khadom shamhodفرج عبو واحد من كبار الفنانين العراقيين المنسيين. ولد في الموصل عام 1921، درس الرسم في كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1950 . رحل الى روما ودرس الرسم وتخرج منها عام 1954 . عين استاذا لتدريس مادة الرسم في معهد الفنون الجميلة في بغداد بين اعوام 1954 و1967، ثم استاذا في كلية الفنون الجميلة في بغداد . وكان واحدا من مؤسسي جماعة بغداد للفن الحديث . كان لي الشرف ان اكون احد طلابه في كلية الفنون الجميلة عام 1972 . وكان عبو ينحو في اعماله نحو التجريد على غرار المدرسة التجريدية التعبيرية التي قادها الفنان الروسي كاندنسكي ..

 133-Faraabbo1

مفهوم التجريدة:

التجريد مفهوم قديم ظهر عند الاغريق حيث اعتبر جماعة فيثاغورس ان الجمال يقوم في الطبيعة على اسس تجريدية رياضية هندسية وعددية وهي اشارة الى ان الاشكال الهندسية كالمربع والمثلث والمستطيل والنقطة والخط وغيرها هي جميلة بحد ذاتها جمال مطلق .. من هنا خرج الفن التجريدي الذي اتخذ منزعا صوفيا .. ويمكن لنا ان نشاهد نوعين من التجريد الاول هو التجريد الهندسي والثاني هو التجريد التعبيري . الاول ظهر عند الفنان الهولندي موندريان الذي عمل على انتاج لوحات ذات اشكال هندسية متنوعة محددة بخط اسود .. والثاني نجده عند الفنان الروسي كاندنسكي . حيث اتجه الى الروحانيات واخذ اشكاله من الطبيعة وجردها، اصدر كتابا اسماه – الروحانيات – عام 1910 .

 133-Faraabbo2

البدايات:

كانت بدايات فرج عبو في الرسم مرتبطة بالاسلوب الواقعي التبسيطي ومستفيدا من التراث الشعبي البغدادي والمناطق الريفية بسحرها وزخارفها وجمال الوانها الحارة الفطرية التي نلمسها ظاهرة في الاثاث كالبسط والخيام والفخاريات وغيرها . ثم تحول الى التجريد متأثرا بمدرسة كاندنسكي الصوفية . كما استفاد من الزخارف الاسلامية – الارابسك – باشكالها الهندسية والنباتية المتداخله والمتقاطعة مع تداخل الضوء والضلال وتكرارها الساحر في الزخرفة، محورا لها ومعطيا صيغا ولغة جديدة جميلة .

فرجو عبو يطرع اشكال بصرية تجريدية واحيانا صوفية روحانية بطريقة الاختزال واصبحت الاشكال محورة لتعميق التعبيرية والفكرة واصبح سطح اللوحة عنده ميدانا للتجريب . وكما يقول بيكاسو (ان مهمة الرسام ان يرسم باستمرار) . ويعني ذلك ان حقول الفن والادب هي على الدوام عبارة عن حقول تجريب مستمرة بالتجديد والعطاء . ( وفوق كل ذي علم عليم)

 133-Faraabbo3

ذكريات الدراسة:

كان الاستاذ فرج عبو يدرسنا مادة نظرية تدعى - علم عناصر اللون - وكان قد الف كتابا بهذا الخصوص قبل فترة طويلة ومنذ ذلك الوقت بقى الكتاب مخطوطا على ورق ولم يستطع من طبعه هو او احد يطبعه له ربما لكلفته الغالية او كون المادة ليس لها شأنا كبيرا وسط الجمهور . وكثير ما كان يشتكي لنا من تلك المشكلة والمعانات التي جناها من وراء ذلك الكتاب . ويبدو انه لم يكن متعاونا مع السلطة في ذلك الوقت وقد اهمل .. ولكنني قرأت في الفترة الاخيرة بان الكتاب قد طبع بجزئين ويحمل عنوان – علم عناصر اللون - .. وفي عام 1975 قام طلاب الصف الرابع بشعبتيه الاولى والثانية برحلة فنية الى مدينة البصرة وكان الاستاذ فرجو عبو مشرفا عليها وكانت رحلة غاية في الجمال والمتعة . فقد تجولنا باحياء البصر العتيقة وازقتها وشناشيلها التاريخية الرائعة وكذلك على ضفاف شط العرب وسفنه الخشبية الواردة من الهند وشارع الكورنيش والخورة .. وخلال هذه الجولات كانت معدات الرسم معنا حاملينها على الاكتاف ، نرسم اينما حلينا وقعدنا .. وقد ختمنا تلك الرحلة بدعوة الجميع الى الغذاء في بيتنا في منطقة الجنينة . وقد هرعت الوالدة الى نساء الجيران تطلب المساعدة في التحضير والطبخ لان الاعداد كانت كبيرة .. وكان ذلك اليوم بمثابة احتفالية عرس للاهل والجيران .. (يرحم ذلك الزمان واهله) . وبعد العودة الى بغداد عملنا معرضا جماعيا للاعمال التي رسمناها في مدينة البصرة الفيحاء . وفي عام 1984 توفى الاستاذ فرج عبو فترك اعمالا رائعة وذكريات جميلة لا تنسى في قلوب طلابة ومحبيه .

 

manal albustaniيقول الفنان الروسي فاسيلي كاندانسكي أن نخلق عملا فنياً يعني أن نخلق العالم La création d'une œuvre , c'est la création du monde: ها هي  الفنانة العراقية التشكيلية رنا علي في لوحتها  الموسومة " لقاء أنكيدو جلجامش " قد وسمت اللوحة برؤية هندسية ذات مقصدية: وخلقت عالماً يشعُّ بالصداقة والألفة والضياء مستخدمة كل الأنساق الدلالية والألوان الدافئة البنفسجية والأرجوانية والخضراء والصفراء والبرتقالية في انزياح شعري يملأ المتأمل بفيض من المشاعر  الممزوجة بالاغتراب النفسي والحضاري  الذي يرمز إلى  واقعٍ دموي مؤلم . إن اللوحة مصقولة بقيم جمالية تطفح  بمشاعر الود الحار ذي المغزى الأسطوري: ومثقلة بمعاني التلاحم والشوق والحنين الذي تحرص الأنوثة على بثه في تمام الماهية: والتماثل بين الـ أنا والآخر من جهة الخصائص الإنسانية : جسدان متلاحمان:  يضم كل منهما صدره للآخر وعناق حار ينبض بالحب الدائم الخضرة من خلال نبتة الخلود  التي تتوسط قلباً واحداً هو قلب جلجامش الملك السومري الذي يرمز للسلطة وصديقه أنكيدو الذي يرمز للشعب: وقد جاءت النبتة رمزاً للعراق مهد الحضارات وأرض الحياة .

تعكس اللوحة معانيَ سامية غابت في حياة الإنسان المعاصر الذي ألغت فكره السياسة المليئة بالذوق الفاسد: الخالية من الأخلاق  لأنها أضاعت قيمة الإنسان في الحياة: فالوشم الذي نقشته الفنانة على يدي الصديقين جاء رمزاً للأمانة والوفاء والولاء: تأخذنا اللوحة مع الوشم إلى العصر البدائي: فالوشم في قاموس الرموز الفرنسي Dictionnaire Des Symboles , p.929 هو رمز للحياة البسيطة والحكمة السياسية والأمانة والتآزر والتماسك . إنّ رنا علي  تفسح للإنسان مجال التواصل الاجتماعي الرحيم مع أخيه الإنسان كالنسيج القوي المتماسك  الذي لا يتبدل : رمزت بالوشم إلى العصبية السياسية التي توشّم بها سياسيو الوقت الراهن  فقضوا على فكرة الترابط  الإنساني:  لتقول إنّ الإنسان هو الأساس: وإن تلاحم الإنسان مع الإنسان في ساحة الحياة هو الأمومة الحاضنة في زمن غابت فيه الحكمة واللغة المتراصة .

 اللون البنفسجي  في تدرجه واللون الأرجواني حضرا بنغمية انسيابية مليئين  بطاقة سحرية ولغة بيانية تفيض بالنشاط والحيوية  والعاطفة والسمو في الإبداع الفني: وهما يعبران عن القرابة الروحية ذات الطقوس الأصيلة الدافئة  التي تناقض عاطفة الكراهية والشعور بالنكد والحقد والنفور والتعالي . تؤكد الفنانة رنا علي على عاطفة الخير التي يرى فيها الفيلسوف الانكليزي  ديفيد هيوم الرغبة الطيبة: وأن العاطفة أساس الأحكام الأخلاقية: وأنّ الصداقة هي غذاء الروح مماثلة لغذاء الجسد . ربطت الفنانة الصداقة بشجرة اليقطين التي أنبتها الله على النبي يونس عليه السلام  وورد ذكرها في القرآن الكريم " وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ": فاليقظين ثمر ذو  ملمس ناعم وشكل مضلع  ولون برتقالي أبدعته الفنانة بدفء عميق : فالصداقة تحيل الروح من حالة التوتر والسوداوية والعزلة إلى حالة التوازن والعمق المضيء  لما لها من فضائل كريمة ومذاق حلو يزيل الحزن والاكتئاب  ويطرد الذباب الطائفي  وجراثيم أمريكا التي ولّدت  الحروب وأمراض السرطان وارتفاع ضغط الدم وأشعلت نار الفتنة بين الإنسان وأخيه الإنسان :  انزاحت باللون الأصفر انزياحا بيانياً   وألغت رداء يهوذا الأصفر المسموم بالخيانة لتجعل منه سوراً يحمي المحبة مبنياً على أسس حضارية: اللون الأزرق  الذي يربطه كاندانسكي بالتصوف: جعلته رنا علي لوناً يطفح برؤى تفسح المجال للقيم التي تحترم القوانين وتبني الأوطان وتنهى عن التسيب والعبث بالبنيان والإنسان لذا نراه  ينساب إلى أبعاد غيبية لما للصداقة من معانٍ روحية تقود إلى الإيمان والهداية  وتُبعد عنّا الحيرة  قال تعالى " حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ": تنفي الفنانة الأنانية المادية التي تُبنى على الطابع النفعي: تشير إلى محنة الإنسان في عصر الهزال والعراء والإعياء والسقام: فالصداقة هي همزة الوصل بين الأرض والسماء والماضي والمستقبل:  تنأى عن الارتباك الذي سببته فلسفة ما بعد الحداثة : وانحرفت نحو التيه وعدم معرفة وجه الاهتداء وخلقت الاختلاط والتشويش  بدلا من أن تكون  الأم الحاضنة للإنسان تنتشله من الظلم: فإنسان اليوم هو يونس عليه السلام وهو في العراء منبوذ وسقيم .

إنّ جماليات العمل الفني تزداد سمواً حين تهزُّ الروح بمضامينها الإنسانية فهذه اللوحة رسالة فنية أصيلة تعكس مأساوية الظروف التي يعيشها العالم  وقد ساد الاضطراب والعنف والفساد السياسي والتعصب الطائفي والغموض  الذي يجعل الإنسان في حيرة من المصير الذي يتربص به: لهذا تؤكد الفنانة على الصداقة وتربطها بالإدراك الحسي والروحي والنوايا الواضحة : تُعمِّق من خلال الفن فكرة التصالح والإيمان بالقيم العليا  والوعي  بوجود الآخر والتحرر من مركزية الذات من أجل الانفتاح على الآخر والتعامل معه بسلوك إنساني . إنّ الفن يحثنا على التواصل السلمي  ويلتحم بصميم الفلسفة  فالاتصال الحقيقي يتمثل برؤية ماكس شيلر في التعاطف فلا غنى للأنا عن الغير.

رسمت الفنانة رنا علي التو اشج الإنساني كتواشج أغصان الأشجار وتداخل الشرايين والأوعية الدموية في الجسد بفاعلية تبث الحياة في الجسد الاجتماعي في عصر توا شجت فيه الهموم في القلب: فالتواصل الأصيل يساعدنا على تجاوز المآسي والكوارث التي حلت بنا: فحياة الإنسان كما يقول توماس هوبس حياة استفزازية قذرة مُضرة  ذات طابع وحشي . الفنانة تدرك بوعي عميق أننا نعيش في الوضع الحالي حالة من الهمجية قائمة على الشر والتطاحن والنزاع ألسلاحي الشرس لذا تنزع إلى الميول العاطفية وتدعو للسلام واستخدام العقل الذي يسمو على الشر بالقوة الأخلاقية: فالحياة الإنسانية قائمة على التشابه والتماثل و ليست مجالاً للبطش والتحايل والمكر والتبختر الذي تمارسه القوى الشريرة التي تدور حول نفسها وتعيش بغرائزها التدميرية النزّاعة للميول التخريبية للإنسان وللبنية المحيطة به: تلك القوى التي جعلت من العالم حرباً لا هوادة فيها وغمرت العالم بأجواء مكفهرة ليل نهار.

تدعو اللوحة إلى التحرر من الانطوائية والاندماج مع الآخر بنقاء وصفاء وثقة وسلام في حياة يسودها النور والنظافة . تدعونا إلى لغة متماسكة حسنة الالتحام: والعودة إلى الحالة الصافية والطبيعة السليمة التي لم تُشَب بعيب: وإلى السلامة والاستقامة في واقع بعيد عن الطغيان والآفات والنقائض لذا تجلت اللوحة بمضامين وجدانية ودلالات تسبح في فضاء كوني تدعونا إلى الرفق ببعضنا والتوحد في الكينونة . غمرت الفنانة اليد بهيمنة إنسانية طافحة بالحنان والاحتواء: تفضح غياب العدالة والمساواة وبحضورهما يزول الشعور بالغبن والخوف: رسمت رنا علي رباطة الجأش والرصانة والشجاعة في التآلف  مؤكدة وظيفة اليد التي تبني ولا تقتل ولا تهدم ولا تُلهب النيران . فهي تجسد لغة الحضارة العراقية : حضارة ما بين النهرين السومرية والأكادية والآشورية والبابلية من خلال الرموز  والخطوط الزرقاء والبيضاء التي فاضت بلغة القيثارة: لغة الموسيقى السماوية الملائكية التي توحي بلغة الأسرار ذات  الخطاب الروحي الذي يلغي الفوضى والضجيج وغبار التعصب والتمسك بالقيم البالية  .

إنّ لغة الجسد لغة عميقة في معانيها الروحية جسدتها الفنانة بلغة الفن: لغة التواصل والرموز والإشارات: وراحت تحثنا فيها على الخُلق الجمعي في عصر  اتسعت فيه مساحات العنف والسلوك العدواني: إنها تعبر  عن حاجات جوهرية غابت في حياتنا من أهمها الحماية . فقد نثرت الفنانة  على الأرض أوراق الزيتون رمزا للسلام:  بنسق تعبيري وظلال ومعانٍ  مثقلة بالجمل اللونية  المُثبتة: وجعلت من الماضي البعيد حاضرا نفت فيه العداوة والحقد لتجعل الفعل الأساسي التجدد المستمر، مزجت اللونين البرتقالي والصحراوي  بصورة من الألفة ألغت الفردية لتجعل من المجتمعات الإنسانية متآزرة المشاعر،  في عناق يملأ الحياة بالبهجة والصفاء فبدت اللوحة كأنها رقصة هادئة في فردوس أرضي متناسق خالٍ من التشابك يخفف من توتر الحياة والغضب .

 تجلت الساعة اليدوية في المعصم رمزا للزمن وللصداقة التي تنشط ضربات القلب وتساعد الإنسان على الانفلات من عجلة الزمن الأصفر المكفهر والرمادي الأسود الكئيب إلى زمن أكثر رأفة بالإنسان.

إنّ الفن في رؤيتها قلب يناضل من أجل الخروج من السلطوية: ومن أجل  الحرية التي تطفح بنور الصداقة الفطري الذي يحررنا من القلق والوحدة: وجعلت  الغلبة للقلب الذي هو منبع العاطفة والوجدان: ألغت الرأس الذي يحوي العقل الذي ينزع نحو الهيمنة والسلطة والسيطرة والتقنية والمنطق الضيق في هذا العصر الأناني: الذي هو في رؤية هيدجر الفلسفية  عصر الذاتية التي هي أرضية المشروع الحداثي: من أجل أن تنأى رنا علي بالإنسان المعاصر عن السيوف المسلطة فوق رأسه وتنتشل العالم من الدم لتتجه صوب الفكر الحر الذي يلغي الفوارق ويزيح الحواجز بين السلطة والإنسان ويجعلهما في حالة وئام .

تؤكد الفنانة على الصداقة من خلال العنوان " لقاء أنكيدو جلجامش " الصديقان اللذان يجسدان عبر التاريخ صورة الألفة الإنسانية بمعناها الجوهري: و تبسطها بهذا العناق الحميم: لا تبقيها حبيسة في حدود بل تغمرها بنور عفوي حدّ أنّ اللوحة بدت ذات رمزية عميقة للمتأمل كأنها أم تشدُّ بقوة طفلها إليها: تعبيراً عن الحاجة إلى قيادة ذات طابع يحمل سمات الأمومة  وهي أقوى رابطة إنسانية لذا توهجت بالحماس والطاقة الذين ينزعان نحو محو لغة  الشر وكل آلياته المتمثلة اليوم بالطائفية والنزاعات العرقية ذات الحدة والخشونة فأبرزت الفنانة العصب الإنساني الذي يُؤمّن إدارة وظيفة الإنسان الكونية  للسير في الحياة العارمة بالسلام والعافية  .

ازدانت اللوحة بالحنين إلى الإنسان الفطري من خلال الزخرفة التي لازمت الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ فتجلت بتكوين فني تشكيلي تعبيري متكامل وانسجمت الألوان في علاقات متناغمة  رغبة من الفنانة رنا علي في استحضار مبادئ الجمال الإنساني فتكشّفت  الملامح الميتافيزيقية للوحة ذات طابع  اغترابي نمسك من خلاله بالحنين للازدهار الحضاري  والفكري والمعرفي لحضارة وادي الرافدين التي تصارع الوجه القبيح لأمريكا السلطوية التي تحكم بتعسف ولا تسمح بمعارضة أو اعتراض وصديقتها الطائفية وهما مقطوعتا الرأس. 

 

د. منال البستاني

 

 133-ranaali

 

khadom shamhodيعتبر الفن الحديث عصارة الفنون والثقافات والمفاهيم القديمة وحصيلة ضخمة لظهور شتى المذاهب والمدارس الحديثة التي سطعت بافكار ونظريات فنية جديدة، حيث انطلق الى آفاق لم تكن معهودة من قبل وقد تحرر من القيود التي كبلته في الماضي وجعلته اسيرا لاوضاع المطابقة من اكاديمية وكلاسيكية، ورغم تضارب الافكار والاساليسب الا ان الفنان اليوم استفاد من التطور التكنولوجي ووظفه بشكل رائع ومبدع في منتجه الفني .. كما حدثت مراجعة للنظريات الجمالية اليونانية القديمة والعمل على ايجاد نظريات اخرى جديدة في الفن حتى يستطيع التحرر من قيود الماضي والاعتماد على براءة التعبير وتلقائيته واستحداث اساليب مبتكرة ... ومن زعماء فن الحداثة هم .

