nabil ahmadalamirالبصرة التي بنيت عام 16 - 14 هجرية، عرفت عمارة الشناشيل في أيام الاحتلال العثماني في القرن الـ 17 الميلادي، مع ظهور عدد من الفنون الأخرى .

عرفت "الشناشيل" بأنها أثر معماري فولكلوري بصري لايختلف إبداعا عن فن النحت والرسم والفوتوغراف وغيرها من الفنون. وأيٍ كان الأمر فقد قام معماريو البصرة بأغناء الشناشيل سواء بالمعمار أو مواد البناء. ويصفها العديد من المهندسين بأنها عبارة عن نتوات خارجية مكونة من الطابوق والخشب والجص والحديد .

كلمة شناشيل تعني موضع جلوس الملك، وكان البصريون كثيري الاهتمام ببنائها مما زاد من انتشارها في السنوات السابقة .

وعمارة المدن محط اهتمام المهندسين منذ القدم من حيث المواد المستخدمة في البناء بما يتلائم مع طبيعة المناخ خصوصا في أزمنة عدم وجود الطاقة الكهربائية وعدم وجود أجهزة التبريد والتدفئة،  والبصرة تمتاز بالجو الحار الرطب في الصيف .

أن التربة في البصرة تمتاز بكونها تربة مستنقعات ممتدة من محافظة العمارة، ومحافظة الناصرية المحاذيتان لها، حيث نلحظ ان مركز مدينة قضاء القرنة الأكثر تأثرا في هذا الطابع الطبوغرافي .

فيما يرى الكثير من فناني البصرة التشكيليين أن الكثير من المدن العراقية عرفت الشناشيل مثل النجف، والموصل، والاعظمية القديمة، وإحياء أخرى متفرقة من العاصمة بغداد .

ويؤكد المعماريون إلى إن جنس الشناشيل العراقية تنتمي إلى جنس معماري واحد، لكن النظرة التفصيلية تكشف عن فروقات قليلة آو بسيطة، فمثلا في البصرة تعنى الشناشيل بالأعمدة الخشبية وبتشييد القناطر الحجرية او الخشبية، مع عناية واضحة بالزخارف البنائية عبر التشكيل الخشبي، إما في بغداد نلمس عناية كبيرة في القضبان الحديدية ووجود السراديب "التختبوش".

1461 shanasheelalbasra

وإن الشناشيل لاتبنى بصورة منفصلة عن البناء الأساسي بل تتلبًّس بها بما يمثل واجهة البيت الخارجية والجانبية والسقوف والأعمدة الساندة ويعتبر هذا الفرق الوحيد بين الشناشيل في البصرة وبغداد .

كما إن الشناشيل في البصرة تأتي متماشية مع الوضع والقيم الاجتماعية في المدينة وخصوصا في تلك المرحلة التي شاع فيها بناء شبابيك الشناشيل ذات المشبكات الخشبية البارزة على صورة مسننة، ذلك لان شكلها يسمح لساكني أهل الدار ان يشاهدوا المارة من الخارج في حين المار من الخارج لا يرى ساكني الدار، وتلك خاصية مهمة للنساء اللواتي يتواجدان في الداخل .

وان أبنية الشناشيل في الطابق العلوي تكون متقاربة جدا بين كل منزلين متقاربين إلى حد يسمح بتبادل الأحاديث وقيام علاقات اجتماعية متينة .

كما إن معماريو البصرة في تلك الحقبة استطاعوا تحقيق قفزة نوعية في ذلك المضمار، لاسيما التعامل الفني مع طبيعة الأرض البصراوية الهشة في تشييد أبنية متعددة الطوابق .

وقد تجاوب المعماري مع الأرض الطينية باستخدام الخشب الخفيف لبناء طابق ثان يوفر مظلة كبيرة بين الأزقة لحماية المارة من الشمس , إضافة الى مرور التيارات الهوائية الباردة .

واليوم يُعبّر جميع المهتمين بالشناشيل عن استياءهم الشديد لما اعتبروه  تدهورا مستمرا لتراث مدينة البصرة حيث هناك موت مُعْلَن لكل تراث البصرة منذ تسلّم النظام ألبعثي السلطة حتى وصول الكثير من المخربين والجهلة إلى السلطة اليوم، وأصبح بلدنا يمر بمقولة تكاد تكون متطابقة تماما مع وضعنا اليوم (خطأ اليوم، ثقافة غدا، قانون بعد غد)، فالخراب لم يشمل البشر بل تعداه حتى إلى الحجر .

يجب ان نضع حد للتدهور والخراب الثقافي المرعب، فهنالك تهشيم للوضع العراقي داخليا، من خلال العبث بالتاريخ ومحاولة طمس ملامحه بزرع هستيريا النهب والسلب والتخريب، وجعلها ثقافة سائدة بالمجتمع، فنرى اليوم الكثيرين يتسابقون على موائد السلب والنهب والتخريب، وتحديدا في الجنوب العراقي حيث وقع عليه ظلم تاريخي من خلال الحروب المتتالية التي جعلته مسرحاً للموت والدمار والخراب، مما ساعد في دمار البنى التحتية والآثار فيه .

فيما استدرك عدد من ساكني الشناشيل الوضع الذي يعيشون فيه في تلك الأبنية والتي كما أشاروا إلى أن الدولة لاتُعنى بهم وبتراث البصرة وتركت تلك الأبنية تتعرض للدمار، ولم تأخذ بالإعتبار انها تاريخ وتراث للعراق يجب الحفاظ عليه .

والشناشيل يعود انتشارها في حواضر الدولة العربية الإسلامية إلى العصر الفاطمي حيث تطورت العمارة العربية، وأضفوا الكثير من الزخرفة الخشبية المكونة بتعريشة نباتية للمُيَسّرين والتجار، وبالتأكيد اخذ الفاطميون بعض تقنية الشناشيل من الدول التي تاجروا معها وخاصة الهند واسطنبول .

ويذكر المؤرخون بان خشب "الجاوي" كان يستخدم وهو النوع المفضل في العمائر البصرية، وكان سكان البصرة القدامى المتمكنين يعمدون إلى طلاء شبابيك الشناشيل بالدهان العطري، ويلاحظ أن شريطا "إبْزيما" يربط أجزاء الشناشيل بعضها ببعض لكي تكون ذات متانة قوية تستمر عقود من الدهر .

إضافة إلى أنها تعتمد على أعمدة ملساء ومضلعة وتعلوها تيجان مقرنصة، في حين عمد الفنانون إلى تزويدها بفصوص مدببة أو مسننة وأحيانا ثلاثية الفصوص وهذه الأشكال تتباين حسب الإمكانية المادية والذوق لصاحب البناء، وقد تأخذ نقوش شبكية، ويلاحظ أن الفتحات العليا للأقواس أوسع من الفتحات السفلى وذلك لأنها تحتضن أنواع الزجاج المشجّر والملوّن، ويلاحظ في بعض الشناشيل أن السقوف والسلالم تُشْمل بالزخرفة والتلوين .

ويشدد الكثير من المهتمين بالشأن الثقافي أن الدولة يجب أن تُعنى بهذا الإرث المعماري والفولكلوري البديع الذي يؤلف جزء مهم من تاريخ البصرة والعراق وإعادة تأهيلها واعتبارها معلم سياحي بارز في هذه المدينة التاريخية التي شهدت العديد من الحوادث والأحداث المطبوعة في ذاكرة التاريخ منذ القدم .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل أحمد الأمير

 

 

mohamad albandoriلقد عمل أدونيس في مشروعه الحروفي على تغيير شكل الشعر العربي، ولم يقف عند ذلك الحد بل إنه حمل الفرشاة ورسم قصائد شعرية غير مألوفة، معتمدا على الألوان وعلى جمالية الحرف العربي باعتباره ركيزة أساسية في أعماله التي تبدت في مجملها وكأنها لوحات تشكيلية أكثر منها نصوصا شعرية، حيث أنتج خطوطا مختلفة بألوان فارقية أحيانا ومتجانسة أحيانا أخرى بإيماءات تصويرية وصفها أنها تتحدث عن الإلهام الذي يتماهى مع ما تعيشه الأمة العربية.. فهو من خلال عمله الفني يدل على جمال اللغة العربية في شكل حروفها المكتوبة ويدل أيضا على الجمال الفني التشكيلي.. وقد وصف الفنان الإيطالي ماركو نيريو أعمال أدونيس الفنية أنها تشكل امتدادا لشعره ولكن في شكل مختلف، كما أن أحد المهتمين بالفن قال: "إن أعمال أدونيس هي لعبة مع الحروف أنتج منها هذا الكم من الجمال الممزوج بتلك الكلمات التي قالها شعرا أو التي استقاها من دواوين غيره من الشعراء، إنه يقدم لنا مجموعة شعرية جديدة أساسها هذه الخطوط السوداء والملونة بفرشاة رسام حاذق يعلم كيف يستنطق الحروف.."1

   وإن هناك محاولات أخرى قام بها شعراء معاصرون حداثيون من تونس، حيث كتب الشاعر منصف المزغني ديوانا شعريا سنة 1988  بعنوان:" قوس الرياح" احتوى قصائد كاليغرافية وبصرية مثل قصيدة:" جرول بن طمعون الخشنشري" :

كما كتب شعراء الشام من سوريا ولبنان قصائد شعرية كونكريتية، خصصت لهـا بعض المجلات الحداثية حيزا مهما من الصفحات، كمجلة: "الآداب" البيروتية، ومجلة: "شعر"، ومجلة : " مواقف".

   إن هذه التجارب - وإن كانت متفرقة وقليلة- فقد وظفت العناصر البصرية في بناءات متنوعة ومختلفة من حيث الشكل والجوهر، لكنها توحدت من حيث أنها تحمل في داخلها إيٍقاعات التكوينات الخطية‏ وفق المناهج والتصورات بما تحمله من إيقاعات واستلهامات من الفنون التشكيلية عامة وفنون الخط العربي خاصة، وما استقته من تجارب في كيفيات وضع الألوان، وهي تتفق جملة وتفصيلا من حيث إنتاج الدلالات المتعددة.

 

د. محمد البندوري

........................

1- أدونيس رساما.. أحمد فاضل، مجلة أدب فن، مجلة ثقافية، العدد 2388 بتاريخ 26 فبراير 2012 ، صفحة: التشكيل

 

 

khadom shamhod2هل هناك شخصية عالمية خيالية فكاهية قصصية حفرت لها اخاديد في الذاكرة الانسانية مثل شخصية تان تان Tintin ؟؟؟ ومن منا لم يقرأ في احد مراحل حياته عن قصص ومغامرات تان تان مع كلبه الذكي الوديع ميلو Milu “؟؟ .. يبدو ان المواهب دائما تعد بالاصابع من مجموع مليارات البشر التي نعيشها اليوم، وهي خصوصية نجدها ظاهرة عند عدد من الاشخاص في كل حقول المعرفة، في العلم، الادب، الشعر، الفن، الكرة، علم الاجتماع، وغيرها ... وعند النظر الى مستوى حركة الفن العربي، وخاصة فن الكاريكاتير يقفز امامنا سؤال : هل هناك فنان مبدع منفرد وصاحب مدرسة او اختراع لشخصية عالمية مثل تان تان تستطيع ان تغزو العالم بجمالها وخصوصيتها وتهبط ساكنة في قلوب الناس ... ام لا؟ ويبدو ان المسألة تتعلق بالقدرات الفكرية والجينات ... نعم ظهرت هناك عدد من مجلات الاطفال في عالمنا العربي وظهرت فيها شخصيات مصورة مثل مجلة سمير المصرية عام 1956 ومجلة العربي الصغير عام 1958 وكانت عبارة عن ملحق لمجلة العربي ، وغيرها . ولكن بقت كلها محلية النشر والذوق ..

(هناك دراسة اجريت حديثا في كينجز كولدج لندن تؤكد وجود جين متصل بشكل مباشر بعمل الذكاء يطلق عليه NPTN يؤدي دورا في سمك المادة الرمادية المرتبطة بالقدرات الفكرية فقد قام الفريق البحثي البريطاني بتحليل عينة من الحامض النووي DNA ثم قاموا بعدد من الاختبارات لقياس الذكاء .... وقد لاحظ العلماء ان الاطفال الاذكياء كان لديهم قشرة اقل سمكا في نصف المخ الايسر وبصفة خاصة في الفص الصدغي والامامي ...) ولكن هناك بحوث علمية اخرى تؤكد على ان الذكاء موزع بين ابناء البشر وان هناك خصوصية ينفرد بها بعض الاشخاص ويتميزون بها عن غيرهم . مثلا هناك افراد موهوبون بالفن وهناك آخرون في الكتابة او الشعر او الخطابة وآخرون نوابغ في الفيزياء والكيمياء الى غير ذلك .. كما دلت الابحاث العلمية ان الذين يتقنون اكثر من لغة لهم قدرات فكرية واسعة اكثر من غيرهم، حيث تعمل هذه على تنشيط حركة خلايا المخ او العقل من تخزين وتحليل معارف وثقافات قادمة من منابع خارجية مختلفة ...

مخترع تان تان:

يذكر ان رسام شخصية تان تان هو جورج ريمي من اصل بلجيكي ولد في بروكسل عام 1907، وكان قد اتخذ اسما مستعارا هو هيرجي او هيرجيه Herge . ومنذ طفولته ظهرت قدراته ومواهبه في الرسم، وقد ظهرت رسومه الاولى في مجلة المدرسة التي كان يدرس فيها حيث كان يرفدها بمختلف القصص المصورة منها ما تحكي عن الاحتلال الالماني لبلجيكا بين اعوام 1914 و1918 . وبعد ذلك عمل مزوقا لبعض المقالات التي تنشر في مجلة تدعى

Le Box-Scout belge . وفي سنة عام 1927 انتهى من الخدمة العسكرية وذهب يتعلم التصوير الفوتوغرافي . ثم اخذ يعمل في مجلة- القرن العشرين – ويرسم في ملحقها الاسبوعي المخصص للاطفال .. وفي عام 1928 ظهر اول عدد لمجلة Le Petit Vingetieme حيث كان يشرف عليها هيرجي وقد نشرت فيها عدد من المسلسلات المصورة وشخصيات متنوعة مثل Flup ولكن هيرجي سأم وضجر من هذه الشخصيات فقرر اختراع شخصية اخرى اطلق عليها Totor . وفي 10/1/ 1929 ظهرت شخصية تان تان مع كلبه ميلو .

تاريخ نشأت تان تان:

ظهرت شخصية تان تان لاول مرة في مجلة Le Petit في 10/1/1929 وهي شخصية مراهقة تمتاز بالمغامرة والشجاعة والذكاء وتبحث عن القضايا الصعبة ومساعدة الآخرين برفقة صديقه الكابتن هادوك المعروف بحبه للخمور وعدد آخر من الشخصيات، وكان تان تان شخصية رشيقة له خصلة شعر في مقدمة الرأس وليس له عمر محدد، يرافقه كلب يدعى ميلو Milu وهو من افضل المرافقين له في مغامراته الجميلة .. وتمتاز هذه الشخصية بطابعها العالمي وبواقعية قصصها حيث خرجت من بلجيكا واخذت تطوف العالم بقصصها المغامراتية الرائعة وقد حازت على اعجاب الملايين من الناس في العالم .. وكانت قصصه ومغامراته قد نشرت بمختلف لغات العالم وطافت في امريكا وافريقيا وامريكا اللاتينية وآسيا وروسيا والعالم العربي مثل (تان تان في بلاد الذهب الاسود)، والنزول على القمر قبل نزول الامريكان والروس عليه في (1959 و1969).. وغيرها من روائع القصص الخيالية والواقعية

 وكان الرسام هيرجي هو الذي يكتب هذه القصص والمغامرات، ولديه ارشيف كامل بالصور الفوتغرافية والشخصيات العالمية وتقاليد الشعوب واشكال العمارات والمناطق الجغرافية والكواكب والبحار وفلكلور الشعوب ووسائل التكنولوجيا الحديثة وغير ذلك مما يحتاجه الرسامون في تنفيذ قصصهم .. وكان عمل هذه القصص يستغرق وقتا طويلا من التحقيقات والتفاصيل والدقة في التصوير والاعتناء المتناهي في الاخراج ..

و يذكر ان بعض قصص تان تان قد تعرضت للانتقادات من قبل بعض الشعوب حيث اتهم بالعنصرية بسبب طريقة تصويره الافارقة والعرب كذلك انتقاده للمعسكر الاشتراكي والدكتاتوريات العسكرية في امريكا اللاتينية وكذلك عدم تعرض تان تان للوضع النازي في بالجيكا وغيرها من الآراء . ورغم كل ذلك يبقى تان تان شخصية عالمية محبوبة لازالت تعيش معنا منذ اختراعها عام 1929 ...

عالمية شخصية تان تان :

يذكر انه في عام 1974 جمعت مغامرات تان تان القصصية المصورة في 23 البوم مجلد والتي رسمت ما بين اعوام 1929 و1974 وطبعت منه 200 مليون نسخة مترجمة الى اكثر من 60 لغة اجنبية .. كما اطلقت جمعية الفضاء البلجيكية اسم رسام الشخصية جورج ريمي على احد الكواكب الواقعة بين كوكبي المريخ والمشتري .. و ايضا صدرت عملة من فئة 10 يورو في بلجيكا تحمل صورة تان تان وكلبه ميلو . .. وقد عرضت بعض الرسوم الاصلية والاغلفة لمغامرت تان تان في المزاد العلني وبيعت بملايين الدولارات منها غلاف – تان تان في امريكا – رسمت عام 1932 وبيعت عام 2012 بمليون وربع يورو . وهناك صفحات بيعت باثمان باهضة مثل 700،000 و900،000 يورو، وفي الفترة الاخيرة بيعت صفحة اصلية صغيرة ب 500،000 الف يورو ..

توفى جورج ريمي (هيرجي/ هيرجيه) في 3/3/1982 عن عمر 76 سنة، وقد اوصى بعدم رسم قصص تان تان من بعده ابدا وكان آخرها هي قصة – تان تان وفن الباها Tintin y el arte Alpaha

 

د. كاظم شمهود

 

madona askar- L'innamorata del mare – للرسّام الإيطالي بومبيو مارياني

"ليس على الرّسام أن يرسم ما يراه ، بل ما سوف يُرى" (فنسنت فان غوخ)

إنّها الرّؤية الجماليّة، الثّورة الّتي تنتزع من العالم قبحه حتّى يستبين السّحر والجمال. عين الرّسّام بصيرة النّاظر إلى اللّوحة والمعاين للجمال. وبقدر ما يعاين الرّسّام الجمال ينقله إلى بصيرة النّاظر فيستفزّ دهشته وإنسانيّته وتستفيق في أعماقه نسمة الجمال الأولى. لذلك يقول الموسيقار السّويسريّ إرنست ليفي: "إنّ الإنسانيّة ستبدأ بالتّحسّن عندما تأخذ الفنّ على محمل الجدّ كما الكيمياء أو الفيزياء أو المال."  في الفنّ ثقافة الجمال، والإنسانيّة خُلقت على صورة الجمال الأسمى ولا بدّ لها من أن تتفاعل معه.

