1246 thumbnail4يقام حاليا في العاصمة الاسبانية مدريد معرضا شخصيا للفنان الاسباني الكاتالاني رامون كاساس في متحف كايسا فورم Caixa Forum تحت عنوان: الحنين الى الحداثة. ويستمر المعرض الى 11 خونيو الشهر السادس 2017.. زرت المعرض وكان مزدحما بالزوار رغم ان تاريخ افتتاحه كان يوم 8 مارثو (مارس) اي قبل اكثر من شهر. وهنا احب ان اسجل ملاحظة عن ظاهرة حركة الفن في عالمنا العربي، ان غالبية المعارض الفنية التي تقام في العراق او الدول العربية، نجد ان الجمهور يحضر فقط يوم الافتتاح اما بقية الايام فلم نجد له حضورا على الاطلاق، هذا العزوف يفسره البعض اليوم الى قلة الذائقة الفنية او انخفاضها الى الصفر بسبب المشاكل التي تعصف بالعراق والامة العربية والتي سلبت منها التذوق الفني والجمالي وحتى الابتسامة ..؟؟

 ولد كاساس عام 1886 في برشلونة وتوفى عام 1932 وينتمي الى عائلة غنية وثرية وقد استغل هذه المكانة والثروة لحركته الثقافية والفنية . وكان مصورا ورساما كاريكاتيريا ورجل سياسة ومفكرا واقتصاديا، كما برز في رسم الملصقات الجدارية والاعلانات الدعائية .

1246 thumbnail2

وفي عام 1877 ترك كاساس الدراسة وذهب يتعلم الرسم على يد الرسام خوان بيثينس كوتس Juan Vicens Cots وفي عام 1881 اسس مجلة L،Avenc - - للثقافة والفن . وكان يتنقل بين باريس ومدريد وبعض المدن الاسبانية كمراسل لها ولاقامة المعارض الفنية . كما بدأ يعرض في عواصم عدة مثل باريس وبرلين وشيكاغو ومدريد وغيرها . ثم استقر في برشلونة في نهاية القرن التاسع عشر ولكنه بقى يتردد على باريس في زيارات مستمرة .

1246 thumbnail3

جماعة الاربع قطط:

 اسس كاساس جماعة فنية وثقافية اطلق عليها اسم –الاربع قطط –- Els Guatre Gats في برشلونة وكان بيكاسو احد اعضائها . ولهذا التجمع حكاية طريفة نوردها باختصار . اربع قطط هي مقهى تقع في برشلونة القديمة في احد الشوارع الضيقة والمباني ذات الطراز المعماري القديم، افتتحت المقهى عام 1897، فجعلها ملتقى للادباء والفنانين والبوهيميين والشباب الحر المتطلع الى التجديد والتنوير، وفيها كانت تقام الندوات الثقافية والفنية والمعارض، ويذكر ان بيكاسو اول من عمل فيها معرضا فنيا .. وكان كاساس يقوم بمساعد الفنانين والعارضين من ناحية الكاتالوكات وبطاقات الدعوة والملصقات والحفلات وغيرها . ويقال احيانا كان لا ياخذ من زبائنه واصدقاءه ثمن المشروبات التي يتناولونها لعجزهم عن الدفع ... ولكن المقهى لم تدم طويلا فبعد ست سنوات من افتتاحها اغلقت ..

1246 thumbnail1و كان كاساس صاحب قلم وكاتبا ومفكرا، وقد اسس مجلة فنية وادبية كما ذكرنا ذلك سابقا وكان مراسلا لها في مناطق كثيرة من اوربا . وكان ايضا مصمما لكثير من الملصقات الدعائية والبطاقات التجارية وخاصة الى مقهى- الاربع قطط -

في عام 1900 اشترك في معرض عالمي في باريس، وفي عام 1904 حط في مدريد ونفذ عددا من الاعمال الفنية منها صورة شخصية للملك الاسباني الفنسو الثالث عشر، كما رسم عددا آخر من الصور الشخصية وبرز وابدع في اتقانها، وايضا التقى بالفنان المعروف خواكين سورويا .

و في عام 1908 قام برحلة الى كوبا وامريكا، وهناك قام بتنفيذ كثير من الاعمال الفنية بمواد الزيت والكاربون . وعند عودته الى اسبانيا عرض اعماله في مدريد وبرشلونة، واهدى عددا منها الى متحف برشلونة . ثم رحل الى اوربا قبل الحرب العالمية الاولى ورسم هناك وعرض وكتب مواضيع لمجلته L،Avenc - . وفي عام 1915 عرض في برشلونة في كالري Pares وكان هذا المعرض يحمل رقم 25 من معارضه الشخصية ويمثل كل ما قام به خلال عمره الفني الطويل . وقد تأثر كاساس بالمدرسة الانطباعية خاصة مانيت وديغا وتولزلتريك في رسم الملصقات الدعائية . وبالتالي كان اسلوبه يتقلب بين الواقعية والانطباعية، ونال شهرة كبيرة في اسبانيا وكذلك اوربا، وكان كاساس بالاضافة الى كونه فنانا فهو يمثل دائرة معارف وشخصية بارزة في الثقافة الاسبانية للقرن التاسع عشرو بداية القرن العشرين ... توفي رامون كاساس عام 1932 في برشلونة ودفن في مقبرة مونجويك Montjuic .

 

د. كاظم شمهود

 

 

alsadiq alsadiqialemari

الجمال أحد الأسس الثلاثة التي قامت عليها منظومة القيم الخالدة؛ وهي الحق والخير والجمال، والإنسان دائما يسعى بفطرته إلى إشباع رغبته في التذوق الجمالي في كل شيء، فهو دائم البحث عن الجميل، وإذا وجده انتقل إلى ما هو أجمل منه في سلم الجمال، وليس للأمر حدود. فالإنسان دائما يحرص على أن يرى الأشياء الجميلة، ويسمع الأصوات الجميلة، ويلمس كل جميل ويحسه ويتذوقه، كما يحاول أن يظهر بالمظهر الجميل، وهو لهذا يقف أمام المرآة زمنا طويلا يصلح من شعره، ويتأمل وجهه وهندامه، كما يبحث عن الجمال في السكن والأكل والشرب، حيث يزين بيته، ويتفنن في عرض طعامه وشرابه. نستطيع أن نقول إن الإنسان يميل بطبعه إلى الجمال.

والجمالية لم تنشأ نتيجة اتفاق معين، أو إجماع محدد، وإنما جاءت نتيجة مسار طويل وتراكمات عديدة، من خلال محطات تاريخية غنية، وفي كل محطة تتولد وتنضج أفكار وقناعات معينة لدى الباحثين والمفكرين والفلاسفة على وجه الخصوص، لها علاقة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، والتي تدخل بشكل مباشر في بناء الفن والعمل الفني وتمظهراته الجمالية.

فمنذ العصر اليوناني وصولا إلى العصر الحديث، مرورا بالعصور الوسطى وعصر النهضة، عرفت الجمالية مجموعة من التحولات والتلوينات منها من يختفي، ومنها من يتولد، ومنها من يظهر من جديد. وحتى بعد ولادتها، أي الجمالية، في منتصف القرن الثامن عشر استمر الجدل والنقاش حول المفاهيم التي تؤسس لها والتي لها علاقة بالمحسوس والذوق والمخيلة....، حيث بدلت جهود كبير من أجل تجاوز ما كان سائدا من قبل حول السيطرة التامة للعقل في جميع المجالات.

 لكن لكي نكون منصفين، لم يقتصر الفن والجمال على الموضوعات الفلسفة بالمعنى الحصري والمنهجي للكلمة، بالرغم من أن الفلسفة اعتبرت أم العلوم منذ نشأتها، حيث كان الأدب حاضرا بشكل كبير في اهتمامات الفلاسفة، وقد كان الفيلسوف شاعرا وفنانا وموسيقيا وكاتبا وقصاصا...وبالتالي يظل الفن والجمال في علاقة وطيدة مع الأدب من خلال ما تعكسه النصوص الشعرية والنثرية والقصصية...، من حيث اللغة، والفكرة أو الموضوع، وأسلوب الكاتب أو السارد، والرسالة الفنية بكل جمالياتها.

مما يدفعنا لطرح مجموعة من الأسئلة نذكر من بينها: ما معنى الجمالية؟ وما علاقة الفن بالجمال؟ وهل هناك إمكانية لنحدد بدقة العناصر الجمالية في العمل الفني؟ هل يمكن فصل الموضوع الفني عن السياق الثقافي؟ وهل يمكن أن نفكر في الإنتاج الفني الإبداعي انطلاقا من وظيفته التأثيرية فقط؟ هل بمقدورة العمل الفني أن يطرح قضايا نظرية تتجاوز التفكير في غايته الإنتاجية، إلى تدارس ومناقشة إشكالات لها علاقة بهذا العمل ومحدداته؟

إن الحديث عن الجمالية يدفعنا أولا إلى الحديث عن الفن، على اعتبار أن الجمالية تستمد جذورها التاريخية من سيرورة الفن والعمل الفني، ذلك لأن ″الجمالية بقيت في الغالب متكتمة حيال الفن الذي هو في طور التشكيل، ومتحفظة أمام الأعمال الجديدة، ميالة في الغالب إلى الاهتمام بالأعمال الإبداع الفني المعترف بها، والمقر بوصفها من الأعمال الخالدة، بدل أن تتحدث عن قيمة الأشياء الجديدة،....يعود هذا الحذر، واقعا، إلى بدايات الجمالية الفلسفية″[1].

فقد عرف موضوع الفن والعمل الفني والجمال، منذ البدايات الأولى، جدلا كبيرا منذ الفترة اليونانية، حيث ارتبط لفض الفن art بالأعمال اليدوية والمعمار والشعر والموسيقى والنحت والتصوير وغيرها، وتعددت الأفكار والاتجاهات حول الفن وطبيعته وموقعه ونوعية رسالته من خلال نظرية محاكاة الطبيعة، وهو الأمر الذي أكده ″مارك جيمينيز″ في كتابه (ما الجمالية؟) بقوله: أن لفظ الفن (art)-الوارث منذ القرن الحادي عشر لأصله اللاتيني (ars)، والدال على : نشاط ومهارة- لا يعين في الغرب، حتى القرن الخامس عشر، سوى مجموعة الأنشطة الموصولة بالتقنية، والمهنة، والخبرات، أي بمهام يدوية في صورة أساسية.[2]

 فمن الفلاسفة من اعتبر الفن ومنه الشعر وهم وزيف وتشويه، لأن الفنان يقلد الطبيعة، العالم الحسي المتغير الخالي من الحقيقة، في مقابل عالم المثل، عالم المعقولات، المجرد الثابت الذي يغير ولا يتغير، هو أفلاطون الذي طرد الفن، ومنه الشعر، من جمهوريته إلا الشعر التمثيلي لأنه، في نظره، يمجد بطولات الآلهة ويغرس القيم والمبادئ ويعبر عن الحقيقة. فبالنسبة له الفن يبعد عن عالم المثل بمقدار درجتين، أي محاكاة الطبيعة التي هي محاكاة لعالم المثل.

أما أرسطو، صاحب كتاب ″فن الشعر″، انتقد أفكار أفلاطون مشيرا إلي افتقارها إلي الواقعية ويرى أن التناسق والانسجام والوضوح هي أهم الخصائص التي تميز الفن الجميل،  وهي خصائص موضوعية يمكن تلمسها في الأشياء والموجودات من خلال نسبها وأحجامها وتناسقها. كما يري أن هناك جمالا حقيقيا في العالم، وهو مصدر وعينا الجمالي واعمالنا الفنية، والفن في رأيه محاكاة تنشأ عن ميل الإنسان الفطري إلى التقليد وميله إلي تحقيق الإيقاع بما يبعثه من متعة.

و في العصور الوسطى تمثل الجمال الفني في كل ما يوحي بالحقيقة الروحية، حيث كان الفن خاضعا لسيطرة الكنيسة منذ انقسام الإمبراطورية الرومانية حتى عصر النهضة، ولما كانت الطبيعة تكشف عن العناية الإلهية فقد وجد فلاسفة العصور الوسطى سواء عند القديس ″أوغسطين″ والقديس ″توما الأكويني″ أو غيرهما على التوحيد بين الجمال والتناسب والنظام الذي يرضي الحس والعقل ويوحي بالتأمل في عظمة الخالق. فمظاهر العمل الفني عند المبدعين المسيحيين، تجلت بصورة عامة في الارتباط الروحي بالحياة الأخرة. ومن أهم الفنون التي ازدهرت خلال هذه الفترة نذكر : الفن البيزنطي والفن الرومانسكي والفن القوطي والفن القبطي...الخ. وقد ˝عرف القديس توما الأكويني الجميل على أنه «ذلك الذي لدى رؤيته يسر»، وأكد  أوغسطين قبله أهمية تناسق الأجزاء وتناسب الألوان في الأشياء الجميلة˝.[3]

وكان لزاما على الفن والفنان انتظار عصر النهضة وهو العصر الذهبي والفتح العظيم على الإنسانية جمعاء في جميع مناحي الحياة. ففي هذا العصر تعددت الفنون وتشعبت وأصبحت للفنان قيمة اعتبارية اجتماعية، حيث أصبح التركيز ليس على الطلبيات الفنية وكثرتها بقدر ما التركيز على كفاءة ومهارة الفنان الإبداعية، ومدى قدرته على إنتاج عمل فني بشكل جمالي. وقد بلغ الفن في هذا العصر ذروته مقارنة مع ما كان عليه من قبل، ″لقد سادت نظرية المحاكات التفكير الجمالي والنقدي، خلال عصر النهضة، بفضل التأثير الذي أحدثه كتاب″الشعر˝ عندما ترجم عن اليونانية عام 1498م، وكشف فيه أرسطو عن وظيفة الفن، على اعتبار أنه تقليد للطبيعة في تسامي، فليست مهمة الفنان، ومن هذا المنطلق، تقف عند حد نقل المظهر الحسي للأشياء، والموضوعات كما هي عليه في الواقع، بل يتعدى ذلك ليصل إلى خلق صورة أو نموذج يخضع للقوانين الطبيعية″.[4]

فعصر النهضة هو العصر الذي تحول فيه الفنان من دور الرمزية الميتافيزيقية إلى تصوير العالم التجريبي بطريقة أكثر وعيا، وبهذا كانت الآراء العلمية عن الطبيعة والإنسان قد وجدت طريقها إلى محتوى الفنون، حيث أصبحت المعرفة عقلية وتجريبية، وأصبح الموضوع الجمالي بمثابة كشف عن ملامح الواقع، وقد اتحد تركيبه مع محتواه. ˝إذا كان الفن في العصور الوسطى انعكاسا لتعاليم الكنيسة، وتعبيرا عن ذوق الطبقة الإقطاعية، نجد فن عصر النهضة متشبعا بالمفاهيم التي تدور حول الإنسان والقيم الإنسانية˝، وبالتالي أصبح للفنان في هذا العصر مكانة متميزة، حيث أبدع في صنع الفن والجمال، وأصبحت صورته أكثر تعقيدا بل متعددة الجوانب، وأصبحت حياة الإنسان الروحية أكثر اكتمالا.

وقد ارتبط ظهور الجمالية Aesthetica ، في القرن الثامن عشر، بإصدار كتاب ″اليكسندر بومغارتن˝ بعنوان ″الجمالية‟ عام  1750م، الذي حاول من خلاله وضع أسس علم الجمال كعلم جديد، عين له موضوعا داخل مجموعة العلوم الفلسفية، في تجاوز لما كان يعرف من قبل بفلسفة الفن أو فلسفة الجمال. علم الجمال أو الاستاطيقا علم حديث النشأة انبثق بعد تاريخ طويل عتيق من الفكر الفلسفي التأملي حول الفن والجمال، وبهذا المعنى يعد علما قديما وحديثا في والوقت نفسه. و″أصبح هدف هذا العلم محاولة وصف وفهم وتفسير الظواهر الجمالية والخبرة الجمالية″[5]. فاليونانيون لم تكن لديهم معرفة في ذاته ولذاته، ولكن كانت اهتماماتهم بالفن من حيث علاقته بالخير أو دلالته على الحقيقة. فان مجال الاستيطقي the Aesthetic هو منطقة من البحث كانت ممتعة وخصبة عند اليونان، ليس لأنهم لم يعرفوا هذه الكلمة وإنما أيضا لأنهم لم تكن لديهم كلمة مرادفة لمفهوم الفن الجميل.

توصل بومغارتن بواسطة الفكر، أن هناك نوعا خاصا من النظام والإتقان لا يخضع بشكل كلي للإدراك العقلي. فإذا كان العقل يدرك ويفسر الموجودات تفسيرا منطقيا ومجردا، فهناك في المقابل ظواهر أخرى مؤثرة في النفس البشرية يصعب تفسيرها، لكنها، مع ذلك، تستحق اهتمام وتقدير الفلاسفة. فإدراك الجمال يعتمد على الأحاسيس الفردية والذاتية التي يصعب أن نصوغ حولها أحكاما عامة ومتفق عليها، لكنها مع ذلك تستحق أن تتم دراستها في فرع أو تخصص فلسفي ”علم” يهتم بدراسة الطرائق التي نرتبط بها بالواقع بواسطة الحواس على غرار ارتباطنا به منطقيا من خلال العقل.

 ″هذه هي طريقة بومغارتن، عندما اعتبر أن الملكة الجمالية تنتسب إلى نظام المعارف، وهي ملكة متدنية من المعارف،.....وهو ما أطلق عليه هذا التعريف: ≤ملكة منطقية متدنية من الإدراك المعرفي≥. إنها فلسفة الجمالات والحوريات، ولا تقوى على منافسة العقل، غير أنها توفر معرفة مماثلة لمعرفة العقل. إنها علم المعارف والتمثيل الحسيين، ما يتعين من الآن وصاعدا تحت تسمية :الجمالية.″[6]

عادت أفكار النسبة والتناسب والتوازن والاعتدال إلى الظهور مرة أخرى خلال عصر النهضة الأوروبية، ثم كانت الرومانتيكية بعد ذلك بنزلة رد الفعل الحساس المضاد تجاه هذا الاعتماد الصارم على العقل ومن ثم انطلقت قوى الخيال والعاطفة من قيودها. فقد ظهر العديد من الفلاسفة الذين حاولوا مواجهة الاتجاهات التي تتأسس على العقل وحده في تفسير وفهم الفن والجمال، فقد حاول إيمانويل كانط أن يبلور نموذجا نقديا متميزا من خلال دراسة وتحليل النماذج السابقة، ″وقد تمثلت الخطوة العظيمة لكانط مقارنة بالسابقين عليه أو المعاصرين له في أنه ذهب إلى ما وراء التحليل الإمبيريقي للإحساس الجمالي متجها نحو التحديد الخاص لعلم الجمال باعتباره مجالا خاصا للخبرة الإنسانية يماثل في أهميته وتكامله المجالين الخاصين بالعقل النظري والعقل العملي (أي المجال  المعرفي والمجال الأخلاقي)″.[7] وبالتالي التأكيد على أن التجربة الحسية هي منطلق أي معرفة إنسانية، أي اتصال حواسنا بالأشياء التي لن نعرف منها إلا ظاهرها. وهو يؤكد بذلك على أن التجربة الحسية وحدها غير كافية، لأن الإحساسات التي نتحصل عليها من التجربة لا يكون لها معنى إلا من خلال قدرات قبلية في العقل، هي أولا الحدوس الحسية القبلية التي تضع الإحساسات القادمة من التجربة في سياق بشري متصور، ثم تنتقل هذه الإحساسات المتصورة في سياق زمني وومكاني إلى الفهم أو العقل الفعال المكون من مقولات الكم والكيف والعلاقة والجهة التي تعطينا القدرة على صياغة الأحكام.

″طرح كانط أسئلة جوهرية حول طبيعة الفن. وأنكر أن الفن يقع ضمن مفاهيم الضرورة أو الحرية، وأنكر كذلك أن الفن هو شكل من أشكال الفهم العقلي أو السلوك الأخلاقي.″[8] وبالتالي إضافة حجة قوية على تفرد الفن واستقلاليته، من خلال نفيه أن الحكم الجمالي والذوق الجمالي من الأمور المتسمة بالموضوعية. ورغم إقراره بأن الأحكام على الجمال أحكام ذاتية، فإنها  في رأيه أيضا أحكام عامة يشارك فيها كل فرد يمتلك ذوقا جيدا.  ولذلك اقترح كانط فيما يتعلق بالجمال ميدانا للذوق لا تتحكم فيه المفاهيم العقلية. اقترح كانط وقدم أيضا نظرية حول»الجليل «حيث يتجلى»اللانهائي «الذي يتجاوز المفاهيم العقلية المحددة في الفن، ومن خلال»العبقرية «تلك القدرة على الإنتاج بمعزل عن القواعد والقوانين.[9] تركت هذه الأفكار حول العبقرية في المدرسة الرومانتيكية في الفن والأدب، وكانت آراؤه حول »الجليل «مهمة بالنسبة ل ”هيجل‟، و”فريدريك نيتشه‟ الذي ”بدا له الفن مثل زينة الوجود ‹الرخيصة›، مثل زخرفة بسيطة مرشحة لجلب شيء من الفتنة في حياة مستبعدة من قبل ما هو وظيفي‟[10]،  كما أنها أثرت بشكل عام في عدد من الكتابات التالية له في أوروبا بشكل العام.