1106-KHADOM1

 

 1- Crist Gabravo – 1935 –بلغاريا - وهو فنان حداثي ذو ذهنية واسعة مبتكرة وجريئة. سافر الى باريس في نهاية الخمسينات وتعرف على الفنانة- Jeanne Claude 1935- عام 1958 وقد قررا الاثنان العمل سوية في مجال الفن وان يأتيان بما لم يأتي به السابقون .. وقد استخدما قطع القماش الكبيرة التي تمتد مئات الامتار من اجل تكوين اشكال بصرية غير مألوفة وجديدة . حيث عمدا الى تغطية الجسور والبنايات والجزر وغيرها بقطع القماش .. وكان كل مشروع يستغرق عدة اشهر لتنفيذه ويشترك فيه عشرات العمال وادوات التنفيذ، ويتم العمل في الهواء الطلق وامام الجمهور مباشرة .. ولكن هذه الاعمال لا تستمر طويلا حيث يعتبر عرضها موقتا ثم تزال نهائيا ..

1106-KHADOM2

 

2 - Matta Clark 1943 وهو فنان امريكي من اصل شيلي، جمع بين الرسم والعمارة والتصوير الفوتوغرافي . وكان يذهب الى البنايات القديمة التي تخلى عنها اهلها او التي شملها قانون الهدم والازالة، فينفذ فيها افكاره الخيالية، منها القيام بعمل شق عريض في العمارة، عمودي الاتجاه كما لو كان قد قصه بمنشار . فيميل الجزئان من العمارة الى جانبيهما ويسندهما بمساند قوية اعدها مسبقا لذلك .. او انه يقوم بفتح ثغرة عريضة في البناية تمتد الى ثلاثة طوابق حيث يظهر ما في داخلها من اثاث .. وهذا النوع من العمل الفني يطلق عليه - بالفن الحركي –

Arte de acción ويعني ذلك ان اللوحة الفنية هي حركة العمل والتنفيذ او النشاط الذي قام به الفنان . هذه الاعمال قد تستمر لمدة طويلة ولكن حسب مقاومة العمارة وقانون الهدم والازالة .

3 – في عقد الستينات ظهرت جماعة في فينا استخدمت جسم الانسان كمادة في العمل الفني حيث وصلت الى مرحلة تعبيرية قوية استخدمتها في نقد الواقع السياسي وتقاليد المجتمع .. وكان ابرز هؤلاء الفنانين هو Hermann Nitsh 1938 - حيث استخدم الدم في تغطية اشكال الاجسام تعبيرا عن الموت ونهاية الانسان او الاعتداء على النفس المحترمة .. والفنان الآخر هو Gunter Brus 1938 الذي استخدم مواضيع وطقوس دينية قديمة كمآتم الصلب والتعذيب الجسدي والاحتفالات الجنائزية والتشيع .. وكل هذه المشاهد والاعمال تنفذ على شكل مسرحي يشترك فيها عدد من الاشخاص .. والفنان الآخر من هذه الجماعة هو Rudolf Schunarzkogler 1941، هذا الفنان استطاع من تحطيم الحدود الفاصلة بين الفن والحياة والجنون وقد عمد الى القيام بحركات واعمال مغامراتية ادت بالاخير الى فقدان حياته . وكان قد استخدم طريقة التعذيب الجسدي كغرس المسامير او الاشواك في جسم الانسان او يترك الجسم ان تزحف عليه الديدان، وقد اخذ افكاره من الثقافات و التقاليد البدائية القديمة التي كانت تمارسها بعض القبائل في مناطق افريقيا وامريكا الجنوبية او في مناطق آسيا، من حيث تقديم القرابين الى الآلهة او طرد الشرور حسب معتقداتهم .. كما ان الصوفية المسيحية القديمة كانت تنحو هذا النحو .. وتقول الفنانة الايطالية Gine Pane 1939 – ان هذا اللون من الممارسة الفنية يعكس لنا صورة ضعف جسم الانسان وشعورة بالالم و منه نكتش ايضا فلسفة الوجود الانساني وفنائه ..

 

حملت أوراقي وكاميرتي لأجري تحقيقا صحفيا عن مسارح وسينمات بغداد أيام زمان، وبخبرتي المتواضعة في هذا المضمار بدأت رحلتي سيرا على الأقدام إنطلاقا من ساحة حافظ القاضي،وما هي سوى أمتار قليلة حتى صعقت، أين سينما الوطني؟ بح، أين أورزدي باك، سينما الرشيد، المقهى البرازيلي، مكتبة مكنزي؟ بح، سينما الشعب، روكسي، دنيا، بدالة السنك العملاقة؟ بح، اين سينما الخيام، غرناطة، السندباد، النجوم، أطلس، سميراميس، النصر، ..بح؟! أين السلالم الكهربائية في ساحة التحرير، كانت هنا نسرح ونمرح فوقها صعودا ونزولا أيام الصبا، أين محال نفق التحرير الجميلة؟ أين الهواتف العمومية في شارع السعدون بغرفها الأنيقة، كنا نهاتف بها بعضنا بعضا ذات سلام قبل ان تقرع الحروب المتعاقبة أبوابنا وأجراسنا وتحرق أخضرنا ويابسنا كل عقد من الزمان وآت؟

لا أكتمكم سرا أصابني الإحباط، وأخذ اليأس مني كل مأخذ وانا أتساءل كيف السبيل الى إصلاح كل هذا الدمار والخراب، كيف؟! جلست القرفصاء على جانب الطريق مقابل أطلال بابل – سينما بابل بعد تحولها الى محال مخصصة لبيع قطع الغيار – وأخذت أعبث بهاتفي النقال وأتصفح الفيس بوك واذا بصفحة صبية عراقية جميلة لا تفارق البسمة البريئة محياها، فتاة إسمها "جنات الرسامة " أخذني الفضول مدفوعا بنظرتها الواثقة لأواصل تصفح صورها ولوحاتها ونشاطاتها واذا بها تعاني من ضمور العضلات وتكلس العظام وتقوس العمود الفقري، بنسبة عجز تبلغ 100 % !!

1105-JANAT

واذا بها فنانة ترسم بقدمها اليمنى مذ كان عمرها خمس سنين لتواصل إصرارها وترسم بقدمها مستخدمة برنامجpaint ومن ثم طورت مهاراتها لترسم على الحاسوب تارة وعلى الورق تارة أخرى بأقلام الماجك والرصاص والخشبي والمائي والزيتي والاكريليك، وبدأت بتصمم الأزياء لتحقق حلمها في ذلك، لم يقف طموحها عند هذا الحد بل تعداه الى إقامة معارض وحضور مؤتمرات عدة مكنتها من الحصول على شهادات تقديرية ودروع تشجيعية وميداليات ملونة لتتوج تألقها بمعرض شخصي حظي بإعجاب الحضور واستدر دموعهم وألهب حماسهم فوقفوا لها مصفقين على هامش مؤتمر "تيداكس بغداد "، هنا لم أتمالك نفسي بعد شحنة أمل منحتني إياها تلكم الصبية ذات الـ 15 ربيعا "جنات الرسامة " وكأنني نشطت من عقال .

سألني أحدهم وكان يرقبني عن كثب من دون ان انتبه اليه، أراك ابتهجت بعد طول قنوط؟

قلت، كيف لا أنشط وتسري في جسدي النحيل شحنات الأمل وتجتاح أعماقي رغبة الجد والعمل والمثابرة وهؤلاء الخارقون الذين يرفعون شعار "impossible is nothing" قد أعلوا فينا الهمم، يعد تسلقهم بعناد سفوح المستحيل نحو القمم برغم اعاقاتهم فلقنوا البشرية عبر التأريخ دروسا في قوة الإرادة الفولاذية التي لاتلين، الألمان يفتخرون ببيتهوفن وسيمفونياته التسع التي ألف أروعها وهو أصم لا يسمع ! محمد بن سيرين المعروف بتأويل الرؤى وتفسير الأحلام كان مصابا بالصمم ايضا إلا انه بلغ من العلم ما دفع الشعبي ليقول فيه (عليكم بذلك الأصم)! مصطفى الرافعي الملقب بمعجزة الأدب العربي كان اصما، العداء الأفريقي أوسكار بيستوريوس، كان مبتور القدمين حين شارك في دورة الألعاب الأولمبية لأول مرة، السباح تيرينس باركين، الحاصل على الميدالية الفضية في دورة الألعاب الاولمبية 2000 لا يسمع منذ ولادته، الأمريكية، مارلا رانيان، فازت بـخمس ميداليات ذهبية في دورة ألعاب المعاقين ودورة أثينا 2004، وهي كفيفة !، البولندية ناتاليا بارتيكا، التي نافست بقوة في دورة ألعاب بكين بكرة المنضدة 2008 برغم اعاقتها الولادية بدون يد ولا ذراع يمنى ! النجم المصري إبراهيم حمدتو، الذي أذهل العالم بقدراته في منافسات دورة الألعاب البارالمبية 2016 في العاصمة البرازيلية ريودي جانيرو وهو يلعب تنس الطاولة بفمه وقدمه، بعد فقدانه كلا ذراعيه بحادث قطار فيما حقق الفيديو الذي أظهر طريقة لعبه المذهلة على اليوتيوب أكثر من مليوني مشاهدة !

 ابداعات جنات دفعتني لأعيد النظر في عشرات البرامج الانتخابية التي طرحها مرشحو الكتل والائتلافات خلال الحملات الانتخابية المتتالية فلم أجد من بينها برنامجا واحدا يعد الناخبين برفع الحيف والظلم الذي وقع على شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، وعددهم يربو على 2,5 مليون من الذكور والإناث في بلد مزقت أوصاله الحروب المتتابعة وشوه أجنته التلوث البيئي والإشعاعي، فضلا عن 25 مليون لغم ارضي تقتل وتعيق سنويا بين 13- 16الفا فهل هؤلاء خارج نطاق التغطية، أم ماذا؟

لم اسمع ببرنامج انتخابي واحد يتعهد بتأهيل ذوي الإعاقة البدنية وتشمل بتر الأطراف وتشوهها، والشلل النصفي او الرباعي، ولا اصحاب الإعاقات الحسية وتشمل الصم والبكم والمكفوفين، ولا اصحاب الإعاقات الذهنية وتشمل الشلل الدماغي، والأمراض العقلية، ومتلازمة داون (المنغول)، ولا اصحاب الإعاقات النفسية وتشمل الأمراض العصبية والذهانية بكل أشكالها والتوحد ولا شديدي العوق وهؤلاء يجمعون بين الإعاقات البدنية والإعاقات الذهنية، مع ان المادة 32 من الدستور العراقي تنص على، ان " الدولة ترعى المعاقين وتكفل تأهيلهم بغية دمجهم في المجتمع" .

شكرا جنات فلقد ألهمتني بإصرارك وتألقك وإبتسامتك اصرارا مماثلا لأجراء تحقيقات صحفية متواصلة بمعية زملائي في مهنة المتاعب والسلطة الرابعة عن معاهد الرجاء المتخصصة برعاية المعاقين ذهنيا وعددها 17 معهدا في عموم العراق، ومعاهد الأمل المتخصصة برعاية الصم والبكم وعددها 22 معهدا، ومعاهد النور وعددها 5 معاهد لرعاية المكفوفين إضافة الى معهدي السعادة والمنار لرعاية الأطفال المعاقين حركيا، ومعهدي الحنان التي تتولى رعاية الأطفال شديدي العوق، احدهما في بغداد والآخر في كربلاء عسى ان يتحرك الخيرون وذوو الضمائر الحية لتوفير المستلزمات الطبية الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة مجانا أو بأسعار رمزية (كراسي المشلولين، العكازات الابطية والمرفقية، سماعات خلف الأذن، الأطراف الصناعية، الوسائد المضادة للتقرحات) فضلا عن بناء ورش لتأهيل المعاقين كورش النجارة والسيراميك والرسم والخط والزخرفة والخياطة وتصليح الأجهزة الكهربائية والموبايل وشمولهم بمخصصات الرعاية الاجتماعية اسوة باقرانهم، اضافة الى أنشاء النوادي والمراكز الرياضية لتأهيلهم وزجهم في البطولات العربية والمحلية والبارالمبية .

 

nawaf abdulazizيمثل  الفنان العراقي نزار يحيى تمظهرات ما بعد الحداثة وفق ما جاءت بقصديه ازاء الواقعية المباشرة والتي  صورت ملخص الصراعات، ما ان تصبح ذيل لاحد او ان تدور بدوامة حرب لن تنهي. وهي معطيات تنسجم مع العمى الثقافي للسياسين. معاصر حداثوي كما اسماه الناقد الأدبي (تيدي ايغلتون)، بتعريف ما بعد الحداثي ” هناك قدراً من الإجماع على أن العمل الفني هو عمل لعوب ساخر حتى من الذات فعل محاكاتي حسي مباشر، مرتبط بتصورات ذهنية تنبثق من إحساسات وجدانية تسمو عن الصور المادية وتستقدم خلاصات صورية لتظهر طبيعة الأنساق الكلية التي تتجسد في النمط الإيقاعي من خلال الفعل الدرامي والحركة آلالية، العمل ذو متن حكائي تشكل العلامة محور مهم من معطيات الحسية وإن جذورها تشكل أثراً مهماً في صياغة فكرة وهذا ما اكدة (ديكارت) في إمكانية معرفة كل شيء في الطبيعة إذا ما استخدمنا الوسيلة المناسبة مع وجود الأفكار الفطرية في الذهن واستنباط القوانين والمبادئ العلمية من تلك الأفكار التي تقودنا إلى المعرفة الحقة في الانتاج وبالخبرة التي توصلنا الى مبتغى ناجح. الخطاب النسقي للصورة الجاهزة

1099-nawaf

بدا الفنان نزار باستعارة قوية من الفنان احمد البحراني متاثر باسلوبه كنحات  من عمله (حلبة صراع) التي مال أسلوب تنفيذها إلى التشخيص (التجسيم الاكاديمي الواقعي)، وبرمزية في التعبير ناهيك عن الصياغة ببوصلة دائرية لم تستقر على شخص محدد، حيث اعطى مديات باحتضان مدهش للقضية وضمن مجموعاته الاخيرة لا للحرب و ماذا لو كان ..رده فعلة الفنان الاجرائي ازاء الواقعية صورت ملخص الصراعات ما ان تصبح ذيل لاحد او ان تدور بدوامة حرب لن تنهي .وهي معطيات تنسجم مع العمى الثقافي لساسة الوطن العربي ككل بلا استثناء. معاصر حداثوي كما اسماه الناقد الأدبي (تيدي ايغلتون)، بتعريف مابعد الحداثي ” هناك قدراً من الإجماع على أن العمل الفني هو عمل لعوب ساخر حتى من الذات، بل انفصامي ومضاد لمزاعم الاستقلالية في المظاهر العليا للحداثة. تبصيرات مخيالية واسعة لدى الفنان موضوعة اضفت العلامة وسط العمل ايقونة كشاهد وقد ساهمت في التنظيم الشكلي وبالتعبير عن المضمون بشكل مندمج مع الواقع وهي نوع من أنواع المحاكاة للواقع بشيء من الاحساسات المباشرة التي يريد الفنان أن ينقلها إلى المتلقي بأمانة، كما يراها ويدركها المتلقي ولكنها لا تخلو من مظاهر ماورائية للظاهرة الآنية والتي تتحدى ظواهرها الخارجية والتي تحاول عما هو أساسي وجوهري وإعادة الموضوع إلى المحتوى العقلاني، وربما محاول للتعبير عن أفكار من خلال الشكل أو آليات الأفكار أشكالاً معروفة واضحة وملموسة ووسيلة لتحقيق العلامة. الا ان الاستعارة قد قدمها نزار يحيى باسلوبه الخاص عن طريق الفن الرقمي الذي يعمل عليه. صورة وهو إحساس بصري بصيرورة التعبير من إيحاء دينامي للعناصر تتجلى بعنصر الحركة التي تحول صورة المشهد إلى توصيف انفعالي، ينفتح لفك مغاليق الخيال، ويطلق العنان له، محققا له إستدراكاً وظيفياً لمعالجة المنحى الفلسفي للمضمون، وهو بالحقيقة تفعيل لنوع الصياغة الجديدة، عبر إثراء المخيلة بنوازع وجدانية تستقطب المستوى الدرامي لخصوصية الإظهار والمبالغة في تصوير والخروج عن النمط الكلاسيكي الذي استمر به اقرأنه من الفنانين جيل الثمانينات.

ينتبه نزار يحيى لما قدمه محمود العبيدي ويشرع في التقاط فكرة الوسام  هذه المرة تجربة محمود العبيدي التي قدمها والتي تمثل انواط الشجاعة وصور الرؤساء والبوسترات السياسية.جاءى على يد الفنان نزار يحيى كنوع من التكافل .والتي قدمها مؤخرا في كاليري البارح في البحرين. تجربته الإبداعية، تحرص على تقديم ما هو إشكالي ومفارق، في مستويي الشّكل والمضمون اضافة الى صفة جديدة وهي اشراك المتلقي باستخدام العمل وتصفحه وهذه ميزة جديدة اضافها الفنان. اذا ان بحثة يسعى إلى الكشف عن براعة النص في تطويع المادّة كنموذج روائي لإمكاناته التعبيريّة الخلاقة، في تعريته أبعاد الحكم ممثّلة بسلطة الدّين، الكرسي،الفساد، والاجتراء عليها، كمحظورات تعمل على تقزيم الإنسان، وعلى منعه أخذ دوره الصّحيح في الحياة.

 

 

يعمل الان هذا الفنان الدؤؤب على اعادة انتاج الانسان وفق تجربة (كويش) والتي عرفت في الفن بالشخص المنحني وسجلت لدى الجميع بالتجربة الخاصة بالفنان صادق كويش. ينتج يحيى مدركات البصر بطريقة الاختزال في ما تُسجّله العين استناداً إلى الصورة الفوتوغرافية والشكل المطبوع عدّ العمل حركة ضد التجريد وضد العقلنة في انتاج الشكل الثابت، حيث عبر بازدرائه بالقيم الجمالية، بإسرافه المتزايّد على النصّ البصري، وإبطائه للحدث وتوثيقة بجزئيين ويتضح لنا ام يحيى مزدحم بأصوات و عذابات فهو يخترق الزمن المفعم بدوائر أسطورية بوصفه موثق حدثي اول .ليشير من خلالها إلى شعريّة الحدث التي تعمل بالمقابل على خلق المسافة الجدلية بين الواقع والفنّ، رغم ما قد توحيه القراءة الأولى للنّماذج المختارة من المصادقة على الواقع، سواء أكان ذلك عبر المنطوق الظاهر المشاهد او المخفي تحت اعماله!!. علاوة على ذلك نجده يؤسس وفق تنظيم عقلي لعلاقة تصميمية بفعل الإزاحة بكلية الإحساس أكثر من اتصالها بما هو جزئي بدلالة التنظيم الجمالي (كلوحة معلقة) حيث استبصر بفكرة قرائية للزمان وفكرة قراءة الكتابة الإنسانية نفسها، فهي نص للقراءة والتمعن في معانيه المختلفة، وجعل الصورة تعبر عن معاني ما ورائية غير معلنة ذات دلالات حسية مجردة والتي لا تعتمد / الدلالة فقط / على معطيات المعرفة الحسية المحضة بل المعرفة الذهنية الذاتية.