ينساب الجمال من  لوحة الرّسّام الإيطاليّ مارياني إذ يجسّد أعماق عاشقة البحر الّتي ترنو إلى السّماء. يتجلّى في اللّوحة البحر كرمز للحرّيّة المنطلقة نحو السّماء والدّالّة على الاتّصال الأرضيّ السّماوي الكامن في العمق الإنسانيّ. وتبرز السّماء كرمز للحرّيّة المطلقة الّتي بدأت مع رمزيّة البحر لتكتمل في السّماء. كما يعبّر في ذات الوقت عن التّناقض القاسي بين الأرض والسّماء، تجسّده الألوان المتضادّة. 

1457 madona

تقف العاشقة المتّشحة بالأبيض على أرض صلبة  متشقّقة  وقاتمة، أشبه بأرض خالية من الحياة. تستند إلى صخرة، وتتطلّع إلى فوق، متخطّيةً الخطّ الجامع بين البحر والسّماء. ما يدلّ على شوق إلى العلوّ الّذي لا ترويه رمزيّة البحر للحرّيّة ولا يحدّه ذلك الخطّ. وإن دلّت الصّخرة على الثّبات، فهي من ناحية أخرى تدلّ على القسوة، حيث التّضاد بين لونها وألوان السّماء. ففي حين أنّ السّماء تمتزج ألوانها بين الأزرق والأبيض والأصفر، تحافظ الأرض على لون واحدٍ قاتم. فتظهر قسوة الواقع مقابل فرح العلوّ ورحابته. قد تكون الأمواج اللّطيفة الّتي ظهرت في اللّوحة معبّرة عن تدرّج المراحل التّحرّريّة حتّى يستبعد الرّسام رمزية الموت عن هذا المشهد. فالبحر في هذه اللّوحة تحديداً  كما يظهر لنا من خلال الألوان الّتي اختارها مارياني لا يحمل معنى الموت.  

أمام أبعاد ثلاثة، الأرض والبحر والسّماء، تعكس نظرة العاشقة الهائمة  حزناً  نتج عن اختبار لقسوة الواقع، حوّلته إلى توق إلى التّخلّي عن الثّبات الأرضيّ الباحث عن الثّبات السّماويّ. تحيد نظرها عن الأرض كنوع من رفض للثّبات على الأرض الّذي يبدو في اللّوحة رامزاً إلى اختبار العلاقة بين العلوّ والعمق.

 تبدو العاشقة وحيدة ظاهريّاً لكنّ نظرتها تلمّح إلى امتلاء خاصّ يظهر في شكل حوار ضمنيّ صامت. دلّت عليه النّظرة إلى البعد الثّالث الخارجة عن إطار الأرض والبحر. ولعلّ الوقوف الثّابت على الأرض والنّظرة الثّابتة إلى السّماء ما هما إلّا إشارة إلى ثبات النّظرة الإيمانيّة والرّجاء بالحرّيّة. 

تتدرّج ألوان السّماء حتّى يصفو الأزرق نهائياً فتتناقض تماماً مع الأرض ويظهر البعد الرّابع، ألا وهو عمق العاشقة الّذي يرمز إليه ثوبها الأبيض. الأبيض المنبعث من وسط قتامة الأرض يطاول زرقة السّماء ويجعلنا نرى ما ينبغي أن نراه من جمال عاشقة اختبرت الأرض، اشتاقت إلى السّماء وتنتظر الاكتمال فيها.  

 

  مادونا عسكر/ لبنان

 

 

khadom shamhod2يقام حاليا معرضا مشتركا للفنانين بابلو بيكاسو 1881-1973 وتولز لوتريك 1864- 1901 في المتحف الوطني للفن الحديث تيسن Thyssen في مدريد . وهو اول معرض يقدم حوارا فنيا بين عبقريتين يعتبران من طلائع الفن الحديث ويمثلان مرحلتي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وقد زرت المعرض واطلعت على الاعمال الفنية ومنها اعمال لم اراها سابقا ولم اعرف عنها شيئا، وقد اخذت الكاتالوك وترجمت بعض معانيه في السطور التالية:

يذكر ان الغاية من هذا المعرض المشترك هو معرفة مدى التقارب والتشابه الفني بين العبقريتين في الاسلوب والتقنيات والبيئة التي عاشاها، و يضاف الى ذلك فانهما يعتبران من المؤسسين للفن المعاصر ..

كان تولز لوتريك ينتمي الى عائلة ارستقراطية متمدنة ولكنه اصيب بنوع من الشلل وهو صبي وكذلك كسر ساقيه نتيجة لسقوطه من على جواده .. ونتيجة للنقص الجسماني جعله ينخرط في بيئة منحدرة ثقافيا وسلوكيا ويدمن على المسكرات والمخدرات وينغمس في حياة الليل الساهرة في باريس في حي مونتمارت .. حيث اخذ يرسم الحياة الليلية وفوضويتها و صخبها ومجونها . واختار مواضيعه من هذه البيئة الساخنة والملونة وقد وجد فيها الصدق والصراحة والمعانات والمآسي الحقيقية . وقد ابتعد عن الانطباعيين وخالفهم واتخذ له اسلوبا مميزا طلائعيا جديدا اثر على الذين جاؤا من بعده خاصة بيكاسو ..

حط بيكاسو الاندلسي لاول مرة  في باريس في نهاية عام 1900 مع صديقه الكاتالاني كارلوس كاساخيمي وهناك تعرفا على شاعرين باريسيين هما ماكس يكوب وابوليناير يApollinaire  وكان عمر بيكاسو تسعة عشر سنة شابا يافعا متمردا . .. ومباشرة بدأت اللقاءات الليلية في مقاهي وكابريهات حي مونتمارت .. وقد رأى بيكاسو تولز لوتريك شخصيا في ملهى الطاحونة الحمراء وتأثر برسومه جدا ونسج معه تواصلا لغويا بصريا جديدا، وكان بذلك يتطلع الى عالم اكثر حداثة. وامتاز هذا التأثر بالمواضيع والعناصر التشكيلية المنحدرة والجريئة التي تمثل مشاهد من الدعارة والبوهيمية وكذلك الطابع الكاريكاتيري الدعائي الساخر الذي يطغي على اعمال لوتريك ..

المعرض يحتوي على عشرات اللوحات وهي مقسمة الى خمسة مراحل تمثل اعمال الفنانين وهي 1- المرحلة البوهيمية . 2 – المرحلة الفقيرة . 3 – مرحلة الطلائع الفنية . – 4 – النساء في حياة الفنانين . 5- الموديل العاري والجنس .

البوهيمية:

ترك لنا لوتريك كمية كبيرة من الرسوم الشخصية (البورتريت) وهي تمثل شخصيات باريسية من الطبقتين المثقفة والمنحدرة وكان يشعر بانتمائه الحميم اليهما . ومن خلال اشكاله المبالغ فيها و ذات الطابع الكاريكاتيري الساخر عمل ثورة في لغة الفن وفتح الابواب لرسم البورتريت الحديث . وقد عاش لوتريك 13 سنة في الحانات والملاهي مخدرا مخمورا  منغماس في حياة الليل البوهيمية . . وكان بيكاسو قد اشتغل في هذا الاسلوب حتى في مراحله التكعيبية، حيث المبالغة والطابع الكاريكاتيري التعبيري وبقت ظاهرة في اعماله حتى آخر حياته . كما عاش بيكاسو في بداية حياته بوهيميا غير مبالي بهندامه ونظافته فكان يسهر مع اصدقاءه في الملاهي ويتناولون انواع المخدرات حتى مطلع الفجر.. . وتذكر فرناندي اوليفير 1881 صديقة بيكاسو في مذكراتها (ان ايام حي مونتمارت كانت ايام البوهيمية والمخدرات والفقر واللهو عشناها مع بيكاسو واصدقائه امثال الشاعرين ماكس جاكوب وابولنير وغيرهم، وكان النبيذ يملئ المعد الفارغة .. وعندما نخرج من اللهو فجرا كان بيكاسو عنده مسدسا فيطلق بعض عياراته في الهواء وسط قهقهات ومرح الجميع).

الانحدارية:

كان توافد اهل الادب والشعر والفن الى اماكن اللهو والمخدرات والدعارة والرقص  ظاهرة منتشرة في اوربا على طول فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وقد جاءت هذه الظاهرة بعد الثورة الفرنسية عام 1789 . لوتريك كان قد عاش في وسط هذه البيئة المنحدرة وقد انشأ له استوديو في حي مونتمارت واخذ يرسم مواضيعه من الملاهي وصالات الرقص والحانات والمقاهي ورسم حياة المسحوقين والمهمشين وعشاق الليل والنساء في الطاحونة الحمراء ذات المظاهر المصطنعة التي تبدو عليهن . ويذكر انه اراد الزواج من احد رقصات الملهى فرفضت وكاد ان ينتحر ..؟؟ وهذا الموقف قد تكرر مع صديق بيكاسو كارلوس كاساخيمي المذكور سابقا عندما طلب الزواج من فتاة ملهى فرفضت وانتحر، وقد حزن عليه بيكاسو بمرارة ورسمه في احد لوحاته . ؟؟ وقد عاش بيكاسو في حي مونتمارت وسط نفس البيئة التي عاشها لوتريك علما ان لوتريك مات في نفس السنة التي قدم فيها بيكاسو الى باريس عام 1901 . وقد انعكست هذه الاجواء السصاخبة في اعمال بيكاسو حيث جذبته مشاهد النساء واماكن الدعارة واللهو والشخصيات الادبية والفنية المتمردة التي ترد هذه الاماكن .

الصعاليك:

السيرك عالم ساحر ومسلي وعفوي بحركاته البهلوانية التي يقوم بها عدد من الشبان الذي خرجوا من الطبقات المهمشة المعدمة الفقيرة ورغبة ارادية جذبتهم الى السيرك . وقد عاش الفنانان بيكاسو ولوتريك مشاهد السيرك ورسما استعراض الخيل وشخصياتها والحركات البهلوانية وغيرها والتي احتلت لها مكانا بارزا في اعمالهم وفي الفن الحديث ..

رسوم وتخطيطات لوتريك وصور وحفريات بيكاسو تشترك في نفس الصفات من حيث نحافة الاشكال وضعفها واستطالتها وتذكرنا باشكال الجريكو 1541 . يضاف الى ذلك ان سحر السيرك وشخصياته العاملة الشابة المهمشة الفقيرة تشبه حياة الصعاليك . هذه الظاهرة نجدها عند عدد من الفنانين الحديثين الذين عاشوا في بداية حياتهم صعاليك لا ابالية بدون مال ولا مأوى امثال بيكاسو ولوتريك ..

النساء:

لم نجد رساما او فنانا بلغ ما بلغه لوتريك في رسم البورتريت للنساء المهمشات في باريس حيث سجل رقما تحديا في ذلك . وقد جعل منهن اشكال كاريكاتيرية ساخرة ومخمورات، كما شكلت بيوت الدعارة جزءا من حياته الشخصية حيث عاش عالم انوثي خالي من الرجال .. وقد انعكست شخصيات هذه الشابات المسحوقات في اعماله وانشاآته والوانه الشاعرية وخطوطه الحرة الطلقة .. وفي نفس الوقت ظهرت هذه المواضيع في اعمال بيكاسو في بداية حياته وكانت ذات نغمة حارقة والوان خارقة للعادة، ثم اصبح يتحول من مرحلة الى اخرى حتى وصل الى المرحلة – الزرقاء – في هذه الفترة اخذ يرسم مواضيع ذات عاطفة وحنان وفي مقدمتها المومسات المصابات بمرض السفلس. اما النساء في حياة بيكاسو فهو موضوع طويل ظهرت فيه عشرات الكتب، وبعضها مذكرات صدرت من اللاتي رافقن بيكاسو .

الموديل العاري والجنس:

ان مشاهد الجنس والموديل العاري كانت قد جذبت  كل من لوتريك وبيكاسو وظهرت في  اعمالهم الحديثة، و رسما الموديل العاري برؤية جديدة . وقد اتخذ لوتريك المومسات كموديلات للرسم وخالية من الانارة . كما ان بيكاسو قد نهج نفس الخط ، وقد وصل الى قمة ذلك عندما رسم لوحته الشهيرة – غانيات آفنيون عام – 1907 كما اعاد رسمها على بساط وعلقها في بيته في مدينة كانيس الفرنسية Cannes وتمثل هذه اللوحة في حقيقتها احد بيوت الدعارة في برشلونة . ويعتبرها النقاد بداية المدرسة التكعيبية وثورة على كل التقاليد الفنية القديمة .. تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

sadiq alsafi2شَبّهَ الفيلسوف الالماني هيجل المجتمعات بالافراد الذين ينقلون شعلة الحضارة من شخص لآخر، وكان الفيلسوف سينجلر يعتقد ان الحضارات مثلها مثل الكائنات الحية، تولد وتنضج وتزدهر ثم تموت. ويذهب معظم علماء الآثار القديمة الى ان بزوغ الحضارات يعود لعدة اسباب منها البناء السياسي والاجتماعي للحياة والطريقة التي يكيّف بها الناس البيئة المحيطة بهم والتغييرات على السكان.

وقد حصلت الحضارات على تعريفات عدة، انها الفنون والتقاليد والميراث الثقافي والتاريخي ومقدار التقدم العلمي والتقني الذي تمتع به شعب معين في حقبة من التاريخ. لكن التعريف المتفق عليه دولياً للحضارة بانها نظام اجتماعي يعين الانسان على تحسين الانتاج الثقافي وتتضمن طرق العيش والظروف الطبيعية والوضع الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية بين المجتمع وانظمة الحكم السائدة والانجازات الثقافية والعلمية والعمرانية الفنية.

الموضوع

قدم لنا علماء الآثار والتنقيب صوراً جميلة عن الثروة العظيمة التي امتلكتها الحضارات القديمة في بلاد الرافدين-موسوبتايا-حيث شهدت معجزات من التطور الثقافي الفني المعماري لاتقابله أية معجزة في تاريخ البشرية، خاصة في مجالات اختراع الكتابة والفنون والفلسفة والدين والفلك، حتى ان هناك فنانون وقصاصين وموسيقيين أثروا كثيراً على تحفيز افكار الانسان في تلك العصور، وساهمت اعمالهم في عملية التقدم والتطور الحضاري.

1443 somariwn

سجل لنا الكاتب والعالم الآثاري-ستين لويد- الذي عمل في التنقيب الآثاري لعدة سنوات في العراق-اعجاباً وانبهاراً عن عظمة الانسان الرافديني ومغامراته في مجال التعبير الفني، قدمها لنا كعروض ممتعة مثيرة للاهتمام عن الفنون الرافدينية في كتابه-فن الشرق الادنى القديم- وسجلَ الحُقب التاريخية التي مرّ بها تطور الفنون بشكل عام. واشار بشكل دقيق وواضح الى ان اقدم استيطان حضري تمَّ بشكل فعلي حقيقي في جنوب العراق، ويعود الى الالف الخامس قبل ميلاد السيد المسيح في منطقة اريدو-تل العبيد- ويمثل هذا الموقع بداية تاريخ العراق القديم-في بلادالرافدين- ومن حضارة العبيد الاولى وجدت اول كتابة صورية معروفة في التاريخ، كما اكدته التنقيبات الاثرية

ثم تقدمَ فن الكتابة المسمارية في دور جمدة نصر-جنوب العراق-وهو آخر دور من ادوارماقبل الطوفان.وقد استخدم فن الفخار في موقع تل العبيد وتطور هذا الفن كثيراً باختراع السومريين للدولاب الفخاري الذي يتحكم به يدوياً، كما اشار اليه -الدكتور مورتكات في كتابه تاريخ الشرق الادنى القديم-

وظهر استخدام دولاب الخزِّاف في صنع الاواني الفخارية في مدينة اوروك-الوركاء حاليا- والتي اسست فيها المعابد والابنية باشكال معمارية هندسية رائعة تدل على عظمة عقول الفنانين السومريين، اضافة لقيامهم بتطويع الاحجار الصلدة لعمل المنحوتات والتماثيل، وقد كانت الحجارة تستورد من دول اخرى لهذه الغايات كون مناطق جنوب العراق منطقة سهلية ترابية، فكان الفنان السومري متحفظاً مقتصداً باعمال الحجر من التبذير لشحته، فقام بصنع تماثيل الحيوانات والطيور واشكال اخرى من الطين المفخور بمواقدالنار، كما صنع الفنان السومري التمائيل من المرمر وحجر الديورايت الصلب كما في -تماثيل الملك المصلح كوديا-واستخدموا الاحجارالملونة بالوان الابيض والاسود واللازورد، وصنعوا الزخارف الشبيهة بالفسيفساء خاصة في معابد اوروك، ويعزو العلماء هذه النهضة الفنية للعبقرية الموروثة التي حفزت تطورها السريع، حيث حققت هذه الشعوب القديمة منجزات حضارية وفنية على رقعة واسعة على ارض-موسوبتاميا-حيث تاسست فيها انظمة حكم وبنيت المدن بطرق معماريه مذهلة واعيه، وصيغت المعتقدات الدينية والاهتمامات بالفكر الفلسفي الديني، وظهور فنّ الكتابة والنحت وممارسات في العلوم تدلّ على التطور المدهش وتعبيرواعي عن خصوبة اهداف الخيال الانساني في بلاد الرافدين.ويبدو ان العراق مدّين الى مجموعة العلماء الآثاريين الذين تركزت جهودهم في اعمال التنقيب المحتلفة واعمال شرح الآثار ومساعدتهم القيّمة في كشف أزدهار الحضارة السومرية وكذلك ما تلاها من الحضارات الاكدية والبابلية والآشوريه ..الخ، حيث تجد ان هذه الحضارات تقدمت بشكل عظيم في مجالات البناء والفنون والثقافة والعلوم الاخرى، فالمدن مسيّجة ومزيّنة بالمباني العامة والقصور والمعابد، كما نظمّت الحكومات القوانين ومشاريع الرّي واستخدموا النقل بالمواصلات النهرية واخترعوا العجلات في النقل البري، وقد تأثر الفنّ بالمعتقدات الفلسفية وافعال القوى الآلهية المخيفة، وكان اكثر الاعمال ندرّة التصاميم الزخرفية والمسّلات التي تخلد النصر والمعارك، كما حظيّ الفنانين الاهتمام بفن النحت البارز والغائر في عمل الاختام الاسطوانية التي تُصَوّر تأملات الفنان السومري وهو يرسم الاحداث والمناسبات اويترجم ماورد في الانشادات الاحتفالية، تؤكد ازدهار وتطور الحياة في مظاهرها وسلوكها وفلسفتها وقوانينها في ظل ملوك سومر بدءاً من كلكامش ملك اوروك، واورنمو في اور و كوديا في لكش وغيرهم

وهناك نماذج متعددة للفن العراقي القديم في العصور السومرية كما هي مثبتة في مؤلفات العلماء المختصين، منها لوحة نقشها-الملك اور-نينا-حاكم لكش-تللو-قرب الشطره جنوب العراق، احتفاءاً ببناءه معبداً جديداً وقد صورمعه افراد عائلته وشخصيات مهمه، وهناك عملاً فنياً ذا اعتبارات جمالية عالية في التصميم وهي-مسلة اي اناتم- من تلول-لكش-تللو-عبارة عن علامة حدودية نصبت بعد احدى المعارك لتسجيل اتفاق تعاقدي بين المنتصر والمهزوم-الخاسر-وكان -الملك اي اناتم حاكم-لكش-تللو- تمكن من القضاء على الفتن والاضطرابات التي كانت تثيرها عليه دويلات المدن المجاورة،  فقام بحملات عسكرية على مدينة-اوما-قرب الرفاعي-التي كانت تضمر العداء لهم وانتصر على ملك اوما - اين آكالا- كما دخل في حروب مع -اور-و-كيش-وانتصر فيها على ملك اور.وكانت مسلة-آي آناتم-من الاعمال الفنية الشهيرة المعروفة بمسلة -العقبان-التي خلد فيها انتصاراته على مدينة-اوما-وقد حظيت بتوصيفات شعبية عراقية طريفة بمقولة-ياحوّم اتبع لو جرينا- كما ازدهرت فنون النحت لتماثيل الآلهة والملوك بالحجر الصلد والمرمر اشهرها تماثيل ملك لكش كوديا التي صنعت من حجر الديورايت الاسود، ومنحوتة راية اور الشهيرة المصنوعة من الحجر، والخوذة الذهبية للملك مسكالا مشار في اور والمصممة بشكل فائق المهارة، وزخرفة الاشكال كما في القيثارة الذهبية من عصر اور وهي مزخرفة الى جانب رأس ثور من الذهب الخالص بالتطعيم بمواد اللازورد والصدف والخشب،  والتي قال عنها عالم الآثار- الدكتور وولي-ان الدهشة تغشي الابصار جراء التنافرالمجّسد في الثور الذي نَمَتْ له لحيَّه .؟-

 

صادق الصافي

كاتب عراقي مقيم في النرويج

 

 

khadom shamhod2كانتابريا Cantabria   هي احد الاقاليم الاسبانية التي تقع في الشمال على شواطىء بحر كانتابريا. ومن اشهر مدنها سانتاندير Santander . وتشير المعلومات من علماء الاثار بأن هذه المنطقة تعتبر من اقدم المستوطنات التي استقر فيها الانسان الاول ويستدلون على ذلك بكهوف التاميرا المشهورة والتي لازالت رسومها البدائية محفورة على الجدران .