غير أن أفكار ”إمانويل كانط‟ لقيت معارضة شديدة من طرف الاتجاه الرومانسي مع هيغل الذي رأى أن تصور كانط (الشيئ لذاته والشيئ في ذاته) ميكانيكيا وآليا مما أفقده المعنى والدلالة.

وفيما يتعلق بمصطلح الإستطيقا  Aesthetic ويعني علم الجمال، فقد تتبعه ”عز الدين إسماعيل‟ في كتابه "الأسس الجمالية في النقد العربي"، فقال إن معناها في البداية كان علم المدركات الحسية، ثم تطور إلى علم المعرفة الحسية، ثم إلى علم المعرفة الحسية الغامضة، وأخيراً إلى علم الجميل أو علم الجمال.[11] ولم يستقر أمر علم الجمال وتعريفه بعد لأن أمر الجمال نفسه لم يستقر، فكل فيلسوف ومفكر وناقد له نظرته للجمال ينطلق فيها من بيئته وخلفيته العلمية والثقافية والعقدية وما إلى ذلك. ونظريات الجمال لا تزال غامضة يصعب تحديدها، فالقانون الأوحد للجمال أنه ليس للجمال قانون. وذلك لأن الجمال من القيم المطلقة التي لا يمكن تحديدها أو حصرها، ولهذا يأتي تعريف كل ناقد أو فيلسوف مختلفا عن تعريفات الآخرين، لأن كل واحد منهم ينظر إلى الجمال من زاوية لا يراه منها الآخرون، وبالتالي يعبر كل واحد منهم على قدر ما يتجلى له الجمال في الأشياء، غير أن هذا لا يمنع من أن نتطرق لبعض التعاريف ونحاول صياغة تعريف يمكن أن يشتمل على بعض محددات الجمال.

 لذلك، الإجاب عن السؤال: ما الجمالية؟ صعبة ومعقدة لتداخل التعارف وتعددها وتشعبها. وعلم الجمال الحديث، كما نعرفه اليوم، فيمكن أن نتتبعه بدءا من القرن الثامن عشر عندما ابتكرت هذه الكلمة لأول مرة من خلال الفيلسوف جوتليب بومجارتن. ومن حيث فقه اللغة فإن الجماليات كانت تعني دراسة الإدراك الحسي،  لكن ولع بومجارتن بالشعر خاصة والفنون عامة جعله يعيد تعريف حدود هذا الموضوع على أنه «نظرية الفنون العملية أو علم المعرفة الحسية [12]« وقد سار على هذا الدرب لأنه كان يعتقد أن اكتمال الوعي الحسي يمكن أن يوجد في أنقى حالاته خلال الإدراك الفائق للجمال.

كانت أجنحة من يدركون الجمال تتحرك ذهابا وإيابا بين الأرض والسماء، بين  الجمال  المادي والجمال المعنوي، كما أصبحت كلمة «الجمال « لدى البعض أيضا غير ضرورية، لكن هذه الكلمة ظلت تستخدم، كما ظلت أنواع خاصة من المشاعر مرتبطة بها، نشعر بها عندما تقال هذه الكلمة أو عندما نسمعها أو نقرأها، كما أنها تظل معنا عندما نقرأ أو نشاهد عملا فنيا. إن الجمال يرتبط لدى الكثيرين المشاعر الحسية المتميزة التي يستثيرها بداخلنا الموضوع الجميل.

إن الإحساس الجمالي كما يستشعره المشاهدون هو إحساس سار أو ممتع، وقد يكون بصريا في الأساس أو سمعيا، ثم يمتد ليشمل جسد الفرد كله. والجمال ليس متعلقا بالشكل المنفصل أو المنعزل عن مضمونه، لكنه يتعلق بالتركيب الخاص للمستويات المتنوعة من المعنى والتأثير الشامل والإحساس الشامل بالحياة في تألقها وتدفقها الدائم. كما أن الجمال يمكن إدراكه وتذوقه في مجالات وأشكال وموضوعات مختلفة ومتنوعة، فهو عابر للتخصصات والفضاءات والمظاهر، يستقر حيث يوجد مواصفاته وأنواعه ومميزاته. «إن الجمالية وفق معناها الحالي، وأيا كانت الخصوصية أو التنوع المميزين لها منذ بومغارتن، لا يمكن أن تختصر بأي من العلوم المحددة التي لجأت إليها أحيانا، مثل علم النفس، وعلم التحليل النفسي، وعلم الاجتماع، والإناسة، والسيميولوجيا أو اللسانية»[13].

 

الصديق الصادقي العماري

باحث في المسرح وفنون الفرجة

......................................

بيبليوغرافيا

- مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ترجمة د. شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، ط1، 2009م

- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي (دراسة في سيكولوجية التذوق الفني)، عالم المعرفة العدد 267، مارس 2001م

- محسن محمد عطيه، الفن والجمال في عصر النهضة، عالم الكتب-القاهرة، 2002م،

- إسماعيل، عز الدين. الأسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، دار الفكر العربي-القاهرة، ط3، 1974م،

 ......................

هوامش

[1] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ترجمة د. شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، ط1، 2009م، 21.

[2] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 44.

[3]  شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي (دراسة في سيكولوجية التذوق الفني)، عالم المعرفة العدد 267، مارس 2001م، ص8.

[4] محسن محمد عطيه، الفن والجمال في عصر النهضة، عالم الكتب-القاهرة، 2002م، ص 14.

[5] شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي ، مرجع سابق، ص 8.

[6] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 30.

[7] شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق، ص 93.

[8] شاكر عبد الحميد، المرجع نفسه، ص 94.

[9]  شاكر عبد الحميد، المرجع نفسه، ص95.

[10]مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص21.

[11] إسماعيل، عز الدين. الأسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، دار الفكر العربي-القاهرة، ط3، 1974م، ص14.

[12]شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق، ص15.

[13]  مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 32.

 

(إنني أريدك أن تعلم أنه إذا كان ثمة شيء جدير بالتقدير أو الاعتبار فيما أنا بصدد إنتاجه فإن هذا الشيء ليس وليد الصدفة أو الاتفاق وإنما هو ثمرة لقصد حقيقي.) .. الفنان الهولندي فان غوغ

مع الأسف الشديد يستمر الوعي البصري للمواطن العربي بالاذعان للأعمال التشكيلية المحاكاتية لنماذج من الطبيعة كزرقة المياه والزهور والأشجار والجبال... وكذلك هو الشأن بالنسبة لرسومات البورتريهات وعمليات نسخ نماذج تشخيصية من تمارين معاهد الفنون الجميلة الخاصة بالطبيعة الميتة. أو نماذج أخرى تتجذر في عمق الهوية العربية كالتعبير عن المرأة البدوية في صيغ مختلفة على حسب البلدان التي ينتمي إليها الفنان، أو التعبير أيضاً عن أجواء احتفالية لمناسبة من المناسبات كالدينية والوطنية أو لموسم من المواسم التي تمتاز بها منطقة من المناطق أو جهة من جهات الوطن العربي والأمثلة هنا مختلفة ومتباينة بحسب الثقافة السائدة.

والملاحظ أيضاً أن هذا العائق الإبستيمولوجي ظل لسنوات من الزمن يهيمن على جل الأعمال التشكيلية لدى الفنانين، ولا سيما تلك الفئة التي باعت منتوجاتها "الإبداعية" بثمن بخس خدمة للبورجوازية التي صارت تقدم لهم موضوعات وتيمات أعمالهم الفنية، حيث اقتصرت وظيفة هؤلاء على النسخ والتصوير وكأنّهم آلة فوتوغرافية.

وظل السؤال الجوهري يسكن هاجس نقاد الفن وذلك بالموازاة مع محطات تحوُّلِ الفن التشكيلي عند الغرب ونظيره ببلادنا: لماذا لم نرقى بذوق المواطن العربي نحو عتبة مقبولة – لا أقول حسنة أو جيدة – لفهم الفن ومحاولة للصعود به في سلم التذوق؟ لماذا ظل الفن التجريدي غائبا في وعي البصري عند المواطن العربي؟

الحقيقة أن عملية تشكيل الوعي ببلادنا أضحت متمركزة حول الوعي الحسي والمادي، بينما الوعي الذهني التجريدي فقد ظل غائبا تماماً في عملية تلقي الأشكال والأنواع الفنية، ولا سيما منها تلك التي تبتغي طرح قضايا وتساؤلات من صميم المفكر فيه وكذلك اللامفكر فيه بمرجعية فلسفية تقوم على تصحيح المحسوس المادي وتأصيل المعقول التشكيلي.

لقد بقي إلى اليوم هذا السؤال يسكن أدمغة المبدعين من التشكيليين العرب وغيرهم من الذين ساروا على درب الإبداع بخطى ثابتة بهاجس أساس مؤداه هدم بادئ الرأي التشكيلي الذي ارتبط بتلك النماذج التي ذكرناها آنفا والتي ظلت للأسف لصيقة بوعي المواطن العربي حتى ظن بعض.هم أنها جوهر الفن التشكيلي .

فهل استطاع الفنان العربي التعبير عن ثقافته بغض النظر عن تاريخ تطور الفن عند العرب في شقه الديني المانع للرسم والتصوير ..؟ وهل استطاع الفنان العربي خلق فن تشكيلي يراعي مقومات الهوية والبنى الإجتماعية المكونة للثقافة العربية ؟ أم إنه سجين تصورات غربية تؤطر فكره وأفق تصور الفني كمحاولات لإستنساج ما أنتجه الغرب وعكسه بمسلاط نحو الذات العربية المجتمع العربي معتمدا على معيار المماثلة لخلق أشباه ونظائر؟

ما هو معيار الحكم الجمالي عند المواطن العربي في تلقيه للعمل التشكيلي؟   وهل استطاع أن يرقى بذوق هذا المواطن نحو فهم حقيقة الفن وجوهره ؟

 

(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن

 

إن جماليات الحروف المغربية في المنظومة الخطية المغربية الجديدة تعد مركز البنيات الشكلية في تفكيك الخطاب البصري، ولا يمكن إطلاقا أن نتحدث عن البنيات من دونها. لأنها تحرك العناصر الداخلة في تأليف الخطاب البصري من خلال انسيابيتها وتشكلاتها واستقاماتها ودورانها وميلانها وانحناءاتها واسترسالاتها..  وتتخذ الصورة الخطية المغربية مكانة هامة في البصر وذلك لما للتركيب الحروفي المغربي من قيمة وأهمية في مجال الرؤية البصرية. ومن هذا المنطلق، أصبح لمجال الخط المغربي دور هام في جذب عين القارئ ذهنيا ووجدانيا وحركيا، والتأثير عليه شعوريا. ومن هنا يتبدى أن صور تركيب الخط المغربي والأشكال الخطية المغربية الصرفة في المنظومة الخطية المغربية الجديدة تمارس قوتها التعبيرية وتأثيرها على القارئ من خلال تمظهراتها المتجددة، ومن خلال العلامات والأيقونات المتنوعة. فهي لغة تَخاطب وتواصل برموزها وأشكالها المكونة للبناء التأليفي للفضاء ومساحاتها الملونة، وبكل المكونات الجمالية البصرية التي تشكل عامة سيميولوجيا الخطاب البصري الذي يتمظهر في المعنى والدلالة برهانات قائمة على أسس موضوعية..

فعملية الوصول إلى فهم متكامل ومتماسك للنص الحروفي المغربي في أبعاده الفنية والجمالية يقتضي استثمار البعد البصري إلى أقصى بعد ممكن. فعملية القراءة والتفسير والتحليل والتأويل هي عمليات تعضد تعميق دلالات الخطاب البصري وإغنائها.

إن الأسلوب النقدي للخط المغربي - في نطاق شروطه الفنية والإبداعية وما يحتويه من وعي جديد وخطاب بصري جديد ناضج - يتضمن القيمة التعبيرية والفنية والجمالية، ويحتوي مجموعة من الأشكال والخطوط الجديدة، ويقتضي البحث في محتويات المنظومة الخطية المغربية الجديدة التي تروم رهانات الموضوعية في ارتباط بوجود الهدف وإظهار الدلالات المعرفية والجمالية التي تتعلق بالخطاب البصري المحمل بالعلامات البصرية المختلفة باعتبارها معاني ودلالات.

فقراءة الخط المغربي حاليا، وقراءة الخطاب البصري من منظور مغاير وبشكل موضوعي يسهم في إظهار تلك القيمة الجمالية ويكشف عن جوهر الإبداع وعناصره الفنية باعتبار أن هذا النوع من الخطاب قد أضحى خطابا مؤثرا، فهو يعتمد الدلالة الواضحة لماهية الفكرة المضمرة في عمليات التركيب للخط المغربي، وأهمية الطرح والتأثير في القارئ للعمل الفني الإبداعي. كما أن تحليل الرموز التي ينتجها الخطاب البصري في الخط المغربي تتحدد في نطاق القدرة النقدية بما تمتلكه من دلالات في إعادة صياغة تشكيل الخطاب داخل النص الحروفي المغربي.

وإذا كانت المنظومة الخطية المغربية الجديدة تعتمد على مفردات دقيقة ومفصلة تمثل عناصر الصورة الخطية وتفاصيلها والأشكال الحروفية المتنوعة وبنياتها؛ فإن هذا التمثل يقع أساسا بالحروف مفردة أو متصلة، ويقع كذلك بالألوان والمواد والفراغ.. وتدخل جميعها في النسيج الجمالي للخط المغربي الذي يعتبر العنصر الأساسي في هذه المنظومة. فهو يتسم بإمكانية عالية. وطبيعي أن يدخل في حساب اللعبة البصرية عبر تقديم استعراضات خطية وتعميق صيغ الجمال، والتحرك ضمن التوليفة التشكيلية بإيحاءاتها وإشاراتها وجمالياتها الفنية التي تنطوي على كثير من التأمل وصنع حيز من عمليات التوظيف المحكم لكل العناصر المكونة للخط والشكل الحروفي بما يكسبه طاقة دلالية عالية.

 

د. محمد البندوري

 

- (إن الرسم شعر صامت.. والشعر تصوير ناطق..) .. الشاعر اليوناني سيمونيدس"

- قال "هوراس":" القصيدة مثل اللوحة".

- ويقول نزار قباني في قصيدة (الرسم بالكلمات):

(كل الدروب امامنا مسدودة .. وخلاصنا .. بالرسم بالكلمات).

ان دراسات من هذا النوع التي تجمع بين الادب و الفن التشكيلي تأت لبيان وتوضيح مساحات اللقاء بين الفن التشكيلي والأدب، وقد كان هذا اللقاء منذ القدم، منذ قبل يحيى الواسطي كرسام قام بوضع رسوم لمقامات الحريري ، الا ان الدارسين والباحثين لم يقدموا شيئا عنه سوى النزر القليل، فظلت مكتبتنا العربية فقيرة  الى حد ما لمثل هذه الدراسات .

وهي كذلك تأت لرسم الحدود الفاصلة والموصلة في نفس الوقت بين الفنين، ودراسة الارضية المشتركة بينهما، إذ انها تكون مفتوحة على الجانبين، وهذه الارضية تسمح بتداخل وتثاقف المفاهيم والادوات بينهما، لان الفنين شريكان في التاريخ الذي يحملانه، ويربط بينهما العديد من الروابط ذات العلاقات النوعية .

وقد استقبل الشعراء أعمال الفنانين التشكيلين، وكذلك استقبل الفـنـانون الشعر، لوجود علاقة بين الاثنين، و نجد من نتائج هذه العلاقة رسومـات ولـوحـات فـنـيـة كثيرة تصنف على انها قصائد شعرية مصورة أو مجسمة، منذ " امرؤ القيس" حتى يومنا هذا.

في قصيدة لرامبو يتحدث فيها عن لوحة (فينوس) يقول :

("والرقبة بعد ذلك مكتنزة بالشحم وداكنة

والكتفان العريضان بارزان والظهر معوج

والدهن يلمع تحت الجلد، كالأوراق الملساء

والاستدارة أسفل الظهر تبدو شديدة الانتفاخ").

ويقول الشاعر صلاح عبد الصبور في احدى قصائده :

لون رمادي سماء جامدة

كأنها رسم على بطاقة

مساحة أخرى من التراب والضباب

تنبض فيها بضعة من الغصون المتعبة

كأنها مخدر في غفوة الإفاقة

وصفرة بينهما كالموت كالمحال

منثورة في غاية الإهمال

(نوافذ المدينة العذبة. ...)

كذلك قصيدة الشاعر حميد سعيد (المرور في شوارع سلفادور دالي... الخلفية) وقصيدته (محاولة إعادة رسم الجيرنيكـا)(من ديوانه الأغاني الغجرية) وغير ذلك من قصائد الشعراء .

في دراسة سابقة تحدثت عن العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي من خلال دراسة المنجز الابداعي للفنانة "عاليا الوهاب " وكانت الدراسة بعنوان (المرأة البدينة بين الشعر والفن التشكيلي.. الخطاب التشكيلي لجمال المرأة البدينة.. الفنانة عالية الوهاب إنموذجا) حيث وجدت ان هناك علاقة بين الشعرمنذ اقدم العصور،والفن التشكيلي، وقد نشرت على صفحة (اشكال والوان) لصحيفة " الحقيقة".

هذه العلاقة محكومة بما يسمى التناص، التناص بين ماهو فني وما هو شعري، اذ انها تأتي في حالة تبادل نصي (قصيدة / لوحة) وتتصف بتأثر كبير بين الاثنين، فتخلق عند ذاك تناص نوعي وكمي بينهما، وفي هذه الحال يكون تبادل الادوار مسموح به، اذ يمكن للقصيدة ان تسبق اللوحة زمنيا، ويمكن للفن التشكيلي (اللوحة) ان يسبق القصيدة .

امامنا الان تجربة الفنان العراقي فيصل لعيبي التشكيلية التي تحمل خطابه التشكيلي، ورؤيته الفنية عن بعض الشعر العربي الذي قيل، وفي هذه التجربة سنقترب كثيرا من عالمه التشكيلي المجسد لما تمنحه القصيدة من رؤى وتصورات للفنان التشكيلي .

فمنذ عام 1972 كنت اتابع انجازات الفنان فيصل التشكيلية، اذ في هذا العام - كما اذكر- اقام معرضة التشكيلي الذي قدم فيه لوحات تشكيلية معتمدة على قصائد للشاعر امريء القيس، وفي هذه الدراسة سنقدم منجزه التشكيلي عن مجموعة من القصائد المختارة التي جسدها حسب رؤيته في لوحات تشكيلية تخطيطيا.

في هذه اللوحات قدم الفنان ليس رؤيته لقراة القصيدة، وانما قدم قوة قلمه التخطيطي في انجاز لوحة تشكيلية معبرة دون الوان سوى الضئيل منها، وهذا الضئيل لا يعدو الاكسسوارات المؤثثة بها اللوحة والتي وضع فيها شيفرته التي حاول توصيلها للمتلقي، وقد كان حريصا في استخدام الالوان، ومبدعا في المكان الذي يستخدمها فيه.

تتصف شخوص الفنان النسوية بأنها جميعا عارية، او شبه عارية، وهذا الاسلوب اتاحه له عيشه في اوربا المنفتحة على كل شيء، ومنها رسوم فناننا التشكيلي، وايضا هي تجسيد للقصيدة التي تناصت معها، فهي تكون عارية كما قال الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني في قصيدته (سقط النصي (:

(سَقَطَ النّصيفُ، ولم تُرِدْ إسقاطَهُ ... فتناولتهُ، واتقتنا باليدِ)

ثم يصف الجسد الانثوي وكل شيء فيه وكأنها عارية تماما، او شبه عارية كما في قصيدة لامرئ القيس التي يقول فيها :

(جِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا ... لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ)

ولبسة المتفضل هو ما تبقى على جسدها من ثياب قليلة جدا تستر المرغوب فيه.

من هذا البيت، والقصيدة ايضا، راح الفنان لعيبي يتناص مع القصيدة، فهو على الرغم من انه يحاورها في فنه التخطيطي، الا انه راح يجسد رؤياه لما في البيت – والقصيدة – من فكر خلاق، وكنوز تخيلية .

قسم الفنان لوحته الى ثلاثة اقسام افقية، في القسم العلوي حيث الخيمة اظهر شابا وسيما ينظر من باب الخيمة متلصصا، وقد بانت على محياه علامات الدهشة لما يرى، وفي القسم الوسطي وهو الاهم والذي يأخذ من الفنان جهدا كبيرا في تخطيطه، يظهر الفنان الثيمة الرئيسية للوحة، وهي الفتاة المستلقية على جنبها الايمن (في الموروث الشعبي هذا استلقاء الملوك) وقد نضت ثيابها الا (لبسة المتفضل) أي انها غطت وسط جسمها بقطعة قماش.