ان تلك الالتفاتات لم تكن فقط من حصة ذكاء نزار يحيى فقد تاثر الفنان سيروان  باران كثيرا بتجربة محمود شبر،كما تاثرصدام الجميلي بتجربة كريم رسن ومحمود شبر.فضلا عن تاثر الفنان سلام عمر بتجربة الفنان ايمن بعلبكي. وهو امر علينا ان نتقبلi بوصف الفن نوعا من التاثر واعادة انتاج الجمال.

 

نواف عبد العزيز - ناقد فني

جدة

 

khadom shamhodيذكر بعض النقاد بان الحركة الرومانسية في الفن والادب نهجت منهجا هروبيا من قسوة الحياة و وطئتها الثقيلة ومتاعبها التي لا تركد ولا تنقضي، ولهذا فان اصحاب هذا المذهب خرجوامن استوديوهاتهم الى الطبيعة و ارادوا في مسلكهم هذا اخراج النفس الى الصفاء والنقاء والتغني بالحب وجمال الطبيعة .

يقول الفيلسوف ارين ادمان (لماذا نرى ان الفنانين والجماليين يهرعون الى الفنون الجميلة ؟؟؟ (ولماذا ينظر الى الفن في احيان كثيرة على انه هروب من الحياة ؟؟) .

1094-khadom1

ويقول ايضا ان الحركة الرومانسية انطلقت كثورة عاطفية لسكينة النفس وسلامتها وتحقيق رؤى حالمة وحساسة حيث لا تستطيع ان تعيش في الواقع بتناقضاته الاخلاقية وخصوماته المستمرة مما يدفعها للهروب منه . ولهذا فان هروب الحركة الرومانسية من الواقع الى الطبيعة كان قد تكرر في الفنون الحديثة حيث هربت من الواقع الظاهري الى عالم الميتافيزيق الى الروح الخالدة والغير فانية، الى المستتر ما وراء الاشكال ..

وقد اطلق الرومانسيون العنان للنفس واهوائها بعيدا عن مراقبة العقل وكان لها ارتباطا وثيقا مع الليبرالية والراديكالية، وفضلوا الليل على النهار حيث ان الليل يرفع الستار عن الاسرار ويكشفها وسط اجواء حالمة تهدأ بها النفس وتستكين .. وفضلوا رسم امواج البحار وهيجانها فهي قريبة من النفس وتلاطم افكارها وثورة العواطف في الالم والحزن او الافراح .. وكان الفنان الانكليزي ترنير 1775 من زعماء الرومانسية قد رسم الامواج العارمة بحيث لم تر في اللوحة غير مركب صغير وسط عاصفة من الامواج الثائرة ..

و الرومانسيون سواء كانوا في الفن او الادب خرجوا الى الطبيعة وتغنوا بها و بثوا فيها آلامهم واحزانهم وقارنوا بينها وبين مشاعرهم وحرارة وجدانهم وعواطفهم وبين مناظرها الخلابة (الصامتة) وكانوا يعتقدون بان الطبيعة هي مخلوقات لها ارواح تحس وتشعر مثلهم، فشرعوا يرسمونها ويستسلموا لمشاعرهم وخيالاتهم .. وهذا الاعتقاد يعرج بنا الى القرآن الكريم حيث يذكر بان ما من شئ في الكون من مخلوقات من دابة او جماد الا وفيها روح وحياة سواء كان حجر او شجر او ماء او غيره . ولكن نتيجة لقصور معارفنا ومحدودية علومنا فاننا لا ندرك ذلك .

1094-khadom2

(تسبح له السماوات والارض ومن فيهن وان من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) . (الم تر ان الله يسبح له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب.. )

و يذكر ان دواد –ع- قد اعطاه الله صوتا حسنا جميلا شجيا يطرب له كل من يسمعه وكان اذا رجع التسبيح والتهليل بذلك الصوت الرخيم الشجي طرب له الانس والجن و الطيور والجبال ..

 لهذا هرب الرومانسيون الى الطبيعة ومناجاتها واستشراق عالم الخيال منها والشكوى اليها من ظلم الواقع، وبث احزانهم ومشاعرهم العاطفية لعلهم يجدون في ذلك ضالتهم لطمأنينة النفس واستقرارها وراحتها ..

كانت الحركة الرومانسية قد ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر حيث بدأ الرسامون لاول مرة يخرجون من الاستوديو وقيوده الى الطبيعة وجمالها . وكلمة رومانسية هي فرنسية الاصل وتعني - الرواية – وقيل غير ذلك .. وكان اول الرسامين الجريئين هو الرسام الانكليزي جون كونستابل 1776 – وكانت الرومانسية ثورة على عقلانية القرون الوسطى وقيودها الجبارة وعلى تقاليدها الجامدة والمتحجرة . وكانت الطبيعة بالنسبة لهؤلاء الفنانين والادباء ملجئا يهربون اليه من الحياة وقساوتها .. وكانوا يعتقدون ان المصدر الحقيقي للجمال هو المشاعر والعواطف الانسانية من خوف والم وفرح والخيال الجامح وغيره ..

و كانت الرومانسية تؤكد على التعبير النفسي والعاطفي كاسلوب جديد بعيدا عن الموروث الفني الكلاسيكي القديم وقد انتشرت بين ابناء الطبقة الوسطى – البرجوازية – وشملت الادب والمسرح والفن، فظهر في الادب في فرنسا فكتور هيجو وديموسيه وشاتوبريان وفي انكلترا شيل وبايرون وفي المانيا جوتيه وشيلر وفي روسيا بوشكين .. وفي الرسم ظهر ديلاكروا وجيريكو وزارا انكلترا وتأثرا بالمدرسة الرومانسية الانكليزية واعجبا باعمال كونستابل وترنير ..

ومن خصائص الرومانسية ايضا التأكيد على الحركة الانفعالية وابراز العواطف والمشاركة في الاحداث المأساوية او المفرحة وبحركة فرشاة قوية والوان ساطعة مضيئة جميلة .. وقد وصلت الى عصرها الذهبي في انكلترا والمانيا واسبانيا ...

 

ibtesam yousifaltahirلكل مشاهد رؤيته للعمل الفني خاصة التشكيلي، وفق ثقافته وسعة اطلاعه على مختلف المدارس الفنية. كذلك تذوقه للفن التشكيلي ومزاجه ايضا. لكن لايختلف اثنان ان الفنان العراقي في كل المنافي وموانيء الغربة وداخل الوطن استطاع ان يواكب تطور عجلة الفن التشكيلي بشكل خاص وتطوير ادوات الرسم، وبالرغم من كل الظروف التي تضيق عليه حركته وحريته في الابداع. وبالرغم من تجاهل المسؤول العراقي لاهمية الفن وتأثيره في المجتمع والسياسة ايضا، صمد الفنان العراقي وواجه اقسى الظروف من حروب وحصار وغربة وبقي يقاوم ماكنة الموت واليأس بريشته والوانه لكي يبعث الامل لدى المتلقي.

1091-Ali1

في معرضه الاخير (Orient Harmony) الذي اقامه في غاليري (ASC) في لندن، قدم لنا الفنان علي الموسوي حوالي 56 عملا، تنوعت بين النحت والرسم وباحجام مختلفة بين الكبيرة جدا الى الصغيرة. تميزت اعماله النحتية بما يسمى بالتشخيصية فكل مواضيعه تتعلق بالانسان ومستلهمة من التراث العراقي. بينما اللوحات يلاحظ المتلقي او من شاهد معارضه السابقة ان الفنان استخدم الوانا واساليب مختلفة بعض الشيء عن ما قدمه من اعمال من قبل "يبقى الفنان يجرب كل ما هو جديد حتى يصل لاسلوبه الخاص..وحتى حينها ربما يسعى لتطوير اسلوبه ذلك" قال الموسوي في حديث جانبي معه.

1091-Ali2تنوعت المواد التي استخدمها الفنان في النحت بين الخشب والحجر والجبس. وحسب رأي الفنان فيصل لعيبي ان النحات علي الموسوي متأثر باتجاه او اسلوب الفنان الرائد محمد غني والذي هو امتداد لجماعة بغداد للفن الحديث. وفي اعماله محاولات لربط الماضي بالحاضر. بين كلكامش وانكيدو والشهيد والمقاتل والمرأة العراقية.

وفي حواري معه القى الموسوي بعض الضوء على لوحاته قائلا"في معرضي السابق ركزت على موضوع الاهوار فيما يخص الرسم بينما في معرضي هذا حاولت ان احدث اسلوبي باستخدام اللون وفي موضوع اللوحة. فرسمت لندن باضواءها وشوارعها باسلوب ورؤية جديدة. اضافة الى لوحات رسمتها لبغداد وقببها وما تخزنه الذاكرة من مشاهد لشوارعها واحياءها..".

فيما يتعلق بوجوده في لندن ومدى تأثير ذلك على عمله اضاف "وجودي في لندن والتعرف على الحركة الفنية هنا من خلال متابعة المعارض الكثيرة، افادني باتساع رؤيتي الفنية وحريتي في التجريب. كما ان الجمهور الانكليزي لاحظت انه يحب البساطة، وانا لا احب التعقيد.. لذا احاول قدر الامكان اجعل من مواضيع لوحاتي سهلة الفهم للمتلقي".

كتب عنه "اعمال علي الموسوي تثير في المشاهد صورا لحالات انسانية وافكار صادقة لخلجات داخلية مبنية عن تجربة. ويتميز من خلال اعماله بحساسية عالية ولديه وعي بطبيعة المادة الخام لتحويلها لعمل حي نابض بالحركة".

 

لندن – ابتسام يوسف الطاهر

 

haseeb shahadaمدينة سانت بطرسبورغ، على اسم مؤسّسها، القيصر بطرس الأكبر/ بطرس الأوّل، ابن القيصر ألكسي الأول، ابن القيصر ميخائيل رومانوف (موسكو ١٦٧٢- سانت بطرسبورغ ١٧٢٥)، أُسّست عام ١٧٠٣، كانت عاصمة روسيا منذ العام ١٧١٢ وحتّى العام ١٩١٨. عُرفت باسم بتروغراد منذ العام ١٩١٤ وفي العام ١٩٢٤ سمّيت لينينغراد حتى ١٩٩١ لتدعى ثانية باسم سانت بطرسبورغ. يسكنها زُهاء الخمسة ملايين نسمة، وتُعرف بمدينة القياصرة والليالي البيضاء على نهر نيفا، وهي نافذة روسيا على أوروبا. تمدّدت المدينة على مائة جزيرة ونيّف، تربطها مع بعضها البعض سبعمائة جسر. إنّها موطن الكثيرين من المفكّرين والأدباء والموسيقيين، وصفوة المجتمع الروسي.

في المدينة كاتدرئيات أرثوذكسية كثيرة بُنيت في أوج عظمة وثراء الإمبراطورية الروسية، مثل كاتدرائية القدّيسين بطرس وبولس، وفيها أضرحة معظم قياصرة رومانوف؛ كاتدرائية نيقولا، بنيت بين ١٧٥٣ و ١٧٦٢؛ كاتدرائية الثالوث الأقدس، بنيت بين ١٧٧٦-١٧٩٠؛ كاتدرائية إسحق، أكبر كنيسة في المدينة، استمرّ بناؤها أربعين سنة ويبلغ علوها ١٢٢،٥م؛ كنيسة قيامة يسوع المسيح أو المخلّص على الدم، وفيها من الفسيفساء أكثر ممّا في أيّة كنيسة أخرى في العالم ؛ كاتدرائية سمولني، إحدى أجمل الكنائس في المدينة؛ كاتدرائية الأمير فلاديمير؛ كاتدرائية القدّيس اندراوس التي بُنيت في السنوات الأولى لتأسيس المدينة وتقع على جزيرة فاسيليفسكي.

هناك أيضًا كاتدرائية قازان (قازان تعني: المرجل، أنظر: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=368968)

الأمّ في مركز نيفسكي بروسبكت، الشارع الرئيسي في المدينة. اتّخذت اسمها بعد أعجوبة أيقونة سيّدة قازان، أمّ الإله وهي أعظم أيقونة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. يبلغ علوّ قُبّة الكاتدرائية المعدنية ٧٦ مترًا وفيها ٩٦ عامودا. يعجّ المكان على الدوام بالمجموعات السياحية من جميع أرجاء روسيا ومن خارجها. صُمّمت على منوال بازيلكة القدّيس بطرس في الفاتيكان، وشيّدت في السنوات ١٨٠١-١٨١١ بتصميم المهندس المعماري أندريه فورونيخن (Andrei Voronikhin)، بتكلفة أربعة ملايين روبل، وهي على شكل صليب بطول ٢٣٦ قدمًا وعرض ١٨٠ قدما. كان الهدف من بنائها إيواء أيقونة سيّدتنا من قازان المعروفة أيضًا باسم ثيوطوكس (Θεοτόκος) قازان، أي حاملة الإله/والدة الإله. عند غزو نابليون لروسيا عام ١٨١٢، رفع قائد القوّات الروسية المارشال/المشير ميخائيل كوطوزوف دعاء طالبًا العون من السيّدة من قازان. وأصبحت الكاتدرائية بعد الحرب تذكارًا للانتصار الروسي.

دُفن كوطوزوف فيها عام ١٨١٣، والكلمات المنحوته على شاهده من تأليف الكاتب الشهير إلكسندر بوشكين (١٧٩٩-١٨٣٧). وبالقرب من قبره علّقت مفاتيح قِلاع فرنسية كثيرة. وهناك خارج الكاتدرائية تمثال لكوطوزوف.

يذكر أنّ أوّل مظاهرة سياسية قد جرت في السادس من كانون الأول عام ١٨٧٦ مقابل الكاتدرائية. في أعقاب الثورة الروسية لعام ١٩١٧ أُقفلت الكاتدرائية، إلا أنّها فتحت أبوابها عام ١٩٣٢ كمتحف، وفي العام ١٩٩٢ عادت لتكون كنيسة. ضلّت الكاتدرائية أكبر معبد أرثوذكسي في سانت بطرسبورغ لغاية العام ١٨٥٨ حين بناء كاتدرائية القدّيس إسحق، وهي أكبر كنيسة أرثوذكسية في العالم، إذ أنّها تتسع لأربعة عشر ألف شخص. من ذلك العام فصاعدًا استعملتها العائلة الملكية للاحتفال بأشهر الأحداث والمناسبات.

تاريخ الأيقونة، حامية وشفيعة مدينة قازان عاصمة التترستان وشفيعة كلّ روسيا، مدهش ويكتنفه الكثير من الغموض. هناك أسطورة تقول إنّ الأيقونة ابتيعت في الأصل من القسطنطينية، وفقدت في العام ١٤٣٨. يعود ظهور الأيقونة العجائبي إلى أواخر القرن السادس عشر، وبالتحديد عام ١٥٧٩، عندما احتلّ القيصر إيڤان الرابع/الرهيب (١٥٣٠-١٥٨٤) مدينة قازان. في العام ١٥٧٩ اندلع حريق مهول أتى على كنائس المدينة وأديرتها وحوّل نصف كريملين قازان إلى رماد. وكانت البنت ماترون (Matrone) ابنة العشر سنوات قد حلمت عن مريم العذراء وهي تدلّها على الموضع، الذي خبّأ فيه المسيحيون الأيقونة أيّام السيادة الإسلامية. وجدت البنت مع أمّها الأيقونة ثم نقلت إلى كاتدرائية البشارة في بلاچوڤشنسكي سوبور (Blagoveschensky sobor)، أوّل دير أرتوذكسي في قازان. وفي أثناء الرحلة شفي أعميان، إيوسيف ونيكيتا وآخرون فيما بعد. وأصبح الثامن من تموز يوم الظهور العجائبي للأيقونة عيدًا ارتوذوكسيًا عظيمًا يحتفل به أوّلًا في قازان، ومن ثم في سائر روسيا. ثمة صور عديدة للأيقونة طبق الأصل صنعت فيما بعد. ويذكر أنّه منذ القيصر ألكسي ميخايلوفيتش أصبحت الأيقونة شفيعة روسيا، سيدتنا من قازان، حامية عائلة رومانوف وفي عهد بطرس الأول نقلت الأيقونة إلى سانت بطرسبورغ. كاتدرئيتان عظميان الواحدة في سانت بطرسبورغ والثانية في موسكو مكرّستان لسيّدتنا من قازان وفيهما كما في كنائسَ كثيرة جدًّا في روسيا، نسخ من الأيقونة. يبدو أن الأيقونة الأصلية في قازان التي كانت محفوظة هناك مدّة قرون من الزمان، قد سرقت وربّما دُمّرت سنة ١٩٠٤. في سنة ٢٠٠٤ أعاد البابا يوحنا بولس الثاني أيقونة لسيّدة قازان كانت بحوزته منذ عام ١٩٩٣ إلى مقرّها الأصلي في قازان عاصمة تترستان ذات الأغلبية المسلمة. والسؤال الجوهري هو هل الأيقونة نسخة أم الأصل؟

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

65-kama2.fwظهرت الكاماسوترا Kama Sutra  كلون من الوان الادب السنسكريتي في الهند القديمة، حيث تعود بداياتها الى ماكتبه الفيلسوف والاديب الهندي فاتسياينا Vatsyayana الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد.

 65-kama9.fw

والمصطلح مركب من كلمتين ويعني عموما "أصول المتعة". والفكرة الأولية تنطلق من صلب الفلسفة الهندية القديمة التي طرحت الأهداف الإنسانية الأساسية التي يتسامى بها الانسان ويعيش من خلالها بعز وكرامة واستمتاع بالحياة، وحددتها بأربعة اهداف، وهي الفضيلة Dharma والرخاء Prosperity والرغبة/ اللذة Desire والحرية  Liberty.

 65-kama6.fw

 وقد كان كتاب فاتسياينا  الأصلي طويلا ومفصلا في ستة وثلاثين فصلا تناولت مختلف جوانب السلوك الإنساني الذي يقود الى او يحرف المرء عن تلك الأهداف الأساسية عبر النشاطات والحقول المختلفة كالحب والعائلة والعمل والأمان والنقاء والإخلاص والحرية.

