adnanhusan ahmadتكمن أهمية الندوة الفنية التي نظّمها المقهى الثقافي بلندن للنحّات والرسّام علي الموسوي في إيقاعها الذاتي حيث بدا الضيف المُحتَفى به أشبه بالكائن السيري الذي يروي للحضور سيرته الذاتية والإبداعية المتمحورة على أناه غير المتضخِّمة، غير أن هذا التركيز الذاتي لم يمنعه من الإشادة بالفنانين والأساتذة الذين ألهموه، وأجّجوا مخيلته الفنية في ميادين النحت والرسم والتصميم أمثال فيصل لعيبي، عطا صبري، كريم خضير المطيري، موفق الربيعي، خالد عزّت، فخري النعيمي وسواهم من رموز المشهد التشكيلي العراقي الحديث.

القراءة الخلدونية الملأى بالصور هي التي أغرتهُ وجذبتهُ إلى عالم الفن التشكيلي وحرّضته منذ زمن مبكر في مرحلة الدراسة الابتدائية على أن يقلِّد الصور والفيكَرات المبثوثة في صفحات هذا الكتاب المدرسي الذي يحفِّز التلاميذ الصغار على القراءة والكتابة، كما يحثّ الموهوبين منهم بصريًا على تعلّم الرسم والخوض في مساراته الفنية المتعددة. وبما أن التلميذ علي الموسوي آنذاك كان مُجتهدًا في مادة الرسم فقد كانت لوحاته تُشارك في معارض المسابقات المدرسية وتفوز لأنها تمتلك بصمة فنية لا تخطئها عيون المحكِّمين المدرّبة والعارفة بأسرار الفن التشكيلي.

لم يُوفَّق الموسوي في القبول بمعهد الفنون الجميلة لإشكالات تتعلّق بالسنّ والتزكية الحزبية لكنه نجح في الانضمام إلى معهد الفنون والصناعات الشعبية في بغداد الذي كان يرأسهُ الفنان الرائد عطا صبري، وقد تعلّم من كريم المطيري، أستاذ قسم النحت في المعهد الكثير من التقنيات النحتية وأنجز جدارية تتضمن مجموعة من الخيول التي جسّدها في عمل تخطيطي بقلم الرصاص قبل أن تجد طريقها إلى التنفيذ العملي وكان عمره آنذاك خمس عشرة سنة، ثم اشتغل عملاً آخر عن "الأمومة"، وعملاً ثالثًا عن تأميم النفط العراقي.

145 alialmousawiظل حلم الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة يُطارد الموسوي، ومن حُسن المصادفات أن المعهد المذكور قد بدأ باستقبال الطلاب في القسم المسائي الذي قُبِل فيه الموسوي بعد أن حوّل أحد التخطيطات التي كانت تُنشر للفنان فيصل لعيبي في صحيفة "طريق الشعب" إلى عملٍ نحتي لافت للانتباه. وخلال دراسته في سنوات المعهد أنجز العديد من الأعمال النحتية التي أهدى أحدها إلى الاتحاد العام لنساء العراق، فيما أهدى أستاذه الفنان مخلد المختار عملاً ثانيًا للموسوي إلى قسم الأطفال في الإذاعة والتلفزيون، وهكذا توالت نجاحاته الفنية لكنه سيق إلى الخدمة العسكرية في سنته الخامسة والأخيرة، وزُجّ به إلى جبهات القتال في المحمّرة فتعرض إلى إصابة كانت سببًا في تأجيل خدمته لمواصلة الدراسة. وعندما تخرّج من المعهد ترجم شهادته مثل غالبية الخريجين العراقيين، وقطع تذكرة السفر لييمِّم وجهه شطر المنافي البعيدة التي تلقفته منذ أوائل الثمانينات وحتى الوقت الراهن. كانت عمّان هي محطة العبور ومنها انتقل إلى روما، وبودابست وبعض عواصم أوروبا الشرقية قبل أن يستقر به المطاف في السويد حيث تنقّل بين أكثر من مدينة ليجد ضالته في مدينة مالمو ويعمل فيها مدرسّا للرسم  والنحت لمدة سبع سنوات. ثم يقرر الانتقال إلى لندن كي يتفرغ لمشاريعة الفنية ويقيم المزيد من المعارض الشخصية والمشتركة، ويؤجر محترَفًا له أسوة ببقية الفنانين الذين يتخذون من الفن التشكيلي مهنة رئيسة ومصدر رزق دائم.

أقام الموسوي منذ عام 2010 وحتى الآن ثلاثة معارض شخصية في لندن تمثل التطورات الأخيرة التي طرأت على تجربته الفنية في النحت والرسم عمومًا. وهذه المعارض النوعية الثلاثة هي التي دفعت الفنان والناقد التشكيلي يوسف الناصر لأن يقدِّمهُ في هذه الأمسية بطريقة معمّقة هي أقرب إلى المداخلة النقدية الفاحصة منها إلى التقديم العابر. وقد توقف الناصر عند أبرز المحاور الفنية لهذه المعارض  الشخصية الثلاثة بلندن وهي على التوالي: "إلهام الفن" في كنغستون أﭘون ذي تيمز عام 2010، و "رسالة إلى وطني" في المركز الثقافي العراقي، و"تنويعات شرقية" في غاليري ASC  عام 2016 .

يمكن اختصار ورقة الناقد يوسف الناصر بثلاث نقاط أساسية أولها "أن فنّ علي الموسوي ينبع من حاجة داخلية مُلحّة، وليس من إملاءات حياتية متنوعة المصادر والأهداف" فهو فنان أصيل، ومثابر، ويعرف ماذا يريد من دون أن يسقط في الأوهام. أما المحور الثاني فيتعلق بالموضوعات التي يشتغل عليها الموسوي منذ زمن طويل وقد لخّصها الناصر بالقول: "إن الجسد الإنساني هو الثيمة الجوهرية في أعماله النحتية". ومنْ يدقق في مجمل الأعمال الفنية التي بلغت 56 لوحة ومنحوتة  ضمّها غاليري  ASC في أواخر 2016 سيتأكد من صحة الفكرة التي طرحها الناصر وسوف يعرف بأن الإنسان هو شغلهُ الشاغل سواء أكان رجلاً أم امرأة أم طفلاً. وأن ثيمة الأمومة تتكرر في كل معارضه ومشاريعه الفنية. وفي سياق الفكرة نفسها فإن هذا الإنسان مرتبط بالعراق أكثر من غيره. أما المحور الثالث فقد استعاره من الفنان علي النجار الذي تحدث عن "ثنائية الرسم والنحت عند علي الموسوي، لكنه يرسم كرسّام وينحت كنحّات، ولا يتسرّب أحدهما إلى الآخر" بخلاف العديد من الفنانين الذين تشتبك عندهم الرؤية، وتختلط لديهم الوسائل والتقنيات.

145 alialmousawi2

تبدو منحوتات الفنان علي الموسوي لمن يشاهدها أول مرة كأنها أعمال تشخيصية، وربما يضعها البعض في خانة الأعمال الكلاسيكية، وهذا صحيح لكن حين يدّقق هذا المتلقي بشكل جيد سيكتشف أن هذه الأعمال النحتية تجريدية أو أن النحات نفسه قد جرّدها من بعض الملامح الرئيسة المتعارف عليها في الوجه البشري الذي لم يبق منه سوى شكله الكروي والفم المفتوح إلى أقصى مداه وربما يذكِّرنا بـ "صرخة" أدوار مونك الشهيرة مع فارق التشبيه. بعض منحوتات الموسوي تنحو منحىً سرياليًا وتعبيريًا في الوقت ذاته حينما يتحول رأس "امرأة" مصنوعة من الخشب إلى تجويف مثير هو أقرب إلى الهلال أو الزورق منه إلى أي شيء آخر.  بعض المنحوتات تحمل طابعًا رمزيًا دون أن يتخلى عن بنيته التشخيصية الصماء التي لا تأخذ من الجسد البشري سوى معالمة الخارجية المموهة كما هو الحال في منحوتة "شهيد" التي تنطوي على معانٍ تعبيرية عميقة لا تستوعب بلاغتها الكلمات.

لا تختلف لوحة الفنان علي الموسوي عن منحوتته من حيث الثيمة لكنها تشتط كثيرًا فيما يتعلق بالتقنيات والمقاربات الفنية. فوجود الإنسان يتكرر في غالبية لوحاته، مثلما تتكرر البيئة العراقية المتنوعة التي يتقصدها كي يرحل إلى تلك المضارب التي أحبّها وغادرها مضطرًا لكن المتلقي الحصيف لا تفوته ملاحظة الألوان الباردة التي باتت تهيمن على مجمل لوحاته الفنية وكأنه غادر إلى الأبد تلك الألوان الصريحة الحارة التي تقترن بغالبية الفنانين العراقيين وأقرانهم القادمين من بلدان الشرق الأوسط برمتها.

أمضى الفنان علي الموسوي نحو ست وثلاثين سنة وهو يتنقل بين المدن والعواصم الأوروبية وينهل من علومها ومعارفها البصرية ومهما حاول التشبث بثيماته العراقية فإن التقنيات والأساليب الحديثة تأخذه من دون أن يدري إلى التيارات والمدارس الأوروبية التي تضطرهُ لأن ينجز أعماله الفنية بلمسات غربية لا يستشعرها إلاّ المتلقي الخبير الذي درّب عينيه على المُشاهدة الذكية التي تستغرق في العمل الفني، وتستمتع بمعطياته الجمالية النادرة.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhodكثير ما تطرح امام النقاد والمحللين مشكلة الشكل والموضوع في المنتج الفني وعن الاشكالية والغموض الذي يلف حول مفهومهما والعلاقة التكوينية بينهما؟ وهل من المفروض ان يجتمعان في المنتج الفني الواحد او لا؟؟ او ان كل واحد له استقلاليته وارضه المناسبه له ؟؟ هذا ما سنراه في الاسطر الموجزة المتواضعة التالية .

معنى الشكل والموضوع :

ورد في القاموس العربي ان الشكل يعني الشئ وصورته دون الجوهر، بمعنى اي شكل مادي في الحياة سواء كان كائن حي او غيره .. وبالمفهوم الفني يعني صياغة العمل الفني وبناءه الانشائي . وفي القرأن (وصوركم فاحسن صوركم) اي شكلكم وجعلكم على هذه الصورة والهيئة الجميلة .. اما الموضوع فيعني المادة التي يبني عليها المتكلم او الكاتب كلامه . ويعني المضمون والفكرة التي قد يحملها الشكل او اللوحة او النص الادبي ..

في بداية القرن العشرين ظهر عدد من الحركاة الفنية الحديثة والتي سلكت في نهجها العبثية والعشوائية والتطرف والاسراف حتى انها نادت بالغاء التراث الانساني وتهديم المتاحف وحرق المكتبات ونجم عن ذلك انهيار كل من الشكل والموضوع وما تنطوي عليه من المبادئ والقيم الجمالية والاخلاقية ..

و نجد ذلك التطرف والانحراف ايضا ظهر في عدد من الحركاة الدينية حيث عمدت الى تهديم الآثار والمتاحف وحرق المكتبات كما حدث في العراق وسوريا وافغانستان . ويبدو ان الذي غذى هذه الحركات وكتب سينورياتها هو نفس المدرسة والمصدر ونفس الفكر ولو تباعدت الازمان والجغرافيات .

و خلال تاريخنا الحديث كثير من الفنانين ابتعدوا عن الشكل والموضوع واغرقوا في التجريد مثل الفنان الانكليزي ـ بن نيكو لسون ـ حيث قضى اكثر من ربع قرن من الزمان يرسم تجريدا وهو الذي حمل لواء الحداثة في انكلترا . ثم عاد الى واقعية الشكل والموضوع . وكذلك الفنان الايطالي ـ مور اندي ـ حيث كانت جل حياته مشغولا في التجريد ثم عاد يستمد موضوعاته من الطبيعة والعالم المرئي . اما بيكاسو فكان معروفا بتقلباته الفنية حيث كان يعود من آن الى الآخر الى الاوضاع الواقعية حتى آخر حياته 1973.

هل القيم الجمالية تكمن في الشكل والموضوع فقط؟:

جون راسكين كاتب ومفكر انكليزي اصدر كتابا اسمه ـ مصورون حديثون ـ واعتبر هذا الكتاب مذهبا كاملا في علم الجمال ولم تكن الرومانسية في انكلترا ذات طابع تصوري او مثالي كما هو في باريس وانما قامت على ما يكاد ان يكون تحديدا علميا للملاحظة، وقد ارتبطت بنزعة تجريبية محلية . وقد تحدث راسكين عن القيم الجمالية في اعمال ترنير. عن ذلك الخيال وتلك المراكب والعواصف والامواج الضاربة التي تغطي كل فضاء اللوحة وانغام الالوان الانطباعية والتي كانت هي الاساس في ظهور المدرسة الانطباعية . وكان راسكين قد وصف اعمال ترنير على اساس القيم الجمالية الشكلية وموضوعاته المتكررة عن البحارة ومناظر السفن .

ولا يعني ذلك ان القيم الجمالية تكمن فقط في الشكل والموضوع كما هو عند راسكين، وان الخط واللون وطاقاتهما الجمالية ليس لهما دورا في الفن، حيث هناك ما لا ينضب معينه من القيم الجمالية النوعية التي تقوم على الانحراف سواء كان في التخطيط او التلوين او التشكيل او العفوية، بما يختلف عن اوضاع اشكال الطبيعة او المحاكات عند الواقعيين والكلاسيكيين . ونجد فيها احيانا متعة روحية ساحرة نابعة من الذات قد تفوق اعمال المحاكاة . وبالتالي نجد القيم الجمالية النوعية موجودة في كل ركن من اركان الفن سواء كان قديما او حديثا .  وكانت المدرسة الانطباعية في بداياتها خالية من الموضوع وكرس الرواد جهدهم لدراسة الالوان تحت تأثيرات الضوء والظل وكان مونيه يرسم نفس المنظر عدة مرات وفي او قات مختلفة ليرى كيف يتغير المنظر بتغيرات وتأثيرات االضوء . ولهذا دعى بعض النقاد المدرسة الانطباعية باسم الفن للفن . بينما المدرسة الواقعية والتي قادها كوربيه قد اهتمت بالشكل والموضوع وانتقلت الى روسيا وسميت بالمدرسة الاشتراكية وهنا ظهر اصطلاح الفن للمجتمع وان كان هذا الموضوع قد تطرق له سابقا عدد من المفكرين والفلاسفة مثل برناردشو وتولستوي واتخذوه شعارا لجودة وقيم الفن وامجاده . وعندما ظهرت الفنون الحديثة مثل التكعيبية والتجريدية حطمت الشكل واحالته الى سطوح وخطوط ومكعبات بحيث نرى عازف القيثارة عند بيكاسو قد اختفى بين الخطوط والمكعبات بحيث يصعب فرزه . ومن هنا كان هم هؤلاء الجدد هو كسر التقاليد الفنية القديمة وخلق فن حديث ليس له علاقة بالماضي .

 وكان كوكان يترنم بحكمة شعرية: الفن لاجل الفن لم لا . الفن لاجل الحياة لم لا؟ الفن لاجل المتعة لم لا؟ . مالذي يهم طالما انه سيضل فنا؟ تحياتي .

 

د. كاظم شمهود

 

 

144 saadali1على الرغم من انغماس الفنان سعد علي بمشروعيه الفنيين "صندوق الدنيا" و "أبواب الفرج والمحبة" إلاّ أن متابعته للمشهد التشكيلي الإسباني القديم والحديث قد فتحت له آفاقًا جديدة لم نعهدها في نتاجاته الفنية السابقة التي أنجزها على مدى أربعة عقود وهو يتنقل بين أربعة بلدان أوروبية عريقة، فقد درس في أكاديمية الفنون الجميلة في مدينتي فلورنسا وبيروجا الإيطاليتين وأقام فيهما منذ عام 1977 حتى عام 1984، ثم انتقل إلى هولندا وعاش في مدينتي أمستردام وأوتريخت حتى عام 1995 ليرتحل بعدها إلى بورغوندي في فرنسا ويقيم فيها حتى عام 2004 ثم يسافر إلى إسبانيا ويقرر الإقامة فيها بشكل نهائي مع زوجته النحّاتة الهولندية مونيك باستيانس. وبغية التعرف على أعماله الفنية التي أنجزها مؤخرًا قررت زيارته بمرسمه الكائن في بلدة "شيفا" التابعة لمدينة فالنسيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط. حينما دخلت منزل الفنان سعد علي ومرسمه في ذات الوقت لم أتفاجأ بالعدد الكبير من الأعمال الفنية التي أنجزها مؤخرًا فهو يرسم بمعدل ثماني ساعات يوميًا فلاغرابة أن يقول بأن لديه لوحات جاهزة تكفي لثلاثة معارض قادمة. وبما أنني متابع لتجربته الفنية منذ عشرين عامًا فسوف أركِّز في هذا الحوار على المستجدات التي طرأت على ثيماته وتقنياته التي تطوّرت كثيرًا بسبب الخبرة والممارسة الطويلة التي صنعت منه فنانًا مميزًا يستطيع أن يعرض أعماله مع كبار الفنانين الهولنديين أمثال كورنيه ومار وغيرهم من الأسماء الفنية المعروفة التي غيّرت ذائقة المشاهدين في مختلف أرجاء العالم. وفيما يلي نص الحوار الذي دارت وقائعه في مُحترَف "شيفا" الذي يضم قرابة 60 لوحة منفذة على الكانفاس والورق وبأحجام كبيرة ومتوسطة، إضافة إلى عشرات التخطيطات والإسكيتشات الأولية التي ستتحول لاحقًا إلى أعمال فنية كبيرة.

اختراق المجهول

* خلال السنوات الخمس الأخيرة بدأتَ تتمرد على مشروعَيكَ الرئيسيين "صندوق الدُنيا" و"أبواب الفرج والمحبة"  ما سرّ هذا التحوّل على صعيدي الثيمة والتقنيات؟

- ما أزال وفيًا ومُتشبثًا بالمشروعَين الرئيسيين ولكنني بلغت مرحلة النضج، وصار لِزامًا عليّ أن أجرّب في الثيمة والأسلوب. ورحلتي الفنية لا تختلف كثيرًا عن رحلات أجدادي السندباديين الذين ركبوا البحار مُغامرين بحيواتهم من أجل المعرفة، وحُب الاكتشاف، واختراق المجهول. لا تنسى أنني قادم من بلاد ما بين النهرين، هذه البقعة الجغرافية المعروفة بمناخها المتطرف، وبيئاتها المتنوعة، وجنون نهريها في أوقات الفيضانات. وقد تعلّمت من عنفوان دجلة والفرات اللذين يغزوان البحر في كل عام ويحفران في الأرض عميقًا أن أقوم برحلتي الخاصة مهما كان مركبي الخاص صغيرًا لأكتشف بنفسي القارة الأوروبية التي عشت في بلدانها أكثر من أربعة عقود متنقلاً بين إيطاليا وهولندا وفرنسا وإسبانيا. وفيما يتعلق بالجانب الرومانسي فقط ظهر عندي في مرحلة النضج التام واكتمال المدارك حيث رسمت عشرات اللوحات المفرطة في رومانسيتها مثل لوحات "حُبّي"، "البحث"و "مِلْكيتي" والقسم الأكبر من لوحات معرضي الأخير الذي أسميتهُ بـ "الروح الحلوة". لقد أخذتُ الجانب الإيجابي من الحُب الذي يعشق فيه الإنسان ويكرّس حياته من أجل تكوين عائلة سعيدة شرط ألاّ يتخلى عن روح المغامرة، وارتياد الآفاق، والاستمتاع بحلّ ألغاز الحياة، وفكّ أسرارها وهذا ما يفعله الأديب والفنان أو المنغمس في أي حقل إبداعي. الموضوعات سهلة وكثيرة فهي تأتي عن طريق المُشاهدة العابرة أو المُراقبة الدقيقة التي تحتفظ بها ذاكرتي البصرية، وهي ذاكرة فنان، تختلف بالتأكيد عن ذاكرة الناس العاديين الذين لم يتخصصوا في الفن التشكيلي. أما التقنيات فهي تتطور عندي دون أن أشعر بذلك لكنني أكتشف الفرق حينما أشاهد مصادفة أعمالي القديمة التي مرّ عليها بضع سنوات وأقارنها بالأعمال الأخيرة التي تكشف حجم التطور في أساليبي الفنية التي تطوّع الموضوعات التي أشتغل عليها.