اما القسم الثالث فقد اثثه الفنان باناء مليء بالفاكهة، وقد لونه بالوان الفاكهة، ووضع تفاحة حمراء (في الموروث الشعبي وبعض الادبيات الدينية هو ثمر الجنة الذي اكل منه ادم وحواء وسقطوا في الغواية) على الارض لتدل على الغواية، اذ ان موضوع القصيدة واللوحة التشكيلية هو (الغواية) التي اتت من خطيئة جدنا ادم حسب الاسطورة التوراتية (تكوين 3 7:6)

ان اكتناز جسد المراة باللحم يذكرنا بالمجاز اللغوي الذي يقول (خرساء الاساور او الحجول) لامتلاء جسمها باللحم، وعيشة الترف التي تمنع الاساور او الحجول من ان تخرج صوتا (ترن).

في لوحة اخرى يتناص الفنان لعيبي مع معلقة امرؤ القيس التي يقول فيها :

فَـلَمـَّا أجَـزْنَـا سَـاحَـةَ الـحَـيِّ وانْتَحَى ... بِـنَـا بَـطْـنُ خَـبـْتٍ ذِي حِقَـافٍ عَقَـنْقَـلِ

هَـصَـرْتُ بِفَـوْدَيْ رَأْسِـهَـا فَـتَـمَـايَـلَـتْ...عَـلـيَّ هَـضِـيْـمَ الـكَـشْـحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

إذا التـفتـت نحـوي تضــوّع ريـحُـهــا... نـسـيـمَ الـصَّـبـا جـاءت بـريـا القرنفُلِ

مُـهَـفْـهَـفَـةٌ بَـيْـضَـاءُ غَـيْـرُ مُـفَـاضَـــةٍ ... تَـرَائِـبُـهَـا مَـصْـقُـولَـةٌ كَـالـسَّـجَـنْـجَــلِ

كَـبِـكْـرِ الـمُـقَـانَـاةِ الـبَـيَـاضَ بِـصُـفْرَةٍ ... غَـذَاهَــا نَـمِـيْـرُ الـمَـاءِ غَـيْـرُ مُـحَـلَّــلِ

تَـصُـدُّ وتُـبْـدِي عَــنْ أسِـيْـلٍ وَتَـتَّــقــي ... بِـنَـاظِـرَةٍ مِـنْ وَحْـشِ وَجْــرَةَ مُـطْـفِـلِ

وجِـيْـدٍ كَـجِـيْـدِ الـرِّيـمِ لَـيْـسَ بِـفَـاحِـشٍ ... إِذَا هِـــيَ نَــصَّـــتْــهُ وَلاَ بِــمُــعَــطَّــلِ

وفَـرْعٍ يَـزِيْـنُ الـمَــتْـنَ أسْـوَدَ فَــاحِــمٍ... أثِــيْــثٍ كَــقِــنْــوِ الـنَّــخْـلَـةِ المُتَـعَـثْكِلِ

غَـدَاثِــرُهُ مُـسْـتَـشْـزِرَاتٌ إلَــى الـعُـلا ... تَـضِـلُّ الـعِـقَـاصُ فِـي مُثَـنَّى وَمُرْسَـلِ

وكَـشْــحٍ لَـطِـيـفٍ كَـالـجَـدِيْـلِ مُخَـصَّرٍ ... وسَــاقٍ كَـأُنْــبُــوبِ الـسَّـقِـيِّ الـمُـذَلَّــلِ

وتَـعْـطُـو بِـرَخْـصٍ غَـيْـرَ شَـثْـنٍ كَـأَنَّهُ ...أَسَـارِيْـعُ ظَـبْـيٍ أَوْ مَـسَـاويْـكُ إِسْـحِلِ

تُــضِــيءُ الــظَّــلامَ بِـالـعِـشَـاءِ كَـأَنَّـهَا ... مَـنَـارَةُ مُــمْــسَـى رَاهِــبٍ مُــتَــبَــتِّــلِ

وَتُضْـحِي فَتِـيْتُ المِسْكِ فَـوْقَ فِراشِـهَا ... نَـؤُومُ الضَّـحَى لَمْ تَنْتَــطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ

إِلَـى مِـثْـلِـهَـا يَـرْنُـو الـحَـلِـيْـمُ صَـبَـابَـةً ... إِذَا مَـا اسْـبَـكَـرَّتْ بَـيْـنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ

يقسم الفنان لوحته افقيا الى قسمين، الاعلى يتركه فقيرا من الالوان الا ما كان من اناء الفاكهة والوردة الحمراء ذات الدلالة الحسية المعروفة عند المتلقي.

اما القسم الثاني فيلونه بالوان مكررة، انه نقش البلاط الارضي.

ان العلاقة بين الرجل وامراة هي علاقة تحكمها اشواق وهيام وتمنيات باللقاء ووردة حمراء .

وفي اللوحة امراة اخرى تحمل الفراش بين يديها تقدمه لسيدتها استعدادا لما ستنتجه الوردة الحمراء من افعال حسية، والفراش كناية عن مخدع النوم.

***

ويرسم الفنان لوحة تمثل امرأة شبه عارية الا ما يستر وسطها، ورجل مختبئ تحت السرير،وامراة اخرى تتلصص من خلف الستارة، وفي مقدمة اللوحة اناء مليء بالفاكهة، وخاصة التفاح (فاكهة الغواية) .

ان تركيز الفنان على اناء الفاكهة بتلوينه، وعلى وضع هالة صفراء على المرأة المتلصصة، هو تأكيد على ان المراة شبه العارية كانت في وضع سابق غير مريح للاخرين مع الرجل.

وقد تناصت اللوحة مع قصيدة الشاعر الأعشى أبو بصير ميمون بن قيس:

غرّاءُ فرعاءُ مصقول عوارِضَها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوجلُ

كأن مشيتها من بيتِ جارتها ... مرُّ الســــــــــــحابةِ لاريث ولا عَجـــَــــــلُ

***

ويتناص الفنان مع قصيدة (فلا تسألي) التي غنتها ام كلثوم تشكيليا، وهي من شعر بكر بن نطاح الحنفي، فيرسم رجل وامراة في وضع خاص، حيث تبان ملامح الاكتناز على المراة التي ادارت وجهها الى المتلقي، وقد وضعت لفافات غطاء على وسطها ووسط الرجل الذي بان راسه الحليق وقدميه فقط، وهذا تركيز من الفنان على المرأة المكتنزة باللحم، ودورها في المضاجعة.

***

وعن قصيد احمد شوقي (ياجارة الوادي) التي يقول فيها:

(لم أدر ما طيب العناق على الهوى ... والروض أسكره الصبا بشذاكِ

لم أدر والأشواق تصرخ في دمي .......... حتى ترفق ساعدي فطواك

وتأودت أعطاف بانكِ في يدي ....... ..  واحمر من خديهما خداكِ)

تناص الفنان فيصل لعيبي مع موضوعة هذه القصيدة، فرسم لوحة تشكلية تفوح بعطر الاشواق للاخر الذي هو في عناق مستمر، وبالالوان راح يلون ما في النصف الوسطي من اللوحة ليبرز جسد المراة المتعانقة في وضع شبقي معروف، وجسمها اكثر اكتنازا باللحم .

ان وجه الرجل المعانق في اللوحة يعكس وجه الفنان فيصل لعيبي، هل هذه اللوحة تجسيد لحلم الفنان في ان يعيش في حالة عناق دائمي؟ اترك الاجابة للمتلقين .

ومن القصيدة ذاتها تناص الفنان لعيبي معها وانجز لوحة تفوح بعطر المنجز الاسلامي في فن العمارة .

فقد احاط الشابين المتعانقين، وهم في وضع ما، ببناء على الطراز الاسلامي، واحاطه بآيات قرانية تبدأ بالاية (بسم الله الرحمن الرحيم) ليؤكد الفنان ان ما يمارسونه من عمل هو محمي من القران والاسلام.

***

وقد تناص الفنان مع قصيدة للشاعر عزيزي اباظة (همسة حائرة) ولحنها الفنان محمد عبد الوهاب، في لوحة تفيض رقصا، تقول القصيدة:

"لم نعتنق والهوى يغري جوانحنا ... وقد تعانق روحـــــــانا وقلبـــانا"

***

ومن الشعر الشعبي تناص الفنان لعيبي مع كلمات اغنية كتبها الشاعر رياض النعماني بعنوان (بساتين البنفسج) في لوحة رسمها لعشيقان، وقد اثثها بوسائل التواصل (السلم) و برسول المحبين (حمامة)، وبالاجواء الرومانسية في ليل يظهر فيه هلال ونجمة، وعلامة العشاق الحسية (الوردة)، يقول فيها :

"بساتين البنفسج غفت بعيونج

وطاير بالشعر سرب الحمام

أنا مجنون .. أنا مجنون

انا مجنون وخذاني الهوى

واطوّح غرام ........ "

***

الفنان فيصل لعيبي استعار من الشعر ما يوصله الى رسم لوحة تشكيلية رائعة تقول اشياء واشياء للمتلقي، وتعيد نفسها وتولد دلالاتها ومعانيها مجددا كلما قرأها متلق اخر.

ويكرر الفنان الكثير من اثاث لوحاته فيما بينها جميعا، الا ان التكرار هذا ينضح ابداعا ودلالات ومعان متعددة، فاناء الفاكهة يتكرر في اغلب لوحاته وهو يحوي التفاح، ليكون موتيفة اساسية لها دلالتها الرمزية في اعطاء معنى الغواية، والوردة وما تمنحه من دلالات، والفراش – او ما يدل على الفراش – هو الاخر يتكرر بصورة ابداعية مثمرة، والسرير الخشبي الدال على ارستقراطية المرأة وترفها،وجسد المرأة المكتنز باللحم والعري ايضا يتكرر بوضعيات تبرز حالة الابداع التي تقدمها تخطيطات الفنان لعيبي .

وقد تناص الفنان في لوحات كثيرة مع قصائد عربية قديمة، وقصائد مغناة، وشعر عامي، فكان خطابه التشكيلي يعكس رؤيته لما يقرأه او يسمعه من شعر واغان، وقد قدمه في لوحات لم تكن الالوان من صفاتها الا القليل القليل لما يريد التركيز عليه.

واخيرا يقول بيكاسو: " بعد كل شيء، والفنون كلها واحدة، يمكن أن نكتب لوحة بالكلمات كما يمكن أن نرسم المشاعر في قصيدة ".

 

قراءة : داود سلمان الشويلي

 

 

 اسمها الحقيقي فاطمة محمد سليم علي الموصلي ولدت في استنبول عام 1927 وتوفت في بغداد عام 2008 عن عمر بلغ 81 سنة . وهي من عائلة كلها تمتهن الفن ابتداءا من والدها الحاج سليم الذي يعتبر من رواد الفن العراقي الحديث الى اخوتها جواد سليم ونزارسليم وسعاد سليم الذين ساهموا بشكل فعال في بناء الصرح الفني العراقي المعاصر .
كان لي الشرف ان اكون احد طلابها في معهد الفنون الجميلة عام 1968 حيث كانت تدرس مادة التصميم . وكانت رائعة ومثقفة ولديها طاقة عملية وفكرية واسعة، وكانت انيقة في حديثها وملبسها، وصوتها يكاد لا يسمع، ودائمة الابتسامة وبشوشة، وعندما تأتي الى الصف نراها تحمل على صدرها عددا من الكتب الفنية، ونتيجه لقصر قامتها فانها تلبس الكعب العالي وتمشي الهوينا ولهذا فبصرها دائما محدقا الى الارض خوفا من العثرة الغير متوقعة .. وهذا المشهد يذكرني ببيت من الشعر :

(الهوينا كان يمشي - - كان يمشي فوق رمشي) 

كانت اول امرأة عراقية جريئة تسافر الى اوربا لدراسة الفن في وقت كان المجتمع العراقي يوم ذاك منغلقا جدا على نفسه ولولا عائلتها الفنية المنفتحة لما استطاعت السفر وحدها الى الخارج .. ولم يكن الحظ يحالفها في الزواج طيلة حياتها . مما اعطاها فرصة كبيرة للعمل الفني والتدريس والقاء المحاظرات وحضور المؤتمرات والسفر الى الخارج . وكان جواد سليم استاذها ومعلمها في الرسم .    وقد درست في باريس في مدرسة البوزار على يد الفنان المعروف- فرناند ليجيه –Fernand Léger 1881- 1955 وقد عرف هذا الفنان باتجاهه التكعيبي حيث تأثر باعمال بيكاسو واخذ يستخدم الاشكال الهندسية وظهرت وجوه اشكاله دائرية ومسطحة احيانا وقد عملت له الحكومة الفرنسية متحفا خاصا يضم مجموعة ممتازة من اعماله في مدينة Biot . افتتح عام 1960.

 تخرجت نزيهه سليم عام 1951 وعادت الى العراق وعينت في معهد الفنون الجميلة . وكانت من اوائل الفنانات اللاتي ساهمن في الحركة التشكيلية العراقية التي بدأت تزدهر في الاربعينات والخمسينات ..

التقنية :

تأثرت باعمال جواد سليم من حيث التبسيط والحرية في الخط واللون والفرشة الطلقة والالوان الحارة وعدم الاهتمام بالتفاصيل .. وتذكرنا بحرية الفنان النرويجي مونخ في رسم اشكاله والوانة مع الفارق الكبير بينه وبينها، اي بين مؤسس المدرسة التعبيرية وتلميذ يتعلم ويقلد .

واحيانا نجد تلقائية وتبسيط وطفولة في اعمالها ولعل ذلك متأتي من دراستها وتخصصها في رسوم وتصميم الكتب ومسرح الاطفال في المانيا ..

والملاحظ ان عائلة محمد سليم قد حضيت برعاية خاصة من قبل العائلة الملكية حيث يذكر ان هناك اواصر صداقة ومصاهرة .. ولهذا نرى الزمالات الدراسية تغدق عليهم بكرم وسخاء دون تردد، فجواد سليم بعث مرتين الى الخارج وكذلك نزيهة ونزار سليم واحتلوا مناصب متقدمة في الفن والدولة .. ؟؟ اما الفنانين الذين عاشروا اواسط الستينات وما بعدها فقد عاشوا مأساة الاقصاء والحرمان نتيجة للنظام الحزبي والطائفي والاستبدادي مما اضطر البعص منهم الهجرة الى الخارج وهناك استطاعوا من تكوين انفسهم باصرار وتحدي ودموع غربة وبالتالي صنعوا من انفسهم فنانين ومثقفين احتلوا مراكز متقدمة في الخارج ..

اما مواضيع نزيهه سليم الفنية فقد تناولت الحياة اليومية العراقية من اعراس ومآتم والقرية والمدينة والفلاحين والقباب والمنائر البغدادية وكذلك رسمت المراة العراقية في الاهوار والحارات وغيرها من التقاليد الفلكلورية ... وكانت تجربتها الفنية مرتبطة بالفنانين العراقيين الرواد خاصة جواد سليم وكانت عضوا في جماعة بغداد للفن الحديث . ويذكر ان اعمالها كلها سرقت ولم يبقى منها سواى حوالي ستت اعمال .

ومن الفنانات العراقيات اللاتي عاصرن نزيهه سليم وبرزن وساهمن في حركة الفن العراقي نذكر بعضا منهن : وداد الاورفلي 1929، سعاد العطار 1942، ليلى العطار 1944، راجحة القدسي 1946، نهى الراضي 1941، سماء الاغا 1954، وغيرهن .. . الله يرحم الاموات ويسعد الاحياء .

 

د. كاظم شمهود

 

 

 

ملاحم الابداع الفني شهادة وذاكرة لكل العصورعبر تالقها وسط النجوم ومع كل اشراقة شمس حتى الزوال او الدهر اذ انها الذاكرة الحقيقية للاجيال وتاريخ لا يمكن التلاعب به او التشكك في حيثياتة لان بصماتة ليس فقط مطرزة بالالوان والخطوط والكتل والاحجام بل انها بصمات ضمير ومشاعر واحاسيس لايدركها الا الفنان ذاتة التي يجسدها عبر كل نبض من نبضاتة الشعورية واللاشعورية ولهذا لا يستطيع الناقد الفني من تفكيك تلك المشاعر والاحاسيس والافكار عبر خطوطة والوانة وكتلة المتناثرة على قطعة القماش الا انها محاولات من قبل هذا او ذاك من اجل الوصول الى تلك المشاعر الطوطمية وفك بعض رموزها الفنية وصولا الى المعاني والدلالات عبر الدال والمدلول والذي غالبا لا  يمكن التوافق على  دلالالتها المعرفية بقدر التقارب على مفاهيم  بسيطة لمفهوم الدلالة العامة والتي تحجم غالبا المكنون الذاتي للفنان كشرنقة النحل- كالالوان الحارة او الباردة او والخطوط المستقيمة او المتعرجة -او او او الخ ولهذا نجد الكثير من المبدعين يحاولون تمزيق تلك الشرنقةلغرض التنفيس عن تلك الثورة الهائجة للشعور واللاشعور والغاء المعاني والدلالات الضيقة للالوان والخطوط والكتل والاحجام وووووالخ

واذا ما اردنا التعرج على عنوان اللوحة للفنان المبدع حسام محسن فاننا نبقى عاجزين في التفسير والتحليل الضيق كعجز علماء النفس في تحليل الذات الداخلية للانسان عبر كل نظرياتهم المختلفة والتي لم تتوصل الى توافق في الرؤيا على الرغم من كل الابحاث التجريبة لتلك الذات المتغيرة بتغير ظروفها بدءا بتجارب فرويد وسكنر وبافلوف ووووالخ اذ كيف يمكننا هنا - ان نتوصل رؤيا نفسية او اجنماعية في تحليل - ضوء النفس- وهي ااضاءة نفسيةعن الراحل كاظم حيدر وكيف كان يصارع ويتحدى الموت القادم عاجلا وليس اجلا وكيف كان الفنان حسام محسن الذي يتعايش مع استاذة وهو يسمع صرخات الموت القادم ويسمع فيها دقات ونبضات القلب وهي تعزف لحنها الاخير حتى اصبح كقائد الاوكسترا يشعر ويقود تلك المعزوفة عبر كل نغم يتاتى صداة  من شهقة الموت للاستاذة وملهمة حتى تقاربت الارواح وانسجمت او تداخلت مع بعضها البعض كتناغم اصوات العصافير عند غروب الشمس ولهذا نقول نحن امام محاولة في -ضوء النفس- قد تعجز فيها الكلمات من التعبير عن تلك الارواح التي تجسدت عبر اللون والخط والكتلة  الا انها تبقى بصمات  فنية  تتجاوز فيها  ادوات الفن التشكيلي او الرسم ادواتة التعبيرية الى ادوات تجريدية موسيقية مفعمة  بالتناغم  الميلودي وصولا الى الروح ولهذانجد الالوان والخطوط والكتل المستخدمة في اللوحة تتراقص على الالحان والانغام لشهقات الموت ولهذا تقف الكلمات عاجزة كما تعجز الموسيقى من الوصول الى الروح وتطهيرها عبر انغامها التجريدية الاانها تصل في النهاية عبر التذوق الفني  ولهذا نحن امام محاولة  لجيل من المبدعين ومنهم- المتالق  الفنان حسام محسن-  الذي استمد من روح استاذة بصماتة الروحية قبل الفنية ولهذا  يخاطب جمهورة عن روح استاذة عبر شهقة الموت وباسلوب فني.

