"اذا لم تكن صانعا للجمال فلا تكن منتجاً للقبح"

 إذا كانت العمارة هي منظومة للاتصالات والتفاهم تنتقل فيها المعلومات من باعث يتمثل بالمصمم إلى متلق يؤدي دور المفسر كائناً من يكون ؛أما "التفسير" فيقصد به هنا "النقد" أو "المعنى" .([1]) فلا شكّ أنّ لهذه المنظومة مرجعيّات تظهر تحولاتها وما يصيبها من تجديد وبخاصة ونحن نعيش ارهاصات عديدة في ظل خطاب ما بعد الحداثة([2]) لقد غيّرت من القوالب الجاهزة وبعثرت القواعد والقوانين و الأنظمة التي تبني الخطابات الفكريّة والفنيّة والعلميّة أيضاً .هذه الخطابات هي خطابات الفنانين والعلماء والمفكرين والمثقفين .([3])،ولعل هذا يظهر في رفضها الخطابات الذهنيّة والأخلاقيّة و السياسيّة والاجتماعيّة نفسها على كل المجتمعات "فالحكايات الكبرى " لم تكن تعتقد بشيء سوى أنّ الذات المستقلة، ومن هذا انتجت مركزيّة الأنا (الإحساس بقيمتها ) وعنه نجحت أنظمة كليانيّة، أرادت أن تخضع الكل لنظامها .([4]) وبالآتي كان مفهوم ما بعد الحداثة هو بمثابة الحقل الفكري والفلسفي الذي عمل على نقد المذاهب الفكريّة في المشروع الغربي .([5]) ؛ لكن يبقى من الضرورة التأكيد على إنّ المشاعر التي ينقلها المعماري، ليست هي المشاعر التي ينقلها الأديب، أو المسرحي، أو الموسيقي، أو الشاعر، إنّها مشاعر لها لون خاص ؛لأنّها تتعلق بمعاني الأشكال المعماريّة التي يصممها المعماري، و لذلك فإنّ لغته التي يعبر بها تتعلق بعلاقات تلك الأشكال ببعضها، و بين العناصر و محيطها، حينما تتآلف في وحدة معبرة تحمل مشاعر المعماري .فقد ظهرت تحولات مهمة في فن العمارة لما بعد الحداثة والتي يمكن أن نجد لها مقدمات كما جاءت به "جماليات المستقبليات" في العمارة إذ هيمن على تلك المدرسة رهان " جمال السرعة " ولعل هذا ما أشار اليه الايطالي فيليبو توماس مارينيتي (1876-1944م) من خلال بيانه في صحيفة لوفيجارو الفرنسيّة عام 1909م؛ ليبشر بولادة فن المستقبل ونهاية الماضي.( الحركة المستقبليّة – مجلة الكلمة ) ([6]) يبدو أن هناك انبثاق لخطاب جمالي جديد يحاول أن يخلق قطيعة مع ذائقة وحركة الماضي ويبشِر بشيء جديد فهو يتخذ من تجميع العنف الى جانب الجمال وإرادة التدمير والحرب آليّة في ازاحة الآخر وتشيِد جماليّات القوة والسرعة .