144 saadali2

التصوير الذهني

* لديك الكثير من الظِباء والغزلان والحيوانات الأخر التي تبدو وكأنها مُخترَعة ترسمها من مخيلتك الفنية التي تلتقط سرّ التفاصيل بشيء من الغموض المُحبب الذي يغلّف العمل بهالة فنية تدعو، في الأقل، إلى المفاجأة والدهشة والحبور. كيف يشحن الفنان سعد علي مخيلته في اللحظة الإبداعية؟

- يُعيدني هذا السؤال إلى الفترة الإيطالية في أواخر السبعينات من القرن الماضي في مدينتي فلورنسا وبيروجا الإيطاليتين حيث اعتدت أن أسمع البروفيسور بييترو أنيغوني وهو يقول بأن "التصوير جيد وله تأثيره في المستقبل" لكنه لم يكن يتوقع الثورة الإليكترونية، ومع ذلك فقد كان يؤمن "بالتصوير الذهني" الذي يُراعي التكوين، ويعطي كل لقطة حقها، فحينما تُمسك يدكَ بالتفاحة ينبغي للمشاهد أن يرى ثقل التفاحة على أوردة اليدّ دون أن تُصوَّر بطريقة عشوائية. البعض من الفنانين العراقيين، يراهنون، مع الأسف، على قابليتهم في تقليد الفن الأوروبي لكن هذه المراهنة خاسرة سلفًا لأنها لم تضع في الحسبان التدرّج الفني الذي مرّت عليه سنوات، وعقود، وقرون طويلة من المتابعة، والدرس، والتقيّيم. أنا أراجع نفسي كثيرًا، فحينما أُشاهد عملاً للفنان الإيطالي ساندرو بوتشيلي (1445- 1510) مثل لوحة "الربيع"  أقف مدهوشًا ثم أعود راكضًا إلى البيت وكأنني لم أفعل شيئًا طوال عمري الذي تجاوزت فيه العقد السادس ببضع سنوات، وهذا الأمر يضعني أمام المسار الطويل الذي أنفقته في تجربتي الفنية. فمثلما تريديون كتابة الشيء الجديد وغير المكتوب سابقًا نحن الفنانين نريد تجسيد الصورة المستحيلة الموجودة في زاوية ما من هذا العالم بعد حكّ وتقشير غلافها الخارجي، وأعني بهذه العملية امتلاك الفنان لعُدّته التقنية التي تساعده في إنجاز اللوحة بمدة زمنية معقولة ولهذا تراني أحتج على بعض الفنانين الذين ينجزون لوحة واحدة خلال سنة أو سنتين وربما أكثر من ذلك. ولكي أكون صريحًا معك أنا أنجز لوحات كثيرة تكفي لإقامة معرضين أو ثلاثة معارض في السنة الواحدة. وكما رأيت فإن مرسمي في بلدة Chiva مليء بالأعمال الفنية المُنجزة التي تنتظر أعين المُشاهدين.

144 saadali3

جماليات التشكيل

* عشتَ في عدة دول أوروبية وتأثرت بفنونها التشكيلية. ما حجم تأثرك بالفن الإسباني القديم والحديث، وهل أفدتَ من ثيماته وتقنياته معًا؟

- المشهد التشكيلي في إسبانيا واسع ويضم عددًا كبيرًا من الفنانين التشكيليين الذين يصعب حصرهم في هذا المجال الضيق المتاح لنا، ولكنني أستطيع القول بثقة كبيرة بأن الحركة التشكيلية الإسبانية متطرفة في الإبداع والحداثة لأنهم يجمعون بين الجذور العربية والأوروبية. وقد خلق هذا التزاوج بين الحضارتين العربية والإسبانية نوعًا ثالثًا مُهجنًا يحمل العناصر الأولية لكلا الثقافتين. ومن بين الأسماء الإبداعية البارزة في الفن التشكيلي الإسباني دييغو فيلاسكيز (1599- 1660) الذي أثّر على أجيال فنية لاحقة حتى أن الفنان الفرنسي إدوار مانيه قد وصفه "برسّام الرسامين"، ونظرًا لحرفيته العالية فقد عُيّن فيلاسكيز رسّامًا للملك فيليب الرابع وهو في سنّ الرابعة والعشرين حيث رسم العديد من البورتريهات للملك ولأسرته، كما أنجز الكثير من اللوحات الفنية للقصور الملكية.

لا يقلّ فرانسيسكو غويا (1746- 1828) عن سلفه فيلاسكيز في التأثير وقد أنجز أعمالاً فنية خالدة مثل "الإعدام رميًا بالرصاص"، "هجوم المماليك"، "عائلة كارلوس الرابع"، "دوقة ألبا"، "العاصفة الثلجية"، "عازف الغيتار الأعمى" وغيرها من اللوحات الفنية المستقرة في ذاكرة المتلقين. إن مشاهداتي المتواصلة لأعمال الفنانين الإسبانيين الكبار قد أفادتني كثيرًا، ولعل لوحاتي الكبيرة التي أنتجتها مؤخرًا ناجمة عن هذا التأثر المدروس، وربما هي التي أخرجتني قليلاً من مشروعيَّ القديمين حتى أنني بتُّ أشعر وكأني أطير وأحلّق بجناح ثالث. رحلة التأثر الإيجابي طويلة وربما تمتد من روفائيل وكرافاجيو إلى رمبرانت وفيرمير وفان كوخ وكارل أبل وغوستاف كليمت ولا تنتهي بفيلاسكيز وبيكاسو وأنتونيو ساورا وأنتونيو تابييس وميغيل بارسلو وعشرات الفنانين المحدثين الذين أشاهد أعمالهم وأتأملها بعينٍ تشكيلية قادرة على الفرز والتقييم والنقد المُحايد الذي ينتصر لجماليات الفن التشكيلي.

بصمة لونيّة

* لا تخلو لوحاتك من حس تراجيدي مثل لوحة "مِلكيتي"، فمع أنها تتمحور على الحُب إلاّ أنها مليئة بالمعاناة المُحببة إلى النفس لكنها توحي بالوفاء الأبدي؟

- لكي يكون المُشاهد على دراية بما نتحدث عنه لابد لنا أن نصوّر طبيعة العمل، فهو عبارة عن امرأة اصطحبت معها تمثال حبيبها وأخذت تتنقل به في كل منطقة تحلّ بها، فهو كنزها الوحيد، ومِلكيتها الخاصة بها تحمله معها أينما حلّت وارتحلت. ما يميّز هذه اللوحة هو لون (الفيكَرين)، فلون الرجل غامق وأكثر دُكنة منها، ورغم أنّ هذا اللون بارد لكنه محروق، وهذه بصمة لونية أتميّز بها عن بقية الفنانين العرب خاصة، والأجانب بشكل عام.

إيهام المتلقي

* بعد سنّ الستين لم تعد تهتم بالمظاهر الخارجية للمرأة المعشوقة فهي بلا شعر مثلاً بينما كانت في السابق مكتملة لا يعوزها شيء. كيف تفسّر لنا هذه الرؤية الجديدة للمرأة المحبوبة؟

- الحُب، بالنسبة لي في هذا العمر، أعمق من الشكل الخارجي الذي يراه عامة الناس، فلا حاجة إلى الغُرّة ولا إلى شعر الرأس كله لأنني أركِّز على ملامح المرأة ولعلك تجد في سلسلة لوحات "البحث" نساء بلا شعور لأنني أريد أن ألفت انتباه المتلقي إلى العينين مثلاً أو الأصابع الطويلة الليّنة أو إلى بقية أعضاء الجسم البشري الذي لم يألفه المُشاهد من قبل. لقد سعيت في السنوات الأخيرة إلى خلق اللوحة السريالية أو إيهام المتلقي بأن الكائن البشري يمكن أن يمتلك ثلاث أيدي لكسر آلية التلقي المعهودة. وقد توصلت إلى جماليات الروح وحلاوتها، وهذا الفهم هو الذي دفعني لأن أسمّي معرض الأخير المُقام حاليًا في مدينة ركينا الإسبانية بـ " الروح الحلوة" وهي تسمية خاصة بي لأنني اجترحتها خلال أسابيع العمل وما أزال تائهًا بين ثناياها.

 

فالنسيا: عدنان حسين أحمد

 

 

adnanhusan ahmadبحضور جماهيري كثيف في بلدة "شيفا" التابعة لمدينة فالنسيا الإسبانية تم افتتاح العمل النحتي الكبير الذي يحمل عنوان "رائحة الشمس" للفنانة الإسبانية من أصول هولندية- بلجيكية مونيك باستيانس. وهذه المنحوتة عبارة عن جدارية ضخمة تضم في متنها "الريليفيّ" البارز بصمات راحات الأيدي لأربعة آلاف مواطن  شيفاوي من الطفل الرضيع الذي يتراوح عمره أسبوعين حتى الشيخ الطاعن في السن الذي يبلغ عمره تسعين عامًا. الفكرة الرئيسة لهذا العمل الفني هي تآزر مواطني هذه البلدة، وتناغمهم، وتكافلهم الدائم مهما اختلفت الأصول، وتنوعت المشارب، وتعددت المرجعيات. فالحُب شعارهم، والصداقة مذهبهم، والعيش المُشترك هو هاجسهم الأول والأخير. نفّذت باستيانس بصمات الأيدي التي هي عبارة عن كُرات طينية مضغوطة قليلاً بالأصابع على راحة اليد ومفخورة بالنار ومثبتة بمادة لاصقة على سطح الجدارية التي أخذت شكل الزورق العائم على ماء البِركة، أو شكل الطائر الذي يحاول الهبوط على سطح الماء.

لم يكن هذا العمل النحتي القائم على البصمات هو الأول من نوعه فقد سبق لباستيانس في عام 2015 أن أنجزت ثلاثة أعمال كروية لبصمات الأصابع لأربعة آلاف طالب من طلبة كلية آركوس في مدينة هيرلين الهولندية.

ولكي نتعمّق بثيمات وتقنيات هذه الفنانة الدؤوبة التي يقترن اسمها دائمًا بالحداثة والابتكار لابد أن نتوقف عند المحاور الفنية الأربعة التي انغمست فيها منذ دراستها في أواسط السبعينات بقسم النحت في أكاديمية الفنون البصرية بأوتريخت، وهذه المحاور هي: المداخلات الفنية في جسد الطبيعة والحياة Interventions ، والأعمال التركيبية Installations، والأعمال النحتية Sculptures، والرسوم Drawings وسوف نركِّز على المحور الأول آملين أن نتناول المحاور الباقية في دراسة لاحقة.

بدأت باستيانس حياتها الفنية بالنحت، حقل تخصصها الرئيس، لكنها اكتشفت أن عملية النحت تستغرق وقتًا طويلاً لذلك التجأت إلى الرسم كي تعمل بعفوية وتلقائية كلما عنَّ لها أن تنهمك في عمل فني يلبّي رغباتها الآنية السريعة، ومع ذلك فقد أنجزت منحوتات برونزية لأشكال بشرية حوّلتها شيئًا فشيئًا إلى طيور، أو إلى كائنات مهجّنة تجمع بين شكل الطير وشكل الإنسان في آنٍ معا. والغريب أنها أنجزت قبل رحلتها إلى إسبانيا منحوتات مُحلِّقة في الفضاء وكأنها كانت تدرك في دخيلتها بأنها سوف تغادر هولندا وستجد ضالتها في المدن الإسبانية التي تحتضن حضارات وثقافات وأديان مختلفة تعايشت على مرّ العصور، وتنافرت في بعض الأوقات العصيبة العابرة.

وبما أن مشاريعها في المحاور الأربعة كثيرة ومتنوعة فسوف نقتصر على تناول البعض منها الذي يحيط القارئ علمًا بموضوعاتها وأساليبها ومقارباتها الفنية. لعل أبرز الثيمات التي تشتغل عليها الفنانة باستيانس هي الطبيعة، والإنسان، والمجتمع، والتجليات الروحية في مختلف الديانات السماوية والأرضية، هذا إضافة إلى توظيف بعض الجوانب الفلسفية، والتعاطي مع الأمثال التي وجدت طريقها إلى نماذج محددة من أعمالها الفنية. تبدو الطبيعة هي المكان المفضّل لأعمالها الفنية التي تتدخل في الطبيعة برًا وبحرًا وفضاءً وغالبًا ما تضيف إليها عناصر جمالية مثل المظلات، والنيونات، واللالئ الكبيرة البيضاء التي تُحدث تغييرًا جذريًا في المكان الجغرافي الذي تشتغل عليه كما في تحفها الفنية المُبهرة "الطحالب الزرقاء"، أو سلسلة أعمال "كل الطرق تؤدي إلى روما"، أو "قناديل البحر" التي زينّت شاطئ المتوسط وغيّرت إيقاعه اللوني المعتاد. وحينما يقف المتلقي أمام أعمالها الفنية عليه أن يستنفر أربعًا من حواسه في الأقل وهي البصر والسمع والشمّ واللمس ولعله يحتاج الحاسة السادسة لسبر أغوار بعض الأشياء المخبأَة وراء الأشكال والتكوينات العصيّة على التفسير.

لا تكتفي باستيانس بما هو موجود في الطبيعة، فالهوّة العميقة بين جبلين صخريين تُجسِّرها بخطوط مستقيمة أو مائلة من اللالئ البيضاء، والغابات الكثيفة الأشجار تزيّنها بمظلات وردية تتدلى من أعمدة معدنية منحنية، أما الجسور والقناطر القديمة فتطليها بألوان صارخة تعيد إليها الحياة من جديد. وإذا تعذرت عليها الأشكال والتكوينات الجميلة فإنها تستخرج البُصيلات والدَرَنات من أعماق الأرض ثم تصوغها بأحجام كبيرة وتثبتها في الأماكن الفارغة في قلب الطبيعة.

لابد من الوقوف عند مشروعها القديم بعض الشيء لأنه علامة فارقة في حياتها الفنية إذ حوّلت 270 شجرة برتقال ميتة، قيل إنها فارقت الحياة بسبب الحزن، إلى بستان من الألوان المبهجة على رأسها اللون الأحمر والوردي والأبيض الشفاف.

أشرنا إلى اهتمامها بالديانات السماوية الثلاث وربما تكون "يد فاطمة" نسبه إلى فاطمة الزهراء، هي واحدة من تجليات اهتمامها بالديانة الإسلامية التي ترسخت خلال ثمانية قرون في هذا البلد. فصورة هذه اليد تعتبر تعويذة لتفادي الحسد والسحر، وتميمة لدرء الأخطار والبلايا. وقد نفّذت الفنانة سبعة تكوينات من كُرات زرقاء مليئة بالهليوم مثبتة فوق أعمدة معدنية بطول 17 م. وفي السياق ذاته فإن باستيانس تهتم بالديانات الأخر مثل الديانة الشنتوية اليابانية لأن هذه الأخيرة تمجِّد الطبيعة وتحث على الاهتمام بها. وربما يكون مشروع "أعواد الثقاب" هو إشارة تحذيرية لكل الناس لحماية غاباتهم من الحرائق المدمرة التي تفتك بمساحات شاسعة من المناطق المُشجرة التي يبعث منظرها الكارثي على الحزن والأسى العميقين. فإلى جانب كل شجرة محترقة غرزت باستيانس أعواد ثقاب كبيرة الحجم بطول 4 م تحذيرًا من حرائق مُقبلة.

ما يميّز الأعمال التركيبية عن سابقتها هو المكان، فالأولى كانت في قلب الطبيعة، بينما تأخذ الأعمال التركيبية Installations مكانها في المتاحف، والجامعات، والمباني التاريخية، والساحات العامة وبقية المناطق المأهولة بالسُكّان في المدينة. ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أن بعض هذه الأعمال التركيبية الضخمة يحتاج إلى رافعات وشاحنات وعمل مضني لحدّادين ولحّامين وتقنيين في الضوء والصوت وما إلى ذلك وبإشراف مباشر من باستيانس التي توقّع العمل باسمها في نهاية الأمر بعد أن تضع عليه اللمسات الأخيرة. يحتل محور النحت مساحة كبيرة من تجربة الفنانة باستيانس، فهو شغفها الأول، واختصاصها الدقيق، وقد أنجزت حتى الآن 48 مشروعًا، بمعدل عشرة أعمال أو أكثر لكل مشروع ويكفي أن نشير هنا إلى بعض هذه المشروعات مثل "حذاء السندريلا"، و "فالانتاين" و "للحيطان آذان" وهي في مجملها أفكار جديدة لم تُطرَق من قبل. وعلى الرغم من ارتباط الأعمال النحتيّة بالحواضر والمدن إلاّ أن عشق الفنانة للفضاءات المفتوحة هو الذي دفعها لأن تنجز منحوتة "فالانتاين" في قلب الطبيعة مستعينة بعدد من العمال الذين شيدوا هذا الصرح الجميل في منطقة زراعية هادئة مُحتفية بعزلتها وبإيقاعها الداخلي الخاص.

يبدو أن محور الرسم هو أقل المحاور الأربعة من حيث الكم، فقد أنجزت حتى الآن عشرة مشاريع وهي في مجملها تكرار لبعض مشاريع المحاور الثلاثة التي أشرنا إليها سلفًا، ولعلها نماذج أولية مصغرة لتماثيلها، ومداخلاتها الفنية، وأعمالها التركيبية الكبيرة.

نخلص إلى القول بأن باستيانس هي نبع من الأفكار المتدفقة التي لا تنضب، وأن أسلوبها الفني يعود إليها فقط ويصعب أن تجد مصادره عند فنانين آخرين رغم أنها كانت تنتمي في بداياتها الفنية إلى جماعة الـ Fluxus التي وصفها الناقد الفني الهولندي هاري روهيّ بأنها "الحركة الفنية الأكثر تطرفًا وتجريبية في الستينات".