يذكر علماء الدراسات الانسانية ان هناك ثلاثة مواقع جغرافية لفن الانسان البدائي  وهي  1- مجموعة كانتابريا الفرنسية .. 2- مجموعة كانتابريا الاسبانية 3 – والمجموعة الافريقية الشمالية وكذلك رسوم البوشمان في روديسيا الجنوبية .. وتحدد تواريخها ما بين  30،000 الى 10،00 ق م – واشهرها واهمها هي المجموعة الاسبانية .

خصائص الفن البدائي

يذكر العلماء ان هناك تشابهة بين رسوم الكهوف في اسبانيا ورسوم قبائل البوشمان في افريقيا وحسب رائ الدكتور هربرت كوهن ان هذه الاقوام ترجع الى جنس مرتبط - بالثقافة الكابسية – وربما يقصد بان تلك الاقوام كانت تعتقد بالسحر وعبادة الارواح والموتى .. ويذكر ان الرسام البدائي كان يملك حساسية جمالية راقية وان الرسوم التي كشفت في الكهوف ليست الا نتيجة لمواهب خارقة . وكان الفنان يتخلى بشكل واضح عن التفاصيل لصالح الرمزية، فهو مثلا  يطيل جسم الثور لكي يوحي بعملية القفز . وعادة ما تكون الرسوم ذات لون واحد ومتدرجة ولها بعدين وخالية من التضليل . وكان الفنان البدائي يشغل وظيفة  في مرتبة مصور البلاط في العصور الماضية حيث له اهمية ومكانة خاصة عند الكهنة والناس و كان يرسم وينحت الآلهة ويجسد الارواح الشريرة وطردها،  وكذلك يرسم  الحيوانات وهي تجري وغيرها من مشاهد الصيد .

كهوف التاميرا

و من جانب آخر يذكر بعض العلماء ان حضورالانسان  واستقراره في كانتابريا يعود الى حوالي قبل مائة الف سنة ق.م. في نهاية العصر الحجري المتاخر ومن المحتمل ان هذا الانسان قد قدم من الشرق او افريقيا عبر مضيق جبل طارق  . وكانت هذه التجمعات البشرية الصغيرة اخذت بمرور الزمن تنمو وتتصل ببعضها حفاظا على وجودها من وحشية الطبيعة . وكانت مهنتها الوحيدة للعيش هي الصيد . ويذكر ان هذه المنطقة تعرضت لمناخ جليدي عم كل انحاء اوربا حيث تجمد كل شيء في الطبيعة مما اضطر الانسان الى الانتقال بضع كيلو مترات الى الداخل .

وقد عثر  في المجموعة الاسبانية على ثروة ثقافية وفنية تعد من اهم ماوجد في العالم  عن حياة الانسان الاول والذي ينسبه بعض المؤرخين الى العصر الحجري الاول .

وقد عثر  العلماء على عدد من الكهوف في شمال اسبانيا و التي تحتوي على  رسوم رائعة محفورة على الجدران ، ولكنها بمرور الزمن درست ثم اعيد ترميمها واصلاحها . ان ماتحتويه هذه الكهوف هو شيء مثير للاعجاب والتامل حيث اشارت الى كيفية  معيشة وحياة ذلك الانسان القديم ومعتقداته . وقد عثر على هذه الكهوف في اماكن Altamira، EL Castillo، La pasiega، Los Monedas، Covalanas، EL Pendo، Hornos de la pena ،EL Pendo وغيرها من اماكن تواجد الانسان القديم في منطقة كانتابريا .

التقنيات البدائية

وقد احتوت كهوف هذه المناطق على ثروة هائلة من الاثار الفنية . فقد وجدت رسوم بدائية متنوعة لحيوانات بسيطة الاشكال واخرى  اسطورية، منفذة على الجدران،  كما وجدوا اثاث وادوات  واشياء كثيرة، مثل العظام والاسنان وغيرها، والتي تستخدم بعضها كسلاح .

وقد نفذت هذه الرسوم بتقنيات مختلفة ومتعددة منها الحفر والتصوير والنحت وكان الحفر قد نفذ بواسطة اصابع اليد على مواد رخوة مثل الطين وكذلك بواسطة مادة الحجر  بعد سنها  وحدها  لاجل استخدامها في الحفر على الموادة الصلبة .

وكانت الاصباغ المستخدمة في الرسم مأخوذة من مواد طبيعية مثل اوكسيد الحديد ذو اللون القهوائي ومادة الكاربون النباتية  وغير ذلك،  وبدأت هذه العملية تنموا وتتطورا بمرور الوقت . يضاف الى ذلك ان الانسان الفنان القديم قد اشتغل في  اشكال الاحجار والجدران وتحويلها الى اشكال فنية جميلة واصيلة . هذه الاعمال البدائية نشاهدها اليوم عند مداخل الكهوف التي ذكرناها سابقا .

كما استغل الانسان القديم ضوء النار  وتوظيفه  في تنفيذ الاعمال وتقنية الالوان وكان احيانا يرسم على ضوء المشاعل داخل الدهاليز والكهوف . واصبح الرسم جزء من حياته ومعيشته، وكان يعتقد بالسحر، فعندما يهم في الخروج للصيد عليه قبل ذلك ان يرسم الحيوان على الجدار مضروبا بالسهام ومقتولا، وما عليه الا الخروج والقبض عليه ..

وقد فكر ذلك الانسان في جعل رسومه بعيدة عن تأثيرات مناخ الطبيعة المتقلب من حر ورطوبة وبرد وغيرها وفعلا نجح في ذلك حتى وصلتنا اليوم عبر الاف السنين .

وكان الموضوع الرئيسي الذي يظهر في رسوم الانسان القديم هوموضوع الصيد الذي كان  شاغله اليومي والذي يعيش عليه . فقد رسم عدد من الحيوانات مثل الغزلان والثيران الوحشية والابل والحصن . ولكن لم نجد حضورا واضحا ابداً للحيوانات الجارحة مثل الصقور وكذلك لم نجد تمثيلا لاشكال الانسان ماعدا طبعات الاصابع والايادي . وبالمقابل نجد زخما وكثرة في الزخارف المتنوعة من اشكال هندسية ونباتيه واشكال رمزية وغيرها . هذه الرموز نجدها غير واضحة المعاني ويعتقد انها ربما وضعت لطقوس دينية على الموتى وقضايا سحرية اخرى .

هذه النشاطات الفنية والاعتقادات الدينية كلها كانت قد بدأت حسب بعض المؤرخين وعلماء الاثار عند نهاية العصر الحجري الاول وبداية العصر الحجري الثاني او الحديث . وفي هذه المرحلة بدأت تظهر الغابات والاعشاب وبدأ يختفي العصر المتجمد مع اختفاء الحيوانات التي كانت عائشة على جو البرودة .

هذه التحولات دعت الانسان القديم الى التكيف مع الطبيعة والاتجاه الى الزراعة وتربية الحيوانات وتكوين التجمعات السكنية ثم انشاء المجالس الادارية الصغيرة كالمختارية على سبيل المثال وهكذا بدأت الحياة في التمدن والتحضر شيئاً فشيئاَ .

 

د. كاظم شمهود

 

 

lutfi shafiksaedالطبيعة هي أهم مصدر من مصادر إلهام الشعراء والفنانين لما تحتويه من جمال خلاب ولأجل أن يعثر الأخرون على هذا الجمال عليهم اللجوء إلى الطبيعة وما تتميز به من مناظر أخاذة وما عليهم إلا أن يمعنوا النظر بما يحيط بهم من تلك المناظر، ولأجل التعرف على جمال الطبيعة ورونقها يمكنهم أن يدققوا بالصور (الفوتغرافية) التي التقطوها في مناسباتهم العديدة وخاصة تلك التي صورت في الخارج وفي الهواء الطلق وستظهر لهم أن كل ما تم نقله من الواقع ما هو إلا لوحات فنية زاهية الألوان وكل صورة تعكس لونا معينا وبدرجات متفاوتة بين التي هي في الظل أو التي تحت وهج النور، إن ما يجعلنا أن نهمل كل هذه المتعة هو مشاكل الحياة اليومية ومشاغلها التي تنسينا رونق هذا الوجود الرائع ونمر عليه مرور الكرام، ولا غرابة من أن حالة الاندماج مع الطبيعة تتجسد لدى الشعراء والفنانين لما يمتلكونه من مشاعر وأحاسيس تؤهلهم من اظهارها بشكل يختلف عن الواقع المعتاد لإن الشعر والرسم لا يختلفان في المضمون فالشعر هو رسم بالكلمات والرسم هو قصائد ملونة.

لقد أقترن فن الرسم مع بداية ظهور الإنسان على الكرة الأرضية وقد أظهرت التحريات والبحوث بأن الإنسان القديم الذي اتخذ الكهوف والمغارات مسكنا له قد مارس فن الرسم على جدران تلك الكهوف والمغارات وسمي هذا النوع من الفنون (فن المتعرجات) حيث كان إنسان ذلك الزمان يتخيل أشكال الحيوانات التي كانت سائدة في وقته كحيوان (البيزون) والأيائل والخيول وتتجسد أشكالها على تعرجات صخور الكهف والمغارة ومن خلال انعكاسات ضوء الشعلة التي كان يستخدمها حينذاك ولم تقتصر رسوماته على الخطوط فقط بل دأب على تلوينها بما يبتكره من مواد بديلة كدم الحيوانات التي يذبحها وألون أوراق الأشجار وبقايا الرماد والسخام وبعض اتربة الأحجار الملونة كما تظهره تلك الرسومات المدهشة الموجودة لحد الآن على جدران ومغارات في شمال فرنسا والتي مضى عليها آلاف السنين قبل الميلاد ومنذ عصر إنسان الكهوف.

148 jutfishafik

إنني وفي هذه المقدمة الموجزة أردت أن أبين مدى حب واهتمام الإنسان لفن الرسم وقد كان لي الجزء اليسير منه حيث لم تسنح لي الظروف بإن أوفي حقها واشباع رغبتي وهوايتي التي بدأت لدي منذ الصغر إلا أنني مع هذا فقد واكبت وتابعت كل ما يتعلق في هذا المجال وأطلعت على العديد من اللوحات العالمية وتعرفت على أهم الفنانين العالميين عن طريق لوحاتهم وأسلوبهم في الرسم لدرجة أصبحت لي القدرة على أن أميز لوحة كل فنان بحيث أدرك أن هذه اللوحة هي للفنان الفلاني بمجرد النظر اليها ومثال على ذلك إنني أتمكن أن أميز لوحات الفنان رامبرانت التي يعتمد فيها على الضوء والظل في جميع لوحاته كما أن الفنان رينوار فطريقة رسمه تتميز بالمكورات والمدورات وإن أغلب نساء لوحاته تبدو اجسادهن ووجهن مكتنزة ومكورة وما نشاهده في لوحات سيزان الذي يعتبر مفتاح الفن الحديث في عصره فقد اختزل ألوان الطبيعة واستعاض عنها بألوان براقة وحارة وللفنان ماتيس تجربة فريدة وهي استخدام قصاصات الأوراق الملونة ليحولها إلى أجمل لوحات ابهرت مشاهدي متاحف الفن الحديث في لندن ونيويورك وكذلك يمكننا التعرف على لوحات الفنان مودلياني التي يركز فيها على الأجسام الطويلة ودقة اجزائها وخاصة طول الرقبة وضمور الأكتاف أما لوحات الفنان كيلي فهي عبارة عن خطوط دقيقة متشابكة تقترب اشكالها للأسلاك المعدنية وقطع الحديد الدقيقة ولقد اشتهرت لوحة الفنان ادجار مونيخ التي تحمل عنوان الصرخة عالميا لذلك فإننا نجد أن أكثر لوحاته متأثرة بتلك اللوحة أيضا وهنالك الكثير من اللوحات بإمكان  المشاهد التعرف على صاحبها فليس من الصعب التوصل إلى ما انجزه كل من الفنان فان كوخ والفنان بول كوكان فإن الأول اعتمد في رسوماته اللونين الأصفر والبرتقالي وأعجابه بحقول عباد الشمس وأزهارها ذات اللونين المذكورين أما الثاني فقد تميزت لوحاته بالحافات الحادة والبارزة وقد أطلقت تسمية الحوشية أو الوحشية على طريقة رسمه وكثيرا ما أختلف مع صديقه فان كوخ حول الأسلوب والألوان أما الفنان أدغار ديغا فإنه بالرغم من كونه رساما انطباعيا لكنه فضل الرسم في الأماكن المغلقة كصالات الأوبرا والمسارح وساحات سباق الخيول وليس صعبا على المشاهد أن يميز لوحات كل من الفنان بيكاسو والفنان سلفادور دالي فقد أنجز هذان الفنانان آلاف اللوحات منها التجريدية التي امتاز بها بيكاسو والسريالية التي اشتهر فيها دالي .

 إنني في الآونة الأخيرة وفي عمر متأخر وجدت أن أحسن وسيلة للاستفادة من الوقت المتبقي من العمر هو أن استغله بممارسة الرسم وبهذه المناسبة أدعو أخوتي وأخواتي وأبنائي وبناتي أن لا يضيعوا أي فرصة من الوقت الفائض وأن يختاروا هذه الممارسة الممتعة ولو بطريقة بسيطة وعندها سيتأكد لهم بأن الرسم هو غذاء الروح وسلوتها.

 إن اللوحة هذه التي انجزتها مؤخرا والتي استغرق رسمها مدة شهر كانت بدايتها غير التي تشاهدونها فقد قمت خلال الشهر المذكور وبمعدل ساعتين أو أكثر يوميا على رسم صورة ثم أقوم بإلغائها وعلى نفس القماشة وبألوان (الأكريلك) الصعبة نوعما والصورة هذه هي نتيجة محاولات تجاوزت خمسين محاولة احتفظت بها في هاتفي النقال وأنني مدرك صعوبة عرضها هنا لأسباب تقنية بحتة وإن المهم من كل ذلك إنني متعت نفسي ووفرت لها فرحا مجانيا.

اللوحة أو الرسم الأخير هنا مستوحى من رسومات عديدة لنساء القارة السمراء وبأوضاع مختلفة اقتبست منها هذه الوضعية بعد إضفاء الروح الفنية خاصتي وهو المنظر الخلفي الذي يعكس تلك البيئة الصحراوية والسماء الزرقاء المترامية أتمنى أن تحظى بأعجاب المشاهد الكريم وتنال رضاه .

 

لطفي شفيق سعيد

esmat shahindusakiمن ضروريات حياته الفنية اللون والشكل المعاصر

الفن التشكيلي المعاصر جزء من ثقافة الشباب الكورد الذين يحملون في أعماقهم أحلام عصرية وأفكار متطلعة وخيال خلاق لما هو مميز وجميل، فهو يشكل عنصر مهم للاتصال الروحي والفكري والبيئي الذي يعيش فيه الإنسان، فن يشكل ثقافة عالية لا تخص المترفين ولا هو أحد صور البذخ والفراغ واللعب واللهو، لذلك الفن التشكيلي المعاصر يعتبر موهبة لبعض البشر المميزين المبدعين، موهبة لها عوالمها الواسعة وخيالها المتشعب بين السمو والجمال والرقي الروحي وجمالها الناظر بعيون ناظرة، ومع تداخل الثقافات والحضارات في العالم وتأثيرها المباشر للمعني والمهتم جعل التحرك في ظلها بتأثيرها والحث على ممارستها بصورة جديدة ومهارات راقية بتواصل فني مع تدارك دراستها وإظهارها في أعمال فنية منفردة أو مشتركة بمنهجية تفتح المجال للتغيير والتثقيف والرؤى الحديثة والإبداع باستخدام كافة الأدوات المعاصرة ضمن مفاهيم فنية معاصرة .

هذا المخزون الفني الفكري الخيالي العميق من أحاسيس وعواطف ومشاعر وانفعالات وانتكاسات وتناقضات تجسد على اللوحة الفنية لتعتبر رسالة مهمة موجهة للمتلقي والمجتمع والعالم، فكل فنان تشكيلي معاصر يعتبر نفسه مكمل في طريق الفن ورسالته الفنية إنسانية مستمرة يجددها فكريا وتقنيا ولونيا وشكليا لأنه يرى الحالة التي أمامه ومن خلال مشاهداته وإدراكه لما يدور في بيئته والعالم يجسد من خلال اللون والشكل قضية اجتماعية إنسانية برؤيته الفنية الخاصة .

1428 jutyar1

الفنان التشكيلي المعاصر جوتيار نذير من ضروريات حياته الفنية الأولية اللون والشكل المعاصر، يحاول في لوحاته أن يقدم فن معاصر لكوردستان والعالم عامة وحلمه أن يصل إلى أبعد نقطة على خارطة الإنسانية، يبحر في عوالم المدارس الفنية المعاصرة الانطباعية الواقعية والتجريدية الذي يجعل من نسيجه الداخلي والخارجي وأجواؤه النافذة بمختلف المناخ إلى العمق الخيالي والرؤى الواقعية مع تصور البناء البيئي وإضافة عناصر حديثة تطورية تنموية حتى يكون الفن معبرا أكثر، فهي رغبة ملحة على الفنان التشكيلي جوتيار نذير أن يقدم ما هو الأفضل في أعماله الفنية حتى لو كان متأثرا بثقافات العالم فيظل الفن التشكيلي المعاصر موهبة وصنعة وإتقان في إنتاج عمل فني مميز مضمونه الجمال والفكر والتخيل والإبداع .

