218 محمد بندوريإن اجتماع التعددية في شخص واحد لابد أنه يؤثر في بعضهما البعض، فأعمال الفنان محمد البندوري تتميز بالدقة، ومعيارها الوحيد الإبداع والجمال، ذلك ما نلاحظه في أعماله النقدية التي تناولت بالنقد والدرس العديد من الفنانين، فهو دائما يسعى إلى إبراز مكامن قوة العمل ونقطه المضيئة متوسلا في ذلك ببراعة الناقد وخبرة الفنان.

ويعتبر الكاتب الباحث والناقد محمد البندوري أول من صنع رؤى نقدية كبيرة المرامي في الفن التشكيلي المغربي والعربي، بأساليب في الكتابة النقدية التي ترسخ الجانب الموضوعي الصارم والحازم في التناول دون إقصاء للجانب النفسي والشعوري والروحي، من خلال تصوراته النوعية التي تتخذ من عملية البحث العميقة روحها الثقافية والنقدية، والتي تأخذ بعين الاعتبار الصيغ الجمالية التي تستجيب لعملية الابتكار والإبداع والتقنية الحديثة التي هو على علم كبير بكل خباياها. يطرح الناقد الباحث محمد البندوري قضايا نقدية عدة منها ما يلامس التشكيل في جوهره، ومنها ما يتخذ من الخط العربي مادة نقدية في عمقها النقدي الفلسفي التعبيري لمجموعة من الإشكالات، ويجيب في الآن نفسه عن تساؤلات تحرك الزمان والمكان. إنه أول ناقد يصنع مساحة نقدية للخط العربي في النقد الأدبي العربي من خلال كتابه جمالية الخط العربي في تقويم النص الشعري بين النقاد العرب القدامى والمحدثين،[i] وهو بحث أكاديمي بجامعة القاضي عياض بمراكش بالمغرب. ورد عنه في مجلة طنجة الأدبية: " فقد حاول الكاتب من خلال هذا البحث أن يجد للخط العربي مساحة في النقد الأدبي العربي باعتباره أحد الرموز المهمة في بناء الحضارة الانسانية."[ii] وحول هذا الكتاب النقدي للناقد محمد البندوري ورد في جريد الاتحاد الاشتراكي أن الناقد محمد البندوري قد وضع الخط العربي تحت مجهر النقد الادبي العربي.[iii] وفي جريدة الخليج: " لقد أوجد الناقد الباحث المغربي محمد البندوري للخط العربي والمغربي تحديدا مساحة نقدية في الأدب والفن العربيين، من خلال أبحاثه النقدية في التراث الأدبي المغربي خاصة والعربي عامة، والمغربي تحديدا، حيث أرسى لبنات للجماليات التي يتمتع بها الخط المغربي موظفا إياها في تقويم النصوص الشعرية وقصائد النثر، خصوصا منها المغربية، ولا غرو في ذلك، فهو الباحث المتمرس في جماليات الخط، صافح من خلال نقداته العلمية وعي العرب منذ القديم بجمالية الخط العربي ومنه المغربي، وإدراكهم لدور الخط العربي في تعميق صيغ الجمال على مستوى النصوص سواء الشعرية منها أو النثرية. وقد حاول محمد البندوري أن يظهر الخط العربي والمغربي خارج الإطار المتعارف عليه، وحمله بأشكاله الخطية ورموزه الإيحائية مجالا يحمل في طياته مضامين عميقة تجعل منه أداة جمالية نقدية قوام للوظيفة البصرية، فشكل لغة جديدة للتعبير بمنطق يرتكز على الجمال في أصوله وتقنياته."[iv] وحسب الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب فقد:" أبرز محمد البندوري القدرة النقدية للخط العربي من خلال انطباعيته وقدرته على تشكيل المكان وتفاعله مع الألوان الأدبية واستقراء معانيه الدلالية والشعرية وموسيقاه حيث تتغير المقاييس البلاغية قياسا بالمعاينة البصرية التي تعتمد الواقع المرئي للكلمات والعبارات شعرا كانت أم نثرا، مخصصا بذلك مساحة من النقدات العميقة على المستوى الدلالي والبلاغي وفي مكونات الحرف العربي عامة والمغربي خاصة والتي صبت على إثبات جمالية المبنى والمعنى، وذلك من خلال كتابه النقدي الفريد في العالم العربي: جمالية الخط العربي في تقويم النص الشعري بين النقاد العرب القدامى والمحدثين، ليخلق به مساحة للخط العربي في النقد الأدبي العربي، وقد تدخلت عوامل عدة في هذا الإنجاز العظيم ومن أهمها كون الباحث محمد البندوري يجمع بين البحث العلمي الأكاديمي وبين الممارسة الخطية والفنية."[v]

وأيضا من خلال كتاباته الفريدة التي يتقاطع فيها الجنس الأدبي والنقدي والفني والشعري والتشكيلي والدال الخطي، فكان بذلك سباقا لصنع مجال نقدي للخط العربي والمغربي في النقد الأدبي العربي. وقد تعرض في ذلك إلى التجربة الخطية في علاقتها بالنقد الأدبي العربي القديم، وتعرض أيضا للتجربة الحديثة للخط المغربي حيث وجه نقدات صريحة حول الخط المغربي بقوله في كتابه الآخر: الخط المغربي المبسوط والمجوهر: "... غير أن الخط المغربي لم يحظ بهذه الأهمية، ولم ينل حظه من التقعيد والتقييد والضبط، بالرغم من تفرعه إلى أنواع متعددة وأشكال مختلفة، وبالرغم أيضا من بروز جمالياته اللامتناهية... إلا أن عملية التقعيد والضبط والتقييد ظلت حبيسة المجال النظري ولم يدفع بها الوعي النقدي إلى مجال التطبيق والممارسة الحقة.."[vi] وتقول عنه نجاة الزباير مديرة تحرير كتاب أفروديت في تصديرها للكتاب: لقد نحت تجربته من خلال عوالم مشبعة بثقافة عالية، ترتكز على النبش في التراث، لقبته بصانع الأوائل. وتقول عنه في كتابها فواكه الصرخة: " يشعل ذاكرتك بأسئلة تركض فيها أسماء وتجارب.. يوقد مهجته سراجا للفن الأرقى.. وهو يحمل قلما أدبيا خارقا وأسلوبا آسرا[vii] ولا شك في ذلك، فالناقد محمد البندوري قد راكم جملة من التجارب النقدية، يلخصها علي سعد القتيبي في صحيفة فنون الخليج بقوله: "وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب الناقد محمد البندوري يستمد كينونة أعماله وأبحاثه النقدية من مرجعيات تراثية مغربية وعربية، ومن تجارب راكمها على مر السنين... وذلك اعتبارا إلى الدور الجمالي الأكثر فعالية وشمولية وكونية، وقد تسلم الناقد محمد البندوري ضمن الأيام الثقافية المغربية في عالم نوح للثقافة والفنون درعا تكريميا لأبحاثه النقدية وعطائه الإنساني[viii] ويحرص الناقد المتمرس محمد البندوري بقلمه على أن يظل في صلب الثقافة بكل تفاصيلها، حيث يستمد منها طاقته الابداعية التي تقوده للمرة تلو الأخرى نحو ابتكار جديد النقد العربي في تشكيله أو أدبه، والتنويع في العملية النقدية، وذلك من خلال أبحاثه وقراءاته النقدية التي لا تنقطع في كل المواد والأعمال التشكيلية التي لا يوجد لها نظير في العالم العربي. وفي ذلك يقول عبد الغني بلوط في جريدة هيسبرس: " .. ويعتبر الفنان التشكيلي والباحث والناقد المغربي محمد البندوري أحد أبرز النقاد والباحثين المميزين، إذ يعتمد أساليب راقية وحضارية في معالجة مختلف المواضيع التي تلامس الموروث الفني في شموليته على أنه نسيج حضاري في وجدان الأمة.."[ix] ونفس الرأي يعضده الصحفي والإعلامي نور الدين بازين في جريدة القبس الكويتية: " ومحمد البندوري باحث متمرس في تاريخ الخط المغربي وفي الجماليات يتخذ مادته الجمالية أداة لتحريك مكنونات التراث العربي والمغربي، ويجعلها في مختبر العمليات النقدية ويرتقي بها إلى المادة الفنية المبتكرة الجديدة النوعية الفريدة على كل المستويات.[x] ويضيف إلى ذلك عبد الفتاح شهيد في كتابه من جماليات الفن التشكيلي الحديث في المغرب:" .. ألفت في محمد البندوري أفقا رحبا للارتقاء، وتجريب لحظات الكشف، وتعميق تصورات الجمال والحب ... إنه يمتح من التراث ما يشده إلى أصوله، ويعمق انتماءه العربي الاسلامي والإنساني "[xi] طبعا إنه الناقد التشكيلي والباحث في الجماليات، لذلك

فالناقد محمد البندوري يتوفر على جرأة نقدية صرفة، اكتسبها من رصيده المعرفي النقدي وثقافته النقدية الموسوعية المغربية والعالمية، ويظهر ذلك جليا من خلال نقداته الخالدة للفنانين الكوريين والايطاليين في كتاب أضواء هاربة في غابة اللون والشكل،[xii] وفي جريدة مراكش الاخبارية وفي جرائد مغربية ودولية. وتظهر تلك الجرأة النقدية أيضا من خلال تفاعله النقدي المستمر مع مختلف الحقول الأدبية والفنية في علاقتها بالتشكيل، وهو يدل على عمق التجربة النقدية للناقد المثالي محمد البندوري. وكإضافة، فإن نقداته التشكيلية غالبا ما تقتضي في عمقها الترشيد والتوجيه، سواء على المستوى التقني التشكيلي أو على مستوى المادة التعبيرية، ولنسق مثالا لذلك من جريدة التجديد:" يدافع الفنان والناقد محمد البندوري عن حتمية ارتباط الفن والإبداع عموما ببيئته وبالأخلاق والقيم التي تؤطر فعل المجتمع ككل، مؤكدا في حواره هذا مع «التجديد» عن شذوذ وتفاهة الإنتاجات التي لا تجعل من محيطها وقيم وأخلاق مجتمعها أرضية للإبداع تشكيلا وتعبيرا وتشخيصا، البندوري يسترسل بالقول إن استحضار الجانب القيمي ليرقى حتما بالفن إلى أسمى المراتب في المنظومة الفنية العالمية. محاورنا يرد أيضا على دعاة غياب الفن النظيف بالقول إن «المخزون الفني هو نتاج عمليات إبداعية ملتصقة بمجموعة من القيم والموروثات الحضارية والثوابت المقدسة، وهي كلها تشكل في عمقها نسيجا ثقافيا لكل أمة من الأمم، لها أدوار ترشيدية وتوجيهية.."[xiii]

 

د. منيف الجابر سلطان

..............................

[i] كتاب جمالية الخط العربي في تقويم النص الشعري بين النقاد العرب القدامى والمحدثين – محمد البندوري – منشورات مركز الحمراء – المطبعة الوطنية

[ii] مجلة طنجة الأدبية 28-12-2010

[iii] جريدة الاتحاد الاشتراكي 14 – 06 -2011

[iv] جريدة الخليج – العدد 115 بتاريخ 15-07-2011

[v] موقع الرابطة المحمدية للعلماء – المملكة المغربية – جديد الكتب

[vi] كتاب الخط المغربي المبسوط والمجوهر قواعد وأشكال – محمد البندوري – منشورات أفروديت – المطبعة الوطنية

[vii] كتاب فواكه الصرخة نظرات في عالم التشكيلي المغربي محمد البندوري – نجاة الزباير – منشورات أفروديت – المطبعة الوطنية

[viii] صحيفة فنون الخليج - 06 -10-1433

[ix] جريدة هسبريس - السبت 21 ابريل 2012

[x] جريدة القبس الكويتية - 25 -07 -2011

[xi] كتاب من جماليات الفن التشكيلي الحديث في المغرب – د . عبد الفتاح شهيد – مطبعة تبوك

[xii] كتاب أضواء هاربة في غابة الشكل واللون – منشورات مركز الحمراء للثقافة والفكر – المطبعة الوطنية

[xiii] جريدة التجديد – 25 -6- 2012

 

 

وائل مرعبإن ما يثير الدهشة حقّاً هو هذا النضج المتسارع الذي غطّى على جميع أعمال هذه الفنانة المثابرة وخلال أقل من سنة من إنتهاء معرضها الأوّل قدّمت في معرضها الثاني عشرين عملا تعبيرياً إمتازت جميعها بالغنى والثراء الفني وكأنّها خضعت لدراسة متأنية رغم حريّة فرشاتها وصخب ألوانها فبدت مثيرة للجدل وتدفع الرائي الى التوقف أمام كل لوحة وهو يطرح

أسئلته وأجوبته في ذات الوقت.

يبدو لي أن الفنانة (الشواف) ترسم أفكارها المشاكسة والجريئة قبل الشروع بالرسم أي إنها تهيّأ الفكرة التعبيرية ومن ثم تختار الألوان التي تجسدها، لذلك فإن جميع أعمالها تعتمد التشخيص بشكل حداثوي خاصة منطقة الرأس الأنساني الذي يظهر بنفس ملامحه في كل لوحة ولكن بتعابير مختلفة وذاك لعمري قدرة متخيلة فائقة الجودة.

ما يميّز هذه الفنانة المبدعة إنها تشتغلُ على سطوح ثلاث، الأول هو سطح القماشة البكر والثاني السطح التصويري الذي مادته الألوان وتعشقاتها، والأخير هو السطح الذي يبرز من بين ركام الألوان ليشكل شخوصها وحركاتهم الأيمائية المجسدة بثلاث أبعاد نتيجة تسليط الضوء والظل .

20 زبيدة الشواف

إن معرض الفنانة (الشواف) قد يختلف عن الكثير من المعارض الشخصية بسبب إبتسامة الفنانة المتميزة التي تنتظرك في قاعة العرض والتي تشيع في المكان حالة من الآمان تجعل الزائر في حالة من الصفاء الروحي بحيث يرى أعمالها بروية وتمحّص رغم صخب الألوان المتحرّكة على سطوح لوحاتها وضربات فرشاتها التي تترجم بأمانة ما يمور بداخلها من أفكار.

ومن ناحية وحدة الموضوع والثيمة الرئيسية لكل اعمالها فالفنانة لا زالت مولعة في فتح نوافذ النفس البشرية لكي تطلّ على دواخلها وكشف ما يعتلج بها من مكابدات وحالات إنسانية مختلفة وذلك من خلال نظرات شخوصها وتقاسيم ملامحهم التي تشي بما يشعرون به مستعينة أحيانا بحركة كف او طرف من الأطراف، وهو ولعها القديم منذ بواكير اشتغالاتها الفنية ومثاباتها الأولى .

أخيراً .. معرض (حالات) هو إضافة مهمة في مسيرة هذه الفنانة المبدعة كما هو إضافة ثريّة الى عالم التشكيل العراقي .

 

وائل المرعب

 

 

الفنان يستعيد رؤاه للأشياء وهواجسه وتجليات لحظاته وهو يشير للآفاق تقصدا للعبارة الفنية التي تكتب باللون حالاته وأحواله في الزمان والمكان حيث القول بالتشكيل لأسطرة العلاقة المتعددة بين الانسان والعناصر والأشياء وفي ضرب من التعبيرات المخصوصة ..

وهنا نمضي مع الأعمال المتوزعة في فضاء العروض الفنية التشكيلية برواق الفنون القسنطيني بالشرقية .. أعمال فنية بأحجام مختلفة بالزيتي هي ابداعات الفنانة التشكيلية هادية بوخروبة انتظمها عنوان " أسطورة " ومنها نذكر لوحات "عبق الروح " و" وعي وجمال " و" دموع الطريق " و

" نظرة ثالثة " و" طموح " و" نوة " وعشية صيف " و" أيام زمان " و" سفر " ... وغيرها..

تعمل الفنانة هادية في لوحاتها وكما ذكر ذلك الفنان الكبير الهادي التركي في كلمة تصديرية بالكاتالوغ المعد للمعرض على " حساسية حالمة وشعر للقول بالعبارة..." .

77 هادية بوخروبة

ثمة سعي للتعامل مع المواضيع والحالات من قبل الفنانة بكثير من البساطة والعمق من خلال هذا التدوين الفني لمشاعر وأحاسيس ومواقف وأفكار وكل ذلك لتأخذنا الى أسطورتها الراهنة تجاه العالم والأحداث .

لوحات الرسامة هادية بوخروبة التي تفتتح معرضها هذا السبت 12 ماي برواق القسنطيني تمثل حيزا من تجربتها حيث كانت لها مشاركات متعددة في تظاهرات فنية تشكيلية ومعارض جماعية وفردية فضلا عن تجربتها مع الكتابة والبرامج المختلفة التي منها حكايات وقصص مكتوبة للأطفال .

هي لعبة العبارة بين الكلمة واللون وهنا تتعدد أدوات التعبير لدى الفنانة لتكشف عن تفاعلاتها مع المحيط من حولها وما يعتمل فيه من حالات ومناظر ومشاهد ديدنها في ذلك الحلم والمسحة الرومنتيكية والذات التي منها تمضي نحو الآخرين لتعود اليها وقد أرهقها السفر والحلم والانكسارات التي تعبث بأحوال الانسان..

معرض أسطورة هو بمثابة السفر القديم المتجدد في ميثولوجيا الانسان الذي لا يمكنه الا أن يتقن لعبة الحلم بوجه السقوط والانكسار والتداعيات المربكة..

هي لوحات الحلم والأمل الملون والحنين تجاه الذكرى والزمن الجميل والعادات التي طبعت جوانب من حياة الكائن على غرار لوحتي " أيام زمان " و" عشية صيف " كما تبرز تلوينات تراثية فيها العبارة الفنية المشيرة الى الأصالة في أعماقها من ذلك لوحة " نوة ".

معرض بكثير من البراءة والبساطة والصدق فيه بانوراما من تفاعلات فنانة مع هواجس ذاتها تجاه الآخرين..تجاه العالم..