 

فالنسيا: عدنان حسين أحمد

 

 

mohamad albandoriاعتبر بعض الدارسين الخط العربي لغة كتابية فصيحة تتمتع بالطواعية والمرونة والسلاسة والقابلية والتشابك والتداخل والتركيب، وجعلها الله وسيلة بصرية للتفاهم والتخاطب والتواصل وبين الأجيال. وإذا كان الخط وسيلة للإقرار وتبرئة الذمم وتوثيق العقود، فإنه كذلك حافظ للعلوم والتراث الثقافي والحضاري للأمم عبر التاريخ، وهو وسيلة هامة للمعرفة، وفضح المخفي من الأسرار الكامنة وراء الحروف المتنوعة الأشكال والمليئة بالرموز. والخط العربي يعتمد في منجزه الفصيح على ضوابط محددة تتمثل أساسا في التناسب بين الخط والحركات وعلامات النصب والجر والرفع والمدود، وتستعمل فيه مجموعة من الصيغ التركيبية الواضحة المعالم التي تتصل مباشرة بالمضامين، ويعتمد في منجزه السري على الكتل والطبقات والتركيب المعقد وعلى الطلسمة، فينتج حركة ذاتية تجعل منه صورة سرية مستقلة عن مضامينه ومرتبطة معها في آن واحد. لكن، من خلال أشكاله الأساسية ومن خلال استنطاق كل صورة لكل حرف منفرد يحدث نوع من التفاعل في النصوص نتيجة ما يحققه ذلك من مكتسبات بصرية تتجه أساسا نحو التكامل الفني الناتج عن التوزيع الشكلي المرتبط بالمضامين الغامضة، في نطاق تجريديته واستطراداته التي تساهم في منح النص مجالا واسعا من التأويل الفاضح الذي يكشف المستور ويجلي الأسرار. وفي نطاق ذلك تتسم الحروف العربية بتنوع أشكالها وبارتباطها بعدة مناحي جمالية منها الأشكال الجمالية التي تعتمد التدوير، وهي قابلة لاكتساب مختلف الأشكال الهندسية المتميزة أساسا بالاستدارة والتداخل والاسترسالات المتنوعة والتركيب المكثف الذي يرجح كافة التأويلات المتعددة ويسهم في ارتقاء الخط العربي إلى فن جمالي إلى أبعد الحدود. وتعتبر الحروف العربية شكلا إبداعيا عمل النقاد العرب على رصد أشكالها وصورها وفنونها، فقد أولوا عناية فائقة بتعريف الحروف ووصفها ورسمها بطرق مختلفة وتركيبها في أشكال متنوعة. وذلك بتوظيف الحروف في بنيات تركيبية تضمر العديد من المضامين وتحجب  بعض المفاهيم وذلك في نطاق الارتباط الوثيق بالبعد الجمالي الذي فرض مجموعة من الخصوصيات ونحى بالخط العربي نحو الانتاج الدلالي المتنوع، ونحو تثبيت البعد الفني والقيمي، وهذه القيمة، قد رافقت التجربة الخطية العربية في مختلف الاستعمالات الخطية في النقود والأنسجة والعمارة وعلى الورق وعلى الرق، وكلها تتوحد في اتخاذ الشكل السري الذي يتماشى مع مختلف عمليات التركيب، وتتخذ كذلك الشكل الزيني الراقي، والجمالي الأمثل الذي يكشف المستور ويفضح المضمون ويستلهم الحس والنظر، فتم اعتباره بذلك فصيحا فاضحا، استطاع من خلال تجلياته هاته أن يرسخ طابعا جماليا دلاليا خاصا.

 

د. محمد البندوري

 

mohamad albandoriإن الانتباه إلى الأشكال الجمالية للخط المغربي قد عجل بظهور معاني جديدة لعدد من المفكرين والباحثين المغاربة مما أسهم في وجود تصورات وآراء تخص التكلف في التشكيل الخطي المغربي وساهم في إنتاج العلامات التماثلية ذات الصفة العالية، التي انبثقت من المجال الاجتماعي والثقافي، وهي تبني إشارتها على شيء مدرك، ملموس ومخصص؛ فضلا عن وجود استمرارية بين العلامات التماثلية، في نطاق اشتغالها في حقل المجاز وضمن الحقل الدلالي الواحد الواسع، فتتبدى عناصر الجمال في الحرف نفسه وفي الصورة الخطية جلية، بتعدد في المعاني، مما يتيح فرصا كثيرة في تخصيص رسم الحرف لمجال محدد إما سياسي أو أدبي أو فني، وفي تأويل التشكيلات الخطية وقراءتها، حيث يمكن للحرف الواحد كما للصورة الخطية الواحدة أن ينتجا معنى واحدا في مجال ما، كما يمكنهما أيضا أن ينتجا معاني كثيرة في آن واحد، حسب اختلاف المجال من سياسي إلى فني. كما أن الحرف الواحد الذي يختلف في رسمه من رسم إلى آخر يشكل خزانا بصريا يمكن قراءته عبر نظام العلاقات البصرية وحدها وعبر نظام خطي يشكل موطنا للجمال تسيل ينابيعه في كل حرف وفي كل كلمة وفي كل جملة وفي كل نص.

ويتبدى أنه مع التمكن من التجويد الخطي، بدأت صناعة المعاني الجديدة تطفو على الساحة الثقافية والفنية، فظهر التكلف في صناعة الخط، وإدخال مختلف الأشكال التي تحاكي المعاني الجديدة في الخط، ولم يقتصر ذلك على الكتابة الخطية المغربية فحسب، بل تعداها إلى إنتاج نمط من الخط المغربي بمعاني جديدة. وكما ظهرت الأشكال التي ارتبطت بالتحول الحضاري والتحول في ذهنية الإنسان المغربي، ظهرت بعض المعاني التي رامت الخصائص الفنية للمواد السياسية، كالرسائل السلطانية والظهائر السلطانية، ومختلف المراسلات السياسية.. وظهر كذلك الجمال في رسم الخط المغربي وفق المعاني الجديدة للخط، وظهر ما اصطلح عليه آنفا بالخط المغربي المجوهر وخط الثلث المغربي والخط المسند المغربي، وقد دلت هذه الأنواع الخطية المغربية على التجديد في التعبير بطرق مختلفة من التزيين، في نطاق التوافق بين جماليات الخط المغربي والمعاني الجديدة التي تشبعت بالمجال السياسي وفق ثقافة خطية معينة تغلف كل مجال وكل تخصص بجماليات مغربية خاصة. فبدا الخط المغربي هو ذاك التمثل الحسي للمدرك الذهني من جهة، وهو التمثل الذهني للمدرك الواقعي تمثلا جماليا من جهة أخرى، فالجمال ضرب من السلطة على الخط؛ وخصوصية العمل الفني للخط المغربي تقتضي ربط الصلة بين الخط والخطاب البلاغي نظريا وتطبيقيا، وذلك بما يجعله تأملا في الخط والفكر، فخصوصية العمل الحروفي وطبيعة الصورة الخطية تبين بأن الخط تفكير بالشكل الذي يوضع عليه رسم الحرف، أو يكون عليه الحرف، وأن ذلك الرسم الذي يكون عليه الحرف هو في المقام البليغ إبداع ذهني يخضع للتناول المنهجي لنظرية الخط في المنجز النقدي، باعتبار أن الناقد هو المعني الرئيسي بعملية وضع رسم الحرف وإدراك خبايا شكل رسم الحرف برؤية عالمة وخبرة عارفة بحيثيات الحروف والخط، مع مراعاة الوصل في العملية الإبداعية للحرف على المستوى السياسي والثقافي والفني، بربطه بالقضايا المعرفية وقيمتها الفكرية والسياسية. ذلك أن هذا الحرف قد احتاج إلى كيفية صناعة المعاني الفنية والجمالية خصوصا، وأنه يخترق كل المعارف وكل المجالات. فإدراك ذلك هو إدراك شمولي للحرف في نطاق معرفة علمية بشكله الذي يختزل العمل الفني والتشكيل الجمالي. فالعلماء بمفاهيمهم الجديدة ونظرياتهم السديدة ومجالهم التداولي أضافوا مجموعة من المحتويات الجمالية للحرف المغربي ابتكارا منهم لوضع أسمى الجماليات الحرفية، ولإبداع معرفة تحيط بالحرف المغربي من كل الجوانب، في نطاق التأويل البلاغي على أساس الاهتمام ببلاغة الخط المغربي في كل المجالات، وعلى أساس الاهتمام كذلك بالقارئ بمفهومه الحروفي والفني، بل وإنتاج قارئ يركز اهتمامه على انفتاح الخط المغربي على كل الوسائل واستفادته من المعاني الجديدة بما يضمن الوحدة في إطار تعدد المعاني وإنتاج الدلالات المختلفة، ويضمن قابلية التأويل غير المتناهي وما إلى ذلك من العبارات والاستعارات التي تشكل قيما محددة من الإبداع، قوام الحروفية المغربية الإسلامية في التراث المغربي عامة. وذلك عن طريق الاستناد إلى جماليات الأعمال الخطية المغربية، وإلى المكونات الجمالية في الحروف المغربية، والأشكال التي تغذي الحروف المغربية بجماليات متنوعة.

 

د. محمد البندوري

 

 

salim alhasani2عائلة من الدعاة الذين عرفوا معنى الدعوة الإسلامية، والتزموا بنهجها وخطها الرسالي. كان أفرادها صادقين مع الله ومع أنفسهم ومع الآخرين، قارعوا نظام صدام ببطولة ورجولة، وأنفقوا أموالهم لأعمال الخير ومساعدة الفقراء وعوائل المعتقلين والشهداء، ودعم العمل الإسلامي المعارض للنظام، فاستشهد أربعة من الأخوة الخمسة، واستشهد أصهارهم على نفس الطريق، ولم ينج منهم سوى الأخ الخامس الحاج (سعيد علي علوش/ أبو آلاء).

صابر وقور كريم الطبع شامخ الرأس، يستند الى كرامة التاريخ وعزة النفس، حمل خصاله الرائعة في هروبه من العراق، وعاش على ما تبقى من مال عنده يعيل به عائلته الكبيرة في سوريا وإيران. وحين شح بيده المال، لم يضعف ولم يحني رأسه المرفوع بالعزة دائماً رغم تقدم العمر به، فعمل بعدة أعمال ليعيل عائلته في الهجرة الصعبة.

كان يمارس العمل بصبر وقناعة، وهو الرجل الثري المعروف في بغداد والحلة، وصاحب العقارات والممتلكات والمعامل التي تعود له ولإخوانه، وقد صادرها النظام الدكتاتوري، فلم يكتف إجرام صدام بإعدام اخوانه الأبطال، إنما أراد معاقبة نساء وأطفال الأسرة المجاهدة، بأن فرض عليها الفقر والعوز. لكنهم صبروا، انتصروا عليه بالصبر والقناعة، ولم يشتكوا لغير الله، ولم يطلبوا من غير الله.

كان شقيقه الشهيد (صلاح علوش) أحد كوادر حزب الدعوة البارزين، خصص معظم وقته للعمل الحركي الإسلامي، يجول مناطق بغداد في الإشراف على الحلقات الحزبية، وكان هو المسؤول التنظيمي للصديق العزيز (محسن شاكر محسن/ أبو عامر).

كانت علاقات الحاج (سعيد علوش) الوثيقة مع رجال الأعمال والتجار المهاجرين، تكفي لأن يستعين بهم بكلمة واحدة، ليعينوه بالمال، لكنه يرفض ذلك بأنفة وكبرياء، ففضل العمل سائق أجرة ليعيل عائلته الكبيرة، وكان حين يمشي في أسواق منطقة (دولت آباد) في طهران، حيث الأغلبية العراقية المهاجرة في تلك المنطقة، كان يمشي بوقاره المعهود، ومن يراه لا يساوره الشك بأنه أحد الأثرياء، فتلك العزة المتدفقة من ملامحه، لا يمكن أن تنكسر أمام صعوبات الحياة وثقل المعيشة التي ينوء بها قلبه.

رجل مثل الحاج (سعيد علي علوش/ أبو ألاء) لا تطيح به صعوبات الحياة، وقد مرت عليه سنوات الظلم والإرهاب البعثي وفواجعها بأشقائه وأصهاره الدعاة، فخرج منها صامداً ثابتاً عزيزاً لم يثلم الدهر منها شيئاً.

في شقة شارع الأمين في دمشق، سكن معنا فترة من الزمن، كان فيها الأخ الكبير، يفيض علينا بروحه الصابرة، وبعزة نفسه الأبية، وبوداعته الرقيقة، وبأخلاقه الراقية. كان الأخ الكبير المتواضع يكتم أحزانه وآلامه، ولا يتحدث أبداً عن معاناته وما تعرض له من أذى وضياع الأخوة والممتلكات، فهو يحتسبها في عين الله، ولا يريد أن يبث الشكوى لغير الله، ولا يجد فيما قدّمه إلا واجباً مفروضاً عليه في سبيل قضية كبيرة.

بعد سقوط نظام الدكتاتورية عام ٢٠٠٣، لم يطلب منصباً ولا موقعاً حكومياً، لم يطلب تعويضاَ ولا مرتباً عن نضاله وعن نضال أخوته الشهداء، كل ما أراده أن يسترجع ممتلكات عائلته وعقاراتهم، وهي أبسط حقوقه.

في حكومة المالكي كان لا يزال يراجع الدوائر الحكومية لاسترجاع حقوقه التي صادرها نظام صدام، وكان يجد صعوبة في ذلك، مع أن كبار المسؤولين من رئيس الوزراء وحتى الأقل منه، هم من أصدقائه، وكان هو صاحب الفضل عليهم بالمال والمساعدة.

تبقى كبيراً أيها الحاج (أبو آلاء) حفظك الله وأطال عمرك، أيها النادر في هذا الزمن الرديء.

 

سليم الحسني

 

 

143 fatimalobaydi1يجد بعض النقاد أن تقييم النتاج الإبداعي التشكيلي يتكأ على بناء اللوحة الداخلي، وعلى مدى قدرته في الشروع بطرح قيمة جديدة الى فنه، يضمن عدم تكرار تجارب غيره، ويمضي قدماً نحو تأسيس وعي عميق يلبي الهتاف الملحّ  في ضميره الداعي الى طرح فن ٍ يستجيب للأساسيات الكلاسيكية، وموجبات الحداثة والعصر معا ً، وقادر في الوقت ذاته على إستقطاب دهشة وقبول المتلقي الذي هو المقصد المنشود .

فأين فاطمة العبيدي  الفنانة التشكيلية العراقية العالمية القديرة من هذا التوصيف  بعد نجاحها الباهر خلال فترة قياسية في غزو المعارض الدولية والوقوف نداً كفوءاً لأبرز فناني التشكيل في العالم، وحصد عشرات الالقاب والجوائز والشهادات؟

بالعودة الى بدايات فاطمة نجد أن لوحاتها الفنية حفلت ببصمات الواقعية الطبيعية، كما وإتسمت بالتركيزعلى اختيار فسحات واسعة على مساحة اللوحة للمنائر والقباب والاشكال الهندسية التراثية والإسلامية،  وكان ذلك نتاجاً موضوعياً  تآلف مع كونها ربيبة المدرسة العبيدية للفن (إن صح التعبير) عندما كانت لاتزال فتاة صغيرة ملازمة لعمها الفنان التشكيلي والنحات الكبير الراحل محمود العبيدي في مرسمه وأفرانه بمدينة كركوك حيث كانت تراقب حركات فرشاته وهو يرسم، وإنتقالات يده وأزميله وهي تحفر وتنحت المجسمات والتماثيل، وتصغي بإنتباه شديد الى ملاحظاته وتعليقاته، فنمت وترعرت في أجواء تلك الورشة الكبيرة، مستوعبة دروس المزج والتناغم الطري بين الاشكال الهندسية والرموز التراثية والدينية، والإنتباه الى تفاصيل الحياة اليومية للناس، والإجتهاد في الفترة اللاحقة لتوسيع رؤواها الفنية عبر محاولاتها المتكررة في جدلية مستمرة لتأكيد إستقلاليتها ونزوعها الذاتي نحو رفض الإنغلاق المحلي والتوق الى المحافل العالمية، وخلق تجربة مميزة ترتقي الى مستوى الفهم لوظيفة الفن التشكيلي المعاصر .

من هذا المنطلق نأت فاطمة بنفسها عن جل ّ ما في تلك البدايات وإنحازت تماما الى التجريد عبر تعميق تجربتها الذاتية وإكتشافها المثير للغة التي عليها إجادتها للولوج الى الميادين الفنية الحديثة، وأدركت ببصيرتها النافذة تأثير وأهمية اللون، فإشتركت مع ما  يصفه جبرا إبراهيم جبرا اللوحة التجريدية الناجحة بأنها مخاض (المزج بين المساحة اللونية وفق نسب موسيقية تتصل بالتناغم العددي والفيثاغوري) .. هذه سمة التجريدية عموماً، ذلك لأن اللون في التجريد يفيض كمد البحر من تلك البؤرة المشعة التي تضفي على بنية اللوحة سحراً، وتترجم الهزة النفسية المعتملة في وعي التشكيلي كما في الموسيقى .  فتمثلت المحطة الفاصلة في مشوارها الفريد إصرارها على طرح فن ٍ يوائم منطق العصر، ويمزق الشرنقة المحلية الخانقة، ويجتهد في إبتداع رؤى لونية جديدة يمتلك قدرة التطويع على التعبير بما يحقق القبول العالمي،  وهذا ما فعلته فاطمة عندما خطت أولى خطواتها نحو العاصمة الأردنية عمان وحسمت خيارها النهائي بالإنضواء تحت خيمة المدرسة التجريدية التي يشكل اللون عمودها الفقري .

143 fatimalobaydi2

في وقت مبكر إلتفتت فاطمة الى المنظور للإيحاء بالأبعاد والفسحات اللامتناهية .. لقد كانت الأشكال في لوحاتها تترابط في هيئة سلسلة موحية بفكرة ما .. لكن كان هناك دائماً فرصة للتفكير في المقاصد اللامرئية لتلك الفكرة التي كانت تعتمل في داخلها  كما في اللوحات التجريدية التعبيرية التي ابتدع أسسها النظرية الفنان الروسي كاندينسكي (الذي أكدت فاطمة في حديث لي معها تأثرها بمدرسته الفنية)، والذي حسم الإتجاه الفكري لمدرسته  في مقولته الشهيرة  "ان اعظم تزوير للحقيقة هو الاعتقاد بان الفنون التشكيلية تقليد دقيق لما تحتويه الطبيعة "،  هذا الإتجاه في التشكيل يبتعد بالرسم عن الأشكال المعروفة و يلتف حول هيكل رئيسي  توليفته الأساسية اللون والخطوط ، ويجعل مضامينها تنساب برشاقة  وبحدة في ذات الوقت، لتحيل اللوحة الى ند ٍ مماثل للموسيقى، بحيث تشي بجو مفعم ٍ بالإنسجام بين الألوان القوية ليشتد التقابل بينها، فتقرع بصيرة المتلقي قبل بصره وكأنها سيمفونية صاخبة تنهمر من السماء بتتابع آخاذ وساحر. وبهذا فإنني استطيع القول بأن لوحة فاطمة العبيدي  هي الأخرى مقطوعة موسيقية جذلة  تشع من الداخل من خلال توظيف التجريد للذهاب الى أقصى مديات التوق وتلخيص الأشكال الهندسية أو النتوءات في حركات الفرشاة العمودية  الى أشبه بمعادلات غامضة تنتهي الى معطيات تثير البهجة والدهشة  في النفس معاً .

وهكذا فحالما إمتلكت فاطمة ناصية أبجديات اللغة الفنية الحديثة، بادرت الى إغراق نفسها في لجج بحر الألوان الصادمة، وإبتكار ألوان جديدة كلياً حتى على استخدامات كبار فناني التجريد، فوظفت إستشرافها الفذ والخلاق لأسرار المزج اللوني وإخضاعه لتطلعاتها البارعة المعتملة في داخلها، وهذا بالضبط يفسر سر إلحاف منظمو المعارض، وتجار اللوحات الفنية المحترفين، والجمهور الفني الواعي  في تلقف لوحاتها التي أبهرتهم  بتركيباتها اللونية غير المعهودة، هذه التركيبات التي استبعدت الفنانة من نسيجها التكويني اللون الأسود تقريبا في إنقلاب مبين على المسحة السوداوية التي تطغي على حياة الناس من حولها في وطن الأوجاع والتمزق .

