 مقاربات فنية وحضارية

قراءة جديدة لتاريخ الحضارات الرافدينية (5)

كاظم شمهودمنذ منتصف القرن التاسع عشر بدات البعثات الاجنبية خاصة الاوربية تحل في ارض الرافدين مدفوعة بحب الاستطلاع والبحث عن جذورهم واصولهم التاريخية القديمة يضاف الى ذلك انها ارض الانبياء والديانات السماوية، وقد ثبت لهم ان الكتب المقدسة غير قادرة على اعطاء الحقيقة وانها يطغي عليها طابع العنصرية ومليئة بالاساطير والخرافات والتي لا يقبلها الفكر الانساني والعقل المعاصر. وننقل مثالا لنص واحد من تلك الخرافات .

(فالآن ان سمعتوا لصوتي وحفظتم عهدي تكونوا لي خاصة من بين جميع الشعوب فان لي كل الارض وانتم تكونون لي مملكة كهنة وامة مقدسة) – سفر الخروج الاصحاح التاسع-5-6 – ولهذا يعتبر الكتاب المقدس كتاب موجه الى شعب بعينه ويعتبر اليهود انفسهم شعب الله المفضل وانه هو الاههم وحدهم وانهم شعبه المختار وبقية الشعوب عبيد لهم ..

يذكر الدكتور فالح مهدي في كتابه – البحث عن جذور الآله الواحد – ان عدد كبير من المفكرين يعتبرون العهد القديم كتب على يد اكثر من محرر بل ساهم في صياغته عدد كبير من الصعب احصائهم في عصور مختلفة امتدت الى خمسة قرون .

1926 المعراج 1

المصدر العلمي للتاريخ

لقد سجل الاوربيون السبق في التنقيبات والحفريات في ارض الرافدين وكان التنافس على اشده بينهم وكانهم جماعات الباحثين عن الذهب في امريكا. حيث بدأت حمى الذهب في كاليفورنيا في عام 1848 مع اكتشاف جيمس مارشال الذهب في بعض مجاري الأنهار في كاليفورنيا. وقد هرع الآلاف واستقلوا القطارات والعربات والسفن وحتى ساروا على الاقدام من قارتي أمريكا والعالم القديم طمعا في الحصول على ثروة الذهب ... وهذا ما حصل في بلاد الرافدين حيث هرع الاوربيون للبحث عن . المصدر الاساسي للتاريخ وهو الآثار السومرية القديمة التي موجودة ومطمورة تحت التراب وهي ثروة اغلى من الذهب .

كيف يدون التاريخ

1926 المعراج 3لقد اطلعت على كتب بعض المؤرخين العرب والمسلمين مثل تاريخ الطبري الجزء الاول والمسعودي واليعقوبي وابن الاثير، كما قرأت كتابين للدكتور خزعل الماجدي وطه باقر وزهير صاحب وفؤاد سفر وغيرهم وكان الهدف هو التحقيق ومعرفة تاريخ الامم السابقة العتيقة التي ظهرت قبل التدوين والتاريخ، وقد وجدت ان هؤلاء ينقسمون الى قسمين:

1 – القداما وهم الطبري وغيره وجدتهم ينقلون نقلا مباشرا عن كتب اليهود، حتى انه ورد عن ابن عباس الذي كان يطلق عليه (الحبر الاعظم) كان يسأل كعب الاحبار (والذي هو يهودي الاصل والذي اسلم بعد ذلك في زمن الخليفة عمر) عن الامم السابقة وينقل عنه . كما وجدت ان السيد الطباطبائي في كتابه- الميزان – ينقل بعض الروايات اليهودية عن قصص الانبياء ثم يعلق عليها ويقول (انها لا يعول عليها كثيرا لانها تتنافى مع المنطق العقلي للقرآن) وانها اسرائيليات . ولهذا كان المؤرخون المسلمون القداما يعتمدون على كتب التوراة في تسجيل الحوادث وتاريخ الامم الماضية . وان التوراة بدورها كانت تنقل عن الاساطير السومرية والبابلية والآشورية القديمة وبالتالي تكون الحصيلة للمنظومة المعرفية عندنا اليوم هو ما يوجد في كتب مؤرخينا والذي اكثره اساطير وخرافات ولا يعول عليها كثيرا .

2 – القسم الثاني هم العلماء والمحققين الآثاريين العلمانيين الذين يعتمدون في تدوين التاريخ على ما كشف من الآثار المادية المنتشرة في ارض الرافدين والمطمورة تحت الارض منذ آلاف السنين . وعندما نقرأ كتب علماء الآثار سواء الاجانب ام العرب نجد تناقضات لا تحصى في الترجمة والتأويل للنصوص السومرية والاكدية ..