وفي ذات السياق هو معرض ضمن معارض أخرى وورشات وأنشطة فنية باشراف الفنان عم ابراهيم القسنطيني الذي يقول عن معرض هادية "..بوصفي عصامي في بدايات فني بادرت بأن يكون المعرض وهذا المركز مفتوحا لأشجع من خلاله الشبان والعصاميين لكي يتعلموا ويكسبوا الخبرات وبلا مقابل أشجعهم فهم مبدعو الغد في تونس الثقافة والابداع.."هكذا هو معرض الفنانة هادية بوخروبة بالرواق

بمركز البحر الأبيض المتوسط للفنون والحرف الذي هو قيد الانجاز والبناء وهو أول مركز من نوعه بشمال افريقيا وفي جهة الشرقية 26 نهج المعادن قرب مؤسسة "اوريدو" الكبرى .. ويقول الفنان ابراهيم القسنطيني ".. المركز هو في آن واحد مقر للأساتذة المتقاعدين في الخارج لاقامتهم لمدة ثلاثة أشهر والذين يقدمون الحصص الدراسية والتكوينية قصد تطوير الصناعات التقليدية وتقديم المادة المساعدة على ابراز الخبرة والاستفادة من تجاربهم وذلك في فصل الصيف وهم من العالم وبالخصوص من فرنسا وايطاليا واسبانيا والصين حيث يتكفل المركز باقامتهم ..هذه العملية تكون مشروعا فيه أهمية كبرى وما أحوجنا في تونس لمثل هذه التجارب حتى يتمكن الحرفيون ويتم تأهيلهم وتكوينهم بهذه الخبرات لينهض مجالنا الصناعي الحرفي وينمو ويتطور بالثقنيات والخبرات العصرية ..هذا المركز الذي هو الأول من نوعه به تجهيزات موجودة لكل أنواع الحرفيين من آليات للنحت على الرخام وصب النحاس الفني والمسابك ..اذن هو أول مركز بشمال افريقيا والمتوسط ..".. لوحات الرسامة هادية بوخروبة تفتتح معرضها هذا السبت 12 ماي برواق القسنطيني .. والعنوان هو " أسطورة " .

 

شمس الدين العوني

 

 

khadom shamhod2يذكر علماء الاجتماع ان للبيئة دورا كبيرا في منتج الفنان كما هو في دور الوراثة . ولهذ فان من اهم العوامل المؤثرة في العملية الابداعية والطريقة الادائية هو ذلك المزاج الفني الذي تتحكم به طبيعة البيئة التي نشأ فيها الفنان .. عجيل مزهر نشأ في بيئة بصراوية لها عمق حضاري في الادب والشعر والفكر والفن، فهو ينهل من هذا المعين الذي لا ينضب . وكانت الابلة (البصرة) تعد من اقدم المدن العراقية بل يعتبرها البعض احد المدن السومرية ومن عجائب الدنيا السبعة في ذلك الوقت وكانت تسمى ايضا – الخريبة – وفي خطبة الامام علي –ع- في البصرة (يا اهل البصرة والبصيرة والسبخة والخريبة) وقد نقلها ياقوت الحموي في كتابه – معجم البلدان – والخريبة هي المدينة التي بقت اطلالها مندثرة وظاهرة ... ويذكر انه ظهر في هذه المدينة العريقة رسام يدعى احمد الخراط البصري في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) اشتهر في رسم الاشخاص والحيوانات ويعتبر من طلائعي الفن في العالم الاسلامي، في وقت كان تحريم الصور على اشده . وكانت اوربا تعيش في العصور المظلمة .؟؟

و قد اشتهرت البصرة في العصر الاسلامي في قصورها المترفة الراقية وبيوتها التي زينت بالشناشيل او المشربيات حيث تلامس احيانا بعضها البعض في ازقة ضيقة عتيقة، وهو اشارة الى التوادد والتراحم، وتلك الدردشات النسائية التي تطل من خلال تلك الشناشيل، وقد زينت هذه القصور والمنازل بمختلف النقوش والزخارف الاسلامية، ولازالت آثار بعضها موجودا لحد هذا اليوم ..

بدايات عجيل مزهر:

عجيل مزهر من مواليد البصرة، كان مدرسا في اعدادية المعقل لمادة الرسم . وكان قد فرض هذه المادة على الطلاب كاي مادة اخرى في مسألة الامتحان والنجاح والرسوب .. وهذا ما خلق له مشاكل مع ادارة المدرسة حيث رسب بعض الطلبة، ومن جراء ذلك نقل الى احد المدارس في مدينة الفاو ثم الى مدينة الزبير وهناك حدثت له مشادة اخرى مع احد الموظفين في مديرية التربية على اثرها انزلوا درجته التدريسية فحول الى مدرسة الجبيلة الابتدائية ولما رأى هذه الحالة المزرية قدم استقالته .. في عام 1974 سافر الى فرنسا وسجل في مدرسة الفنون – البوزار- ثم سافر الى ايطاليا ودرس فن الديكور الداخلي، ولكنه لم يكمل دراسته لظروف عائلية . فعاد الى العراق وعمل مصمم ديكور في وزارة التجارة الى ان احيل على التقاعد عام 2002 . ويخبرنا عجيل انه ترك الرسم منذ سنة 1995 بسبب عدم الاقبال على شراء لوحاته ؟؟؟ ويبدوا انه الآن عاد الى ممارسة الرسم بعد جفاء دام اكثر من عشرين سنة ..

اقام عدة معارض فنية خارج وداخل العراق وحصل على جوائز تقديرية كما وجهت اليه دعوات من خارج البلد لعرض اعماله هناك .. كما ان عجيل له مواهب اخرى في كتابة الشعر والقصة وهو خطاط ايضا . وقد كتب عدد من السيناريوهات .. ورافق المخرج قاسم حول فترة طويلة وحضر بعض افلامه.. ..

بدأ عجيل مزهر حياته الفنية في رسم الشناشيل والمواضيع الاجتماعية و الجدران القديمة المتآكلة والتي رسمت عليها بعض الرموز والاحرف والشخبطات والشقوق . وهو في هذا المنحى يشبه طريقة اعمال شاكر حسن آل سعيد، في استخدام الملمس والتأمل في الجدران .. يقول دافنشي (انظروا الى الجدار ستجدونه يحتوي عدة صور خيالية)

قال فيه شاكر حسن آل سعيد (في نهاية الستينات كان عجيل مزهر الذي سرعان ما اصبح فنانا بصريا او شيئا من هذا القبيل في تقديم الفن الشعبي او (فن البوب آرت) في الفن العراقي وكان بذلك يمهد للنزعة المحيطية دون علمه ...)

انا اعتقد ان عجيل لم يسلك في تقنياته ومواضيعه فن البوب آرت كما وصفه شاكر حسن وانما اتجه الى التأمل السريالي والرمزي ونحن نعرف ان البوب آرت هو الخلطة بين الفن والسلعة المستهلكة واول من بدأ به واشتهر هو الفنان الامريكي اندي وارهول 1928 . وقد ظهر في اواسط الخمسينات من القرن العشرين في امريكا وبريطانيا ...

عجيل لم يتخلى عن الشخوصية وعن الاكاديميات في اعماله وقد وضفها باسلوب تعبيري ورمزي احيانا وبمعالجات حديثة . ونجد في لوحة له تمثل فتاة تطرق بابا مقفولا تعلوه شمس والى جانبها نخلة تعصف بها الرياح ويطغي عليها الالوان الصفراء والحمراء . هذا المشهد الرمزي له دلالات فلسفية وروحية ولا يخلو من السريالية .. وحيث نلمس تلك الطاقة الروحية الخارجة من احاسيسه ووجدانه وما تحمل من شحنات ابداعية وسيكولوجية تنساب من خلال خطوطه والوانه .

معرض الحلم:

من ابرز اعمال عجيل مزهر هو ما جسده في معرضه – الحلم – وهي لوحات تمثل مشاهد من عالم الاحلام وبالتالي فهي لوحات نابعة من اللاوعي او ما يطلق عليه بالسريالية . حيث نرى اشكال شبحية مقطوعة الاوصال وملفوفة في اكفان بيضاء وسط ظلام دامس . هذه الاعمال تشير الى اكثر من معنى ورمزية، فهو يستلهم افكاره من العالم الباطني ويعضدها بعالم الوعي في تقنيات واسلوب مألوف وبالتالي فهي من تأثيرات المدرسة السريالية .

المعرض اقيم في البصرة ربما عام 1973 ويحتوي على 19 لوحة، ثم انتقل الى بغداد وهناك لاقى نجاحا كبيرا .. وكتبت عنه الصحافة معتبرة ذلك المعرض خطوة جريئة في الاسلوب والموضوع . وقال فيه الفنان محمد حسين جودي (عجيل مزهر مبتكر سريالية عراقية جديدة)، كما قال فيه الناقد علي الدليمي (عجيل مزهر بيكاسو العراق ...) ويقول عجيل ان (معرض- الحلم - احدث ضجة في البصر وبغداد مما دفع بالناقد جبرا ابراهيم جبرا الى جلب كامرة كبيرة ذات عجلات وصور المعرض و اعتبره بداية سريالية جديدة ..)

افكار واعمال مبتكرة:

يقول عجيل انه تعلم طريقة جديدة في استخدام الالوان اطلق عليها اسم - زراعة الالوان – وهي عبارة عن خلط مواد كيمائية بطريقة خاصة فتخرج الالوان بارزة على سطح اللوحة وكأنها نباتات .. ... ثم تعلم طريقة الرسم بالطين وهي عبارة عن ايحاآت من شقوق وفطور الارض التي اصابها الجفاف . حيث يأخذ مادة الطين ويرسم بها مشهد من الارض الجافة بشقوقها وحفرها وتشعباتها وكل ذلك يجري على سطح اللوحة.... ثم يقول عجيل انه ابتكر طريقة اخرى جديدة اطلق عليها اسم –اسلوب الخلايا- ويعني بذلك انه يرسم الشكل من وراء الزجاج الذي فيه بخار فيعطي الزجاج مشهدا على شكل احساس بالخلايا ... ولديه لوحة تمثل ذلك اسمها – المستحمة –

. وذكر لي عجيل انه كتب عنه اكثر مما كتب عن جواد سليم وشاكر حسن وغيرهم لان اعماله كلها عبارة عن مخترعات . كما يقول (تحديت شاكر حسن آل سعيد بان نعرض معا معرضا مشتركا تمثل لوحاته الرسم على الجدران وما يحدث على هذه الجدران من عوامل الطبيعة ولكن شاكر رفض ذلك التحدي ..)

جماعة المثلث:

في عام 1969 او 1970 اجتمع محمد راضي وفاروق حسن وعجيل مزهر في احد مقاهي البصرة واتفقوا على تكوين جماعة فنية اطلق عليها اسم – جماعة الشراع – واصدروا بيانا في ذلك . ثم غيروا الاسم واطلقوا على تجمعهم – جماعة المثلث – واقاموا اول معرض لهم عام 1970 في قاعة كولبنكيان في بغداد . ثم انفرط التجمع بعد سفر عجيل الى الخارج عام 1974 ..

عاد عجيل مزهر للرسم من جديد بعد سنوات عجاف يابسات طويلة وسط افكار ومشاريع كثيرة مما يعزز قدرته الابداعية في التجديد والابتكار للوصول الى القيم الجمالية النوعية دون ان يتورط في المواضيع الانحدارية او يحدد نفسه بالمحيطية بل ينفتح على عالمية الفن ومغزاه الجمالي والفكر الانساني المتمدن .... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

64 عبد العالي بن شقرونتشكل مجموعة من الحروف والخطوط العربية واللاتينية قيمة رمزية في المنجز التشكيلي الجديد للفنان المغربي عبد العالي بنشقرون، الذي يقدم من خلاله أسلوبا جديدا ومسلكا حروفيا يدعم رؤيته الجديدة في المشهد التشكيلي الحروفي. يتوخى من خلاله ملامسة كونية الحرف وشموليته في النسيج التشكيلي الخاص والثقافي العام. وهو إحداث منهجي مدعم بآليات متطورة وتقنيات جديدة غاص بها المبدع في أحضان التعبير بالحرف وبرمزيته وايحاءاته داخل خزان من الأشكال والعلامات والألوان، ليرسم بخطوط متفاوتة بين العربي واللاتيني يدجج بها الفضاء بكميات متفاوتة حسب رؤيته الشخصية وتصوراته الفنية. وبذلك، فهو يحقق نهجا فريدا في التعامل مع هذا الأسلوب بأشكال جديدة تروم سعة الحرف في الفضاء بحرية مطلقة تبعده عن كل القيود.

فمختلف عمليات تنظيم الفضاء تسلك منهجا دقيقا في ضبط المفردات والعناصر المكونة للأشكال الحروفية في سياق توظيف جمالي محكم لكل المكونات الفنية من ألوان وحروف ورموز ومساحة، ليشكل هذا التأطير تجربة فنية غنية قوامها التجريد والحرف واللون في نطاق مشروع فني ذاتي للمبدع عبد العالي بنشقرون، الذي يتقصد المزج بين مفارقتي التداعيات الوجدانية بسحرها الجمالي المرصع بنشوة التراث الخطي في كونيته وفي رصيده الثقافي، وبين خزان من الأشكال والألوان المعاصرة المدججة بالأدوات والآليات المتنوعة، وبالتقنيات المعاصرة. مما يخول له أن يبدع ويشكل أنواعا مختلفة في الكثافة والتموقع الشكلي والحروفي بنوع من التلقائية والسلاسة، ليمنح القارئ جماليات أخرى يتمتع بها الخط؛ وجماليات أخرى ينتجها التشكيل المعاصر. وفي هذا السياق نجد نوعا من التوازن الإبداعي بين الخط والتشكيل في تجربة الفنان عبد العالي بنشقرون.

كما أن خبرته وموهبته ومختلف تصوراته التشكيلية تجعله يقدم بين الفينة والأخرى مشهدا تحويلا إبداعيا جديدا، يتمثل الكلَّ الفني، ويجمع المفردات التشكيلية والحروفية بنوع من التجديد، رغبة منه في تبديد الغموض، بانتقاء دقيق، وتسويغ لأفكاره المتجددة. ليستجلي دلالات إضافية ومعاني تجذب المتلقي نحو القراءة. وهذا يحيل إلى أن الفنان عبد العالي بنشقرون يبني منجزه التشكيلي والحروفي على ميزان فني معرفي مركّب، يغلِّب المجال الحسي والبصري بملء قوي بالطاقة التعبيرية، عن طريق إبراز الملامح الجمالية للحرف في كونيته وأنسنته داخل جمال اللون. إنه أسلوب جديد يدعم القوة التعبيرية للمبدع ويمنحه إضافة جديدة في المشهد التشكيلي الحروفي العالمي.

19 عبد العالي بن شقرون

محمد البندوري

 

 

59 جون مونوزكان النحات جون مونوز يدرك تماماً الصعوبات التي نواجهها في التعبير عن انفسنا. تمثال مائل صغير الحجم رمادي اللون، ينتصب مستغرقاً في صورته المنعكسة على المرآة عند حافة المعرض. هو كما لو انه يحاول إعادة التأكيد على وجوده. كمراقبين، نحن لا نمارس اكثر من فعل المشاهدة، مندهشون وحائرون بهذا الفعل الإغترابي. يرى النحات مونوز ان الاسئلة الفلسفية حول طبيعة الذات، الزمن، المراوغة بين الحقيقة والخيال كلها تتجسد في أعماله الفنية المتنوعة.

كان مونوز من أعظم النحاتين الذين برزوا في اسبانيا بعد وفاة فرانكو عام 1975، علماً ان الجزء الأعظم من تعليمه الفني اكتسبه في نيويورك ولندن حين عمل لبعض الوقت في بعض الاعمال الخدمية. أهم عمل اشتهر به هو عمله الفني Double Bind الذي عُرض في القاعة البريطانية (تات تربن هول) عام 2001. لم ينفق مونوز وقتاً طويلاً في مهنة النحت حتى وافاه الأجل وهو في عمر الـ 48 عاماً في نفس السنة التي عُرض بها عمله. كان عمل دوبل بايند- بأرضيته المخادعة وأبعاده الغامضة والرجُلين الرماديين المُضللين اللذيَن بديا لأول وهلة كأنهما ضجران بملامحهما البيروقراطية الشديدة المكر- يمثل قمة انجازاته الفنية.

كان دوبل بايند بمثابة الآداء الأخير والملائم لمونوز ،أعماله كانت مرتبطة دائماً بالفن المعماري وبأوهام المكان. تفاصيل مثل المصاعد والمسالك الضيقة المتبعثرة في أرضية القاعة، سلالم معدنية متناهية في الصغر تقود الى لاشيء، شرفة ذات طابع اسباني وُضعت في أعلى نقطة من جدار القاعة بجانب اشارة معدنية تشير الى "فندق": ليس فيه كما يبدو اي غرف او نزلاء.

يُعتبر مونوز الأكثر اهمية بين النحاتين من جيله الذين هم منشغلون اساساً بلغة الفن والمواد. ومع ان مونوز لم يهتم ابداً بالفن التمثيلي الاّ انه أعاد وبروح عالية النحت الانساني ليعمل كشفرة سرية وعلامة فلسفية. هو تأثر كثيراً بأدب جوزيف كونراد (Joseph Conrad) وغنتر غراس (Gunter Grass) و ت أس اليوت بالاضافة الى بيكاسو و فرنسيس باكون و روبرت سمثسون و ثوماس سكوت. المسرح كان له ايضا تأثيراً بعيد المدى، خاصة أعمال صاموئيل بيكيت و بيرناديلو Pirandello.

في عمله (رسوم معطف المطر) جرى صنع تماثيل طباشيرية كبيرة لغرف، عادة هي مؤثثة شكلياً وتشبه القصص المصورة لأفلام هوليود القديمة. كلها تخلو من الحضور الانساني. أريكة متهالكة ذات وسائد، منتصف باب مفتوح على امتداد قاعة مضاءة – كل ذلك يستحضر غياب الناس الذين كانوا قبل لحظات يشغلون هذه الأمكنة.

وكما في المسرحية الشهيرة للكوميدي الايطالي بيرانديلو بعنوان (شخصيات تبحث عن المؤلف)، فان هذه هي مواقع تبحث عن شخصيات. الغرف تصبح بمثابة منصة يُعرض عليها فشل الحياة الانسانية كما في مسرحية Beckett-like. الصمت يصبح جحيماً وجودياً يأتي من استحالة الكلام والمعنى. ان سلسلة رسومات مونوز لأفواه متحررة من الجسد تستحضر مسرحية بيكيت (Not 1 ) التي عُرضت عام 1972 و فيها فقط فم مضاء بشعاع ضوئي منفرد، يتحدث دون ان يقول شيئاً بالاضافة الى صرخات الصمت القادمة من لوحة باكون Bacon’s popes.

البهلوانيون، محل عارضات الأزياء، راقصات باليه بلا سيقان، الأقزام والمهرجون كلهم ساعدوا مونوز في تحديد ادوار شخصياته: الغرباء جميعهم جُعلوا صامتين و بائسين في لعبة الحياة هذه. القزم المتأثر بالخادمة الشابة لأبنة الملك الاسباني مارغريتا هو تمثال دائم الحضور،لا يستدعي فقط البطل في رواية The Tin Drum وانما المهرج، والساذج والخبير في شكسبير.