إذاً  دخل اللون  معمار لوحة فاطمة في أداء فريد ومميز بحيث أعطته تلك القيمة الجمالية الفائقة لتنهل من ذلك الدفق النفسي الناقل للإحساس لتحوز على إنتباه المتلقي ووهج عقله، ليكون اللون وظيفة حياتية ونفسية معقدة إستوعبتها فاطمة بتلقائيتها وعفويتها وحولتها الى موج متدفق بالسخونة والانسيابية  وبالمضمون المشحون بالموحيات، وإرتقت بفنها الى مستوى الرضا المحلي والعربي مما دفع الفنانة الكبيرة وداد الأورفلي الى إطلاق لقب (أميرة الفن التشكيلي العراقي) عليها، وحصد التقدير الدولي من خلال تتويجها (سفيرة للسلام من خلال الفن) الممنوحة لها من قبل الإتحاد الأوربي  EC   لتكون أول فنانة غير أوربية تنال هذا اللقب الرفيع .

143 fatimalobaydi3

في هذا المنحى ربما تبنت فاطمة أسس الفهم السايكولوجي لوظيفة اللون كما طرحه  كاندينسكي الذي إعتقد أن الألوان تمتلك لغتها الذاتية فالأزرق العميق  تثيرالعواطف والأخضر مع القوة الداخلية للإنسان، ويعبر الأحمر عن الحيوية والثقة،  فيما يبدو الأصفر دافئاً ومثيراً، بينما الأبيض ينشر الصمت فيما حوله. ثم ربط كل لون بآلة موسيقية .

إلاّ أنني ارى أن مضامين لوحات  فاطمة بحاجة الى المزيد من التخصص، أي التأكيد على وحدة الموضوع  وعدم التلاشي بين اكثر من سبيل، فالخطوط العمودية  مع شيئ من التدرج الحركي وكذلك الألوان الصافية  تحسم انحيازها الى التجريد الكامل الذي هو بلا شك يشكل رد فعل طبيعي لما يمور في واقع مرير تجتهد هذه الفنانة المفعمة بحب الوطن لتغييره بإصرار .

كما أن من مآخذي الشخصية  على لوحات فاطمة إهمالها إطلاق عناوين ومسميات تعرّف مضامينها،  فالإفتقار الى هذه السمة قد تفقد المتلقي غير المتخصص ميزة إلتقاط أنفاسه وهو يجول ببصره في لوحات مذهلة الألوان مجهولة الهوية .. والعنوان سياق اعتمده جل الفنانين العالميين  ومنهم كاندينسكي نفسه الذي أطلق إسم (المغنية) على أفضل لوحاته .

قد يكون الإرتقاء الى القمم مجهدا وغير مستحيل، لكن الإحتفاظ بها يبقى الهاجس الذي يقلق المبدعين، ومع فاطمة العبيدي فإن إجتياز حالة تكرار التجربة بذات سماتها، والمراوحة على المربع نفسه، والإتكاء على ما أنجز، عوامل تشكل تحدياً حقيقيا ًعليها مجابهته، من خلال العمل بدأب منهك على إبتكار صيغ حية وجديدة تؤمن حسم الموقف لمستقبل فنها الخلاق والمبدع، مستنبطة المزيد من سحر اللون، ومن تحديث تقنياتها، وبعث الروح في قادمات نتاجاتها الفنية، ليبقى سلاحها الماض للإحتفاظ بالقمة، وتحقيق الانبهار في المتلقي، ليتواصل مشوارها الرائع راسخاً ومديدا ً .

 

محمد حسين الداغستاني

 

ali mohamadalyousifما يؤكد حقيقة ان جميع التيارات والمدارس الفنية في الرسم والتصوير، مرت بمرحلة مفصلية بعد اختراع الكاميرا، وانها فقدت الكثير من مبررات استمراريتها على نفس المنهج وذات الاسلوبيات الكلاسيكية التي سادت قرونا طويلة. مثل المدرسة الكلاسيكية والواقعية والانطباعية والرومانسية وغيرها من اساليب الرسم التقليدية التي تسيدّت المشهد التصويري الفني في محاكاتها الطبيعة و رسومات ماعرف سابقا ب(الموديل). وفي توظيف اللون باستئثاره الوظيفة التصويرية لآلة الكاميرا الملونة في انتاج رسومات مطابقة تماما لما هو ماثل للعيان واستقبال الحواس والمدركات العقلية له في الاستجابة وتلبية ذائقة مطبوعة للطبقة الارستقراطية الاوربية الغربية المتنفذة وكذا الطبقة الحاكمة من جهة لقرون طويلة . وبعض من المعروض  في لوحات تلبّي الذائقة الشعبية العامة من جهة اخرى. وبعد بروز وظهور تيارات التحديث التصويرية في مدارس وتيارات التعبيرية والرمزية والسريالية والدادائية وفن التجريد والتكعيبية في مراحلها المتعددة شكلت جميعها خروجا كاملا وتمردا على الموروث الفني السابق السائد احقاب زمنية طويلة من تاريخ الفن.

وكان هذا الخروج يتمظهر في عدة مناحي اسلوبية في الرسم منها الغاء الاستقبال والتلقي الحسي المباشر، واعطاء العقل ميزتي التأمل الحلمي، والخيال الابداعي الفني اللامحدود وغير المقيّد بأية اسلوبية او تقنية جمالية مسبقة. كذلك عطّلت الفاعلية العقلية الواعية ان تكون كما في التيارات الكلاسيكية السابقة التي تجاوزتها في ان يكون الوعي والشعور الحسي يمثلان البؤرة المركزية التقويمية والمعيارية في رفض او قبول اللوحة جماليا.

كذلك ابطلت مدارس التحديث التجريدي في الفن ان تكون الطبيعة هي الملهم الذي تستمد الموضوعات التصويرية من فضائها. معتبرة هذه التيارات التجديدية  الطبيعة واقعا تجسيديا مكتفيا بذاته جماليا. ولا حاجة ولا ضرورة ان يبقى الفنان أسير الطبيعة كألهام وموضوعات في الوقت ذاته. وبذلك انتفت الحاجة عند الفنان من استلهام الطبيعة في موضوعاته التصويرية. وظهرت النظرة التجريدية الجديدة في اعتبارها الطبيعة مكتفية جماليا . وليس حاجة في استنساخها التصويري ومحاكاتها.لأن هذه المحاكاة لا تشكل اية اضافة تحسب للفنان والفن. وان جمال الاشياء والموجودات الطبيعية استهلكت اهميتها الوظيفية كموضوعات جرى نقلها على اللوحة باساليب فنية كلاسيكية. واصبح من المتعذر على الفنان التحديثي الأخذ بها تجريديا عن الطبيعة. فلم تعد الطبيعة منبع الفن الذي ينتجه الفنان وانما اصبحت الطبيعة ملهمة فن التصوير  فوتوغرافياً. وليس ملهمة الفنان في موضوعاته وتوزيع الالوان والنسب جماليا في نمط حديث من الرسم التجريدي.

كما اصبح الالهام الحقيقي في الفن التجريدي الحديث ليس مصدره الطبيعة. بل انكفاء الفنان ذاتيا نفسيا في دواخله الجوانية واستحضاره حالة هي مزيج من التأمل والخيال الحلمي اللاشعوري في تغييب الطبيعة والعقل وتعطيل دورهما في انتاجية العملية الابداعية في اللوحة. ليحل محلها تداعيات اللاوعي والذهان اللاشعوري وغرابة الاسلوب والتناول.

الشيء الاكثر اهمية في التحديث الفني التجريدي تمثل في الجنوح المتطرف نحو التنّكر للوعي ونبذ الشعور الحسي المباشر بالاستعاضة عنه بتداعيات اللاوعي وانثيالات اللاشعور بما تستحضره من جدة وحداثة غير مألوفة واقعيا في اللوحة.وفي تراجع العقل والطبيعة معا – كما ذكرنا سابقا – ان يكونا ملهمي الفنان في اختيار موضوعاته حتى لو كانت تلك المواضيع تمثل تضاريس الجسد الانثوي – الجنسي وما تمثله من اثارة التلقي والاستقبال كما كان يفعل رامبرانت وماتيس ومانيه وغوغان في رسوماتهم وفناني عصر النهضة قاطبة بدءاً من دافنشي و انجلو. في الفن التجريدي اصبح اعتماد المخيال المخصب للابداع او حلم المخيلة التأملية الوجدانية الذاتية واحيانا التصوفية هي في انكفاء فنان التجريد نحو عوالمه الجوانية في ممارسة نوع من اغتراب الذات المبدعة. وترجمة الفنان انفعالاته النفسية والتأملية الحلمية في توزيع عشوائي جديد للالوان والاحجام والكتل والزوايا والخطوط والهيكلية الهندسية المعمارية الفنية على سطح اللوحة. فجاء التجريد الفني التصويري عملا يتسم بالادهاش الغريب والغموض العصي على المتلقي العادي.

ولو استعرضنا سلسلة تطورات التجديد ومراحل التغييرات التحديثية التي طرأت في فن التجريد والتي جاءت بها مدارس وتيارات الرمزية والتعبيرية والسريالية والدادائية واخيرا التكعيبية لدى بيكاسو لوجدناها عديدة منها على سبيل الاستشهاد لا الحصر ان التجريد الغى صفة الجمال الفني ان يكون معيارا حقيقيا مطلوبا في الاستئناس بالعمل الفني. كذلك عمد التجريد الى تحطيم انساق التنظيمات الهيكلية في بناء تقنية اللوحة وتوزيع نسب واحجام الكتل. وكذلك تحرير الالوان من شراك التطابق التكاملي مع ما هو مألوف حقيقي ماثل للعيان وسائد في الطبيعة.واستبدل عن ذلك توزيع الالوان بعشوائية لا ضابط من الواقعية ولا انسجام ينتظمها.

وجاء التجريد في تحرير الفنان ايضا من التزامه في نقل اية فكرة مفهومية منظمة او موضوع غير متشظ من خلال اللوحة. وبهذا وصل التجريد الفني الى الصورة المحضة المتشظيّة، بدلا من ايحائية الموضوع ودلالاته المتماسكة المنظّمة التي تعطي نفسها للمتلقي ببساطة ويسر وسهولة.

واخيرا ان مدارس التحديث التجريدية وتقليعاتها الاسلوبية الغريبة شتّت تعدد اللوحات بتعدد وتباين واختلاف اسلوبية كل فنان على حدة لوحده.

اسلوب اللوحة في الفن التشكيلي التجريدي هو الموضوع تجريديا او بالاحرى اللاموضوع، وتشتيت الفكرة او المفهوم. من هنا ادخلت التجريدية الفن في نفق النخبوية الطاغية ومحدودية المتلقين. وتضخيم ذاتية الفنان وتحرره من كل قيد فني او اي التزام يأتي عن طريق اللوحة الفنية. كان الفن قبل ظهور مدارس وتيارات حداثة التجريد نوعا ما سلعة تداولية استهلاكية متاحة للجميع بالمشاهدة او الاقتناء. اما في تجريد اليوم في الفن فاصبحت اللوحة سلعة صالونات ومشاهدة قلة قليلة من المهتمين بالفن ونقده. واقل منهم من التجار ورواد الصالونات اصحاب فضل تنشيط مزادات بيع وشراء اللوحات.الذين لايفقهون شيئا عن المعيارية والتقييم الجمالي.

بالرغم من انتشار حداثة التجريد التصويرية على نطاق عالمي واسع واتخاذ فنانيها اساليب غاية في الغرابة والادهاش خارج المألوف المعتاد في لوحاتهم ورسوماتهم. يبقى الاسهام الاكبر في وصول الفن التجريدي هذا الانتشار العالمي، الفضل الاول به مثابرة كاندنسكي الالماني الذي اوصل غرابة فضاءات وافاق التجريد الى مراحل متقدمة في التطور التي كانت مرحلة الهندسة في التشكيل الهندسي عند (فازريلي) احدى هذه التطورات الهامة التي فتحت ابواب الاجتهاد والاضافات الاسلوبية الغريبة لعل ابرزها ما انجزه كل من بيكاسو وبراك في ايصال التجريد الى اساليب التكعيبية والوحشية والعودة الى الفن البدائي، وتوظيف الاقنعة الافريقية تحت ذريعة الادهاش الاكبر والبحث عن الحقيقة في ما وراء دلالات وايحاءات تلك الرسومات.هذه الفضاءات التجديدية التجريدية ، جاءت كرد فعل نفسي قوي من الفنان في خداع ومخاتلة الوعي الحسي والعقلي. البعض من دارسي ومؤرخي فن التجريد يعزون انبثاق وظهور التحديث التجريدي كرد فعل عنيف غاضب على ويلات ومخلفات الحروب الكارثية التي عاشتها اوربا في الحربين العالميتين الاولى والثانية وما خلفتاه من تدمير نفسي ضاغط على الانسان.وكذلك تطور التكنلوجيا وما اهدرته في الانسان من قيم عاشها وتوارثها.

الا ان الحقائق في تطور فن التجريد تشير الى انه بدأ منذ عام 1910 بدايات القرن العشرين على يد الالماني كاندنسكي كما مر بنا. وانتقل بعدها من المانيا الى جميع بقاع العالم في روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واسبانيا ودول اخرى. وان اجيال اوربا التي مزقتها نفسيا واقتصاديا الحرب العالمية الثانية 1939-1944 كاد يتلاشى تاثيرها اليوم في ان تكون الحافز الاوفر حظاً في بقاء وتطور فن التجريد طيلة القرن العشرين والى يومنا هذا بعد ان مضى على تلك الحرب سبعون عاما.

بظهور فلسفات وتيارات ادبية وثقافية وفنية وتبلور مفاهيمها الفنية-الفلسفية في القرن العشرين مثل تيار الحداثة وما بعد الحداثة والبنيوية وعلوم اللسانيات والتفكيكية على يد ابرز فلاسفة ومفكري تلك التيارات امثال يوجين هبرماس ورولان بارت وجاك دريدا وليفي شتراوس وجاستون باشلار ودي سوسير والتوسير وغيرهم. وكانت المناداة قوية باهمية المتلقي في عملية الابداع الادبي والفني عموما ورفع شعار سسيولوجيا المعرفة والفضاءات المفتوحة امام المتلقي. كما وضعت تلك الفلسفات والمدارس التحديثية جميع المعارف الانسانية وانجازات العلوم والايدولوجيات القارة والسرديات الكبرى وبضمنها الاداب والفنون تحت طائلة المحاسبة الشديدة والمراجعة النقدية الصارمة في توخي تصحيح جميع المسارات الخاطئة والمنحرفة. واصبح فن التجريد من الفنون التي يطالها الشك في ضرورة المراجعة النقدية الجديدة والقراءة الجديدة في اعتبار كل النصوص المكتوبة او اية فعالية ثقافية او فنية هي نصوص وكتابات وفنون ناقصة غير مكتملة ما لم تضع في اعتبارها مسألة التداول الاستقبالي، وان المتلقي عنصر هام يأتي ضمن وحدة ثنائية النص–القاريء. في تكملة معنى النص ومعنى اللوحة. وهو ما لا تتوفر عليه جميع الفنون المعاصرة في مقدمتها تيارات العبث واللامعقول والوجودية الحديثة وكذلك فنون ما يعد الحداثة منها على وجه التحديد التجريد الفني التصويري حصريا وما يسببه من اغتراب سلبي للانسان.ان فن التجريد التصويري بهذه الفضاءات المفتوحة وضع الانسان في متاهة من الوجود العبثي.

المسألة المهمة الاخرى التي تحاصر بها اليوم الاداب والفنون جميعها امام تطور التكنلوجيا الآلية الذكية التي بامكانها  الغاء الوعي والحس الوجداني العاطفي للانسان. وفي اعتماد هذه التكنلوجيا والهوس اللاشعوري وغياب تداعيات الوعي المنضبط وغياب الموضوع ايضا وانسيابية اسلوب تنفيذ اللوحة من غير ما وجود تقنية منتظمة تنظم توزيع الالوان والخطوط والنسب والاستعاضة عنها بتداعيات اللاشعور والتاملات الحلمية باسترخاء ذهني يغيب الحواس المباشرة والعقل.وبعضهم لجأ الى استخدام   العقاقيروالمخدرات في الوصول لتلك الحالة.  كل هذا يوفر امكانية وقدرة لهذه التكنلوجيا الالكترونية الذكية من كتابة نظم الشعر وكتابة القصة والرواية ورسم اللوحة ايضا.التي تنزاح عنها فعالية الوعي على صعيد وحدة ثنائية الشكل والمضمون لاي منتج ابداعي آلي الكتروني. ويحضر النص او اللوحة المتشظية بلا موضوع حقيقي ولا انسجام تناغمي او تركيز ضابط يحمي تماسك اللغة في النص الادبي المكتوب او تناغم الالوان والنسب والكتل والحيز والخطوط والزواية الهندسية على صعيد منجز رسم اللوحة.

الآن الدراسات والنظريات الحديثة في علوم اللغات الأ لسنية والبنيوية على يد اقطاب فلاسفتها التي عددنا بعضهم يرومون كما قلنا في مراجعة نقدية –تغييرية لجميع الانجازات البشرية والمعارف والعلوم على مدى التاريخ. لكن تبقى الامور في كل الاحوال تحتاج الى جدوى يقينية تأخذ مداها التطبيقي في نشدان التغيير المطلوب ورصد المتحقق وغير المتحقق وجدوى هذه النظريات والمناهج في مساعيها وهل بمستطاعها تقديم ما يفيد ويغني تطلعات الشعوب ومستقبل البشرية ؟

 

علي محمد اليوسف

 

adil merdanإحدى اللوحات، سأسمّيها، لوحة الليل. إذ يؤرخ رسامها، لعالم مدينته المعماريّ المتهالك. الأخضر الغامق العميق، يلائم أجواء الليل. حيث تنام الخرائب، وقد خففت العتمة، من فداحة الأبنية العتيقة، التي تقاوم الزمن. اللون الغامق ينيره أحياناً، الأبيض، والبنفسجي، والبرتقالي، على شكل أبواب، وكوّات، وواجهات أحياناً، للترويح والإنارة، وبعض اللمسات العابرة، باللون نفسه. السماء ملبّدة، فزادها الظلام عتمة. العيون تكتشفُ البيوت الغابرة، بعدما أنهكها، عبث الحروب. ليس للرسام، إلاّ هذه الأرخنة الشاقة، وهي ذاكرة توثيق، مشاعر المعمار المجروح. مدينة مبتلاة، تحاول الخلاص، من رتابة القنوط، والأسى.

***

تبحث العين، في دهاليز المكان، الآيل للسقوط. إذ يفعل الحذف، فعله الرشيق. الاختصار هو الاكتفاء، بواجهة معماريّة، بدلاً من تلاصق، الأبنية المنهوكة. بابٌ مخلّع بالأبيض، أو لونٌ غامق، أعماقه فضاءٌ مكلّلٌ بالسواد. بينما يتجاور، البنيّ الفاتح، والمحمرّ، والأخفُّ حمرةً، مع الأسود.

***

هنا أنساق العتمة، والتكرار. لكنّ الحيطان أكثر شفافية، وكأنّ سكان المكان، أضافوا شرط النشاط الفكريّ، الذي أنعتهُ، بـ(المرح يجابه الفجيعة). حدّة وسطوة، فمحاولة الابتعاد، عن تكرار الأنساق الأولى، ضرورة ملحة. أدقُّ ما يفعلهُ، الفنان (حسن فالح)، في لوحاته الجديدة، هو تشفيف الجدران، والسطوح المعتمة، بخطوط موحية، وأليفة. إنّهُ الأمل، في إعادة ترميم، واستنهاض، ذلك المعمار، بتلك الكوّات الساطعة. كأنّها نافذةٌ، تُطلُّ على عالمٍ آخر. وهي فضاءات مفترضة، لمدينة الحلم.