لكن تبقى جماليات "التفكيكيّة في العمارة "اذ عرفت إحدى الفلسفات التي مثّلت ما بعد الحداثة، فالتفكيك يشترك مع المستقبليّات في موقفه من التراث الغربي وبخاصة نقد التمركز العقلي، داعيا إلى دور حر للغة بوصفها متتاليّة لا نهائيّة من اختلافات المعنى ؛لهذا لم يقتصر أثره في الفكر الفلسفي، بل امتدّ إلى النقد الأدبي ([7])؛ لكن من أهم مقومات التفكيك هو الاختلاف وهو مشتق (différence) من الصيغة الأولى ذات الدلالة المكانيّة أساسا، أما الصيغة الثانيّة ذات الدلالة الزمانيّة، فقد اشتق منها مصدر جديد لا عهد للغة الفرنسيّة به، هو الإرجاء أو التأجيل أو الاختلاف .([8])،ولعل هذا الموقف المنفتح على المستقبل وخلق أفق للمستقبل تجلّى في جماليات العمارة، اذ ظهر في نهاية الربع الأخير من القرن العشرين تيار معماري و فني و تصميمي خلق فضاءً للإبداع والابتكار في حريّة الشكل.(([9]) علماً أنّه جاء بوصفه رد ة فعل صارمة على حركة الحداثة (Eclectism) التصميم و الانتقائيّة معناه، من بعض الوجوه، في مجال النقد الأدبي والعلوم الاجتماعيّة( ([10]) اذ كانت حالة إبداعيّة تتجه إلى آفاق جديدة من الأشكال المستحدثة، تعرض ما هو غريب بأسلوب صادم من التكسير والتجزئة. تعتمد العمارة التفكيكيّة على المبالغة في التشكيلات الغريبة،والتي تؤدي إلى عدم القدرة على التعرف على هويّة المبنى كما تعتمد على عدم التعبير عن الإنشاء والذي قد يصل إلى صعوبة التعرف على العلاقات الانشائيّة التي تحكم التكوين نظراً؛ لعدم التفاتها للمشاهد،وعدم مراعاة الظروف البيئيّة وعدم انتمائها للمكان الذى تقع فيه وإن كانت هذه المباني تعبِر عن الظروف الاقتصاديّة والفكريّة لهذا العصر. ([11]) ؛لكن تبقى عمارة ما بعد الحداثة تتضمن أشكالاً معماريّة حديثة و بلُغة شكليّة تحمل دلالات رمزيّة مبالغ فيها مشوبة بالتناقضات كما تتضمن عمارة ما بعد الحداثة تيارات متعددة انتقل روادها من تيار إلى آخر، الأمر الذي أدى إلى غموض معناها إلى إثارة الجدل من حولها. ولعل هذا يمكن رصده بظواهر متنوعة منها: التناقض، و هذا ما يميز عمارة ما بعد الحداثة ؛فهي الحاضر الغائب، و هي الديناميكيّة التي تحرك المعماري بموضوعه إنّها الآليّة التي تدفع عمليّة الإبداع في المبدع، و حاولت تحقيق مصالحة بين العمارة و التاريخ، بين الزمان و التزّمن، و الوصف و التطور، هذا يأتي من الثبات في الحركة، و الحركة في الثبات، إنّ أساسها التسلسل الهرمي الذي يعطي عدة مستويات من المعاني من ضمن عناصر ذات قيم مختلفة، و بناءً على ذلك بالإمكان ضم عناصر تعد رديئة و جيدة معاً، كبيرة وصغيرة، و عمارة كهذه تضم مستويات متنوعة من المعاني تولد الغموض و التوتر والتناقضات. ([12])،وقد اصبحت على وفق تلك المرجعيات تتحرك في سيولة تتجاوز صلابة المدلولات الطبيعيّة والتعارضات التقليديّة ومن أمثلة ذلك، التباين بين شكل المبنى والأرض المقام عليها،التباين التقليدي بين الهيكل الإنشائي والزخارف .

هذا الارتحال من الفلسفة الى العمارة خلق أفقاً جمالياً جديداً منفتحاً على المستقبل وهو ما يعرف بعمارة " الديكونستركشن " التي أصبحت مركز نظريات الفن والعمارة في أمريكا في حقبة الثمانينات وهي الحقبة التي انتشر بها التفكيك أيضاً في تلك الثقافة أصبحت هي الاتجاه الأكاديمي الرسمي في بعض أقسام العمارة والأدب والفن في الجامعات الأمريكيّة، تدعو عمارة " الديكونستركشن" إلى هدم كل الأسس الهندسيّة الاقليدسيّة، تدعو إلى تفكيك المنشآت إلى أجزاء، تدعو إلى إعادة النظر في العلاقات سواء كانت الإنسانيّة أم العمرانيّة .لكن " الديكونستركشن " لا تعني الهدم كما يدل ظاهرها ويرى تشومي أن هناك (هدم ايجابي أو هدم أو إعادة بناء)، هي مرتبطة بفطرة الإنسان فالطفل يفكك اللعبة والراديو بشغف ؛ لمعرفة محتوياته وكيف يعمل من هنا يمكن إدراك أن " الديكونستركشن" من الغرائز الأساسيّة المبهجة للإنسان. 