في الـ ويستلاند (الاسم مأخوذ من احدى قصائد اليوت)، مهرج صغير يجلس على رف معدني فوق سطح مغطى ببحر من الصدف. هو يبدو كما لو كان ينتظر سيده ليأتي ويعطيه صوتاً . في الفيلم النرويجي The Prompter (عام 1988) ، يقف قزم صُنع من مواد يمتزج فيها الورق بالنسيج في صندوق امام منصة فارغة مصنوعة من الرخام الهندسي الابيض والاسود حيث يخلق وهماً بصرياً يذكّرنا بالتصاميم المعمارية للمنازل ذات المستوى الرفيع. في النهاية البعيدة هناك طبل، لو حدقنا في الصندوق سنكتشف عدم وجود عيون لدى القزم وانه مجرد من اي كتابة . كل من الطبل والمرشد (يرسل الايعازات من خارج المنصة دون ان يراه احد) صامتان، الطبل ينتظر عازفهُ، اما المرشد ينتظر الممثلين او الأدوار.

هذه الاعمال تعكس مشاعر بيكيت بان الكائن الانساني لديه الحافز و الحتمية للتعبير عن الافكار والاحاسيس لكنه يكافح ليجد الوسائل. نفس الفكرة تجسدت في مجموعة كبيرة من التماثيل الصينية ، حيث تبدو الالتفاتة وحزمة الضوء بأبتسامة محيّرة ، متجمدة كما في الشخصيات الخالدة في قصيدة Grecian urn للشاعر الكبير Keats John.

مات مونوز فجأة في 28 أغسطس عام 2001 بعد شهور فقط من استكمال الـ دوبل بايند.   لو جرّدنا الفن العالمي المعاصر من رؤية مونوز الانسانية والوجودية، فسوف لن يكون اكثر من فن سطحي راض بذاته. لا احد يعلم ماذا سينجز مونوز لو انه بلغ اقصى مراحل النضج؟ اننا نجد هنا فناناً غير خائف من الاسئلة الكبرى، حول معنى ان تكافح لتبقى فرداً في هذا العالم الملتبس.

 

حاتم حميد محسن

 

2.1 كاظم شمهودتتأسس تجربة الفنان الدكتور كاظم شمهود في معرضه الموسوم: الابحار في ارض السواد على موضوعة اساسية وهي (التجذير) الذي يعيد انتباهنا لمفردات بيئية وانسانية تسكن الذاكرة الجمالية للفنان والتي لم تتمكن الغربة التي امتدت قرابة اربعة عقود من تغييبها او محوها من خزينه الثقافي والمعرفي بصرف النظر عن مديات تأثير المنافي بشتى ابعادها ... فلازالت الوجوه العراقية مفعمة بالطيبة او المتسمة بالغموض وعادات الناس البسطاء وادواتهم الحياتية تأخذ مداها الارحب في بنية الفعل الجمالي في منجزه الفني بوصفها محركات ايقونية تنفتح على جملة تأويلات منها ماهو مألوف بوصفه معبرا عن الطمأنينة والهدوء ومنها ماهو مشحون بالقلق او انتظار المجهول، وربما هو مزيج من كل ذلك ...

من الملاحظ ان المشهد الجمالي في منجزات الفنان كاظم شمهود، تقوم على مبدأ تلوين السطح البصري على نحو تتناغم فيه الالوان وتتداخل تجريديا لتشكل حاظنة لتلقي الشكل الانساني الذي يماثل مرجعا خارجيا يحيلنا مباشرة الى الهوية المحلية لاسيما عندما يعزز بمفردات مستمدة من البيئة العراقية، وكلها تتوالد من خلال فعل الخطوط البانية لتفاصيل الاشكال وتضاريسها، التي تتكامل انشائيا من خلال الاضافات اللونية التي يعول عليها الفنان في استكمال الاظهار الجمالي وترصين البعد التعبيري بالمقدار الذي يرتقي باحاسيسنا الى مرتبة اعلى .

في بعض الاعمال تمكن الفنان من توظيف خامات واقعية من قبيل البسط الشعبية وتعامل معها بوصفها ارضيات لونية جاهزة لاستقبال شكل انساني من قبيل الحائك او البدوية التي تحمل دلة وبذلك فقد حقق مقاربة واقعية جدا اعادة الانتباه لمفردات بيئية لم تكن تستأثر بالاهتمام لشدة مألوفيتها، ولعل اعادة انتاجها على هذا النحو من شانه ان يشحذ ذائقتنا الجمالية ويشعرنا بامكانية تقديرها جماليا وتعبيريا بوصفها مفردات تجاوزت مداها النفعي والاستعمالي من خلال المعطى الفني الذي اقترحه الفنان بشكل مقنع ومؤثر ...

2.2 كاظم شمهود

د. روضان بهيه - استاذ في كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد

كالري حوار / بغداد - 3/4/2018

 

 

mohamad albandoriإن معظم السمات البصرية تروم توسيع حدود أشكال التعبير بين مجال التجسيم الكتابي ومجال الخط ومجال الأشكال الخطية، في نطاق التفضيء والهندسة والتشكيل، فهي تعيد القراءة بقيمة رمزية كبيرة تحددها العلامات اللغوية والتصويرية والخط. لأن وظائفها الجمالية تتمثل أساسا في الأيقونية بأبعادها السيميائية. فهي تركز على العلامات والمؤشرات الأيقونية ذات الدلالات المتعددة. ولا غرو في ذلك، فهي تخاطب العين والبصر، وتتفاعل بشكل مباشر مع الحواس الإدراكية المجسدة، وتتبع الدال الكاليغرافي المشكل بالحروف المخطوطة والأشكال البصرية المتنوعة في سياق تشغيل الألوان الأساسية، بتشكيلات وتموجات خطية تحمل أبعادا متعددة ودلالات مفتوحة، فتحتاج إلى تفاعل بصري لتفكيك الأيقونية وقراءتها في نطاق سيميائي وبلاغة بصرية. وبذلك تضحى لوحة لسانية مجسمة تجمع بين الشعر والخط والتشكيل. وقد تطورت معظم الأشكال الخطية في بعض النصوص في المغرب نتج عنها تفرعات مختلفة، فأضحى منها القصيدة الكاليغرافية المتعددة الأبعاد والقصيدة الميكانيكية.. وقد جمعت بين الخط اليدوي والكاليغرافي والطباعي. وذلك بفعل الاهتمام الكبير من لدن الشعراء والنقاد المغاربة وذلك لما لمسوه في مجالاتها الرمزية والسيميائية والشعرية من أبعاد متنوعة ودلالات متعددة، فنجد هذه القصيدة جلية ومشخصة لدى بعض من الشعراء المغاربة كالشاعر ياسين عدنان من خلال الغارة الشعرية، واحمد بلبداوي من خلال ديوان سبحانك يا بلدي، ومحمد بنيس وغيرهم. وقد ترتب عن ذلك نشوء بعد جمالي وبلاغي لقصائدهم. ومن ضمن ما اعتنت به هذه التجارب وتجارب أخرى على مستوى مختلف النصوص من حيث الأسس الفنية والجمالية فن الكولاج، حيث يتم تلصيق بعض الصور إلى جانب النصوص الشعرية والكتابات الخطية، ولقد أتاح سلطان النصوص البصرية في المغرب نوعا من التسييد لمعظم النصوص البصرية، والاهتمام بقيم وأفكار جديدة في نطاق خطاب صوري خطي بصري له معانيه وبلاغته الخاصة، ودلالاته المتعددة وفق القيمة الرمزية والعلاماتية. فصار وسيلة إلى المتعة الدلالية التي يقيضها الوجود الخطي أو الرمزي أو العلاماتي أو الصوري بعد عملية التحوير والقراءة. لأن المتخيل البصري هو تعبير دقيق عن التطوير الثقافي للوعي بواسطة العين مما ينتج قراءات أكثر دلالة في مهمة تمثيل الواقع في تصورات وأخيلة بعيدة أكثر بدلالاتها ومغازيها ومعانيها.

فتدبير النصوص العربية بالشكل الرمزي والعلاماتي هو تأكيد على ارتكاز الثقافة على الفن وعلى الجمال وعلى إنتاج الدلالة الجديدة، فتتفوق براهنيتها وقدرتها على التثبيت، كونها أيضا تعنى ببعد بلاغي قائم على استحضار الأشكال التواصلية وخصائصها وأبعادها التي تسهم في رؤية دلالتها المتطورة، والتعبير عن مفاهيم ذهنية، تحكمها خاصية التحول الى نصوص بصرية تتبادل فاعلية العين المبصرة ومختلف النصوص الجمالية وتطورها، وفحص دلالات الأشكال وتركيبها والبحث عن دور مجازي لها تعززه الذاكـــرة والمخيلة من جهة، ويعضده الدور الإيقوني وتغير موقع المتلقي بمؤثرات ومحددات واقعية وآليات فنية وجمالية من جهة أخرى مما يساعد على انزياح النصوص البصرية عن المألوف تشكيلاً وتبئيراً وتفضية وتدلالا.

 

د. محمد البندوري

 

 

adnanhusan ahmadتتميّز الفنانة التشكيلية الأردنية روان العدوان بحسّاسيّة مُرهفة تؤهلها كما الشعراء المبدعين لرؤية ما لا يراه الآخرون. فحينما عملت في المُتحف الأردني بعَمّان وقع بصرها على كتاب نفيس عن النقوش والرسوم الصفائيSafaitic Inscriptions فقررت قراءته، وتمثّله، وإطالة النظر فيه. فهذه النقوش تعود إلى الصفائيين أو الصفويين، نسبة إلى مدينة الصفاوي الواقعة شمال شرقي الأردن والتي تحمل اسمهم حتى اليوم، وهم قبائل عربية بدوية خالصة عاشت في تلك المضارب بين القرن الأول والرابع قبل الميلاد.

لم تكتفِ روان بمشاهدة هذه النقوش والرسوم الصخرية وإنما قررت الذهاب إلى تلك الأمكنة التي تشبه مُتحفًا مكشوفًا في العراء وتستوحي من رسومه "البدائية"، ونقوشه اللغوية التي تطورت عن الخط السبئي. لا تنطوي كلمة "البدائية" على معنىً سلبي، وما نقصده هنا بالتحديد هو طريقة الحياة البسيطة القريبة من الطبيعة، وأنّ قيمها الفنية توازي قيم العالم الراهن، وربما تتفوق عليه في بعض الأحيان.

1 روان العدوان1تعلّقت روان بتلك الرسوم الصخرية فقررت إحيائها من جديد على الكانفاس هذه المرة ملونةً إياها بما يتناسب وطبيعة الثيمة المُجسّدة على السطح التصويري. أنجزت روان أكثر من 40 لوحة فنية استوحتها جميعًا من الرسوم الصخرية الصفائية ونفّذتها بأحجام مختلفة بالأكريلك على الكانفاس أو الألواح الخشبية. وبما أن هذا المشروع الفني ينطوي على غَيرة وطنية واضحة على منجزات الماضي التليد التي استوحت منها روان أعمالها الفنية الجديدة فقد قرّر الأستاذ مازن حمود، السفير الأردني بلندن استضافة معرضها الشخصي في منزله، وهي من دون شك التفاتة ثقافية رائعة، أتاحت للكثيرين عربًا وأجانب سانحة الحظ لمشاهدة 14 لوحة فنية انضوت تحت عنوان "لآلئ الصحراء"، وهي بالفعل لآلئ نادرة أعادت روان تكوينها من جديد وبعضها يذكِّرنا بلوحات أنطوني تابيس أوروبيًا، وشاكر حسن آل سعيد عراقيًا أو عربيًا.

قبل أن نلج في ثيمات المعرض وتفاصيله الدقيقة لابد من الإشارة إلى أنّ الفن الصخري Rock Art ينقسم إلى أربعة أقسام رئيسة لكن ما يهمنا منها الآن قدر تعلّق الأمر بدراستنا النقدية هو الرسم التصويري Pictograph، والنحت الغائر Petroglyph ، أما الـ Petroforms   وهي الصخور التي توضع في أشكال وأنماط محددة من قِبل الإنسان والـ Geoglyph وهي الرسومات الأرضية التي تتشكّل بواسطة تراكم الحصى والأحجار الصغيرة على هيأة نمط معين على سطح الأرض، فهذان القسمان الأخيران يقعان خارج اهتمام هذه الدراسة النقدية التي تركز على الرسم التصويري والنحت الغائر للأعمال الفنية الصفائية التي استوحت منها روان العدوان لآلئها الجديدة التي تحمل من روحها الشيء الكثير مثل التكوينات المدروسة التي توحي بالقوة، والتوازن والتماسك، والتدرّجات اللونية التي تشير إلى براعة الفنانة في استعمال الفرشاة، واستقدام العمل من أعماق التاريخ، والتلاقح معه برؤية إبداعية معاصرة تثبت لنا بالدليل القاطع أننا نقف أمام لوحات فنية مهجّنة ولافتة للأنظار.

1 روان العدوان3

تهيمن على الرسومات والنقوشات الصخرية الصفائية الأشكال البشرية والحيوانية فلاغرابة في أن نرى الإنسان البدوي الصفائي بهيأة فارس أو راعٍ أو صيّادٍ أو عاشقٍ، أو رجل دين وما إلى ذلك من دون أن ننسى حضور المرأة في كل شيء تقريبًا بما في ذلك قيامها بالرسم والنقش والكتابة لأن الأبحاث العلمية أثبتت أن بعضها يعود لنساء مبدعات أسهمنَ في الحياة الثقافية والفنية والفكرية للمجتمع الصفائي المعاصر لمملكة الأنباط. ولعل أولى الرسومات التي استلهمتها روان هي الجَمل وأطلقت عليها التوصيف الشائع "سفينة الصحراء" ورسمته بطريقة تشخيصية لا تخلو من بعض التجريد لمعالم الوجة والسنام والقوائم الأربع، وخلفها فيكَر إنساني قد يمثل الراعي أو المالك لهذا الحيوان الأثير في الصحراء المترامية الأطراف. وما بين الراعي وجَمَله ثمة حروف صفائية تحيلنا إلى تلك الحقبة الزمنية البعيدة نسبيًا. نفّذت روان هذه اللوحة بالأكريلك على كانفاس بقياس 90 × 60 سم، ولعل جَمال هذه اللوحة يتعزّز كلما تأملنا خلفيتها التي تُرجعنا إلى الوراء زمكانيًا، وتُعيدنا إلى الوقت الراهن أيضًا. ثمة لوحة أسمتها روان بـ "الحُلم" وهي تنويع على الجَمل المُحاط بعدد من الفيكَرات البشرية، والنقوش الصفائية المُزدانة بالألوان المبهرجة التي تتلألأ تحت خيوط الشمس الساطعة. تمتدّ هذه البهرجة اللونية المقصودة إلى لوحة "أمل" التي تكشف هي الأخرى عن أعماق الفنانة روان العدوان وهي تُضفي من عندياتها الشيء الكثير على الرسوم الصفائية التي أحبّتها إلى درجة التماهي وخلقت منها في خاتمة المطاف تُحفًا فنية لابد من الانتباه لقيمتها الإبداعية. فلوحة مثل "تناغم" التي تحتفي بالجِمال أيضًا تبيّن بما لا يدع مجالاً للشك أن الفنانة تعوّل على متانة التكوين، وجرأة الخطوط اللونية المرسومة بالفرشاة أو بأي أداة أخرى تطوِّعها لتنفيذ عملها الفني بعدة طبقات تمنح اللوحة جَمالاً وغموضًا مُستحَبَّين. وربما يتكرر هذا الأمر في لوحات أخر مثل "الصيادون" و "العائلة" و "بلا عنوان" التي نلمح فيها نوعًا من التوازن بين مثلث الشكل والمضمون واللون دون أن ننسى النقوش الصفائية التي تمنح اللوحات جميعًا أبعادًا رمزية لعلها تتوازى مع رمزية الطقوس التي كانت سائدة آنذاك.

تأخذ الحيوانات حصة الأسد في هذا المعرض أو في الرسوم الصخرية عمومًا فيمكن أن نرى الجِمال، والخيول، والأسود، والفهود، والثيران، والظباء، والثعالب، والكلاب، والنَعَام، والصقور وغيرها من الحيوانات لكن روان العدوان اختارت الصور المُعبِّرة والقريبة إلى النفس وربما تكون لوحة "عراك" هي الأجمل من ناحية الثيمة السائدة، والخطوط البسيطة، والألوان الجذّابة، إضافة إلى النقوش الصفائية التي تهيمن على خلفية الصورة المُنفَّذة بنَفَس تعبيري عميق، وبجرأة لونية تُحسَد عليها حقًا.

لا يمكن تفكيك هذه الأعمال الفنية المستوحاة من الرسوم الصفائية دون العودة إلى الجوانب الرمزية التي كانت تتوفر عليها هذه القبائل البدوية وأهمها الطقوس والشعائر الدينية التي كانت شائعة في ذلك الوقت. ولعل الجوانب الثقافية والفكرية والروحية تُعين الباحثين والدارسين على فهم واستغوار تلك الطقوس والموروثات الاجتماعية التي تناقلوها كابرًا عن كابر. فلاغرابة أن يستعصي بعض الرسوم الصخرية على التأويل لانطوائه على العديد من الرموز الشائكة التي لا يمكن حلّها وتطويعها إلى بعد جهود شاقّة ومضنية. ولعل لوحة "إله الحرب" هي خير نموذج لما نذهب إليه، ولا تخرج عن هذا السياق لوحتا "الرمز المفقود" و "تكوين"، وربما تكون هذه الأخيرة بمستوى عمل أي فنان أوروبي منغمس بالتجريد والرمزية،ومنهمك في خلق الغلالة الغامضة التي تمنح اللوحة عمقًا لا يتكشّف بسهولة إلاّ أمام المتلقي العارف والمتذوق الذي يمتلك خبرة بصرية تتيح له إمكانية الوقوف أمام اللوحات الإشكالية والتحاور معها من دون الاستعانة بأحد أو اللجوء إلى أية وسائل سمعيّة توضيحية.

1 روان العدوان2

يُخطئ منْ يظن أن لوحة "أثر" قياس 90 × 60سم المنفَّذة بالأكريلك ومواد أخرى على الكانفاس هي قريبة من رسوم الأطفال على الرغم من عظمة مخيلاتهم المجنّحة، وجرأتهم الأدائية في رسم الفيكَرات، وحريتهم في اختيار الموضوعات التي تُشغل أذهانهم، ولعل الفرق الوحيد الذي يميّز لوحة "أثر" عن غيرها من رسوم الأطفال هو هندستها المدروسة التي تشدّ الانتباه إلى الفيكَرات الستة الإنسانية والحيوانية قبل أن تسرقنا الرموز والإشارات التي تطوِّق هذا التكوين الجذاب المنفّذ بالأسود والأبيض في الجزء الأكبر منه قبل أن تتسلل إليه ثلاثة ألوان رئيسة وهي الأزرق، والأوكر، والفيروزي التي تناغمت جميعها بشكل إيقاعي غريب مع متن اللوحة المرسومة باللون الأبيض على خلفية سوداء.