1428 jutyar2

ظهرت جدليات في الفن بين القديم والجديد المعاصر وعند دخول القرن العشرين الذي يمثل مرحلة تعقيدية بين جدل الفن القديم والحديث ليعطي أبعاد جديدة لأبعاد عصرية مختلفة الرؤى وانطباع لفكر فني معاصر، وقد ظهر بعد ما يسمى " الوحشيون " ورائده الفنان "ماتيس" فكانت لوحاته متعة وراحة فقد تميز باللون والشكل وجعل الفن روح المتعة والراحة للإنسان، فالاهتمام باللون والشكل يجب أن يكون دقيقا يستوعب الفكر والخيال والواقع ليعكس مفهوم الفن، كذلك أخذت الزخرفة تلعب دورا مهما رغم إنها لم تعتبر فنا وفق المفاهيم الفنية الأوربية، ثم توسع مفهوم الفن التشكيلي المعاصر ليرتبط بمفاهيم التعبيرية ليظهر البعد الثاني في القرن العشرين المتمثل بفن " بيكاسو  وبراك" لكشف واقع تعبيري درامي جديد، يقول بيكاسيو: " إن الأشكال تعيش حياتها الخاصة في العمل الفني " أي لكل من الشكل والفن حياة خاصة .

في لوحات الفنان التشكيلي جوتيار نذير أشكال متعبة في الحياة ووجوه أظناها الواقع وأحلام هاربة حينا وتستغيث حينا آخر،ألوان تعكس الغموض والحلم والتمرد والهدوء والصخب والحياة، وبين رؤى الواقع والتعبير والتجريد تغدو لوحاته عالم بلا حدود بألوان هرمونية مشعة رغم الحزن وأشكال متناهية كأنك في حلم عميق بين أمواج هادرة وتكهنات أفقية طلسمية، لوحات جوتيار تجردها الألوان لتغدو كامرأة عارية نتيجة الدقة في استخدام اللون، حيث اعتبر لوحاته مجسدة بألوان كوردستانية لتناغم ألوان الطبيعة والأشكال والإنسان تمد المتلقي أبعاد عصرية مختلفة الفكر والجمال والخيال والإحساس .

الفنان التشكيلي جوتيار نذير مع تواصله ومتابعته الدراسية  التشكيلية الأكاديمية التي تجعله أكثر عمقا ودراية بالفن التشكيلي المعاصر عامة يعتبر طموحا كورديا إنسانيا راقيا للتطور والارتقاء وهو حق مشروع أن يكون الفن الكوردي المولود من البيئة الكوردية المحلية إلى سمو العالمية مادام عنوانه الحب والسلام والجمال والإبداع .

 

عصمت شاهين دوسكي

.............................

(جوتيار نذير حجي) من مواليد ١٠/٣/١٩٩٣ ولد في محافظة دهوك، التحق بمعهد فنون الجميلة بدهوك ودامت دراسته خمس سنوات في قسم الفنون التشكيلية (ألوان) ولقد شارك في جميع نشاطات ومهرجانات المعهد .

ثتخرج من المعهد في عام الدراسي ٢٠١٥-٢٠١٦، في فترة (٢٠١١-٢٠١٦) مشارك في عشرين من معارض المناسبات الوطنية ومواضيع النازحين ومشاركة في دورة الثاني عشرة ل (گه‌له‌ری) دهوك ٢٠١٥ ودورة الثالث عشر ل (گه‌له‌ری) دهوك على مستوى الإقليم ٢٠١٦ وتطوع مع المنظمة (يونيسف) بصفة مسؤول للشؤون الفنية من فترة (٢٠١٥ -٢٠١٦) شارك في أكثر من مئة نشاط للمنظمة الأممية (يونيسف) بتعاون يابان وألمانيا وفتح دورة تدريبية للفنون التشكيلية بالتعاون مع مركز شباب دهوك لمدة شهرين متتالين.

وحاليا مستمر على الدراسة وطالب كلية آداب قسم الفنون التشكيلية (ألوان) ..

 

 

adnanhusan ahmadمزاد كريستيز يعيد الاعتبار للفن العراقي الحديث

نظّمت دار كريستيز بلندن فعالية فنية هي الأولى من نوعها في هذه المضارب تحمل عنوان "مزاد فنون الشرق الأوسط الحديثة والمعاصرة" الذي انعقد يوم 25 أكتوبر الجاري وقد سبقه عرض خاص للصحافة والإعلام تحدثت فيه خبيرات الدار عن بعض الأعمال الفنية المُشاركة التي بلغ عددها 57 لوحة وعملاً نحتيًا لـ 42 فنانًا تشكيليًا يمثلون تسع دول عربية وشرق أوسطية وهي مصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والكويت والإمارات العربية المتحدة وإيران وتركيا. وقد واظبت كريستيز على عقد مزادات الفنون الشرق أوسطية في مدينة دبي منذ أحد عشر عامًا لكنها أرادت أن تُعزز الفن التشكيلي في تلك المنطقة لذلك منحت المزاد منصة عالمية مرموقة تؤمّها الشخصيات المُولَعة باقتناء الأعمال الفنية أو المُتاجِرة بها في كبريات العواصم العالمية.

لم يتوقع المتابعون لهذا المزاد أن تتضاعف الأسعار التخمينية لبعض الأعمال الفنية إحدى عشرة مرة مثل لوحة "أسى" للفنان التشكيلي العراقي محمود صبري التي بيعت بمبلغ  668,750 ألف جنيه إسترليني بينما كان السعر التخميني الأعلى لها هو 60 ألف جنيه، وهذا الأمر ينطبق على لوحة "بائع الرقّي" لجواد سليم التي تضاعف سعرها ثلاث مرات وقفزت من ربع مليون جنيه إلى نفس السعر الذي بيعت به لوحة الفنان محمود صبري. كما حققت أعمال فنية لشفيق عبود، ومحمود سعيد، ورمسيس يونان أسعارًا باهضة جاوزت الربع مليون جنيه إسترليني، فيما بيعت اللوحات والمنحوتات الأخر بأسعار معقولة تتناسب مع القيمة الفنية لكل عمل على انفراد.

يمكن تقسيم المزاد إلى ستة محاور رئيسة بحسب البلدان التي انتظم فيها الفنانون التشكيليون أولها مصر التي حضرت بقوة من خلال 11 فنانًا أبرزهم محمود سعيد، ورمسيس يونان، وعبد الهادي الجزّار، وجورج حنّا صباغ، وأحمد عسقلاني لكنهم جميعًا لم يتجاوزا السعر الذي حققته اللوحتان العراقيتان المُشار إليهما سلفًا مع أن لوحة محمود صبري هي لوحة تشخيصية بامتياز ويمكن أن توضع ضمن كلاسيكيات الفن العراقي، والمعروف عن صبري حداثته الفنية، وولعه بالرسم الهندسي، ونظرية الكمّ التي تكشف عن العلاقة العميقة بين العلم والفن. تنوعت التيارات والمدارس الفنية التي انضوى تحت لافتتها الفنانون المصريون بدءًا من الواقعية والانطباعية والتشخيصية، مرورًا بالتعبيرية والرمزية، وانتهاء بالسريالية، والتجريد، وهي ذات المدارس التي مرّ بها معظم الفنانين العرب إذا أضفنا إليها التجريد الهندسي الذي برع محمود صبري، ومهدي مطشر.

1427 adnan1

لوحة "أسى" للفنان التشكيلي العراقي محمود صبري

كل الأنظار كانت متجهة إلى اللوحات الفنية الثلاث لمحمود سعيد (1897 – 1964) الذي يُعتبر واحدًا من أبرز مؤسسي الفن الحديث في مصر، وقد حقق شهرة واسعة خلال رحلته الفنية الطويلة التي لم يتفرغ إليها كليًا إلاّ بعد سن الخمسين حينما طلب الإحالة على التقاعد ليكرّس كل وقته لمشروعه التشكيلي الذي تتوّج ببيع لوحة "الدراويش" التي أنجزها عام 1929 في مزاد دبي عام 2010 كـ "أغلى لوحة تشكيلية لفنان عربي بالعالم" إذ بلغ ثمنها 2.536.500 دولار أميركي ليُنهي الخرافة القائمة بأن الفنانين الأوروبيين والأميركيين هم الذين تفرّدوا ببيع لوحاتهم بأسعار فلكية. وهذه التُحف الفنية الثلاث لمحمود سعيد هي "عارية مع الستارة الرمادية" و "ذات العينين الخضراوين" و "هانم" وقد بيعت الأخيرة بمبلغ 320,750 جنيه إسترليني بينما توقع النقاد والخبراء أن تتصدر لوحاته الفنية أعلى الأسعار في المزاد الذي تفوقت فيه لوحتا محمود صبري وجواد سليم مُحققة أرقامًا قياسية تدلل على أهمية الفنانين العراقيين الذين أعادوا للفن التشكيلي العراقي هيبته ومكانته الإبداعية في العالم.

1427 adnan2

لوحة "بائع الرقّي" للفنان التشكيلي العراقي جواد سليم

حظيت لوحة La passion Sauvage للفنان المصري الراحل رمسيس يونان (1913- 1966)  باهتمام المتنافسين على اقتنائها في المزاد، وتُعتبر هذه اللوحة الأكثر تعقيدًا في منجزه الفني وهي تمثل ذروة الصراع الذي يدور بين الوعي واللاوعي. يعدّ يونان مؤسس السريالية والتجريد في مصر وقد بيعت لوحته بنحو ربع مليون جنيه إسترليني بينما لم يتجاوز سعر لوحته الثانية "قواقع" سقف العشرين ألف جنيه.

أما الفنان المصري الثالث الذي اشترك عمله في المزاد فهو النحات أحمد عسقلاني (1978) الذي ينطلق دائمًا من شعار "البساطة فلسفتي" وتتمحور تجربته النحتية على رؤوس صغيرة جدًا مثبتة على أجسام ضخمة، وربما يكون عمله النحتي الموسوم بـ "المفكّر" هو خير دليل لما نذهب إليه في تكثيف الدلالة، وإدهاش المتلقي.

تستحضر كريستيز العديد من نتاجات الفنانين العرب من بينهم الفنان الواقعي السريالي السوري فاتح المدرِّس الذي كان يرسم شخصيات مجهولة لا يعرفها المتلقي غير أن اللوحتين المعروضتين في هذا المزاد تضم وجهين مألوفين. ففي اللوحة الأولى غير المعنونة التي أنجزها المدرِّس عام 1974 نرى فيها شخصية سورية معروفة وهي أمل الغازي التي تحتضن طفلاً وتعكس من خلاله معنى الأمومة. فيما نرى في اللوحة الثانية شقيقها غيث الغازي وهو يحتضن عدة أطفال مُجسِّدًا أبوّته الحانية.

أما الفنان السوري الثاني فهو مروان قصاب باتشي (1934- 2016) الذي عرف برسم البورتريهات أو "الرؤوس" كما يسمّيها. ولوحته غير المعنونة التي رسمها عام 1976 تستحوذ على سطح العمل برمته وهي تعكس منحىً تعبيريًا واضحًا يتجاوز المعالم الخارجية للوجه ويغوص في أعماق الشخصية المرسومة التي تكاد تلتهم الفضاء الذي يحيط بها.

يُحيلنا الفنان اللبناني شفيق عبود(1926- 2004) إلى الأزياء الصينية فيما تأخذنا هيلين خال(1923- 2009) إلى عالمها الفني الذي يتكامل فيه التشخيص مع التجريد كما في لوحة الصبي الصغير الذي يرتدي شورت سباحة وخلفه مجموعة من الأشكال الهندسية التي يتسيّد فيها اللون الأزرق.

احتفى المزاد بأعمال فنية لاثني عشر فنانًا إيرانيًا بينهم بهمن مُحصص(1931- 2010) الذي حُطمت أعماله بعد الثورة الإسلامية. وكدأب الفنانين الأصلاء كان مُحصص يخشى من المستقبل، ويحاول قراءته جهد الإمكان. ففي أواخر عام 1976 عانت إيران من أزمة حادّة، وتضخم مالي، وبلغت التناقضات الاجتماعية ذروتها فرسَم المستقبل المتخيل باللون الأسود على سطوح تصويرية دموية، وبأسلوب مؤثر يستدعي أسطورة تيريسياس الذي يمثل الفنان نفسه فلا غرابة أن نجده مفزوعًا بعينيه المفتوحتين عن آخرهما وهو يقف وسط حيوانات مهجّنة تبث الرعب في عيون المتلقين. ثمة لوحة مهمة للفنانة منير شاهرودي فرمانفرمائيان تحمل عنوان "نبضات القلب" التي تُذكِّرنا بالصور البيانية الكهربائية لعمل القلب لكنها مُنفذة على الموزائيك العاكس  طبقًا للأسلوب القاجاري الذي كان شائعًا في إيران قبل قرن أو يزيد.  ثمة فنانين إيرانيين آخرين حققوا حضورًا لافتًا سواء بلوحاتهم أو بمنحوتاتهم مثل منحوتة "العاشقان" لبرويز تناولي، ولوحة "الإناء العائم" لفرهاد مشيري، و "المنمنمة الزرقاء" لشيشه كَران وسواها من الأعمال الفنية القيّمة التي أثارت شهية المتنافسين على الاقتناء.

لابد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى الفنانين الأربعة الآخرين الذين مثلوا الإمارات والكويت وفلسطين وتركيا وكانت أعمال البعض منهم تتوفر على لمسات فنية ربما لم تصل إلى أذهان المُقتنين وخاصة لوحة "العارية المتكئة" للكويتية- السعودية منيرة القاضي التي موّهت ملامح الوجه لكنها ركزت بالمقابل على المواصفات الجسمانية التي قدّمتها للمتلقي بطريقة احترافية لافتة للنظر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

saieb khalil2منذ زمن طويل يسحرني الرسم الصيني لما فيه من اختزال مدهش ورشاقة أخاذة. وأخيرا قررت ان اجربه لأرى ما مدى الصعوبة في رسم غصن فيه بضعة أوراق باللون الأسود فقط؟ كانت تجربة مدهشة ما أزال اخوض بدايتها وأود مشاركتكم ما اكتشفت فيها.

اكتشفت ان الرسم الصيني، رغم بساطته، لكنه خطير الدقة. فلديك ضربة فرشاة واحدة لترسم ورقة واحدة! وسحبة فرشاة واحدة لترسم غصناً بكل تعرجاته وتفاصيل سمكه ونحافته. وفي ذات الضربة، عليك ليس ان تعطي الشكل المناسب لما ترسم، وإنما أيضا أن تعبر عن طبيعته وحركته، وأن يكون جزءاً منسجما مع الكل الذي رسمته او سترسمه بعد قليل.

هذا التحدي الكبير يعني بالنسبة للرسام أن فرشاته سوف ترسم حافتي الورقة في نفس الضربة، فعليه ان ينتبه للجانبين في نفس الوقت. وعليه ان يحسب ضغط الفرشاة على الورقة ليتحكم بسمك الورقة. ولأجل انجاز ذلك بحافات صحيحة ونقية وأن تكون كثافة الحبر أو الألوان هي المناسبة التي كان يريدها، فعليه ان يعرف كمية الحبر أو الأصباغ والماء في فرشاته ويتأكد منها. لأن كمية ماء زائدة سوف تجعل رسم الحافة الحادة صعبا واللون خفيفا. وإن كان الماء أو الحبر قليلا، فعلى الرسام ان يحسب ان بعض شعرات فرشاته سوف تنفصل عن جسم الفرشاة لترسم خطوطا قد لا يريدها. كما ان رفع الفرشاة عن الورقة قد لا ينتج الشكل النهائي الذي يبتغيه.

ماذا عن الأغصان؟ اليست خطوطا بسيطة؟ نعم لكنها ستبدو كخطوط في اللوحة وليس كأغصان! إن أردنا لها ان تبدو كأغصان فعلينا قبل كل شيء ان نسيطر تماما على سمكها، وهو ما يعني ضغط الفرشاة على الورق، الغصن يزداد نحافة كلما اقترب من حافته، لكن هذا لا يعني ان تلك النحافة تأتي بشكل منتظم، بل يستمر الغصن في نفس السمك لمسافة ثم ينحف فجأة حين يتفرع منه فرع. و "نفس السمك" شيء تقريبي أيضا، فهو ينحف بشكل قليل ودقيق. واهم شيء ألا يخطئ الرسام في أي ضغطة إضافية تتسبب في "ورم" لا معنى له في الغصن، ولا يمكن ازالته، ويكتشف المشاهد أن ما امامه ليس غصناً بل خطوط فرشاة فقط!

ولا تقتصر المهمة على رسم الأوراق المفردة والاغصان بسحبة فرشاة واحدة، بل يلعب "تصميم" تشكيلات أوراق البامبو دوراً أساسيا في تشكيل اللوحة. ولو حاولت ان ترسم مجموعة كبيرة من تلك الأوراق بنفسك، وحتى لو رسمت كل ورقة بشكل صحيح، فإنك ستجد نفسك بعد بضعة أوراق، في "خبصة" بشعة لا علاقة لها بالفن.

الفنان الصيني يحترم تصاميم الأوراق ويحبها. ويعطيها أسماءا جميلة ومناسبة، مثل "السنونو" الذي يتكون من ورقة صغيرة هي "رأس السنونو" وورقتان طويلتان يمثلان "ذيل السنونو" ثم هناك "جناحا السنونو": ورقتان تتميزان بظهور غصنيهما وبالتفاتتهما. ومن مثل هذه المجموعات تتكون كتلة الأوراق التي لا "تنخبص" بل قد يتساءل المرء إن كانت أوراقا أم طيورا؟ ويتساءل إن كانت الشجرة ترقص أم هي واقفة؟ إن الرسام الصيني لا يرسم شيئا لا روح فيه ابداً. لأنه يعتبر نفسه كما يبدو، وكأنه لم يرسم شيئا عند ذاك.

لكن كيف نصل إلى "روح الأشياء"؟ إنها ليست قضية سحرية او معجزة لا يصلها إلا الراسخون في الفن، بل هي مثل معظم ما في الحياة، نصله بالاقتراب منه واعطاءه الوقت اللازم. وأهم شيء طبعا هو مراقبة "الأشياء" وكيف تتعامل مع محيطها الذي تعيش فيه.. كيف تتصرف الأوراق في العاصفة؟ كيف تتوزع على اغصانها؟ كيف يقف العصفور على الغصن؟ كيف يفتح منقاره؟ كيف “يتعارك” مع غيره؟ الخ

هذه الأشياء ليست خاصة بالرسم الصيني طبعا، إنما هي عامة. فالرسام يقول في لوحته: انظروا.. اكتشفت ان الأمواج تترتب بهذا الشكل، وان الغيوم ليست مجرد بقع بيضاء تأخذ أي شكل كان في السماء. الرسام يجب ان يكون قد رأى الأشياء بأفضل مما يراها الآخرون، وإلا فلن يستطيع ان يقول لهم شيئا في لوحته. ولكن هذا لا يكفي، فيجب على الرسام أيضا ان يختار ما ينقله في لوحته وما يهمله من تفاصيل وملاحظات. فهو يقول لمشاهده: أنظر، من بين كل التفاصيل.. هذا هو الجميل، وهذا الجميل هو فكرة لوحتي. تماما مثلما يفعل المؤرخ الذي ينتقي من بين كل احداث التاريخ ما يعتبره "الأهم" ويهمل الباقي، فيقول لقارئه: أنظر.. هذا الحدث مهم بشكل خاص لأنه كذا وكذا، وعليه وعلى تداعياته، أؤلف كتابي. أما الرسام الذي يرسم كل شيء والمؤرخ الذي ينقل كل شيء فلن يكون قد أدى واجبه كاملا. قد نعجب بإمكانيات الرسام الذي رسم كل التفاصيل وقدرته على اختيار اللون ودقة الرسم وطول الصبر، مثلما نعجب بالجهد والوقت والمواظبة لمؤرخ يغرق كتابه بالتفاصيل والاسماء والتواريخ، لكننا لن نخرج بشيء من كتاب هذا او لوحة ذاك. لن نعرف ما هو مهم في هذا التاريخ ولا ما هو جميل أو قبيح في ذلك المنظر الذي رسمه.