يقول المفكر شارلز جنكز (Charles Jencks)، في كتابه ([13]) new modernsim وقد ناقش من خلال نظرياته في عمارة ما بعد الحداثة في كتبه ومنها " لغة ما بعد العمارة الحديثة" 1977) م)، مدعياً إن العمارة الحديثة تركِز على أشكال غير متكافئة مثل الزوايا القائمة والمباني المربعة في كثير من الأحيان تشبه مباني المكاتب. ومع ذلك، تركِز الهندسة المعماريّة لما بعد الحداثة على أشكال مشتقة من العقل والجسم وسياق المدينة، والطبيعة. وقد عرف " الديكونستركشن" بوصفه يمثل "عمارة التكسير واللا تماثل واللا اتساق،هي عمارة مليئة بالمفاجآت غيرالمتوقعة،تستعمل مفردات العمارة الكلاسيكيّة بصورة معكوسة أو مشوّهه،عمارة كلاسيكيّة وضد الكلاسيكيّة ." ([14])

وهو يشير أيضاً في تناول مميز الى أن الثقافة الحديثة تسعى إلى "البناء الأيقوني"،وهو ما يتجلى أكثر في تأويله:" إنّ "الدوال الغامضة" يمكن أن تستعمل بطريقة فعالة لدعم المعنى الأعمق للمبنى. "([15])

ظهرت فكرة عمارة ما بعد الحداثة لتقابل السلبيات، و كردّة فعل ما أحدثته عمارة الحداثة و نادت بالعودة التاريخيّة، وما خلفته العمارة الماضية باعتبارها ذات ارتباطات و تداعيات ضروريّة.أشارت الأدبيات إلى إنّ عمارة ما بعد الحداثة تحقق تخاطب الإنسان و تعبِر عن الانتماء و التواصل الحضاري.([16]) 

وهنا نجد أنّ أشكال العمارة سواء كانت المستقبليّة أم التفكيكيّة، على الرغم من الفروق الواضحة بينهما إلا إنهما اتفقا على شيء جوهري وهو الاختلاف والبعد ونقد كل ما هو تقليدي ومألوف .ومن أبرز الأفكار في هذا التيار التفكيكيّة المثير للجدل منحى لحالة استئصاليه ثنائيّة التوجه:العلاقة بين أشكال الإسقاط وبين الأشكال وسياقها العام، من خلال كبح جماح الانسيابيّة.تشويش وقطع دابر العلاقة بين الداخل والخارج.

وبغض النظر عن تلك القطيعة الحادثة بين الخارج وسياقه الداخلي؛ فإن التفكيكيّة تقوِض المسوغات المتعارف عليها بما يخص الانسجام والوحدة والاستقرار الظاهري .ولعل هذا ما قادها الى تحطيم الفروق بين الرسم والنحت وإعادة خلطها في بوتقة معماريّة، ويمكن تلمس الاتجاه الوظيفي فيها ..؛ ولكنه ينحصر في القيمة التعبيريّة للإنشاء، فقد نبذت حالات الزخرف، وانحصرت القيمة الجماليّة للمبنى بما تبديه العلاقات الشكليّة للحجوم والكتل والفراغات كما تبرزُها المعطيات الإنشائيّة.

