسادة النوم... وتوظيف هذا النوع من الرموز المعاصرة، يدل في الأصل على اضطراب نفسي ارتبط بالانحرافات الجنسية. ولعل تصنيف رائد التحليل النفسي فرويد للاضطرابات النفسية، يجعلنا نقف عند ثلاثة أشكال رئيسة: العصاب والذهان والانحرافات الجنسية.(3) لكن علماء النفس والطب النفسي في تصنيفهم للأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية لم يجعلو للشواذ والسحاق موضعا داخل كُتب التصنيف المُؤمركة(نسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية) إيمانا منهم أنها ليست حالات مرضية، ولأن منهم من يُحبُ المثلية والسحاقية، بل هناك من ينتمي إلى دائرة المجموعة. (4)

ذهب أحد الباحثين إلى اعتبار الموزة قضية ثورية. وأساس ذلك ارتباط الموزة بالاقطاعية الزراعية التي تتحكم في محاصيل الموز بالولايات المتحدة الأمريكية. وهي كما تبين لنا إقطاعية تخدم مصالح الليبراية الجديدة بمرجية الربح أولا، ليتم تعضيدها بالرأسمالية التي تخدم الفرد قبل كل شيء. فهذه مقاربة تُحترم إذا ما طبقنا المنهج الاجتماعي في تحليلنا للعمل الإنشائي للفنان مارويسيو كاتيلان. وكذلك هو الشأن بالنسبة للمنهج الماركسي الذي يلتقي مع نفس المنهج الاجتماعي، لكن باستحضار الصراع الطبقي بين طبقة الفلاحين ومُلاك الأراضي من الإقطاعيين. وما دام الإنسان في ظل الاقتصاد الرأسمالي"يُنتج البضائع، والبضاعة تباع قبل أن تُستهلك"(5) فإن الفنان هنا يُعبِّرُ عن صميم هذا الإنتاج برؤية جمالية نقدية. فهل تتحقق هذه الرؤية مع مارويسيو؟

لكن دعونا نعود إلى رمزية الموزة فنتساءل: هل مارويسيو شاذ جنسي؟ أم إن الأمر فقط مسألة تعاطف مع فئتين مختلفتين:

فئة الشواذ والسحاقيات، وفئة المزارعين من الفلاحين الصغار؟

لا شك أن الميكانيزمات الديفاعية Mécanismes de défenses التي تحظى بها شخصية الفنان ماريزو قوية جدا، إلى درجة التعتيم عن ما يجول بداخله، وما تحمله طاقته الليبيدية Libido من ميول انحرافية/جنسية. المسألة أشبه بورعِ قسٍ وعفتِه، وقَلبهُ يهيم بالغِلمانِ من صغار الدير، هيام المُحبِّ لمحبُوبه. أو كالراهبة التي لم تستطع قتل غريزتها الطبيعية (الجنسية)، فأيقظتها خلسة مع ثوأمها الروحي في الدير على شكل ثنائي متكامل.

2 - تحديات الفن المعاصر عند مارويسيو كاتيلان بين مقعد التغوط الذهبي واستبانة الموزة:

1398 الفن والعصرنة 1 لقد جرى القول عادة حسب المهتمين بالفن المعاصر - وجلهم من الباحثين والنقاد - بأن مسألة القطيعة مع اللوحة تشكل أساسا يرتكز عليه الفن المعاصر. إنها قطيعة من حيثُ التعاطي الفني شكلا ومضمونا، مع ضرورة طرح أساليب جديدة تُوَسِّعُ من أفق دائرة التلقي. لكن ظلت العديد من التجارب المعاصرة (مع استثناء بعض التجارب الجادة) تركن إلى إعادة إنتاج التجارب السابقة لمدارس فنية -لها تاريخها العريق- داخل نسق معاصر، لتعود اللوحة من جديد لكي تطفو على السطح.