لم يكن تحقيق هذه التجربة التي بلغت أكثر من أربعين لوحة فنية بالعمل اليسير، فلقد تحمّلت روان عناء السفر إلى مدينة "الصفاوي" غير مرة، وتسللت عبر طرقها النيسمية الوعرة إلى الأمكنة التي عاش فيها الصفاويون الأوائل كي تصور فيلمها الوثائقي القصير الذي يحمل اسم المعرض ذاته، وتلك قصة أخرى ربما نتوقف عندها لاحقًا، ونتمنى على وزارة الثقافة الأردنية أن تدعم مثل هذه الأفلام التي توثق للرسوم الصخرية في الأردن لأنها جزء من التاريخ الفني واللغوي والاجتماعي لقبائل عربية بدوية عاشت هناك ودوّنت تاريخها على صفحات الصخور بالرسوم التصويرية والنقوش الغائرة التي صمدت لأكثر من ألفي عام. أما الفنانة روان العدوان فقد نفخت الروح في هذه الرسوم الصخرية وحوّلتها إلى أعمال فنية ساحرة تخلب الألباب، وتحرِّض محبّي الفن التشكيلي على مشاهدتها، والاستمتاع بخطابها البصري الذي يجمع بين الأصالة والروح المعاصرة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

 

mohamad albandoriإذا كانت هناك مدارس لتعليم الخط في الأزمنة العربية الفائتة، فإنها كانت قائمة على أسس نقدية ومعرفية ساهمت فيها كل المكونات الثقافية. وقد اتخذ الانشغال بكل عمليات الكتابة مسارا شموليا من حيث التقويم والضبط والتقييد. فمنذ فجر الإسلام، وفي عهد التدوين في القرنين الثالث والرابع الهجريين اتخذ النقد مسارا قويا، فانتقدوا الخطوط والخطاطين انتقادات بلغت حدا من القسوة، بل امتدت إلى أبعد الغايات. ويتبدى أنه مع توفر كم هائل من الإنتاج الأدبي والشعري، وكثرة المراسلات، امتلأ مجال الكتابة اليومية بالخطوط المختلفة الرديئة منها والجيدة. فكان لزاما على المثقف العربي الاهتمام والعناية بالخط العربي لأنه أصبح قطب الرحـى في عملية التدوين، وكان على الخطاط أن يبالغ في تجويد الخط وتجمـيله، وأضحى المجال فسيحا للتدوين والكتابة بخطوط أكثر دقة وجمال. لأن اهتمام المثقف العربي وكذا الناقد العربي بحفظ ورواية الشعر والأحاديث، لا يقل عن اهتمامه بالكتابة والتدوين والعناية بالخط العربي والحث على تحسينه وتجميله، وذلك لما له من صلة وثيقة بما يكتب، وهو الذي ارتفع إلى مستوى الكلمة الشفهية. فكان ضروريا بــذل الجهد، لأن اهتمام النقاد العرب بالخط والكتابة بالإضافة إلى البعد الجمالي كان أحيانا دافعه تخليد العلم وحمايته من الضياع: " فلولا الكتب المدونة والأخبار المخلدة والحكم المخطوطة التي تحصن الحساب وغير الحساب، لبطـل أكثر العـلم ولغلب سـلطان النسيان سلطان الذكر." وأيضا :" لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط والسجلات والصكاك وكل إقطاع وكل إنفاق وكل عهد وعقد وكل جوار وحلف.." وبـذلك:" تصير الحاجة إلـى التفاهم بالخطوط والكتب، فأي نفع أعظم وأي مرفق أعون من الخط."   فيصبح لزاما النظر إلى تجميل الخط وتجويده، ونظرا لهذه الأهمية النفعـية للخـط، والتي تقتضي بدورها البعد الجمالي يقول الجاحظ :" فلذلك وضع الله عز وجل القـلم في المكان الرفـيع ونوه بذكـره في المنصب الشـريف حين قـال: ن، والقـلم وما يسطرون) فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم." ولذلك كان التجويد في بداية الأمر ضرورة يحكمها المجال النفعي قبل أن يتطور إلى الصورة الجمالية الصرفة.

زجرت كتابكم لما أتانـــي ** بمر سوانح الطير الجواري

نظرت إليه مخزوما بزير ** وفي ظهر ومختوما بقار

فعفت الظهر أحور قرطقيــ ** تركب صداغه سين العذار

وكأن الشدو ذا زبر مصـيب ** وكأن الختم من رق العقار

ومن شعر علي بن محمد العلوي:

أشكو إلى الله خطا لا يبلغني ** خط البليغ ولا خط المرجينا

إذا هممت بأمر لي أزخرفه ** سدت سماجته على التحاسينا

وسعيا إلى تحقيق الجودة في الخط وتقديم البديل ألفوا مؤلفات ورسائل في الخط والقلم فانتقل الخط من وضعيات تم انتقادها إلى وضعيات أحسن وأجمل. لكن مع مرور الزمن اختلفت عمليات التجويد من منطقة إلى أخرى، ومن خطاط إلى آخر، في غياب التنسيق المحكم، وذلك لعدم التعارف والتوافق على مقاييس جمالية موحدة في كل الأقطار لخصوصيات كل منطقة على حدة. ولعدم الأخذ المباشر بعملية التقعيد الدقيقة التي وضعها ابن مقلة والتي سار عليها بعض من خلفه في هذا المسار. بينما ظل عدد كبير من الخطاطين يفتقرون في إطار التجديد وفي نطاق خصوصية بعض المناطق، وظهور خطوط جديدة إلى قواعد هندسية مؤطَّرة علميا ومعرفيا ومنهجيا تأخذ بعين الاعتبار الأشكال التجديدية في الخط العربي لتلك المناطق. لذلك سادت علاقة التأثير والتأثر في ظل واقع خطي يحكمه الانطباع والذوق ويغيب فيه النقد الموضوعي. وتبعا لذلك، تشكلت مجموعة من الخطوط وفق عمليات متقاربة أحيانا في الوضع وأحيانا في الشكل؛ ومختلفة أحيانا أخرى في المقاييس وفي الشكل تبعا لنفسيات الخطاطين أو النُّساخ أو الكُتاب، وتبعا لوضعياتهم المعرفية والثقافية، ومدى إلمامهم بمختلف الجماليات التي تؤثث حروف الخط العربي عموما، وتبعا كذلك لكيفيات تناولهم المادة الخطية وتفاعلهم مع الخط على قدر تمكنهم منه عن طريق الموهبة أم عن طريق الاكتساب. وبذلك فقد أسهمت مجموعة من العوامل في تشكيل الاختلاف عبر الأزمنة الفائتة. ولعل أهم سبب في ذلك هو غياب المواكبة النقدية اللصيقة بالعمليات الإبداعية في الخط العربي فأضحى الكل جميلا في فترات متقطعة من تاريخ الخط العربي.

فلما هيمن هذا الوضع على عمليات الكتابة استسلم النقد ولم تتم المواكبة المطلوبة، الشيء الذي فسح المجال لبعض من التردي في الكتابة الاعتيادية وفي فن الخط وذلك طبقا لِما صار عليه حال الخط واستدعته حالات التنوع، فكلف ذلك أن سار على طريق من التقليد، حيث اقتفى عدد من الخطاطين والنساخين أثر ذلك بما خطَّه السابقون ومن تبعهم على شاكلة واحدة. وبذلك انتقص حال الخط في بعض الأقطار ولم يحظ بشرف التقييد والضبط إلا بعودة النقد إلى المواكبة الصريحة، ولو أن هذه العودة كانت متدرجة ومحتشمة في بداية الأمر، إلا أنها اتخذت صبغة قوية ومباشرة فيما بعد، خاصة عند المتأخرين في الغرب الإسلامي عموما وفي المغرب خاصة، الشيء الذي أهل الخط من جديد ليسمو برونقه وأناقته وجماله، ويعيد مجده ومزاياه. وبذلك يمكن اعتبار أن النقد شرف ومكرمة للخطاط، لأنه المقوم الأساسي للخط، فاذا غابت الحركة النقدية فإن عنصر التطور كذلك يغيب بل يغيب الإبداع والابتكار في الخط ويسود الذوق في صناعة الجمال. وعلى هذا الأساس ظلت كل العمليات التجديدية في الخط العربي في كل البقاع العربية رهينة المقاربات والمفارقات بين الخط والنقد.

 

د. محمد البندوري

 

 

satta hashem2نحن من عالم ومجتمعات تكره الصورة، وهذه هي ثقافتنا التي ورثناها منذ دخول مجتمعاتنا الى الاسلام قبل مئات السنين، وكراهية الصورة هذه جاءت مع نبي المسلمين ومن الفقهاء بعده، وبسبب هذه الكراهية فقد اصبح الاسلام هو الديانة الوحيدة في العالم التي لم تستعمل الصورة او الرمز او التمثال لنشر عقيدتها الدينية او للدعاية والاعلام، وهذا على العكس من بقية الأديان، فإذا ذهبنا الى جامع او مزار إسلامي فلن نجد صورة الرب مجسدة ومعلقة ولن نجد سيرة النبي والصحابة مصورة كما في العقيدة المسيحية الكاثولوكية او الارثوذكسية او البوذية اوغيرها من الاديان، وإنما نرى في جوامعنا الخط والزخارف واذا تصفحت نسخ مخطوطات الحضارات القديمة وكتبهم الدينية خاصة فستجد ان الاناجيل مثلا مليئة بالصور والرسوم الايضاحية للنصوص المنشورة بينما القران قديمه وحديثه مليئ بالزخارف والرسوم الهندسية التجميلية عديمة المعنى، وهذه الأشكال الفنية الهندسية والمجردة هي التي تحكمت في سلوكنا البصري وتجربتنا مع الفنون البصرية كلها، وهي التي خلقت عاداتنا البصرية منذ القرن السابع الميلادي

وهذا ماجعل الفن التشكيلي او البصري الاسلامي عموما، كله فن للزخرفة والديكور والبهرجة وبعيدا تماما عن هموم الانسان اليومية ومواضيع الحياة العامة الا في بعض الحالات الاستثنائية، هذه المواضيع التي وجدت منفذا لها بغزارة عبر الصور الدينية ورموزها البصرية في باقي فنون المجتمعات غير الاسلامية حول العالم، وهذه العقيدة الاسلامية نفسها الكارهة للصورة والرمز والتمثال موجودة في باقي فروع الفنون الابداعية ايضا، وهي المسؤولة عن غياب المواضيع التراجيدية والملحمية في ثقافة مجتمعاتنا ليس بالرسم والنحت والمعمار فقط وانما بالشعر والادب والموسيقى وغيرها

لكن هذا الواقع قد تغير بعد دخولنا عصر الاستعمار، وإدخال المستعمرين الانكليز والفرنسيين بلداننا في العصر الصناعي والتكنلوجي، وادخالهم نظام التعليم الغربي الى مجتمعاتنا، ومن هذه المدارس وتقاليدها الغربية التي درسنا بها صارت عندنا فنون تشكيلية ومسرحية وسينمائية، وعقائد ايدلوجية تعتمد على الصورة لنشر افكارها ومخاطبة جمهور المتعلمين الذين نشأوا في تلك المدارس، وبدات الصورة شيئا فشيئا تدخل آلى منازلنا وتشكل عاملا هاما في وعينا

ولكن هذا لايعني ترسخها في الوعي واللاوعي بشكل عميق نظرا لحداثتها في تفكيرنا اولا ومقاومة الأجيال القديمة ورجال الدين المتزمتين لها ثانيا

والصورة الشخصية او البورتريه كمثال سواءا بالرسم او النحت، قد غابت من ثقافتنا المحلية منذ دخول الاسلام الى مجتمعاتنا وتدميرهم للحضارات التي سبقتهم كنتيجة لكراهية هذا النوع من الفن، قد اعادها الينا والى اصولنا الاولى قبل الاسلام نظام التعليم الجديد وزاد عليها التصوير الفوتغرافي والسينمائي من معنى وشعبية، فصرنا بفضل هذا التعليم ووسائل الحداثة الاوربية التكنلوجية نحب الصور ونحب الديكور والرموز مرة اخرى وأنشأت نظم التفكير الجديد لدينا وببطئ ثقافة بصرية جديدة حاولت وتحاول رد الاعتبار الى تراث الأقدمين الأوائل مؤسسي الحضارات الاولى، وفي نفس الوقت ربطتنا بتيارات العالم الصناعي الحديث وتقاليده المتمدنة، لذلك فأصبح رسم الأشخاص او نحت اشكالهم اوتصويرهم بالكاميرات أمرا عاديا ولازما في مجتمعاتنا ولايمكن لأي قوة مهما بلغت همجيتها ورجعيتها وتخلفها من رد حركة العجلة الى الوراء

الفنون التطبيقية الحديثة

فن العصر الزراعي وفن العصر الصناعي شيئان مختلفان من حيث المبدأ، الاول تأسس قبل عشرة الاف سنة مع نهاية العصر الجليدي الاخير في الكرة الارضية، ومع بداية الثورة الزراعية التي اعقبته خلال العصر الحجري الحديث.

اما الثاني فعمره مئتين وخمسين سنة فقط ان لم يكن اقل، واختلافهما في كل شئ، بالاشكال والمضامين والرؤية الفنية للعالم والاهداف الفكرية وتقنيات الاعمال والمواد الخام وقواعد العمل وكل شئ تقريبا

الاول فن مجتمعات الفلاحين نجده في جدارية في قصر او كنيسة او مزار، او تمثال من المرمر او النحاس، او انية من الخزف، او صورة مرسومة في كتاب، او سجادة من خوص السعف او النسيج، او لوحة زيتية او مائية وغيرها العشرات، اما العمود الفقري لمضمون هذه الاعمال الفنية والاشكال الفنية التي ابتكرتها مخيلة الفنانين في كل زمان ومكان في العصر الزراعي فهي متمركزة في ايادي السلطة والاغنياء ورجال الدين، وليس في يد الفنان الفرد، بمعنى ان الفنان لايقرر موضوع ومضمون ما يبدع وينتج الا اذا وصلته المضامين والموضوعات من اصحاب السلطة او المال او الواعظين، وما عليه الا صياغة الاشكال ضمن التقاليد الموروثة جيلا بعد جيل، وهذه ظاهرة عالمية تشترك بها كل الشعوب، وهذا هو الفارق الجوهري بين الفنان في العصر الفلاحي والفن والفنان الحديث في العصر الصناعي

فالفن والفنان كما نعرف اليوم اعني في عصرنا الصناعي ومن تجربتنا في الحياة اليومية، كامن في كل نفس بشرية تولد في هذا العالم، على شكل استعداد طبيعي غريري نفسي للحس الجمالي والعاطفي نحو الاشياء والاخرين، اي ان جميع الناس يولدون فنانين، والفارق هنا هو بكمية وجود هذا الفنان في هذا الانسان او ذال وليس في النوعية، وهذه هي البذرات الاولى لكل نفس سترتقي لاحقا في الحضارة كفاعل ايجابي، وربما في مديات التاريخ الشخصي القادمة للفرد، ستندفع تلك البذرات لتصبح فنانا محترفا يرسم او ينحت او يرقص ويغني .

هذا هو الميكانيزم الطبيعي لظهور الفنان عامة وتطوره في كل واحد منا ضمن عوالم الانسان المحدودة في مجتمعات الثورات الصناعية الحديثة، وهذه ظاهرة جديدة لايزيد عمرها على القرنين من الزمان .

الديني والدنيوي

في سنة 1866 تأسست في بريطانيا الجمعية العلمانية الوطنية برئاسة جارلس برادلف عضو البرلمان عن منطقة نورثهامتن انذاك وهي اول جمعية من نوعها بالعالم على حسب علمي، وفروعها مازالت موجودة الى يومنا هذا في كل المدن الكبيرة، وقد باعت في السنين العشرين الاولى فقط بعد تأسيسها اكثر من ثلاثة ملايين نسخة من مقالات ومؤلفات اعضاءها وكلها كانت في مقاومة الدين ورجاله، ونجحت في الدعاية للعلوم والاداب والتحرر من النوازع الدينية والرقابة الاسرية القوية والتي تميز المجتمعات الزراعية والفلاحية، هذه النوازع التي اصبحت ضعيفة في المجتمعات الصناعية بفضل مثل هذه الجهود وغيرها، قارن مثلا الانهيار الكبير للقيم الاخلاقية لمجتمعات الفلاحين التقليدية كما في مجتمعاتنا بما هو حاصل في المجتمعات الحديثة وخذ الزواج في شكله التقليدي بالمجتمعات غير الصناعية مقارنة بالعلاقات المفتوحة بين الجنسين في الدول الصناعية

وهكذا ومنذ ان تأسست هذه الجمعية ونشرت افكار اعضاءها فأن العلوم الحديثة والابحاث الاكاديمية الرصينة تستخدم مصطلحات الديني والدنيوي عند الحديث عن مضمون الظواهر الاجتماعية او الثقافية او السياسية وغيرها لتفسير وقائع التاريخ والفكر وتقديم دروسها للاجيال اللاحقة .

فنحن نقول عند رؤيتنا للروائع الفنية مثلا، كالاعمال النحتية الخالدة للفنانين الاشوريين العظام فنصفها بقولنا هذه المنحوتة او تلك هي عمل فني ديني وعندما نصف لوحات الفنان من العصر الحديث نقول هذا فن دنيوي لان مضمون وغاية هذا العمل الفني او ذاك هو الذي يقرر صفته في هذه الحالة، او نقول هذه رواية دينية ولا نقول هذا فن علماني، كذلك نصف الجامع مثلا فنقول انه مكان للعبادة اي انه مبنى ديني بينما نصف الحدائق العامة بانها امكنة للراحة والترويح فهي مكان دنيوي وليست مكان علماني، وهذا يسري على الاف الامثلة المشابهة في فروع المعرفة الاخرى وبعكسه سيكون تجاهل هذا سخافة، كسخافة كتبة الاسلام السياسي فيما يقولون.

وعليه فان الواقع في بلادنا يقول بان كل ماحدث في الماضي القريب وليس البعيد للقبائل المنسية في صحاري العرب والشرق عامة من حروب ودسائس وعمالة في ظل الصراع الدولي في المئتين سنة الاخيرة منذ بداية الثورة الصناعية وعصر الاستعمار يجثم على نفوسنا الان مثل كابوس دائم لايمكن الفكاك منه، وقد نجح دجالي الاسلام السياسي بالاربعين سنة الاخيرة على وجه التحديد في توظيف الصور والرموز التي ابدعتها المخيلة الدنيوية والتي احتقرتها وحاربتها ديانتهم وازدرتها عقائدهم على مدى مئات السنين الى اسلحة دعائية فتاكة تعج بها قنواتهم التلفزيونية ومنشوراتهم الدنيئة لسحق انسانية مابقي لنا من انسانية وتكريس الجهل والتخلف في مجتمعاتنا.