 65-kama4.fw

وقد خصص هذا الفيلسوف مايقارب ثلث الكتاب لموضوع الحب والرغبة واللذات العاطفية والجنسية وتناول مايحكم الرغبات الجنسية بين الجنسين وبين افراد الجنس الواحد وحتى بين الانسان والحيوان وذلك بتفصيل دقيق لميكانيكية العملية الجنسية ومحفزاتها الفيزياوية والنفسية مبينا في ذلك الأوضاع الجنسية المختلفة وتأثيرها في تعظيم اللذة والمتعة.

 65-kama7.fw

ولان هذا الجزء فيه مايثير الفضول ولأنه جاء مفصلا، أصبحت الكاماسوترا معرفة بهذا الجزء خصوصا وذاع صيتها تحت هذا الباب فيما تراجعت الأجزاء الأخرى من هذا العمل بالنسبة لدائرة الاهتمام العام.

 65-kama8.fw

وهكذا فقد ترجمت عبر الزمن الأوضاع الجنسية الموصوفة في هذا العمل الى رسوم وتماثيل لاتزال تمثل صلب فلسفة الكاماسوترا، بل انها تحولت الى مايشبه الدليل العملي او القاموس الاولي للأوضاع الجنسية.

 65-kama5.fw

 ولهذا فان الكاماسوترا تعتبر اول عمل فلسفي ادبي تشكيلي ايروتيكي، تفصيلي ومتكامل في تاريخ الإنسانية .

 65-kama3.fw

ومن الجدير بالذكر انه لم يكن عرض ونشر هذا الصنف من النشاط الإنساني عيبا في الحضارة الهندية القديمة بل كانت رسوم وتماثيل الكاماسوترا من مقدسات الابداع الإنساني التي زينت المعابد والأماكن العامة ونشرت فيما بعد ولاتزال تنشر لحد اليوم في آلاف الكتب والبحوث.

 65-kama2.fw

adil merdanيتأمل الرضيع وجه الأم، والسقف العالي للبناء القديم، ويركّز طويلا ً على جدار شاخص وملغـّز، يوجد خلفه العالم .. إذ يكثـّفه اللون الأبيض، أمام براءة العينين . بعد مغادرة المهد يُسنـَد الطفل بنمارق من ريش، فتضج في رأسه الأسئلة . تنمو الأصوات الخافتة، ويبدأ بالضحك الأعتباطي، لأن الذبذبات تدغدغ طبلة الأذن ... كذلك يتساوق البكاء، وكأن الوحوش تئن خلف غرفته البيضاء . بهذا الفضول البصري، تُكتشف العمارة تدريجيا ً- حيث يلحُ إستطلاع العين، لمعرفة مكونات البيت، مع تعلـّم الألفاظ المتناغمة، فأستطلاع الجدران درس النفس الأول، بعدها يخف الأرتباك، من مسافة الفراغ الى السقف .

1068-adil

 

أتذكّر في (الشعيبة)، المحطة ما قبل الأخيرة، التي يقطعها القطار جنوبا ً، الى محطة (المعقل)، ذلك الليل الجاثم بكائناته، خلف الجدار الملاصق للسرير . أنام قرب أمي، بينما يأتي الزئير، من قلاع كثيرة التعقيد، ولا ينقطع إلا عند سماعي صوت (الماكنة البخارية)، تدخل المحطة، وهي تجر قطار (الأحمال) ببطء .

بدأت أكبر، وأنا أراقب العربات الرجراجة، تمازج بمشهدها الأثير مشاعري المتناقضة .

عندها توضّحت لي ألغاز البيت – حوش سقفه السماء، وثلاث غرف جاثمة بأستقامة،

أعلاها سقيفة عرضها متران ... ينتهي الممر بمطبخ صغير، يلاصقه حمام واسع، الأول مشغل أمي الدائم، تقشّر، تقطـّع، وتعجن، والثاني حددت أرضيته، بسور منخفض أشبه بحوض .. أغلق الفتحة، وأملؤه بالماء، لنطرطش أنا وأخي – ذلك الولع القديم، بلاغة حنين الى النهر . في بيوت (السكك)، ذات الطراز الأنكليزي، يُبنى وعاء كبير من الكونكريت، لغرض الأستحمام، حيث الفتحة خارج التكوين، كافية لأدخال (البريمز) .

أما في الأخير المخادد، فسحب سلسلة (السيفون)، متعة تسحر الأطفال ... كانت الغرفة الوسطى مربّعة، مثل كائن يقدم وظائفه المعمارية. في شتاءٍ قارس، كنا نتكدس في جوفها الدافيء، إذ تخط الرعود، في ذاكرة الفتى موسيقى الخوف – وسط الجدار (رازونة)، كم أشرَفت عليها، وأنا أتوازن على الكرسي، لأخبيء سيكارة (كريفن أبو البزون)، لذتها مازالت في فمي . الأولى دَخنتها في نهاية الدرج، الذي يصر مستعذباً بلحنه . عندها يطل أبي، بقامته على مشهد التجويف، عاثراً على سيكارتي المفضّلة .

السطح تكوين مدهش، عند صباح صيفي، تحط حمامة عيني على (المحجّر)، وتفعل أناقة الطابوق، فعل المعشوق بالعاشق . كانت بناية المحطة، ذات الطابق الواحد، تلتصق بالبيت – حيث تفتح الغرفة الأولى، الى ممر المحطة، ذي الغرف الأربع . الأبواب بظلفة واحدة، والباب ذو ظلفتين، عايشته في مكان آخر ... لا تغيب عن ذاكرتي (ثلاجة الخشب)

المبطـّن أعلاها(بالفافون)، حين ألتقط تفاحة من أسفل .

أجلس هنا قرب نافذة (العربة السياحية)، بعد ثلاثين سنة، لأشاهد بيتنا، الملاصق، الذي تأملته طويلاً، عند عودتي من المدرسة، كأنه عملاق أخرس، يتربع على الأرض، فإذا البناية تشملها نظرة خاطفة . صار البيت متواضعاً والأبنية التي إضطجعنا في ظلالها، إنكمشت على نفسها، تلك هي تحفيزات أولى، للكتابة عن العِمارة .. عمارة تعيش مع الانسان، فلنا جميعاً تعالق لا شعوري مع كائناتها الصامتة .

ما يُغني فكر العِمارة في المشرق، مجاورة الصحراء والنهر . في بلادنا صُممّت المدن السومرية، على شكل رقعة شطرنج، وهذه حال مدننا الآن . يكتب مؤرخ غابر : (العمران ينتج المدينة)، فالحروب تخرّب ما يُبنى بمشقـّة .. هنا زقاق يلتف على نفسه، لا تخرج من شَرَكه، إلا بالتعوّد والخبرة، تتعرج كالأفعى، وصولاً إلى سكن خفيض . أكثر الأحيان

تنتهي (الدربونة) ببيت، لتعود أدراجك الى شارع (الشناشيل)، وقد شحبت واجهاته المزخرفة ... (الدربونة) ضيقة، حيث تتقابل أبوابها،على بعد متر، وهي مرصوفة أحياناً بالقاشاني .

الخمرة تزيد العمارة بهاءً . أحب السقف القرميدي، وبيت الطابق الواحد، ويسحرني الموقد الذي نسيت ذكره، في الغرفة الوسطى، حيث حكايات جدتي، تنساب مع الروح ...

يزيدني تأمّلا ً سياج الحديقة الخشبي، محددا ً صورة البيت ... (الأشجار صغيرة لا تلغي إستراحة الفضاء – يمكن زراعة ليمونة، عند كل زاوية في العمق) أما البيوت العملاقة، المطهمة بالزجاج والساج والزخارف، فإن حضورها الفقير، ينعكس على فضاءات الداخل، إذ يشرد النظر، مِن إسراف التخارج .

إنطبع مبنى (المحطة العالمية)، في وجداني لكثرة تسفاري بالقطار . كنت أتفحص ثيمات المبنى الفضائية، بأندهاشة الثَمل، فتحاورني سرودها باللاوعي، قلت لنفسي حينها :

ما فضائل العِمارة في الشعر . أجيب متمتما ً قرب نافذة التذاكر الخضراء،: الإنشغالات الأولى تتحفز بلا وعي، (البيت - الجدار – النافذة – الباب – السطح - السلّم - الممر- الزقاق ... إلخ) .

يتعزّز توقي الى الموسيقى، إذ تترك نسقا ً سمفونيا ً، في معمار القصيدة الخاص . ما زلت أتأمل، مجاورة العمارة للموسيقى، مجاورة الجلال للروح . يقول معماري ذائع الصيت :

للبناية أساليب مبهمة، كي تعيش مع الأوركسترا، عندما يواجه، الفضاء الداخلي صعوبات نفسية للتفاعل مع الإيقاعات، وبعد جهد جهيد تنسجم معها، فبناية موسيقى

 (بتهوفن)، غيرها لمجدد الأوبرا (فاكنر)، غيرها  لساحر الباليه (سترافنسكي) ...

مزايا شيّقة للعِمارة، وهي تعيش معنا، دون أن ننتبه .

ينسجم فن الحضارة هذا، مع خاصية فريدة في الشعر، تمعّن فيها (باشيلار) عميقا ً، وهي لفتة معمارية منه، تركّز على (الكبير والصغير)، لحجوم الأشياء عِند الشعراء،فمنهم مَن يكبّر أشياءه ومنهم مَن يصـغـّرها، ومرجع هذا- الأنطباع الطفولي في   أرواحهم ... يتركز الحس البدائي للعمارة الطبيعة بالجبال، وكل ما يتعلق بالصخر، فللأحجار تناغم شكلي، يعطي الأصول الفطرية لذلك ... وأنا في السيارة، بينما نفترب من مدينة (العمارة)، تشغل الناظر كائنات ممشوقة، من الطابوق تُدعى(الكورات)، بينما يرطن مجاوري، كنت منسجما ً مع (كورة)، تنفث دخانها الأسود في الأفق .

نوعية المواد سبب فعّال، لصفات الجسد المجبولة بكيمياء العناصر، فالأسمنت غير الطين، والطابوق غير الحصى، والكراسي المصنوعة من ألمنيوم، تختلف بالوظيفة عن مثيلاتها، من حديد أو خشب، فهي تشابه أجسادنا، بالمجالات الثلاثة (حرارة- كهرباء- مغناطيس) . في أجنحة الطائرات مثال شائق، إذ تصنع من سبيكة (الديور ألومين)، المانحة صفات مرغوبة (الصلادة والخِفة) .

في شعرية العمارة ضمانة، للأحاطة بعوالم فن التشييد، الذي يخاطب البشر، بلغة بَصريّة واحدة، فروحها تقاوم الزمن، لقد كَتَبتها لغة الرياضيات، التي حافظت على ماء وجهها (ميشيل فوكو) .

المسجد بعمارته، المصرف المحروق مع تخطيطات الرسام، المحفورة على الخشب، وتلك مشاهد من المدينة ... يسعل باص (الآباتشي)، في شوارع مهملة، لا تنسجم (الشفرليت) مع وحدات الكونكريت،  التي تكبّل النهر(ذوق التصنيع العسكري) ...

الفكر الظلامي يخلق عِمارة فاشيّة، والمستنير يخلقها شفـّافة، تتروحن مع الناس .

قفزة إلى الفضاء الداخلي، (البيتونة) حارسة البيت، و(البادكير) يذكّرنا بحكايات الصحراء ... السجادة والثريّات والنمارق – غرفة(السرداب) والنوافذ المشبّكة والكوّات، التي تسمح للهواء، والضوء بالنفاذ، الكراسي والدواليب(فلسفة الأثاث)، الأرائك والشمعدانات، إكسسوارات تلائم فكر العِمارة .

عمارة تظلـّل الشوارع، عند طابقها الأول قاعة الرسم، تُعلـّق اللوحات على الجدران، لتبدأ حكاية التجاور . أنظر من نافذة الفندق، المقابل إلى الحديقة، حيث تتوزع التماثيل مثل أبناء، يستظلون بفيء أمهم، الساحرة سيدة الطوابق .

العِمارة في الرواية، (كيف نسيت) – يعبر من هنا السيد(بلوم) في (عوليس)، أصبح العبور إحتفالا ً، ذكرى لرواية معمارية حديثة، أو في (1984) الأخ الأكبر، عندما يُخرج البطل طابوقة من الجدار، هناك يخبّيء دفتر مذكراته، من عيون لا ترحم، كذلك تتداخل الأمكنة عند رواية (جن) .

الألوان تُعطي تأثيرها نوعا ً ودرجة، عندما صَبغتُ بعض الاُصص، لاحظتُ تأثير اللون الترابي . أيضا ً في الأجسام العملاقة، فناطحات السحاب البيضاء، والسوداء، والحمراء، تُعطي مشاعر مختلفة ... في مدينتنا المُحزنة، التي لا تطاق، تحيا عقول معمارية، ستضع تصاميم المدينة المُتخَيلة . تمنيت أن أسألك صديقي المعمار، يُخيّل لي إن بعض الأغاني، تمتص من أضرع، حقل العمارة الباذخ، ما تستطيع، لتنفرد (بميلودية)  مؤثـّرة، حصرا ً، (الغناء الأوبرالي) . كذلك أسألك، لماذا أأول فضاء(الكعكة الفرنسية) لشعر المرأة، إلى عمارة بسيطة للمتن الدائري، يطعّمها النحت بالضفيرة .

(كعكة عيد الميلاد، عِمارة لذيذة، تنحني لسكين إبنتي البيضاء) ... في الحمّام نزاول أبسط عادات العِمارة، (تأخذ الحجر الأسود بيّد، وتجلف باطن القدم) .

السوق يشبه البازار، ينحرف المتجوّل مع طقس العمارة، الذي يوجهه الخشب، والسقف الكبير يظلل الملابس المعلّقة . (سوق المغايز) نكهة معمارية موحية . أما (سوق العطارة)، فتمنح فضاءاته الرضا والسكينة، لعباءات تَمد الأيادي إلى دكاكين، إحتشدت على رفوفها، مباهج الصيدلة الشعبية .

بناية السينما في الصيف، إيحاء يختلف عن بناية الشتاء، كذلك عِمارة السجون، الأكثر تحسسا ًبسيكولوجية النزلاء - خاصة الثقيلة- تآزرت العمارة معنا أيام المحن، فأصابها ما أصابنا ... أركض في الحلم، يرسم الكابوس (عمارة النائم)، مختصرات من الضيق – دهاليز – واجهات حرجة . بعد ثلاثة أشهر من الحرب الثالثة، تغيّر الفضاء للناظر من الطائرة، لأن الصحون (الدشّات) ملأت السطوح .

النص الديني تصوّر فجائعي لعمارة القبر . في صحن العمارة الأسلامية أتدلّى، مستذكرا ً أولى تفكراتنا العمرانية (الزقّورة)، التي فخرت عادات وطبائع الإنسان، في بلاد الرافدين.

ثم أغرق في الرسم التخيلي (لبرج بابل)، حيث كثافة الرموز المعبّرة عن حضارة نائمة ...

النحت الآشوري، والقصر المنيف لملك إله، إذ يقف ثوران مجنّحان أمامه . بجلال، ثم أعود إلى ذلك الصحن، مدقـّقا بالقباب والمخروطات، مثمـّنا الذائقة التي تجعل، من محراب (الخاصكي) سيد المحاريب .

بتعاقب الزمن، تمنح الأرواح المتواترة، الكثير لجسد العمارة، فالبيوت العتيقة تنفث المعاني بروحية، لتجعلها حبيبة ومؤنسة ... ويعطي بيت الطين من الأنساق التأملية، أكثر مما يعطيه بيت الطابوق . أما في (الكوخ)، حيث يكون السرد، من مخيّـلة القصب، تتناغم أعراس الكينونة مع الوجود .

 

عادل مردان - شاعر عراقي من البصرة

 

adil merdanتنكشف الملامح السريالية في فضاء التجريد التعبيري، حين يعرج (طاهر حبيب) بفرشاته المبتكرة، الى سماء جديدة، يكشف مجاهيلها بحذر. الاختزال في الكتل و الولع بألوان الصحراء والشمس تمنحه حريه السياحه على النسيج الابيض فهو الفنان المستغني الذي قليلاً ما يصرح: إن قدرة الرسام الكفوء، تكمن في ابتكاره لتقنيات اللون، فالكولاج —وإن اجتهد— لايعوّض عن براعه الزيت.

 127-tahirhabib1

ألعاب الذاكرة والخيال نتنوع في حقله المبتكر . إذ تسافر العين الى الما وراء، مفتونه بأطياف الشرق الباقيه. حتى في فضاء الحرية هذا الفضاء الأرحب يلتزم (حبيب) بموضوع كل لوحه، مما يجعل تجربته منسجمه — غنيه — وملمومه تخطو الى أهداف  يقصدها بوعيه التشكيلي، إنها تجربة السلحفاة، التي تصمم بمشقه وأناة، اساطير اللغه البصرية، بعفويه وإخلاص، يكون السرد اللوني معشوق العين، فالتجريد، هنا لذيذ، وغير اعتباطي، فكأن (طاهر حبيب) يحجّ الى عوالم أكثر عذوبة، مجبولة من دوزنة الألوان بشرط الموسيقى حينها يكون الفكر والرسم متعانقين، في ذلك الحال ستفرح العين أكثر، لأن الفكر الخلاق يرسم مباهج اللوحة .