من بقف امام لوحة - ضوء النفس - وهو العنوان الذي اختارة الفنان في ذكرى رحيل استاذة  كاظم حيدر كانة يقف امام بركان ثائر من المشاعر والاحاسيس والافكار ولا يرى من ضوء النفس سوى تلك الخفقات النابضة التي يسمع صداها كنبضات القلب النازف بالجراح حتى تمتزج فيها المشاعر بالاحاسيس كامتزاج صوت الانين بالامل او السواد بالضياء اوالشروق بالغروب اذ انها عتمة الشتاء وانيين الالم واشراقة شمس مؤجلة، اذ انه الموت والامل والحياة وكل ما تحملة هذه الكلمات من معاني ودلالات عن صراع الروح مع الجسد  ولهذا كان اللون الاسود هو العنوان الرئيسي للوحة والذي حولة الفنان حسام الى اشكال هلامية مجردة نستطيع من خلالها ان ندرك كمية المعاناة التي كان يعيشها الفنان الراحل وصراعاتة مع الموت والتي شكلها الفنان حسام بشكل ابداعي عبر اشكال هلامية سوداء او زوقاء كادنة في مقدمة اللوحة او الواجهة الحقيقية لتلك الصراعات التي كانت تسيطر في حياة الراحل الكبير اذ انه جريان الدم المتدفق عبر صرخات وانيين نسمع صداه عبر اللون الاحمر المتدفق والتي ترجمها الفنان بشكل فني  وابداعي عبر جريانة من تلك الاشكال الهلامية ويستمر ذالك الجريان حتى يلامس الارض او نهاية اللوحة عند منتصها وبنفس الوقت ان الراحل لم يستسلم لهذا النزيف المتدفق بل كان يواجهة بكل قوة وشراسة عبر تعبير جميل من الفنان حسام الذي ر مز له بالون الابيض مع بعض الضربات لدرجات اللون الاصفر فتارة نجدها مواجهة قوية وشرسة كتلك المواجهة ما بين النهر المتدفق بالجراح واذرع الفارس المنفتض والمواجهة الشرسة لايقاف ذالك النزف بعد ان انهكتة تلك المواجهة عبر تلك الضربات اللونية لدرجات اللون الاصفر كدلالالة تعبيرية عن الجراح التي تنزف من الديناصور الكبير الذي كان يتحدى تلك الجراح وهو واقفا او متحديا او مخاطبا لروحة ولم يكتفي الفنان حسام بذالك التعبير للون الابيض فحسب بل جعلة الخلفية عبر ضرباتة التي  لكل تلك العتمة التي تسيطر على اللوحة مضيفا لها ضربات من اللون الاخضر والازرق لتعزيز قوة المواجهة للراحل وعدم الاستسلام لشهقة الموت عبر تلك الاشكال الهلامية المختلفة والتي تحمل في مضمونها ودلالاتها الكثير من المعاني والدلالات للمتذوق الفني

اذ قدم  الفنان حسام محسن ملحمة تراجيدية عبرنغمات اللون والكتلة والخطوط ليضعنا امام دراسة وتحليل للذات الانسانية للراحل الكبير كاظم حيدر ومعاناتة مع المرض تلك المعاناة التي لا يدركها الا من تشبع بروح الراحل فكراومنهجا وابداعا وتالقا او تمازج الارواح او روح فارقت الجسد واخرى تستذكره بابداع فني عبر لوحة فنية نختلف في عنوانها ولا نصل الى معانيها الدقيقة لانها ابداع من الروح وليس من الجسد والمشاعر والافكار فقط ومن هنا يكمن السر او الاسرار التي تحملها لوحة- ضوء النفس-

شكرا للمبدع حسام مجسن وشكرا لاستذكار معلمة وملهمة  الراحل حيدر كاظم

 

     د. طارق المالكي

 

 

 

 

khadom shamhodمن المعروف ان رواية دون كيخوته للمؤلف ميغيل ثربانتس 1547-1616 تعتبر محط انظار واعجاب العالم وهي من الروايات العالمية والتي نالت شهرة في اواسط القرن السابع عشر والى اليوم . وكانت عظمة ثربانتس تتجسد في فلسفة هذه الرواية التي لم يعرفها ويحللها الاقدمون وانما اتخذوها رواية للضحك والتسلية . حيث ان الشخصيتين في الرواية وهما دون كيخوته وصديقه سانجو، هما في حقيقة الامر تمثلان شخصية واحدة بمعنى ان في داخل كل انسان هاتان الشخصيتان معا اي الانسان الحالم والخيالي والمتهور احيانا ثم الشخصية الواقعية التي تنظر للامور بمنظور عقلاني ..

 تتألف الرواية من جزئين الاول ظهر سنة 1605 والثاني سنة 1615و قد ترجمت الى اللغات الاوربية بعد حوالي 35 سنة من ظهورها واما العالم العربي فقد جائت ترجمتها لاول مرة في اواسط القرن العشرين وبالتحديد عام 1947 .

 

الرسامون الاوائل:

كان الرسامون الفرنسيون هم اول من بدأ في تزويق الكيخوته . ففي سنة 1650-1652 ظهرت لاول مرة الرواية مترجمة الى الفرنسية ومزوقة بمجموعة من رسوم الحفر –كرافيك-. وهي اول محاولة لتجسيد شخصيات الرواية ونقلها من عالم الخيال الى عالم المحسوس بعد ما كان القارئ يعيش في تصورات خيالية مبهمة، اما رسام الرواية فهو مجهول . وفي سنة 1657 ظهرت الرواية مترجمة الى اللغة الهولندية ومزوقة ب 24 تصويرة منفذة بطريقة الحفر، ويعتقد ان الرسام هو خاكوب سافري Jacob Savry (ربما يعقوب صبري) . كما ظهرت الرواية في انكلترا مترجمة الى الانكليزية عام 1687 مع 16 تصويرة حفر مع غلافها ولم يذكر احد من المؤرخين عن صاحب الرسوم . . وفي اسبانيا ظهر رسامان من اصل ايطالي كانا يرسمان خصيصا للبلاط الملكي وهما دومينغو مارية ساني، وآندري بروكاكثيني Andre Procaccini 1671-1734، Doménico María Sani 1690-1772 وقد رسما مجموعة من مشاهد الرواية على السجاد والبسط والكارتون والتي تعلق على الجدران .. اما الرسام الاسباني خوسيه خيمينث الراندا .

José Jiménez 1837- 1903 فيعتبر من اعظم الرسامين الذين تخصصوا في رسم وتزويق الرواية، حيث يذكر انه كان يرسم فيها منذ شبابه الى شيخوخته وقد نفذ 689 تصويرة بالمائيات بمناسبة مرور 300 سنة على ظهور الرواية.

اما الذين نالوا شهرة عالمية من رسامي الرواية فهم : كارلوس كوبيل 1694-1752 Chales Coybel . هونوري فراكونارد 1732-1806 Honoré Fragonard . غوستابو دوري 1832- 1883 Gustavo Dore . هونوري دومير 1808-1879 Honoré Daumier .

و كل هؤلاء من عظماء الفنانين الفرنسيين .. كما رسم الرواية غويا ودالي وبيكاسو وغيرهم ..

 

لماذا تأخرت ترجمة الرواية الى العربية ؟؟ :

1 - يذكر بعض المحللين ان شخصية دون كيخوتة والتي تمثل الفروسية المجنونة هي في حقيقة الامر موجودة في التراث الادبي العربي منذ قرون سبقت رواية ثربانتس حيث نجدها مجسدة بشخصيات الصعاليك والبهاليل وذكر الدكتور شوقي ضيف في كتابه (العصر الجاهلي) نبذه تاريخية عن حياة الصعاليك المتمردين على قبائلهم وكانوا منهم الشعراء والشجعان وكان شعرهم يردد صيحات الجوع والحرمان وكانوا ضد الاغنياء ومناصرة الفقراء .. واشتهر منهم تأبط شرا، وحاجز الازدي وقيس الحدادية .. وفي العصر العباسي كان هناك بعض البهاليل منهم ابو وهب البهلول بن عمر الصيرفي الكوفي 197هج /- 810 مي – وهو من مشاهير عقلاء المجانين حيث له اخبار ونوادر وشعر ويقال ان الرشيد استقدمه ليسمع كلامه . كما يقال انه كان من صحابة الامام موسى الكاظم –ع- وانه تظاهرة بالجنون لينقذ نفسه من اوامر صدرت بقتله من قبل هارون الرشيد .. ولهذا فان رواية دون كيخوته ليس جديدة على الادب العربي .

2 – يذكر ان اول ترجمة ظهرت كاملة لرواية الكيخوتة كانت سنة 1947 ثم عملت ترجمة اخرى بين سنوات 1951و 1966 في المغرب من قبل الكاتب تهامي الوزاني ولكنها لم تطبع لظروف لا نعرفها وقد نشرت بعض فصولها في جريدة- الريف- التي يشرف عليها الوزاني. وفي عام 1956 صدرت ترجمة اخرى في القاهرة . وفي سنة 1965 ترجمت اخرى من قبل الاستاذ عبد الرحمن بدوي . وكان آخر الترجمات عام 2002 من قبل الاستاذين المغتربين الاسبانيين الثقافة والدراسة هما سلمان العطار ورأفت عطفي .

 

تأثيرات الثقافة العربية على رواية كيخوته:

احد الاخوة الادباء العراقيين عمل اطروحته الدكتوراه حول رواية دون كيخوته وهو الاخ محسن الرملي وذكر ان الراوي هو شخصية عربية وهو سيدي حامد كما هناك 220 كلمة من اصل عربي و35 شخصية ذات خلفية ثقافية اسلامية وعشرات الامثال العربية . وكان ثربانتس قبل كتابة الرواية مسجونا في الجزائر لمدة حوالي 5 سنوات كان لها الاثر الكبير في ثقافته وحياته . من ناحية اخرى ان شخصية دون كيخوت تشبه بصفاتها الفروسية العربية من حيث مساعد الفقراء والدفاع عن المظلومين والمحرومين بينما الفروسية في الغرب خلقت للدفاع عن سلطة الملك والاغنياء . كما كتب تربانتس عدد من المسرحيات لها اسماء عربية منها - حمامات الجزائر- و-السلطانة الكبيرة - وغيرها . ولهذا نجد ان بصمات الثقافة العربية ظاهرة على ادب ثربانتس .

  

mohamad husanaldaghstaniشهد منتصف القرن الماضي تغييرات حاسمة هزّت البنى الحضارية للمجتمع العراقي وأشعلت حماس الشعراء والأدباء والفنانين الشباب بإتجاه ترجمة تطلعاتهم الحداثية وإزالة العوائق الفكرية، وتخطي التراكمات الثقيلة للكلاسكية المهيمنة على المشهد الإبداعي، الآفلة شمسها، والسعي لتغيير الأدوات والأساليب البالية في الفنون والثقافة للحاق بركب التغيير وإحلال بدائل حديثة تمتزج فيها المنجزات الغربية مع الخصوصيات القومية والوطنية العراقية المحلية .

في خضم هذا الطقس المشحون بالعواصف طرح الراحل محمود العبيدي الفنان التشكيلي والنحات نفسه مع زميليه سنان سعيد وصديق أحمد على الساحة الفنية عبر تأسيس جماعة فناني كركوك عام 1952 وذلك بهدف التصدي لمهمة حضارية كبيرة في ظل تحفظ التقليديين ومعارضتهم الشديدة التفاعل مع المتغييرات القادمة .

لقد كان المنطق يفرض أن يتسلح الفنان او المثقف بعمق فكري يؤهله قيادة الإتجاهات أو على الأقل تحييده، وإستقطاب رضا المتلقي وضمان تفاعله مع الأفكار الجديدة والأطر غير المعهودة في الرسم والنحت وحتى الشعر، وتلك كانت المعضلة الحقيقية التي أقحم الراحل الكبير العبيدي نفسه ورفيقيه في أتونها عندما بادروا الى تأسيس الجماعة والتي لا يمكن لأي دارس أو ناقد تجاهل الإنعكاسات المباشرة لتشكيل (جماعة بغداد للفن الحديث) التي كان الفنان القدير الراحل جواد سليم عرابها قبل تأسيس جماعة كركوك بسنة واحدة فقط .

ولعل التحدي الكبير الذي واجه العبيدي بل وجماعة كركوك كان يكمن في غياب المنظور الفكري الذي كان يجب أن يؤطر أعمالهم الإبداعية والذي بدا أنه غير واضح بما فيه الكفاية، وهذه حقيقة يؤكدها أحد أقطاب الجماعة المتمثل بالدكتور سنان سعيد الذي أشار في حديث له إلى أنها (إندفعت نحو إنشاء حركة فنية تتجاوز المحلية الرتيبة لكن دون الإرتباط بوثيقة نظرية وبرنامج عمل مدون، إلاَ أنهم إلتقوا وإتفقوا في الموقف من العمل الفني وإنتهجوا الواقعية بالإتجاه الى الحياة والطبيعة والعناية بالعالم المرئي وإستلهام المواضيع من واقع المجتمع، ونبذ محاكاة الطبيعة والأشخاص بصيغة النقل الفوتوغرافي الجامد، الذي كان متبعاً في العراق لفترة طويلة من الزمن ) وهذا ما جسده نتاج محمود العبيدي في المعرض الأول الذي أقيم عام 1954 في كركوك بإسم (معرض أصدقاء الفن) . لكن السمات الغالبة على لوحات المعرض أوحت أيضاً بالتأثير المباشر للبيان الأول الذي أصدره جماعة بغداد للفن الحديث والذي كتب نصه الراحل جواد سليم، مؤكدا ً فيه على حرية التعبير لدى الفنان والعمل على فهم العمل الفني على أساس كونه (وحدة متكاملة) ما بين الفنان والجمهور، وتجسيد فكرته عن الجمع بين الأسلوب الفني الحديث وبين إستلهام الفن العراقي القديم والفن الإسلامي)، من هذا المنطلق فقد يكون محمود العبيدي قد وجد مبتغاه في هذا البيان وفي معطيات الحركة النهضوية لفناني بغداد بإعتبار الساحة الإبداعية الفنية للمحافظات كانت تشكل إمتدادا ًطبيعياً لبغداد العاصمة، إنطلاقاً من مبدأ وحدة المشهد الفني الوطني العراقي ككل .

وبنظرة فاحصة الى نتاجات محمود العبيدي سواء في الرسم او النحت فإننا نلمس بوضوح البصمات التي تركها أساتذته في الفن على أعماله الفنية، عندما كان طالبا في دار المعلمين في بغداد أربعينيات القرن الماضي، حافظ الدروبي، جواد سليم، وخالد الرحال، هذا التأثير الذي يبدو جليـّا ً في توهج روح التمرد لديه على الأساليب القديمة، والنزوع الى التغيير، والتغلغل في أعماق المدينة وحياة ناسها دون تجاهل الغنى الحضاري للجذور الذي أسبغ الحيوية على هذه النتاجات، لقد أضفت هذه المفاهيم على نتاجاته واعماله الفنية طابعا ً مميزاً لعطائه الثر، عليه فإنه يمكن الجزم بأنه هيأ مساراً مستقبلياً واعداً، وقوة دفع ذات تقنية حية مع ميلٍ شديد بالفطرة الى إستخدام محددات المدرسة الواقعية في طرح إنحيازه الأكاديمي، وحسه الشعبي المترع بالبساطة والصرامة معاً و التي كان دفق الحياة تطل بين فجواتها، وهذا ما كان يؤكد نهجه حتى في مؤلفاته أو مع طلبته أو زملائه الفنانين .

ومثلما لم تكن بعض لوحات العبيدي بعيدة عن التوظيف التركيبي أو الهندسي وخاصة في لوحات (الحمالون) و(بائع الملح) و(منظر من القرية ) وغيرها إلاَ أنها كانت تشي بتوتر داخلي ينمو بإتجاه تركيز الإنتباه البصري إليها، لقد كانت قدرة هذا الفنان الرائد الذي إحتلّ بجدارة مكانة بارزة في الحياة الفنية لمدينة كركوك على إمتداد النصف الثاني من القرن الماضي، فذ ّة ومعبـّرة وجديرة بالمتابعة والتسجيل .وهذا يدلل على نزوعه الى الطبيعة عبر لوحاته، هذا النزوع الذي جاء نتيجة طبيعية للتأثيرات التي أحاطت به ففجرت فيه رؤواه الإبداعية الكامنة وعواطفه الفائضة ومشاعره الذاتية وتجاربه في حس حاد وعناق حميم بين حاستي البصر واللمس ليمارس تأثيره في الصورة وتحقيق الصدمة الحضارية في أوساط الفلاحين والمزارعين البسطاء من خلال أعماله التشكيلية في معرض له في قرية بشير عام 1948 .

إذا ً لقد إستخدم العبيدي ملامح الحياة في القر ية في عملية التجريب المستمرة، وكما يقول الكاتب الصحفي أحمد محمد كركوكلي في مقالته الموسومة (محمود العبيدي في ذاكرة الفن العراقي) بهذا الصدد ( إنه إستلهم الطبيعة الخلابة وحركة الناس في الحقول ومواقع العمل، جسدها بفرشاته في لوحات جميلة بألوان هادئة وضعها في أطر إنطباعية وواقعية وتعبيرية ) أي إنه إنحاز تماماً الى جذوره الأصيلة والى الناس الذين إنحدر منهم وأحبهم فحاول أن يجسد واقعهم وتطلعاتهم وآمالهم بالفرشاة واللون .

وفي النحت فقد أفلح العبيدي أن يروض الحجر والموزائيك في كم ٍ كبير من الأعمال المميزة بإتجاه مزج دلالات التأريخ العريق للفكر العربي والإسلامي مع معطيات الحاضر النابض بروح التغيير والتطلع الى الحداثة، فكانت تماثيل الشاعر أبو علاء المعري والفيلسوف الكندي وفيما بعد تمثال الجندي والجداريات الضخمة التي زينت معالم مدينة كركوك الأثرية والحضارية والساحات في عدد من المحافظات العراقية، تعبير عملي عن فيض من الموهبة التلقائية التي كان العبيدي يتحلى بها والتي كانت مبعث جدلية متواصلة بينها وبين المدلولات والمفاهيم التقنية والإنتاجية القصدية التي يرنو الى ترجمته عبر الفرشاة او الأزميل .

إن الناقد يلحظ تماماً حرص العبيدي على تقليص المساحات الفسيحة بين المقاييس الطبيعية في أعماله النحتية وبين الرؤية الفنية التي لم تكن أحياناً تتطابق مع المفاهيم السائدة للمتلقي المعتاد على أسلوب النقل المتماثل والصيغ الجاهزة، مع أنه كان يطالب طلابه وزملائه الآخرين بإحترام هذه الضوابط الحرفية سواء ً في الرسم أو النحت، ويمكن العودة بهذا الصدد الى مؤلفاته التعليمية المطبوعة (فن الرسم)، (كيف تصنع المجسمات؟)، (الأشغال اليدوية)، (الحفر على الخشب ..) في الوقت الذي كان فيه ينأى بنفسه أحيانا ًعن التقيد بها، وهذا المعنى بالضبط كان قد قصده من قبله الفنان بيكاسو عندما أشار الى حرية الفنان في التعبير والإبداع بعيداً عن العوائق والقيود المسبقة فقال : أنه ليس ثمة فن أكاديمي قوي وقادر على تهديم العوائق، فرفع العوائق لا تكفي ولا يخدم غرضاً سوى جعل الأشياء عديمة الشخصية، عديمة العمود الفقري، عديمة الشكل، عديمة المعنى، صفرا ً !، إلاّ أن هذه الملاحظة التي قد تبدو مجحفة نوعاً ما يجب أن لا تقلل من القيم الجمالية والفنية، ولا تمس بفرادة النماذج التي أنتجها أنامل هذا الفنان الرصين والمتألق .

لقد نجح العبيدي في فرض وإقامة توتر ٍ نفسي مشحون بطاقة تعبيرية في غاية النضوج بحيث حّول الفكرة المجردة والأشكال النابعة من المنحنيات والمستقيمات الى شئ ٍ أشبه بالمفردة الشعرية المبهرة، مفردة إستجابت ليد ٍ فنان بعثر دواخله الكامنة على الحجر الأصم فأحاله الى ميدان حياة مفعمة بالمعاني الغنية .

وفي المراحل اللاحقة لحياته الفنية الحافلة، خاض العبيدي في تسعينيات القرن الماضي، معترك الإحتراف الفعلي لإسلوب الرسم على السيراميك بعد أن طـّور ادواته الفنية ووسائله التصنيعية والإنتاجية في مرسمه الذي إحتل جزءاً كبيرا من منزله، وقد هيأ هذا النزوع لفرص إنتاج كم ٍ كبير من اللوحات والجداريات، والتي كنت آنذاك أشعر أن بعضها قد تفتقر الى حد ٍ ما الى المنظور الجمالي والفني، وقد دافع عن ذلك في نقاش مباشر لي معه عن ذلك، وفسّر ملاحظتي بالتأكيد على أن الفنان يجب أن لا يطمئن الى مستوى إنجازاته اليومية لكي لا يراوح ويقف في مكانه، وأنه لا يتفق معي في ملاحظتي ذلك لأنه يرى أن وظيفة الفنان لا تقتصر على نقل مظاهر الحياة من حوله بالشكل الذي يتماثل مع عدسة المصور الفوتوغرافي وإلاّ فأنه يفقد شخصيته الفنية، ويضّيع ديناميكية أسلوبه الخاص !

لقد كان محمود العبيدي مخلصاً لفنه وأدواته التعبيرية ومدرسته، وكان طيلة حياته التي توقفت في العام 2008، منجماً دافقاً لسيل من التراكمات الفنية ذات الإستجابات المتباينة، منجماً أضاف الى رصيده الكثير، وصنع من لوحاته ومنحوتاته وجدارياته إرثاً يجمع بحميمية بين القصد المسبق وبين التلقائية والعفوية الفائقة، النابضة بعبق الماضي والمتطلعة الى المستقبل المفعم بالأمل، فأغنى بأعماله الحركة الفنية الوطنية والمحلية الى يومنا هذا .