 

mohamad albandoriلقد تميزت التجربة الشعرية العربية القديمة بخصائص حملت طبيعة إنشادية في المرحلة الشفوية واتسمت بمظاهر مختلفة في مرحلة الكتابة والتدوين، حيث لعب الخط العربي خلالها دورا فاعليا. لكن بالنظر إلى خصوصية التجربة الشعرية الحديثة في ارتباطها بالخـط العربي، فإن هناك مفـارقة كبيرة، حيث استجابت هذه الأخيرة لتحولات فكرية وثقافية وظهرية بصرية انعكست على الشعر الذي أصبح الشكل البصري أحد مقوماته. فقد تلاحم جمال الخط وأناقته وتشكيلاته بجمال الشعر وعذوبته ف:" للألفاظ دلالات صوتيـة.. ولا يقارب وضوح مـدلولاتها في الأدب إلا وضوح الشـكل والرسم."[1] يقول العمري حول النظرية البصرية:" وهي تتجلى في ثلاثة مظاهر: خطي ولوني وتشكيلي، فالمظهر الخطي، وهو أكثر ميلا إلى اللسـانيات يرى في الحروف صورة لمعاني الكلمات."[2]

وقد ترتب عن هذا المظهر ما اصطلح عليه بالتجربة الكاليغرافية خصوصا المغربية منها للشعراء المغاربة في فترة السبعينات من القرن العشرين مع كل من: بنسالم حميش ومحمد بنيس وعبد الله راجع واحمد بلبداوي ومحمد الماكري، مستغلين:" غنى الأشكال الفنية للحروف في دوراناتها واستقامتها وميلانها وبداياتـها ونهاياتها وايقاعاتها."[3] وهكذا تكون الخطـوط بجماليتها قد:" استرعت بحروفها المتعددة أنظار الشعراء."[4] حيث تم إبداع قصـيدة مغايرة بتوظيف البعد الجمالي للدليل الخطي ومخاطبة عين القارئ بدل سمعه. وهذا طبيعي بالنسبة لمجال الشعر باعتباره يستوعب كل الفنون يقول ميشال عاصي:" لأن الشعر بالإضافة إلى مادة الفن الأدبي، وهي ألفاظ اللغة، يشتمل على مواد سائر الفنون الجميلة الباقية.. ومع تزاوج الحروف والألفاظ.. والشعر بوجه مخصوص يستأثر بميزات الفنون الجميلة كلها."[5]

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الخط العربي في جمالية النص الشعري لدى النقاد المحدثين. فنظرا لغنى الخط العربي وتفوقه بأبعاده الرمزية والايحائية المتنوعة، وجد فيه الشعراء والفنانون مادة طيعة لنقل مشاعرهم وتوصيل معانيهم، وذلك لأن :" للحروف قيمة رمزية يؤدي اكتشافها إلى استجلاء جملة من الحقائق الأخرى."[6] مما عمق من صيغ الجـمال التي رافقت الخط العربي وألبسته اهتمام جميع الشرائح المثقفـة منذ بداياته الأولى وطيلة مسيرته الطويلة بين حقـول معرفية ومجالات فنية مختلفة، وقد أدرك الشعر المغربي المعاصر دور الخط العربي في إضفاء الجماليات[7] على بنياته، فاعتمد الشعراء على هذا الخـط اعتمادا كبيرا قياسا بانفتاحه ورمزيته. واعتماد الشعراء على أبعاده الجمالية والرمزيـة تغني من دلالات القصيدة فقد:" صار يثير انتباه الكتاب والشعـراء على السواء، وذلك علامة على أن الحـرف بدأ يحتل مكانة في البصـر الى جانب مكانة الصوت في السمع، وينحت له صورة في الخيال إلى جانب الصورة الصوتية للمسموع."[8]

إن فطنة البعض لأهمية الخط العربي والكتابة في جمالية النص الشعري كان نتيجة ما تتيحه من:" إمكانيات كبيرة قد لا تتيحها الشفوية."[9] فهي مثلا:" تقوي احتمالات اللعب بعناصر اللغة، اللعب بالحروف مثلا."[10]   ولا شك أن الوظيفة البصرية وبنية المكان كان لهما محل في البناء الخطي حيث ساهم الخطاطون العرب ببراعتهم في هذا المجال الى حد جعل كل دارسي الخط العربي من العرب والأجانب يجمعون على أن الفنان العربي قد جعل للكلمة وظيفة جمالية بصرية الى جانب وظيفتها السمعية. وتفاعل المثقفون والنقـاد العرب المحدثون مع جمالية الخط العربي وبنياته ومكوناته، فأولوا أهمية للحـرف العربي الذي هو حسب عمران القيسي:" إحدى أهم الظواهر الحضارية، وقد رافق في تطوره الجمالي تطور حضارة أمة بأكملها."[11]

فهو :" الفن الجميل الذي توج الحضارة العربية والحضارات الاسلامية الأخرى، وهو يختلف عن الخطوط الأخرى ويمتاز عنها في تجاوزه لمهمته الأولى وهي نقل المعنى، إلى مهمة جمالية أصبحت غاية بذاتها."[12] وبذلك فقد شكل عمودا أسـاسيا يتجاوز الصيغ المألوفة، بعد توظيفه جماليا وبشكل مغاير في القصائد الشعرية التي اصبحت تخاطب عين المتلقي أولا من خلال بسط التشكيلات الخطية ومزجها باللغة. في إطار ما يسمى بالشعر البصري أو الفضائي، وهذا النمط يتجلى واضحا وبالأساس في الشعر المغربي الحديث. ولعل محمد بنيس أول من أومأ إلى هذا الموضوع من خلال دعوته أولا الى الاهتمام ببنية المكان:" لم يتطرق النقاد لبنية المكان في المتن الشعـري المعاصر، وعدم احتفالهم بهذا المجال البصـري يعبر بوضوح عن تحكم التصور التقليدي في قراءة النص الشعري."[13] علما ان النقاد العرب القدامى خصوصا :" المتأخرين منهم قد انتبهوا لأهمية المكان في تشكيل النص الشعري، ونجد النقاد المغاربة والأندلسيين يفطنون لهذا المجال ويدخلونه ضمن أبواب البديع."[14] واحتل الخط العربي مكانة لائقة ونال أهمية في هذا المجال، فمن خلال :" الكتاب النقدي: الوافي في نظم القوافي للناقد الشاعر أبي الطيب صالح بن شريف الرندي[15] صاحب النونيـة الشهيرة الذي اشتهر بمثل هذا الاهتمام حيث أورد لنفسه قصـيدة على شكل خاتـم في الباب السابع والثلاثين من أبواب البديع."[16] يشكل فيها الخـط المغربي المبسوط والخط المغربي الأندلسي قاعدة التشكيل. يقول محمد بنيس :" فقد انتبه بعض النقـاد العرب القدمـاء وخاصة المتأخرين منهم لأهميـة المكان في تشكـيل النص الشعري، ونجد النقاد المغاربة والأندلسيين يفطنون لهذا المجال ويدخلونه ضمن أبواب البديـع من القرنين السادس والسابع."[17] وممن :" اشتهر من المغاربة والأندلسيـين الشاعر احمد بن محمد البلوي القضاعي الذي له أشعـار مكتوبة على شكـــل مربعات ."[18]

وبخصوص القرنين السادس والسابع فإن:" تشكيل المكان بالنسبة للقصيدة المتساوية الشطرين أو الموشح قد احتل عناية كبرى لدى النقاد والشعراء معا، ومن تم ظهرت ـبعض التشكيلات المكانية للنص الشعري."[19]

   وبخصوص الاهتمام بالجانب البصري في التراث الشعري العربي القديم يقول محمد بنيس إنه :" تجلى بوضوح لدى الخطاطـين الذين كانوا يفتنون في تخطـيط القصائد والدواوين، وبالأخص عند أولئك الذين لهم ولع بالخط كفن وكعنصر أساسي من عناصر التشكـيل العربي الاسلامي."[20] فأولئك :" الخالقـون لرافد من روافد التشكيل العربي الإسلامي هم الذين انتبهوا أكثر من غيرهم لخاصية المكان في النص الشعري."[21] يقول عفيف البهنسي:" فالخطاط العربي قد نجح منذ القديم في تحريك مساحات الأبيض والأسود، مستغلا شموخ الحرف العربي وقوته، ونجـد ليوناردو دافنتشي أحد رواد النهضة بأوربا يقدم نصائحه لتلاميذه والتي لازال معمولا بها حتى الآن يقول: إن الألوان تبدو أكثر وضوحا إذا وضعت أضدادها.. فاللون الأبيض يبدو أكثر ضياء من الأسود."[22] علما بأن:" الخـط واللون هما جوهر الفن."[23] ولتجاوز بنية الزمان المتحكمة في الشعرية العربية إلى بنية المكان، يرى محمد بنيس لزومية عنصرين أساسيين، يتمثل الأول في لعبة الأبيض والأسود حيث :" تعيش النصوص صراعا بين الخـط والفراغ أو بين الأسود والأبيض."[24] ويبقى :" الإيقاع في لعبة الفراغ من أهم ميزات فن الخـط العربي. ولأن العلاقة بين النص الخـطي والنص الخطابي علاقة عضوية، فإن موسيقى اللغة العربية تتجلى في صيغ الخط، مما يجعلنا نسمع هذه الموسيقى من خلال جمالية الشكل الخطي."[25] بينما يتمثل العنصر الثاني في دعوته الملحة إلى تجاوز الخط المطبعي[26] لأنه:" عادة ما يلغي النص كجسد، حروف باردة تسقط على الأوراق البياض، يتحكم فيها سفر من اليمين إلى اليسار يختزن النص في معنى والمعنى في كلام، يمحو نشوة القراءة[27] وتعدد الدلالة."[28]

 

د. محمد البندوري

.......................

[1] الفن والأدب ميشال عاصي مؤسسة نوفل بيروت الطبعة الثالثة 1980م

[2] تحليل الخطاب الشعري العمري ص 223

[3] الحرف العربي د عبد الغني النبوي الشال مجلة الفن التشكيلي العدد الأول محرم 1418هـ ص 24

[4] الحرف العربي عبد الغني النبوي الشال مجلة الفن التشكيلي ص24

[5] الفن والأدب ميشال عاصي مؤسسة نوفل بيروت لبنان الطبعة الثالثة 1980 ص47

[6] الحروف العربية من التصوف الى التشكيل عمران القيسي مجلة الفكر العربي العدد 15 يونيو 1980 ص 173

[7] يقول ميشال عاصي: ينبغي اعتبار الأعمال الجمالية في دائرة السمع والبصر( الفن والأدب ميشال عاصي ص 49)

[8] تحليل الخطاب الشعري العمري ص 207

[9] نفسه، 204

[10] نفسه، 204

الحروفية العربية من التصوف الى التشكيل ص 184 [11]

[12] علم الخط والرسوم عفيف البهنسي دار الشرق للنشر مطبعة العجلوني دمشق الطبعة الاولى 1425هـ 2004م ص24

[13] ظاهرة الشعر العربي المعاصر في المغرب محمد بنيس ص95

[14] ظاهرة الشعر العربي المعاصر ص 95

15هو صالح بن أبي الحسن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم علي بن شريف يكنى بأبي الطيب وأبي البقاء، كان فقيها حافظا متفننا في النظم والنثر وله مقامات ومختصر في الفرائض وكتاب الوافي في نظم القوافي (الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي المجلد الرابع القسم الثاني تحقيق إحسان عباس دار الثقافة بيروت ص 136 .

[16] ظاهرة الشعر العربي المعاصر ص 96

[17] ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب محمد بنيس ص95

   [18] نفسه، ص 95

[19] نفسه، ص 98

[20] نفسه، ص 98

[21] نفسه، ص98

[22] علم الجمال عند أبي حيان التوحيدي عفيف البهنسي بغداد 1980 ص 175

23 عصر الصورة السلبيات والايجابيات شاكر عبد الحميد عالم المعرفة سلسلة كتب ثقافية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت يناير 2004 ص 252

[24] ظاهرة الشعر العربي ص101

[25] علم الخط والرسوم عفيف البهنسي دار الشرق للنشر مطبعة العجلوني دمشق الطبعة الاولى 1425هـ 2004م ص30

26 يقول محمد بنيس: إن القصيدة التي نقرأها على صفحة جريدة أو مجلة أو كتاب عادة ما تتعرض لتحريف خارج عن إرادة الشاعر، يتمثل في حذف أو زيادة أو تغيير حرف من الحروف (ظاهرة الشعر المعاصر ص 194)

27 أورد محمد بنيس نماذج من الخطأ المطبعي الذي يغير دلالة النص ويصعب قراءته مما يحد من نشوة القراءة: فقد أورد على سبيل المثال نموذج احمد صبري: عريت في سد الجمارك اللصوص – الباحثين عن الحقيقة في العيون وفي الجيوب- عريت (البياض) لسد العريض- (بياض) اشتريت الريح عانقت الهواء- لما (بياض) بادر في النهار. يقول محمد بنيس فالبياض يتكرر أكثر من مرة. وفي النموذج الثاني لمحمد الخمار الكنوني: أثمرت من حدود المحيط إلى النهر كالحقول – فارتفعت لعة ولعات تزول – حينما أزهرت لم تكن لغة البيع والغين قد بدأت – لم تكن كلمات السماسرة ارتفعت- انما عبرت لغة هي بين الغناء وبين الهذهول. يقول محمد بنيس: نجد حذف نقط الحروف بالإضافة إلى زيادة الهاء بين اللام والذال ( ظاهرة الشعر المعاصر محمد بنيس ص 195)

[28] بيان الكتابة ص 46 و47

 

 

استطاع مجموعة من الصحفيين اليوم رؤية، الزيارة، لوحة التي رسمها اليوناني (1541-1614) للمصلى المؤسس من قبل ايزابيل اوباية في كنيسة طليطلة. لم يستطع الخبراء لحد الان الاقتراب من الزيت من اللوحة لمسافة متر او 80 سم، والتي تٌظهر زيارة مريم العذراء من إبن عمها القديسة أيزابيل، أمرأتان بالزي التقليدي ذو اللون الازرق وتحيي كلاهما عند الباب. منذ احتفال عام 2014 علم اليوناني بوجود قطعة القماش، لكان مكانها كام غامضاً، ولا يزال. ولا حتى اصالتها مضمونة 100%، بسبب عدم تخويل صاحبها للاختبار الكيميائية والاشعاعية.

1572 aydaaاظهارها متحف اليوناني في طليطلة هذا الصباح، ومديرها خوان انطونيو غارثيا كاسترو، كان مقتنعاً بأصالتها بالرغم أصر على اهمية اجراء هذه الاختبارات. وأكد انه من "الممكن" ان تكون اليوناني. لحد الأن توجد أدلة وثائقية، العقد الذي تكفله الرسام وثلاثة اخرون، القديس بدرو، والقديس الدوفونسو، والطاهرة، كلهم في مصلى اوباية لكنيسة الشهيد القديس فيسنتة. فضلاً عن انها تحتوي على مطالبة ابن الرسام بالاعمال التي يتعين دفعها.

عرفت مؤرخة الفن ماريا دلمار دوفال باعلان خاص عن وجود هذه القطعة عام 2014. هي رأته في نفس المنزل في طليطلة منذ حوال أكثر من 20 عاماً. اللوحة بحالة ممتازة جدً، لم تنقل كثيراً ولم تتأثر بالتقلبات. ألونها تلمع وأثار المعلم لا تقبل الجدل، بالنسبة لدوفال. ذكرت ملامح لباس المرأتين التي لا تنصهر مع الخلفية، "اليوناني"، رأس الشخصين، وقرط العذراء، وبعض التفصلات.

أقترح مدير المتحف على المالك أجراء بقية الاختبارات. وأكد بما تنفع لوحة كهذه اذا جُهلت اصالتها؟ بينما بقت اللوحة معروضة اشهر عدة، واحدة من القلائل التي لم تحدد، على انظار الخبراء. "هناك امكانيات كبيرة ان تكون اصلية" هذا ما أكده غارثيا كاسترو، الذي وضع فاتورته ابتداً من 1608. توفي اليوناني عام 1614.

 

مقالة كارمن موران في صحيفة البايس الاسبانية.

ترجمة المترجم الاقدم: عائدة هاشم يوسف

 

mohamad albandoriلا شك أن التفكير النقدي المغربي قد مر بمراحل توجت بوجود الوعي بالقيم الجمالية للخط وإنشاء بلاغة خطية مغربية. بل إن الخط المغربي أضحى أحد العلوم البلاغية في النصوص الجمالية في اتصال بكل الأساليب والوسائل التي أسهمت في نشوء ظاهرة البلاغة الخطية على نحو تتم به عملية الإدراك والتبين والفهم والقراءة. فكما ظهر البديع الذي ارتبط بالتحول الحضاري والتحول في عقلية الإنسان المغربي حيث ظهرت الخصائص الفنية في التعبير(البديع)، ظهر كذلك البديع في رسم الخط، وظهر ما اصطلح عليه آنفا: التشكيلات البديعية، التي دلت على التجديد في التعبير بطرق مختلفة من التزيين، في نطاق التوافق بين جماليات الخط وبواطن النصوص. فأصبح الرسم والخط العربي مبنيان بواسطة العلامات اللغوية الخطية.  فمع التمكن من التجويد الخطي، بدأ التكلف في التشكيل، وإدخال مختلف الزخارف والصور التي تحاكي الطبيعة في الخط، ولم يقتصر ذلك على الكتابة الخطية والزخرفية فحسب، بل تعداها إلى إنتاج معاني جديدة.

ويتبدى أن إطلاق العنان للتشكيل الخطي بالمغرب قد أدى إلى إنتاج علامات تماثلية، فتبدت عناصر الجمال في الحرف نفسه وفي الصورة الخطية جلية، مما أتاح فرصا كثيرة في تأويل رسم الحرف والتعدد في المعاني، وفي تأويل التشكيلات الخطية، حيث يمكن للحرف الواحد كما للصورة الخطية الواحدة أن ينتجا معاني كثيرة في آن واحد، كما أصبح الحرف الواحــد الذي يختلف في رسمه من رسم إلى آخر يشكل خزانا بصريا يمكن قراءته عبر نظام العلاقات البصرية وحدها وعبر نظام خطي يشكل بؤرة للجمال تتبدى أبعاده في كل حرف وفي كل كلمة وفي كل جملة وفي كل نص.