كما أن حضور الإنشاءات الفنية والفيديو آرت والتركيبات الفنية والأحجام والمنممات الجديدة... قد ساهم في خلق فكرة << الموضوع/الشيء الفني>> objet d'art في قوالب متباينة تحذو حذو النعل الفرانكوفوني، وتتوق إلى التعالي عن الكعب الأنجلوسكسوني حسب الطلب. ووفق أهواء وميول السوق الفنية. لذلك فقد أدرجنا هذه التوجهات الجمالية ضمن ما اصطلحنا عليه ب: <<التحديثات معاصرة>>.

وهذا من شأنه أن يجعل قاطرة الفن المعاصر تنزاح عن مسيرتها داخل نظام يتكرر فيه ما ثَم تناوله من تجارب ومنجزات تشكيلية يصعب الاقرار معها بالقطيعة. لكن أن تصل المسألة إلى التعبير بواسطة مقعد التغوط في حُلةٍ ذهبية أو بواسطةِ موزةٍ مع لاصقٍ يُستغدم في اسكات المعتقلين من ضحايا التعذيب... فتلك موجة جديدة تجعل المتلقي يستصغر الفن المعاصر، ويسخر من الفنان مارويسيو كاتيلان. إنه "موت الفن" (6) كما تنبأ له الفيلسوف الألماني هيجل في محاضراته حول علم الجمال التي جمعها تلميذه هغليش غوسطاف هوطو Hotho.

لذلك فموت الفن عند هيجل دليل على نهاية النسق الجمالي بالنظر إلى النسق الفلسفي الذي انتهى مع فلسفته المثالية الجدلية. فتأويل فكرة موت الفن أو نهايته يجعلنا أمام فنٍ جديد لم يستطع الفيلسوف هيجل أن يتنبأ به، نظرا لما حققته الرومانسية من طفرات نوعية داخل سيرورة تاريخ الفن. بتعبير آخر فالرومانسية هي الفن الذي كان يحلم به هيجل والذي لطال ما تأثر به. وعلى هذا الأساس فإن السابق يؤسس للاحق كما سبق أن أشرنا فكرا وعموما وإبداعا، وفق مرجعية دائرية شبيهة بكرة الثلج التي تتدحرج. وهذا ما اقتنع به هيجل، وشكل به فكرة الروح المطلق وأطروحته في تاريخ الفلسفة وفي الفن أيضا. أما بالنسبة للفنان مارويسيو كاتيلان فقد أعلن موت الفنان نفسه تحت رجلي الرأسمالية الجديدة. هي رأسمالية أسعفته بنقودها من أجل العرض حسب الطلب. فهل مات الذوق الفني ومات معه الفنان؟

 

بقلم: محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

.....................

هوامش وإحالات مرجعية:

(1) R. Aron, Leçon sur l'Histoire. Cours du Collège de France. Établissement du texte, presentation et notes par Sylvie Mesure. Revue Belge de Philologie et d'Histoire. 1992.

(2) voir: Nathalie Heinich, Le paradigme de l'art contemporain. Structures d'une révolution artistique, Gallimard, Paris, 2014.

(3) S.freud, Névros, psychose et perversion, Traduit de l'allemand sous             

la direction de Jean Laplanche. Introduction de Jean Laplanche, Paris ,             

 P.U.F,  2010.

(4) voir:

La classification prédominants pour les troubles mentaux- La classification internationale des maladies réalisée par l'organisation mondiale de la sonté (OMS) et le Manuel diagnostique et statistique des troubles mentaux (DSM-IV) (DSM-V) (DSM-X)réalisée par lAssociation Américane de psychiatrie (AAP).

(5) عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، 2003، ص.87.

(6) Hegel, Cours d'esthétique, t,I. trad. J.P. Lefebre et V. Von Schenck, Paris, Aubier, 1995. p. 17.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4937 المصادف: 2020-03-12 02:53:58