***

أحياناً تتداخل الجدران، لتذوب منصهرة، في فضاء التجريد التعبيريّ. يختفي كلّ حضور، للعمارة، التي تشخصنت، دون حضور المكين. فما تبقى هو الأثر. مسرحة حاذقة، لألعاب البنية الهندسيّة، وهي معمار المدينة، المتبقي من طرز الشناشيل. واقية الشباك المعتمة، تتكرّر دائماً، في أغلب الأعمال.

***

الأمل، وقد تحدثتُ عنهُ، يطغى على طوبولوجيا، اللوحة ما قبل الأخيرة. لكنّ المضاف هنا، تلك النافورة البيضاء، المرتفعة إلى الأعلى. (قد تكون شجرةً، أو تكوينا متبخراً، أو كائناً خرافيّاً يتسلّق). وتلك النافورة البيضاء، هي واحدة، من ألعاب الخيال، والفنتازيا.

***

أما اللوحة الأخيرة، فأترك أعينكم تتأملها. استنارة باذخة، وهي جوهرة الرسام، في معمار مدينته المؤجّل.

عادل مردان

 

1323 adil

khadom shamhodعندما ظهرت الفنون الحديثة اعلنت شكها في الواقع المرئي وان مظاهر الاشياء لا تعني حقائقها ، ولهذا فقد اخذ الفنانون الحديثون يعلنون تمردهم على فكرة ان يكون الفن او الرسم نسخة تقليدية للواقع ... وعليه يجب انشاء معرفة جديدة لفهم ما خلف كل ما نراه من مظاهر. وتزعم هذا التمرد المدرسة التكعيبية التي ارادت ان تقدم لنا صورة عميقة للاشياء اكثر من الاعمال الفنية الكلاسيكية التي دأبت على تقديم مظاهر الاشياء منذ زمن الاغريق الى ظهور المدرسة الانطباعية عام 1874 فلم يعد المظهر الحقيقي للعالم المرئي ذا اهمية رئيسية فصار الفنان ينشد شيئا ما تحت المظاهر .. وبذلك فقد ظهر تسائل هل ان المدارس الحديثة تعلن شكها في الواقع المعروف الذي نراه ونلمسه؟ او انها تتظاهر بنوع من التأكيد عن وجود علاقة بواقع اخر؟ وهناك شك أخر حيث ان الفنان اصبح غير مطمأن لما تراه العين فهو يفكر برسم ونقل ما يراه من منظر ذو ثلاثة ابعاد الى سطح ذو بعدين، ويعتبر ذلك نوع من الخداع والوهم . ولهذا فقد ظهر تناقض او تصادم بين الواقع المنطقي العقلي وبين عالم الحواس البصري فاحدث نوع من الشك .

الشكية في التاريخ:

1320 khadom1الشكية هي مذهب فلسفي ظهر في اليونان في حدود 360ــ275 ق م ـ في زمن الاسكندر وقد تزعمها بيروو الذي صاحب الاسكندر في رحلته الى الهند وربما تأثر بيروو في الفلسفىة الهندية . وقد تسائل سقراط عن شكه في المعتقدات السائدة في زمنه في ظل وجود اكثر من اله .. وتقول الشكية ان المعرفة الحقيقية في حقل معين هي معرفة غير محققة او مؤكدة . ومن الشكية ظهرت السفسطائية والبيقورية ولعبت دورا كبيرا في تشويه وانحراف الفكر الانساني . وتقول الشكية وان كنا نعرف مظاهر الاشياء فلا نستطيع ان نعرف حقيقتها الباطنية ... ولما كان الشئ الواحد يظهر بمظاهر مختلفة لعدد من الاشخاص فانه من المتعذر ان نعرف الصواب في وجهات النظر .. ولما كنا لا نستطيع التأكد من طبيعة الشئ ولا اصدار الحكم الصائب عليه فان الامر يقتضي الوقف والامتناع عن اي عمل ... طبعا بعض هذه الامور الفكرية الفلسفية في نظر البعض هي سلبية وهروب من الحياة وشقائها الدائم .و التخلي عن مبدأ التحدي والارادة الانسانية في بناء الحضارة الذي نادى به كثير من علماء الاجتماع مثل ارنولد توينبي 1889 .

و يذكر ان ديكارت هو ايضا سلك مسلك الشكية ولكن في طريق اخر من اجل الو صول الى اليقين والحقائق المطلقة كما ان الفيلسوف الغزالي اوجد الشكية كجزء من المدرسة الاشعرية . حيث شك في بعض المعتقدات لدحرها باليقين .. (ان بعض الضن اثم) بمعنى ان هناك بعض أخر من الامور يشك فيها وبالتالي نحن اليوم نعيش ونتخذ احيانا مواقف الشك من بعض الامور الحياتية .. (وما اكثرها)

وقد اشار الجاحظ في موضوع ـ الشك واليقين ـ عن ان الشك يستوجب في حالات معينة كما هو الحال في النفي واكد ان العوام عندهم اليقين والشك عند الخاصة . فالعوام ليس لديهم الا الاقدام على التصديق المجرد او الكذب المجرد . بمعنى ان الجهل اذا استفحل في الناس من السهل ان يصدقو او يكذبوا بينما الطبقة الواعية والمثقفة يسودها الشك للبحث عن اليقين .

ان مرض ثقافتنا اليوم هو التصديق الاعمى فالشك في حقيقته هو التحقق والتسائل عن المرويات والمعتقدات الخرافية التي لا تتناسب مع العقل والفكر الانساني. ان تطور الفكر الانساني اليوم وحالة التجديد والتنوير منحت الانسان حق تفحص كل اليقينات ومراجعة كل الفكر الانساني السابق والحاضر سواء كان علمانيا او فكرا دينيا .

و نتيجة للظروف المأساوية الحالية التي يعيشها الانسان اليوم في بلداننا العربية والاسلامية اصبح الجميع يشك في كل شيئ وقد فقد الثقة، في نوايا وتخطيط الحكومات والبرلمانات والقضاء والامن لعدم الانصاف وتحقيق العدالة الاجتماعية .

المدرسة التكعيبية:

تعتبر المدرسية التكعيبية في مفهومها الفلسفي هي اول مدرسة تعلن شكها في مظاهر الاشياء وقد قدمت لنا جوانب مختلفة لمظاهر المادة غير ان العقل المشاهد هو الذي يبدا باكمال وبناء هذه الاشكال المرسومة اعتمادا على معرفة مسبقة بها . مثلا نجد في لوحة تكعيبية مرسوم قدحا وقيثارة فاذا لم يكن لدينا معرفة مسبقة بهذه الادوات واسمائها لا نستطيع الحكم على معرفتها في اللوحة ... وهذا يذكرنا بنظرية افلاطون الاستذكارية حيث تؤكد ان الحكم على معرفة الاشياء الدنيوية ياتي من معرفة سابقة للنفس عندما كانت تعيش في عالم المثل وبالتالي فهو يؤكد على ان كل ما نراه من مظاهر الاشياء في الواقع هي نسخة لحقائق مطلقة كانت في عالم الغيب ..

و كان كاندنسكي الروسي متدينا مسيحيا ارثودوسكي عندما حط في باريس وجد موجة جديدة من التيارات الفنية المفاهيمية فاصدر كتابا عام 1910 اسماه ـ الروحانيات ـ ثم اخترع المدرسة التجريدية التعبيرية التي اصبحت بعد ذلك احد المراجع العالمية للفنون الحديثة .

 في الرسم يجب على المرأ ان يطلب الايحاء اكثر من الوصف) غوغان / (ما حاولت ان انسخ الطبيعة انما مثلتها) سيزان .

د. كاظم شمهود

 

khadom shamhodيذكر ان الحركة الفنية في البصرة يصعب الكتابة عن تاريخها بسبب ضياع الشواهد وعدم وجود مدونات مكتوبة، ولم نجد غير عدد من الرسوم والصور في ملكية الطبقات الغنية والتجار حيث كانت تزين قصورهم ومؤسساتهم التجارية والثقافية وتمثل مناظر وصور شخصية وطبيعة صامته .. وهو ما ذهب اليه الاستاذ شاكر حسن آل سعيد بعدم وجود وثائق ومصادر تؤرخ تلك الحقبة الماضية للفن العراقي .

1309 khadom1

البدايات:

من المعروف ان البصرة كانت طيلة تاريخها القديم والطويل منارا للعلم والثقافة والادب سجلت فيها حضورا رياديا في تاريخ الادب والشعر العربي ومن المؤكد ان هذا النشاط كان يصاحبه نشاطا فنيا ومعماريا ووجود مزوقين ومصورين ومعماريين محليين واجانب كون المدينة تقع على الخليج وحركة التجارة الضخمة القادمة اليها من شرق آسيا والتي تغذي كل مدن العراق بصنوف التمدن ورقي المعرفة والثقافة . وهو ما اكده المؤرخون العرب على ان البصرة من ارقى مدن العراق بقصورها وتمدنها وترفها وتحضرها قبل انشاء بغداد . بل ان بعض المؤرخين يعدونها احد المدن السومرية القديمة ...

و قد ذكرت كتب المؤرخين عن وجود مزوقين وممثلين ورسامي فكاهه في البصرة .. كما ذكرت عن حركة صناعة الدمى ومسرح خيال الظل والتي وصلت مدوناتها الينا عن طريق كتب المؤرخين وسنذكرها موجزا . ولكن مدونات المصورين والمعماريين غابت واخفيت علينا بسبب اولا ان التحريم من قبل فقهاء الاسلام كان كارثة على فن التصوير بحيث حجب رؤية ومعرفة المصورين الذين كانوا يخشون ظهور اعمالهم لكراهية الناس لها .. ثانيا ان تطور الحضارة في هذه البلاد وكونها مركزا لها قد اثار البغضاء والحقد والحسد على رموزها العلمية والثقافية والادبية والفنية لهذا حاولوا بكل طاقاتهم من مسح تاريخهم من الوجود .. واما تاريخ صناعة الدمى فقد كان قديما ظهر في بلاد سومر ووجدت آثارها في الحفريات الحديثة في مواقع كثيرة من مناطق الجنوب وهي مصنوعة من الطين . وفي سنة 680 ايام بني العباس ظهرت الدمى المتحركة مصنوعة من الورق والجلد ويقوم بتحريكها اشخاص من وراء الستار يتكلمون بدلا عنها وانتشرت في مدن العراق وكانت مواضيعها على الاغلب عاشورا والآلام الشعبية .. ونجد في كتاب الدمى المتحركة عند العرب لسعيد الخادم، قصصا وروايات تتحدث عن تاريخ مسرح الظل او العرائس .. كما يذكر ان اهم من كتب عن هذا الموضوع هو محمد بن دانيال الموصلي عام 1248 . وقد ذكرنا في مواقع كثيرة عن جود رسام كاريكاتيري ومصور ومزوق اسمه احمد الخراط البصري ظهر في البصرة في النصف الثاني الهجري (الثامن م) سبق الفنانين الاوربيين في وعيه الفني واسلوبه الكاريكاتيري بعدة قرون . ومن حسن الحظ ان هذا الرسام ذكر في كتب الادب في قصة جمعته مع الشاعر المعروف بشار بن برد ..

و كانت مقامات الحريري 1237 م التي ظهرت في البصرة من قبل محمد القاسم الحريري قد امتازت بفن راقي من فنون اللغة والسجع والابداع . وكانت تتصف قصصها بالفكاهة والحيل وبديع الالفاظ . وقد تسابق الرسامون على تزويق هذا الكتاب لشهرته وجمال لغته . منهم المصور الواسطي .. كل هذه المشاهد الثقافية والفنية تؤشر لنا عن وجود حركة فنية تشكيلية ومعمارية نشطة في البصرة سبقت مدن العراق، مثلها مثل الادب واللغة والشعر . ولكن مع الاسف ضاعت او سرقت او احرقت المدونات والمخطوطات التي تؤرخ تلك الحقبة .علما ان ثورة العبيد في زمن العباسيين احرقت البصرة وحولتها الى ركام .

1309 khadom2

قصور البصرة:

وقد ذكر المؤرخ ابو الحسن البلاذري عددا من قصور البصرة مثل، القصر الابيض، قصر المسرين، قصر آوس، قصر عيسى بن جعفر، القصر الاحمر، قصر النعمان، قصر انس بن مالك وذكره الجاحظ وياقوت في معجم البلدان وغيرها . ويذكر انه لا يعرف شيئا عن تخطيط القصور القديمة ونظامها وكانت تمتاز بسقوفها البديعة المصنوعة من الخشب وبالنقوش المذهبة (اي الرسوم) بينما كانت واجهاتها تزدان بالمشربيات (الشناشيل) . كما لا يعرف عن اسماء المعماريين او النقاشيين الذين ساهموا في تزويقها وتشييدها. والمعروف ان المعماريين في تاريخ حضارتنا هم ايضا رسامين ومزوقين .. وقد ظهر ابو الحسن الملاذري في زمن الخليفة العباسي المأمون . وهو مؤرخ وراوية ونساب وشاعر .

ويذكر الاستاذ احسان وفيق السامرائي من ان بلاط السريدار خزعل خان امير المحمرة 1861 – 1936 تم فيه استظافة الفنان اللبناني –قيصر الجميل –ليرسم له ولابناءه مجموعة من الصور الشخصية ولازالت اللوحات عند الورثة. كما يذكر ان قصر الباشا طالب النقيب كانت مزينة جدرانه بالصور وان الرسامين كانوا اتراك وعرب . وايضا ضم قصر السيد عبد اللطيف آغا جعفر روائع الفن الفارسي وخمريات عمر الخيام، وعددا كبيرا من المجسمات والرسوم المنفذه بالحبر والفحم . يضاف الى ذلك عمارة القصر الرائعة وشناشيله . كل هذه الاعمال نفذت في نهاية القرن التاسع عشر . ويذكر ان هناك 30 باشا في البصرة يمثلون النسيج البرجوازي، هؤلاء عملوا على اتباع الاساليب الحديثة كما شاهدوها في ايران وتركيا وكلفوا مجاميع من الفنانين على تزيين قصورهم ورسم رجالاتهم . ولكن مع الاسف لم تكن هناك وسائل اعلام ونقاد لتوثيق وتدوين هذه المصورات والزخارف مما يشعرنا بان هناك عدم الاهتمام بالفن وتوثيقه وربما بسبب التحريم او الكراهية له من فقهاء الاسلام ..

1309 khadom3

الرسامون الاوائل:

 وذكر احسان وفيق عن وجود فنان يدعى فاضل محمود عوض عرض اعماله في سوق عكاظ وكذلك شارك في المعرض التشكيلي في بغداد عام 1924. والفنانة شيرين مراد السلامي حيث ولدت في البصرة عام 1905 وعملت اول معرض لها عام 1933 في البصرة، وكانت مواضيع اعمالها تعبر عن حياة المجتمع البصري بتقاليده وقصوره ذات الشناشيل الخشبيه الساحرة واهله بازيائهم الشعبية التقليدية واحيائها وازقتها العتيقة، وقد نفذت باسلوب واقعي اوربي ... وقد ذكرناها في المقامة السابقة .

و يذكر الفنان سليم البصري 1939 وهو احد رواد الفن البصري بان الحركة التشكيلية في البصرة بدأت بين اعوام 1925 و1955 على يد عدد من الفنانين البصريين امثال هادي البنك وسليم ايلياس، كما ذكر الفنان محمد راضي 1934 ان هناك عدد آخر من الفنانين يعتبرون من رواد البصرة وهم عبد الباقي النائب وعبد الرزاق الصانع وعبد الرزاق العايش وقد درس بعض هؤلاء على يد رواد الفن العراقي امثال فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي .. ولكن مع الاسف ليس عندنا هناك معلومات كافية عن هؤلاء الرواد البصريين .

وتشكلت جماعتين للفن في البصرة في عام 1969 هما جماعة الظل وجماعة المثلث والاولى كانت تتكون من الفنانين سلمان البصري، شاكر احمد، عبد الله شاكر، علي طالب، محمد الزبيدي، ومؤيد عبد الصمد . والجماعة الثانية هي جماعة المثلث وتتكون من محمد راضي وفاروق حسن وعجيل مزهر .. وقد ذكر شاكر حسن هاتين الجماعتين في كتابه (فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق ..الجزء الثاني ص -117 -119-1983) واشار الى ان الفنانين البصريين اخذ يتبلور في وعيهم الفكر الفني في مدينة كانت لها المساهمة الكبرى في تطور الحضارة في العصر الاسلامي . وذكر شاكر بان الفنانين البصريين اكثر وعيا من غيرهم في مرحلة السبعينات (ويبدو ان احتدام الفكر السبعيني في العراق كان يبدأ بالبصرة من مواقع اكثر انهماكا بالوعي العالمي منه في بغداد ..) (والواقع ان ظهور البحث في مجل التقنية الملمسية بدأ لدى فنانين بصريين بالاساس اكثر استغراقا منه من فناني بقية انحاء القطر العراقي ومن ذلك بحوث محمد مهر الدين وعجيل مزهر وفاروق حسن..)

ثم ظهر عدد آخر من الفنانين الشباب في فترة التسعينات ولكن كان محبطا نفسيا وماديا وفنيا بعد ما خرج العراق من حربين مدمرتين ثم حصار دام عشرة سنوات ابتداءا من 1991 حتى سقوط النظام عام 2003 مما ادى الى هروب اكثر الفنانين والمثقفين الى الخارج .. وقد شاهدت اعمال الفنانين العراقيين الرواد ايام الحصار تباع في الاردن وسوريا بارخص الاثمان مثلا بمائة دولار لللوحة الواحدة بل ان احد الرواد وهو محمد علي شاكر التقيته في الاردن اخبرني انه باع معرضه الكرافيك كاملا بالف دولاار؟؟؟

 

د. كاظم شمهود

 

ماذا لوصارت المدينة ملاذا للحلم والقول بالدواخل وهي تلهج بالصور التي هي بمثابة التفاصيل ..نعم المدينة كون حلم ودهشة وتفاصيل حيث الفنان يصغي للايقاع الذي يحب بكثير من شهقات اللون والموسيقى الذافئة..

مرة أخرى يشير الفنان محمد المالكي في عمله الذي أنجزه حديثا الى هيامه بالمدينة التي جعل لها غمامة حلم ملونة هي قوس قزح لينعم الأطفال بالنشيد وبالغناء.. وفي هذا الحربصيف تونس لم يقطع الفنان صلته بالتلوين فبعد الأعمال كبيرة الأحجام منها سيدي بوسعيد... وغيرها ..يأتي عمل المدينة بقوس قزح في جمالية عرف بها في لوحاته وبتقنية مزدوجة يمنح الناظر شيئا من المجال ليرى ما تقترحه الألوان من ممكنات الحلم في مدينة لا يمكن الا أن يسعد الكائن فيها .. هي تونس أغنية القلب..عمل جميل فيه فسحة مريحة من بستان اللون ومتعة وسحر بعيدا عن تعقيد الراهن وضجيجه وقولا بالعميق والأجمل في الحلم الجغرافي لتونس..نظرة مالكية نسبة للفنان المالكي ..تجاه الأنا الموزعة في جغرافيا الحنين..فنان ولون وجغرافيا بحجم الروح..

141 mohamadalmalki

وفي سياق مواصلة التجربة التشكيلية والفنية سبق للفنان المالكي تقديم العديد لوحاته في معارض مختلفة فردية وجماعية بمواضبع وثيمات شتى بشأن التّراث والطّبيعة والمجتمع وخصائص تونسية من خلال تاريخها وتراثها ومناسباتها وتقاليدها.. الى جانب أعمال فنية جديدة مثلت طورا آخر من تجربة المالكي منها لوحات «عرس في سيدي بوسعيد» و«تسونامي» و«عين دراهم» و«سيدي بوسعيد المدينة الزرقاء» و«الطبال والزكار والكرسي» و«العاصفة».. وغيرها.