إن خصوصية العمل الفني للخط المغربي قد اقتضت ربط الصلة بين الخط والخطاب البلاغي نظريا وتطبيقيا، وذلك بما يجعله تأملا في الخط والفكر، فخصوصية العمل الحروفي وطبيعة الصورة الخطية تبين أن الخط صورة جمالية بالشكل الذي يوضع عليه رسم الحرف، وأن ذلك الرسم الذي يكون عليه الحرف هو في المقام البليغ إبداع ذهني يخضع للتطور المنهجي والفكري والحضاري في المنظومة الحروفية والنقدية، باعتبار أن الناقد هو المعني الرئيسي بعملية وضع رسم الحرف وإدراك خبايا شكل رسم الحرف برؤية عالمة وخبرة عارفة بحيثيات الحروف والخط، مع مراعاة الوصل في العملية الإبداعية للحرف على المستوى الثقافي والفني، بربطه بالقضايا المعرفية وقيمتها الفكرية. ذلك أن هذا الحرف قد احتاج إلى كيفية صناعة المفاهيم الفنية والجمالية، خصوصا وأنه يخترق كل المعارف. فإدراك ذلك هو إدراك شمولي للحرف في نطاق الوعي بالقيمة الخطية والقيم البلاغية، وفي نطاق معرفة علمية بشكله الذي يختزل العمل الفني والتشكيل الجمالي. ومن واجب العلماء إمداد المنظومة الحروفية بنظريات جديدة من خلال مجالهم التداولي للمحتويات الجمالية للحرف وذلك لوضع أسمى الجماليات الحرفية وإبداع معرفة تحيط بالحرف من كل الجوانب. وهو ما تأتى في المشهد الثقافي المغربي في مراحل من تاريخ المغرب العريق.

 

د. محمد البندوري

 

 

khadom shamhod2افتتح المعرض العالمي Arco آركو يوم 21 /2/ 2018 في العاصمة الاسبانية مدريد بحضور 211 كالري من 29 دولة اجنبية غالبتها من امريكا الجنوبية .. يضاف الى ذلك حضور اعداد كبيرة من تجار اللوحات ومقتنيها والمؤسسات والمتاحف الفنية وقد افتتحه الملك الاسباني فيليب السادس ..

شئ من التاريخ:

الملاحظ والظاهر للعيان في هذا المهرجان العالمي الفني هو كثرة وجود اللوحات الفارغة بكل انواعها واحجامها وكأنها تعلن افلاسها الفكري والتقنوي؟ . واحب ان استعرض شئ من التاريخ والآراء حول هذه الظاهرة .. اعتقد ان الكثير من المثقفين قرأوا عن نظرية المفكر الانكليزي توينبي Toynbee 1882 – التحدي والاستجابة – وهو يشرح عن موت الحضارات ونشأتها من جديد ب 12 مجلد . ويقول ان الحضارات تقوم وتصعد استجابة لتحديات سواء كانت مادية او اجتماعية، فعندما تصل الى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تواجهها فانها تدخل في مرحلة الانهيار .. ابن خلدون ايضا تطرق الى انهيار الدولة وتفككها وعدد اسباب ذلك منها مرحلة الفراغ والدعة والبحث عن الثروة والمال ..؟؟؟؟؟

كما اشار الفيلسوف هيجل 1770 عن موت الفن بعدما انتشرت نظرية ديكارت العقلية والتي ادت الى نفي حضور العناصر الحسية لصالح التفكير المنطقي .. ولكن المفكر الايطالي- فيكو 1744– تصدى لنظرية ديكارت وانقذ الفن من الهجمة الديكارتية .

و هناك آراء كثيرة قديمة تعود للفلاسفة الاغريق على ان الفن وكل الاشياء الموجودة في الحياة ما هي الا صورة خيالية مستنسخة لاخرى حقيقية موجودة في عالم المثل . وكذلك نجد عند الفلاسفة المسلمين نفس المفهوم مثل ابن عربي والغزالي وغيرهم حيث يذكرون ان الصورة الظاهرة ما هي الا انعكاس لصورة اخرى باطنة اعمق واكثر حقيقة ... وهذا ما توجهت اليه بعض المدارس الفنية الحديثة حيث ركزت على المفاهيم المعنوية وجعلت الوسائل المادية للفن في خدمتها .

موت الفن:

ذكر المفكر ارثر دانتو ان الفن بوصفه فكرة مطلقة لم يمت او اشرف على نهايته انما الذي اشرف على نهايته هو تاريخ الفن الغربي يعني ان الاساليب والمدارس والنظريات الجمالية والفلسفية وغيرها هي التي تشرف على نهايتها في وقت من الاوقات وتموت، وان الفن يبقى يعيش بصيغ واشكال جديدة ... الفن هو مشروع حضاري مثله كمثل العلم، وخلال تاريخه الطويل مر بمراحل موت ثم احياء، ولهذا يسمى احيانا عصر النهضة في اوربا (بعصر الاحياء) اي احياء الفن الاغريقي والروماني والعودة الى التراث . الحضارة ليست امرا ماديا حتى يتعلق بارض او تراب بل هي خليط من الابداعات الفنية والثقافية .. فالامم تموت والاراضي تزداد جدبا، ولكن الحضارة تهاجر من اصحابها وتبحث لها عن وطن آخر جديد .. نحن اليوم نقرأ لشعراء وفلاسفة الاغريق والعرب وهي امم قد ماتت وانقرضت . وهذا البقاء للافكار والعقول المبدعة هو اكثر انواع الخلود حقيقة وخيرا ..

في نهاية القرن التاسع عشر اشرفت المدارس الكلاسيكية الفنية ونظريات علم الجمال على نهايتها بظهور المدرسة الانطباعية واختراع الكامرة والرسوم المتحركة ونظرية علم النفس لفرويد وغيرها، فاعطت نتائج مذهلة وابهرت العالم وغيرت اذواق الناس ... ولهذا كان على الفن التشكيلي ان يبحث عن طرق جديدة يواكب بها التطور . وقد بذلت جهود كبيرة وشجاعة- وتحدي واستجابة - من قبل عدد من طلائع الفنانين الشباب في بداية القرن العشرين لوضع تعريف جديد للفن ومعانيه وتفسير فلسفة علم الجمال من جديد ..

منذ عقد الستينات والسبعينات يعتقد الكثير من النقاد ان الفن الحديث اخذ له طريق فلسفي مفاهيمي وصوفي كما هو عند الفنان الاسباني تابيس 1923 والامريكي جوزيف كوزوت 1945 وكتابه – الفن وراء الفلسفة - فعندما اكتشف الفن انه وصل الى نهاية دراسته وتحقيقاته اخذ يكرر مفرداته ومفاهيمه وبالتالي وصل الى نهايته او اشرف على نهايته . نعم قد تغيرت الادوات والتقنيات ودخلت التكنوجيا في الفن ولكن لم يحدث تطور؟؟؟ . مثلا ان الانقلاب الذي حدث من المفاهيم الكلاسيكية ونظرياتها القديمة الى مفاهيم الفن الحديث ومدارسه ونظرياته الجديدة، هذا يعتبرنوع من التطور ..

ظاهرة اللوحة الفارغة:

ظهرت جماعة في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر اطلق عليها اسم جماعة - عدم التناسق – Incoherencia وكان من ابرز هذه الجماعة هو Alphonse Allais حيث اقامت اول معرض لها عام 1883 تحت عنوان –معرض رسم للذين لا يعرفون الرسم – وكانت عبارة عن لوحات فارغة على الاطلاق اتخذوها للسخرية والضحك والتهكم على الذوق الفني في ذلك الوقت .

وفي بداية القرن العشرين ظهر الفنان Malevich وانظم عام 1913 الى مدرسة ماتيس الوحشية . ففي عام 1918 عرض لوحة بيضاء فارغة تماما اطلق عليها اسم – مربع ابيض على خلفية بيضاء – ثم جاء من بعده الفنان الامريكي Robert Rauschenberg 1925 حيث رسم لوحات فارغة وعرضها حوالي عام 1953 وقد احدثت ضجة وسخرية في نيويورك، ثم غادر هذا الاسلوب وتحول الى البوب آرت . بعد ذلك ظهر في عقد السبعينات الفنان William Turnbull 1922 - ومارس رسم اللوحات الفارغة وكانت احد لوحاته البيضاء قد بيعت ب 3000 ليبراس ... وفي عقود ال 50 و60 كانت نيويورك تعج برسامي اللوحات الفارغة ...

اليوم ليس غريبا ان نجد لوحات فنية فارغة معروضة في متحف او كالري او مهرجانات عالمية . ولكن السؤال الذي يراود الكثير من الناس وخاصة الفنانين هو: ماهو الدافع الذي يحمل الفنان الى رسم هذا اللون من الاعمال الفارغة؟؟؟ وما هو المبرر ان يدفع بعض تجار الفن مبالغ طائلة لاعمال بيضاء فارغة لا تقول شيئا؟؟؟ .. هل ان عالم الفن مجنون؟؟ او ان المشاهد لا يحمل القدر الكافي من الاحساس والمشاعر لفهم وتذوق هذا النوع من الفن؟؟؟.   قرأت نقد لهذا الموضوع في احد الصحف الاسبانية لاحد الفنانين الاسبان يقول كلما ادخل متحف او كالري وارى لوحة فارغة، اضع يدي على وجهي وابدأ بالبكاء نتيجة لهذه الهلوسات والافكار الفارغة والسخرية والتهكم على الناس والفن وعدم احترامه؟؟؟...

 لكن ربما هناك مبررات وتفسيرات لهذه الظاهرة وهي اعتقد ان التجريد وصل الى اقصى ما يمكن، فبدلا من ان يرسم لوحة ذات سطوح والوان متعددة، يأخذ جزء و يرسم لوحة بسطح واحد و لون واحد ..؟؟ وايضا يمكن ان نفسر ذلك حسب نظرية – الكم – للفنان العراقي محمود صبري، و- ال كم - هي مختصر الكيمياء حيث ان كل الاشياء المادية الموجودة في الحياة من ناحية علمية تتكون من ذرات متحركة فالسطح والخط والنقطة واللون والقماش والخشب وغيرها هي عناصر حية متحركة . وقد سبق وان كتبنا عن هذا الموضوع بشكل واسع ونشر قبل عدة سنوات . .. ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

mohamad albandoriلقد شكل الخط العربي في المشرق والمغرب وسيلة هامة لتحقيق التواصل ونقل المعارف، وقد اتخذ مسارا جماليا من خلال أسلوبه الفني الذي يقوم على التحاور بين اللون والخط والرمز، الذي يحفظ للأشكال بنائيتها، ويطوع جوهر الشكل لديها، ويتجه إلى شحن المفردات بتعبيرات متنوعة ودلالات متعددة عن طريق تحوير الوحدات التشكيلية واستدماجها في نسق جمالي، انطباعي أحيانا وعلمي ومنطقي أحيانا أخرى في مدركاته البصرية، يستند إليه شكل الحرف لخدمة الشكل الجمالي، فهو يروم جماليا وبلاغيا مختلف القيم البصرية التي تعتمد جمالية الأشكال الخطية، استنادا إلى الحقيقة التواصلية للخط، والحقيقة الجمالية للأشكال الخطية التي تستبطن تفاعلات ضمنية بالاسترسالات والمقوسات والمنحنيات وغيرها، مما يعني أن التفاعلات الضمنية مع أشكال الحروف مفردة ومركبة ومع الأشكال الخطية هي السبيل القويم لفهم الحقائق الجمالية والتصورية وإدراكها، حتى تبزغ واضحة المعالم.

إن التراث العربي الإسلامي يزخر بالقيم الخطية التي تتحقق في مدار الدلالة، على المستوى الجمالي والمعرفي والبلاغي، عن طريق العناصر الخطية والمفردات الفنية التي تؤدي إلى جانب وظيفتها في البناء الخطي أدوارا أخرى أجدى وذات أهمية قصوى، في ارتباط وثيـق مع كل سياقات التفاعل بينها وبين القارئ في نطاق تواصلي صرف. والخط العربي في هذا المعنى أداة جمالية للوصل تروم وسيلة بلاغية لها دلالاتها في سياقـات مختلفة بحسب الأجناس الأدبية والفكرية والفنية المتعددة. وقد لعب النقاد العرب المشارقة القدامى دورا محوريا في كل تلك العمليات التي قامت بتوجيه جمالية الخط نحو التواصل والتطور وارتياد عوالم إبداعية جديدة. لقد خلفت جهود العلماء والمثقفين والنقاد أثرا كبيرا في سلك الخط العربي منحى جماليا وبلاغيا، وشكل نقطة إيجابية في مسيرته نحو ارتياد عوالم جديدة أصبح لها أثر على النصوص الشعرية والنثرية وعلى كل الوسائل العمرانية العربية الإسلامية.

لقد أحس النقاد بجمال الخط في النصوص، وأدركوا خصائص لغة الخط، وذلك نتيجة تفاعلهم مع فن الخط ورصد جمالياته. فجماليات الخط لها جهازها المفاهيمي الذي منه تتشكل الرؤية النقدية والبلاغية.

ولا شك أن التحول الحضاري والثقافي والاجتمـاعي والاقتصـادي للأمة الإسلامية قد ساهم في العملية الإبداعية وما رافقها من طموح لتغيير مسار الخط العربي والتفنن فيه وتنويعه، كمــا أن "اضطلاع العرب بالعلوم الرياضية والهندسيــــــة"  ساهم في صنع أنـــواع جديدة بآليات جديدة وتقنيات جديدة حيث تعددت الأقلام وتنوعت الخطوط والكيفيات والتصورات والأفكار، وتمهدت الطريق للإبداع والابتكار بالصورة التي توصل إلى الهدف من العمل الخطي بما يشتمل عليه من عناصر تؤثث لكل مناحي الجمال وإنتاج الدلالات؛ فكان من الضروري تشييد معلمات فنية لصناعة الخط، لتحديد القيم الجمالية في التشكيل؛ لتوصيل كلام الله عز وجل في أحلى صورة مكتوبة وأجمل حلة يكون فيها كتاب الله المقدس؛ ولوشم المعالم الحضارية بالطابع العربي الإسلامي، خصوصا مع التقدم الفني والحضاري. فظل تأثير القرآن الكريم في بلاغة الخط جليا، حيث يظهر أن الأساليب الخطية وما صاحبها من تشكيلات جمالية قد نشأت في أحضان الآيات القرآنية الكريمة، ومنها استمد المبدعون الأبعاد الجمالية للخط الذي ساهم فيما بعد في وجوده البلاغي.

فإذا كان تأثير القرآن الكريم بما اشتمل عليه من نسق فني جميل قد ملك سمع الناس وقلوبهم، اعتبارا للإحساس بالأثر النفسي للقرآن الكريم، فإن علماء الخط قد جعلوا من كتابة الآيات القرآنية – عن وعي أو عن غير وعي- سحرا بصريا يليق بالسحر البياني في نطاق إدراك العلاقة بين السحر البياني والسحر الخطي وما يخلفه من أثر نفسي.

ولذلك فقد اجتهد العلماء في بلورة بلاغة خطية من خلال حاضرة علماء الخط وحاضرة الخطاطين وحاضرة النساخين ووضع معالم التقعيد والتحديد والتركيب والترميز والتدليل في نطاق نسق خطي بلاغي.

 

د. محمد البندوري

 

 

khadom shamhod2يبدو ان كل شئ جديد هو في حقيقته امتداد لفكر قديم قد طرح منذ عدة قرون او آلاف السنين غير ان ادوات ووسائل تلك العصور لازالت قاصرة او غير متوفرة لتحقيق تلك الاحلام والافكار والعلوم، مثل فكرة الطيران التي طرحها العالم الاندلسي عباس بن فرناس في بداية القرن التاسع وتحققت عمليا بعد مرور 1200 سنة.. جماعة الانبياء هي عبارة عن مجموعة من الفنانين الشباب الذين اتخذوا الفكر المفاهيمي والصوفي مذهبا لهم، وظهرت في فرنسا حوالي عام 1892 . هؤلاء كانوا قد درسوا علم اللاهوت الشرقي من الديانة المسيحية واليهودية والفارسية والاسلامية وغيرها .. وارادوا ان يعيدوا الدين المسيحي الى اصوله الوحدانية الروحية، فعاشوا جميع الطقوس وجميع الثقافات والعقائد والتي اصبحت واضحة في اذهانهم، بعدما اعادوا قرأة التلمود والانجيل والقرآن وتعلموا اللغة العربية والعبرية ... وعاشوا الفكر الصوفي الوحداني العربي والذي يقوم على الزهد وتعري الانسان من الوجود المادي والاتصال بالمطلق عن طريق الرياضة الروحية التي هي عند الصوفية من المبادئ الاساسية، والتحرر من الشهوات الجسدية المادية، واتحاد النفس بالله اتحادا تاما ... (انا الحق .. /ابن عربي). وكان الطريق الى الباطن هو المسلك الصحيح للوصول الى المطلق .

هؤلاء كانوا يجتمعون في اماكن سرية ويرتدون الملابس العربية الشرقية ويتكلمون بالفاظ وكلمات ورموز عربية ويمارسون الطرق الصوفية (التي فيها احيانا نوع من الهلوسة)، كما هو معروف عند الجماعات الصوفية المنتشرة في عالمنا الاسلامي مثل مصر ودول شمال افريقيا وغيرها. وكان مؤسس هذه الجماعة بول سيروزيه واصدقائه اميل برنار، موريس دوني، وبيير بونارد، و قد زاروا الدول العربية في بداية القرن العشرين مثل مصر والجزائر وتونس وفلسطين .. وكانت دهشتهم لا توصف حيث كان حلم يراودهم طيلة حياتهم وقد تحقق . وها هم في الارض المقدسة ومهبط الكتب السماوية و ناسها وتقاليدها وثقافاتها وصوفيتها وحيث الجمال والالوان الحارة والشمس الساطعة والناس وطيبهم العريق .. وكانت هذه الجماعة واحدة من المدارس الغربية التي جذبها حب الشرق وفنونه و ثقافاته، وبعدها ظهرت المدرسة الوحشية التي سلكت باسلوبها الفنون الاسلامية .

اسلوبهم وتقنياتهم الفنية:

كان الانبياء قد اتخذوا طريقة الفنان كوكان منطلقا لاساليبهم وتقنياتهم وفلسفتهم المفاهيمية من ناحية التبسيط والاختزال والتسطيح والالوان الحارة والمباشرة . والقصة معروفة بين كوكان وسيروزيه، عندما علمه الرسم حيث خاطب كوكان سيروزيه كيف ترى لون الشجرة قال سيروزيه : اصفر، حسنا ضع ابهى اصفر لديك . وكيف ترى لون الارض قال: حمراء، اذن ضع اجمل احمر لديك ..