 

صرخة وطن ام صرخة فنان- د صبيح كلش يخاطب الضمير الانساني بفرشاتة: انه يوم دامي جديد

 المدخل

اتفرد الفنان المتالق د صبيح كلش على الصرخات المدوية لشلالات الدم في العراق حتى جفت فرشاتة المعطرة بدماء الشهداء ليرسم لتا عالم دموي يتجاوز فية عالم الفنتازيا والخيال والتخيل وكل الاساطير المسموعة والمكتوبة عن مفهوم حكاية الموت والدمار والابادة الجماعية بفعل الرجس لذي حل في بلاد الرافدين بلد الحضارة والرقي والتطور وبلد ادم والانبياء والصالحين - لا يختلف عن رجس اسطورة اوديب ومدينة طيبة الا في طبيعة الاسطورة وبنائها التراجيدي -لهذا كانت ملاحمة الفنية مستلة من الواقع اليومي وخكايات الموت والتي خطها بهياكل بشرية مطرزة بالوان الدم العراقي حتى اختقت فية حرارة الدم وصبغتة عبر الشلالات المتدفقة ومسارها اللامتناهي حتى تكاد ان تعانق صبغة السماء و تفتح فية بابا من ابواب الفردوس الابدي بعد ان اغلقت امامها كل ابواب الارض انطلاقا من ان موضوعة الفن هي الحياة بكل اشكالها المختلفة التي تسيطر على الفنان باعتبارة حاملا وناقلا للعلاقات الجمالية عبر مفهوم التاؤم بين الفن والجمال ولهذا ياتي مانسمية بالقبح او البشاعة او الموت وووووالخ اي بكل ما تحملة االمعاني والدلالات لهذه الكلمات عبر تصوير جمالي قد يصل الى مفهوم الجليل وليس الجمال لان الجمال ياتي من الشعور بالحب اما الجليل فانة ياتي من الشعور بالخوف عبر توافق العقل مع المخيلة- انة يوم دامي جديد- هكذا هو العنوان الذي اختارة الفنان د كلش ليصف لنا فيها يوما من تلك االملحمة الدموية او الملاحم التي مرت وتمر في بلد السواد حتى بكت فيها الاموات قبل الاحياء والايتام قبل الارامل والمشاعر قبل الدموع بعدما اختلطت وامتزجت فيها الهايكل بالحوم البشرية واحترقت فيها الجماجم وامتزجت بها الارواح بالاجناس ولم يبقى منها سوى رائحة ودخان الموت االذي اخذ يسري في الاجساد الحية التي تنتظر لحظة الفناء عبر حزام ناسف او مفخخة او نحر او اي وسيلة من وسائل ملحمة الموت الجماعي وحكايات الموت القادم اذ انها حكايات تتجاوز فيها لذة الجمال بلذة الجليل والشعور بالحب كالشعور بالخوف اذ

اذ انها صرخة ولوعة وبكاء فنان يعبر فيها عن صرخة وطن ياءن فية الاحياء والاموات على حد سواء ولا يسمع لهذا الانيين والصراخ منذ اكثرمن عقد من الزمن وكاءن العالم الانساني عالم من الصم والبكم ماتت في الضمائر والانسانية واصبحت فيها المصالح تجارة بالاعضاء ومزايدات في الاسعارعن فصيلة الدم النقي عن غيرة عبر اساليب القتل والنحر وفنون والدمار وتحت شعار اسلاموي ل غرض ابادة الجنس السومري والاكدي واحفاد حضارة قبل اكثر من6000 ق م والا لم تم تدمير هذا الارث التاريخي وكبف تم سرقة ما تبقى منة ومن هي تلك الجهات وما هي شعاراتها المعروفة للقاصي والداني اذ انها دراكولا العصر الجديد او دراكولا العصر وبثوب اسلاموي

 135-sabihkhalash

 الفنان د صبيح كلش وادواتة التعبيرية

بعيدا عن الاهداف الاساسية لكافة الاتجاهات والمدارس الفنية المختلفة الا ان الفنان يبقى جزء من الواقع يؤثر ويتاثر به والا كيف يمكن ان يكون رسولا للجمال والوعي والادراك هو بعيدا عن ابناء جنسة لان الفن حسب راي سارتر - هو الكشف عن الحرية - حيث تلعب فية الارادة الواعية دورا مهما ولهذا يكون الموضوع الجمالي غير تلقائي في الابداع ولا واقعي بالمعنى الحرفي للواقع ولهذا تكون الموضوعة الفنية وجماليتها تنطلق من مبدا الارضاء دون سابق فكرة او صورة ذهنية كما يراها الفيلسوف كانط اي بمعنى ان الفنان قد اعارنا عينية للنظر للعالم وما يدور حولنا حسب راي الفيلسوف شوبنهور ما كيف يوظف هذه الاتجاهات في خدمة الجمال والوعي والادراك فهذا ما عودنا علية الفنان د كلش عبر لوحاتة الفنية المختلفة التي مزج فيها بين الجميل والجليل حتى اصبحت تلك اللوحات اجناس مقدسة نتاملها كما نتامل اي جنس مقدس في التفسير والتحليل والاجتهاد وقد يختلف معنا الراي الاخر في التعبير والاجتهاد عن مفهوم الجمال والجليل والابداع الا انه لا يختلف معنا في مفهوم التقديس لتلك الملاحم الفنية التي جسدها د كلش عبر الفرشاة والالوان حتى اصبحت مدارس واتجاهات في مفهوم جديد ومتطورلايختلف عن الاجتهاد والتحليل في اي جنس مقدس بعيدا عن الخطوط الحمراء الكلاسيكية التي حجمت دور الفنان وادواتة التعبيرية بفعل هذا الاتجاة او تلك المدرسة وخطوطها الحمراء- اذ المتامل والمتذوق وغير المتذوق للفن التشكيلي عندما يقف امام لوحة-يوم دامي جديد -د صبيح كلش ينتابة الخوف والهلع والالم والسؤال والتساءل وكانة امام ملحمة لابادة جماعية او حكاية من حكايات الموت عبر تفجير هائل لا يختلف عن قمبرة هيروشيما الا انها بثوب جديد حيث تختلط فيها الاسماء بالمسميات والاعمار بالاجناس ولم نرى من هذا الجنس البشري سوى حكاية رومانسية سوداء نعيشها ونتعايش معها ونتحدث عن جماليتها وباسلوب دراماتيكي وهي جمالية الموت والابادة البشرية حتى تختلط فيها مشاعر المشاهد ما بين الالم والفجيعة والصرخة والاستنكار والبحث بين الموحودات عن الهياكل والجماحم المتبقية والتي لم تتفحم بعد -اذ ان اول ما يجلب المشاهد هي الكتلة الوسطية للوحة والتي قسمها الفنان عبر خط الوسط الى كتلتين متداخلتين احدهما تنزل الى اعماق الارض بينما الاخرى تحاول الوصول الى السماء حتى ان بعض اجزاءها تلامس السماء ومن هنا تكمن القيمة الاساسية في التعبير اذ اراد الفنان هنا ان يقول للمشاهد ان قوة التفجير والجريمة اللاانسانية قد جعلت الاشلاء البشرية تتطاير في السماء او تغوص في الارض اي انه الفناء بل ان الاجساد المحترقة التي غاصت في الارض لم يبقى منها سوى فحمها وليس رمادها كما هو معروف عند حرق الجثث وهنا استطاع الفنان التميز ما بين رماد الجثث وفناءها المتفحم ومما زاد من قوة هذا التعبير هو اختيار الفنان اللون الاسود اذ ان اللون هنا يحمل معنى ودلالالة واضحة بعيدا عن المعاني والدلالات الخاصة باللون الاسود بل انها صرخة انسانية ومعنى ودلالالة فنية عن تحول تلك المتفحمةالاشلاء البشرية الى عتمة بصرية لاتستطيع من خلالها التميز بين الاشلاء لانها احترقت ولم يبقى منها سوى دخانها الذي يحفر بين طبقات الارض للهروب من هذا العالم المتوحش بعد انصهرت اشكالها كما تنصهر المعادن وتتحول من شكل الى شكل اخر ومما زاد من قوة التعبير في عملية الانصهار لهذه الكتل البشرية طبيعة الالوان المستخدمة والتي لا تختلف عن الالوان التي تبرز عند عملية الانصهار في المعادن- الالوان الصفراء المحمرة-مع بعض الضربات لدرجات اللون الازوق لغرض التاكيد على ان عملية الانصهار لا تعتمد على عنصر واحد فقط- اي جنس بشري واحد بل نختلف الاجناس والاعمار ومما زاد من قيمة هذه الدلالالة شكل الطفلة التي يذوب جسدها بيت احضان اسرتها الذائبة وينصهر جسدها كي يلامس الارض بحراوتهاالمتدفقة واشلالها الذائبة

اما الجزء العلوي لتلك الكتلة الوسطية التي تشكل عنوان اللوحة فانها مقسمة الى عدة طبقات اذ ان الطبقة المرتبطة بالطبقة السفلى فانها تمثل اشكال بشرية هلامية لا تختلف عن اشكال الفراعنة بعد الموت الا انها لاتزال تنصهر بحكم فعل عامل الانصار- وتعبيرية اللون الاحمر-الذي يحيط بها اما الجزء الاخرعلى يمين ويسار اللوحة فقد انصهر ولم يبقى منه سوى اثار الاحتراق والانصهار الا ان بعضة يهبط الى الارض والبعض الاخر يتصاعد بلهيبة الى السماء حتى ان بعض الاشلاء تتطاير كتطاير بقايا الاوراق المحترقة اثناء عملية الاحتراق- وومما يزيد من ابداع الفنان وتالقة في تجسيد هذه الملحمة الرومانسية السوداء - حكاية الموت -هي حمامة السلام البيضاء التي وضعها الفنان فوق الجثث وهي تنوح بانينها وحزنها بعدما فقدت بعض من ريشاتها من شدة الالم والحزن من هذه الحكاية المؤلمة- وهي رسالة يوجها الفنان الى الضمير العالمي

-انقذوا حمامة السلام من الاسلام المزيف ومن يدعون الاسلام زورا وبهتان داعش واخواتهااذ ان اليوم حمامة السلام تنوح في هديلها وغدا ستفقد صوتها وتصبح كالغراب الذي يحكي قصة الموت لقابيل وهابيل

 

د. طارق المالكي

 

khadom shamhodيذكر الاستاذ الفنان العراقي اسماعيل الشيخلي في مجلة المثقف العربي 1971 (اننا نمر في فترة فيض، كثر فيها التشتت وكثرة الاسماء والاعمال والاجتهادات والتناقضات ...) ويقول جبرا ابراهيم جبرا- 1971- (العمل الرديئ لا يمكن ان يحتمل ويجب ان يقال لصاحبه عملك رديئ، عليك ان تجهد كثيرا وتدرس طويلا، وتنظر مليا وتحاسب نفسك، حسابا عسيرا، وقبل ان تعرض علينا اعمالك ...)

اليوم نشهد ظاهرة غير مسبوقة في كثرة الفنانين والادباء؟ وهي ظاهرة نجدها في بعض الدول من عالمنا العربي وخاصة في العراق .. وقد عاشتها الدول الغربية في اواسط القرن التاسع عشر عندما ظهرت الرومانسية في الادب والفن ثم توجتها المدرسة التأثيرية سنة 1874 .. ويبدو ان عالمنا العربي شعر اليوم بانه متأخرا اكثر من قرن عن الغرب (صح النوم) فاخذ الادباء يقلدون بكتاباتهم بودلير 1821 واخذ الرسامون يقلدون ديلاكروا 1798 ومونيه 1840 ثم جاءت الحداثة وهرع اليها من هب ودب تحت معطف بيكاسو وميرو وتابيس؟

(لما رأيت الجهل في الناس فاشيا - تجاهلت حتى قيل اني جاهل) المعري /

1138-khadom1

ظاهرة الانا:

يذكر النقاد ان التذوق له مسارين، تذوق خاص فطري ينفرد به الانسان في عمله ويحكم به على ما يراه او يقرأه، وهناك تذوق ثقافي يعتمد على ثقافة الانسان المشاهد وتجربته وعمقه ومعرفته بتاريخ التيارات والمذاهب الفنية والادبية .. ولكن الذي نراه اليوم ان هناك حملة تسخيف ومج متعمد للذوق والتذوق الفني.. ويبدو ان مفهوم الديمقراطية انعكس سلبا على الفن كما هو في السياسة، وقد ترجمت في عالمنا بالغلط .. فكل من ملك ورقة وقلم وفرشاة ادعى انه اديب او فنان – الانا -

(يجب ان يقال لصاحبه عملك رديئ عليك ان تجهد كثيرا وتدرس طويلا ..)

واصبح من السهل اليوم عرض الاعمال في مواقع التواصل الاجتماعي وعمل مقابلات في محطات التلفزة ومواقع الفيدوهات والافلام . وبالتالي اصبح كل من لديه رغبة وحب للفن ان يشرع بالرسم ويعرض . وهذا ايضا انساق الى الادب والشعر . فنشاهد اليوم ظاهرة كتابة الجمل القصيرة المبعثرة (بودليرية) واحيانا يتكرم علينا صاحبها بكلمتين خالية من المعنى والايقاع ؟؟ وتنشر هذه في مواقع التواصل الاجتماعي، ويريد من المشاهد او القارئ ان يزكيها ويضع له كلمة – لايك- ؟؟؟(ما شاء الله)

(اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ....)  ونتيجة للسرقة الغير مشروعة لاموال الدولة والناس، اصبح من السهل انشاء الصحف والمحطات التفزيونية والفضائية والمواقع الالكترونية وشراء الذمم والاخلاق وحتى الدين ؟؟؟ واصبح هناك تكتلات في الفن وتكتلات في الادب ويعتبرون انفسهم واجهة البلد . لهذا انا اعتقد ان على الجميع ان يقيموا انفسهم ويحاسبوها .(رحم الله أمرأء عرف قدر نفسه) وان يقارنوا انفسهم بالرواد اصحاب المدارس الفنية والمخترعين والمستكشفين والعلماء الذين خدموا الانسانية (فاين الثرى من الثرية) ..

 

عودة قليلة الى التاريخ:

1138-khadom2الفن الاسلامي كان ظاهرة فريدة في العالم امتدت اكثر من عشرة قرون فكان فن عام غير شخصي اشتركت في تكوينه امم وشعوب مختلفة الثقافات والقوميات واللغات والعادات والتقاليد.، ولها موروثها الحضاري والفني العريق . كالامة العربية والامة الفارسية والهندية والتركية والمغولية والمغربية الاندلسية وغيرها .. فالفنان المسلم في أي بلد من بلدان العالم الاسلامي لا يعمل على ان يعبر تعبيراً خاصاً يميزه عن غيره من الفنانين . وانما نراه في كثير من الاحيان يتبع الطرق القديمة ويسير على الاساليب الفنية الموروثة . فالفنان الماهر يومذاك هو الذي يفوق غيره في عملية أتقان الرسوم او الزخرفة الفنية،. لهذا لم يهتم الفنانون المسلمون الاوائل كثيرا في وضع أسمائهم على أعمالهم .

وفي الادب نجد اخوان الصفا كتبوا حوالي 50 رسالة (يعني50 كتابا) في شتى حقول المعرفة من فلسفة وادب وفن وشعر ودين واجتماع وكيمياء وفيزياء وفلك وطب وغير ذلك . لكنهم لم يضعوا اسمائهم على نتاجاتهم العلمية حيث ضربوا- الانا –(الذات) وسحقوها تحت الاقدام؟ وبقى الباحثون قرونا يبحثون عن اسمائهم . علما ان ظهورهم كان في البصرة في القرن الثالث الهجري / العاشر الميلادي؟

 

اعلام الفن الاسلامي:

و من المفيد ان نستعرض اسماء اعلام الفن الاسلامي الذين طبعت اسمائهم في الذاكرة الانسانية وقد تخلوا عن – الانا- ورسموا باخلاص وتذوق عالي ، وهم :

1 – ابن الرازي الجزري -1206 م – مصور كتاب الحيل الميكانيكية .

2 – عبد الله بن الفضل – 1222 م- مصور كتاب خواص العقاقير .

3 – علي بن حسن بن هبة الله – 1209 م – مصور كتاب البيطرة .

4 – يحيى بن محمود الواسطي – 1227 م – مصور كتاب مقامات الحريري وصاحب مدرسة بغداد .

5 – كمال الدين بهزاد – الذي اشتهر في اواخر القرن الخامس عشر - 1450 م- حيث يعتبره بعض النقاد من اعظم الفنانين المسلمين وهو مزوق كتاب – البستان- للشاعر سعدي وبعض من كتاب - المنظومات الخمسة- للشاعر نظامي . وشارك في تزويق الشهنامة للفردوسي . ويعتبر بهزاد مؤسس المدرسة الصفوية للفن .

6 – رضا عباس 1565-1635 الذي برز واشتهر في النصف الثاني من القرن السادس عشر ويعتبر رائد المدرسة الاصفهانية في زمن الاسرة الصفوية .

7 - عبد الجبار بن علي –الذي ظهر توقيعه على المخطوطات التي ترجع الى عام 1229 م لديوسقوريدس والتي انجزت في سوريا.

8 – ابن عزيز العراقي وقصير المصري– في اواسط القرن الحادي عشر– وقد اشتركا الاثنان في مسابقة للرسم امام الوزير الفاطمي اليازودي الذي كان مولعا بجمع الصور. والقصة مشهورة ينقلها معظم المؤرخين العرب .

9 – احمد الخراط البصري وهو من اقدم المصورين المسلمين حيث ظهر في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي – في مدينة البصرة، وقد اشتهر برسم الاشخاص وكذلك رسم الكاريكاتير .

 

khadom shamhodنوري الراوي واحد من رموز الفن العراقي الحديث وهو آخر من تبقى من تلك النخبة الريحانية التي ارست قواعد واسس الفن العراقي المعاصر فعندما ننظر الى سيرته الفنية وما قدمه للحركة الفنية العراقية والعربية نشعر بالصغر واللاشيئية .. ولد عام 1925 في مدينة راوة وتوفى سنة 2014 في بغداد عن عمر 89 سنة كانت حافلة وزاخرة بالعطاء المميز والفريد .. كان ناقدا فنيا له اسلوبا جميلا يذكرنا باسلوب الروائيين المصرين، الف الكثير من الكتب الفنية واشرف على عدد من الصحف كسكرتير تحرير، وهو اول من احدث الصفحة الفنية في الصحافة العراقية وكان يدير برنامجا تلفزيونيا – للفن التشكيلي - لمدة ثلاثين سنة 1957 الى 1987، كما اسس المتحف الوطني للفن الحديث وكان اول مديرا له،- وغيرها من الاعمال ... .

 1136-rawi1

مدينة راوة:

تقع راوة غرب العراق على ضفاف نهر الفرات على بعد حوالي 320 كم وهي تابعة لمحافظة الانبار وكانت تسمى – الرحبة – ثم سميت راوة كون القبائل العربية البدوية تأتي اليها لتروي من مياهها المتدفقة عبر نواعيرها المنصوبة على ضفاف نهر الفرات وتسقي ماشيتها .. ويذكر بعض المؤرخين منهم اليعقوبي والاصفهاني  ان راوة سكنتها قبائل عربية حسينية سادة من سلالة الامام موسى الكاظم بن جعفر الصادق –ع- ولكن السؤال هو كيف اصبح اهل راوة سنة وهم علويون؟؟ . والجواب هو ان بعض العشائر العراقية العربية والتي كانت من مذهب واحد انقسمت الى شيعة وسنة وتعايشت بسلام وامان .. واتمنى ان يعي هؤلاء الذين يلعبون على الوتر الطائفي بانهم مخطؤن وانهم لا يستطيعون التفرقة بين الارحام .. وما الحشد الشعبي المقدس الا صورة ناصعة تمثل التلاحم الصادق والوحدة والمحبة بين ابناء العراق . 

1136-rawi2

التقنية:

غادر نوري الراوي مدينته وهو شاب ولكن بقت راوة عائشة في عمق مشاعرة وجوارحه حتى مماته . فقد عاش طيلة حياته يرسم مدينته بطريقة شاعرية سيمفونية مليئة بالتغني بحب القرية . ورغم انه درس في الخارج واطلع على مختلف الطرز الفنية والفكرية الحديثة ولكنه لم يخرج من فردوسه راوة .. فكانت مدينته مصدر الهام وانعتاق لمشاعره الدفينة  طيلة حياته الفنية . وكان يعمل دون كلل او ملل، ورغم تشابه لوحاته لكن كل مرحلة نراها مصحوبة بنضوج حسي وفكري ..

تنفذ اعماله بشكل تمثيلي وتجريدي ويطغي احيانا عليها الطابع الهندسي والبناء المتراكب، منائر، قباب، اقواس، نواعير، منازل صاعدة نازلة، ازقة . مشاهد كأنها في وقت الغسق حيث ان اجمل ما يرى من الالوان الحالمة والرومانسية هو وقت الغسق..