إن هذا الاختيار وهذه التنقية من التفاصيل تسمى "التجريد". ونحن نطلق صفة "التجريد" على الرسم الذي لا يكاد يستطيع المشاهد فيه ان يربط بينه وبين أي شيء محدد من الحياة، لكننا في الحقيقة نرسم "تجريدا" كلما أهملنا بعض التفاصيل. والحقيقة اننا نفعل ذلك سواء أردنا ام لم نرد، فمن المستحيل رسم كل التفاصيل. لكن الرسام الجيد هو من "يختار" بوعي ما يهمل وما يبقي من تفاصيل، فيركز الجمال في لوحته أكثر مما هي في المنظر الذي أمامه، مثلما يركز المؤرخ "المعنى" في روايته للتاريخ، أكثر من الحدث نفسه. ولأجل انجاز ذلك لابد ان يراقب الرسام موضوعه ويتأمل المؤرخ احداثه بصبر أكبر ومحبة أكبر ويعطيانهما وقتا وجهدا أكبر مما يفعل الشخص العابر. ويحتاج مشاهد اللوحة وقارئ التاريخ أيضا بعض الجهد ليصل اليه ما أراد المؤرخ والرسام ايصاله له.

المحاولات الفاشلة الأولى لرسم غصون الأشجار كما يفعل الصينيون بضربة واحدة، جعلتني أبحث عن السبب، واكتشف ما هو الفرق بين خط الفرشاة وبين الغصن، وما الذي يجب على الأول ان يفعله لكي يبدو مثل الثاني ويتمكن من "خداعنا". وبالفعل تمكنت من تسجيل تقدم سريع، حتى إني احتفظت ببعض تجاربي بشكل لوحات، بعد ان اكملتها بالرتوش المناسبة (من الصور المرفقة، اللوحات المؤطرة ولوحة شجرة الورد هي تجاربي). وكانت سعادتي بالتقدم ان أطلقت طموحات لتأمل إمكانية رسم لوحات عراقية بالطريقة الصينية او بشيء مقارب لها، خاصة وأن النخيل ربما يكون موضوعا مناسبا لمثل هذا النوع من الرسم، لكن الطريق مازال طويلا جدا طبعاً.

وهكذا كسبت من هذا التمرين بضعة لوحات إضافة الى سعادة الإنجاز، كلما اكتشفت طريقة لتجاوز مشكلة ما. وفوق ذلك لاحظت أني في هذه الفترة بدأت أتطلع إلى الأشجار التي امر بها، بنظرة باحثة مستفهمة عن التفاصيل التي تشرح طبيعة الشجرة وحياتها في محيطها، مع نوع من الاحترام والحب الإضافيين لـ "كل ما أفقسته حرارة الشمس" (نيتشه) من احياء، وشعور بأني أقرب اليها قليلا مما كنت، فالمعرفة تزيد القرب. وفي نشوتي الصغيرة هذه تخيلت الرسام الصيني الذي يقضي عمره متطلعا الى الطبيعة.. كم يجب ان يكون قد أحبها وامتزج بها وكم يجب ان تعني بالنسبة له أشجار قصب البامبو واغصانها واوراقها أكثر مما تعني بالنسبة لنا، وكيف "صادقها" وصادق عصافيرها وتآلف معها كأجزاء متجانسة من الطبيعة، وما احوجنا جميعا الى ذلك!

 

صائب خليل

           

 

adnanhusan ahmadأفتُتِح في "غاليري ويلِزدن" بلندن معرض مشترك لخمسة فنانين سوريين ينتمون إلى تيارات وأجيال مختلفة بعضم لا يزال يقيم في سوريا مثل غسان جَديد ونزار صابور، وبعضهم الآخر انتقل للعيش في المنافي العربية والأوروبية حيث رحل خالد الساعي إلى الإمارات العربية المتحدة، بينما التجأ منهل عيسى إلى فرنسا، أما فيرجيني أراكيليان فقد يمّمت وجهها شطر الولايات المتحدة الأميركية. وقد انضوى المعرض تحت عنوان "ذكريات المدن" وسوف يستمر لغاية الحادي والعشرين من شهر أكتوبر الجاري.

تتمحور ثيمة المعرض الرئيسة على ثلاثة أسئلة جوهرية مفادها: ما علاقة الفنان بالمدينة؟ وما هي رؤيته الفنية لها؟ وكيف يمكن التعاطي معها إذا ابتعد عنها أو ظلّ مُرابطًا ضمن حدودها الجغرافية المُتعارَف عليها؟

أكبر الفنانين الخمسة سنًا هو غسّان جَديد من مواليد طرطوس عام 1946، درس الرسم في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وتخرج فيها عام 1971، وقد اشترك في هذا المعرض بخمس لوحات أنجزها العام الماضي وتحمل كلها اسم "طرطوس" لكن المتأمل في هذه الأعمال الفنية سيكتشف من دون عناء أن الفنان لم يرسم ما تراه العين المجرّدة، وإنما رسم فقط ما سرّبته ذاكرته الفردية البصرية، وما تسلل من لا وعيه الخاص لحظة قيلولة الرقيب فبدت أعماله الفنية وكأنها لوحات حُلُمية وجدت طريقها إلى السطح التصويري في غفلة من الزمن حتى أن تقنيتها التعبيرية التي تميل إلى المنحى التجريدي بدت بخطوطها الليّنة المطواعة وكأنها مُنفّذة بجرأة طفل فنان لكنه يعرف ماذا يريد. تُذكِّر لوحاته بأعمال كارل أبل وكورنيه لكنها لا تحيل إليهما مباشرة. لا يمكن إغفال تقنية التضاد اللوني في مجمل أعماله حيث تتجاور الألوان الحارّة والباردة، الصريحة والممزوجة التي يتسيّد فيها الفرح والحيوية والتوهج. ومن بين أطيافه الحُلُمية تبرز معالم المدينة التي استقرت في ذاكرته مثل الكاتدرائية، وبرج طرطوس، وسورها القديم وسواها من المعالم المحبّبة إلى نفسه.

اشترك الفنان نزار صابور بخمس لوحات صغيرة لكنها معبِّرة جدًا وتحمل جميعها اسم "ذاكرة المدينة". فقد ولد في اللاذقية عام 1958 وأحبّ كل المدن والمواقع الأثرية سواء في مسقط رأسه أو في بقية المدن السورية، فلاغرابة أن تتسلل إلى أعماله الفنية التي يُحضِّر لها سلفًا قبل أن يشرع في تنفيذها على الكانفاس أو الخشب أو الورق أو أي سطح تصويري آخر. عُرف صابور برسومه للأيقونات التدمرية التي تعود إلى 1800 سنة لكنه استدار بكل شغفه ليجسِّد مدينتي معلولا وصيدنايا المعروفتين برمزيتهما المسيحية التي لم يجرؤ أحد على حرقهما أو تدميرهما على مرّ التاريخ لكن ألسنة الحرب والنيران امتدت إليهما عام 2014 وأخذت منهما مأخذًا كبيرًا.

تتميز أعمال صابور بتقنيتها الحزينة المرهفة التي يحاول بواسطتها أن يخلّد الأبدية من خلال إحياء الماضي في الحاضر، ويسعى في مصغّراته أن يقدم صورًا بصرية سهلة القراءة، وجميلة التكوين. ومَن يتمعن في بعض لوحاته سيجد أنها منفّذة بطريقة التطريس Palimpsest وكأنه يوحي بتماهي الماضي بالحاضر. لابد من الإشارة إلى أن لوحاته الخمس في هذا المعرض مريحة بصريًا فثمة مربع صغير مرسوم بألوان هادئة داخل مربع أكبر منفّذ بالرماد وهي المادة التي يستعملها كثيرًا في أعماله الفنية التي يعالج فيها فكرة الموت والتآكل والانحلال.

147 manhalesa

لوحة الفنان: منهل عيسى

في كل مجموعة أشجار ثمة شجرة شاهقة لا تُخطئها العين ولوحات الفنان منهل عيسى تشبه الأشجار المتسامقة التي تتميّز بحضورها الاحتفائي الباذخ الذي يجذب المتلقي ويُرغمه على الغوص في متون الثيمات وهوامش الأفكار الثانوية التي تتشظى تباعًا مثل الألعاب النارية التي تضيء عتمة السماء. وعلى الرغم من سمّو الموضوعات التي يطرحها في أعماله الفنية، وحسّاسية خطابها البصَري إلا أنّ تقنيته الصادمة هي التي تجبر المُشاهِد لأن يتسمّر أمام لوحاته مدهوشًا وهو يرى أن عجلات السيارات قد أستُعملت كأداة من أدوات الرسم لغاية مُحددة تعكس رأي الفنان في الحرب الكونية التي تدور رحاها في المدن والقرى السورية. اشترك منهل بثلاث لوحات كبيرة الحجم كي تضمّ فضاءاتها التصويرية جبل "قاسيون" على وجه التحديد وجانبًا من الأحياء الدمشقية التي تلوذ بسفح هذا الجبل الخالد المحفور في الذاكرة لكن الفنان قدّم هذه الفكرة بمعالجتين لونيتين مختلفتين، الأولى يتزاوج فيها الأسود مع الأزرق بدرجاته اللونية المختلفة ليعبِّر عن رؤيته الشخصية التي تمثلت في لوحة "قاسيون 1"، أما اللوحة الثانية "قاسيون 2" فيتسيّد فيها الأحمر الدموي الذي يتخفّف شيئًا فشيئًا إلى البنفسجي الأقل وطأة ويستقر في خاتمة المطاف إلى درجاته الزهرية التي تهيمن على المدينة برمتها. كما تخضع لوحة "حلب" إلى ذات الثيمة والتقنية التي يؤكد من خلالها الفنان منهل عيسى بأن المدن السورية منقوشة في ذاكرته، ومحفورة في عصب القلب، وأنها لن تغيب فهي على حد قوله "تشبه الفن والحب والأحلام التي لا تنطفئ أبدًا".

يبدو وجود الخطاط خالد الساعي في هذا المعرض شاذًا لأن الخط يقترن بالزخرفة الإسلامية ولا يرتبط بالتشكيل كثيرًا، ولعل صلة الخطاط الوحيدة في هذا المعرض هي ثيمة "ذاكرة المدن" التي جمعت أعمال الفنانين الخمسة في صالة واحدة. اشترك خالد الساعي بأربعة أعمال فنية تتناول أربع مدن وهي أصيلة ودمشق والميادين والمدينة السماوية لكن المتأمل في هذه الأعمال لا يجد أثرًا ملموسًا للمدن المشار إليها سلفًا وذلك لغلبة المنحى التجريدي على أعماله الفنية. ولنفترض أن هناك ملامح متوارية للمدن الثلاث قد تصطادها العين المدربة على معرفة مَشاهد المدن ومعالمها الأثرية لكن الأعمال نفسها خالية من أي معْلمٍ شاخص باستثناء بعض العمارات الشاهقة وواجهة البيوت في خلفية لوحة "دمشق" التي قد يتعرّف عليها المُشاهِد السوري الذي يتوفر على ذاكرة بصرية قوية وحسّاسة في الوقت ذاته.

إذا كان ثمة مفاجأة أخرى في هذا المعرض فهي لوحات الفنانة السورية من أصل أرمني فيرجيني أراكيليان التي قدِمت من أورلاندو الأميركية وفي جعبتها 12 عملاً فنيًا، تسعة منها بقياس 25 X25سم، والثلاثة الباقيات بقياس 50 X50 سم وهي تشتمل على لوحات لبلدات سورية وأماكن دمشقية كانت تتردد عليها فيرجيني مثل "حديقة التجارة"، "مركز المدينة"، "البزورية"، "كسب"، "صلفنة"، إضافة إلى مَشاهِد أحبّتها مثل النافورة، شرفة دمشقية، النارنجة، مجنونة وما إلى ذلك.

ما يميز أعمال هذه الفنانة الشابة هو ثيماتها المكانية، وتقنيتها العفوية السلسة، وتفجّر ألوانها الشرقية الصريحة التي تخطف القلوب قبل الأبصار وهي تذكِّر ببعض أقطاب حركة "كوبرا" أيضًا وآخرين يتصفون بنزعتهم الطفولية الجريئة في الخطوط والتكوينات والألوان مثل فنان البوب آرت ديفيد هوكني الذي تكتظ لوحاته بالألوان الصارخة التي تغيّر مزاج المتلقي وتبعث في نفسه الفرح والنشوة القصوى.

تحتاج أعمال الفنانَين منهل عيسى ونزار صابور إلى قراءة نفسية للعمل الفني فقد بذل الإثنان جهودًا مضنية في إنجاز أعمالهما الفنية التي تحتاج إلى بعض المفاتيح لسبر أغوار الموضوعات التي يجسّدانها على السطوح التصويرية فثمة رؤىً وأفكار عميقة في كل عمل فني وثمة تخطيط مدروس يسبق تنفيذ هذه الأعمال الفنية التي سيترسخ بعضها في ذاكرة المتلقين حتمًا.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhod2يذكر ابن خلدون في كتابه - مقدمة ابن خلدون - بان الفن وتأثيره على النفس لا يقل عن سطوة السيف وقدرته على التأثير في نفوس الرعية .. والفن الكاريكاتيري هو فن تعبيري ضاحك ساخر ناقد وتذوقه ورسمه جزء من مفهوم الحرية في التعبير والنقد والفكاهة والامتاع .

وحرية التعبير والمعتقد شرعتها الانظمة الديمقراطية الحديثة، كما وردت ايضا في القرآن الكريم (لا اكراه في الدين) . وخلال القرون الماضية ظهرت عدة حركات فكرية منها التفويضية والتي نادت بها جماعة المعتزلة . وكذلك جماعة الجبرية . وجماعة الامر بين امرين التي انطلقت من مفهوم الآية الكريمة (وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى) . وغيرها من الحركات التي ناقشت حرية الانسان في الافعال والمعتقد .

عراقة فن الكاريكاتير:

الفن الكاريكاتيري فن عريق وقديم وقد سجلت الحضارات الاولى حضوره الى جانب الفنون  التشكيلية الاخرى وقد اخذ في تلك العصور مفهوم الاسطورة والخرافة، كأن تتركب الصورة او العمل النحتي من رأس انسان وجسم حيوان . وكان ذلك يعتبر من المعتقدات الدينية في تلك الحضارات القديمة، ولكن بمفهومنا اليوم هو نوع من الكاريكاتير الساخر . وقد وجد رسم في زمن الفراعنة يمثل غراب يتسلق على سلم يعود الى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، كم عثر على رسم في روما يمثل المسيح –ع- مصلوبا ولكن برأس حمار ويعود تاريخه الى ما بين 85 و95 ميلادية . وكان فن الكاريكاتير في زمن الاغريق مهمشا ومشاكسا حيث يذكر ان ارسطو نعته (بالفن البشع) كونه يخرج عن القيم الجمالية للشكل التي وضعها فلاسفة الاغريق في ذلك الوقت . وبعد عدة قرون تطورت المفاهيم وتغيرت الاذواق فدخل الكاريكاتير الحياة الاجتماعية . وكما كان فن الكاريكاتير والسخرية موجودا في الرسم فهو ايضا موجودا في الادب والشعر، فالاول يرسم صورة منظورة على الورق والآخر يرسمها في الخيال عبر الكلمات . والمعنى والهدف واحد. وكانت كتب الادب العربي مليئة بالنوادر والهزل والسخرية والفكاهه.

وهي كثيرة ومعروفة ..

ارى ثم وجها شوه الله خلقه

فقبح من وجه وقبح حامله   / الحطيئة

كاريكاتير اليوم:

و قد شهدت اوربا والعالم العربي في العصور الماضية نهضة كبيرة في فن الكاريكاتير. وكانت بداية اول ظهوره في اوربا على يد الفنان دافنشي 1503 . وبعد اختراع الطباعة عام 1452 وو صول الورق الى اوربا من الشرق عن طريق الاندلس، ظهرت الكتب والمجلات والصحف ومنها ما اختص بالرسوم الكاريكاتيرية الساخرة والضاحكة . فظهرت صحيفة في فرنسا تدعىRire  ريري سنة 1824، وظهرت اخرى في المانيا تسمى سيميليثيو سيمون Simplicissmus عام 1896، وفي روسيا ظهرت صحيفة كرولوديل عام 1922 Krolodil وفي الولايات المتحدة ظهرت صحيفة نيويورك 1924 The new yorke . كما ظهر عدد من الفنانين الكبار الذين مارسوا الفن الساخر مثل الفنان الفرنسي دومير 1808 الذي كان يرسم في صحيفة جاريباري عام 1832، والفنان الانكليزي وليم هوغار الذي يعتبر من اعظم فناني اوربا في ذلك الوقت 1697، والفنان الاسباني فرانثيسكو غويا 1746. صاحب رسوم النزوات وغيرهم.

وفي عالمنا العربي ظهر عدد من الفنانين في مجال الكاريكاتير فاقوا فناني الغرب كما ظهرت مجلات مختصة بفن الهزل والفكاهه . وكانت اول صحيفة عربية مختصة بالكاريكاتير ظهرت في مصر في 21/3/ 1877 اسمها –ابو نظارة زرقاء – وكان قد رسم بها عمالقة الفن المصري مثل: رخا، عبد السميع، صاروخان، صلاح الليثي، ثم جاء من بعدهم: صلاح جاهين، البهجوري، اللباد، حجازي، طوغان .. وغيرهم . كما ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في مصر مجلتي الصباح وروز اليوسف وكانتا ميدانا جميلا لظهور عددا كبيرا من فنانين الهزلي والسخرية .. وفي سوريا ظهرت اول صحيفة للهزل في 2 / 4/ 1909 اسمها – حط بالخرج – حيث رسم فيها عدد ممتاز من فناني الفكاهه منهم توفيق طارق، علي الارناؤط، ثم جاء من بعدهم علي فرزات، ياسين خليل وغيرهم .. وفي العراق ظهرت اول مجلة للفكاهة هي - حبزبوز عام 1931 ورسم بها رواد الفن العراقي مثل فائق حسن، عطا صبري، سعاد سليم، عبد الجبار محمود .. وغيرهم ثم ظهرت بعد ذلك عدد من المجلات الفكاهية مثل: قرندل، الحصون، الوادي، الزهراء، وغيرها ورسم بها كل من غازي عبد الله وحميد المحل . ويعتبر غازي عبد الله مؤسس المدرسة العراقية لفن الكاريكاتير .. بعدهم ظهر الفنان بسام فرج 1964 ورسم في عدد من المجلات العراقية منها، المتفرج، الفكاهه، القنديل، وغيرها .. ثم جاء من بعدهم كوكبة جديدة من رسامي الكاريكاتير ذو مستوى راقي وممتاز ويملك تقنية حداثوية عالية . اما ناجي العلي الفلسطيني فكان واحد من ابرز رسامي الكاريكاتير الناقد والساخر في عالمنا العربي وقد اشتغل في عدة صحف وتناقلت رسومه معظم الصحف العربية ثم استشهد .. واما فن الكاريكاتير في بقية الدول العربية فقد ظهر متأخرا ..