.. كما اتخذوا البسط والزخارف الاسلامية عناصر تشكيلية في بناء اللوحة، يضاف الى ذلك ادخلوا بعض الرموز مثل الحروف العربية، وحتى ان البعض منهم كان يوقع على اللوحة بحروف عربية .. كما استخدموا مدلولات الارقام ورموزها . فالرقم واحد يتضمن جميع الارقام، ورقم اثنين يمثل الصراع بين مبدأين، والرقم ثلاث يعني الثالوث ويعني ايضا الله، وله اهمية كبيرة في الرسم حيث يشكل مساحة تشكيلية بارزة وجميلة وراسخة، وغير ذلك من الارقام ومعانيها ..

و قد ذكر فيثاغورس ان كل شئ في الحياة مرتبط بالارقام . وقال جاليلو : ان الطبيعة كتاب مكتوب بلغة الارقام .. ويقول احد العلماء- ان الانسان رقم وحرف - والدلائل موجودة في القرآن والعلم وغيره . ولهذا اتخذ هؤلاء مصطلحات رمزية وغامضة صوفية المنحى . وقال احد النقاد وهو كاسو بان هؤلاء كان لهم وضوح في الاتجاه الفكري والرمزي . (الاندفاع الذي يودي بالفكر الى الاستغناء عن كل صنعة وتعقيد، والعودة الى الحالة البكر القديمة)

هؤلاء الانبياء يذكروننا بجماعة اخوان الصفا السرية الذين جمعوا بين الفكر والعقل والتصوف

والنسك والفلسفة . وقد بحثوا في فلسفة الارقام والحروف ومعانيها ومدلولاتها، وبقوا قرونا عديدة لم يعرف احد عن اسمائهم واصولهم، وقد تخلوا عن الذات وقتلوها في سبيل المعرفة والعلم .. نحن اليوم نرى ان البعض عندما يؤلف وينشر له كتاب تقام الدنيا ولا تقعد، وتجند له جميع وسائل الاعلام اطراءا ومدحا ؟؟ ...

و كان الانبيا مختلفين في الاساليب ولكل واحد منهم تقنيته الخاصة به ولكنهم متفقين في الفكر الصوفي وطقوسه وتقديم الفكر على العمل الفني والذي يعتبر الوسيلة للوصول الى الجوهر المطلق .. وكان الانبياء قد اصدروا مجلة تدعى – البيضاء – حيث نشروا فيها آرائهم الفكرية والفلسفية . وكان آخر معرض لهم اقيم عام 1899، ثم تفرقو واستمروا على فلسفتهم الصوفية والمفاهيمية . ......تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

adnanhusan ahmadاحتضنت المكتبة الإسلامية بمدريد لوحة "وجوه" للفنان التشكيلي العراقي عبدالكريم سعدون المقيم في السويد حاليًا علمًا بأن هذه المكتبة التابعة "لوكالة التعاون الدولي" قد اقتنت لوحات أخرى لفنانين مهمين من جنسيات مختلفة وقبِلت في حالات نادرة جدًا بعض الأعمال الفنية المتفردة كهدية من مبدعيها الذين رغبوا في تعليق أعمالهم الفنية على جدران هذا الصرح الثقافي الذي يعتبر غاية لكل فنان جاد يفكر في إيصال ثيمته، وتقديم خطابه البصري إلى الشريحة المثقفة التي ترتاد  هذا المكان، وتتفاعل مع أيقوناته الفنية الجذّابة، تمامًا كما فعل الفنان عبدالكريم سعدون حيث أهدى لوحته ضمن شروط مُحددة وهي أن تُوثّق بشكل رسمي بالنص والصورة، وأن تُدرج في كتالوغ المكتبة، وتُعرَض في صالة القراءة، وهي للمناسبة العمل الفني العراقي الثاني في هذه المكتبة بعد لوحة "لفظ الجلالة" التي اقتناها القائمون على المكتبة عام 1968 من الفنان والحفّار العراقي المشهور فائق حسين، المولود في الناصرية عام 1944، والذي اشتهر برسم الرؤوس المسجونة في مكعبات زجاجية تاركًا بصمةً قوية في المشهد التشكيلي العراقي.

على الرغم من أهمية الاحتفاء بهذة اللوحة الفنية في المكتبة الإسلامية بمدريد إلاّ أن هدف المقال يذهب أبعد من الحدود الاحتفائية العابرة، فهذا العمل الفني المتفرد يمثل نقطة فاصلة في حياة الفنان عبد الكريم سعدون، بل هو يؤشر على مرحلة انتقالية في عموم تجربته الفنية التي غادر فيها فن الكاريكاتير ورسوم الأطفال ليشرع في رحلته الجديدة التي تتمثل بالرسم والنحت معًا. ففي عام 2001 نُظم له في "قاعة أكد" ببغداد معرض شخصي مهم ضمّ خمسين لوحة تتمحور على ثيمة "الوجوه المكمّمة الأفواه" ولكنه لم يستطع أن يتكلم بالفم الملآن ويُفصح عن الفكرة الأساسية صراحة فلاغرابة أن يلتجئ إلى التورية  Periphrasis التي تحتمل معنيين أو قراءتين، الأولى قريبة إلى الذهن لكنها غير مقصودة كأن يقول "وجوه أعرابية مثلمة تتقي الغُبار"، والثانية بعيدة عن الذهن لكنها مقصودة حينما يقول "وجوه مكمّمة الأفواه" ليشير جهارًا نهارًا إلى القمع، وكبت الحريات، ومصادرة الحقوق الفردية والجماعية، والغرض من هذه التورية الفنية هو إثارة الذهن وتأجيجه، والتملص من المسؤولية القانونية في الوقت ذاته. ولو دققنا النظر في لوحة "وجوه" لوجدناها تتألف من أربعة فيكَرات تشخيصية مُعبِّرة، ثلاثة منها لكائنات بشرية مُكمّمة الأفواه، والفيكَر الرابع هو الهلال في إشارة واضحة إلى الموروث العربي والإسلامي المستقر في ذاكرتنا الجمعية. وبما أن عبدالكريم يَعتبر الفنان المبدع "مُركِّب علامات" فيتوجب علينا أن نفكِّك العلامات البصرية الأخرى المُرافقة للفيكَرات الأربعة التي استجارت بالتورية الفنية اتقاء لأعين المتربِّصين. وإذا اعتبرنا هذه الفيكَرات متنًا للوحة فإن هوامشها هي العلامات الرمزية التي يمكن أن نجدها في وشوم النساء الريفيات والبدويات تحديدًا.

155 abdulkarimsadon1

لا يراهن الفنان في هذه اللوحة على الشكل فقط وإنما على المضمون الذي ترجّحت كفتهُ منذ البدء ولا غرابة في ذلك حينما يعرف المتلقي بأن خلفية عبدالكريم كاريكاتيرية تهمهُ الفكرة اللاذعة التي توخِز المُشاهد وتتمنى عليه أن يلتقط التلميحات والإشارات الدّالة التي تتكشّف أمامه رويدًا رويدا ويصل في خاتمة المطاف إلى حلّ اللغز المضموني القائم على مفارقة فنية تحتاج إلى نوع من التحدّي الذهني الذي لا يخلو من متعة بصرية مريحة للنظر المُستَفزّ والأعصاب المشدودة.

دعوني أستلف من الفنان نفسه فكرة "الانتقال الأسلوبي" التي تحدث عنها بعمق ووضوح في الفيلم الوثائقي المعنون "عبد الكريم سعدون والطفولة المُستعادة" الذي يتمحور حول معرض 2001 تحديدًا حيث يقول في سياق حديثه أنه انتقل من إبراز الخط على حساب اللون تارة، إلى اختزال الجسد وتسطيحه تارة أخرى، ثم العودة إلى استعمال اللون في إظهار بنية الجسد كعلامة رئيسية مُختَزلة برأس فقط لكنه يمثل الجسد برمته" ويؤشر على هذه الانتقالات الأسلوبية منذ أواسط الثمانينات، مرورًا بأوائل التسعينات، وانتهاء بمعرض 2001. لا أحد يشكّ في أهمية الرأس، ودلالته التعبيرية التي قد تغنينا في بعض الحالات عن تعزيز العمل الفني برموز إضافية ويكفي هنا أن نشير إلى "الرؤوس المقلوبة" التي يشتغل عليها الفنان علي طالب، أو "الرؤوس" التي حبسها الفنان فائق حسين مُستغنيًا عن بقية أعضاء الجسد. ما أعنيه أن هذه الفكرة ليست جديدة، وقد تمّ الاشتغال عليها من قبل فنانين كثيرين، ومع ذلك فنحن نعوّل على المقاربات الفنية التي لم يطرقها أحد من قبل بذريعة أن "الأفكار مُلقاة على الأرصفة" وبإمكان الجميع أن يلتقطوها ويتعاملون معها بالطريقة التي يرونها مناسبة، وهذا ما فعله بالضبط عبدالكريم سعدون المنهمك بالتجريب منذ أربعة عقود تقريبًا مستفيدًا من شطحات الكاريكاتير، ورصانة التصميم، وجمالية الخط العربي، ورسوم الأطفال التي تعزز عمله الفني المعاصر.

155 abdulkarimsadon2

يُدرك عبد الكريم أن مرجعيته التشكيلية تعود إلى الموروث العراقي خاصة، والعربي والإسلامي بشكل عام لكن هذه الذاكرة الشرقية لم تمنعه من التلاقح مع الفنون الأوروبية أو النهل منها، كما فعل مع أعمال ساي تومبلي، الفنان الأميركي الشهير الذي عُرف بأسلوبه الغرافيتي الموغل في الحداثة، والمدهش في عفويته الدقيقة، والذي يلقّبه البعض بالوريث الشرعي للفنان التعبيري التجريدي جاكسون بولوك. لعل عبد الكريم انتبه إلى أهمية التكرار في أعمال تومبلي، سواء في حركته اللولبية المتقنة التي أفضت إلى بيع لوحة "بلا عنوان" بنحو سبعين مليون دولار ، أو في تكرار الوحدات المتعددة في عمل واحد وهذا ما فعله عبدالكريم في العديد من أعماله الفنية التي طوّعها لأن تستقبل هذه الوحدات المتكررة الموروثة كالمثلثات والدوائر وبقية الأشكال الهندسية التي تخدم غرض اللوحة وهدفها العميق الذي لا يجد حرجًا في استساغة التقنيات الأوروبية التي تروّض الثيمات الغريبة والبالغة التعقيد. وفي الإطار ذاته يمكن تلمّس آثار أنطوني تابيس في لوحات عبدالكريم الذي يستدعي الخربشات الغرافيتية المرسومة أو المحفورة على الجدران مُحاكيًا إيّاها على السطوح التصويرية لأعماله الفنية التي تحمل بصمته الروحية الخاصة التي يغذّيها من مرجعيات متعددة. وفي الإطار ذاته يمكن الإشارة إلى التعالق البصري بينه وبين العديد من لوحات شاكر حسن آل سعيد سواء الحروفية منها أو الأعمال الحداثية الأخرى التي تجمع بين بساطة الخط وقوته، وعفوية التعاطي مع الأفكار والنصوص البصرية، وطريقة تقديمها إلى المتلقين الذين يتقبلون التيارات الفنية الحديثة، ويندغمون معها بسرعة خاطفة لأنهم خرجوا من حاضنة التجديد المتواتره.

لا يستطيع المبدع في الفنون القولية وغير القولية أن يدير ظهره إلى تراثه الشعبي، أو ماضيه الشخصي، أو ذاكرته البصرية التي تنبجس منها العلامات، والفيكَرات الهُلامية، والأشكال المموهة التي تجد طريقها إلى لوحة عبدالكريم سعدون المنهمك في التجريب كأنه يبحث عن شيء ضائع، وسوف يظل متنقلاً بين الخط واللون والثيمة مُنقّبًا في خزينه البصري عن علامات، ورموز مفقودة يبذل قصارى جهده من أجل إعادتها إلى الأنساق البصرية الصحيحة التي رآها في طفولته البريئة وظلّ يستعيدها عن قصد كلما مرقت السنوات إلى الوراء.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

mohamad fatiلا شك أن علاقة الرواية بالسينما هي علاقة وطيدة وراسخة، طالما أن المجالين يتلاقيان في عديد الخصائص وكثير المميزات والركائز، فالسينما تربطها علاقات مجاورة ومصاهرة مع كل عناصر الأدب، ولعل أبرزها بطبيعة الحال الرواية باعتبارها أقرب هذه المجالات الأدبية تناسبا وترابطا وانسجاما مع السينما نظرا للمساحة الواسعة التي يشترك فيها المجالان.

هكذا يتبين أن السينما تتلاقى مع الرواية في الركائز والأسس الكبرى، والتي تتمثل في عناصر الخطاب السردي وهي: الشخصيات والأحداث والزمان والمكان والحوار.. إضافة إلى أن كلا الخطابين يمثلان ترجمة للواقع ورؤية للعالم وتصورا للحياة واستحضارا للعناصر التاريخية والاجتماعية والنفسية.. كل حسب طريقته ونوعية أدائه، كما أنهما معا يمزجان رؤيتهما بعنصر التخييل الذي يمثل ركيزة أساسية في البناء الفني والجمالي.. ولكن الاختلاف والتباين يكمن في خصوصية المجالين وطبيعة التعامل مع هذه العناصر، فالسينما حتى وإن توفرت على كل مقومات الخطاب السردي إلا أن خصوصية المجال تفرض تعاملا مغايرا يستلزم عناصر فنية تترجم اللغة إلى صورة والأسلوب إلى تقنية، وإذا كان القارئ يجد الحرية الكاملة للتوسع والامتداد في عالم الخيال وإعادة بناء المقروء الذهني في عالم الرواية، فإن العرض السينمائي لا يترك هذه المساحة بالنسبة للمشاهد، طالما أنه يفرض علينا نمطا مجسدا معروضا من طرف المخرج الذي يختار الهيئة المناسبة لتصوره ورؤيته الفنية فيحولها إلى فيلم سينمائي يترجم هذه الرؤية.

انطلاقا مما سبق يتبين أن الرواية والسينما تجمعهما علاقة وطيدة تجعلهما يشتركان في مجموعة من الخصائص والمميزات الأخرى التي تضاف إلى العناصر البنائية ـ السردية السابقة الذكر:[1]

ـ أولى هذه الخصائص، أنهما معا، أي السينما والرواية يتجهان في مخاطبتهما إلى الجمهور الواسع، مما ينتج عنه ما يسمى بثقافة الجماعةculture de masse  بعكس الرسم أو الشعر مثلا اللذين يتوجهان في خطابهما إلى نوع معين من الجمهور "أقلية" مما يخلق معه ثقافة النخبةculture d’élite .

ـ الكتاب والسينما يلبيان رغبة واحدة وآنية في نفس الوقت.. رغبة حب الاستطلاع الفوري، فمن يشاهد فيلما كمن يقرأ رواية.. فكلاهما قراءة ومشاهدة في نفس الوقت، إذ أن الصورة المرسومة على الشاشة في حد ذاتها قراءة ذهنية سريعة ومتتالية لمجموعة من الصور المتحركة، التي تعبر عن حالة ما أو عدة حالات في مشاهد قد تقصر أو تطول.. نفس الشيء يكاد يقع بالنسبة للكتاب.. إذ وأنت تقرأ عن حالة أو حالات ما تتفاوت درجات أهميتها ، تتصور وتشاهد الأحداث والأشخاص مجسمين على شاشة مخيلتك خصوصا في الكتابات التي تهتم بالجوانب الاجتماعية للبشر.. ففي هذه الكتابات تضحي اللغة رديفا ثانويا للصورة التي اكتسبت عبر تاريخ طويل سلطة كبيرة في الوصف والتعبير بعدة وسائل وآليات.

ـ على عكس الكتاب، في السينما، لا يصبح حضور الكاتب مركزيا، بأي وجه من الوجوه، وإنما هناك شخص آخر يحتل هذا الموقع: إنه المخرج في أغلب الأحوال، ولكن يمكن للممثل كذلك أن يحتل الصدارة "فيغطي على وجود المخرج أو يقلل من درجة حضوره، بل إن وجود المخرج نفسه عند عامة الجمهور، لا ذكر له أمام هيمنة الممثلين، فما بالك بالكاتب، سواء كان سيناريستا أو صاحب الرواية؟"[2].

وتتراءى العلاقة بين الأدب والســينما في التواصل والتأثير المتبــادل بينهمــا، وهو ما فصلــه الدكتور "جهاد نعيســة" في بحثه الموسوم بـ "الرواية والسرود السمعية البصرية"[3]

ويرى جهاد أنه يمكن أن نوازن بين الرواية والســينما موازنة موجزة، وبشــيء من التصرف، فيما يأتي:

إن كلا من هذين الفنين يقومان على السرد التخييلي.

إن كلا منهما يتخذان من الإنسان مدارا أو محورا لهما.

إن كل منهما يرتبطان بالواقع ارتباطا قويا أو واهيا، حسب طبيعة التخييل ومداه ومرجعياته بكل عمل.

إن كل منهما يحتفيان بالبعد التاريخي للسرد، من حيث  كونهما يحللان الشــروط التاريخية البشــرية العامة أو الخاصة في فترة زمنية معينة.

تلــك أهم نقاط الائتلاف بين الروايــة (أو الفن القصصي) والفن السينمائي، أما نقاط الاختلاف بينهما فيمكن حصرها فيما يأتي:[4]

-   إذا كان الســرد الروائــي / القصصــي يعتمد على اللغة المكتوبة، فإن الســينما تعتمد على اللغة الســمعية البصرية التي تخضع لبناء حركي.

-  إذا كان الزمــن فــي الرواية أو الفن القصصي متحررا من حيــث الطول، أو القصــر، فإن الزمن في الســينما محكوم بفترة عرض الفيلم.

-   إن زمــن الوصــف يطــول فــي الروايــة، ويقصر في السينما.

-  إن الإبداع  الروائــي أو القصصــي فــردي، خلافا للإبداع الســينمائي الذي لا يمكــن أن يتم إلا بوســاطة جماعة من الممثلين والمصورين، فضلا عن المخرج، وهنا نســتثني ســرود المطولات الشعبية التي اشترك في تأليفها مجموعة من المبدعين المجهولين عبر العصور.

هكذا يتبين أنه إذا كان الأدب أداته "الكلمة" والفن أداته "الصورة"، يصبح منطقيا تعريف الرواية بأنها "فن السرد بالكلمة" والفيلم بأنه "فن السرد بالصورة"، إنه "تفكير بلغة الصور المتحركة والصوت"[5]  لكن مشكلة هذا التعريف على وجاهته أنه يتعسف في الفصل بين نظامي التواصل الأساسيين: الكلمة والصورة. ويفترض افتراضا غير دقيق، أن الرواية فن خالص ل "الكلمة" والفيلم فن خالص ل "الصورة".  حتى مع الإقرار بأن "الكلمة هي الوحدة الأساسية للرواية ومنها تولد الجملة والفقرة والمشهد والفصل في مقابل أن الصورة هي الوحدة الأساسية للفيلم ومنها يولد "الكادر" و "اللقطة" و "المشهد" و"المقطع الفيلمي"[6].