وهذه الأعمال الجديدة مثلت تجربة مغايرة في مسار أعمال المالكي من حيث الروح التجريدية والمتعة البصرية للعمل من قبل المتلقي والمسحة الجمالية للعمل على غرار «تسونامي» و«سيدي بوسعيد..».

وهنا نكتشف الممكنات الجمالية الجديدة للمالكي كفنان اهتم بتيمات التراث والخصوصية التونسية والجانب التقليدي في مظاهر الحياة التونسية.. اذن مجال جديد متجدد عند الفنّان محمد المالكي الذي انطلقت تجربته منذ حوالي 35 سنة.. ويعد الرسّام محمد المالكي من أصحاب التجارب المميزة في المشهد التشكيلي التونسي عبر عمله الأصيل وبلوحاته التي تذهب في تفاصيل الحياة التونسية بجمالية بينة..

كيف يمكن للفكرة أن تنحت لونها المتشظي في الألوان.. وهل يمكن للكينونة البوح بمعادن أحوالها دون نشيد.. ثم كيف للذات الحالمة أن تنتشي بدواخلها لتصير اللوحة حالة من ترجمان المعاني الكامنة...

هكذا تكون الرحلة حيّزا من عذابات السؤال الفني والجمالي بحثا عن خصوصية ما.. وهكذا أيضا تجتمع الأسئلة ضمن صياغة متأنية للسؤال الكبير وهو سؤال الهوية الفنية..من هنا تأخذنا الرغبة طوعا وكرها الى عوالم فنان تقصد الرسم كعنوان قادم من العلاقة الأولى بين الأنامل والجلود ضمن مسار سنوات مع الحرفة.. والحرفة هنا كانت التعلة والمجال المحيل على التعاطي مع الألوان لتكون اللوحة بالنهاية مجالا أوسع للقول ببلاغة الحرف في حياة الناس.. الناس الذين يستبطنون ضربا من الحنين تجاه الجمال المعتق في تنويعاته ومظاهره.. هذا الذي ينسبه البعض الى.. بل يسميه التراث.

محمد المالكي هذا الفنان الذي جاء من مدن الشمال التونسي وتمرس بالحرف وسافر ضمنها مبكرا الى فرنسا وايطاليا واسبانيا حيث التربصات وامتلاك الخبرات.. في التصاميم والنماذج والديكور... الى جانب فنون الموضة.. قاده هذا النهج منذ السبعينات الى واحة اللوحة وظلال الألوان فغدا شابا عاشقا لفنون التشكيل وعوالم الألوان..

بإحساسه المرهف تجاه الأرض وألوانها الملائمة تخير الفنان محمد المالكي ضربا من العلاقة الحميمة معها في تنويع تشكيلي ينهل من التراث باعتباره كونا من الخصوصية والملامح والتواريخ..في هذا المعرض تبرز أعمال الفنان محمد المالكي بمراوحاتها الجمالية التي تقول بالتراث والخصوصية المحلية من حيث اللباس والحلي والخلال والعلامات الدالة في المنسوجات والأعمال الجديدة التي تحدثنا عنها وكلها تجمع بين توق الفنان الى الاصداح بحيز من المخزون كمحصلة وجدانية وثقافية واحداث المتعة الفنية البصرية لدى المتقبل المتجول في تفاصيل اللوحات الذي يجد اشياء من أرضه وبالأحرى بلده تونس..تتعدد اللوحات لتذهب الى ذات العنوان وهوالوجدان التونسي.. ان محمد المالكي بهذا المعرض يبرز مكانة التراث والسعي للتجدد والبحث عن التفاعلات الجمالية الجديدة مع اللوحة والمتلقي في تجربته التي يقول عنها «...هي ثمرة هذا السفر الذي قادني الى الينابيع.. الى ذاتي ومن ذلك هذه الافادة الكبيرة من الخبرات الفنية التي جعلتني أنتبه للفن ودوره الاجتماعي والثقافي.. لوحات بتقنيات مزدوجة تبرز جانبا مهما من مسيرة فنان عانق اللون وسافر مبكرا بحثا عن القيمة.. والكيان.. والفن ..

 

شمس الدين العوني

 

 

140 saadali1يمكن لأي متلقّي أن يستمتع بلوحة الفنان التشكيلي سعد علي، ولكنه لن يستطيع تفكيكها، وفهم تفاصيلها الدقيقة ما لم يعُد إلى بعض المرجعيات المُؤسِسة لنسيج عمله الفنيّ مهما كان صغيرًا أو متوسِطًا، أو كبير الحجم. ولعل أبرز المرجعيات في تجربة سعد علي الفنية هي الرسم التشخيصي Figurative Drawing  المتلاقح بعمقٍ كبير مع تجربة الفنان الإيطالي أميديّو مودلياني، صاحب البصمة المميّزة التي لا ينساها أي مُتلقّي يُشاهد أعماله ولو لمرة واحدة، وهذه البصمة هي الوجوه والأعناق المستطيلة Elongated التي ألهمت سعد علي فعمّمها على كل أعضاء الجسد البشري وخاصة الأعين، وأصابع اليدين والقدمين، بل أنه مطّ الجذع ومعّجهُ حتى ليخاله الناظر خلوًّا من العظام. أما المرجعية الثانية فهي تراثية تُعيد المُشاهد إلى "ألف ليلة وليلة" بأجوائها الحُلُمية، ومناخاتها العجائبية التي يستدعيها الفنان من ذاكرته البَصَرية تارة، وخياله السمعي تارة أخرى ويجسِّدها في مشاريعه الفنية، وهذه ميزة ثالثة يتصف بها سعد علي، فهو لا يتنقّل من ثيمة إلى أخرى، وإنما يعمل لسنوات طوالا على بضعة مشاريع، فمذ عرفته في أواسط التسعينات من القرن الماضي وحتى الآن وهو منهمك بمشروعين كبيرين لا ثالث لهما وهما "صندوق الدنيا" الملئ بالمفاجآت والعجائب، و "أبواب الفرج والمحبة" التي يُطلّ من خلالها على فردوسه المُتخيّل، أو الجنّة الذاتية التي صنعها بنفسه، وأثّثها على مدى أربعة عقود أو يزيد. فسعد كان فنانًا مُنتجاً في الديوانية وفي بغداد قبل أن ينتقل إلى فلورنسا وبيروجا الإيطاليتين وينهل من معينهما الفني العديد من التقنيات الحديثة التي كانت تستجيب لرؤيته الفنية التي أخذت تتسع وتتشذّب يومًا بعد يوم. أفاد سعد علي من تنقلاته العديدة من بلد إلى آخر فقد عاش على مدى أربعة عقود وبضع سنوات في أربعة بلدان أوروبية وهي إيطاليا، هولندا، فرنسا وأسبانيا، بل أنه كان يتنقل من مدينة إلى أخرى في البلد الواحد الذي يقيم فيه عشر سنوات في أقل تقدير.

يبدو أن الفنان سعد علي قد وجد ضالته في مدينة فالنسيا الأسبانية وأحبّها فأقام فيها العديد من المعارض الشخصية والمشتركة وكان آخرها معرضه الشخصي الذي يحمل عنوان "النفس الطيبة" في مدينة ركينا Requena للفترة من 3 يونيو ولغاية الأول من يوليو القادم قبل أن ينتقل إلى فالنسيا. وقد ضمّ هذا المعرض 34 لوحة متوسطة وكبيرة الحجم مُنفّذة بوسائط مختلفة على الكانفاس والورق.

يتشظى مشروع "أبواب الفرج والمحبة" إلى ثيمات كثيرة لا تُستنفَد لعل أبرزها الحُب، والدَعّة، والسكينة، والألفة، ورغد العيش وما إلى ذلك. وثمة تقنية آسرة يستعين بها سعد علي لإغراء متلقّيه وكأنه يتسلل إلى فردوسه في عَتَمة الليل ويفتح باب المحبة خُلسة ليدعنا نرى من خلال عينيه المدهوشتين لقطاتٍ ومَشاهِدَ حميمة لا يراها الإنسان إلاّ في لحظات الوجد والتجلي والنشوة العاطفية التي ترتعش لها خلايا البدن مجتمعة  كما في لوحة "حبيبتي" التي اخترناها لأن سعد علي استعمل فيها تقنية الاستطالة المُشار إليها سلفًا في العين والأنف وأصابع اليدين، كما أن "الحبيبة" في هذه اللقطة المُقرّبة تبدو رقيقةً، مُرهَفة وفي منتهى اللذة. لا تقتصر حميمية المرأة على الرجل في لوحات سعد علي وإنما تمتد إلى غالبية الحيوانات الأليفة والشرسة في بعض الأحيان وكأنه يشير من طرفٍ غير خفي بأن المرأة قادرة حتى على ترويض الحيوانات غير المدجَّنة كالأسود والنمور والطيور الجارحة. وبما أن اللقطات والمَشاهِد فرودسية فلاغرابة أن يكتظ بعض اللوحات بالفواكة المُغرية والثمار الناضجة التي لا تخفى دلالتها الرمزية على المتلقي الحصيف الذي يتوفر على رصيد بصري جيّد يؤهله لاستكناه معنى العمل الفني، والاستمتاع بلذته الجمالية.

140 saadali2

تتكرّر شخصية "حبيبتي" نفسها في لوحة "الفردوس المُنتظَر" وفي بعض اللوحات الأخر التي تتحد فيها الحبيبة بعناصر الطبيعة من أزهار فوّاحة، وشجيرات نضرة، وفواكه لذيذة. وكما يبدو فإنّ الحُب الرومانسي هو عالم سعد علي المفضّل، وإذا أراد أن ينحرف عنه قليلاً فإن المشاعر والهواجس الداخلية هي التي تتلقفهُ كما في لوحة "أحاسيس وتردّد" التي تستدعي المُشاهِد لأن يغوص في أعماق هذه المعشوقة الآسرة الجمال التي تختبر مشاعرها على المحكّ العاطفي.

140 saadali3

تشتبك الحبيبة والمحبوب في غالبية الأعمال الفنية لسعد علي بلحظات مُبهِجة ودافئة وسعيدة ولعل المرأة هي المُهيمنة على المشهد العاطفي كما في اللوحات الثلاث الآتية "اللقاء الأزلي" حيث تحمل المعشوقة قلبها الأحمر بين أصابعها الرَخصة الليّنة، و"اللقاء الأزلي" الذي تدنو فيه المرأة من الرجل وكأنها هي المُبادرة التي تمسك بزمام الأمور.

140 saadali4

أما اللوحة الثالثة فهي "نظرة الجمال" التي يبدو فيها الرجل مُنكفئًا، ومُنصرفًا إلى عالمه الداخلي بينما تنهمك المرأة في مداعبته بغية انتشاله من حيرته وشروده المؤقت.

إذا أراد المُشاهد أن يرى الأجواء العائلية فعليه أن يبحث عنها في لوحات سعد علي لأن معارضه لا تخلو  من الثيمات الأسَريّة التي تعكس العلاقات الحميمة بين أفراد العائلة الواحدة من جهة، وبين الحيوانات الأليفة التي تكسر رتابة الحياة اليومية من جهة أخرى. وبما أن ثيمة المعرض تتحدث عن "النفس الطيبة" فلابد أن تتسيّد صور الفواكه وهي تتوسط الأحبّة كأشكال حيّة ناطقة تشارك الآخرين حبورهم وبهجتهم المُفرطة، ولم يصوّرها الفنان كطبيعة صامتة Still life أو كمفردات تشكيلية جامدة لا تسرّ الناظرين.

140 saadali5

 تتشذّب تقنيات سعد علي وتزداد خطوطه رهافة كلما تقدّم به السن، ويكفي أن نلفت عناية القارئ الكريم إلى بضع لوحات عنونها بـ "أبيض وأسود" وهي تكشف عن المناحي الجمالية المخبأة في الجسد الأنثوي تحديدًا، ناهيك عن الثيمات التي تتمحور على فكرة البحث عن شيء ضائع، وقد تداخلت بعض الأشكال البشرية بالحيوانية وكأنه يريد القول بأن بعض الحيوانات ينطوي على إنسانية من نوع ما، ولعل العكس صحيح أيضًا.

يُعنى سعد علي بالأشكال والمضامين في آنٍ معًا وحجتهُ في ذلك أن القصص التي يرويها، وهي في أعمّها الأغلب، سيرة ذاتية له تتكئ على ثيمات سردية يتآزر في المعنى والمبنى من دون إهمال للتقنيات التي تعلّمها من المدارس والتيارات الأوروبية في أثناء دراسته في إيطاليا، ثم بدأ بتطوير خبرته البصرية من خلال ارتياد المعارض والمتاحف، وقراءة الكتب لبعض الفنانين الذين أحبّ أساليبهم وتجاربهم ورؤاهم الفنية. ويجب ألا يغرب عن بال المتابعين أن الفنان سعد علي قد احتضنته كبرى المؤسسات الفنية الأوروبية مثل "كوبرا" الهولندية، و "إيرك براون" البرتغالية، ومؤسسة "فيرا آرت" للفنون العالمية. وكان غاليري "الصالون الأحمر" بأمستردام يحتفي بمعارض سعد علي الفنية، وهو ذات المكان الذي كان يعرض فيه الفنان الهولندي الشهير كارل أبل، أحد أبرز المؤسسين لجماعة "كوبرا" الفنية الطليعية.

ثمة إصرار واضح من قِبل الفنان سعد علي على تمجيد الحُب، واستحضار البهجة في أعماله الفنية التي يستوحيها من فردوسه الخاص، وأحلامه المتدفقة مثل ينبوع لا ينضب. وقد أثبت  هذا الفنان الدؤوب بأنه  لا يمل من ثلاثة أشياء وهي الانقطاع للرسم، والوقوع في الحُب، والاستغراق في الحُلم.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhodمن الكتب المعتبرة التي تتحدث عن الفن التشكيلي العراقي هو كتاب – فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق –(جزئين 1983) للاستاذ شاكر حسن آل سعيد. والكتاب من الكتب المهمة لحد الآن بمادته ومصادرة التوثيقية .. ومن الاشياء الجديدة في هذا الكتاب هو تحقيقه التأريخي والنقدي عن مرحلة الفنون التشكيلية في زمن الدولة العثمانية وحالة نمو الوعي الفني عند طبقة المثقفين اواخر القرن التاسع عشر . ولم يستغرق هذا البحث غير الفصل الاول الذي يربوا على 35 صفحة اما بقية صفحات الكتاب والتي يصل عددها الى اكثر من 450 صفحة فهي عبارة عن تكرار لما نشره الكتاب والنقاد العراقيين عن تاريخ الفن العراقي منذ مطلع القرن العشرين حتى مرحلة الستينات والسبعينات ... وقد كلفته وزارة الثقافة والاعلام في زمن النظام السابق بتأليف هذا الكتاب ولهذا نجد الحس القومي والدعوة الى الفن العربي والمدرسة العربية والتمجيد بمعارض الحزب تجري في كثير من سطوره .. ؟؟؟

البدايات:

يذكر شاكر حسن ان الفن الاسلامي في العراق في زمن العثمانيين مر بمرحلتين: 1 / المرحلة الاولى هي مرحلة رسم المنمنمات باسلوب التحوير اي تحوير الاشكال وزخرفتها كما هو في حاصل في مدرسة بغداد. 2 / والمرحلة الثانية هي مرحلة التشخيص والتوضيح ورسم التفاصيل وبدأ هذه التطور بالمدرسة الهندية ثم الصفوية في زمن الشاه عباس عام 1587 م (وفي رأي آخر وجدت ان المرسة الهندية خرجت من المدرسة الايرانية) ثم ظهر في المدرسة التركية . وفي هذه المرحلة بدأ برسم البعد الثالث الذي كان غير موجودا في رسوم المرحلة السابقة، كما اصبح الفن الاسلامي في هذه المرحلة يقترب من الفن الاوربي شيئا فشيئا. خاصة بعد فتح القسطنطينية 1453 م وتغلغل الدولة العثمانية في عمق اوربا واحتلالها لبعض الدول، ولهذا بدأت تاثيرات الفنون الاوربية تغزوا الدولة العثمانية والدول العربية الخاضعة لها خاصة وان بعض السلاطين استقدموا رسامين من ايطاليا للعمل في البلاط . وبذلك تحرر الرسم نوعا ما من قيود التقاليد الموروثة القديمة. وقد خلقت الواقعية والرومانسية الاوربية مناخا جديدا في العالم الاسلامي ادت الى تفتت القيم الجمالية والفكر الفني الاسلامي امامها .

المصادر الاولية:

و اشار شاكر الى ذكر مصدرين مهمين لهذا التطور في زمن العثمانيين هما:

1296 khadom1

1 / مخطوط –دلائل الخيرات (وهو عبارة عن مجموعة من الادعية والتوسل بخاتم الانبياء محمد –ص) – من عمل الخطاط حافظ علي بن محمد ويحتوي هذا المخطوط على عدد من الرسوم التي يظهر فيها البعد الثالث، وتمثل مكة والحرم والمدينة المنورة والجبال المحيطة بها وهي مرسومة ومنفذة بالمائيات، ويظهر في هذه الرسوم صفة المحاكات والرمزية والاشكال الاصطلاحية والالوان الذهبية ومنظور الطائر ... وتعد هذه المخطوطة نسخة مزخرفة عن الكتاب الاصلي الذي الفه محمد سلمان الجزولي الصوفي المغربي المتوفي سنة 1465 م

1296 khadom2

2 / كتاب علم الجفر –مخطوط- وينسب الى الامام علي –ع- وفيه اكثر من عشرين صورة مصغرة بقياس 30 في 80 ملم و75 في 68 ملم وهي غير متقنة وفيها تأثيرات هندية وصفوية وتركية وهي ذات طراز تقليدي .. و- الجفر -هو جلد الشاة الصغير وقد كتبت عليه علوم الحروف والرموز التي تنبئ باسرار الكون والغيبيات . ويعتقد ان تزويق المخطوط ونسخه جاء متأخرا...

كذلك يذكر شاكر ظاهرة رسوم الجداريات التي كان لها شأن في العراق اواخر العصر العثماني وان تقاليدها كانت منتشرة في ايران وتركية وهي ذات طابع فطري. كما يعتقد ان العثمانيين وجدوها في اوربا وهي اعمال بويهيمية غير متقنة ولا تنم عن وعي فني، ثم نقلوها الى امبراطوريتهم. ومن المعروف ان رسوم الجداريات عرفتها حضارة وادي الرافدين وفي قصور الآشوريين وفي مصر .. وعثر في مدينة ماري في سوريا على رسوم جدارية تعود الى القرن الثامن عشر قبل الميلاد واخرى وجدت في آثار عقرقوف في العراق وتعود الى القرن الرابع عشر ميلادي . ولا زال هذا اللون من الرسم الشعبي يمارس في كثير من المناطق الشعبية وحتى على جدران المدارس . وايضا انتشرت في زمن العثمانيين رسوم ما تحت الزجاج،و هو فن شعبي منها ما كان يدخل في صناعة الآثاث الخشبية وفن العمارة ولحد قريب كانت هذه المهنة منتشرة في العراق وكان لها دورا كبيرا في خلق الوعي الفني . وبالتالي اصبحت واسطة بين رسوم المنمنات والرسم الاوربي .. كل هذه المعطيات كانت الممهدة الاولى لظهور طبقة من المثقفين والفنانين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . .

1296 khadom3

 وذكر شاكر فنانا صوفيا وحيدا ظهر اواخر القرن التاسع عشر ربما عام 1835 وهو نيازي مولوي بغدادي واعتبره كحلقة وصل بين فن المنمنمات والفن الاوربي، وقد ذكرنا ذلك في المقامة السابقة ثم ظهر من بعده مجموعة من الضباط كانوا في الجيش العثماني وفي مقدمتهم عبد القادر الرسام حيث مارسوا الرسم كهواية ولكن باسلوب اوربي . ويعتبر هؤلاء هم مؤسسي الفن التشكيلي العراقي الحديث .. وهم خليط من الاتراك والعرب مثل : عثمان بك - ناطق بك – عزت بك- عبد القادر الرسام - الحاج محمد سليم علي الموصلي – حسن سامي والد الفنان عطا صبري – محمد صالح زكي –عاصم حافظ – ناصر عوني- فتحي صفوة – شوكت سليمان الخفاف وغيرهم من الرسامين الهواة . وقد تتلمذ بعض الرواد على ايديهم ... اما قبل هذه الفترة فلم يعثر على اي مصدر يتحدث عن الفن التشكيلي العراقي ..

و تشير بعض المعلومات الى ان المستشارة الثقافية - المس بيل- في زمن الملك فيصل الاول في عام 1922 قد زارت بعض النشاطات الفنية والصناعية برفقة- الباشا نوري سعيد .حسب ما جاء في مذكراتها ...كما تشير كذلك عن زيارة الملك الى بعض المعارض الفنية وان هناك رسامين لهم اعمال مميزة وبارزة .... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لاتذكر اسماء هؤلاء في تاريخ الفن العراقي ؟؟؟. ولماذا انحصرت حركة الفن العراقي الحديث في جماعة اصدقاء الفن التي اسست عام 1941 ؟؟؟ وبالتالي فقد غبن وظلم مئات الفنانين واساتذة الرسم في الحقب الماضية ولم يذكر عنهم شيئا؟؟

نظر:

يبدو ان الطائفية والمحسوبية والحزبية كانت تمارس منذ ذلك الوقت البعيد بشكل ناعم غير مرئي

بينما نجدها اليوم علنية وافتخارية، وهي التي سببت الدمار للعراق حيث مزقت نسيجه الاجتماعي والحضاري ... وقد ذكرنا سابقا عن ظهور طبقة مثقفة من ابناء الاعيان والباشوات والمقربين من السلطة هؤلاء هم الذين شكلوا التيار (الثقافي والفني) وحضوا بالامتيازات الخاصة من بعثات الى الخارج والرتب العالية في الجيش والسياسة، وكانوا مدعومبن من ساطع الحصري 1879- 1968 الذي شغل مدير الآثار العامة في بغداد والذي يعتبر مؤسس الفكر القومي في العراق وكان عضوا في جمعية الاتحاد والترقي في التركية .. وقد توجه الاعلام والمؤرخون وكتاب النقد الى هؤلاء الشلة او الجماعة المنتخبة من الابناء اطراءا وتمجيدا . وعندما جاء النظام البعثي اعادة الاعتبار الى هؤلاء وجند الاقلام واشتراها وطبع الكتب بسخاء وافراط عن الرواد بحيث اصبحنا لا نرى احدا غيرهم ؟؟؟ . وهذه بحق كارثة كبرى على تاريخ ومسيرة الفن العراقي، اولا ان يختزل تاريخه العظيم بهذه المجموعة الصغيرة التي يصل عددها الى حوالي اكثر من 15 رساما، ثانيا ان يجند كل النقاد والمؤرخين عن الكتابة عنهم . وبالتالي اصبحت الكتابة فقيرة فارغة تفتقد للرؤية الموضوعية واصبح الاطنان في الانشائية والتحليلية نوع من السفسطة ويشم من خلالها رائحة الشخصية المزدوجة والمنافقة المجة. شخصية حبست نفسها صامته امام جرائم ومذابح واستبدادية النظام السابق وباعت اقلامها مقابل حفنة من الاموال . وانا لا اتردد من ذكر بعض اسماء الكتاب والنقاد الذين سيطروا على الساحة الفنية في العراق منذ الاربعينات الى سقوط النظام عام 2003 (وهم كثيرون ومعروفون لازالوا يملكون صناعة الحرفة ببراعة) . ومنهم شاكر حسن آل سعيد وغيره ... وبالتالي علينا مراجعة التاريخ وتصحيح مساره ضمن منهجية جديدة تغربل المادة التاريخية الماضية مما يعلق بها من تحريف وغبن ووضع وتزوير ..،..

 

khadom shamhodيذكر ان الفترة الاستعمارية العثمانية للعراق التي امتدت عدة قرون انعدمت فيها المدونات او المصادر التاريخية التي تتحدث عن الفن التشكيلي او العمارة او رسامي تلك الفترة، وبالتالي فكل ما يكتب عنها يبقى ناقصا ومبتورا ويعمها الغموض ولم تخضع الى منهجية واضحة في النقد او دراسة علمية وتاريخية دقيقة. ويقول شاكر حسن آل سعيد (وعموما فان الفن التشكيلي في العراق قبل الثلاثينات (من القرن العشرين) يكاد يكون مجهول الهوية) فاذا كانت هذه الفترة تكاد ان تكون مجهولة الهوية فما بالك في القرون الماضية؟ فمن المؤكد انها معدومة الهوية .. كما ان المؤرخ العراقي لتلك الفترة تتحكم فيه المزاجية والانطباع الشخصي في عملية التدوين .

او الانحياز الى هذا الطرف او ذاك .. وتعتبر تلك الفترة التي عاشها العراق منذ سنة 1543 الى سنة 1914 من اسوء الحقب التاريخية التي مر بها العراق على الاطلاق تخلفا وتحجرا وفوضوية .... ولم يعثر على مصدر حقيقي يستوفي الشروط الموضوعية للحديث عن الفنون التشكيلية ايام العهد العثماني .

1543 – 1914 .م

1290 khadom1ماذا حدثة للفن التشكيلي العراقي في تلك الفترة الزمنية التي امتدت اكثر من اربعة قرون ؟؟؟ واين هي المدونات والكتب التاريخية التي تتحدث عنه ؟؟؟ واين هي اسماء المصورين والمزوقين والمعماريين ؟؟؟ هل من المعقول لم يظهر فنانون على الساحة العراقية من شمالها الى جنوبها خلال هذه قرون ؟؟؟

 يذكر ان العالم والمؤرخ المصري المعروف تقي الدين المقريزي -1364 – ذكر في كتابه – (ضوء النبراس وانس الجلاس في اخبار المزوقين من الناس) عددا كبرا من المصورين العرب في العصور الاسلامية . ولكن هذا الكتاب غير موجود واختفى تماما من المكتبة العربية.. ولهذا انا اعتقد ان هناك كتب كثيرة تحدثت عن التصوير والخط والزخرفة في العراق خلال الفترة الاستعمارية العثمانية ولكنها اختفت لظروف معينة مجهولة .. كما يحدث اليوم هناك تعمد في حرق المخطوطات وتهديم الآثار وسرقتها واخفائها لاجل كتابة التاريخ من جديد وتدوين ما يريده الاجانب او الفرق العبثية الضاله وحتى ايضا يكون التزوير فيه سهلا...

و في كتاب – الرحالة المسلمون في العصور الوسطى – للدكتور زكي محمد حسن . من ضمن ما ذكره عن رحالة معروف اسمه – الهروي السائح 568هجرية / 1173-م كان قد اكتشف مقابر الاهرامات ودخل فيها ووجد كنوز الذهب وجثامين الفراعنة ودون تلك المعلومات تفصيلا في مخطوطه (العجائب والآثار والاصنام والطلمسات)(هذا المخطوط اختفى). وفي سنة 588 هجرية / 1193نهب الصليبيون كتبه عندما كان في قافلة .. ولما دخل نابليون مصر كان معه 500 عالم ومعهم مخطوطات العرب منهم الهروي كدليل على الآثار المصرية والاهرامات وما فيها فحملوا الآثار المصرية الى باريس .. ولهذا نعتقد عقليا ومنطقيا ان هناك كتب ومخطوطات قد دونت فيها حركة الفن والعمارة والمزوقين والرسامين والخطاطين والمعماريين وقصور الامراء والاغنياء وفن الموسيقى والطرب والرقص وغيرها رغم ضعفها وتدنيها في ذلك العصر .. ولكن اختفت هذه المخطوطات او حرقت لاغراض واسباب كثيرة منها ان لا يكون لهذه الامة العريقة تراثا متواصلا لحضارتها .. ؟؟؟؟؟؟ يضاف الى ذلك هناك تجاهل واهمال من قبل عامة الناس لفن التصوير بسبب التحريم والعقول المغلقةو المتحجرة لعدد من علماء الدين .

1290 khadom2

التقاليد الفنية الكلاسيكية:

في تلك الفترة المظلمة بقت تقاليد المدرسة البغدادية والمدرسة الفارسية والهندية والتركية منتشرة في عموم المدن الكبيرة مثل بغداد والبصرة والموصل . وكانت مقتصرة على رسم المصورات الصغيرة والمنمنمات وتزويق المخطوطات والرسوم الجدارية الشعبية. والرسوم التي تظهر على التحفيات والمنسوجات ... وبعد دخول الطباع في العراق ظهرت رسوم القصص الشعبية .. كما انتشرت رسوم المسجد الحرام وبيت الله على سجاجيد الصلاة وكتب الادعية وكذلك الرسوم الدينية التي تمثل صور الأئمة والاولياء الصالحين القادمة من ايران . وبالاضافة الى ذلك نجد الفن الشعبي المحلي الذي نراه منتشرا في الاوساط الشعبية في كل مكان . وبالتالي فان هذه الانشطة المختلفة كانت عبارة عن السير على تقاليد الفنون الموروثة القديمة ليس الا .. وبالتالي فان الفترة العثمانية اتسمت بصفة التأثيرات المختلطة من فارسية وهندية يضاف لها المدرسة التركيه التي هي في الحقيقة ولدت من رحم المدرسة الفارسية حيث يذكر ان المصورين الفرس هاجروا الى تركية للعمل فيها .

ولكن بقى الخط العربي والزخرفة متماسكة ولا يمكن تحويرها او تغييرها حيث بقت محافظة على كيانها الحضاري والعربي بل اخذت بالتطور بشكل ملحوظ على يد عدد من اساتذة الخط في تركيا وايران وفي وقت متأخر على يد حامد وهاشم الخطاط .. وذكر الدكتور زكي محمد حسن في كتابه –مدرسة بغداد – ان هناك عددا كبيرا من المصورين المانيين قد قدموا من ايران الى العراق في القرن الثاني الهجري (الثامن ميلادي) وانهم ساهموا في تزويق كثير من المخطوطات الاسلامية . وكان هناك صراع قائم بين الفرس والعثمانيين بالاضافة الى كونه سياسيا كان هناك صراعا ثقافيا ومذهبيا ورغم الفوضى و التخلف فان له ايجابيات حيث تغلغلت الفنون الفارسية بشكل واسع الى العراق واثرت على الذوق العام خاصة في طراز العمارة وصناعة السجاد والتحفيات ورسوم المنمنمات كما هو ظاهر في كربلاء والنجف وسامراء والكاظمية بينما نرى التأثيرات التركية ظاهرة في الموصل والسليمانية . اما بغداد فقد كانت مركز التفاعل الحضاري وتنوع الطرز والثقافات من خارجية ومحلية ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhodبعد سقوط بابل على يد الاخمينيين عام 539 ق م - ظل العراق مركزا للتفاعل الحضاري الايجابي بين الشعوب والحضارات الوافدة اليه وبين الحضارات المحلية التي ورثت حضارة وادي الرافدين . وكانت عواصم الغزاة قد تمركزت في ارض العراق ولهذا اكتسبت هذه العواصم صفة عالمية مثل : بابل وسلوقيا وطيسفون . وبين سقوط بابل وظهور الاسلام مر العراق بمراحل تاريخية اربعة – المرحلة الاخمينية 556 ق.م والمرحلة السلوقية 312 ق م والمرحلة الفرثية 249 ق م –226 م والمرحلة الساسانية 226-651 .م ويضاف الى المدن المذكورة سابقا كانت هناك بعض المدن العراقية اخذت صفة التألق الحضاري مثل امارة ميشان –البصرة - والتي كانت تتكون من مدينتي الابلة وميشان .

مدينة البصرة

1284 khadom1تعتبر البصرة (الابلة) من اقدم المدن العراقية واكثرها حضارة وثقافة فهي وليدة الحضارة السومرية وخليفتها على ساحل الخليج وكان نفوذها يمتد حتى ظفار على البحر العربي ويوم ذاك لم تكن دول الخليج موجودة على الاطلاق . وكانت تعج بالحركة التجارية والثقافية والفنية حيث تردها البضائع من دول آسيا الشرقية بمختلف انواعها منها التوابل والاقمشة ذات الالوان الزاهية المسرة والمزخرفة بانواع الرسوم النباتية والكائنات الحية التي تستعرض المناخ الحضاري وتقاليد تلك الشعوب العريقة بفنونها . وانصهرت في البصرة مختلف الثقافات وظهرت طبقة الاغنياء التي بدأت بتشييد القصور والحدائق الغنائة على ضفاف شط العرب وفروعه، كما دعت لىتزويقها بالزخارف والتصاوير الجميلة . ويذكر شاكر حسن آل سعيد ان البناء (المعماري) في ذلك الوقت كان ايضا هو مزوق في نفس الوقت . كما يعتقد قدوم عدد من المصورين الى البصرة من ايران والهند . وبالتالي انتشرت التـاثيرات الفارسية واختلطت مع التقاليد المحلية والفنون الشعبية في مناطق الامتزاج الثقافي . ولكن مع الاسف لم تدون اسماء المعماريين والمزوقين لتلك الفترة ولم يعثر على مصدر يؤرخ ذلك ما عدا ما خلفوه من آثار كالقصور وما فيها من زخارف ورسوم وتحفيات ومذكرات الرحالة وغيرها وبقت غالبيتها مجهولة الهوية .. وربما كان لثورة الزنج (العبيد) في البصرة عام 869 واحراقهم المدينة وتحويلها الى خراب وانقاض، ادى الى ضياع الكثير من المخطوطات والمدونات حول تاريخ الثقافة والفنون وازدهارها في مدينة البصرة .

 وعندما فتحها المسلمون سنة 14 هجرية (القرن السابع م) اطلقوا عليها اسم البصرة وفي زمن الخليفة العباسي المأمون (- 786 - 833) امر باحصاء علماء البصرة وتلاميذهم فبلغ عدد العلماء سبعمائة عالم وعدد التلاميذ احد عشر الفا . كما طلب بأرسال نسخ من مؤلفات اولئك العلماء . فجمعوا له اكثر من مئتي الف مؤلف بين صغير وكبير في جميع صنوف العلوم والمعرفة . وقيل في مصدر آخر ان العد اكثر من ذلك بكثير . ارسلت الى المأمون في ثلاثة سفن ووصلت الى بغداد وضمها الى مكتبته .. ..

وقد ولد في البصرة عباقرة لم يشهد لهم التاريخ الاسلامي والعربي مثيلا . كالجاحظ والفرزدق وبشار بن برد وابو الاسود الدؤلي والخليل بن احمد الفراهيدي وابن الهيثم 965 م عالم الرياضيات والبصريات ومخترع – الكاميرة - والاصمعي والكندي والمربد وابن سيرين وفرقة المعتزلة (العقلية)، وجماعة اخوان الصفا، والحريري، والمصور احمد الخراط البصري الذي ظهر في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري (8 م) واشتهر برسم الصور الشخصية والكاريكاتير ويعتبر من اوائل المصورين ورسامي الكاريكاتير في العالم الاسلامي سبق بذلك الرسام الايطالي دافنشي بعدة قرون .

1284 khadom2

مدينة بغداد

انشات بغداد في زمن الخليفة المنصور عام 145 هجرية 762 م - واشتهرت في زمن الخليفة هارون الرشيد كونها عاصمة الدولة الاسلامية كما اصبحت في زمن الخليفة المأمون مركزا للعلم والثقافة والفن والترجمة في العالم ، فاسس جامعة بيت الحكمة 830 م – وقد وفد اليها العلماء من كل حدب وصوب . وكان هناك سوق للوراقين او بيع المخطوطات يقع في شارع المتنبي اليوم . كما ظهرت فيها مدرسة بغداد للفن وتسمى ايضا (بالمدرسة السلجوقية) . حيث برز فيها المصور يحيى بن محمود الواسطي الذي عمل رساما للخليفة المستنصر بالله العباسي بين اعوام 1242و 1258 م . واشتهر ايضا من المصورون : ابن الرزاز الجزري 1206 وعبد الله بن الفضل1222 وعلي بن حسن بن هبة الله 1209 وغيرهم .

الفن المعاصر

 بدأت ظاهرة الوعي الثقافي والفني في العراق في نهاية القرن التاسع عشر على يد عدد من المثقفين والفنانين منهم شخصيتين مهمتين دونهما لنا التاريخ هما : نيازي مولوي بغدادي ويعتقدانه من اصل تركي او من مناطق بخارى ونيازي حسب قرائتي هو لقب عائلة اما اسمه فلم يذكر .. وكان خطاطا ومزخرفا ورساما وهو صوفي الاتجاه وقد ترك لنا عددا من اعماله لازالت تحتفظ بها مكتبة المخطوطات في بغداد . والرجل الثاني هو عبد القادر الرسام 1882 -1952 الذي درس الفن في استامبول اثناء خدمته العسكرية . ولازالت اعماله تزين بعض المتاحف والمؤسسات والبيوت العراقية وكانت اعماله منفذة بالاسلوب الواقعي الاوربي . وتبعه بعد ذلك الحاج محمد سليم وعددا آخر من الضباط المتقاعدين وكانوا رسامين هواة .

ويعتبر هؤلاء الرسامين كحلقة وصل بين اسلوب فن المنمنمات التقليدي في القرن التاسع عشر والاسلوب المدرسي (الاكاديمي) الذي كان سائدا في اوربا والذي عمل على انتشاره في العراق مجموعة من الطلبة الذين درسوا في الخارج ثم عادوا الى بغداد واسسوا معهد الفنون الجميلة عام 1939 -1940 .