فضلاً عن استعمال خامات جديدة كـ(المعدن والزجاج واللدائن)؛ لكي تتبع فكرة تعبر عن الحياة بالهيأة التي يشكلها العلم.     

((تعتبر درب من العمارة موازياً لعمارة ما بعد الحداثة فى أنهما يتجها الى التعقيد والتجزئة في الكتلة بجانب التلاعب في الأسطح الخارجيّة او الغلاف الخارجي للمبني في مقابل البساطة التي كانت تتميز بها الحداثة. مما يحول السطح الى إشكال يصعب تمييزُها ويعطي إحساس أن العناصر المعماريّة للكتل خارجة عن مكانها المألوف فمعظم معمارين التفكيكيّة يستخدمون الغلاف "envelop" و هو ما يري من الخارج و لا يؤثر في الهيكل الداخلي و يصعب التنبؤ بتوجيه الشكل أو ببدايتة ونهايتة و التشكيل في الكتلة يعتبر فوضى متحكم بها )). ([17])

وقد أخذ في بعض شطحاته مع التكعيبيّة والتراكب القطري،ولاسيما بالنسبة للأشكال المستطيلة والأشكال شبه المنحرفة، والسطوح أو المقاطع المتعرجة .

أمّا أهم روادها فهم: (زُها حديد،وفرانك جيري،وغونتر بينش، وبيتر ايزنمان،بيرنارد تشومي، وريم كولهاس)

الأعمال المعماريّة لدى زُها حديد

حياتها: زُها حديد هي معماريّة عراقيّة، وُلدت في بغداد في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1950م.. وظلت زُها تدرس في مدارس بغداد حتى انتهائها من دراستها الثانويّة، وحصلت على شهادة الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأميركيّة في بيروت 1971م، ولها شهرة واسعة في الأوساط المعماريّة الغربيّة، وحاصلة على وسام التقدير من الملكة البريطانيّة، ولقد تخرجت عام 1977 م من الجمعيّة المعماريّة آي آي بلندن،وعملت كمعيدة في كليّة العمارة 1987م، وانتظمت كأستاذة زائرة في عدة جامعات في دول أوروبا وأمريكا منها هارفرد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل.

2- أعمالها: لقد تجلّت أشكال الابداع المستقبليّة عندها في اعمالها التي راعت بها المقومات المستقبليّة الجديدة على الرغم من أنه يقال عنها- بحسب الأبحاث – بالتزامها المدرسة التفكيكيّة في كونها كانت " تهتم بالنمط والأسلوب الحديث في التصميم" إلا إن اعمالها ايضا تصنّف من ضمن المستقبليّة الجديدة في العمارة إذ كانت قد تأثّرت " تأثراً كبيراً بأعمال أوسكار نيمايير، وبخاصة إحساسه بالمساحة، فضلًا عن موهبته الفذة. ؛فأعماله كانت قد ألهمتها وشجعتها على إبداع أسلوبها الخاص، مقتديّة ببحثه عن الانسيابيّة في كل الأشكال "

" إنها كانت تستعمل الحديد في تصاميمها فهو يتحمّل درجات كبيرة من أحمال الشد والضغط، مما مكَّنها من تنفيذ تشكيلات حرّة وجريئة. كما تميزت أيضاً بأعمالها المعماريّة ذات الكمونيّة في الطاقة، فضلاً عن عراقة أعمالها وأصالتها، من خلال الديناميكيّة العاليّة. وقد أدّت حديد دوراً فعالاً في تغيير مفهوم العمارة في العالم. "

فهذه الحريّة والانسيابيّة يضاف إليها المتانة التي يوفرها الحديد، وقد تجلّت في أعمالها إذ نفذت 950 مشروعاً في 44 دولة. وتميزت أعمالها بالخيال. وهذا ما ظهر في الاعمال:

أولاً: مشاريع محطة إطفاء الحريق في ألمانيا عام 1993م،

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/0/06/VitraFireStation-pjt1.jpg/220px-VitraFireStation-pjt1.jpg" />