الفن الناقد والساخر:

يعتبر فن الكاريكاتير اكثر الفنون فهما وشعبية وانتشارا واكثرها تأثيرا ونقدا في المجتمع . وقد تعرض من جراء ذلك كثير من الفنانين الى السجن والاعتقال وحتى القتل .. واليوم اصبح فن الكاريكاتير اكثر سطوعا وفعالية نتيجة لسهولة توفر وسائل النقل من صحافة وانترنيت وتلفزيون وغيرها يضاف الى ذلك فان فن الكاريكاتير متعة وجمال وفكاهه يدخل احيانا السرور الى نفوس الناس .. وبما ان احد مهام فن الكاريكاتير هو النقد وتقييم الاعمال لهذا على الفنان ان يفيض حباً وجمالاً واحتراماً للاخرين في حالة ممارسة ذلك . مهما كانت أفكارهم وطرز حياتهم التي يتبعونها في أعمالهم، فالاساس في التقييم هو ان لا يخرج من حيث التحليل والنقد عن أطاره العام والاحترام والانصاف والحق . فالسخرية والتجريح من المحرمات وعلى الفنان الناقد الانصاف وسلوك الاسلوب العلمي والعقلاني ومراعات قواعد النقد . وقال تعالى " (فاذا الذي بينك وبينه عداوه كأنه ولي حميم)

القيم الجمالية في الكاريكاتير:

لا يعني ان القيم الجمالية تكمن فقط في المحاكات والموضوع كما هو عند الناقد والمفكر الانكليزي راسكين، وان الخط واللون وطاقاتهما الجمالية ليس لهما دورا في الفن . حيث يؤكد كثير من النقاد على ان هناك ما لا ينضب معينه من القيم الجمالية النوعية التي تقوم على الانحراف والمبالغة سواء كان في التخطيط او التلوين او التشكيل او العفوية، بما يختلف عن اوضاع اشكال الطبيعة او المحاكات . ونجد فيها احيانا متعة روحية ساحرة نابعة من الذات قد تفوق اعمال المحاكاة . وبالتالي نجد القيم الجمالية النوعية موجودة في كل ركن من اركان الفن سواء كان في فن الكاريكاتير او فن المحاكات. وقد صدر لنا كتابا في هذا الحقل تحت عنوان – فن الكاريكاتير –لمحات عن بداياته وحاضره عربيا وعالميا -2003 .

 

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhod2منذ العصر الاول المسيحي الى اليوم والرسامون الغربيون والشرقيون في حيرة من لغز شكل السيد المسيح ـ ع ـ وقد رسموه حسب بيئاتهم وتقاليدهم و ثقافاتهم الدينية وعلى اساس ما ورد من وصف في الكتب التاريخية وبعض الكتب الدينية المتأخرة . فالاوربيون يرسمون المسيح بملامح اوربية اشقر اللون والشعر وبعيون زرقاء فاتحة . والشرقيون يرسمونه بملامح شرقية ورساموا امريكا الجنوبية يرسمونه بملامح وسحنات وجوههم . وهكذا بقية الشعوب .

كيف رسم دافنشي المسيح في لوحة العشاء الرباني؟ .

عندما كلف دافنشي من قبل الكنيسة برسم موضوع ـ العشاء الرباني ـ للسيد المسيح ـ ع ـ كان قد شرع في البحث عن نماذج واشكال تمثل المسيح والحواريون الاثنى عشر . وقد توافدت عليه اعدادا كبيرة من المتطوعين، وقد بدا دافنشي اولا باختيار واحدا من هؤلاء ليكون موديلا ليمثل السيد المسيح، حيث اختار شابا بعمر العشرين على وجهه البراءة والطيب ولم تظهر على وجهه آثار وتجاعيد مرارة الحياة وتعبها . وعندما انتهى من رسمه بدأ باختيار اشخاص يمثلون الحواريون الاثنى عشر ما عدا يهودا الذي فتن على المسيح عند الرومان حيث تركه الى آخر مرحلة . وقد استغرق في رسمهم ستت سنوات . اما يهودا فقد ذهب يبحث عن من يمثله وقد استغرق في ذلك فترة طويلة، وكان يبحث عن شخص ذو ملامح اجرام وخشونة .. ونصحه احد الاصدقاء بالذهاب الى احد السجون في روما وفعلا ذهب دافنشي الى السجن ووجد ما يبغيه . وعندما انتهى من رسمه طلب من الحارس بعودته الى السجن ولكن السجين رفض العودة وتوسل بدافنشي في انقاذه حيث خر على قدميه يقبلها باكيا ... ويذكر في هذه الرواية ان السجين قال لدافنشي هل تتذكرني ؟ فاجاب دافنشي بالنفي . قال السجين انا الشاب الذي اخترته قبل عدة سنوات لاكون موديلا للسيد المسيح . ع . ؟؟

العصر الاول المسيحي:

ذكر بعض المؤرخين انه ظهرت اخبار عن السيد المسيح عام 50 م ـو قيل في مصدر آخر عام 75 م ـ بعد صلبه او غيابه وصعوده الى السماء حسب الكتب المقدسة، ولكن لم نجد في هذه المصادر الاولى اي وصفا شكليا للسيد المسيح . وبما ان المسيحين الاوائل كانوا مطاردين من قبل السلطات الرومانية الوثنية بالتعاون مع اليهود، فقد كانوا يمارسون عبادتهم بالخفاء وفي اكثر الاحيان كانت تجري تحت الارض في الانفاق او السراديب . وكان الرسامون يرسمون السيد المسيح على الجدران بشكل رمزي وبسيط واحيانا على عجلة خوفا من اكتشافهم . وهذه الرسوم كانت خالية من التفاصيل وكانت مصحوبة بالكتابات والرموز التي تشير الى السيد المسيح، وقد استخدم في زمن الاغريق بعض الرموز منها رسم شكل السمكة وشكل الخروف واستخدم ايضا حرف A وكذلك رسم موضوع ـ الراعي الطيب ـ وقد عثر على رسم كاريكاتيري منفذ على الجدار في روما من قبل احد الجنود الرومان يتهكم فيه على صلب المسيح . حيث ظهر في الرسم شكل انسان مصلوبا و لكن برأس حمار . والصورة نفذت بين اعوام 85 و95 م ـ هذا الصور تبين لنا عن مسألة مهمة اخرى وهي ان الرسم الكاريكاتيري والتهكم والاستهزاء كان يمارس في تلك الازمنة القديمة . والصورة لازات محفوظة الى اليوم . والصورة الثانية للمسيح ظهرت في القرن الثالث ميلادي وهي موجودة اليوم في كنيسة سان بدرو في الفاتيكان وتمثل المسيح يمتطي عربة حرب ويقال ايضا انها تمثل احد آلهة الاغريق . ويظهر فيها المسيح له لحية طويلة . ومنذ ذلك الحين اخذ الرسامون يرسمون المسيح حسب البلاد التي يعيشون فيها من مسحات الوجوه وتقاليد الناس وعاداتهم . غير ان كل ذلك كان يجري بشكل رمزي ومبسط، مصحوبا ببعض الكتابات او الاشارات التي تدل عليه ..

رمبرانت والسيد المسيح - ع :

في عام 1656 كان الرسام الهولندي رمبرانت قد مر بازمة اقتصادية مادية قاتلة ولم يكن في بيته من الاثاث الا الاشياء القليلة والبسيطة من بينها لوحة لرأس السيد المسيح ويعتقد ان الرسام الذي رسمها قد عاصر السيد المسيح ورسمه مباشرة . وبعد 200 سنة من اكتشاف هذه الصورة جاء احد المؤرخين الهولنديين ودرس تلك الصورة وحيثياتها ومن حيث هل ان هذه الصورة هي فعلا تمثل شكل السيد المسيح ورسمت في حياته ؟؟

على هذا التسائل رد متحف اللوفر في باريس باقامة معرض في 30/ 4 / 2011 لهذه لهذه الصورة و الصور الاخرى التي تمثل السيد المسيح والتي رسمها رمبرانت وطلابة واساتذته وهي تبين كيف كان شكل المسيح، غير ان هذه الرسوم كانت مرسومة بملامح وسحنات اوربية، و ضمن فكرة الاحتمالات .

 الدراسات العلمية:

 في عام 2001 قام العالم الانكليزي ريجارد نيابي Richard Neave من جامعة مانجستر بدراسة المجتمع الاسرائيلي القديم ايام حكم الرومان في فلسطين حيث كان المسيح ولد فيها مع عشيرته آل عمران . كما درس وحلل بعض الجماجم القديمة التي عثر عليها في هذا المنطقة . وبعد هذه الدراسة المعقدة والطويلة خرج بنتائج احتمالية وضنية . بان شكل جسم السيد المسيح عريض وملامح وجهه سمراء وعيونه كبيرة وعسلية او سمراء وانفه غليظ مع شفتين بدينة اما الحواجب فهي كثيفة . وشعر الرأس قصير اسود غير منتظم ..

كل هذه المواصفات التي اشار اليها الاستاذ ريجارد وغيره من المؤرخين الحديثين تبتعد كل البعد عن ما ذهب اليه الفنانون القداما والمعاصرون خاصة في اوربا . وقد عثر على صورة للسيد المسيح في Turin في كنيسة Sant Sudario مؤرخة عام 1300 حيث يظهر فيها المسيح له وجه وشعر اشقر وعيون فاتحة تميل الى اللون الازرق ولحية قصيرة وشعر الرأس طويل واشقر ايضا ..

و قد عد المؤرخون 10 لوحات للسيد المسيح تعتبر من اهم ما رسمها كبار واشهر المصورين في التاريخ وهم: 1 ـ صورة مجهولة الهوية رسمت ما بين عام 1090 و1100 في العصر البيزمطي . 2 ـ جيوتو 1314 . 3 ـ اندريا مانميغنا 1480 . 4 ـ دافنشي والعشاء الرباني 1495 . 5 ـ مايكل انجلو ويوم القيامة . 6 ـ جاكوب بونتونو 1528 . 7 ـ ميجيلانخيلو . 8 ـ فيلاسكس . 9 ـ كوكان . 10 ـ سالبادور دالي .

وفي العالم الاسلامي ايضا عندنا لغز في رسوم الانبياء والائمة والصالحين حيث رسمت حسب الوصف الذي جاء في الكتب التاريخية والدينية . ويكثر فيها الخيال والطابع المثالي للشكل، وكان الرسامون الايرانيون هم اول من رسم صور الانبياء والائمة متحدين كل مسائل التحريم . وقد حدث ذلك في زمن الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري . وقد رسموا الرسول محمد ـ ص ـ حسب طرازهم الفني الفارسي باسلوب المنمنمات، فظهر الوجة مدور واحيانا العيون لوزية وانف قصير، خاصة في رسم صورة المعراج . اما رسوم الائمة فقد رسمت اليوم بطابع الوجة المثالي الجميل والذي يشير الى القوة والطيب، مثل الوجه المدور الساطع والحواجب المعكوفة وعيون كبيرة ثاقبة النظر وانف مستقيم . وكل هذه الصور الدينية عبارة عن تخيل وتقليد لما رسم في الماضي ولا يعبر عن الشكل الحقيقي لذلك الامام . وهي نفس لغز مشكلة ما حدث لرسم السيد المسيح ـ ع ـ

د ـ كاظم شمهود

 

1392 monuk1اشتركت الفنانة الأسبانية مونيك باستيانس بمشروع LoiLoi  في الدورة الخامسة عشر لمعرض "فن على الأرض" الذي يُقام سنويًا ولمدة شهر واحد في مدينة سانتا لوسيا دي أوكون التابعة لمقاطعة لا ريوخا في شمالي إسبانيا. وقد تضمّنت مشاركتها الفنية 12 نوعًا من العناكب منفّذة بأربعة مواد وهي الألياف الزجاجية، والورق المقوّى، والجصّ والحديد، وبارتفاعات تتراوح بين 2.5 م إلى 3.5 م، والمشروع برمته مُهدىً إلى روح شقيقها الراحل جان- ﭘول الذي كان يخاف جدًا من العناكب.

يثير هذا المعرض أسئلة عديدة لدى المتلقّي بدءًا من عنوانه الغريب الذي يُشيه تنويمة شرقية، مرورًا بهذه الكائنات الصغيرة التي صخّمتها الفنانة باستيانس وجعلتها أطول من الإنسان العادي الذي يجب أن يرفع رأسه ليتأمل حركة هذه الكائنات الطريفة التي تمّ استدراجها إلى بيئة مفتوحة حيث يندمجان معًا، ويعززان بعضهما بعضًا، وانتهاءً بثيمة العمل التي تُقدّمهُا باستيانس كخطابٍ بصري ممتع لا يخلو من التأمل والإثارة والمرح.

تبدأ طرافة المعرض من عنوانه الموسيقي الأقرب إلى "شيفرة" لغوية غامضة ينبغي تفكيكها وإدراك معناها الحقيقي أو المجازي. ولكي لا نشتطّ في تأويل هذا العنوان الجذّاب سألنا باستيانس عن معناه فأجابت قائلة:"عندما كنّا صغارًا استعملنا أنا وأخوتي مصطلح LoiLoi وهي صياغة لغوية مُختَرَعة تعني شيئًا مثل السعادة والمُتعة والمرَح. كان أخي جان- ﭘول، الذي تُوفي قبل ثلاث سنوات، إنسانًا فكِهًا ومرحًا جدًا، وبينما هو يتحدث فلتت منه كلمة LoiLoi بشكلٍ مفاجئ، وكان يعني المرح والدُعابة والبهجة، فأصبحنا، نحن الأشقاء الثلاثة فقط في هذا العالم قادرين على استعمال هذا المصطلح، وإدراك معناه العميق والطريف والمدهش في آنٍ معًا".

1392 monuk2

إنَّ مُشاهدة أي مشروع أو معرض للفنانة مونيك باستيانس يحتاج أول الأمر إلى التقاط الثيمة وفهمها، فهي، قبل كل شيء، فنانة بيئة بامتياز، وتجد ضالتها في الطبيعة المفتوحة، فلاغرابة أن تنجز منذ عام 1994 وحتى الآن 31 مُداخلة فنية تُطلق عليها باستيانس تسمية Interventions وهي مشاريع إبداعية تُضفي على الطبيعة جمالاً ساحرًا لا تُخطئه العين الخبيرة المُرهَفة ويكفي أن نشير إلى أعمال مثل "قنديل البحر"، "وداعًا للحزن"، "السماء الحلوة، البيت السابع"، "الحواس" و "الطحالب الزرقاء" لنكتشف حجم الجمال والرَقّة والشفافيّة التي تضفيها هذه الفنانة المُبدعة على الغابات والأنهار والجبال والمزارع المفتوحة على مدّ البصر.

لعل الثيمة الرئيسة التي تُهيمن على أعمال هذا المعرض هي كيفية النظر إلى العناكب، هذه الكائنات الصغيرة التي لا يتجاوز حجمها 7 مليمترات، والتعامل معها. صحيح أنها تُخيف الأطفال، وتُفزِع غالبية النساء، وربما بعض الرجال أيضًا، لكن باستيانس قدّمتها لنا بطريقة فكاهية مُبهِجة، فهذه الكائنات "المُتعملقة" بدأت ترقص للمتلقين وكأنّ لسان حالها يقول:"لماذا تخافون من كائن هزْلي راقص لا يبتغي أكثر من تسليتكم، ورسم الابتسامة على شفاهكم؟"

على الرغم من ندرة الأنواع السامة لهذه العناكب كالأرملة السوداء إلاّ أنها بالمجمل كائنات مقززة لا يحبّذ الإنسان رؤيتها وربما يكون هذا النوع من المعارض الأرضية مُحفّزًا للقرّاء والمُشاهدين على إعادة اكتشاف هذه الكائنات الصغيرة، والتعرّف على أنواعها الأخرى الصديقة للإنسان، وأسرارها، وطرائق عيشها. إذن، أن هدف المعرض ليس بصريًا أو جماليًا فقط، وإنما هناك أهداف ثقافية تحضّنا على كسب المعرفة، وتوسيع المدارك، وإعادة النظر في تعاملنا مع الكائنات الصغيرة التي يعتبرها البعض مُهمَلة، ومَنسيّة، ولا تستحق عناء البحث والقراءة والاستقصاء.

1392 monuk3

بالتأكيد لم تختر باستيانس أنواعًا من العناكب السامة وإنما انتقت الـ  Opiliones وهي رتبة من الحيوانات العنكبوتية التي تشتهر باسم الرُتيلاء لكي تسرد لنا قصة ما قد تُفيدنا أو تُسلّينا، ذلك لأن هذا النوع تحديدًا يُطلق عليه في بعض الأماكن بـ "الحُصّاد" لأنها تتجمع بأعداد كبيرة في موسم الحصاد، أو "العناكب الراقصة" لأنها تهتز وتتحرك للأمام والخلف، والأعلى والأسفل كوسيلة دفاعية تضلل المهاجم وتحاول التخلّص منه في الوقت ذاته.

تقترح الفنانة على المتلقي أن يتوقف أمام هذه الكائنات المتعملقة، أو يستلقي على الأرض، ويغمض عينيه قليلاً ثم يصغي إلى الأصوات التي تُحدثها الريح في أجساد هذه العناكب المهتزة التي تُوحي بالرقص أو بالدفاع عن النفس أو بتجمعات الحَصَدَة في فصل الخريف. وبهذا ينضاف فعل التأمل إلى المتعة البصَرَية، والمعرفة، والنَفَس الفكاهي الذي يعمّق في كثيرٍ من الأحيان المناحي الجدية عند المبدع ومتلقيه في آنٍ معًا.

ما تدعو إليه باستيانس أقرب إلى الرياضة الروحية أو التنويم المغناطيسي لبعض الحواس واستنفار حاسة السمع فقط، أو الشمّ في بعض الأحيان، لترى تأثيرها على المُشاهِد الذي انتشلته من صخب المدينة وضجيجها إلى هدوء الطبيعة وسكينتها المفرطة التي لا تُحطِّمها الأصوات الصناعية المُزعجة في معظم الأحيان.