(جاءت معذبتي في غيهب الغسق ... كأنها الكوكب الدري في الافق) ابن الخطيب الاندلسي

وكان الراوي يفضل رسم القباب البيضاء التي شيدها البنائون الشعبيون لما تنطوي عليه من مشاعر واحاسيس فطرية جميلة فقد اكتشف اسرار اللون والضياء الساطع في تلك المدينة النائية والمرمية في اطراف الصحراء على ضفة نهر الفرات . كما اكتشف قيمة التراث المحلي وجماليته يضاف الى ذلك العاطفة والطفولة والتي كان لها دورا في الحنين الى راوة .

 

آخر حياته:

عاش الراوي طيلة حياته في العراق ولم يتعرض للنظام السابق بنقد او او تعارض حيث بقى مهادنا ساكتا ... وعندما سقط النظام الصدامي عام 2003 سافر مرتين مع مجموعة من المثقفين الى دمشق والتقوا مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام واعلنوا الولاء له وان يكون هو راعي الثقافة والفن للعراقيين، ثم تغيرت الامور .. وفي آخر ايامه كان حائرا في تراثه الفني الى اين سيصبح مصيره .. فيقول انه حزينا لان بيته يحتوي على ارشيف ضخم ونادر لتاريخ الفن العراقي وهو يطالب المسؤولين بالحفاظ عليه ولكن لم يرد عليه احد .. (وارتحل الى عالم الصمت الابدي وانا اردد ملقى على طرفات راوة ... استجير ولا اجار) .. وكان يفكر ان يترك تراثه الفني بيد منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة فاتصل بمكاتبها في بغداد وعمان وبيروت ودمشق ولا نعرف بعد ذلك كيف انتهت تلك الحوارات الا اننا (سمعنا) ان وزارة الثقافة قد حصلت على مجموعة من اعماله .. توفى نوري الراوي عام 2014 في بغداد ولكن بقت اعماله كمدرسة ومؤشر لمرحلة مهمة من تاريخ الفن العراقي الحديث .

 

khadom shamhodيقول الكاتب شيلر (ان تطور الاحساس الجمالي هو الاساس الجوهري في تطور العقل والاخلاق). اما هيجل فيقول (الجمال هو الحقيقة والحقيقة هي الجمال)

 ويذكر ان الشئ الثابت في الانسان الذي يتجاوب مع عنصر الشكل في الفن هو- الحساسية الجمالية – وهي ثابتة ومخلوقة في الفطرة الانسانية، ولهذا فلا يختلف فنان الكهوف عن الفنان المعاصر وانما الشئ المتغير هو - الفهم -الذي يقيمه الانسان حول الاشياء المادية او الاشياء الفكرية، ويكون ذلك الفهم او الحكم خاضعا للتقاليد والثقافات والاماكن والعصور .

وكان الفن الشرقي يختلف عن الفن الغربي فالاول يعتمد في فنونة على ايقاعات الخط وحساسيته الجمالية اما الثاني فيعتمد على ايقاعات الظل والضوء، والفن الشرقي اكثر روحانية والفن الغربي اكثر مادية وارتباطا بالجمال المادي وحسب النظريات الجمالية والاخلاقية عند الاغريق . وكان الفنان الشرقي له علم ودراية جيدة بالضوء والظل ولكن كان يفضل الايقاع الخطي ويعتقد ان هذا الايقاع هو اكثر جوهرية وثباتا من التأثيرات العرضية التي تتبدل وتزول بسرعة حسب اشعة الشمس او غيابها . ويعتقد انه كلما كان الخط بارزا في تحديد الاشكال ازداد كمال العمل الفني وجماله كما هو عند الفنانين الصيني والاسلامي .. ولهذا فان مفهوم الجمال في الفن عند الشرقي يختلف عن الغربي .

1128-khadom

 

ومنذ القرن التاسع عشر وبعد الثورة الفرنسية بدأ النقاش يدور حول الاداء الفني حيث طرحت اسألة كثيرة حول دور النقد في الفن وهل يحق للناقد ان ينقد ويمدح او يذم اما ان حقه لا يتعدى طرح وجهات نظر شخصية .. وعما اذا كان الجمال يعني الفن ام ان الجمال شئ والفن شئ آخر؟؟ وهل ان الفن هو صورة محاكات للطبيعة ام يكون شيئا آخر؟ كل تلك النقاشات والنظريات افرزت اليوم واقعا ملموسا تجسد بظهور مذاهب ومدارس فكرية وتشكيلية عديدة ومختلفة عمت العالم كله .

اليوم انا وانت وغيرنا من الناس لكل منا خصائصه الفردية ودرجة حساسيته في التذوق التي يختلف او يتميز بها عن غيره سواء كان في الشرق او الغرب ولكن هناك صفات عامة يشترك فيها الجميع وهي الصفات الانسانية منها غريزة حب الجمال. وفي قول الشاعر (خلقت الجمال فتنة لنا وقلت يا عباد اتقون - وانت جميل تحب الجمال فكيف بعبادك لا يعشقون)

1128-khadom2

 

كما رفض اليوم اساتذة الفن الحديث المبدأين الجمالي والاخلاقي واحتفظوا بالمبدأ الميتافيزيقي . حيث عملوا على الغاء هذين المبدأين وكانوا يعتقدون بان وراء كل هذه المظاهر المتعددة للطبيعة حقيقة خالدة واحدة وان هذه الحقيقة هي الجمال، حسب تعبير هيجل . ولهذا تغير مفهوم الجمال في الفن الحديث عن النظريات الكلاسيكية السابقة ..

هناك نظرية للفيلسوف –يونج- تتحدث عن ظهو تقلقل في اللاشعور الجماعي ابان الازمات الاجتماعية مما يحدث اضطرابا في التوازن النفسي ... وقد يكون ظهور التيارات المتطرفة عاملا هداما للفن والمجتمع لانها تحمل مفاهيم خطيرة وشاذة كالحركات الدينية المتطرفة، ولكن سرعان ما تنكشف هذه التناقضات وتختفي لانها ولدت وهي لا تحمل مقومات الحياة ...

 ولعل الفكرة التي طرحها المفكر – ماكس نوردو- في اواخر القن التاسع عشر على ان الحياة عبارة عن - هدم وانحلال فحسب -. تبنتها هذه الجماعات المتطرفة من قتل وهدم لكل الرموز الحضارية وعبث وهلوسة في كل شئ . فعندما ظهرت الدادائية في الفن نادت بحرق المتاحف وكل ماهو ماضي، وعندما ظهرت جماعتي طالبان وداعش ذهبتا الى المتاحف والآثار القديمة فهدمتها وحولتها الى ركام وخراب ..

ويذكر الدكتور والمؤرخ حسن محمد حسن بانه ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر بعض الجماعات الفنية والادبية اطلق عليها اسم - الانحدارية – سواء كان في الشعر او الادب او الفن وقد اتخذ هؤلاء الشباب شعار التصادم مع الكنيسة والطبقة البرجوازية وكان على رأسهم تيوفيل جوتييه وشارل بودلير وكذلك بول فرلين ورامبو . وكان من مظاهر هذه الاحتجاجات هو استعمال المخدرات والحشيش والافيون والخمور وسلكوا ايضا مسالك الشذوذ والانهيار الاخلاقي .. ويذكر الكاتب الاستاذ الدكتور عفيف البهنسي ان نهاية القرن التسع عشر اتصفت بالتمرد على التقاليد الفنية القديمة والاخلاق السائدة يومذاك (ويقول جون كاسو: لقد اخذ الفنان موقف المتمرد والفوضوي والهوائي) .. كما ان جماعة الدادائية وقفوا في الحانات والملاهي الليلية والشوارع يعلنون تمردهم وسخطهم على الحياة وزيفها وقد عبروا عن ذلك عن طريق التصوير والخطاب والادب ... وهكذا فان تلك النهضة التحررية التمردية ادت بالاخير الى ظهور مفاهيم جديدة وتيارات حديثة في الادب والفن ..

 

khadom shamhod1- كان ضياء ولازال من ابرز الفنانين العراقيين وكان مبدعا ونشطا لا يكل ولا يمل من العمل وقد ساهمت اعماله الاولى في التعبير عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فكانت لوحاته الزخرفية ذات ابعاد ثورية قد تركزت على مأساة فلسطين منها (مأساة تل الزعتر 1979، صبرا وشاتيلا 1980 )، ثم (الروح الجريحة 2010، ومدينتي المحاصرة 2011.) .. وكان ضياء ذو اتجاها قوميا وكانت اعماله ترجمة لهذا التيار الثوري .. وهو غزيرالانتاج سواء كان في التزويق او الرسم او الكرافيك، حيث نجد لوحاته معلقة في كثير من المتاحف والاماكن الراقية والمؤسسات الحكومية.. كما الف الكثير من الكتب والتي طبعتها وزارة الاعلام في مرحلة الستينات . (عملي ينخرط ضمن حركة نهضة الفن العربي) .. اما اليوم فنحن لا نعرف هل ان ضياء قد تخلى عن ذلك النهج القومي السياسي ام لازال متعلقا به بعدما انكشفت لعبة الحكام القوميين العرب وفسادهم ؟؟؟؟ وقد سمعته يتحدث في معرضه الاخير في الدوحة عن المه وحزنة عما يجري في العراق من محاصصة وطائفية؟؟ ولكن لم نجد له ذكرا للارهاب والدواعش والوهابية وازلام النظام السابق ؟؟؟

134-diaa1

ولد ضياء في بغداد عام 1939، دخل معهد الفنون الجميلة للدراسة المسائية وتخرج منه عام 1962 – ثم درس في كلية الآداب قسم الآثار وتخرج منها عام 1962. بعدها عين مديرا لمديرية الآثار. انتمى الى جماعة الانطباعية التي يشرف عليها حافظ الدروبي ثم انظم الى جماعة الرؤية الجديدة عام 1969، بعدها الى جماعة البعد الواحد عام1971 التي اسسها شاكر حسن آل سعيد ...

 

2 - ضياء في لندن:

وفي عام 1976 سافر الى لندن واستقر فيها ثم عين رئيسا للمركز الثقافي العراقي في لندن ... وهناك استغل ضياء مركزه هذا فعمل على تكوين شبكة من العلاقات مع المراكز الثقافية العربية والاجنبية ورجال الفن والادب والثقافة والسياسة وخاصة مع الدبلوماسيين الخليجيين العرب مما زاد من سمعته واقتناء لوحاته وبالتالي ارتفاع اسعارها ..

وقد اخبرني بعض الاصدقاء في لندن بان ضياء كان يرفض زيارة كالري الكوفة في لندن والذي يشرف عليه المهندس المعماري الدكتور محمد مكية حيث كان هذا المكان مركزا للمعارضة العراقية ايام النظام البعثي المقبور ... ومهما اختلف الآخرون مع ضياء في مواقفه واتجاهاته الفكرية لكن لم يختلف احد من انه من ابرز الفنانين العراقيين المبدعين والمعروفين في الساحة العربية واليوم اعماله تزين متاحف العالم العربي والعالمي ومنها لوحته المشهورة –صبرا وشاتيلا- الموجودة الآن في تيت كالري في لندن ..

 134-diaa2

معرض الدوحة:

3– يقام حاليا معرضا للفنان ضياء في الدوحة –قطر – يحمل عنوان (انا الصرخة ...) ويستمر الى شهر ابريل 2017 ويحتوي على حوالي 550 لوحة تجمع ما بين الماضي والحاضر من اعماله المتنوعة في تقنياتها واساليبها - (معرض استعادي) والعنوان - انا الصرخة – يذكرنا بلوحة - الصرخة- لادوارد مونخ 1863 – والتي تعكس السأم من الحياة وعذاباتها وحالة التشرد والغربة التي كان يعيشها الفنان ؟؟ كما يذكرنا برواية - الصرخة – للكاتبة المصرية رضوى عاشور، حيث تحمل الرواية مقاطع موجعة ورسائل تشائم.. ثم نذكر رواية اخرى للكاتب الياباني كينزابورو وتسمى- الصرخة الصامتة – وهي تحكي عن حياة اليابان بعد مأساة هيروشيما ونجازاكي عام 1945، وفد قدمت الرواية ثقافة اليأس الوجودي في اليابان المعاصر.(الرواية حصلت على جائزة نوبل) .. وهناك ايضا رواية اخرى تسمى- الصرخة- للكاتب المصري محمد امين وهي تشير الى موميا وجدت في المقبرة الملكية تصرخ منذ ثلاثة آلاف سنة ولا يسمع احد بصراخها ..

و بالتالي نحن امام صرخة الم واوجاع يطلقها الفنان من خلال اعمال بصرية تعبر عن فترة يمر بها العراق تعتبر من احرج واسوأ الفترات التي مربها الشعب العراقي .. حيث الهجمة الشرسة للارهب الذي يتمثل في الدواعش والوهابية وبقايا النظام المقبور .

 

4 – التقنيات:

كان ضياء في بداية حياته الفنية يرسم باسلوب واقعي للحياة الاجتماعية العراقية بتقاليدها وعاداتها الشعبية ومتأثرا بالرواد والتراث الاسلامي الفني والاساطير الرافدية القديمة .. استخدم الحرف العربي- الحروفية – في مرحلة الستينات وكتب قصائد من الشعر الجاهلي في اعماله واصبحت تشكل احد العناصر الفنية في لوحاته حيث اخذ يتفنن في استخدامها مرة كحرف تشكيلي ومرة اخرى كحرف اعلامي . ثم انتقل الى التجريد ولكن بقت التأثيرات السابقة عالقة في اعماله مع رفدها بالتقنيات الاوربية ..ثم اخذ يتنقل من مدرسة الى اخرى ومن اسلوب الى آخر .

(عملي ينخرط ضمن حركة نهضة الفن العربي) . قد يختلف البعض عن رؤية ضياء في التطلع الى قيام فن عربي، ولا يدل بالظرورة استخدام الحرف العربي في التشكيل الى قيام مدرسة عربية فهناك فنانين اجانب استخدموا الحرف العربي في لوحاتهم مثل بول كلي .. يقول الكاتب والناقد المصري زكي محمد حسن (يكاد يتعذر وجود فن عربي انما هناك فن اسلامي) .

 

khadom shamhodآل سليم – من النادر ان نجد عائلة عراقية كل افرادها يمتهنون صنعة الفن وانهم سجلوا حضورا رياديا في تاريخ حركة الفن العراقي المعاصر . وكانت هذه الشجرة السليمية قد اثمرت رواد الحركة الفنية في العراق وهم جواد سليم، سعاد سليم، رشاد سليم، نزيهة سليم، ونزار سليم . (واسمائهم الحقيقية المركبة هي : احمد جواد، علي سعاد، محمد رشاد، فاطمة نزيهة، مصطفى نزار) – وقد وصفهم احد الكتاب (.. جميعهم يتشابهون في السحنة ... اما انوفهم فضخامتها مشهود بها، بل هي نسخة طبق الاصل مما كان يتباهى به والدهم بقوله –شم الانوف- اما اصواتهم المتدهجة المتلعثمة احيانا والضاحكة كثيرا فهي تمنح المصغين رقة وتقربا) . هؤلاء كلهم اصبحوا فنانين ومنهم درسوا في الخارج ثم عادوا ودرسوا الفن في معهد الفنون الجميلة او مدارس التربية ثم شكلوا الجمعيات الفنية واصدروا المجلات والكتب واقاموا المعارض في خارج البلاد وداخلها . وبالتالي فقد تركوا بصماتهم على حركة الفن والثقافة العراقية المعاصرة . وسجل ثلاثة من هؤلاء لهم حضورا مميزا وكبيرا في الساحة الفنية العراقيه وهم (جواد ونزار ونزيهة) . كان والدهم الحاج محمد سليم من مواليد الموصل لعام - 1883 – وهو من رواد الفن العراقي الى جانب عبد القادر الرسام .. وكان ضابطا في الجيش العثماني ثم عين مدرسا لمادة الرسم في عدد من المدراس، ورئيسا للملاحظين في وزارة الداخلية كما كان المدرس الخاص للملك غازي في تعليمه الرسم .. وكانت هناك علاقة بين عائلة سليم وعائلة الملك فيصل الاول علاقة مصاهرة عن طريق النساء . ولهذا فقد حضوا برعاية خاصة في المناصب الحكومية والبعثات الدراسية ... كما كان يلتقي بالشاعرين الزهاوي والرصافي ويزوق اشعارهم بالرسوم . كان سليم يعلم اولاده الرسم فغذاهم تذوق الفن وتعلمه وهم في نعومة اظفارهم . فاصبحت هذه الشجره يانعة الثقافة والفن وقد ساهمت بشكل مباشر في تنشيط حركة الفن العراقي المعاصر .

 

نزار سليم طاقة من العطاء:

– ولد في انقرة عام 1925، وكان نزار متنوع المواهب والقدرات وتتوزع على حقول شتى من المعرفة، فهو رسام وخطاط وكاريكاتيري وقصصاص وكاتب مسرحي ومترجم ومصمم للكتب والبوسترات . اصدر عدة كتب في مجال الفن منها الفن العراقي المعاصر بجزئيه التصوير والنحت وعدد من المجاميع القصصية والمسرحية والشعرية كما اصدر مجلة الامل ثم الصبا عام 1937. وانتخب رئيسا لاول جماعة كاريكاتيرية في العراق . اشتغل في وزارة الخارجية 1971 وعين في عدد من السفارات العراقية في الخارج . ثم عين مديرا للفنون في وزارة الاعلام .. وقد اشترك في مؤتمرات ومنظمات فنية وتشكيل اللجان الوطنية ..

– كان احد طلاب فائق حسن عند فتح معهد الفنون الجميلة عام 1939 . واحد اعضاء جماعة اصدقاء الفن عام 1941 . درس في كلية الحقوق وتخرج منها عام 1931 . اقام معرضين شخصين في بغداد اعوام 1956 و1971 . يضاف الى ذلك اشتراكه في معارض جماعة اصدقاء الفن وجمعية الفنانين العراقيين وجماعة بغداد للفن الحديث .

 

التقنيات:

كان نزار قد تأثر في اول الامر باعمال الرواد الذين تاثروا بمدرسة بغداد الواسطية وتناولوا التراث ولكن بملامح محلية ومعالجات حديثة مبسطة ومختزلة مثل لوحته – بائع الفرارات – وطيور في الحديقة – و–شاربات الشاي – اما لوحته – الفنان والمعركة – فقد جائت تقليدا للفن الحديث الاوربي من ناحية طريقة الكولاج، حيث نشاهد عدة مشاهد في اللوحة متراكبة ومتداخلة تجمع بين الاشكال التشخيصية والهندسية والزخارف وبعض الرموز والكتابات العربية، كما نرى هناك طفولة في الاعمال حيث لا تخضع الى النسب الاكاديمية . اما الالوان فنراها معتمة احيانا ويسيطر عليها اللونين القهوائي والاسود . ولم يلتزم نزار باسلوب واحد معين حيث نجد انه كثير الطرز والاساليب، وربما انشغاله في القضايا الادارية والدبلوماسية وادارة المؤتمرات واللجان الفنية جعله متغير الاساليب وقليل الانتاج مقارنة بالفنانين الرواد . علما ان غالبية الفنانين العراقيين الرواد لا يجيدون الرسم الاكاديمي، وقد حاول كاظم حيدر من اعادة الاعتبار للاكاديميات فشكل تجمعا اسماه - الاكاديميون –عام 1971 ضم كل من صلاح جياد، فيصل لعيبي، نعمان هادي، وليد شيت . ولم يدم طويى ثم انفرط .

 

بوهيمية نزار:

نزار سليم كان في بداية حياته بوهيميا متمردا وقد شكل تجمعا من الشباب اطلق عليه –- الوقت الضائع – وهم مجموعة من الشباب يجمعهم التمرد والفوضى ثم انفرط التجمع .. بعد ذلك فكر نزار بفتح مقهى في الاعظمية في ساحة عنتر عام 1948 اطلق عليها اسم – واق واق – حيث كان يلتقي مع اصحابة ويتحدثون عن الفن والشعر والادب .

 والبوهيمي هي منطقة في تشيك كان قد استوطنها او مر فيها الغجر البؤساء من الرومان . ثم دخل المصطلح الى الادب والشعر والفن في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، واتخذها بعض الفنانين والادباء كرمز للفكر الحر المتمرد الغير ملتزم بالتقاليد والاعراف، واشتهر منهم هنري موجيه حيث اصدر مجموعة قصصية اطلق عليها – مشاهد من حياة البوهيمية – عام 1845 – وفكتور هيجو وروايته المعروفة – البؤساء – الذي اصدرها عام 1862 . وكان يتحدث فيها عن الشباب الفرنسي وحياتهم البوهيمية الضائعة والفوضوية. في هذه الفترة اصدر نزار اول مجموعة قصصية له وهي – اشيا تافهة – ثم اخذ يصدر بعد ذلك عدد من الكتب في المسرح والفن والشعر . ولازال له الكثير من المؤلفات غير مطبوعة .. توفى نزار عام 1982 في بغداد اثر نوبة قلبية ودفن الى جوار اخيه جواد 

 

khadom shamhodاللون الاسود من الالوان الاساسية في الفنون التشكيلية ويعبر عنه بانه ملك الالوان والسبب في ذلك لانه حصيلة امتصاص جميع الالوان الاساسية وبالتالي فالاسود ليس لونا .. ولهذا فان الدارسين لعلم الفيزياء يذكرون بان الاسود لا وجود له في الطبيعة .. فالوان الطيف الشمسي هي سبعة معروفة (الاحمر، الاصفر، الازرق، الاخضر، البرتقالي، البنفسجي، النيلي) وبالتالي لم نجد بينها اللون الاسود مستقلا .. وقد استخدم اللون الاسود في الفنون التشكيلية الى جانب الالوان القوية الحارة لانه لا يقبل الالوان الباهته . كما هو عند ماتيس صاحب المدرسة الوحشية او عند تكوينات موندرياني التجريدية ..