إن السؤال الذي يطرح حول العلاقة القائمة بين نسقين تعبيريين تواصليين مختلفين، الأول يعتمد على لغة الكلمات في عملية تحققه في حين أن الثاني يعتمد على لغة الصورة في كليتها مؤازرة في ذات الآن بلغة الصوت الملفوظ، يطرح أكثر من إجابة خصوصا في مجتمع عالمي جديد، يعرف نفسه بأنه يمثل حضارة جديدة هي "حضارة الصورة" على اعتبار أن المجتمعات السابقة عليه، كانت تمثل حضارات الكلمات في تنوعها واختلافها، وإذا نحن علمنا أن الصورة توازي أو تفوق، كما يقول المثل، ألف كلمة، أدركنا أهمية هذا التمييز واستطعنا أن نلمس بعض دلالاته المتسترة.

ولكل منهما أبعاده الخصوصية التي يستقل بها عن الآخر، وهذا ما يخلق تفردا فنيا يرجع إلى الاختلافات الهيكلية والبنائية بين الفنين، فإذا كانت الكتابة الروائية تتحدد اجتماعيا وتاريخيا طالما أن لها أبعاد تواصلية تستدعي الآخر وتفترض القراءة، فإن الكتابة السينمائية لها منطق مغاير، لأن العملية التي تتبلور فيها هذه الكتابة تخضع لصيرورة قد تكون الذات الكاتبة فيها حاسمة في التحكم في فلسفة الفيلم كما يمكن أن "تذوب في تجاذبات واعتبارات لتتحول إلى هامش منفعل تغلب عليه الجماعة السينمائية."[7] هذه الجماعة التي تؤطر وتوجه من طرف المخرج الذي يبصم العمل برؤيته الإبداعية، فالمخرج لا يؤلف جملا ولا يصور لوحات، إنما يذهب أعمق من ذلك، فهو يخرج المعنى الباطني كله ويشخص الفكر تشخيصا ماديا. "فالسينما تقدم لنا الروح دفعة واحدة، والمشاهد العادي يلاحظ حينذاك أن الروح ـ التي يعزوها البعض إلى الخلايا العصبية والآخرون إلى علة أولية ـ تملك نسيج المادة والألوان والجسد والأفكار."[8] وهذا ما يجعلنا نقول أن السينما ليست ترجمة ونسخا مباشرا للرواية من حقلها اللغوي إلى حقلها الفيلمي، بل إنها إبداع جديد يعيد إنتاج العمل الأدبي بشكل آخر متمايز عن الشكل الأولي، إبداع يمزج مجموعة من التقنيات السينمائية التي تحول ما هو مكتوب مقروء إلى ما هو مرئي مشاهد، والمخرج هنا هو مبدع جديد يركب الرواية بأسلوبه ورؤيته واختياراته المتناسبة مع الخصوصيات التقنية، لهذا فإننا نجده يحذف تارة ويضيف تارة أخرى في العمل الأدبي، وفق ما يتوافق مع تطلعاته واختياره السينمائي. وهذا ما يؤكده الكاتب الكبير نجيب محفوظ أحد أبرز الروائيين الذين تعاملت مع أعمالهم السينما، حينما يقول: "أنا راض عن التغييرات التي تطرأ في قصصي ولي رأي في هذا الموضوع: وهو أن السينما فن وليست ترجمة، والسينمائي فنان وليس مترجما للعمل الأدبي.. فهو صاحب رؤية وصاحب إبداع.. فهو يأخذ العمل الأدبي ويحوله إلى عمل فني، ويصح أن يأخذ 90% أو 50 % حسب رؤيته، كما يصح أن يؤلف قصة جديدة مستوحاة من الأولى ويعطيها اسما جديدا"[9].

وهذا الناقد السينمائي السوري سعيد مراد يؤيد رأي نجيب محفوظ في كون السينما فن مستقل بإبداعه وليست ترجمة بقوله: "الأفلمة ليست نقلا حرفيا للنص الأدبي الأصلي.. فلو كانت كذلك، لتحول الفيلم السينمائي إلى وسيلة إيضاح بالصور للنص الأدبي.. لكنها عملية خلق لا تبخس الأصل الأدبي ولا تلوي عنقه أو تتعالى عليه، بل تغنيه وتفتح إمكانياته، مستخدمة رصيد فن آخر هو السينما بكل ما لديها من طاقات ووسائل تعبر."[10].

خلاصة القول أن الرواية والسينما لونان تعبيريان يتفقان ويختلفان في آن واحد. يلتقيان عند نقطة جوهرية تتمثل في السردية التي تصبغهما، ويختلفان من حيث تغير آلية الخطاب لا مضمونه. فهما يستخدمان السرد خطاباً ذا حمولات إيديولوجية، ويختلفان في كيفية تقديمه تبعاً لاختلاف آلية التعبير.

الرواية تصوير بالكلمات، وتعبير بالمجرد، بينما السينما عين مبصرة، وتجسيد للعالم. وتبعاً لهذه الخصوصية يحدث التقاؤهما فيما يعرف بـ (Adaptation) أو نقل الرواية إلى السينما. فالرواية المكتوبة تتحول إلى شريط مرئي يجسد المجرد برؤية تأتي أحياناً مغايرة لرؤية الرواية.

فرغم الاتفاق في الجوهر، فإن الاختلاف في كيفية عرض هذا الجوهر هو ما يميز السينما عن الرواية، الكلمة عالم من المجردات الذهنية، بينما الصورة عالم حسي بصري، وهذا الاختلاف يتبعه بالضرورة اختلاف في التلقي، فقارئ الرواية ذهني الوظيفة، متخيل، ثم مؤول، بينما المشاهد، بصري الوظيفة، واقعي، ثم مؤول. وعليه فإن آلية العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة اختزال المكتوب إلى صورة، وهذا الاختزال ينتج عنه الاستغناء بالصورة ومدى شموليتها عن الوصف السردي المسهب في الرواية. وهنا تكمن مشكلة التلقي في عدم التنبه لطبيعة التعبير في كل من الرواية والسينما.

وفي ذات السياق فإن الرواية قد تتعرض لما هو أخطر، فكثيراً ما تقع الرواية عند نقلها إلى السينما تحت تأثيرات إيديولوجية عميقة تتبدل معها كثير من التفاصيل والشخصيات وأحياناً تتغير رؤية الرواية بالكامل. هنا تصبح العلاقة أبعد من تغير في آلية التعبير، إلى تغير في البنية نظراً لمؤثرات خارجية لا تحكمها العلاقة الآلية بين النصين، بل تحكمها معضلة السياق الخارجي. فبعض الأفلام المنقولة عن نصوص روائية تضطر لأسباب خارجية، سياسية أو دينية أو اجتماعية، إلى الاستغناء عن بعض الشخصيات أو الأحداث أو المواقف، أو زيادة شخصيات وحوادث، أو تغيير جوهر بعض الشخصيات والحوادث. وهذا يتطلب إعادة صياغة للنص الروائي يتجاوز المعطيات الضرورية السابقة مثل الاختزال والتكثيف والتقديم والتأخير إلى التغيير في مسار الأحداث أو اقتراح نهاية بديلة تقدم رؤية تتفق مع الواقع أثناء إنتاج الفيلم.

 

محمد فاتي : أستاذ باحث في مجال الصورة

..................

[1] ـ خالد الخضري، موقع الأدب المغربي من السينما المغربية، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط 1 ، 1989، ص: 20.

[2] ـ الميلودي شغموم، السينما والرواية بين التواطؤ والتجاهل، "السينما بعيون أدباء مغاربة"، إعداد: حسن نرايس، مطبعة الهداية ـ تطوان ـ 2013، ص: 72.

[3] ـد. جهاد نعيســة: "الرواية والســرود الســمعية البصرية /، "الروايــة العربية.. ممكنات الســرد". المجلــس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت 2004، ص: 164 ـ 192.

[4] ـ د. الرشيد بوشعير، العلاقة بين الآداب والفنون الأخرى، مجلة الرافد، العدد 40، فبراير ـ 2013، ص: 75.

[5] ـ الرشيد بوشعير، المرجع السابق، ص: 74.

[6] ـ شريف صالح، الرواية والفيلم.. تطابق أم خيانة؟، مجلة الفنون، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت، عدد 138 ـ مارس  2013، ص: 18.

[7] ـ محمد نور الدين أفاية، محمد نور الدين أفاية، الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل، مطابع عكاظ ـ الرباط ، ص: 27.

[8] ـ جورج سيباج، السيناريو الشبح: السينما والكتابة، ترجمة: سهيل حمد أبو فخر، مجلة الثقافة العالمية الكويتية، عدد 74 - 75 ـ  يناير /مارس 1996، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ص: 250.

[9] ـ نجيب محفوظ ،"لما تحول الأدب الروائي إلى أفلام سينمائية"، مجلة الفيديو العربي ـ العدد: 27 ـ السنة: 3 ـ ماي 1986، ص:49.

[10] ـ سعيد مراد، مجلة الحياة السينمائية السورية، ، العدد 28، شتاء 1986، ص: 34.

 

 

adnanhusan ahmadنظّم مُتحف مدينة Calpe الأسبانية معرضًا شخصيًا جديدًا للفنان التشكيلي سعد علي، وقد ضمّ المعرض 24 لوحة مختلفة الأحجام، مُنفّذة بالزيت والأكريلك على الكانفاس والألواح الخشبية. وكدأبه دائمًا ينهل سعد علي من ذاكرته الشخصيّة، وموروثه العراقي المتراكم عبر آلاف السنين. وبما أن معرضه الحالي ينضوي تحت عنوان "حديقة الحياة" فلابد من استجلاء المعنى الكامن وراء هذه التسمية الدالة على شيء محدد. فقد عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية مُنهمكًا بمشروعيه الفنيين "صندوق الدنيا" و "أبواب الفرج والمحبّة" لكنه لم ينتهِ منهما حتى الوقت الراهن، فما تزال مخيّلتهُ البصرية تفيض بالصور الرومانسية الحالمة التي يخلق منها فردوسه الأرضي إن صحّ التعبير. ذات مرّة قام سعد علي بزيارة عمته التي تسكن في مدينة بابل وبينما كان يلهو مع الأطفال لفتت انتباهه سلالم عريضة لمدرّجات هائلة في متنزّه عام وحينما استفسر من أقرانه أجابوه بأنها "الجنائن المعلّقة" التي عُرفت بإحدى عجائب الدنيا السبع. وبغض النظر إن كانت قصة هذه الجنائن حقيقية أم مُختلَقة فإنها أصبحت أقرب إلى الأسطورة التي نسجتها الذاكرة الشعبية لبلاد ما بين النهرين عن الملك الكلداني نبوخذنصّر الثاني ( 605- 562 ق.م) الذي أمر بتشيّيد الجنائن المعلّقة لزوجته أميتس الميدية التي شعرت بالغربة المكانية، واجتاحها الحنين إلى المناطق الجبلية المتموجة فبنى لها هذه الأعجوبة المعمارية التي ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية لأبناء الرافدين. استعار سعد علي ثلاثة محاور أساسية من فكرة الجنائن المعلقة وهي على التوالي: الحُب بما ينطوي عليه من أجواء رومانسية قد لا يتحقق بعضها إلاّ في شطحات الخيال، والحدائق الفردوسية التي تعززها أجواء الليالي العربية في "ألف ليلة وليلة"، والبحث عن الخلود عبر المنجز الإبداعي الذي يخلّفه الفنان خاصة، والإنسان بشكل عام. وبما أن سعد علي يقيم ويعمل في أسبانيا منذ عام 2004 وحتى الآن وقد شاهد معظم مدنها وحواضرها وكان مهتمًا بآثار العرب المعمارية التي خلّفوها في الأندلس على وجه التحديد ولعله التقط فكرة "الحدائق الأندلسية" أيضًا ليصنع منها لوحاتٍ كثيرة تدلّل على شغفه بأجواء الحدائق وفضاءاتها الشرقية والغربية على حدٍ سواء.

144 saadali4

يعتمد سعد علي في لعبته الفنية على زجّ مُتلّقيه في دائرة الدهشة والانبهار والحبور ولعله يتمنى عليه أن يتبادل الأدوار مع شخصيات اللوحة بمشاركة عضوية ووجدانية قابلة للتحقيق، ذلك لأن رهانه الإبداعي قائم على ضرورة التماهي بين المُشاهِد والعمل الفني بغية الوصول إلى اللذة البصرية التي تدفع المتلقي إلى التحليق في فضاء اللوحة والانقطاع المؤقت عن حركة الحياة الواقعية التي تنبض من حوله.

تشكِّل لوحة "في انتظار الفرج" امتدادًا لمشروعيه الفنيين المشار إليهما سلفًا إضافة إلى اللوحات الأخر التي تحتفي بثنائية المرأة والرجل لكن سعد علي يعرف كيف يطوِّع هذه الثيمة الأزلية بعد أن يدخلها في شريط مخيلته ويُخرجها في الزمان والمكان المناسبين. قد تبدو المرأة المُنتظِرة مألوفة في هذه اللوحة للمتلقي المتابع لتجربة الفنان فهو يعرف في الأقل عينيها الواسعتين، وأصابعها الطويلة المُرهفة لكن تقنية الرسم على الجسد تعود بنا تسعينات القرن الماضي حينما بدأ سعد يرسم على أجساد النساء في أوتريخت أمام حشد كبير من المشاهدين العرب والأجانب الغارقين في النشوة والذهول. ولو تأملنا عنق هذه المرأة والجزء العلوي من جسدها لاكتشفنا جماليات غير مألوفة من قبل هي أقرب إلى الوشم والزخرفة منها إلى الرسم على الأجساد العارية. أما التناغم اللوني المُبهج في خلفية هذه اللوحة فهو أحد العناصر الشكلية التي يراهن عليها الفنان وربما يضعها قبل الثيمة الرئيسة والأفكار الثانوية المؤازرة للعمل الفني.

144 saadali5

 تتكرر ثنائية المرأة والرجل في أكثر من عمل، فتارة يرسمهما على الخشب ويقصهما على هيأة تمثالين متلاحمين، وتارة أخرى يرسمهما على الكانفاس ككائنين حالمين كما في لوحة "خلوة حُب"، فإذا كان جده الأكبر كَلكَامش قد بحث عن الخلود فإن العاشِقَين في هذه اللوحة يتوقان لتخليد الحُب من خلال إظهار السعادة الغامرة، والرفاهية المطلقة التي ينعمان بها كعشاق خُلّص أبد الدهر. تبدو هذه اللوحة عائمة مثل عدد آخر من لوحات هذا المعرض في إحالة للفردوس الأرضي الذي يصنعه الفنان بنفسه ثم يلج إليه مبهورًا، متقطع الأنفاس.

يعتقد سعد علي بأهمية اللذّات في حياة الإنسان مثل لذة القراءة، والكتابة، والمُشاهدة، والطعام، والشراب، والوصال وما إلى ذلك، وهو يحتفي بها دائمًا في حياته اليومية فلاغرابة أن يجسّدها في أعمال فنية قد تأخذ طابعًا بانوراميًا كما في لوحة "العشاء الدائم" قياس 195× 50 سم منفذة بالزيت على خشب الأبواب القديمة التي اعتاد أن يستعملها كأسطح تصويرية بعد تنعيمها وتكيّيفها لاحتواء متن اللوحة وهوامشها التزويقية. هذه اللوحة المشهدية العائمة تذكِّر بالأجواء العباسية الباذخة، وحياة التجار المرفهين، والطبقة الإرستقراطية السائدة آنذاك. ثمة لوحة مشهدية أخرى تمجد الحياة، والحب، واللذات الأرضية بمجملها وهي الوسيلة الوحيدة التي تُشبع رغبات الفنان وتحقق رؤيته الفلسفية في هذه الحياة الفانية.

تعتبر لوحة "الحالمة" قياس 250× 90 سم التي نفذها الفنان بمواد مختلفة على الكانفاس هي الثيمة المهيمنة في المعرض فهي تجمع بين الحُب، والحلم، والعاطفة الإنسانية المتأججة في جوٍ جنائني فهي مستلقية على أوراق الخرّوب أو نبات الشكولاتا. لا تخلو هذه اللوحة التشخيصية من أبعاد رمزية تفصح عن النَفَس الرومانسي لخالق اللوحة الذي أبدع في رسم المعالم الجسمانية لهذه العاشقة الحالمة وأحاط جسدها بغلالة شفافة بيضاء ضاعفت من إغراءات الجسد المتمعج.

تحضر الحيوانات المدجّنة بقوة في لوحات سعد علي لتوحي بالألفة والحياة المنزلية الوادعة وربما تكون لوحة "شمّة ورد في حقول مايوركا" هي نموذج لهذا التعايش الذي يتجسّد في الحياة العصرية المتطورة التي لا تضحّي بمتع إنسانية أخرى مثل تربية الحيوانات الأليفة التي تحرّك فينا مشاعر غامضة لم نعهدها من قبل.

مثلما أثارته الجنائن المُعلّقة في بابل وانجذب إليها، أدهشته حدائق قرطبة وغرناطة التي تحمل إرثًا عربيًا وبصمات لما تزل ماثلة في القصور والقلاع التي خلّفها العرب ورائهم فكلما مرّ سعد أمام حديقة أسبانية تحمل نكهة الأندلس ورائحتها سرعان ما يستلّ قلمه وكرّاسته ليرسم مخططًا أوليًا ثم يضع لمساته النهائية فيما بعد، وهذا ما حصل مع لوحة "حديقة الأندلوسيا" التي رسمها قبل سنة من هذا التاريخ.

لا تقل لوحة "الصنوبر التائه" أهمية عن "الحالمة" وربما تكون الوجه الآخر لها لجهة الأنثى اليافعة المرسومة بعناية فائقة، وخطوط ليّنة ضاعفت من جمالها خلفية اللوحة الغارقة باللونين الأخضر والبرتقالي اللذين أظهرا هذا الوجه المشرئب في غاية النضارة والنعومة والإغراء.

الملحوظة الأخيرة التي نبديها في هذا المقال هي درجة التطور الكبيرة في رسم الخطوط الخارجية الرشيقة لفيكَرات اللوحة سواء أكانت إنسانية أم حيوانية، فثمة براعة في الخط الواحد الذي يعلن عن ملامح الجسد وجغرافيته الطافحة بالرِقّة والعذوبة والامتلاء. أما التناسق اللوني فقد بلغ ذروته في الأعمال الفنية لهذا المعرض فلا يعرف المتلقي هل يتماهى بالأشكال المرهفة، أم بالخطوط اللينة، أم بالألوان المتناغمة؟

 

لندن: عدنان حسين أحمد