تسعى باستيانس دائمًا إلى خلق حوار حميمي بين مشاريعها أو أعمالها الفنية وبين الطبيعة التي تحتضن هذه المداخلات الإبداعية التي تنطوي على لمسات جمالية آسرة تُسهم في تغيير البيئة المكانية التي تستهدفها ذائقة هذه الفنانة المتفردة التي أعادت صياغة العديد من المواقع الأثرية، والأمكنة الطبيعية المفتوحة ليس في المدن والبلدات الإسبانية حسب، وإنما في هولندا وإيطاليا وفرنسا وسويسرا والنمسا واليابان، وسوف يرتفع رصيدها بالتأكيد في السنوات القادمة لأن ذاكرة باستيانس البصرية توحي للمتلقي بأنها لا تنحت أفكارها من حجر، وإنما تغرف ثيماتها من بحر.

 

لاريوخا: عدنان حسين أحمد

 

 

madona askarاللّوحات قصائد صامتة يتلوها المبدع على أعين الباحثين عن الحبّ والخير والجمال. ولا شكّ أنّه، أي الرّسّام، يجسّد في لوحاته الجمال فينقله من عالم التّجرّد إلى العالم المحسوس، لترتشفه الحواس وتنصهر به.  وإذا قال نيتشه إنّ أسمى أنواع الجمال هو ذلك الذي يتسلّل إلينا ببطء فنحملهُ معنا ونحن لا نكاد نشعر به. فلوحة الرّسّام النّمساويّ غوستاف كليمت "القبلة" جمال يتجسّد في الرّاني إليها فيحمله في داخله ويغتسل به كلّما لوّث القبح الأعماق.

1391 madaona

قد تكون القبلة محور اللّوحة إلّا أنّ هذه القبلة عنوان للاتّحاد التّام بين الرّجل والمرأة، العاشقين الملتحمين حبّاً وعشقاً. وهي قبلة مقدّسة دلّت عليها وضعيّة الرّجل والمرأة معاً. كما رمزت إليها الحركة الهادئة بين العاشق والمعشوقة. وهي مقدّسة لأنّها تصوّر اتّحاداً روحيّاً لا جسديّاً وحسب، ويظهر ذلك من خلال تفاصيل الجسدين الغائبة نسبيّاً، إلّا ممّا يدلّ على تمايز الشّخصيّتين حتّى لا يبدوَ الاتّحاد الرّوحيّ كذوبان الواحد في الآخر، فتمّحي شخصيّة الواحد دون الآخر.

يقبّل العاشق حبيبته على خدّها فتحملنا هذه الحركة إلى صورة من صور العشق الكامل في سفر نشيد الأناشيد (2:5): "أنا نائمة وقلبي مستيقظ، صوت حبيبي قارعاً افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي لأنّ رأسي امتلأ من الطّلّ وقصصي من ندى اللّيل". في نشيد الأناشيد يحاكي العاشق محبوبته مع أنّه يمنحها كينونة الأخت. ما يدلّ على قداسة العلاقة وعمقها الضّارب في الوجدان العشقيّ السّماويّ. وفي اللّوحة ما يشبه هذه الصّورة، من ناحية أنّ المرأة مغمضة العينين هائمة في صوت المحبوب الّذي يصغي له قلبها. ومن ناحية أخرى، تتماهى قدسيّة القبلة والحالة العشقيّة بمعزل عن الجسد. ذاك لا يعني التّفلّت من الجسد، بل يعني الالتحام الكيانيّ الّذي يحيط بعلاقة الرّجل بالمرأة كيانيّاً لا جسديّاً وحسب. بمعنى أصحّ، هو اتّحاد بين "المرأة" و"الرّجل"، لا بين الأنثى والذّكر.

 وإذا كانت القبلة رمزاً للانصهار الرّوحيّ بحيث يلتقي العاشقان في كيان واحد، وإذا كان الانصهار دلالة على بلوغ ذروة العشق، فتفاصيل اليدين، إن من جهة المرأة أو من جهة الرّجل، دلّت على الاحتواء العشقيّ، العنصر الأساسيّ المؤدّي إلى هذا الاتّحاد.

تظهر يدا الرّجل العاشق ملتفّتين حول وجه المرأة، لتبيّنا احتواءً للحبّ المتجسّد في المرأة ذاتها. ويشكّل تباين المستوى الجسديّ البسيط بينهما حركة عشقيّة أقرب إلى القداسة، فالمرأة راكعة، حافية القدمين، وكأنّي بها في حالة صلاة، وأمّا الرّجل فمستقيم منحنيَ الرّأس كفعل ارتشاف لهذه الصّلاة. ما يشير إلى ذروة الحبّ المترفّع عن كلّ ما يدور من حوله. وتأتي الحركة تفاعليّة بالتّدقيق إلى يد المرأة الملتفّة حول عنق الرّجل لتظهر بدورها أهميّة الاحتواء حتّى لا يختلّ التّوازن بين الشّخصين، فيفقد الاتّحاد معناه الجوهريّ. لا ريب أنّ كليمت استفاد من الألوان والزّركشات ليجسّد هذا الاتّحاد، ويظهره باللّون الذّهبيّ الّذي يبدو طاغياً على اللّوحة، أو جاذباً للنّاظر إليها، حتّى يكون محور اللّوحة الحالة العشقيّة وليس القبلة وحسب. 

يحيط بالعاشقين فراغ تتخلّله أنوار خافتة توحي بالحالة الرّوحيّة المقدّسة. ونلاحظ عن يمين اللّوحة بدءاً يتمثّل بالزّهور كأساس يرتكز عليه العاشقان، لكنّه منفتح على اللّانهاية. فرسم الزّهور ينتهي عند أقدام المرأة ليبقى الفراغ النّيّر محيطاً بهما رامزاً إلى خلود الاتّحاد بين العاشقين.

إنّه وإنّها تلك اللّغة الكائنة في قصائد الشّعراء الّذين رسموا بالكلمات فأسمعوا صوت الألوان في جملهم، وإنّه وإنها تلك اللّوحة اللّونية المترجمة بالخطوط، أليست الكتابة أيضاً لوناً من الألوان ومجموعة من الخطوط على هيئات أخرى، ذهنيّة تستحضر الجمال وتؤطّره في القصيدة وتطلقه في فضاء من الانفعال الجمالي الّذي لا ينضب؟

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

abduljabar noriببليوغرافية الفنان التشكيلي "كاظم حيدر" 1932 -1985

كاظم حيدر فنان تشكيلي عراقي من مواليد 1932 -1985 حصل على الليسانس في الأدب من دار المعلمين العالية عام 1957، ألتحق بعد تخرجه بمعهد الفنون الجميلة / القسم المسائي، ودرس فن الرسم والديكور المسرحي في الكلية المركزية للفنون بلندن تخرج عنها عام 1963، وشارك في معرضه الشخصي خارج العراق بين 1965- 1969، وأسهم في تأسيس جمعية الأكاديميين عام 1971، وهو عضو في جمعية الفنانين التشكيليين ونقابة الفنانين، وأختص بعدها بديكور المسرح فأبدع بهذا النمط الفني حيث أتحف بها فرقة المسرح الفن الحديث في مسرحية النخلة والجيران والشريعة وهاملت وبغداد الأزل والقربان وملحمة كلكامش (نجم الدين والي /بغداد سيرة مدينة)، توفي الفنان كاظم حيدر في 24-كانون ثاني 1985 بمرض اللوكيميا وبهِ أكتب عن ذكراه الواحد والثلاثين .

ولوحة الطف التي تختزل أقصر واقعة في التأريخ وأطول ملحمة في البقاء وربما أنها لوحة مقنّعة من فنان يناضل لتخليص وطنه من الحكومات المستلبة لآدمية البشر ولآنّ الرسام يرسم ما يعرف لا ما يراه، وهناك تجارب كثيرة لفنانين باقية في ذاكرة التأريخ مثل لوحة " ليلة النجوم " لفان كوخ 1889 ولوحة " الصرخة " لأدفارد مونك 1839  ولوحة " غرنيكا " لبيكاسو 1937 واللوحة المشهورة مستوحاة من قصف المدينة غرنيكا من قبل الألمان النازية ولوحات أخرى لا تقدر بثمن فلا يمكن بيعها مطلقا فقد وصل سعرها عام 2015 إلى (780 مليون دولار) وهي لوحة "  الموناليزا " رسم الفنان الأيطالي والمهندس والمهندس المعماري  (ليوناردو دافنشي) عام  1519 فاصبحت ملكا لمتحف اللوفر في باريس  .

كاظم حيدر ولوحة الشهيد

لقد عبّر كاظم حيدر عن ذاته وأسلوبه الفني في لوحة أرجوانية  " ملحمة الطف " فهي لا تعني البكاء على الأطلال وأنما تعني أستحضار القيم والمباديء التي حصلت من قائد ملحمة الطف الأنسانية والثورية التي سطر لصفحات التأريخ ضروباً خيالية في الرجولة والأباء والفروسية وهويقول: مثلي لا يبايع مثله" وكم نحن بحاجة إلى(قلم) اليسار الثوري المثقف و(ريشة) فنانين كبار في عالم مزج الألوان لمحاكاة الشعب العراقي المبتلى منذ تأسيسه واصحاب القرار اليوم يقفون في قفص الأتهام كشهود زور على غرق تايتانيك العراق وليسجل التأريخ لهم سطور العار في تقسيم الوطن وتشظيه إلى دكاكين أثنية وطائفية، وببيعهم وطننا الشامخ ذي العمر الطويل في بازار الجملة بعد أن أشتريناه مفرداً بدماء شبابنا وتضحيات أجدادنا وسلفنا الأبي، وحققوا مشروع بايدن عراب التقسيم .

-وقد ترجمت ريشة الفنان حيدر أيحاءات وهتافات رمزية اللوحة للوصول إلى أرادة الشعوب التواقة لمشروع (التغيير) في أقوال الحسين: لا أرى الموت ألأّ سعادة  والحياة مع الظالمين ألآّ برما وسأما (مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني) .

فلم يركع الرجل حين تمزّقت رايتهُ ولم تنكس حين تمزقت أشلاؤهُ ولم يركع ولم يهن وأنطقْتَ اللوحة يا حيدر وهي تهمس أي جبلٍ أنت يا سيدي  الحسين ؟؟؟  .

- وقد جسّم لنا حيدر في أرجوانية ملحمة الطف توأمة وتوليفة تأريخية جذورها تحكي آيديولوجية الأستبداد والأستلاب الروحي والمادي لمجتمعٍ مثقوب الذاكرة قادهُ الحاكم الأموي بأسم الدين تحت فتوى الظلالة " الخروج عن طاعة الحاكم " فقلب حيدر معادلة تلك الحكومات الغيبية المتعسّفة وتلك الأمة المخدرة بأفيون الحكم الألهي .

- فكرة الشهادة تتجاوز في لوحات حيدر مضمونها الديني لتنفتح على عالم كان فيه البشر يغيبون سبب معتقداتهم وأفكارهم المختلفة، ومن هنا تكمن أهمية لوحة الشهيد لتصبح صرخة أحتجاج الأولى والأخيرة حتى الآن في تأريخ الفن التشكيلي العراقي، ففي معرضهُ الشخصي (الشهيد) أستثمر صور واقعة الطف في طقوس مزج فيها بين الثناء على البطولة والشعور بالندم أستثمرها الفنان وهو يركب كائناته بطريقة تذهب بالحدث إلى أقصى معانيه الرمزية مستلهماً المرويات الشعبية ولكن بلغة بصرية مختزلة تسامت بالحدث إلى مستوى قيمتهِ الرمزية، حتى أجمع نقاد زمنهِ من أدباء وفنانين { أن كاظم حيدر بلوحةٍ واحدةٍ غيّر مسار الفن في العراق } فأصبح كاظم حيدر فنان التحولات (المدى / العدد 2973 --- 3-7-2014  رؤية كاظم الفنان التشكيلي تمثّلْ روح الستينات).

- فلوحة الشهيد  رؤية الفنان التشكيلي لروح الستينات وحتى الثمانينات، وهي تمثلْ تمرد الفنان على الواقع التجريبي والتقليدي، فهي ضرب من التقنيات المتطورة للعمل الكلاسيكي وهو القائل: " الأسلوب هو أنا، وأني أعشق الغليان في الرسم والسرعة في التنفيذ، وقوّة الخطوط وحدة الألوان وعنف الموضوعات "فأنجز لوحة الشهيد لما فيها من أقتحامية وجرأة في أدانة الباطل في ثورة الحسين، ونبعتْ الفكرة عند حيدر من تفهمهِ فلسفة الفن كونها: ساحة آمنة للممارسة الديمقراطية وفتح أبواب الحرية .

الخاتمة/ للضرورة أن نتساءل: ما هو دور الفنان في المقاومة ؟

ولأنّ الفنون تشكل أرضية خصبة للتحفيز والأدراك بالأستلاب والمظلومية، وأن بعض الفنانين المحليين والعالميين أستعملوها كأداة للثورة على الواقع المرْ لكونها تبدو قويّة بقوّة الكلمة وقدرتها على الأختراق ويقاوم بيد واحدة تحمل الريشة وهو يحاكي من يقاوم بيدين يحمل البندقية .

وأعتقد جازماً بأن الفن: هو كلُ ما يهزنا ليس بالضرورة كل ما نفهمهُ، وكما يقول الفنان بيكاسو: أحبُ الفن الذي يضعني في مواجهةٍ وجودية مع نفسي ---- وتكون الأجوبة على السؤال المطروح:

1- لتحقيق التوازن النفسي في محاكاة الثوار بريشته التي يمسكها بيد واحدة .

2- تزويد التأريخ بلوحة فنية لا بكلمات وجمل أدبية لأن الرسام لا يرسم بعينيه وأنما بذاكرتهِ وخيالهِ ممزوجة بأحاسيسهِ .

3- يتمسك الفنان بالزمكنة حيث يقتحم الجغرافية والتأريخ في آنٍ واحد لكي يعبر عن ذاتهُ وعن ما يقدم للأمة من التحفيز والأثارة للوصول إلى (التغيير)، كما رأينا في ريشة الفنان كاظم حيدر عندما أختار لوحة الشهيد لواقعة الطف بالرغم من تقادمها الزمني ورقعتها الجغرافية الواسعة والتي تشمل جميع العالم العربي والأسلامي وعكس اللوحة بألوانها المشرقة على عادة الأنطباعيين .

4- وقد يلجأ الفنان بلوحاته على محاكاة النفس البشرية  عندما يغيب الوعي بالواقع المستلب للأمة من قبل حكومات غيبية متعسفة .

*الببليوغرافيا: هي معرفة ما نشر عن الكاتب من خلال بيانات عن مصادر المعلومات المستقلة من أفلام وكتب  وهي وصف سيرة المؤلف والتأريخ وأعتماد الوثائق والمصادر لترصين البحث .

 

عد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي يقيم في السويد

 

 

khadom shamhodللفن مكانة عظيمة كأثمن درة في تاريخ الحضارة، وتذوقه يلزم الانسان السعادة والطيب والحب والتعايش مع الآخر. والتذوق عنصر فطري وثقافي وحضاري يتصف به الانسان في مسيرة حياته وهو زينة وجمال واناقة ربانية . ولولاه لحدث ظلام وانعدام للقيم الجمالية وغياب للمعاير الفنية والادبية. وكذلك الحركة الاقتصادية التي تنتعش تحت ظله. والمثل يقول (لو تساوت الاذواق لبارت السلع).

ومن التجارب عظة:

من القصص الجميلة التي حدثت لي في اسبانيا قصتان كان لهما دورا جوهريا في تغير رؤيتي حول العمل الفني ، حيث نرى فيهما مدى الاختلاف الظاهر بين الافراد والشعوب في تذوق الاعمال الفنية والحكم عليها. القصة الاولى حدثت عام 2017 عندما اشتركت في معرض جماعي في مدينة خيرونا احد المدن الشمالية الاسبانية فطلبت مني لجنة المعرض بعض رسوم الكاريكاتير فقالوا اختار ما يعجبك منها، فقلت لهم : لا، من الافضل انتم من يختار. فاختاروا مجموعة منها وعرضت ؟؟ في هذا الاعمال التي اختاروها وجدت ذوقا يختلف تماما عن الذوق الشرقي سواء كان في الرسم او الفكرة. وشكل هذا الحدث لي بعد ذلك خطا بيانيا للتعامل مع اماكن العرض وطبيعة اذواق الناس .. الرسوم المختارة كانت تتصف بالهدوء والبساطة والطاقة الجمالية والمتعة الروحية ونكته تشرق فيها الابتسامة.. اما الرسوم التي تتصف بالافكار النضالية او المقاومة والعنف فقد ابعدت عن العرض. هذا الاختلاف في التذوق بالطبع يخضع الى الظروف التي تحيط بكل فرد وشعب وامه وتقاليدها وثقافاتها وتاريخها ومواقعها الجغرافية وطقسها من برودة او حرارة..... القصة الثانية: عندما حطيت في اسبانيا عام 1977 عملت معرضا فنيا في احد صالات العرض في مدريد وكانت الاعمال تحمل هم العراق ومعاناته من نظام خرب البلاد وقتل العباد.. افتتح المعرض وبدا الزوار يفدون اليه ولكن بقلة قليلة جدا. وفي احد المشاهد رأيت امرأة تدخل وتستعرض اللوحات بسرعة ثم تخرج ؟؟ هرعت ورائها واستوقفتها وقلت لها: يبدو ان المعرض لا يروق لك ولم يعجبك ابدا ؟؟ فقالت: نعم لا يعجبني لانه حزين كله حزين ؟؟ شكرتها ورجعت الى معرضي وانا افكر بكلماتها وموقفها الصريح والغير مجامل فاحسست فعلا بالحزن والمرارة ، واخذت اراجع اعمالي وافكاري ؟؟ ومنذ ذلك الحين غيرت دفة السفينة وبدأت اتأقلم مع الذوق الاسباني والاتجاهات الفنية الحديثة فيها واخذت ادرس اعمال تابيس وميرو وخوسيه غريرو وغيرهم من رموز الحداثة في اسبانيا. كما اخذت اتعامل مع كالريات ذات ذوق فني حديث وخاصة التجريد. وقد نصحني احدهم بانه يشتري كل الاعمال الخالية من الموضوع.

في عام 1929 اصدر احد النقاد الفرنسيين وهو لويس هوتكير كتابه ـ ملاحظات حول الفن المعاصرـ حيث بين ذلك الصراع الشديد بين الفنانين الكلاسيكيين وبين الفنانين الذين يبغون التحرر من الاوضاع الفنية السائدة فيما قبل الحرب العالمية الاولى. وكان الجمهور يتذوق الفن القديم ويتهكم على تلك الصور الحديثة والتي يصفها بالقبح. وكان اصحاب التكعيبية يميلون الى الاختفاء في ذلك الوقت، ويذكر بان بيكاسو اخفى لوحته ـ غانيات آفنيون ـ سبعة سنوات حيث لاقى رفضا وتهكما من اصحابه في بداية رسمها . ولكن بعد تلك الفتره الطويلة من الاختفاء اخرجها فلاقى ترحيبا عجيبا من نفس اصحابه الذين رفضوها في اول الامر . وهذا يشير الى تغير الاذواق وازدياد واتساع الثقافة والفهم الجديد نحو الفن الحديث. واصبح تذوق الخطوط والمساحات والتبسيط في الاداء وخروج الفنان عن الاوضاع الطبيعية امرا مألوفا..