اما البصرة فقد عاشت كمثيلتها بغداد في فترة العشرينات والثلاثينات في حالة صراع بين الاساليب القديمة وبين الاوربية الحديثة . ويذكر الاستاذ شاكر حسن ان الاستاذ والرسام عبد الكريم محمود كان يشرف عام 1922 على الدروس الفنية وتدريس مادة الفن عمليا في المدارس الاولية في البصرة . كما يذكر ان هناك فنانة بصرية تدعى شيرين مراد السلامي تعتبر من الفنانين العراقيين الرواد ولدت عام 1905 وكانت معروفة في الوسط الاجتماعي خاصة الطبقة الحاكمة ويقال انها رسمت صور شخصية للملك فيصل الاول والشريف حسين والشاه بهلوي والملك عبد العزيز وغيرهم واقامت معرضا شخصيا لها في البصرة عام 1933 وكانت تنفذ اعمالها الزيتية او المائية بالاسلوب الواقعي او المحاكات تقليدا للطراز الاوربي . وسوف نتحدث في المقامة القادمة عن الفترة العثمانية المظلمة وعدد من الرسامين الاوائل ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

mohamad albandoriلا شك أن التأثيرات الحضارية وما يرافقها من تطور في شتى المجالات الحيوية لها انعكاس كبير على الخط العربي عموما والمغربي خاصة. ولعل الإحداثات العلمية والمعرفية والحضارية التي يشهدها المغرب قد ساهمت بشكل ملفت بدت مظاهرها جلية في مجال الخط المغربي خاصة مع ظهور مرافق معرفية حديثة تعنى بالخط المغربي، وكذلك إحداث جائزة محمد السادس في فن الخط المغربي، الأمر الذي حفز وأعطى دينامية خاصة للخطاطين لكي يمدوا القطاعات العلمية والمعرفية المتصلة بالخط المغربي بمزيد من الإنتاجات مما عجل بتجلي الخط المغربي العلوي الشريف الخط المتقن والمضبوط في عدد من الأوراش الخطية ذات القيمة العالية. فتجلى في كتابة مصاحف قرآنية شريفة ذات جودة عالية، وبرز كذلك بشكل لافت في عدد من اللوحات الخطية الرائقة لخطاطين مغاربة أجلاء. وهو ما أعطى مكانة لائقة للخطاطة والمخطوطات والخط والخطاطين خلال هذه الفترة العلوية الشريفة الآنية، بل إن هذه الفترة تعرف تنوعا كبيرا في الاستعمالات الخطية المغربية، حيث يسود حاليا الخط المغربي المبسوط والخط المغربي المجوهر وخط الثلث المغربي بشكل لافت، خصوصا مع ظهور إبداعات قوية ذات جماليات أخاذة، تأخذ بعين الاعتبار تطور هذه الأنواع الخطية بدقة وعناية فائقة، إلى جانب استعمال خط المسند والكوفي المغربي في إطار فني دلالي. وبزغ في الساحة الخطية حاليا الخط المغربي الصحراوي والخط المغربي المدمج الدقيق والخط المغربي الإفريقي. وأسهم في هذا التطور وبسط الإبداع عدد من الخطاطين النبلاء والأساتذة الباحثين الأكابر من خلال مراكز تشكل مدارس خطية عالمة، منها مدارس الدار البيضاء ومدرسة تطوان ومدرسة مراكش ومدرسة سطات ومدرسة وجدة ومدرسة فاس ومدرسة مكناس ومدرسة تارودانت ومدرسة تازة ومدرسة أكادير ومدرسة سلا ومدرسة الرباط ومدرسة طنجة وعدد آخر من المدارس بمختلف المدن المغربية .. ومن خلال ملتقيات فنية ودراسية.

 إضافة إلى الإتقان الكبير والتفنن الجميل في الخطوط المشرقية خصوصا منها الخط النسخي وخط الثلث والخط الديواني. فعلى إثر ذلك تعزز المشهد الحروفي المغربي في عهد أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس بجيل معاصر من مشايخة الخط ببلادنا، يحرصون أشد الحرص على جودة الخط المغربي والمشرقي وضبطه وتقييده، ويعملون على إرساء جمالياته وربطها بالمجال الزخرفي باعتباره مكونا جماليا، إلى حد الصرامة والحزم، ولا يقبل حاليا في المشهد الخطي المغربي غير الخط المقيد بالضبط والمحلى بالجمال والمرصع بالتزيين والمحفف بالإبداع. وهذا يدل على الصيغ المتنوعة للمناحي الجمالية التي يتمتع بها الخط المغربي حاليا. وعلى إثر ذلك يمكن تصنيف المشهد الخطي المغربي الآني وفق التنوع الثقافي والمعرفي والإداري وما يترتب عن ذلك من تنوع على مستوى الخطاطين، فنجد عددا من الخطاطين الخواص والخطاطين العوام وخطاطي البلاط وخطاطين من المشايخ وخطاطين شباب وخطاطين هواة وبعض الخطاطين الذين تخصصوا في الزخرفة والتنميق والبعض الذي تخصص في تقهير الورق، والبعض الذي تخصص في صنع الأمدة والأقلام المغربية.. كل يسهم بإبداعاته الرائقة وتقنياته المتطورة في الرفع من شأن الخط المغربي. ولم يقتصر الأمر على العنصر الذكوري فحسب، بل برزت في الساحة الخطية المغربية الآنية خطاطات مجيدات ومقيدات بالضبط، ومتفننات ومتقنات للخط المغربي بمظهر حضاري يرفع شأن العنصر النسوي في هذا المجال، وقد نافسن الرجال في هذه المهمة السامية.

 

د. محمد البندوري

 .

adnanhusan ahmadرسمَ ألف لوحة وأقام 25 معرضًا شخصيًا على مدى ثلاثة عقود

بعد 25 معرضًا شخصيًا وقرابة 70 معرضًا جماعيًا، وخمسة كتب عن تجربته الفنية، وعشرات المقالات النقدية والانطباعية عن معارضة ولوحاته التي تجمع بين التشخيصية، والتعبيرية، والوحوشية، والآرت ديكو، والفن الجديد وسواها من الحركات والمدارس الفنية التي تأثر بها خلقَ الفنان ستار كاووش بصمته التشكيلية الخاصة به، فالذي يشاهد عملاً واحدًا له لابد أن يتعرّف بسهولة إلى بقية أعماله الفنية حتى لو كانت خالية من توقيعه الشخصي.

اشتغل كاووش بدأب كبير كي يحقق هذه البصمة وقد خدمهُ كثيرًا أسلوبه المُغاير الذي يختلف عن أساليب كل الفنانين العراقيين تقريبًا ويستطيع القارئ الكريم أن يعود إلى كاتلوغات معارضه الأولى "سيقان وأرصفة"، "رجل وامرأة"، "جسد المدينة"، ليتأكد من أنّ كاووشًا كان ولمّا يزل يغرّد خارج سرب التشكيليين العراقيين.

يتمتع كاووش بخصال عديدة  تخدم تجربته الفنية وتغذّيها على الدوام وأولها الإخلاص للفن، والانقطاع له، والتماهي فيه. ولعل أمسيته الفنية الأخيرة التي نظّمتها مكتبة Alef  في "بيكر ستريت" بلندن وما باحَ به من اعترافات شخصية مهمة تسلّط الضوء على جوانب محددة من تجربته الفنية هي دليل قاطع على أنّ ستار كاووش قد وضع الرسم على رأس اهتماماته الإبداعية آخذين بنظر الاعتبار أنه يكتب عمودًا أسبوعيًا في بعض الصحف اليومية أو المجلات الفنية وربما يكون "باليت المدى" هو عموده الأسبوعي الشيّق الذي واظب على كتابته منذ أربع سنوات تقريبًا وحتى الآن، لكنه يظل عمودًا فنيًا خالصًا يتسيّد فيه التشكيل، وتطغى عليه الجملة البصرية التي تقترن بالعفوية، والدُعابة، وسلاسة الأسلوب الرشيق.

توقفَ كاووش في الندوة عند بواكير حياته الفنية وكيف اقتنى أول كتاب للفنان الهولندي رمبرانت فان راين الذي كلّفه مصروف جيبه لأشهر طوالا، وما إن تصفحهُ حتى تعلّق بلوحة "الحراسة الليلية" التي أنجزها رمبرانت عام 1642 ولعله انبهر بالتضاد اللوني بين الضوء والظل قبل أن ينبهر بالفيغرات العديدة التي تؤثث السطح التصويري لهذه التحفة الفنية التي حلُم كاووش أن يقف أمامها ذات يوم وقد تحقق له هذا الحلم مذ لجأ إلى هولندا عام 1999 واستقر فيها بشكل دائم طاويًا صفحة غربته العسيرة في "كييف".

أما الملحوظة المهمة الثانية فهي إفادته  من فيغر "الملكة" في ورق اللعب منذ بداياته الفنية وحتى الآن ولعل هذه الإفادة تتمثل بالخطوط المرهفة التي نراها في مجمل أعماله التشخيصية التي تقوم في غالبيتها على ثنائية المرأة والرجل. لعل الملحوظة الثالثة هي الأهم من وجهة نظري المتواضعة لأنه يرسم "الخُنثى" دائمًا، فليس هناك ذكَر خالص الذكورة في أعماله وإنما فيه لمَسات أنثوية كثيرة، كما أنّ الأنثى ليست أنثى خالصة ففيها على الدوام شيئًا من الرجل. وهذا النفَس الخنثوي كان يحيّر بعض المتلقين ويجعلهم لا يفرِّقون بين الرجل والمرأة في لوحة كاووش الفنية التي تتمتع الآن برهافة انسيابية واضحة في الخط واللون والتكوين إضافة إلى بعض العناصر الرمزية التي يجب ألا تمرّ على المتلقي مرور الكرام مثل القط، والتفاحة، والقناع، والكتاب وما إلى ذلك من مفردات فنية تخدم اللوحة وتضفي عليها بهجة من نوعٍ خاص.

تكمن أهمية هذه الأمسية الفنية في العدد الكبير من السلايدات التي تمّ عرضها على شاشة كبيرة نسبيًا غطت مراحل متعددة من حياته الفنية قبل أن يشتدّ عوده، وتتطوّر تقنياته حينما يلج أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وينهل منها معارفه الأساسية التي وسعّت مداركه، وفتحت له الأبواب واسعة ليتعرف على مجمل مدارس الفن التشكيلي وتياراته الأوروبية التي تعلّق بها وتبنّى العديد منها خلال ثلاثة عقود ونصف العقد تقريبًا.

بلغ المنجز التشكيلي للفنان ستار كاووش 1000 لوحة وهو رقم كبير بكل المقاييس وقد جرّب فيها كل الأشكال والأحجام ففيها المستطيل والمثلث والمربع والدائري والبيضوي والمخروطي وما تمرّد منها على الأطر ليجد ضالته في الفضاء المفتوح الذي يحيط باللوحة. أما كتابه الأخير "نساء التركواز" فيضم 160 لوحةيمتد تاريخ إنجازها بين عامي 2005 و 2014 باستثناء لوحات أغلفة الكتب والمجلات التي يعود بعضها إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي وقد كتبت مقدمتة الناقدة والباحثة الهولندية شارلوتا هاوخنس المتخصصة بالفن العربي، فيما ترجم المقدمة إلى الإنكَليزية الأميركي ديفيد ميكَيّ.

تمحور بعض الأسئلة التي وجهها الحضور إلى الفنان ستار كاووش حول "معنى اللوحة وآلية التلقي" والغريب أن بعض السائلين كانوا يبحثون عن إجابات محددة وكأنَ مضامين هذه اللوحات التي عرضها الفنان غامضة أو عصيّة على الفهم بينما تدور غالبية اللوحات حول ثيمة الحُب وتجلياته، والحُلم وإشراقاته، والنشوة وغيبوباتها وما إلى ذلك من الموضوعات المختلفة التي يستلّها كاووش غالبًا من "كتاب الحب".

بعض الحضور أحبّ ألوان كاووش الحارة الصريحة، بينما أحبّ البعض الآخر رسومه وتخطيطاته التي نفّذها بقلم الرصاص أو الحبر الأسود ورأى فيها أبعاد فنية وجمالية أعمق من اللوحات المبهرجة الألوان وهذا أمر طبيعي في أن تختلف الذائقة من متلقٍ إلى آخر. انتبه البعض إلى الثيمات ورأى فيها تكرارًا وهي التفاتة ذكية لكن مشكلة الفنان ستار كاووش لا تكمن في رهانه على الموضوعات أبدًا وإنما على كل العناصر والمعطيات الأخرى التي تبهج المتلقي كالشكل واللون وزاوية النظر.

لم يكتفِ ستار كاووش بعلاقته مع الفنانين التشكيليين العراقيين مهما كثُر عددهم ولعل الأدباء والكُتّاب هو وسطه المفضل الذي يطمئن إليه في دخيلته فلا غرابة أن يكون صديقًا لغالبية الأدباء، يقرأ كتبهم، ويشاطرهم همومهم الأدبية، ويكتب مثلهم عموده الأسبوعي الذي يؤهله لأن يكون الفنان الكاتب والعكس صحيح ولعله الشخصية الفنية الوحيدة في بغداد الذي حصل على لقب "النجم الفنان"، فكلمة النجم كانت حكرًا على المطربين والممثلين والمخرجين والموسيقيين وبعض لاعبي كرة القدم المشهورين. ومن هنا تأتي الإشارة إلى محور البورتريهات الشخصية التي رسمها لعدد كبير من الأدباء العراقيين والعرب الذين ضمّهم كتاب "نساء التركواز" وعلى رأسهم الشاعر بدر شاكر السياب، والشاعر أنسي الحاج، والمخرج صلاح القصب، والروائي حميد المختار، والروائية لطفية الدليمي، والشاعر خالد مطلك، والشاعر عبدالزهرة زكي، والناقد السينمائي علاء المفرجي، والشاعر موفق السواد وسواهم من المبدعين العراقيين الذين يحفظ ملامحهم عن ظهر قلب.

تحتل المرأة مكانة مميزة في حياة ستار كاووش الفنية فقد رسم جميع النساء اللواتي أحبهن وسوف نكتفي بثنِية روحه الأخيرة السيدة آلي تشوكر Alie Tjoelker التي رسمها في العديد من لوحاته من بينها "زهرة آلي" وهي لوحة معبّرة تقود الناظر إلى التماهي بالطبيعة، وتنفتح على فضاء الحب المتوهج إلى أقصى مدياته.

حاز كاووش على العديد من الجوائز نذكر منها جائزة الرسّام الأول في جريدة "الجمهورية" ببغداد عام 1991، والجائزة الأولى في معرض الفن العراقي المعاصر عام 1993. كما فاز قبل مدة قصيرة بالجائزة الذهبية في بينالي الكويت 2017 عن لوحته المعنونة "عاشقان تحت المظلة" واعتبرته لجنة التحكيم فنانًا ذا رؤية خاصة وضعته في قائمة الفنانين المشهورين ضمن المشهد التشكيلي الهولندي المعاصر.

.

لندن: عدنان حسين أحمد

 

hashem mosawiيذكر لنا فيلسوف الفن التشكيلي المعاصر (هربرت ريد) في كتابه "حاضر الفن" وهو يستعرض مراحل تطور الفن (ويقصد به فن الرسم) إبتداءا من عصر النهضة حتى يومنا هذا . وهو جازما على أن التقاليد الرئيسة في فن الرسم الأكاديمي الأوربي، قد بدأت في القرن الرابع عشر .. وقد بدأت بشكلها المبسط من خلال الرغبة في نسخ ما تراه العين مباشرة .. وقد ساند هذا الرأي "روجر فراي" حين قال: (لم يكن مطلوبا من الفنان أن تكون تخيلاته رائقة للعواطف بإيقاعها فحسب، بل أن تتماثل مع مظهر العالم الواقعي، أما بنيتها فيجب أن تكون متماسكة وبلا ثلمة، كتلك التي للمنظر المرئي وهذا شرط أساسي .. وإن هذا التماسك كان يتحقق بطريقتين، أما بمحاكاة دقيقة للمنظر الواقعي، أو بإنشاء صورة إستنادا الى تلك القوانين البصرية التي ترتاح لها الرؤية حتما) .

يتضح بأن الطريقة الأولى سميت بالمنهج التجريبي . وكان قد إستعملها الفنانون الفلمنكيون  في شمال أوربا . وأما الطريقة الثانية، والتي يمكن أن يقال عنها بأنها (علمية)، فقد أستنبطت في إيطاليا، خصوصا في مدينة فلورنسا، حيث كان فنانوها هم الذين إكتشفوا القوانين البصرية للمظهر .. وهكذا نجد أن في هذين النهجين توجها للمحاكاة، ليس له غاية أخرى سوى نسخ المظاهر. فهو يعطي صورة للتجربة البصرية المباشرة، ويتطلب ذلك من الفنان تسجيلا صادقا للآلية  الفسلجية لبصره .

 إستمرت هذه الممارسات الفنية حتى آواخر القرن التاسع عشر الميلادي، الذي حمل معه مولد مدرسة فنية جديدة، إستعارت إسمها من عنوان لوحة  للرسام الفرنسي  "كلود مونييه" (إنطباع شروق الشمس)عام 1672 م .

 انطباع: شروق

 فكانت هذه أول حركة فنية رائدة تتمرد على القيم الكلاسيكية والأكاديمية التي تبناها الفنانون الأوربيون مع هيمنة القيم الفنية لعصر النهضة الأيطالية، وهي قيم إلتزمت، تجسيدالأبعاد الثلاثة، ومحاكاة الواقع الملموس، وفي الأعمال الفنية، وعرفت أيضا بالتأثرية، وتمثل أسلوبا فنيا في الرسم، يعتمد على نقل الواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة ، وكما تراه العين المجردة، بعيدا عن التخيل والتزويق  .

مونيه : زنابق الماء

وفي إثنائها خرج الفنانون من المرسم ونقلوا أعمالهم في الهواء الطلق، مما داعاهم الى الإسراع في تنفيذ العمل الفني قبل تغير موضع الشمس في السماء وبالتالي يمكن أن يؤثر ذلك على تبدل الظل والنور .. وسميت بهذا الإسم لأنها تنقل الحركة الفنية  الى حركة جديدة، سميت فيما بعد بالإنطباعية . وهذه أضافت أبعادا أخرى الى التأثيرات النظرية للإنطباعيين، إذ إشتركت مع الإنطباعية بالألوان المشرقة الواضحة وبضربات الفرشاة الثقيلة الظاهرة وإختيار مواضيع الرسم من الحياة الواقعية .

فانكوخ - ليلة النجوم

لكنها تحيد عنها، بميلها الى إظهار الأشكال الهندسية (كالمثلث والمربع و..) وإستعمال ألوان غير طبيعية أو إعتباطية للأشياء، وإبتعدت عن التقييد المتوارث في الإنطباعية .

نشأت التكعيبية بعد المدرسة الإنطباعية سنة 1907 م كرد فعل عليها، ويعد الفنان "بول سيزار" هو أول من خطط  ومهد لها  فقد كان يكرر قوله : (أن المخروط والكروي والإسطواني هي أشكال ينبغي على المصور أن يبحث عنها) .

إهتمت التكعيبية بفكرة وحدة الصورة المرسومة على سطح ذي بعدين، وبتحليل الأحجام وعلاقتها، فقد حقق التكعيبيون ذلك بتعمدهم إهمال رسم الأشياء كما هي، والسعي لإيجاد التكوين الكلي للشئ المراد تصويره، ومع توضيح وضعه في الفراغ . وفي سعيهم لتحقيق ذلك، فإن التكعيبين قد جعلوا الصورة تحمل فكرة الشئ المرسوم، وذلك برسمه من جهات متعددة في وقت واحد .

إن عملية التجريد هذه قد تمتلك مظهر عملية آليه، مخلفة القليل من المجال لدور حساسية الفنان الخاصة، ألا أنه في الحقيقة ليس ثمة ما هو أكثر جلاء من الشخصية الفردية في أعمال العديد من الرسامين التكعيبين، ويمكن أن يقال بأن عملية التجريد كانت تقوم بإزاحة القناع العاطفي للواقع .

وبتصاعد الإيقاع الدرامي في السريالية، نجد أن المعنى قد أصبح لغزا معقدا صعبا، يبتعد بالمتلقي عن العالم المقول، ويستبقسه في حالة من الحيرة والذهول .

سيلفادور دالي - أكتشاف امريكا من قبل كريستوفر كولومبوس

 فهو يفتح أمامه آفاق عالم المجهول واللامعقول، فإذا بذات الفنان يستولي على الموضوع برمته، ليستحيل الموضوع ذاتا، والذات موضوعا، يرى من خلالها المتلقي إنعكاسا لما غاب عنه في ذاته . لنجد أن التباين الكبير الذي نجده بين التيارات والمدارس الفنية المختلفة والمتنوعة، إنما مرده الى إنطلاق سراح المعنى وإطلاق العنان له كي يضع شروطه الخاصة وإحيانا الجامحة في تشكيل العناصر والعلاقات والخواص بأساليب جديدة متغيرة ومرنة والمعنى منجم ثري للصياغات الشكلية التي يستتر وراءها.

 

د.هاشم عبود الموسوي