ولكن كيف كان ينظر السومريون الى انبياء عصرهم ؟ وكيف حولوهم الى ملوك واساطير وآلهة ؟ لنأخذ مثلا على ذلك النبي ادريس –ع-

1926 المعراج 2

ادريس في الاساطير السومرية:

جاء اسم ادريس في اللغة السومرية هو - انمين دور انا – ويكتب ايضا –انميدور انكي وفي العبرية –خنوخ – وعند المصريين القداما - هرمس – وارميس باليونانية . كما جاء في القرآن باسم ادريس . ويعتبر انمين دور انا الملك السابع في التاريخ السومري قبل الطوفان وحكم في مدينة سيبار . وقد وصف بانه اله وابن الاله انكي، وانه من العباد الكهنة والحكماء والعلماء في الطب والفلك، ولهذا جاء في التراث السومري كملك وليس نبي . اما في القرآن فقد جاءت قصته بانه من العباد الصالحين وان الله رفعه الى السماء العليا (ورفعنانه مكانا عليا)، كما ذكرت التفاسير قصص عن حياة ادريس –ع- منها انه، كان هناك ملك قد غضب الله عليه فكسر جناحه ورماه في احد الجزر فلما ظهر ادريس طلب منه الملك ان يشفع له عند الله ان يرد عليه جناحه ففعل ادريس ورد الله للملك جناحه ثم قال الملك لادريس ما حاجتك حتى اقضيها لك، قال اريد ان ارى ملك الموت لارى متى اجلي، فحمل الملك ادريس على جناحه وطار به الى السماء الرابعة وتركه عند مطلع الشمس، ثم ذهب الملك وسأل ملك الموت عن اجل ادريس فقال له سيموت في مطلع الشمس، ولما رجع الملك الى ادريس وجده ميتا .

1926 المعراج 4هذه القصة نجدها ما يشابهها في اسطورتين سومريتين مدونة على عدد من الالواح الطينية السومرية التي كشفها علماء الآثار، الاولى هي ان ايتانا كان احد ملوك سومر كانت زوجته مصابه بالعقم فشكى وضعه الى اله الشمس اوتو، فنصحه الاله بان هناك نبات في السماء العليا عند الاله الاكبر - آن – هو من يحل مشكلة الاخصاب، ولكن عليه قبل ذلك ان يذهب الى نسر في الوادي مكسورة اجنحته عليه ان يضمدها ويصلحها وهو يحمله بعد ذلك الى السماء العليا وفعلا تم ذلك وحمله النسر السماوي الى الاله - آن - او انو، وبالتالي حصل على نبات الاخصاب . وفي هذه الرحلة الفضائية يصف لنا ايتانا كيف يرى الكرة الارضية من علو وهي صغيرة وكأنه وصف لاحد رجال الفضاء في عصرنا الحاضر .

اما القصة الثانية فهي تشيه الاولى من ناحية المضمون وتختلف نوعا ما في الصيغة السردية، حيث يذكر بان الاله آدابا ابن انكي كان في مركب يصطاد السمك فهبت عليه الريح القوية فضربها وكسر جناحها . ولما علم الاله- آن – بذلك الحادث طلبه للاستفسار فصعد آدابا الى السماء العليا لمقابلة الاله الاكبر - آن -، ولكن لا نعرف كيف صعد اي بأي وسيلة . .

ان الرحلات الى الفضاء في القرون السابقة كانت واردة في الكتب السماوية المقدسة مثل رحلة الرسول محمد –ص- الى السماء السابعة، وكذلك ذكر القرآن ان الله رفع عيسى –ع- الى السماء العليا حيا .

اذن ما جاء في الاساطير السومرية هي ربما حقائق محورة اخذت صفة الآلهه وانها تمثل الخط الرسمي للدوله ومصالحها وليس المعارضين لها، كما ان التدوين الذي وصلنا على الالواح الطينية كان بيد كتبة الكهنة والملوك . وان الانبياء كانوا يمثلون الخط الشعبي الذي كان مبعدا ومحاربا وليس بيده شئ .. ولهذا اعتقد ان علماء الآثار لازالوا غير قادرين على حل رموز الماضي ودراسة تاريخ الانبياء واسمائهم ومقارنتهم بالملوك السومريين والبابليين والآشوريين وغيرهم .. نعم هناك محاولات لذلك ولكنها قاصرة ويشوبها الغموض حيث لازالت لم تتخلص من روايات الكتب المقدسة القديمة مثل التوراة والتي لا يعول عليها ..

يقول الدكتور خزعل الماجدي حول ترجمات علماء الآثار (هنا يكمن الخطأ في النقل واعادت بناء الثقافات السابقة حيث تجري التحويرات عن قصد من اجل تعزيز السردية الجديدة للشعوب الجديدة كي تحل محل الثقافات القديمة ولكي تساهم في دحرها) .

 

د. كاظم شمهود

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5164 المصادف: 2020-10-25 03:27:50