 127-tahirhabib2

  ( السيره الذاتيه)

- مواليد البصره 1953

- بكلوريوس رسم—فنون تشكيليه

- عضو نقابه الفنانين

- عضو جماعه التشكيلين العراقيين

- عضو جماعه أبسو تشكيل

- معرض شخصي 2005

- معرض شخصي 2009

- معرض شخصي 2012

- معرض شخصي 2016

- معرض جماعه أبسو تشكيل - بغداد

- شارك في معارض الفنون البصريه - بغداد

- شارك في معرض الواسطي - بغداد

 

 

mohamad bounilالصورة الفوتوغرافية، تعبير عالمي، في رأيي الخاص، المتواضع ومن خلال تجارب التصوير والعرض والمطالعة في هذا الفن، الفن الثامن، فن التصوير الفوتوغرافي، فن قائم بحد ذاته، كباقي الفنون الجميلة، والتي تعرف في زمننا هذا المعاصر والحديث، بالفنون البصرية، لأنها وفي مجملها هي أعمال فنية مجسدة تعكس في مجملها أو على حدا، وفي ظاهرها إبداعات فنية تتجاوز في حدتها وقيمتها من واحدة لأخرى، تحمل في مضمونها، طياتها ومكنوناتها رسائل للمتلقي - المشاهد - بإختلاف مستوياته، مشاربه وتوجهاته، أضيف لما سبق ذكره وأحيانا كثيرة وتكرارا لعمليات التفكر والتأمل أحيانا أخرى، تتجاوز حدود المقولة المأثورة "الصورة تعادل ألف كلمة"، أي نعم نحن نعيش في أيامنا هذه قوة و"جبروت" الصورة الفوتوغرافية، لم يعد كما كان من قبل تنقل الصورة عبر الوسائل التقليدية من صحف ورقية وقنوات تلفزيونية محلية كانت، بل أصبحت اليوم الصورة الفوتوغرافية في كل مكان، تحيط بنا دائما وأبدا وقد تحاصرنا دوما وأبدا وتفاجئنا أحيانا أخرى، فالصورة الفوتوغرافية تعادل ألف كلمة، هذا كان زمان في بداية ظهورها، حيث لم يعرف بعد قيمتها، أما اليوم فهي بحد ذاتها تعادل الكون، فتتناقلها الوسائط التكنولوجية الحديثة بسرعة البرق، إلى إستديوهات التحرير والتحليل لدى كبريات الصحف والقنوات الفضائية العالمية ولم تعد تقتصر على المحلية منها فقط، فعند معظم المختصين والخبراء في هذا الشأن –عالم التصوير- جلهم على إقتناع أن الصور الفوتوغرافية، المتميزة والذوات النوعية الجيدة والعالية القيمة، وخاصة اللواتي تعتمدن على المحتوى الرائع بما في ذلك المواضيع المتميزة الحاملة للعديد من –المشاهد المدهشة والمثيرة- للعقول والأحاسيس والتي تسحر الأبصار وتسر الناظرين لها، أصبحت الأن مشفرة،  وخير شاهد على كل ما سبق التطرق إليه، أنه لم يعد بإمكان المتلقي "الضعيف الدخل" مشاهدة وتتبع كل البرامج التلفزيونية المتميزة، وأخص بالذكر لا على سبيل الحصر، تغطيات مبارايات كرة القدم  سواء المحلية منها ألمحترفة أو القارية، بما فيها دوري أبطال أوروبا، والتي يشار إليها عادةً بدوري الأبطال، الأكثر مشاهدة عبر العالم والتي قد تعادل من حيث أهميتها ومتابعتها عبر مدرجات الملاعب وأجهزة الإستقبال السات والتي تستقطب العديد من المتفرجين والمشاهدين عبر الشاشة الصغيرة لمباريات –كأس العالم- ناهيك عن هذا الأخير لمشاهدة مبارياته هو الأخر يستوجب على المشاهد –المتلقي- الذواق للصورة "العالية الوضوح" –HD- ، إقتناء جهاز إستقبال خاص بشبكة القنوات التلفزيونية –بي إن سبورت- « beIN SPORTS »  المتواجدة بـ (الدوحة/قطر)، وفيما يخص أجهزة الإستقبال الرقمي أكيد المشفرة، والأكيد الآخر أنها صاحبة - مملكة الكلمة الذهبية والصورة الفوتوغرافية -  والأكيد في كل ذلك أنها تتربع على العرش دون أدنى شك في ذلك، فهي الرائدة في مجالها وبلا منازع لها على اللقب... فهي العملاق الذي لا يعرف حدا للتوسع، كهذا الكون الشاسع والواسع المتباعد الأطراف، في مجالها وتخصصها هي السيدة الملكة صاحبة الكلمة والصورة..

 

بقلم: محمد بونيل/ فنان وكاتب من الجزائر

 

 

64-Leffel7ديفد لفل  David A. Leffel  فنان امريكي معاصر لايزال يرسم وهو بسن السادسة والثمانين.

 64-Leffel1

 ولد في حي بروكلين في مدينة نيويورك عام 1930 وعانى خلال طفولته وصباه من مرض عضال في العظام ربما كان سببا في انكبابه على الرسم.

 64-Leffel12

 امضى الاحدى عشر عاما الاولى من حياته طريح الفراش في المستشفى كان خلالها يلهي نفسه بالرسم.

 64-Leffel2

بعد خروجه من المستشفى دخل مدرسة بارسنز للتصميم Parsons School of Design 

64-Leffel4

ثم جامعة فوردام  Fordham  University 

64-Leffel6

بعدها عمل في تدريس الرسم  لمدة 25 سنة في  Art Students League of New York .

 64-Leffel8

ورغم براعته في رسم البورتريه والموديل العاري الا انه عرف بشكل متميز كرسام لما نسميه بموضوعات الحياة الجامدة Still life   .

64-Leffel10

يؤمن بالعمل الدؤوب ويعتقد ان زيادة الاستثمار في التمرين والمعرفة هي التي تخلق الفنان الناجح.

64-Leffel9

64-Leffel11

 

64-Leffel5

 

abdulwahid miftahاللمسة اللإشارية (touche signalétique)  والعلامة الصباغية التي تَهتَبِل إلى خُطاطات الإضمار والإظهار، المَسنودة بخِفّة الأثر، هي الحالة البارزة لأعمال عبد الله الهيطوط، الذي جَنح في أعماله الأخيرة، بعد مَعرضه الأخير برواق "نظر" بالدار البيضاء، إلى استخدام المذكرة (l'agenda)كسند لمُربعه الأيقوني.. المذكرة بما هي رفيق السفر والتجوال في عوالم الطبيعة والمفَكّر فيه، تحضُر هنا كزاد رئيسي (fondamental) ومُكوِن أولي ولا نهائي للوحته، التي تحمل صفة البداية.. البداية التي تَتَمنّع في طقس  عتبة أن تكون. فكل عمل فني هو نقطة بدأ أو انطلاق نحو...

المذكرة كسند، بهذا، هي مغامرة مَحفُوفَة بالتساؤل، كيف يُمكن الاشتغال على سند غير محايِد؟ سند يحمل صفة مُسبقََة.. فهو ليس فارغ، ومليء بما يُمثِله من يَومي ووقتي، يَقتَنصُه الفنان في لحظة لا تَشيخ. لحظة ذات شحن إبداعي يَتمثلُها بلطخاته التَجميدية ليَصير الوقت حالة مُتحَجِرة داخل مُربعِه، الذي هو دعوى إلى الإنعِتاق والتسامي في بعده الإنساني.

إلى جانب شفيق الزكاري وعزيز أزغاي وآخرين قليلين ورائعين.. يُعتبَر عبد الله الهيطوط من الفنانين القلائل، الذين تَعيش لوحاتهم حالة بَحث دائِب. فهو لا يَركَن إلى جاهزية نسق ما، بقدر ما تَجده مُنشغلا في دَيمومة الحفر والتنقيب الرَكِيز.. ما يَجعل مرسمه يعرف إنتاجية فنية بِموتِيفات (motifs ) غزيرة تُعتبر في كثير من طُروحاتها، لحظة بارِقة، من حيث هي تجاوز أزمة داخل الفعل التشكيلي، فانتِقالُه من ثيمة إلى أخرى، مع التعْويل على تقنيات  (techniques) جديدة بشكل متواصل يجعل لوحة هذا الفنان، إلى جانب لمعانها المضيء، ذات نُزُوح تجديدي على مستوى الرؤية، وهذا ما نحن  بحاجته داخل المشهد التشكيلي المغربي بعمق.

1033-miftah

أعمال (les œuvres) هذا الفنان هي تفجير للشكل، وتَحطيم لمفهوم الحَيّز، بما هو حد بين إنسان وآخر، يَلتحم فيها الموضوع بموسيقالية اللون عنده، وهي موسيقالية تَعرف تماهيا وتلاعبا، مع ما يطرحه مربع اللوحة من فِتنة لونية تَتمخّضُ عن سعادة المعنى وبهائه.

قيمة الحرية (valeur de la liberté) هي كل ما تَنشُده لوحة عبد الله الهيطوط، وهي قيمة لا تَستمِد نسْغها هنا، من سياق دلالي (contexte sémantique) رَكّبها عليه، بقدر ما هي فعل تفاعل يُبَلّغُ عن ذاته داخل اللوحة، عبر استقلالية ما تَدّعيه عن كل تقليدانية مُراوغَة داخل بُؤرته البَصرية.

كيفما نَظرتَ إلى لوحة هذا الفنان تَجد ألوانها تَضُمّ عِدة طبقات من التأويل المُتعدِد، لتُشكل بذلك صورة تَتأرجح بين إيقاع اللَون ومَجازِه. فما تَعرفُه من اشتِغال مُكثَف على التَركيبات الشعرية، والرسومية المُؤثَثَة فوق تجريدية صِرفة، هو وجه لتعبيرانية مُشاكِسة تَشِعّ بالفيض الصوفي العِرفاني، وهو فيْض تعبُ الوصل إليه واضح على مستوى العمل داخل اللوحة.

أعمال عبد الله الهيطوط التي تُضْمِرُ أكثر مما تُظهِِر مُسْتأنِسَة بجمالية البتر والانمِحاء، ضَلّت وفِيَة لقلقها الهادِر الذي هو ميزة المشروع الجمالي لهذا الفنان، الذي نَقش اسمه بإزميل مُجتهِد في مدونة التشكيل المغربي المعاصر. فَتَقصي دروب النور على مستوى الإنساني واللّعب الحر بالمُفردَة والجُمل اللونية على مستوى التعبير الجمالي، كلها إلى جانب عوامل أخرى أعْطته حُسن تلقي سريع وتجاوُب مهم من طرف متتبعي الحركة التشكيلية، من مهتمين ونقاد.

أعمال هذا الفنان الأخيرة مِن مَعزوفات لونية وتشكيلية، هي قوة من أجل استقلال الإنسان عما يُكَبّلُ الجوهري داخله، لهذا تَجدها تَرتَهِن إلى تحرير السند، نفسُه الذي هو غيره في كل لوحة، من فكرته المرهونة بالاستهلاك اليومي  والعابر، عبر ترحيله نهائيا من ماديّتِه إلى حياته اللونية هذه، التي هي غَيرُ فيض صوفي يَحْبَل بأسراره، وفِتنتِه التي تَتزَيا بموسيقى تتراقص في صمت ناعم.

فعبد الله الهيطوط فنان عميق في تأملاته، وبليغ في انتِقائيَتِه الصباغية، لهذا تَجد لوحته تتّصف بهرمونية (Harmonie) تُسْلِمك إلى فضاءات الوعي بالباطن.. فرُبّ إشارة أبلغ من لفظ. فاللوحة، هنا، ليست مُجرد موضوع مُتعة، قابلة لتأويلات دلالية عديدة، بقدر ما هي نَسيج عن مشروع جمالي عالِم، يَتجاوز بعضه البعض باستمرار فيما يَهتبِِل له هذا الفنان من بحث شاغله التجديد (l’innovation/renouvellement)  ومَرجِعُه تَكوين أكاديمي رزين.

لوحة عبد الله الهيطوط هي لغة مفتوحة على سعادة الرسم بلا عُدة تخطيطية .. أبجديتها اللونية ساكِنُها خلخلة للمُنْطَبع والسائد، وكشف يُشَمّر عن جُهده، ليَخلق فضاءاته بلمسة مُجتهدة.

لا شك، كما دَلّلتْ على ذلك إجماعات عديدة وغير غائمة، أن الإنسانية ستبدأ بالتّحَسن عندما تأخذ الفن على محمل الجد، تماما كالكيمياء أو الفيزياء أو المال. الفن مُهم بعمق، خاصة في مجتمعنا المغربي هذا، الذي يَعيش حالة جفاف وفراغ قيمَة كبير، وهو الوضع الذي لا يمكن أن يَتصدى لتَجاوُزه إلا فنانين مُضيئين هاجِسهم مشروع جمالي حقيقي وفاعل، وقُدرَة منيرة على الاجتهاد والإبداع (Diligence et créativité) في غير إدعاء، أو تَزَرُّف (من يطيل عنقه أطول من زرافة).

إلى هنا بُروز أسماء شابة وجادة، استَطاعَت أن تُؤسِس للوعي بالأزمة (la crise) إلى تَقديم إبدالات تَأسيسية ضابطة لشَرْطية مَشروعية مَشروعها الجمالي.

عبد الله الهيطوط أحد هذه الأسماء، التي تَشتَغل في صمت لَيّنٍ ومُثمِر.

وهو نَفسه الصَمت الذي يَصير له أن يُصبِح إضاءة واضحة على مُستوى الاشتغال المتوهج داخل لوحة التَشكيل المغربي. 

 

124-abdulhamidalfayad3قراءة عامة في الواقع والوعي الاجتماعي السياسي وتجليات مصادرهما الفلسفية في تجربته الابداعية

 شهدت صفحة الفنان السوري المبدع (عبدالحميد فياض) جدلا ثقافيا على موقع "التواصل الاجتماعي- الفيسبوك" في دراسات وأبحاث برباط فني وفلسفي وجمال علمي اجتماعي وسياسي من أجل سفر مناقشة تكوين اعماله التشكيلية المتنوعة والمتعددة، ونحن لججنا في صورة اسفار النقد الفلسفي للواقع والوعي الاجتماعيين في صيغتهما المعاصرة، كما وجدنا في التكوين أن نتتبع وبمثابرة في تجليات مصادرهما الفلسفية عند الفنان المتميز عبدالحميد بن الفياض؛ مصادره الموضوعية وتجلياتها الذاتية.124-abdulhamidalfayad1

 عليه، حينما اردت أن أشخص مفهوم الحقيقة الجمالية ضمن الواقع والوعي الاجتماعي السياسي عند الفنان فإنني وقعت في مسالك ضيقة نظرا لأن هذا المجال أخذ بي إلى وجهات النظر التي لفتت أنظار الباحث الرئيس والباحثين الاخرين إلى التنبه إلى المنظور النقدي المنطقي والرياضي والميتافيزيقي المتعدد الأبعاد عند الفنان، والمتنوع التفكير الكثير الابداع تشكيليا.

فإذا أجمع الباحثون على أنه أهـم اعمال الفنان أنطوت على قراءة فنية وفلسفية من منظور المدارس الفنية التشكيلية في العصر الحديث بحسب ما أشيرت الاراء على صفحته، فوجدت أنها أراء تصب في الاجحاف، ومراوحة تجديد الفكر، لقراءة الواقع والوعي الفنيين في متناول المؤثرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تلج في صب وعي الفنان الابداعي في مجال قراءته لها اسلوبيا، وتفوقه على الناقد التليد في تقليدية المصطلح في التناول او سطحية وعي المتلقي "المحافظ"، لاجل غلق باب التأويل والترجيح في فهم الواقع والوعي السياسي في المجال الفني، وتجنب المحايثة للذات الانسانية في مسؤولية التغيير، أو على الأقـل من أهمهم فإنهم لا يتفقون في تشخيص آرائه وإثبات تماسكها وانسجامها في نقد-النقد، إلا من دراسات رصينة متميزة قد اثارت فضولي بالتمعن لها بعمق من جديد.

الفنان عبدالحميد فياض تَبَنَّى موقفا نقديا مناوئا للميتافيزيقا الاجتماعية التقليدية، وايضا أنه هو مناوئا المذهب البراغماتي أو الذرائعاني في التشكيلة الاجتماعية ومنظومتها الفلسفية الفنية في الوعي، وخصوصا في أعماله الأخيرة، مع التنبيه إلى أن تحقيب تفكيره الفني يختلف من باحث إلى آخر بحسب التخصيص الدقيق لوضعها امام نصابها الحقيقي في التناول ودقة المعالجة.

على أننا قد نتفق او نختلف من الآراء، التي تميل إلى أن الفنان السوري عبدالحميد فياض يتميز تفكيره الذي صاغـه نقديا فيما بعد تأثر النكسة الاجتماعية والسياسة والفكرية لهزيمة 1967 "النكسة"، وتتالي الوكسات..، فاحتلال العراق 2003 وعما قبل هذا التاريخ بشكلها الواعي المباشر او غير المباشر من مأزق، و إلا اننا نشدد على ما لحقها من تركم الأعوجاجات في التنظير والقراءات الخاطئة في الجدلية التاريخية ومادتها الفلسفية.. وايضا بالحلول العرجاء المخجلة لجميع المشاكل، والتي تمخضت بشعارات هلوعة لديمقراطيات الربيع العربي كما سميت بها 2011 وترقيعها بالحرب الاهلية السورية، الدائرة على مجمل الخيالات والخيارات والاطروحات الطوباوية بين الالغاء والبقاء دون بدائل حقيقية ناضجة، وما دام إشكالنا هو البحث عن الموقف من ميتافيزيقيا الحقيقة للواقع والوعي الاجتماعي السياسيين ومصادر تجلياتهما، فإننا سنَتَبَنَّـى هذا التقسيم للموضوع. وسندعو إلى قراءة خمسة أعمال من باقة اعمال الفنان التشكيلية لنسلط الضؤ على محورين رئيسين كما ورد ذكرهما في العنوان بين العلة والمعلول الأولى بقراءة الواقع والوعي مع التسليم بامتداد تفكير المرابطة الأولى في المرابطة الثانية و تجليات مصادر اتصال وعي الفاعل بينهما.

نعتبر "الفاعل" الفنان عبدالحميد بن الفياض في مداخلته الفنية عبر اعماله التشكيلية أنها مرتكز في النقد الفلسفي للواقع والوعي الاجتماعي السياسي المعاصر أتى ليكرس المنظور الفلسفي لوعي الانسان ودوره في التغيير الاجتماعي الذي ما انفك نفسه يصدر عنه في تناوله لمختلف القضايا التي تؤثث مشهدية اللوحة متنها الفكري؛ منظور منظومات الاستقلال الفلسفي الذي يجد خير تعبير عنه في التبرم السائدة معظم أعماله، "إن لم أكتفي، بدراسة الخمسة الاعمال منها"، مما أسميها بنزعة نصية تفشى سرها في الفرشاة وأمرها بين جل المشتغلين في الحقل الفني والجمالي والعلمي والفلسفي الإنساني عامة والسوري خاصة، وصيرت فرشاته الفنية بتشكيلاتها المتعددة والمتنوعة، جعلها منها فعل التفلسف الاخلاقي في المنظومة الثقافية، وما جعلها عندنا قرينة الشرح والتعليق والتحشية على الفن التشكيلي لاعماله تداخل النصوص الاجتماعية الفلسفية ووعيها النقدي تداولها لفتح لها ساحاتنا الكبرى من الوعي، سواء منها التي أنتجها التراث السوري الاجتماعي الفلسفي القديم والكلاسيكي، أو تلك التي ما انفك الفكر الغرائبي المتعاصر بمعاصرة الازمات والحروب، ويمطر بها الوعي النقدي السياسي والاخلاقي في الضمير والقيم العربية والانسانية على مستوى الوطن كجغرافية وواقع او الانسانية كوعي محايث التغيير، منذ أن أدرك الفنان هذا الأخير حقيقة تأخره التاريخي إبان عقود مضت، أفاق الواقع بقيء ما بداخله من أغطية تدثرت به من إدعاءات، وإبان زيف صحية فوائدة على نجاعة بقاءه وسلامة بنيوية تنظيم منظومته بالشفاء.