سالم الدباغ واحد من الفنانين الذين استخدموا اللون الاسود بشكل واسع حيث شكلت المربعات والمستطيلات والمثلثات عناصرا رئيسية في سطح لوحاته الى جانب الفضاء الواسع الابيض. ولم نجد فيها بارزا غير اللونين الاسود والابيض . مع بعض الاشكال الرمزية الغامضة وكأنها اشكال انسان معلق مثل لوحتيه – سقوط في الفضاء و– شخصان داخل مربع - كذلك استخدم الدباغ في تقنياته الكولاج ومواد اخرى متنوعة ومختلفة .. وتشعر عند النظر اليها بالحدية واليبوس والحزن . فاللون الاسود في نظر البعض هو الظلام والموت والمأساة .. وقد استثمر الدباغ طاقة اللون الاسود ووظفها بتقشف واختزال صوفي رمزي .. فاللون الاسود له طاقة مدمرة وله تفسيرات شتى على مر العصور واذا قرأنا (مثيولوجيا) الشعوب القديمة نجد له معاني وتأويلات كثيرة .. مثلا اعتبروا الغراب الاسود رمزا للشؤم بسبب قصة الغراب عندما قتل صاحبه ودفنه، امام حادثة قتل هابيل لقابيل المعروفة ..

1127-salim1

 

و قد اتخذت بعض الحركات الثورية اللون الاسود شعارا لها، فعندما قامت الحركة السرية العباسية امر ابو مسلم الخرساني اتباعة بلباس اللون الاسود ثم اتخذه الخلفاء العباسيون شعارا لهم فتزين به الحكام والقضاة والامراء والعسكر وغيرهم، وقيل انهم اتخذوه شعارا للثأر من مقتل الحسين –ع- وبالتالي اصبح الذوق العام في المجتمع هو اللون الاسود ..

(قل للمليحة ذات الخمار الاسود - ماذا فعلت بزاهد متعبد)

كما ورد ذكر اللون الاسود في القرآن الكريم (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (ظل وجهه مسود وهو كظيم) وفي كل ذلك اشارات الى الكآبة والحزن ..

 ومن جانب آخر وجدت في بعض المجتمعات المعاصرة ان العريس وعروسته يوم الزفاف يرتديان الزي الاسود كما هو في منطقة اكستريمادورا في بلاد الاندلس .. كما وجدت ان النساء الكبار في العمر (العجائز) يفضلن ارتداء الملابس السوداء ربما يوحي ذلك بالوقار والهيبة والاحترام . واحيانا نرى المراسيم الرسمية والملكية سوداء رمزا للقوة والثقة . وهي تقاليد عبرت الينا من بني العباس وبني هاشم ولا زالت بعضها تمارس . وهكذا نجد انفسنا امام لون له معاني ورموز كثيرة وحسب تقاليد الشعوب وثقافاتها .

 1127-salim2

التجريد عند الدباغ

منذ سنة 1958 عندما كان يدرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد كان الدباغ ميالا للفن الاوربي الحديث وكان معجبا بالفنان الايطالي مودلياني 1884 حيث كان يختزل شخوصه ومفردات لوحاته ويعمل على التسطيح . وفي مرحلة الستينات انتقل الدباغ الى فن التجريد عندما كان طالبا في اكاديمية الفنون الجميلة وبرزت اعماله التجريدية من خلال مشاركاته في معارض جماعة المجددين عام 1965 وكان احد اعضائها ..

اعمال الدباغ ذات اشكال هندسية رياضية معمارية تذكرنا بنظرية فيثاغورس حيث يقول ان الجمال هو عنصر رياضي، فهي اعمال ذهنية . كما تذكرنا باعمال الفنان، والنحات الاسباني جييداChillida 1924 حيث يرسم سلسلة من المربعات المترابطة ذات اللون الاسود ..

في عام 1969 حصل الدباغ على منحة دراسية من مؤسسة كولبنكيان لدراسة الحفر في لشبونة – البرتغال – وعادة ما يستخدم اللون الاسود في الحفر بشكل رئيسي مثل حفريات غويا السوداء التي تسمى – النزوات - وهنا وجد الدباغ ضالته وما كان يبحث عنه في بلاد الغرب فعمق تجربته ونورها برؤية فلسفية على اعتبار ان العالم من وجهة نظره في اصله مادة سوداء ثم سلط عليه الضوء فاصبح مرئيا ..

(تسجيل الاحداث ليس مهمتي، لم ارسم مقتل انسان ولم ارسم بناية تحترق ..) (شخصيا اعتبر كل الموروث الانساني ملك لي ولا اقصد به الموروث الوطني او القومي .. استعمل الكثير من الفنانين التراث كطوق نجاة .) . (في الحفر اعتمد على الخطوط القوية المتداخلة والمتقاطعة التي تملئ مربع الورقة تماما وهذا التداخل يبدأ من الداخل وينتهي بحافة المربع مع الاعتماد على الابيض والاسود .. في الحفر لدي خبرة جيدة فيه.. واستطعت ان احقق من خلاله ما لم احققه في اللوحة ولكن اللوحة اغنتني عن الكرافيك ..)

سالم الدباغ ولد في الموصل عام 1941، تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1961 واكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1965 . قام بعدة معارض شخصية وجماعية واشترك مع معارض جماعة المجددين وكان عضوا فيها، وكذلك مع معارض جمعية الفنانين العراقيين .. حصل على زمالة دراسية الى لشبونة لدراسة الحفر . .

يعتبر سالم الدباغ وفرج عبو من اوائل الفنانين العراقيين الذين طرقوا باب التجريد، علما ان الاثنين من مواليد مدينة الموصل الحدباء .

 

د. كاظم شمهود

 

khadom shamhodان المتتبع لانتاج الافلام السينمائية الروائية حول حياة بعض الفنانين المشهورين والمعروفين عالميا يجد بعض منها متفقا مع حقيقة حياتهم والآخر مبالغا او مزينا لها، ومنها قويا وفاعلا ومؤثرا خاصة حينما يمتزج الخيال والابداع السينمائي مع التصوير الفني حيث يفسحان المجال امام الوجدان للتعبير عن الانفعالات النفسية والعاطفية .. فالمواقف التي يظهرها الممثلون في الافلام، تشبه الى حد ما المواقف التعبيرية التي يرسمها الفنان في لوحاته، وصاحب الكامرة الذي يصور الممثلين في الوانهم وحركاتهم الانفعالية، نجدها ايضا عند الفنان عندما يرسم الانسان او الطبيعة بحركتها والوانها وجمالها وعذوبتها، وبالتالي فاننا نجد انفسنا امام لحمة فنية ولغة مشتركة بين التصوير والسينما ..

قبل فترة شاهدت فلما عن حياة الفنان الاسباني فرانثيسكو غويا Goya حيث يتحدث عن الفترة المظلمة الاخيرة من حياته والتي تنحصر بين اعوام 1792 و1809، كما يتحدث عن آخر ايام محاكم التفتيش المرعبة في اسبانيا وكذلك الاحتلال الفرنسي لاسبانيا عام 1808 . الفلم يحمل عنوان – اشباح غويا –Los fantasmas de Goya - وهو انتاج اسباني امريكي مشترك ظهر عام 2006 .

 1120-khadom1

 1- غويا وموديلاته .. يبدأ الفلم بعرض بعض اعمال غويا امام اعضاء محكمة التفتيش والتي كانت تمثل نقدا لاذعا عن حياة رجال الدين وفسادهم المالي والاخلاقي وهي لوحات خيالية سريالية يطغي عليها عالم الاشباح والسخرية .. هذه الاعمال عبارة عن حفريات (كرافيك) اطلق عليها اسم – النزوات – وكان احد القساوسة صديقا لغويا استطاع من الدفاع عنه امام محكمة التفتيش وتبرئته .. وفي نفس الوقت كانت هناك فتاة جميلة انيقة تتردد على غويا باستمرار كموديل، فيرسسمها برومانسية حالمة وعاشق ولهان، وقد اعتبرها احد آلهات الحب والشعر التي توحي اليه بالخيال والجمال . وفي يوم من الايام تختفي هذه الفتاة، حيث تقع في يد محاكم التفتيش بتهمة انها يهودية لانها لا تأكل لحم الخنزير . ويحكم عليها بالسجن 15 سنة .. غويا يصاب بالجنون فيبحث عنها في كل مكان، واخيرا يتوسل بصديقه القس لمعرفة مصير الفتاة .. القس يزور الفتاة في السجن ويطلب منها ان تصلي معه ثم يغويها ويعمل معها الفاحشة ...

 

2 - محاكم التفتيش

1120-khadom2كان دخول الفرنسيين الى اسبانيا عام 1808 نهاية محاكم التفتيش، حيث أمر جوزيف بونابرت اخو نابليون بالغاء محاكم التفتيش ومصادرة املاكها وسجلاتها وخلع ملك اسبانيا فرناندو السابع ثم ذهب نابليون فاعتقل البابا بيوس السابع وصادر السجلات البابوية وحبسه في فونتبلو ثم اطلق سراحه عام 1814 . . وبذلك اغلق التاريخ دفتره على واحد من اسوء الحقب التي عرفها العالم وقد احرقت واضطهدت في تاريخها الطويل مئات الالوف من الضحايا من بينهم اشهر المفكرين والعلماء . وكانت محاكم التفتيش تطارد المسلمين واليهود والبروتستانت وتتهمهم بالهرطقة اي الالحاد وتحرقهم في الساحات العامة . وقد بدأت عملها عام 1480 وانتهت بمجيئ الثورة الفرنسية ودخول جيوش نابليون الى اسبانيا عام 1808 ..

بعض التقارير الفرنسية تعطي وصفا دقيقا لقصر محكمة التفتيش في مدريد حيث سمعوا انينا تحت البلاط ولما نزلوا وجدوا بعض الضحايا احياء يعيشون على لحم زملائهم الموتى ..

اليوم نحن نرى تشابها كبيرا بين الجماعات التكفيرية من وهابية وداعشية وسلفية متحجرة وبين ذلك التاريخ الاسود لمحاكم التفتيش . فتلك الجماعات هي نفسها اليوم تعود بلحمها وجلدها وفكرها من جديد لتحرق وتذبح وتبيع وتغتصب النساء وتشرد الملايين من الناس باسم الدين والدين براء منهم ..

 

3- غويا الاطرش

عاش غويا احداث مأساوية مرعبة في آخر حياته ومن خلالها فقد سمعه فاصبح يخاطب الآخرين بالاشارات .. حيث عاش فترة محاكم التفتيش وعبثها وتفرعنها وحبسها لانفاس الناس، وشاهد بام عينيه كيف تحرق الناس في الساحات العامة وكيف يساق المذنبين الى المحاكم بحجة عدم اكل لحم الخنزير او ما شاكل ذلك .. ثم شاهد دخول الفرنسيين حاملين معهم شعارات العلمانية وفصل الدين عن السياسة وعبثهم في البلاد واعدامهم للقسيسين وحرق الكنائس .. كل هذه الاحداث رسمها غويا في لوحات كبيرة منها لوحة- 3 دي مايو 1808- و- 2 دي مايو 1808– كما رسم مجموعة – النزوات - التي ذكرناها سابقا والتي تهاجم رجال الدين وتفضح فسادهم . وكادت هذه المجموعة تحمله الى مقصلة محاكم التفتيش. وكانت احداث الفلم تنتهي بالقضاء على محاكم التفتيش واطلاق سراح السجناء ومنهم الفتاة التي قضت 15 سنة في السجن وكان غويا يعشقها ويحبها ولكنها خرجت هذه المرة نحيفة مشوهة ذابلة لم يرى منها غير الهيكل العظمي وقد اصيبت بالجنون . فوقف غويا ينظر اليها بألم وحسرة دون ان ينطق بشئ، والى الفوضى العارمة التي حلت في اسبانيا، ثم يقرر الهجرة الى فرنسا، وبقى هناك حتى وفاته عام 1828... (لقد قرأت عن حياة غويا وكتبت عنها الكثير ولكني لم اجد ان في حياته يصادق فتاة من اصول يهودية وانها تسجن بسبب رفضها اكل لحم الخنزير . فاعتقد ان هذه القصة مختلقة ومن اظافات صاحب السيناريو) .

 

jamil hamdaouiتمهيـد: حققت السينما الأمازيغية المغربية تراكما ملحوظا كما وكيفا. وقد انطلقت في سنوات التسعين بتقنيات بسيطة لاتتعدى أفلام الفيديو، لتفرض نفسها - فيما بعد- في الساحة الإعلامية والسينمائية، ولاسيما بعد خطاب أجدير التاريخي في17 أكتوبر 2001م الذي أعطى الشرعية  والانطلاقة الأولى للخطاب الأمازيغي ذي البعد الهوياتي. كما تقوت هذه السينما، بشكل فعلي، بعد تدشين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي ساهم، بدوره، بشكل من الأشكال، في انطلاق هذه السينما لكي تحقق تراكمها الفني والجمالي.

وقد غزت الأفلام الأمازيغية الأسواق الوطنية والدولية، وأصبح لها جمهورها الخاص، بعد تدشين القناة الثامنة التي تعنى بعرض الأفلام الأمازيغية في مختلف لهجاتها الثلاث. وقد حققت الفيلموغرافيا الأمازيغية أكثر من (200) فيلم في مختلف أنواعه: الفيديو (الفيسيدي VCD والديفيدي DVD)، والأفلام التلفزية، والمسلسلات، والأفلام السينمائية القصيرة والطويلة، والأفلام الوثائقية...

وقد عرفت السينما الأمازيغية أيضا مجموعة من المخرجين الذين أخرجوا مجموعة من الأفلام، سواء في منطقة الريف، أم في منطقة سوس، أم في منطقة الأطلس المتوسط، ومن هؤلاء:  الحسين بيزكارن، ومصطفى الشعبي، وأكسل فوزي، ومحمد أمين بنعمراوي، وحميد عزيز، ومحمد مرنيش أوطالب، ومحمد العبازي، وفاطمة بوبكدي، وحمد بايدو، ورشيد الهزمير، ومحمد بوزكو...

هذا، ويعد مصطفى الشعبي المؤسس الحقيقي للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية، وقد استطاع أن يبلور سينما تتخذ من منطقة الريف بيئة للتصوير السينمائي، أو موضوعا جديرا بالتخييل والحكي والمعالجة الدرامية.

إذاً، ما أهم الإنجازات التي حققها مصطفى الشعبي في مجال السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية؟

 

المبحث الأول:  التعريف بمصطفى الشعبي

ولد مصطفى الشعبي في مدينة العرائش في 24 مارس 1961م، وهو من جذور أمازيغية ريفية. ويعتبر مصورا ومخرجا سينمائيا، وصاحب شركة (أسماء فيلم) التي أسسها مع زوجته أسماء الغلبزوري في مدينة تطوان بغية إنتاج أفلام الفيديو والسينما، مع توزيعها في الداخل والخارج، ولاسيما أن هذه الأفلام تجد إقبالا لانظير له من قبل الجالية المغربية خارج الوطن .

وقد أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام التلفزية والوثائقية والسينمائية التي كانت لها صدى كبير محليا ووطنيا ودوليا، مثل:  الفيلم الوثائقي عن عبد الكريم الخطابي، والفيلم الوثائقي عن المهاجرين الأفارقة الذين يتطلعون إلى الضفة الأخرى عبر الحدود  كما في فيلم (الحلم الوحيد)....

وقد شارك في تصوير مجموعة من الأفلام الوطنية والدولية، مثل: فيلم (وبعد) لمحمد إسماعيل، وفيلم (شاي في الصحراء) للمخرج برناندو بيرتولوشي(Bernando Bertolutchi)، والفيلم الأمريكي (الكنز)، وفيلم ( أسرار الصحراء) للمخرج ألبرتو نيكرين (Alberto Negrine)، وفيلم ( لماذا أفغانستان؟). علاوة على أفلام أخرى إسبانية وأمريكية...

كما شارك بأفلامه في مهرجانات سينمائية متميزة، مثل: مهرجان تطوان، ومهرجان طنجة، ومهرجان أكادير، ومهرجان كارفينو بإيطاليا، ومهرجان مالمو السوسيدية، ومهرجان سيرفينيا الإيطالي الذي فاز فيه فيلمه الوثائقي ( الحلم الوحيد) بالجائزة الكبرى... ويعد مصطفى الشعبي كذلك  رئيس جمعية (الورشة السينمائية) بتطوان.

وعليه، يعتبر  مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية منذ 1996م، حينما أخرج فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)، بعد ست سنوات من ظهور أول فيلم أمازيغي  سوسي سنة1990م بعنوان (تامغارت ن- وورغ/امرأة من ذهب)، ومن إخراج الحسين بيزكارن. ولم يوزع هذا الفيلم  السوسي و يسوق داخليا إلا في سنة 1991م. ويعني هذا أن السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية هي سينما حديثة العهد، وقد بدأت بأفلام الفيديو  أو أقراص الفيسيدي(VCD) التي انتشرت كثيرا في سنوات التسعين من القرن الماضي لتصبح صناعة تقنية وإلكترونية معقدة، بعد مرحلة الهواية والتجريب والبحث عن الهوية والذات .

ولم يكتف مصطفى الشعبي بإخراج الأفلام الأمازيغية فقط، بل أخرج مجموعة من الأفلام باللغات الأخرى، كالاعتماد على الدارجة المغربية كما في فيلم (القدس...أبنادم !)، وفيلم (زينب)، وفيلم (الحلم الوحيد)، وفيلم (أصدقاء الجنرال فرانكو- ريكولاريس...)، وفيلم (دائرة الطمع)...

 وأكثر من هذا فقد قام بدبلجة فيلم (كنوز الأطلس) للمخرج الكبير محمد العبازي بأمازيغية الريف.

وقد فاز المخرج بعدة جوائز، مثل : الجائزة الكبرى عن فيلمه الوثائقي (الحلم الوحيد) في مهرجان سيرفينيا الإيطالي، وكذلك عن فيلمه التربوي القصير (زينب) الذي نظمته جمعية التواصل الثقافي للمسرح والسينما بالدار البيضاء ما بين 12 و14  ماي 2006م، بشعار (السينما والتربية المدرسية). ويتحدث ذلك الفيلم التربوي عن تلميذة مجدة في العاشرة من عمرها، تغيبت عن المدرسة فجأة، فتفقدها مدرسوها وزملاؤها. والسبب في ذلك هو الحجاب الذي فرض عليها من قبل أخيها ...

 

المبحث الثاني:  فيلموغرافيا مصطفى الشعبي

أنتج مصطفى الشعبي أكثر من اثني وعشرين فيلما، سواء أكان ريبورتاجا تسجيليا، أم فيلما وثائقيا، أم فيلما دراميا...وما يهمنا في هذه اللائحة الفيلموغرافية الطويلة التوقف فقط عند الأفلام الأمازيغية  على النحو التالي:

 

المطلب الأول: فيلم (موش ذي رميزان/ القط في الميزان)

يعد أول فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرجه مصطفى الشعبي سنة 1992م، وقد مثل فيه كل من الصحافي والإذاعي أحمد التعتمانتي، والممثلة الحسيمية أسماء الغلبزوري التي تعد أول ممثلة سينمائية في منطقة الريف. والفيلم من إنتاج أسماء فيلم، وقد وزع هذا الفيلم الدرامي في الداخل والخارج، وبالضبط من قبل شركة (كونفوريستا/ Conforesta ) الإسبانية. ويتحدث هذا الفيلم عن الخرافة في المجتمع الريفي.

 

المطلب الثاني:  فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)

يعد هذا العمل ثاني فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرج هذا الفيلم مصطفى الشعبي سنة 1993م، كما تولى بنفسه كتابة السيناريو. وقد ورد هذا الفيلم في شكل شريط فيديو (VCD) . و يتحدث الفيلم عن الهجرة السرية إلى الضفة الأخرى، ولم تكن تلك الهجرة سوى سراب زائف، وحلم واهم؛ لأن كثيرا من القوارب قد انتهت بالغرق والموت وخداع المهاجرين السريين. ويعني هذا أن هذا الفيلم الدرامي عبارة عن مقاربة اجتماعية ودرامية لأوضاع المنسيين والمهمشين في منطقة الريف. وبالتالي، فهو تصوير صادق للمعاناة الإنسانية التي يمر بها المهاجر السري، ويستعرض مختلف المكائد التي يتعرض لها.