الاخلاف في التذوق:

من المعروف ان هناك نوعين من التذوق الاول فطري والثاني ثقافي، ويعتبر الاول قاسم مشترك بين الشعوب يتمتع به كل انسان اينما كان ووجد في هذه الارض وسواء كان مثقفا او اميا، كبيرا او صغيرا، لان النفس الانسانية بطبيعتها تميل الى كل ماهو جميل. اما النوع الثاني من التذوق فهو يخضع للموروث الثقافي والتقاليد والبيئة والثقافة. هذا من جانب، ومن الجانب الآخر يعتبر التذوق نوع من النقد او الحكم او الانطباع الشخصي لابداء الرأي في العمل الفني او الادبي او غيره. ولما كان الموروث الثقافي والتقاليد والبيئة لها دورا كبيرا في نوع التقييم والحكم، اذن التذوق الثاني هو شئ نسبي.. اي ان الناقد الذي ولد ونشأ في العالم العربي يختلف في حكمه وتذوقه عن الغربي او الافريقي او الصيني او امريكا الجنوبية.. ولو ان اليوم الفنون والثقافات تقاربت واختلطت ولكن عنصر الوراثة حسب علماء الاجتماع يبقى عرقا دساسا و كذلك الميول في الحكم والتقييم.. ولو رجعنا قليلا الى التاريخ لوجدنا ان امزجة وتذوق فناني عصر النهضة يختلف تماما عن فناني القرن العشرين سواء كان في الاسلوب او الالوان او غيره. مثلا ان فنان ذلك الوقت يستغرق في رسم اللوحة الواحدة مدة سنة او اكثر وان الفنان المسلم يبقى في رسم المنمنمة الواحدة احيانا شهرا كاملا رغم حجمها الصغير.. اما اليوم فقد اختلف الوضع المزاجي، فقد تجد بعض الفنانين لا يستغرق في عمله سوى يوما واحدا.

و النقطة المهمة ايضا في مسألة التذوق انه يتبع الوضع النفسي للانسان، فحينما يكون الانسان في مزاج نفسي غير طبيعي فان الامور يراها متشائمة. مثلا لو ان احدا خرج من بيته اوعمله بعد حدوث مشكلة بينه وبين غيره ثم دخل معرضا فنيا لرواد الفن الحديث او الانطباعية، فسوف يرى ذلك المعرض مظلما وغير جميلا والسبب هو ان مزاجه غير طبيعي ونفسيته تعبانه..و لهذا فان المفكر الصوفي العربي ابن حيان التوحيدي يقول ان هناك شروطا للتذوق منها: اولا ان يكون المتلقي او المشاهد هادئ المزاج ومنفتح الاسارير ومرتاحا . ثانيا ان تكون عناصر العمل الفني متناغمة ومنسجمة فيما بينها. حين اذن يحدث التذوق...

كان النقد سيف مسلط على الرقاب:

كان مفهوم النقد في الماضي كمفهوم الحكومات المحافظة والملكية السلطوية الغربية هو التحكم في مقدرات الفنانين واذواقهم ، و لم يستطع الفنان الخروج من تقاليد الماضي وتسلط صالونات العرض . وبالتالي كان النقد يخضع للامزجة والنوازع الشخصية والاهواء السياسية. نحن اليوم نعاني في عالمنا العربي من نوع آخر من التسلط على رقاب الفنانين والادباء وهو الانتماء الطائفي والمذهبي والقومي والفكري، فكل واحد يكتب ويطرئ لصاحبه ويخرج على الفضائيات يشيد او يسقط؟؟. وبالتالي خلى الحكم من الموضوعية وحرم وضاع الكثير من الفنانين الاخيار والمبدعين والذين من المفروض ان يكونوا رمزا حضاريا للثقافة والفن . كما ان هناك من المحللين من يعتقد بان التذوق مسألة تتعلق بنمو التمدن والتطور وارتفاع مستوى الوعي الثقافي العام والحس الجمالي وهو ايضا يخضع لظروف الامة والافراد فمرة يصعد ومرة يهبط . وقد كتبنا عن هذا الموضوع بشكل واسع في كتابنا الاخير (قراءة في تاريخ حركة النقد الفني ـ 2016...)

 

د. كاظم شمهود

 

 

adnanhusan ahmadتكمن أهمية الندوة الفنية التي نظّمها المقهى الثقافي بلندن للنحّات والرسّام علي الموسوي في إيقاعها الذاتي حيث بدا الضيف المُحتَفى به أشبه بالكائن السيري الذي يروي للحضور سيرته الذاتية والإبداعية المتمحورة على أناه غير المتضخِّمة، غير أن هذا التركيز الذاتي لم يمنعه من الإشادة بالفنانين والأساتذة الذين ألهموه، وأجّجوا مخيلته الفنية في ميادين النحت والرسم والتصميم أمثال فيصل لعيبي، عطا صبري، كريم خضير المطيري، موفق الربيعي، خالد عزّت، فخري النعيمي وسواهم من رموز المشهد التشكيلي العراقي الحديث.

القراءة الخلدونية الملأى بالصور هي التي أغرتهُ وجذبتهُ إلى عالم الفن التشكيلي وحرّضته منذ زمن مبكر في مرحلة الدراسة الابتدائية على أن يقلِّد الصور والفيكَرات المبثوثة في صفحات هذا الكتاب المدرسي الذي يحفِّز التلاميذ الصغار على القراءة والكتابة، كما يحثّ الموهوبين منهم بصريًا على تعلّم الرسم والخوض في مساراته الفنية المتعددة. وبما أن التلميذ علي الموسوي آنذاك كان مُجتهدًا في مادة الرسم فقد كانت لوحاته تُشارك في معارض المسابقات المدرسية وتفوز لأنها تمتلك بصمة فنية لا تخطئها عيون المحكِّمين المدرّبة والعارفة بأسرار الفن التشكيلي.

لم يُوفَّق الموسوي في القبول بمعهد الفنون الجميلة لإشكالات تتعلّق بالسنّ والتزكية الحزبية لكنه نجح في الانضمام إلى معهد الفنون والصناعات الشعبية في بغداد الذي كان يرأسهُ الفنان الرائد عطا صبري، وقد تعلّم من كريم المطيري، أستاذ قسم النحت في المعهد الكثير من التقنيات النحتية وأنجز جدارية تتضمن مجموعة من الخيول التي جسّدها في عمل تخطيطي بقلم الرصاص قبل أن تجد طريقها إلى التنفيذ العملي وكان عمره آنذاك خمس عشرة سنة، ثم اشتغل عملاً آخر عن "الأمومة"، وعملاً ثالثًا عن تأميم النفط العراقي.

145 alialmousawiظل حلم الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة يُطارد الموسوي، ومن حُسن المصادفات أن المعهد المذكور قد بدأ باستقبال الطلاب في القسم المسائي الذي قُبِل فيه الموسوي بعد أن حوّل أحد التخطيطات التي كانت تُنشر للفنان فيصل لعيبي في صحيفة "طريق الشعب" إلى عملٍ نحتي لافت للانتباه. وخلال دراسته في سنوات المعهد أنجز العديد من الأعمال النحتية التي أهدى أحدها إلى الاتحاد العام لنساء العراق، فيما أهدى أستاذه الفنان مخلد المختار عملاً ثانيًا للموسوي إلى قسم الأطفال في الإذاعة والتلفزيون، وهكذا توالت نجاحاته الفنية لكنه سيق إلى الخدمة العسكرية في سنته الخامسة والأخيرة، وزُجّ به إلى جبهات القتال في المحمّرة فتعرض إلى إصابة كانت سببًا في تأجيل خدمته لمواصلة الدراسة. وعندما تخرّج من المعهد ترجم شهادته مثل غالبية الخريجين العراقيين، وقطع تذكرة السفر لييمِّم وجهه شطر المنافي البعيدة التي تلقفته منذ أوائل الثمانينات وحتى الوقت الراهن. كانت عمّان هي محطة العبور ومنها انتقل إلى روما، وبودابست وبعض عواصم أوروبا الشرقية قبل أن يستقر به المطاف في السويد حيث تنقّل بين أكثر من مدينة ليجد ضالته في مدينة مالمو ويعمل فيها مدرسّا للرسم  والنحت لمدة سبع سنوات. ثم يقرر الانتقال إلى لندن كي يتفرغ لمشاريعة الفنية ويقيم المزيد من المعارض الشخصية والمشتركة، ويؤجر محترَفًا له أسوة ببقية الفنانين الذين يتخذون من الفن التشكيلي مهنة رئيسة ومصدر رزق دائم.

أقام الموسوي منذ عام 2010 وحتى الآن ثلاثة معارض شخصية في لندن تمثل التطورات الأخيرة التي طرأت على تجربته الفنية في النحت والرسم عمومًا. وهذه المعارض النوعية الثلاثة هي التي دفعت الفنان والناقد التشكيلي يوسف الناصر لأن يقدِّمهُ في هذه الأمسية بطريقة معمّقة هي أقرب إلى المداخلة النقدية الفاحصة منها إلى التقديم العابر. وقد توقف الناصر عند أبرز المحاور الفنية لهذه المعارض  الشخصية الثلاثة بلندن وهي على التوالي: "إلهام الفن" في كنغستون أﭘون ذي تيمز عام 2010، و "رسالة إلى وطني" في المركز الثقافي العراقي، و"تنويعات شرقية" في غاليري ASC  عام 2016 .

يمكن اختصار ورقة الناقد يوسف الناصر بثلاث نقاط أساسية أولها "أن فنّ علي الموسوي ينبع من حاجة داخلية مُلحّة، وليس من إملاءات حياتية متنوعة المصادر والأهداف" فهو فنان أصيل، ومثابر، ويعرف ماذا يريد من دون أن يسقط في الأوهام. أما المحور الثاني فيتعلق بالموضوعات التي يشتغل عليها الموسوي منذ زمن طويل وقد لخّصها الناصر بالقول: "إن الجسد الإنساني هو الثيمة الجوهرية في أعماله النحتية". ومنْ يدقق في مجمل الأعمال الفنية التي بلغت 56 لوحة ومنحوتة  ضمّها غاليري  ASC في أواخر 2016 سيتأكد من صحة الفكرة التي طرحها الناصر وسوف يعرف بأن الإنسان هو شغلهُ الشاغل سواء أكان رجلاً أم امرأة أم طفلاً. وأن ثيمة الأمومة تتكرر في كل معارضه ومشاريعه الفنية. وفي سياق الفكرة نفسها فإن هذا الإنسان مرتبط بالعراق أكثر من غيره. أما المحور الثالث فقد استعاره من الفنان علي النجار الذي تحدث عن "ثنائية الرسم والنحت عند علي الموسوي، لكنه يرسم كرسّام وينحت كنحّات، ولا يتسرّب أحدهما إلى الآخر" بخلاف العديد من الفنانين الذين تشتبك عندهم الرؤية، وتختلط لديهم الوسائل والتقنيات.

145 alialmousawi2

تبدو منحوتات الفنان علي الموسوي لمن يشاهدها أول مرة كأنها أعمال تشخيصية، وربما يضعها البعض في خانة الأعمال الكلاسيكية، وهذا صحيح لكن حين يدّقق هذا المتلقي بشكل جيد سيكتشف أن هذه الأعمال النحتية تجريدية أو أن النحات نفسه قد جرّدها من بعض الملامح الرئيسة المتعارف عليها في الوجه البشري الذي لم يبق منه سوى شكله الكروي والفم المفتوح إلى أقصى مداه وربما يذكِّرنا بـ "صرخة" أدوار مونك الشهيرة مع فارق التشبيه. بعض منحوتات الموسوي تنحو منحىً سرياليًا وتعبيريًا في الوقت ذاته حينما يتحول رأس "امرأة" مصنوعة من الخشب إلى تجويف مثير هو أقرب إلى الهلال أو الزورق منه إلى أي شيء آخر.  بعض المنحوتات تحمل طابعًا رمزيًا دون أن يتخلى عن بنيته التشخيصية الصماء التي لا تأخذ من الجسد البشري سوى معالمة الخارجية المموهة كما هو الحال في منحوتة "شهيد" التي تنطوي على معانٍ تعبيرية عميقة لا تستوعب بلاغتها الكلمات.

لا تختلف لوحة الفنان علي الموسوي عن منحوتته من حيث الثيمة لكنها تشتط كثيرًا فيما يتعلق بالتقنيات والمقاربات الفنية. فوجود الإنسان يتكرر في غالبية لوحاته، مثلما تتكرر البيئة العراقية المتنوعة التي يتقصدها كي يرحل إلى تلك المضارب التي أحبّها وغادرها مضطرًا لكن المتلقي الحصيف لا تفوته ملاحظة الألوان الباردة التي باتت تهيمن على مجمل لوحاته الفنية وكأنه غادر إلى الأبد تلك الألوان الصريحة الحارة التي تقترن بغالبية الفنانين العراقيين وأقرانهم القادمين من بلدان الشرق الأوسط برمتها.

أمضى الفنان علي الموسوي نحو ست وثلاثين سنة وهو يتنقل بين المدن والعواصم الأوروبية وينهل من علومها ومعارفها البصرية ومهما حاول التشبث بثيماته العراقية فإن التقنيات والأساليب الحديثة تأخذه من دون أن يدري إلى التيارات والمدارس الأوروبية التي تضطرهُ لأن ينجز أعماله الفنية بلمسات غربية لا يستشعرها إلاّ المتلقي الخبير الذي درّب عينيه على المُشاهدة الذكية التي تستغرق في العمل الفني، وتستمتع بمعطياته الجمالية النادرة.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhodكثير ما تطرح امام النقاد والمحللين مشكلة الشكل والموضوع في المنتج الفني وعن الاشكالية والغموض الذي يلف حول مفهومهما والعلاقة التكوينية بينهما؟ وهل من المفروض ان يجتمعان في المنتج الفني الواحد او لا؟؟ او ان كل واحد له استقلاليته وارضه المناسبه له ؟؟ هذا ما سنراه في الاسطر الموجزة المتواضعة التالية .

معنى الشكل والموضوع :

ورد في القاموس العربي ان الشكل يعني الشئ وصورته دون الجوهر، بمعنى اي شكل مادي في الحياة سواء كان كائن حي او غيره .. وبالمفهوم الفني يعني صياغة العمل الفني وبناءه الانشائي . وفي القرأن (وصوركم فاحسن صوركم) اي شكلكم وجعلكم على هذه الصورة والهيئة الجميلة .. اما الموضوع فيعني المادة التي يبني عليها المتكلم او الكاتب كلامه . ويعني المضمون والفكرة التي قد يحملها الشكل او اللوحة او النص الادبي ..

في بداية القرن العشرين ظهر عدد من الحركاة الفنية الحديثة والتي سلكت في نهجها العبثية والعشوائية والتطرف والاسراف حتى انها نادت بالغاء التراث الانساني وتهديم المتاحف وحرق المكتبات ونجم عن ذلك انهيار كل من الشكل والموضوع وما تنطوي عليه من المبادئ والقيم الجمالية والاخلاقية ..

و نجد ذلك التطرف والانحراف ايضا ظهر في عدد من الحركاة الدينية حيث عمدت الى تهديم الآثار والمتاحف وحرق المكتبات كما حدث في العراق وسوريا وافغانستان . ويبدو ان الذي غذى هذه الحركات وكتب سينورياتها هو نفس المدرسة والمصدر ونفس الفكر ولو تباعدت الازمان والجغرافيات .

و خلال تاريخنا الحديث كثير من الفنانين ابتعدوا عن الشكل والموضوع واغرقوا في التجريد مثل الفنان الانكليزي ـ بن نيكو لسون ـ حيث قضى اكثر من ربع قرن من الزمان يرسم تجريدا وهو الذي حمل لواء الحداثة في انكلترا . ثم عاد الى واقعية الشكل والموضوع . وكذلك الفنان الايطالي ـ مور اندي ـ حيث كانت جل حياته مشغولا في التجريد ثم عاد يستمد موضوعاته من الطبيعة والعالم المرئي . اما بيكاسو فكان معروفا بتقلباته الفنية حيث كان يعود من آن الى الآخر الى الاوضاع الواقعية حتى آخر حياته 1973.

هل القيم الجمالية تكمن في الشكل والموضوع فقط؟:

جون راسكين كاتب ومفكر انكليزي اصدر كتابا اسمه ـ مصورون حديثون ـ واعتبر هذا الكتاب مذهبا كاملا في علم الجمال ولم تكن الرومانسية في انكلترا ذات طابع تصوري او مثالي كما هو في باريس وانما قامت على ما يكاد ان يكون تحديدا علميا للملاحظة، وقد ارتبطت بنزعة تجريبية محلية . وقد تحدث راسكين عن القيم الجمالية في اعمال ترنير. عن ذلك الخيال وتلك المراكب والعواصف والامواج الضاربة التي تغطي كل فضاء اللوحة وانغام الالوان الانطباعية والتي كانت هي الاساس في ظهور المدرسة الانطباعية . وكان راسكين قد وصف اعمال ترنير على اساس القيم الجمالية الشكلية وموضوعاته المتكررة عن البحارة ومناظر السفن .

ولا يعني ذلك ان القيم الجمالية تكمن فقط في الشكل والموضوع كما هو عند راسكين، وان الخط واللون وطاقاتهما الجمالية ليس لهما دورا في الفن، حيث هناك ما لا ينضب معينه من القيم الجمالية النوعية التي تقوم على الانحراف سواء كان في التخطيط او التلوين او التشكيل او العفوية، بما يختلف عن اوضاع اشكال الطبيعة او المحاكات عند الواقعيين والكلاسيكيين . ونجد فيها احيانا متعة روحية ساحرة نابعة من الذات قد تفوق اعمال المحاكاة . وبالتالي نجد القيم الجمالية النوعية موجودة في كل ركن من اركان الفن سواء كان قديما او حديثا .  وكانت المدرسة الانطباعية في بداياتها خالية من الموضوع وكرس الرواد جهدهم لدراسة الالوان تحت تأثيرات الضوء والظل وكان مونيه يرسم نفس المنظر عدة مرات وفي او قات مختلفة ليرى كيف يتغير المنظر بتغيرات وتأثيرات االضوء . ولهذا دعى بعض النقاد المدرسة الانطباعية باسم الفن للفن . بينما المدرسة الواقعية والتي قادها كوربيه قد اهتمت بالشكل والموضوع وانتقلت الى روسيا وسميت بالمدرسة الاشتراكية وهنا ظهر اصطلاح الفن للمجتمع وان كان هذا الموضوع قد تطرق له سابقا عدد من المفكرين والفلاسفة مثل برناردشو وتولستوي واتخذوه شعارا لجودة وقيم الفن وامجاده . وعندما ظهرت الفنون الحديثة مثل التكعيبية والتجريدية حطمت الشكل واحالته الى سطوح وخطوط ومكعبات بحيث نرى عازف القيثارة عند بيكاسو قد اختفى بين الخطوط والمكعبات بحيث يصعب فرزه . ومن هنا كان هم هؤلاء الجدد هو كسر التقاليد الفنية القديمة وخلق فن حديث ليس له علاقة بالماضي .

 وكان كوكان يترنم بحكمة شعرية: الفن لاجل الفن لم لا . الفن لاجل الحياة لم لا؟ الفن لاجل المتعة لم لا؟ . مالذي يهم طالما انه سيضل فنا؟ تحياتي .

 

د. كاظم شمهود