124-abdulhamidalfayad2

 

 إن توجه منظومات التشكيلة الاجتماعية المتعددة، وتنوعها في الواقع، تجلى خطاب الفنان الابداعي بمصادره الفلسفية، يقول مؤكدا الباحث د. الغزالي عبدالرحمن نقلا عن الباحثة اشبيليا الجبوري في ندوة بروكسل الماضية، والمشار إليها اعلاه، يتكئ، دوماً، على مرجع منفصل عن سياقه الثقافي، الأمر الذي جعله يعاني  أغتراب ووحدة الآلآم مزدوجة'؛ أغتراب عن الواقع الاجتماعي ووعيه الثقافي الذي كثيرا ما يعاند كل تفكير مصادرهما الفلسفية العقلانية، تنويرية، وحشة ووحدة عن الروح للتشكيلة الاجتماعية ووعيها الفلسفي، من حيث هي قوة خاضعة سلب/حرمان/قحط وفجاعة، وميل نحو خلق الفجوة التقديرية مع المألوف لوعيها، أو بما هي ظاهرة معرفة تفاؤلية تشاطر وتنشط بالسؤال وفيه، التي جعلت من الفنان حذر محايثة الفهم السوداوي عنها، و ما يصغي إلى تحولات المرحلة لالتقاط مكوناتها وتفاصيلها ، وما تلمسها واقعا فعليا، ما جعل تجسيدها باسلوب فني صارخا الانفعال فيه، والتمرد على مكونات وعيها وواقعها الثقافي البانورامي الفج النكير لمكنزيمات التغيير.

في الأحوال جميعها، يكون تجليات الفنان بنقده إلى منظومة تشكيل الواقع والوعي الاجتماعي السوري المستمد موضوعيا من خارجه؛ فهو ينتقد ما تجلى في ما استمدته تلك التركيبة الفلسفية للواقع إما مستمد من التراث وإشكالياته، أو من الفكر الحداثوي الدخيل بالمعاصرة ومداراته على الوعي الاجتماعي العام والذي تأثرت به أطياف اللون الاجتماعي. يعني هذا أن أعمال الفنان ترتكز بالوانها وتشكيلاتها وسلطاتها المدهشة على أن هوة نقدية سحيقة ما انفكت تفصل الوعي عن واقعه في الواقع السوري، وهذا ما انتبه إليه بعدم تثليمه عن الوعي والواقع للانسان العربي العام ، في نظر الغزالي، الفنان عبدالحميد فياض عندما دعا إلى الزج الفني التشكيلي بالفلسفة للارادة بالاختيار للانسان وقع في معمعة الانسان الراهن الهلوع والضحية، حتى تمكن الوعي الاجتماعي الجمعي من أن يصير عند الفنان تلامسه وعيا بالحاضر للمهزوم المُعذب ومشروطا بمشكلاته العصية في بدائل الاختيار لصميم الارادة. لا ينبغي أن نفهم من هذا الموقف إعراضا نيتشويا من صاحبه عن دراسة التراث الفلسفي وتاريخيته من تماثلات ومقاربات كما عبر عنها ايضا أ. د الجبوري في شخصية "غيلان الدمشقي" التي تجسدت تماثليا في لوحة الفنان "المسلخ الوطني"...  أو عن الإفادة من مخاضات الفكر الاجتماعي الفلسفي الذي يحدث الفنان به عن الحرب الواقعه وبتخليدها للتراث بمعاصرة احداث التغيير، بقدر ما ينبغي أن ننتبه، يقول الجبوري، إلى دعوته إلى فهم التأويل الصحيح لمكتسبات تجديد الفكر الاجتماعي الفلسفي الفاعل برمته من الفنان في بلورة فهم معقول للواقع وتحولاته والخضوع لتحليل تجلياتها.

وعلى الرغم من عنايتنا بمفهوم النقد للواقع والوعي الاجتماعي السياسي، وبصرف النظر عن الصورة للتجليات البانورامية ومصادر تجلياتها الفلسفية التي قدمها الفنان للمتلقي عن مسار مفهوم نقد-النقد الفني بمحتوى أعماله وتتشكلاتها الحديثة واليومية، فإن الفان عبدالحميد فياض، لم يرد لأعماله أن تكون قولا اصلاحيا وتعليميا "دينيا" في مفهوم النقد للواقع ووعي تاريخه، بقدر ما بسط فيه صراحة القول في اللغة الفنية التشكيلية في مكانية عمق تواجد حقيقته الفلسفية بالإفادة من مفهوم النقد الفني وعلاقته بين الحياة وسعة تقييمها الانساني في تحليل القيمة للوعي والجمالية الكثيرة من أثارة الأسئلة التي ما تزال تسفوت وتستوقف الوعي الانساني والسوري بوجه خاص، من قبيل إشكالية الديمقراطية، والسؤال عن الحرية، ومباحثة السلطة، ومحايثة المعنى، وفهم الاختلاف، وتناول الحق...والتزود بالجمال الاخلاقي... إلخ، وهي أشكالية يرتشح بها متن الفنان برمته في تنضيح أعماله. وفق هذا الإطار الذي نجد الالوان مهووسة بمفعول الإيديولوجيا وأثرها السلبي في التشويش على الوعي الاجتماعي ومصادر واقعها الانفعالي الدوغماتي في مكنونات الطبقات الاجتماعية السورية المتمثلة في التدرج اللوني وتوزيعها على القماشة للوحة الواحدة، نبهنا الفنان هنا عبد الحميد فياض، حسبه دائما، إلى ما يضطلع به اللون الاحمر في اللوحات والموسوما بـ(سوريا، عيد الحب، المسلخ الوطني، ليه يا بنفسج، وردة حمراء من أمرأة عارية، قراءة في لوحة طيور الجنة..الخ) وسيادة اللون "الاحمر"  ما يجعل به التضخم الإيديولوجي من دور في تعميق أزمة الاغتراب وغربة الوعي بواقع تاريخية الفنان عن راهنه في الواقع.

إن الفنان السوري عبدالحميد بن فياض، يعول أبداعه على النقد للحقائق الظاهرة والخفية في السلوك الاجتماعي وانطباع تجليات واقع حركة تاريخ الوعي الجمعي في مواجهة معضلة التضخم الإيديولوجي، التي يفيض لونه بفرشاة واشكالا منبعاً توجسيا لمختلف أشكال السلوك اللاعقلاني وثقافة الانسحاب التي هيمنت على الوعي العقلاني السوري في ظل ما تم الاطلاق عليها بمسميات مختلفة لعناويان لوحاته المتعددة والاشكليات المتنوعة للتضخم الايديولوجي المرتشح في كل مجالات الحياة. والملاحظ على إعماله لمفهوم النقد الفني التشكيلي في متن اللوحة الواحدة، هو إبقاؤه على حمولته الفكرية الاجتماعية وكثافته الابداعية الفلسفية الراهنة؛ فهو أي الفنان يوظف الرموز والالوان إلى المفهوم الاجتماعي المتحول للمختلف عند المتلقي للتغيير دون أن يفصله عن سياقاته التأسيسية الاجتماعية لوعيها التنظيمي بسعتها التراثية والتاريخية الجدلية الكبرى للذاكرة الجمعية المتشابكة التعقيد؛ تتداخل فيها نظرات النقد للتغييرعبر رموز افرتها تجارب غربية عن فلسفة كانط في أعمال التغيير لدى الفنانيين، وشلينغ في الوعي ونقيضه والمثالية الألمانية التي نقدها ماركس في المادية التاريخية "الايديولوجيا الالمانية"، وصولاً إلى تجلياته المابعد حداثية عند مدرسة فرانكفورت في إدارة التغيير النقدي وفلاسفة الاختلاف. غير أنه، في مقابل ذلك، يمكننا القول، ان الفنان (عبدالحميد فياض) يعمل على تطويع الفن التشكيلي إلى المفهوم الحيوي للتغيير الاجتماعي خلال أختيار درجة وعيه ليدرجها في مستويات التغيير الذوقي لجمال الوعي وفق تاريخية مراحل صراعه، ليصير قادرا على احتواء القضايا المجادل عنها في البناء والتنمية لضروريات الملحة في اسس واقعية التغيير التي تواجه الفكر السوري والانساني اليوم. ولا  افرط بالقول حين أدل على ذلك من اهتمامه المزمن في ملامح الشخوص باللوحة بمسألة المتخيل للتغيير وعلاقتها بالواقع المعولم التي خصص لها حيزا مهما من مساحة اللون في اللوحة لغرض التواصل الخلافي كما في أعماله الموسومة بـ(،الخلاص، كانت لدينا صورة عائلية، عودة عشتار، ملامح قيد التلاشي، بالاضافة إلى لوحة بداية خضراء لعام ليس ملونا...الخ) الأمر الذي يشي بأن الفنان لا يدرك الفن دون نقد الوعي ونقد الواقع الاجتماعيين في معناهما الأداتي الضيق، وإنما يتخذ ويستجيب منه لرؤية استراتيجية، لخلخلة منظومات التشكلات الإيديولوجية وقنوات الاوعية الثقافية والتعليمية الدوغمائية التي تكبل تربية الوعي الاجتماعي وتحول بينه وبين الواقع للتغيير.

على ضوء هذه المعطيات، يمكنني القول أننا لابد أن نفهم كثيرا من المواقف التي أعرب عنها الفنان السوري المبدع عبد الحميد فياض في أعماله من جمالية في نقد الواقع والوعي الاجتماعين الفلسفيين، من قبيل تشديده تناسق رؤية التجليات الفلسفية المشتركة في التغيير، والمتابعة على حاجتنا الملحة إلى تغيير الفكر الفلسفي الاجتماعي وتشكيلاته الطبقية في مفهوم النقدية للحرية والتغيير الاجتماعيين، على مستوى ترسيخ علاقة فهم اسلوبية الفن التشكيلي وعلاقته بنواضم وضوابط الأطر الديمقراطية وتنوعها اللوني، كما على مستوى منهجية التربية في تطبيقات التعليم وتطوير ألية الوعي الاجتماعي القائمة على الحرية الانسانية و الجرأة في الحق والنقد في معطيات وظائفية المجتمع للبناء والتنمية. بل ويمكننا أن نفهم عمق ارادة الاختيار الفنان، أيضا، كمساهم فعال في مراجعته النقدية للأنتاج المجتمع المعرفي لأبرز المشاريع نحو الحرية الفكرية والتخصص التي أفرزها تطور ألية تحسين أداء الفكر الفلسفي الاجتماعي السياسي السوري خاصة والانساني عامة من أجل معرفة دقة منتجه الفكري المعاصر لتوليد فاعلية واهمية الساحة الفنية للابداع، من قبيل ما نجده عند الفنان نفسه ، وغيره من المبدعين المتلزمين؛ فالثابت في اختلاف في هذه المقالة هو الدقة في مواجهة الانسان لنفسه، وان كانت ضمن هذه المحطات  تستغرق كلها إلحاحه على ضرورة تأسيس وعي اجتماعي وواقع نقدي بالقضايا المحيطة بالتغيير وللانسان وممارسة مسؤوليته في إقرار المستقبل لوعيه المستنير بالجرأة للمطالبة بالحقوق والعدالة والواجبات والحرية في رسم المجتمع الديمقراطي،  التي ما تزال تجثم بظلالها على الوعي والواقع الاجتماعي السوري، رغم سعة ما اراد ان يفيض بها الفنان من نقد للوعي الثقافي الانساني عامة كي نتخلص من التشكيك و الظن في النوايا السيئة في تخريب العقل وافساد المجتمع دون دراية دقيقة عن محمولاتها الفلسفية وبنان سعتها الثقافية.

وبعد اجاز لنا الموقع الشخصي للفنان للاطلاع والمداخلة النبيلة لعالم وافاق أعماله التشكيلي، جاء دور مداخلتنا إلى تلك المحمولات الفلسفية وبنا سعيه الثقافي ، الذي اختار مسميات للاعمال في دوائر نقديته التشكيلية للواقع والوعي الاجتماعي، أفرز لها متن المكون النقدي للوعي فلسفيا، مبرزا ما قد اهملت  واقصيت مضامينة بدعوة التمثيل الفردي المهمل، والشمولٌ بحجة اقترانه بعدم الخروج عن الوعي الجمعي المألوف، أنها قراءات في المسكوت عنه في النقد الواعي الفلسفي للواقع الاجتماعي المعاصر، أصال بفرشاته ألوانه نحو التغريب وتجلياته في الوعي المتراكم  في ثنايا وزوايا اللوحة توليفا نحو العمق الاجتماعي وسط للوحة، استهلها اعماله إن  الفرشاة مدخلها للوحة كالفلسفة الاجتماعية وشخوص يحركها النقد لوعيها التشكيلي سيان، حضورها تتجسد في حضوره، وغيابها دون شك تتجسد بمسافة غيابه. لنقل ودون مبالغة وشرود واعي بذاتنا، أن الفنان أصاب النصاب بدقة تناوله الواقع والوعي الاجتماعي السياسي في صميم الفلسفة الجمالية ليست إلا متجليا ناقدا مصادرها وما سيترتب عليها حال أغفالها، ولن تكون إلا كذلك، مدا مستلبا لهذه التجليات، تنصيبٌ للواقع ووعيه التاريخي الحتمية لمشانق إعدامها حال عدم تحمل مسؤولية تبني التغيير النوعي للثقافة الحقة والتربية الرصينة وجرأة علمية التعليم. في حال البدء للوحات الفنية كان النقد يتوجه إلينا دون غيرنا كواقع معلن وفي "الختام" نستنتج ان الواقعة في وعينا الذي يقرأ التغيير بلا أدوات تطبيقية مسبقة في معرفة الاشكاليات والتوجسات ومراعاة احقية المخاطر، ذاك حقا عنوان لازمني شخصيا بتأملاتي، ملازم للكل متابع حصيف في الاهتمام، بمحط النظر.

أرتقى ألفنان عبدالحميد فياض نَظُرَ حساسيات جمالية مختلفة لكثرة أهتزازاتها الفلسفية، أضفت على التشكيل بعدا فنيا حواريا بشأن ما يتعلق بالنقد الاجتماعي وتركيب الوعي الطبقي منه ومن شحن المفاهيم والأسئلة التي حددها بعلامات. بيّنٌ وواضحٌ حميميةُ العلاقة بين النقد للوعي الاجتماعي، وأسئلة الواقع ومنظومة القيم والمعرفة، لذلك ليس بمستغرب أن تشكل فرصة محاورة لاعماله الفنية بمزوال آخريات العلوم او الفنون الادبية، لانها توفر مناسبةً للنبش في  خفايا الانسان والمجتمع وانتماءه ونبش قضايا وحدة الذات وانفصال الزمن وفينومينولوجيا معرفة الجسد وميتافيزيقية السلطة و أرادة الموت والحياة و تمرحل الديموقراطية وفنون لاعبيها في السوق والمجتمع...إلخ، في علاقتها بأهمية وعي الوجود لعقل بشري متنبه، فرض عليه حاجاته ورغباته أن يرهَق بلوذه نحو فك طلاسم الواقع وحركته الاجتماعية بأسئلة ليس بمُكنتِه ردها خارج حراجة الوعي التاريخي والجدل القائم بماديته، فهي قِدرة قدرُه في الحصول على حاجته كما صرح بذلك (كارل ماركس) في رأس المال وايضا (عمانؤيل كانت) مدخله لنقده العقل الخالص، وهوسرل في الظاهراتية ووالخ.

التجليات، بالأحرى الكتابة في التجليات وما حولها من مصادرها الفلسفية، شكَّلت لدى الفنان تحديات ومدخلا سلسا من مداخل علم الاجتماع السياسي في الفن التشكيلي تناول خلالها هموم الإنسان المعاصر والراهن. فبعد حركة مضخات عناصر المرويات التاريخية من النظريات الفلسفية الاجتماعية الكبرى بصدد الصراع الإنساني والتماثلات للحتميات المادية ونقائضها، وتصدع النزعات الطبقات التقليدية، تصاعد موضة التجديد المولعة باغتيال حتوف التاريخ من نظريات أبطاله المثقلة بالحيرة والاغتراب من أهمية لاغتيال سلطة الوجود "الله، الطبيعة، الانظمة، والفاعل المهيمن..."، نلاحظ ما تداو له الفنان من لفت الترسخ المراهن عليه من لدى المهتمين من نزوعات نحو قتل الوعي المهيمن ولو بمسيس حاجة التغيير إلى التفكير النقدي بواقعه الاجتماعي ومنظومته الحيوية،  الفنان جعل من حيرته لمساءلة ما ترتب عن ذلك من إشكالات جديدة في أتجاه المتلقي بثقافته الطارئة، والتي جعل ما همّت به ذاكرته من سلوكيات أنضدها على انعكاس لاسلوبه الفني نحو تقييمات الوضع الثقافي البشري في سياق أعادة النظر في كل ماورد في مرتكز بناء صنوف الايديولوجيات الواهمة في تدليس وعي الانسان ، وتحريضه على تصفية الحساب مع تركة الوعي لواقعه من حقب فراغية الصناعة في التماثل، التي خلَّفَها اللون الحاد وخطوط التشكيل لطبقات أجتماعيتها المتباين لموت الانساق الدوغمائية وما جعلها ان تنسحب نحو المجتمعية الثيوقراطية الضاعة، وقد تصاعدت لدى الفنان خطابات تدعو فهم تهييج الذاكرة ضمن ملكات الإدراك الحسي المجتمعي ضمن شرائح اللوان المتعدد في اللوحة الواحدة، و مدها بغذاء فكري متقبل للآخر في النقد الفلسفي الاجتماعي ودوره الحركي في إعادة ترتيب الاولويات، للخروج من الدوغماية أقل غباء وانحسار وانطواء مما ولج المرء بها، كما عبّر عن ذلك في لوحة "عودة عشتار/عشتروت".

التجلي بالنسبة إلى الفنان أيضا، هو بحسب مصدره قلق، هو الوعي الاجتماعي بالمسؤولية التاريخية، التي يستشعرها الفنان بمكنونه الفلسفي في لحظات "تعَسُرَ الإِشْرَاق"، وإستيقاف ٌ للمتلقي على أوهامه، منشد إليه حمله على الانفلات منها، بالاسترهان على أضطراب السؤال وحيرته، وشغب الفكر ومشاكسته، والجرأة ووضوحه على استعمال العقل الخاص بدون وصايات قبلية جاهزة خفيضة فقط. بل للتجلي نقد البداهات الراسخة في العلن، وعلى رأسها التبرم في العقائد مما هو بدهي جمعي، وايضا المراجعة لكل ما يتقدم إلينا باسم الظاهر والمخفي ببداهة الحقيقة و يقظة اليقين، وبتلك الاخيرتين يتشكل، إنه  التجلي نحو التشخيص و وتشخيص نحو التأسيس، كما اوضحها الفنان في اللوحة الموسومة بـ( ملامح قيد التلاشي) وعلمه الاخير والموسوم بـ( لن تتمكنوا من سرقة قمري) 2016.