وهذا الفيلم من بطولة عمر فهمي وأسماء الغلبزوري، وقد التقطت مشاهد هذا الفيلم في منطقة الريف وضواحي الشمال المغربي. أما الموسيقا التصويرية، فهي للفنان الأمازيغي الريفي وليد ميمون.

 

المطلب الثالث:  فيلم (ءاشعاب ذ-  ءوشان/ الذئب والثعلب)

يعد هذا الفيلم الكوميدي الفيلم الثالث الذي أنتجه المخرج مصطفى الشعبي، بحوار الحسن عفيف، وقصة أسماء الغلبزوري . وهو بمثابة تمثيلية، أو سكيتش فيديو، وقد أخرجه صاحبه سنة 1998م. وقد أشر عليه المركز السينمائي المغربي  بالرباط سنة 1997م، برقم:54. والفيلم من بطولة أسماء الغلبزوري، وعفيف الحسن، ومحمد بنعماري. وهو كذلك من إنتاج شركة أسماء فيلم.

 

المطلب الرابع:  فيلــــــــم (حمادي)

أخرج هذا الفيلم الأمازيغي الريفي مصطفى الشعبي سنة 1996م. وهو عبارة عن فيلم فيديو درامي، يتحدث عن قضية اجتماعية تعكس الواقع المغربي، تتمثل في طالب شاب عاطل ومجاز، يبحث عن العمل الذي يصون آدميته، فيتجه إلى الشركات لعله يجد عملا يحفظ كرامة وجهه. لكنه يعود بخفي حنين.وأكثر من هذا فقد توفي أبوه، وتزوجت أخته، وبقي وحيدا، فضاقت عليه السبل، فاختار الهجرة السرية حلا للتخلص من الورطة التي يعيش فيها. ويلاحظ أن هذا الفيلم عبارة عن شريط فيديو (VCD). وقد كتبت زوجته أسماء الغلبزوري سيناريو العمل.

 

المطلب الخامس: أفلام سينمائية متفرقة

أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام  الكوميدية والوثائقية المتنوعة منها:  فيلم (أمازيغ) سنة 1999م، في شكل فيلم فيديو درامي. وأنجز أيضا أول فيلم وثائقي تاريخي عن أسد الريف بعنوان (محمد بن عبد الكريم الخطابي)، وهو من إنتاج التلفزة الهولندية سنة 1994م. كما أخرج فيلم  (إمطاون / الدموع ) سنة 1995م. وأخرج كذلك الفيلم الكوميدي(أغندف توذارث)، إلى جانب أفلام أخرى كفيلم (الرايس أوشن)، و فيلم (الدكتور بوسحاسح)، و فيلم (بوليس ميغيس) الذي تعود بطولته إلى الممثل الريفي فريد أمغار، و حسن عفيف، و أسماء الغلبزوري، وآخرين... وقد وزعت هذه الأفلام كلها وطنيا و خارجيا.

ومن المعلوم، الآن، أن مصطفى الشعبي بصدد إخراج فيلم بعنوان (إيزري ن - تمورث /أنشودة الأرض) الذي يعد أول شريط سينمائي ناطق بالريفية . أما كتابة الحوار والسيناريو،  فهو للسيناريست الأمازيغي الريفي الدكتور جمال أبرنوص. والفيلم عبارة عن دراما اجتماعية في قالب حكائي مأساوي، يرصد العلاقة المتينة بين الإنسان وأرضه، واستجلاء مختلف التحولات التي طرأت على هذه العلاقة الارتباطية إيجابا وسلبا، ولاسيما بعد الانتقال من البادية إلى المدينة.

ويستعرض الفيلم أيضا حكاية طفل ريفي يتيم ورث عن أبيه ضيعات فلاحية كثيرة، غير أن عمه سلبه إياها بغية استغلالها لمصلحته الشخصية. وفي هذه اللحظة بالذات، سيكون الطفل مجبرا على الهجرة إلى المدينة ليستغل مجددا من قبل رب العمل.

وسيعهد تشخيص الأدوار السينمائية في هذا الفيلم إلى مجموعة من الطاقات المسرحية الواعدة بالمنطقة الشمالية. إضافة إلى أسماء وازنة أخرى معروفة في الساحة الفنية على الصعيد الوطني.

وخلاصة القول، يعد مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية بمنطقة الريف منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بكل جدارة واستحقاق. وقد ركز كثيرا على المواضيع الدرامية الاجتماعية، مثل: الأرض، والتاريخ، والتربية، والهجرة السرية، والاستغلال، والظلم الاجتماعي، والسحر، والخرافة، والشعوذة... كما تناول قضايا واقعية شائكة في قالب كوميدي ساخر. دون أن ينسى هذا المخرج قضايا الأمة الجديرة بالتناول كقضية القدس على سبيل التمثيل ليس إلا.

وقد وظف كذلك مجموعة من اللغات على مستوى الحوار، مثل: الأمازيغية، والدارجة، ومزيج من اللغات الأجنبية...

 

mohamad-alshawiلكل عمل فني متلق عام وآخر خاص؛ لا سيما أن الفنان يبتغي من وراء عمله التعبير عن إحساسه اتجاه قضية من القضايا التي تخالج فكره .

والفنان التشكيلي العربي هو جزء لا يتجزأ من بنية عامة وهي الثقافة العربية، وخصوصا في شقها الإسلامي الذي ارتبط بالحلال والحرام، وما أعقب ذلك من تسليط للضوء على قضايا رسم الإنسان والأعضاء التي دعا إلى تحريمها الفقهاء بدريعة بعض الأحاديث الضعيفة التي تتخذ كحجة من الحجج الواهية. وهذا أكبر عائق ابستيمولوجي حال بين المعرفة العالمة في شقها الفني، والمعرفة الدينية المنمطة في شقها الفقهي الذي لم يتأسس على نصوص صريحة لمنع الإبداع البشري . فهل استطاع الفنان العربي التعبير عن ثقافته بغض النظر عن تاريخ تطور الفن عند العرب في شقه الديني المانع للرسم والتصوير ..؟ وهل استطاع أيضا الفنان العربي خلق فن تشكيلي يراعي مقومات الهوية والبنى الإجتماعية المكونة للثقافة العربية ؟ أم إنه سجين تصورات غربية تؤطر فكره وأفق تصور الفني كمحاولات لاستنساخ ما أنتجه الغرب وعكسه بمسلاط نحو الذات العربية للمجتمع العربي معتمدا على معيار المماثلة لخلق أشباه ونظائر ؟

ما هو معيار الحكم الجمالي عند المواطن العربي في تلقيه للعمل التشكيلي؟  وهل استطاع أن يرقى بذوق هذا المواطن نحو فهم حقيقة الفن وجوهره؟

في تقديرنا لا وجود لعمل فني يرتبط بجهة معينة، سواء تعلق الأمر بالشرق أوالغرب، ما دام هذا العمل من إنتاج الذات الواعية المبدعة، فهو عمل يحتفظ بصفته الكونية وبالتعبير عن المشترك الإنساني .

وثاني عائق إبستيمولوجي - بالمعنى البشلاري - يعوق سيرورة تلقي العمل الفني مسألة الذوق الجمالي، وهي وليدة ركام وخبرة كبيرة في الاطلاع على الثقافة البشرية ومعرفة خباياها، هذه الثقافة التي تعبر عن الإنسان والعالم .

وللأسف ما زال المواطن العربي يذعن للأعمال التشكيلية المحاكاتية لنماذج من الطبيعة كزرقة المياه والزهور والأشجار والجبال ...

وبنماذج أخرى تتجذر في عمق الهوية العربية كالتعبير عن المرأة البدوية في صيغ مختلفة على حسب البلدان التي ينتمي إليها الفنان، أو التعبير أيضاً عن أجواء احتفالية لمناسبة من المناسبات كالدينية والوطنية أو لموسم من المواسم التي تمتاز بها منطقة من المناطق أو جهة متجهات الوطن العربي والنماذج هنا مختلفة ...

والملاحظ أيضاً أن هذا العائق الإبستيمولوجي ظل لسنوات من الزمن يهيمن على جل الأعمال التشكيلية لدى الفنانين العرب، ولا سيما تلك الفئة التي باعت منتوجاتها " الإبداعية " بثمن بخس خدمة للبورجوازية التي صارت تقدم لهم موضوعات وتيمات أعمالهم الفنية، حيث اقتصرت وظيفة هؤلاء على النسخ والتصوير وكأنّهم آلة فوتوغرافية ...

وظل السؤال على مرور أزمان طوال لماذا لم نرقى بذوق المواطن العربي نحو عتبة مقبولة - لا أقول حسنة أو جيدة - لفهم الفن ومحاولة للصعود به في سلم التذوق؟

1117-tashkilما زال هذا السؤال يسكن أدمغة المبدعين من التشكيليين العرب وغيرهم من الذين ساروا على درب الإبداع بخطى ثابتة بهاجس أساس مؤداه هدم بادئ الرأي التشكيلي الذي ارتبط بتلك النماذج التي ذكرناها آنفا والتي ظلت للأسف لصيقة بوعي المواطن العربي حتى ظن أنها جوهر الفن التشكيلي .

وثالث هذه العوائق يرتبط بالفنان التشكيلي في حد ذاته من خلال مشكلة اللغة التعبيرية التي ينبغي أن يتوفر عليها في تذليل الصعوبات ورفع اللبس لتقريب المتلقي من عمله، فكيف يعقل أن يتعذر على فنان أبدع لوحة تشكيلية أن يوضح فكرتها لجمهوره في قاعة العرض وأن يعمل على تفسير مكوناتها ؟

لست أدري هل المسألة ترتبط بافتقار الفنان التشكيلي العربي للمعلومات النظرية وللتعابير الدالة على إبداعه ..!!

 للأسف الشديد لقد اقتصرت المعارض العربية على عرض اللوحات بطريقة نمطية وشرب العصائر وأكل الفطائر والحلويات ...

دون تحليل نقدي أو قراءات في اللوحات يقدمها نقاد الفن الذين اقتصر عملهم على الكتابة الصحفية التعريفية بالفنان وبمنجزه التشكيلي الذي وسم مرحلة تكوينه وأماكن عرضه ...

فضلا عن كتابة الإطراءات والمجاملات والكلمات المعسولة في دفتر زوار المعرض .

أما العائق الإبستيمولوجي الرابع فمرده إلى راهنية الخطاب التشكيلي المعبر عن روح العصر، عبر تقديم منجزات تشكيلية تستدمج هذه الروح للمتلقي العربي. فإنه في نظرنا مازال الفن التشكيلي لم يستجب لقضايا المواطن العربي وللفن العالمي على وجه التحديد، لكون راهنية التعبيرالتشكيلي هي جزء لا يتجزأ من الإسمنت الثاوي لبنى الفكر البشري على مر العصور، فهي هموم وأحاسيس الفنان التي يعبر عنها بأشكاله وألوانه وتصوراته الذهنية les notions cognitives لا سيما تلك التي تتطلب تحليل وتأويل الأشياء الكامنة داخل بواطن الخطاب الفني، باعتباره خطابا من الخطابات، إذ يبتغي وراءه الفنان أن يحاجج على قضية من القضايا والتعبير عنها .

فالمعارض الدولية التي تنال فيها جوائز ليست وليدة محاكاة فوتوغرافية بل إنها جهد وعمل منهجي وتقني يشكل الفن ذاته . كما أن الفنان مطالب بأن يدافع عن عمله التشكيلي ويقوم بشرحه منهجيا وتقنيا حتى يقنع اللجنة بصدق الدعوى التي يتبناها في عمله التشكيلي .

كما تجدر الإشارة هاهنا إلى الصراع الذي يجد أرضا خصبة وسط الفنانين التشكيليين العرب ما زال قائما وعلى أشده، ليس بين بلد وآخر فحسب، بل إنه داخل البلد الواحد، بين من يدعي الأكاديمية والدراسة العالية والتكوين الغربي وبين من درس في معاهد الفنون العربية على قلة التخصصات العليا في هذه البلدان ما عدا مصر التي تواكب حركة التعليم العالي للفنون . أضف إلى ذلك تعالي الأنا لدى من ينعتون أنفسهم بالأكاديميين بين الفنانين العصاميين الذين لا يقلون شأنا عنهم، وليأتي بعد ذلك في الدرك الأسفل الفنانين الشعبيين من الفولكلوريين الذين لم يطوروا أعمالهم بل ظلوا تجاريين يحذون حذو النعل بالنعل .

إن هؤلاء يشكلون كثرة في المشهد الثقافي وقد دعا الفنان التشكيلي المغربي الراحل محمد شبعة إلى استقطابهم بدور الفنون وبالمعاهد من أجل أن يطوروا فنهم نحو الخروج من الشعباوية نحو العلمية والإبداعية الخلاقة يقول: "لقد كنت على حق – وكان ذلك ضروريا- أن أناهض ذلك، ولكننا لم نكن نناهض الفنانين..كنا نناهض التوجيه والتأطير والتحريف الذي كانت تقوم به جهات معروفة للأسف. إن هذه السياسة أجهضت ما كان يمكن أن نقوم به نحن في ظروف أخرى، من استقطاب لبعض التعابير الشعبية وحمايتها وتطويرها، ولكن في إطارها الشعبي: أي أنه لا يمكن أن تحول فنانا فطريا، وأقصد بالفطرة الأمية الأدبية، بحيث يفكر بشكل منهجي في عمله ويعبر عنه وينشئ خطابا حول أعماله. هذا النموذج من الفنانين، هو الذي كنا نريد أن نحتضنه ونؤطره. فليس لأنه فنان شعبي تلغى عنه هذه الضرورة. إنما نريد أن يكون الفنان الشعبي قادرا على الانتقال إلى مرحلة محترمة وهذا لم يتم"، لكن للأسف فقد رفض بعض الفنانين من الأكاديميين ذلك بذريعة التساوي مع من هم أقل منهم ولأنهم استطعموا حياة الترف والصالونات والحوارات الصحفية المحاباتية ...

وهي نفس الدعوة التي دعا إليها الفنانون الرواد من المصر أمثال فؤاد كامل ورمسيس يونان وجورج حنين في جماعة " الفن والحرية ".  ومحمد الناجي وراغب عياد في جماعة " أتلييه القاهرة " ...

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن هذه العوائق الإبستيمولوجية في نظرنا، قضية إشكالية رئيسة من القضايا التي يطرحها تلقي الفن التشكيلي داخل الوطن العربي، ونحن ها هنا لا ندعي الإحاطة بها ككل، بل إننا نقدم في هذه الورقة بوصفها أرضية التفكير والتحليل والمناقشة محتمين بلواء الفلسفة التي توجه أفق تفكيرنا وتنير بضوئها جميع العقول المبدعة .

لكن هل استطعنا بالفعل خلخلة العقل العربي ونقده من داخل بنيته لقبول الفنون والإبداعات البشرية من أجل الرقي به من التفكير العامي الشعبي نحو التفكير العلمي المنهجي؟ فإلى أي حد استطاع الفنان العربي من خلال عمله الإبداعي أن يدعو المتلقي لفنه ولا سيما من بني وطنه نحو طلوع أدراج الفن وثقافة الذوق من أجل تقديم تحليل ومناقشة له ولم لا أن ينتقده علميا؟

 

khadom shamhod1 - نرى اليوم ظاهرة انتشار المعارض الفنية التشكيلية في العاصمة مدريد وفي غيرها من المدن الاسبانية الكبيرة مثل برشلونة ، وهي ذات اتجاهات قائمة على فنون المطابقة للطبيعة في صورها العديدة من الكلاسيكية والاكاديمية و الرومانسية والواقعية الى المدرسة التأثيرية ..   وكأن فيها دعوة الى احياء التراث الفني القديم والى اولئك المبدعين من الرواده .. وهذا يذكرنا بعصر الافلاس الفكري الذي ساد اوربا في العصور الوسطى (العصور المظلمة) حتى قيام عصر النهضة الذي نادى بالعودة الى ثقافة الاغريق وعلومها وفلسفاتها وروادها بعدما طغت ثقافة التخلف والخرافات الدينية على شعوبها وحبس اهل العلم والتنوير واحرق البعض منهم وعم التصوف والزهد وعبادة الصور . وفي هذه العصور حدثت حرب الايقونات (ايكونوكلاستا) بين الاباطرة البيزنطينيين ليون الثالث وليون الخامس وبين كنيسة روما وغيرها ودامت حوالي 120 سنة . والتي بدأت منذ عام  726 م الى 843 م   .

 1115-khadom1وكان الاباطرة قد حاربوا عبادة الصور من اجل الايمان القويم ، وعدوها كرواسب وثنية ...

كذلك انتشرت الامراض الفتاكة نتيجة لعدم النظافة والايمان بالطب العلمي . وعندما طرد المسيحون المسلمين من اسبانيا عام 1610 كان اول عمل قاموا به هو تهديم الحمامات العامة والخاصة وعدوها من عمل الشيطان . وفي احد الندوات الثقافية التلفزيونية تحدث الكاتب والاديب الاسباني المعروف انتونيو غالا وكان يشغل رئيس جمعية الادباء ، ومن ضمن ما قال " ان الملكة ايزابيل الكاثوليكية -1451- كانت لا تستحم وان ريحتها نتنة  (وهذه من المعتقدات المسيحية القديمة) .. . وفي عام 1347 انتشر مرض الطاعون الاسود في اوربا وحصد الملايين من الناس وقضى على ثلث سكانها وقيل نصفها . .. كل ذلك وغيره  دعى المفكرين والادباء والفنانين الى النهوض والخروج من هذا المستنقع القاتل ونزع الفكر المتحجر والمتخلف . وبالتالي بدأ قيام عصر النهضة واصبحت الفنون والآداب تستمد روحانياتها وفلسفاتها واساليبها و فكرها من فنون الاغريق والرومان وكذلك من الفكر العربي الاسلامي وفنونه الذي كان مشعا في الاندلس ، وايضا  فنون عمارة المدجنين التي بقت مؤثرة في البناء الاوربي حتى اكتشاف الحديد واستعماله في البناء في القرن التاسع عشر ..

 1115-khadom2

المعارض المقامة حاليا في مدريد

2– قمنا اليوم بزيارة الى عدد من المتاحف والكالريات الفنية المنتشره في العاصمة مدريد للاطلاع الى ما وصل اليه الفن الحديث من تطورات واختراعات . وقد وجدت  ان اكثر المتاحف نشاطا وحركة والتي تعج بالزوار والسواح الاجانب هي متحف . 1- Thyssen والذي يعرض اليوم اعمال الفنان الانطباعي رينوار 1840 الذي يعد من ابرز عظماء فن القرن التاسع عشر حيث ارسى قواعد المدرسة التأثيرية بالتعاون مع مونيه . وامتازت الوانه بالاضاءة والصقاء والجمال . 2 - متحف Caixa Forum ويعرض اعمال الفنانين الايطاليين من القرن الثامن عشر . 3 - متحف مافري Mafri ويعرض اعمال المدرسة الوحشية التي ظهرت في عام 1905 وتزعمها ماتيس 1869 واشتهرت في بداية القرن العشرين وانهالت عليه الدعوات من المعجبين باسلوبه فدعي الى انكلترا وامريكا والسويد والنرويج وغيرها حيث كان له الاثر الكبير على الفن الحديث . وكان لزيارته الى المغرب عام 1911  تاثيرا كبيرا على اعماله ، حيث ظهر على لوحاته السجاد والبسط والنساء العربيات والزخارف الاسلامية . . - 4 - متحف دي البرادو El Prado. ويعرض فيه اعمال الفنان الافلامنكو بوش El Bosco  1450 وامتازت اعماله بالسريالية والفنتازية والخيالات الخارقة ، واعتبر البعض يوم ذاك ان بوش له صلة بالجن .. 5 - متحف الملكة صوفيا Reina Sofía ، ويعرض حاليا عدد من المعارض المتوزعة على قاعاته الكثيرة وتنحصر بين عرض الصور الفوتوغرافية القديمة واعمال عدد من الرسامين الاسبان من عقد الخمسينات وبين الاعمال الهندسية والاشياء الجاهزة من الفن الشعبي البوب آرت وغيرها ..

1115-khadom33 - هذه المعارض الفنية تعطينا انطباعا بالعودة الى الاهتمام  بالفن والفنانين القداما خاصة الرواد وان الفن الحديث قد وصل الى مرحلة الاشباع ، ولو انه من الخطأ الفصل بين المضي والحاضر فكلها عبارة عن حلقات متطورة ادت بالنهاية الى ظهور الفنون المعاصرة . واصبح الفنانون المعاصرون اليوم يستنسخون من الرواد والمدارس الفنية الحديثة والتي عاشت عصرها الذهبي منذ بداية القرن العشرين الى مرحلة الستينات ....