إنني كما أعتتقد أن لتجلي الفنان في قراءة الواقع والوعي النقدي الفلسفي الاجتماعي، هو بمثابة تتويج لجهود وتجارب ابداعية سابقة لصاحبه، حيث يظهر دقة الاسلوب بانشغاله فيها منذ زمن، بالحفر المعرفي في غموض وإبهام بعض اشكاليات الفكر الإنساني من قبيل الفائض الاجتماعي القيمي وعناصر بلاغة محركاته التاريخية الهامشية في النابض الجدلي لقوة التاريخ والذاكرة المتعلقة في "المرأة/الرجل/ العائلة، الاختلاف/التوافق/الاتساق، الكتابة/الخط/ اللون، الصمت/الصراخ/السكوت، المحظور/ المعلن، الشمول/الخاص، القوة-السلطة/الضحيه-كبش الفداء...الخ، بالإضافة إلى أسلوبيته الفذة على استنطاق المتخيل بغية تجاوز "حوار القطيع" بين تلك الثنائيات الميتافيزيقية التي تسيدت الفكر الاجتماعي وتحدياته من قبيل العقلانية والعبثية الممنهجة، الإشراق والأغتراب، الذات المقصية والآخر الحاضر، ويبدو أن للأمر، نظرية الفعل الاجتماعي لماركس لها صلة بإيمانه العميق بجدوى نظرية التواصل للفعل الاخلاقي الهبرمسية، في توطيد قواعد تفتيش الخلل في ثقافة ووعي تعلم وتربية العيش المشترك، وهو يجنب التغيير الاجتماعي المزيد من المآسي خلال نقده الصارم، في تجنب ما يكفيه العالم من المآسي والرعب الذي أصيح  يتفطن عليه الليل والنهار من اجيال لمن حوله في كلّ لحظة وحين من ازدراء بمقتضيات محاربة التاريخ من جهة والذاكرة وصنيعة تفاعلها بالمقدس التراثي ورمزه الفلكلوري.

هكذا سعى الفنان السوري المبدع (عبدالحميد فياض)، وهو يحاول استعادة بعض القضايا الرئيسة الشاغلة في الواقع والوعي الاجتماعي، والتي نضحت به اعماله التشكيلية، أن يقود بعض تجليات مصادرها إلى أقصاها بتدارس رهاناتها، موجَّهِا لها تأملات ببعض الأسئلة الأساسية، التي يرتبط معظمها بإيماءاته المشاكسة الآنفة الذكر، وممكن من المتابع والمتخصص محاذاتها خلال موقعه الشخصي، حيث يمكنه من أن ينوه برغبة ما غفلنا عنه دون قصد ما للفنان اعمق مما ذكرنا ، دون شك هناك المزيد، ما لبث للفنان من إشراق ابداعي في استنبات فكر فني نقدي، حصين في الفضاء للواقع الاجتماعي ووعيه من سحنات مؤثرة بفاعلية اسلوب الفنان التشكيلي المميز،  ما قد يساعد على تخطي أنغماس الاوهام برابطها من صلة بالأحلام المجهضة، والتخلص من مساحيق الوعود الايديولوجية المهينة، ولعلّ هذا من مستوجبات كل حديث عن الفنان السوري في النقد الفلسفي الاجتماعي السياسي الراهنة في تجلياته خلال الحرب وما قبلها وراهنية مسخلفاتها. 

 

شعوب عبد الرحمن

 

122-samimshari1- الفنان التشكيلي العراقي يعمل على كسر حضور الأشياء، وهيمنة المعنى، وإزاحة الأسطورة من منابتها التاريخية، لتبقى مفرداتها وإيحاءاتها كإشارات معرفية.

 - فضاء اللوحة عند مشاري تصميم حر وتداول للإشارات والأنساق الجمالية

         

ينفتح لمتابعي التشكيلي العراقي سامي مشاري، أكثر من باب للرؤية، وأكثر من سبب للسيرة الفنية.. وأهم من هذا كله ملاحظة تجربته الفنية وهي تنمو وتنضح بصبر وإصرار عجيبين.

أعماله صبر وإصرار يتمثلان في إعادة الاشتغال على اللوحات المنجزة أكثر من مرة، وكأن عملية الخلق تقبل على شكل (دورة عمل)، تتكرر بين فترة وأخرى، حتى تصل إلى حالة اكتمال وإشباع لا تحتمل إضافة أخرى أو حذفا آخر.

ومن الجميل أن نرى العمل الواحد ثلاث مرات متعاقبة، مختلفا، وممتلئا بطاقة جديدة، وحوافز متحررة، وعناصر موحية تستحق البقاء. والفنان سامي مشاري في معظم أعماله يعاني صراعا بين بنية المعنى، كما تربى عليها ومارسها أيام الهياج الإعلامي، وطغيان سلطة الأيديولوجيا على الفكر.

وبين اللوحة الحديثة كبنية جمالية بعيدة عن إسقاطات المعنى المشروطة وتبعاتها الاجتماعية.. بين سلطة الموضوع كشرط ضمني (متعارف عليه) ساحبا معه فكره ومرجعياته ومفرداته المرمزة، وبين فضاء اللوحة الذي يلعب فيه التصميم الحر، وتداول الإشارات، والأنساق الجمالية، وتعالق الأساليب الفنية كرسالة ثقافية.

122-samimshari2

يعمل الفنان سامي بدأب على كسر حضور الأشياء، وهيمنة المعنى، وإزاحة الأسطورة من منابتها التاريخية، لتبقى مفرداتها وإيحاءاتها كإشارات معرفية.. إنه يقلب سيمياء الأشياء رأسا على عقب، لتكون مكتفية بنفسها، بحضورها الفني وليس التاريخي، بدلالتها المعرفية والمكانية وليس بسردها الأدبي.

لذا تبدو رسالة الفنان سامي مشاري واضحة في فك الاشتباك بين الموضوع والمعنى من جهة، والأنساق الجمالية للعمل الفني من جهة أخرى.. حتى لا يطغى أحدهما على الآخر. وهو يستحضر مفرداته التشكيلية القديمة التي يحتاجها لتأطير عمله، وتلوين بلاغته، وإنشاء معماره الأسلوبي.

لكنه يعمد إلى تغيير وظيفة هذه المفردات، وكبح تأثيرها، لتكون إشارة محايدة ضمن عمل كلي. والفنان مشاري ذو ولع بالفن الجداري منذ أن كان طالبا في معهد الفنون الجميلة، في سبعينات القرن الماضي، وقبلها أنجز ثلاث جداريات مع زملائه من فناني مدينة السماوة العراقية في تجربة جماعية عام 1974، ثم أنجز في الثمانينات جدارية ضخمة للجمعيات الفلاحية مع زميله عصام ديبس. لهذا يجد الفنان راحته في العمل على المساحات الكبيرة، كما هي في معظم أعماله، هذه المساحة تعطيه قدرا من الحرية والمرونة في الاشتغال على الموضوعات ذات المنافذ المتعددة، ثم ينهض في محاولات تالية على تجريدها وتفتيت حضورها، وتحجيم تأثيرها النفسي على المشاهد، وخلخلة معناها العام حتى تتماثل مع الشكل في وحدة جمالية تصميمية.

لهذا نجد في أعماله النهائية، أن الموضوع قد تلاشى وإن بقيت هوامشه، وشحب المعنى وإن بقيت إلهاماته، وتحررت المفردات من إطارها البلاغي إلى فضائها الدلالي، وقفز اللون من مغزاه الطبيعي والرمزي إلى مداره التعبيري والتصميمي.

وفي كل أعماله يأخذ (الخط) بزمام الأمور، ليفصل المساحات ويهندس الكتل، ويهندم المفردات والأشخاص، هذا الخط الذي يسير بخشونة حرفي، وعفوية طفل، لإحداث قفزة بين التجريد والتشخيص.

الفنان مشاري لا يخضع أعماله لتصميم صارم، أو أسلوب مسبق، فمجال الحرية في عملية الخلق، والعفوية في التصميم مفتوحان، وإعادة صقل العمل المنجز مرارا وتكرارا أزاح مشهدية الموضوع وسلطة المضمون، ليبقى العمل الفني يتحدث بنفسه، ويقدم صيرورته للمشاهد والحياة معا. وعلى الرغم من كل هذا التجريد، وتجريف الموضوعات، تبقى أعمال الفنان سامي مشاري نضاحة بالعاطفة والحس والمفارقات التشبيهية وبيئة المكان. وكل هذا يصنع لوحة تختلط فيها الأشياء والألوان والروائح، لوحة ذات مذاق محلي عراقي حد النخاع.

 

عباس حويجي

 

khadom shamhodكان ولازال الفنان العراقي ابراهيم العبدلي طاقة ابداعية وانغام لونية وموسيقية حاضرة في الساحة الفنية العراقية من خلال الادائية الراقية والرفيعة لاعماله الفنية المعاصرة . فله فرشاته الخاصة المشحونة بالاحاسيس ذات المزاجية المعينة، وطريقته الخاصة في الرسم والتلوين . وقد عرفته منذ نهاية الستينات ومطلع السبعينات حيث كان يملك ارادة وهمة قوية في العمل والانتاج والذي يحتاج اليه اي رسام كان يروم التألق والتعبير عن مشاعره . وعندما حلت المصائب في العراق اصبح الفنانون العراقيون في ضياع و شتات متوزعين على دول العالم حاملين معهم مآسي وحزن الوطن وهم الفن .. ومع كل الظروف القاسية التي مروا بها في المهجر فانهم لم يتوقفوا عن العمل.. وكان لبعضهم عزيمة الجبابرة حيث استطاع ان يسحق كل العوائق التي تمنعه من الانتاج والابداع وان يتكيف للظروف المحيطة به امثال الفنان ابراهيم العبدلي ..

 التقيته في عمان وكان يدرس مادة الفن في جامعة البتراء، وقد اهداني كتابا لاعماله صدر عام 2006 في بغداد – يحمل عنوان - ابراهيم العبدلي واقعية الاسلوب وشفافيته- .. بقى ابراهيم ملتزما بواقعيته واسلوبه الفني وبمواضيعه المحلية البغدادية رغم انه درس وعاش وتثقف في الخارج عدة سنوات وشاهد كل انماط الحداثة. فهو يذكرنا بغنائية التعبير للاستاذ فائق حسن باسلوبه الانطباعي وحركة فرشاته وضرباتها الطلقة الحرة الخاضعة لانفعالاته ومشاعره . ولكن العبدلي ليس انطباعيا ولا تعبيريا وانما ذو نزعة واسلوب واقعي و بصري كبير مملوء بالرموز الانسانية ..  

 وقد كتب عنه الاستاذ فائق حسن: ( برهن الفنان الزميل ابراهيم العبدلي على امكانياته المعروفة، ونلمس ذلك بمجمل اعماله الفنية المعروفة .. زيادة على تقنيتة الحساسة ولمساته بمضمون اعماله ونشعر بهذا بانتاجاته المستمرة التي اثبتت عن تجربة و خبرة لسنين عديدة ..)

وكتب عنه ايضا الاستاذ اسماعيل الشيخلي: (العبدلي من ابرز فناني جيله بما قدمه من اعمال رائعة فهو فنان بغدادي تراثي شعبي اصيل باسلوبه الواقعي الانطباعي المعاصر . رسام بطريقته الشاعرية والوانه المتميزة ذات التأثير الموسيقي . ستبقى اعماله متميزة في هذه الفترة من تاريخ الفن العراقي المعاصر ..)

 120-ibrahimalabdali

الاسلوب والتقنيات:

اختار العبدلي في فنه الخطاب الواقعي عن قناعة ورؤية فنية وفكرية عالية، تذكرنا برائد الفن العراقي عبد القادر الرسام الذي درس الفن في استامبول وكان على محك ومقربة من التيارات الفنية الاوربية الحديثة ولكنه اختار الاسلوب الواقعي الذي تميل اليه نفسه وتطمأن . فرسم مناظر من بغداد ودجلة ونخيلها واهلها وخيام معسكراتها وماشيتها .. اليوم ابراهيم العبدلي يعيدنا الى تلك الذاكرة الجميلة و المشاهد البغدادية التي تحمل روح الاصالة والجمال فعندما يرسم المواضيع الشعبية والبغدادية وكل ما له صلة بالتراث فانه يشعر بالانتماء والاصالة والهوية و الانسانية .. وحتى عندما كان في الخارج كان يحب ان يرسم المعالم القديمة لانه حسب ما يقول انه يبحث عن معالم بغداد وتراثها في كل محطة او مدينة يحل فيها .. . ورغم انه درس في الخارج كما اسلفنا الا انه لم يتأثر بمدارسها الحديثة بقدر ما تأثر بالبيئة العراقية والوانها الحارة وشمسها المضيئة وتراثها العريق ..فقد رسم عربات الربل وهي محطمة ولكن الحصان نراه واقفا شامخا امامها . ورسم دراجه هوائية وعليها صندوق تمر وقربها عربات امريكية ولكن لم نرى صاحب الدراجة. وتبدو هذه الاعمال على جانب كبير من الانسجام في الالوان وشاعرية التأثير . كل هذه المواضيع تحمل رسائل رمزية يريد الفنان من ايصاله الى المتلقي .

اشتهر العبدلي برسم الصور الشخصية ضمن اسلوبه الخاص لعدد كبير من الشخصيات المعروفة في الساحة الادبية والفنية وعادة ما يستخدم اللون البني والاصفر الفاتح الضارب الى القهوائي وضمن معالجات واقعية راقية تذكرنا بالمدرسة الواقعية لكوربيه 1819 الذي مهد الطريق لظهور المدرسة الاشتراكية ... ويقول العبدلي ان فن الحداثة هو الديكوريش ويضرب مثلا في عدد من الفنانين التجريديين العالميين امثال الفنان الهنغاري فازرلي 1906، والهولندي موندريان 1872 والمعمارية العراقية زهاء حديد .. ويعتقد ان هذه الاساليب الحديثة ليس لها قدرة على ايصال فكرة الفنان او الموضوع الى المشاهد انما تبقى عاجزة وغامضة .

و يقول العبدلي (لن اتخلى عن اسلوبي الواقعي فهو هويتي الفنية).. (انا ارسم ما ترصده عيني وذاكرتي من مشاهد حياتية) .. والملاحظ ان جيل الستينات من الفنانين العراقيين معظمهم بقى متمسكا في اسلوبه وقناعاته الفكرية رغم تطور الفنون والاساليب والتقنيات وظهور مدارس كثيرة وموجة العولمة وغيرها .. ومن اشهر اعمال العبدلي لوحة – نطاق العريس – وهي تذكرنا باعمال استاذه فائق حسن خاصة وجوه النساء الشعبيات، وفيها نرى معالجات راقية وابداعا عاليا وحرية في حركة الفرشة اما الالوان فقد طغى عليها اللون الخاكي والاخضر بدرجات متنوعة وهو لون الملابس العسكرية، وقد نثرت عليه الورود البيضاء مما زاد في جمالية العمل و تعميق الفكرة .

 120-ibrahimalabdali2

السيرة الذاتية:

ولد العبدلي في بغداد عام 1944، ودرس في معهد الفنون الجميلة وتخرج منه عام 1965 ودرس في بريطاني عام 1980 قسم الديكور او التصميم وحصل على شهادة الماجستير .انتمى الى –جماعة بغداد للفن الحديث – ثم اصبح مدرسا في معهد الفنون الجميلة . اقام عشرات المعارض الشخصية والمشتركة كان آخرها في عمان على قاعة الاعمال العراقية عام 1916 بحضور مسؤلين من الحكومة الاردنية والعراقية وجمهور غفير من الفنانين والمثقفين .. كما انه كاتب درامى ومصمم راقي .. يحب الموسيقى ويقرأ المقام العراقي.. لازال يعمل بهمة ونشاط عالي . نتمنى له الصحة والعمر الطويل.

 

د. كاظم شمهود

 

latif shafiqهذا المكعب الذي يتصدر وسط اللوحة يتغير كل بضعة ثوان خلال النظر اليه فحينما تنظر اليه للوهلة الأولى فإنك سترى مكعبا بشكله الهندسي المعروف وإذا دققت النظر لمرات فإن شكله سيتغير ويكون الأسفل أعلى والخلف أمام وسيبدو أكثر تعقيدا من الحالة الأولى ويتطلب هذا الأمر أي أدراك ذلك التغيرشحذ الوعي لإيجاد الصورة المتغيرة ومن ذلك يبدو أن التعامل معه يعتمد على الخداع البصري (الأيزومتري) المرتبط بحالة الوعي الذي هو أصعب من دراسته.

1016-lotfishafik

ومن خلال ممارستي لهواية الرسم في ريعان العمر جلب انتباهي صورة هذا المكعب البديع ثم توصلت لطريقة رسمه بسهولة بالرغم مما يحمله من قوة عالية لإدراكه ومن شدة إعجابي به بدأت أعلم ابنائي ومن ثمة احفادي  لرسمه وتوضيح اهميته في رسم المجسمات.

وحين بلغت من العمر الرابعة والثمانين وخلال تقصي بعض الحقائق عن الرسم اكتشفت بأن هذا المكعب هو من تصميم الفنان المهندس السويسري (لويس البرت نيكر) والمولود عام 1786 والمتوفي عام 1861 وإن أول ظهور لصورة هذا المكعب هي في عام 1832 أي قبل ولادتي بمائة عام.

مكعب نيكر يمثل طريقة رسم الصور ذات الأبعاد الثلاثة والتي يعتمدها اكثر الرسامين وخاصة خلال فترة المدرسة التكعيبية ومنهم على سبيل المثال لوحة الفنان سلفادور دالي(الاعمار الثلاثة)والتي تحتوي على ثلاثة وجوه وبمقدوره أن يلعب بعقل الناظر ليتخيل صورتين مختلفتين للمجموعة نفسها وكذلك في رسومات كل من  الفنان بابلو بيكاسو والفنان جورج براك ولم يقتصر  الفن التكعيبي على الرسم والنحت فقد تعداه ليشمل الشعر المنثور الذي واكب تلك المرحلة والذي اطلق عليه النثر التكعيبي ومن اشهر من كتب فيه الشاعرة الامريكية (جيرترود شتاين) التي عاصرت كل من بيكاسو وبراك وهنا ادرج نموذجا من ذلك النثر للشاعرة المذكورة والتي اعتمدت في نظمه أعادة العبارة لمرات ثلاثة وبشكل يعكس حالة من  حالات التكعيبية :

(شيء ما كان يأتي منه يقينا, كان شيء ما يقينا, كان منه يقينا بعضهم كان يقينا إنسانا يعمل.

كان هذا الإنسان يعمل وكان شيء ما يأتي منه آنذاك, آنذاك كان هذا إنسانا, وكان هناك دوما شيء ما يأتي من هذا الإنسان).

نعود إلى اللوحة الفنية ومضمونها والتي رسمتها مؤخرا وهي ذات علاقة  بمكعب نيكر وما للوعي من تأثير فيه وما يعكسه من حالة التوازن والابداع والجمالية والبناء الرصين والذي تشمل النسبة الذهبية في المعادلات الرياضية والتي اعتمدها كبار الفنانين من أجل استقرار الاشكال المتباينة في سطح اللوحة, لذلك ومن هذا المنظور فقد تركز اهتمامي على هذا الجانب والتعامل مع حالة ذلك المكعب الذي جعلته يتصدر وسط اللوحة لقيمته الدلالية التي تشير إلى نمو وتطور وتقدم ورقي المجتمعات وتقدمها الحضاري, إن اللافت في شكل المكعب هنا هو تشظيته وتحطم أجزاء منه مما يعكس الوضع المأساوي والحروب العدمية والتدهور الرهيب والمريب الذي أصاب مجتمعنا العراقي وانهيار قيمه وتفكك كيانه وتدمير حضارته العريقة بسب تسلط قاذورات اقوام الجهالة والتخلف والتردي, ومن أجل تجسيد ذلك المشهد الرهيب اعتمدت الألوان الحارة من الأكرليك والطاغية  عليها اللون الأحمر الذي يشير لصور الحرب والتقتيل والدماء التي نزفها الشعب العراقي خلال أكثر من نصف قرن في العصر الحديث عصر التقدم وازدهار حضارات الأمم والشعوب المتمدنة.

تشظي مكعب نيكر ذو القيمة الهندسية والفنية هي إشارة إلى تشظي مجتمعنا العراقي وانقسامه وصراعاته الطائفية والأثنية وما تخللتها من أفكار سوداء هدامة أدت لانهيار وتخلف الوعي الجمعي وهو ما ذهب اليه عنوان اللوحة الموجودة ضمن المقال وهو (شظايا).      

 

لطفي شفيق سعيد - نورث كورولاينا

 

119-madihaomar3اسمها الحقيقي هو مديحة حسن تحسين اما عمر فهو نسبة لزوجها ياسين عمر وكان يشتغل في السلك الدبلوماسي العراقي فسميت- مديحة عمر - .. كانت الرائدة الاولى في استخدام الحرف العربي على سطح اللوحة حيث فتحت الباب الى بقية الفنانين العرب في الاستفادة من جمالية وسحر هذا الخط وتوظيفه في التشكيل الحديث . وقد عملت مديحة على تحرير الخط من القيود الصارمة التي كانت تحكمه خلال القرون الماضية واطلقت عنانه الى حرية فضاء اللوحة سبقت بذلك كل الفنانين العرب .. (لطالما اعجبت في طفولتي بالخطوط العربية المتشابكة على ابواب المساجد المحيطة بالقباب والمآذن وسحرت بها ..)

مديحة حسن بحكم عمل زوجها الدبلوماسي العراقي والذي كان يتنقل من دولة الى اخرى منحها ذلك فرصة الاطلاع على فنون وتقاليد وثقافة الكثير من المجتمعات غير العربية ومن ضمنها الحركات الفنية الحديثة في اوربا وامريكا مثل الحركة السريالية والتكعيبية والتجريدية وغيرها . وقد تأثرت بها خاصة وانها عاشت ظروف بداية انطلاقها واتجاهاتها الفكرية . وبالتالي فقد شكلت لها مصادر عطاء وابداع ..

 119-madihaomar

منابع العطاء والتأثير:

1 – في حقبة الاربعينات كانت هناك ظاهرة انتشار رسوم الجدران - الكرافيتي – في معظم شوارع وازقة باريس وهي عبارة عن كتابات ممزوجة بالاشكال والصور الخيالية منفذة من قبل بعض الشبان . وفي سنة 1961 نشر المصور جورج براسايBrassai Georges كتابا حول فن الكرافيتي وكان قد كتب مقدمته بابلو بيكاسو، وكانت اعمال جون دوبوفيه 1901 هي المحور الرئيسي الذي يدور حوله البحث والتي نفذت على الجدران سنة 1945 . وكان دوبوفيه قد استخدم عنصر الكتابة او الحروفية الى جانب الاشكال الاخرى وعلى خلفية ثرية بالالوان كما لجئ الى تقنية النسيج في الاخاديد والشقوق والخدوش على الجدار وبحرية كبيرة في المعالجة ليعطي العمل اكثر انسجاما مع طبيعة الجدار .

2 - كما ان سي تومبلي- 1928- يعد من كبار فناني الولاياة المتحدة ورائد من رواد فن الكرافيتي وقد اثر على جيل من الشباب الامريكي . وعندما بدا يخلط النص الكتابي او الاحرف مع الاشكال الفنية الاخرى اثار ذلك استغراب الفنانين والجمهور في ذلك الوقت مما ادى الى عزلته وبالتالي هجرته الى ايطاليا سنة 1957 وعاش معظم حياته هناك . وتمتاز اعماله بان الخطوط فيها عفوية حرة، واحيانا عنيفة ..

3 – كان لظهور السريالية تاثيرا كبيرا في استيقاض واثارة الخيال لدى مديحة حسن خاصة اعمال الفنان الاسباني اخوان ميرو والفنان الفرنسي أندريه ماسون – 1896- وفي عام 1924، التقى أندريه ماسون بالشاعر أندريه بروتون، وهو العام الذي نشر فيه هذا الأخير بيانه الشهير وحدد فيه رؤيته للآداب والفنون المستندة إلى عوالم اللاوعي، . وكان يعتقد ان الأحلام وحدها هي التي تقود الى الحرية وكشف بواطن النفس .

4 – يعتبر بول كلي 1879 - هو اول فنان اوربي يكتشف اهمية الخط العربي في التشكيل سبق كل الفنانين العرب . زار بول تونس عام 1914 ثم زار مصر وكان مبهورا ومسحورا لزيارته هذه واعتبرها اشبه شئ بالقصص الخيالية لالف ليلة وليلة ومكث فيها سنوات يرسم ويتعلم كيف الاستفادة من هذا العنصر الحروفي الجميل في اللوحة وكان بول يملك خيالا غريزيا عميقا وعالم مليئ بالسحر والفكر والفنتزة ..

كل هذه المنابع وغيرها شكلت الارضية الخصبة لفن مديحة حسن فقد اندفعت لا نتزاع الحروف من وظيفتها اللغوية الى استخدامها كعنصر جمالي فنتازي او صور من عالم الاحلام او السريالية فقد جعلت احرفها كأنها تسبح في فضاء اللوحة لها عمق روحي ولوني ورمزي تشبه اعمال الفنان اخوان ميرو . وتقول مديحة (الخط العربي عبارة عن معاني مجردة وهو في جوهره رمزي لذا فمن الخطأ النظر اليه بوصفه مجرد ابعاد واشكال هندسية ..) وهي بذلك قد اعطت صورتين للخط العربي الاولى انه له شخصية شكلية جمالية رائعة والثانية هي صورة صوتية مقروءة لها ابعاد رمزية وقد ربطت بعض الاحرف ببعض الكائنات الحية مثلا الياء تشبة الافعى والميم تشبه المفتاح واللام تشبه السلم، وهكذا فقد اعطت له ابعاد مجازية رمزية ... وقد قامت عام 1949 اول معرض لها في واشنطن تناولت تجاربها الجديدة مع الحروفية العربية.

119-madihaomar2

السيرة:

ولدت الفنانة العراقية مديحة حسن عام 1908 ولكن لا نعرف المكان الذي ولدت فيه فهو غامض ولم يذكره احد علما اني بحثت عنه كثيرا ربما ولدت في بيروت او البصرة او غيرها .. انتسبت إلى دار المعلمات في بيروت، ثم ذهبت إلى استانبول وانتمت إلى المدرسة السلطانية.رشحت الى بعثة علمية الى بريطانيا وتخرجت في كلية ماريا غري - لندن عام 1933.كما درست النقد الفني في جامعة جورج واشنطن - امريكا عام 1943.حصلت على شهادة البكالوريوس في الرسم والنحت من كلية الكوركورن للفنون الجميلة واشنطن عام 1950.....في عام 1949 اقامت اول معرض شخصي في واشنطن تناول معالجات جديدة في تجريد الحروف العربية.اقامت عدة معارض شخصية في الولايات المتحدة الامريكية، وغيرها، اقيم معرض شامل لاعمالها في قاعة الرواق ببغداد عام 1981 من قبل وزارة الثقافة . وكان آخر معارضها في بغداد عام 1988و قد احتوى على 136 لوحة مثلت انتاجها منذ عام 1931 . توفت مديحة حسن عام 2006 م. 

 

د. كاظم شمهود 

 

samar mahfoddمحمود الضاهر الفنان التشكيلي في ذاكرة ريحه عنوان معرضه الأخير في عاديات طرطوس الذي حوى 35 لوحة، يسرح قطعان اللون لتنسج طاقاته المتألقة والمشعة شغفها على سطح اللوحة مما يمنحها حرية حركية خصبة يرش حباب الالوان على شكل غبار طلع يمازج الفكرة والضوء والكتلة عنونها المراءة والمرارة والغياب والانخطاف والقلق والشجن والحب بشاسع طغيانه، ممرا لنا نتاجا بصريا مختلفا ومميزا، ثمة مناهج لديه تدفعك إلى اعتبار أن كل لوحة نص مفتوح على حيز الكواكب والنجوم والأكوان..لفهم مضامين النصوص ومفاعيل السرد البصري كونه يمثل المجال الحيوي للجملة التشكيلية بكافة مكوناتها ومدركاتها الحسية والعقلية لأن الرسم عنده نتاج منطقي لمساحة من التفاعل ... الشمولي الجمالي ضمن عمل يشكل الرؤى الحديثة للنص البصري المصحوب بجماليات تساهم في رفع شعرية الذائقة البصرية والتواصل مع كافة منتجات الفن وإحالات دلالاته الحاشدة من ملامح وسطوح وكتل وألوان تملأ الحيز...

117-samar1محمود الضاهر كائن من دهشة وأحلام شفافة مشغول باللون، كهاجس دائم التصاعد متفردا بامتلاك أدواته، ولعل هذا الهامش من العبث العالق بريشته هو ما يميزها وسط الركام العجيب من النظريات والتجارب التي دفعت ببعض الحالات بالتشكيل إلى التخلي عن سيادته الروحية لصالح التقنيات البصرية المؤتمتة المتسارعة وهي تمارس الاختلاف اللا منطقي، وسط كل هذا العبث الذي يجتاح الفنون عامة والرسم بشكل خاص، يرتب محمود الضاهر بياناته اللونية من الأزرق الداكن إلى الشفاف ومن الليك إلى الشمسي المتلاحق الى الاخضر الخصيب على شكل جرعة حتمية من عصير الحياة المنتصرة دائما الى الخلق، تغدو حالات ألوانه مشدودة إليه واهبة طاقاتها الذاتية لتواكب قدرته على الانتقال إلى عالم الرؤية الحرة ...ملقياً عليك أجوبة مقلقة لأسئلة محيرة كانت قد أطلقتها في داخلك لحظة الملامسة الأولى للوحة...المساحة ...لابفعل قيمة التجربة المقترحة وقدرته التشكيلية في تجسيد أطوار نبضه بل على إتقانه وبراعته في خلق الحيرة اللونية لتصبح المتابعة شكلاً من الإبحار الغير مأمون لمكابدات أطياف شدوه وتغريده كلها وتجذره في تفاصيل حزنه وفرحة بمنطقة الضوء من مشاهدتنا البصرية. أو ساحة التعبير الداخلية والتي تعتبر تلخيصاً لخصوصية تجربته المسكونة بمزاجيته المصرة على أن تكون منصة انطلاق نحو عوالمه الباحثة عن سلام ما.... كنتاج منطقي متماهي مع الخلفيات الفكرية والرمزية الموحية ..... يأتي منتجه البصري مشغولاً بروح إبداعية وأسلوب حرفي حاشد بالمكونات الخطية واللونية من ملامس، وسطوح، ومجموعة كتل تشغل الفراغ دون إهمال المحتوى الموضوعي الذي يشكل المضمون...

يستحوذنا وهو الذي يسكن ساحة وعي المشهد شاهداً على ترتيب حاجات أعماقه بذات، الحضور والإدهاش الذي ليس بوحاً وجدانياً فحسب بل هو سلسلة لاتنتهي من الطقوس التكوينية المشغولة بذهنية تفتحت بتشكيلات غنية بتفصيلات احتاجت إلى استثنائية خاصة لتحويلها إلى فعل جمالي مختزن يتهادى بسلاسة في محيطه اللوني مشكلاً حضوراً نوعياً بين الأسطورة والحلم المنتصر بأدواته التي تفصح عن قلقه فوق سطوح أعماله وتعكس حساسيته بدراجاتها . حاملة الحس ألاستبصاري للمشروع الفني المحمل بما هو مفصلي،  في حركة الفن ضمن توليفات حية يمنحها الفنان ما في روحه، المسكونة بتصورات لا متناهية لعوالم تنبض بالحياة لتأتي نتاجاته في خطوط تكوينه.. تحمل رؤى اتصالية بعوالم مفعمة بدعوة حميمة...لاتطابق الواقع رغم أنها تلازمه كنسيج بصري بأبعاده الانسيابية.والإنسانية مفسرة للمنطقي من الحلم ومن ثم تأويله بما يندغم ودائرة الإنتاج الإبداعي وتداعيات الأطر ضمن تركيبة فريدة لأفكار يولدها في مستويين الأول مقترن بليونة ورشاقة حسية لونية قائمة على قرابين الحدس الإبداعي حيث اللون لديه تعبير عن رغبة جامحة في اختراق الإدراك باتجاه الدلالة النوعية كترتيل غني من حزن وفرح ورغبة للانفلات من المرئيات بطريقة ما وللانتقال إلى مدارات محفوفة بالأسرار المضطربة حيناً والدافئة حيناً فترى على سطح اللوحة الأزرق المشبع المشبوب،  والمشتاق للتدرج عبر كثافته اللونية الجادة والأحمر المتصاعد الناري بشبقه المندلق عبر تناغم لوني يشكل مفتاحاً لبلوغ العمق الفكري بغية التوصل لسر الدهشة والمتعة في تلك الألوان التي تتهامى أو تتشظى كأنها نيازك تنتظر الخلاص لتنداح على سطح اللوحة الشاهقة بالأبيض الوارف والأحمر والأصفر الشفاف والأخضر الخصب فضاءها مفتوح ومعلق على إنجاز في أفق اللوحة هو الذي تقل عنده  الألوان السوداوية فلا لون للكارثة ...

117-samar2

 كحالة مفتوحة ومغلقة ومتغيرة بشكل شديد الحساسية محققاً التوازن والتفاعل البصري القائم على تدرج منطقي ينم عن القدرة الفنية حيث يبدو التوليف التشكيلي في التناغم الإيقاعي للألوان السائدة على مساحة الخصوصية المعالجة بمجمل خطوطه ومسافات بيانه اللوني المحمل بأنماط مختلفة (تقليدية وأخرى معاصرة) قادرة على حمل البعد النفسي والتأويل والابتكار قياساً بمزاجية إبداعه وانعكاسات حالاته بين الحزن العالي والفرح المتمرد..

 ضمن رفه الضوء وخيط التأملات يعلن أماكنه التي تسري في الذاكرة فلا ينسى أبدا أن يجر ورائه قافلة احتمالات على قيد الاهتمام حيث يداه تمتلئ بدمع محتقن يهمله حيناً ويسفحه أحياناً... مستهلاً اتهام البهجة .

.مصراً على تجاوز الاستعراض إلى حقيقة وجعه سيد الموقف وحين يتوصل للنطق بحزنه المسحوب من أعماق حواسه ..

إنما الخاص عند محمود الضاهر هو في فيما يشعله من توليفة ألوان مشعة قاربت بهاء النطق تتأنسن وتتلهف..لوعة وحزن

بتلك الحميمة المضافة والمتميزة بين صيغة الاستقرائية والتجاوز أما المستوى الأخر فهو الخط الشعاعي للون، والذي يشكل عبوراً حراً لإمكانية الحركة المندمجة بما تخلفه على السطوح التي تخلق مبررات حركية دائمة الحنين على اعتبار ان أساس الإحساس الفني بدرجاته الخاصة التي يصل إليه الفنان في حالة من التوحد مع الذات ضمن مجازفاته إنها الحالة التي تدل على مابداخله من تنوع يأخذك تارة إلى التجريد وتارة إلى التبسيط العفوي حيث الطبيعة حاضرة دائماً لكن وجودها ليس مباشراً بل يأتي تلميحاً أو تجريداً لونياً يذكرك بالبحر تارة وباليابسة تارة ليكسر مفهوم اللوحة كمسطح تقليدي فهو يلون مساحاته وكأن اللون أعمدة تنحني وتنبسط وتتمرد محملة بمتعة إضافية وهو نفسه دائماً يستغل طاقاته الفنية في النهايات المنتصرة ..

117-samar3

كانتظار لايأتي في داخل هذا المضمون المتناقض والمستقل بذاته يوزع محمود الخطوط بدرجة عالية من الجدة فهو موزون وحركي في أن .لا يتبع قالبا خاصاً ولا تحدياً في انكشاف البيان إنما أخذاً برموزه التي تتواصل بالارتباط الحر عبر مناخ تكاملي يستعيد أسئلة العقل فاللوحة عنده ليست بنية مسطحة أو منتهية بل هي بنية على بساطتها متشعبة تتجاوز الأحادية التعبيرية في رحلة معاكسة إلى حدائق وشموس الذات، لها طابعها ومذاقها الخاص وهي أيضاً بهذه الحالة ليست مرآة تعكس عالمه المرئي بل هو تعبير شديد الخصوصية يحكمه منطق تشكيلي داخلي يسقط انفعالاته على اللوحة في توزيع خاص لكتلته اللونية بتكنيك وانسجام يتحاور مع التقاطعات الحسية الرفيعة لديه والتي لا توالي الاهتمام لمعنى الاندماج اللوني المستخدم فحسب بل لتشكيل القيمة المجردة أيضا كقطيع صخور معاند يميل إليك، الصدى .كل ذلك

 وهو متمترس خلف انجازاته المكثفة المتلاحقة لايبتغي نقل رسالة ذات مغزى مباشر بل يسعى إلى أطلاق الحان سماوية تقرأ بالبصيرة والقلب قبل أن تقرأ بالعين تؤديها ألوانه بكل هذه الرغبة المسكونة بهاجس البحث عن آماد تتسع لقدرته الفنية دون المساس بكينونته وخصائصه تحقيقاً لمنجزه الفني الناهض بأحلام واعدة بتجليات الروح تحت وطأة ماتعانيه،

لنغدو شاهدين دون أحكام تالفة او منجزة، وهو يراكم لنوع من الحوار داخل أحاسيسنا ومخيلتنا التي تشعر بأنها معنية بالتدخل بتفاصيل الخلق اللوني رغم أنه غير صادر عنها كأنما كل ذلك ليرصد من خلالنا مجموعة أحلام ليست محددة بالزمن ..ولكنه يحتاج أزمنتها

يريد ذلك ليقول بأن اللوحة لديه قارة مجهولة قيد التجسيد تطالب بأوان اكتشافها.