كانت فرصة ذهبيّة نالتها "زُها حديد"، على الرغم من المواقف النقديّة لهذا التصميم ؛لأنه كان يكسر الوقع بالمقارنة مع المباني التقليديّة،وقد وصفت زها تصميمها بالقول:" يعمل مبنانا مثل الطربوش، يغطي الموقع ويعطيه تعريفاً. ولكن عندما تتحرك خلال المبنى، فإنه يبدو كما لو كان جهاز عرض. لقد تم تصميمه؛ لكي تدرك التغيرات الفراغيّة والحسيّة بالكامل بينما تتحرك عبر المناطق المختلفة للحيز"

ثانياً: مشاريع محطة إطفاء الحريق في سينسياتي الأميركية عام2003 م:

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/6/6e/Contemp_Art_Center.JPG/220px-Contemp_Art_Center.JPG" />

 

مركز روزنثال للفن المعاصر عام 1993 م، وهو مركز ثقافي وهذا يجعل منه موقع صاحب رمزيّة، وقد فازت حديد في مسابقة لتصميم المبنى الجديد للمركز، وعُدَّ تصميم هذا المبنى من أول التصاميم فهو لم يكن معهوداً في ذلك الزمان، وقد لاقى انتقاداً واسع النطاق، إلا أنه في نهايّة الأمر قد تم اعتماده، وقد اكتمل إنشاءه عام 2003م.

يُوحي المبنى من الخارج بأنه عبارة عن بناء تقليدي، فهو عبارة عن بناء يتكون من ستة طوابق إضافيّة للقبو، من ضمن تقاطع في مركز مدينة سينسيناتي. وهو مبنى ذو لون أبيض مائل للرمادي ومنتصفه ذو لون أسود مع بروزه قليلاً؛ لتحسبه وكأنه قطعة معلّقة غير متصلة بالمركز ومستقلة بذاتها.. وتتشابك أجنحة العرض مثل القطع المخرمة الثلاثيّة الأبعاد المصنوعة من المصمت والمفرغ. تتميز قاعات العروض بأنها ذات أحجام متعددة وأشكال مختلفة، بأسقف ونوافذ زجاجيّة تظفي نوعاً من الجمال الفني، الذي يسمح باختراق الأضواء لها ليلاً..

في هذه الأعمال المميزة وفي غيرها " لعبت حديد دوراً فعالاً في تغيير مفهوم العمارة في العالم. وأسهمت حديد في خلق عالم أفضل عبر تصاميمها الراقية للأبنية، وقد عدت تصاميمها فريدة من نوعها، وكأنها تنتمي إلى عالمِ الخيال في كوكب آخر".

"وكانت حديد ترى أن تصاميمها تتفاعل مع المدينة،وتمنح الناس مكاناً يتواصلون فيه، إذ قالت إن المتابعين لأعمالي يعرفون أن خلق أماكن عامة يمكن للناس استعمالها بحريّة، كما تسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة. وما ميز هذه التصاميم أنها اتخذت اتجاهاً معمارياً واضحاً يتكئ على خلفيّة فنيّة وفلسفيّة؛ لذلك فكانت تجنح لما هو تخييلي وتجريدي" ؛ولهذا عرفت عمارتها بحسب " جينكز لعمارة " التجريد الديناميكي. ولعل هذا ما ظهر في مشاريعها إذ أنجزت زُها العديد من المشاريع التي أوصلتها بجدارة إلى الساحة العالميّة، وقد فازت في مسابقات معماريّة عديدة.

إن من أهم ملامح هذه الاعمال وغيرها أنها كانت تتمسك بتلك الملامح التي جاءت بها التفكيكيّة ومن قبلها المستقبليّة ؛ فهي تسهم في تقويض التجنيس الذي وجدناه في الآداب، وهو ما نجده في الأعمال التفكيكيّة عند زُها حديد؛ فهي تخلق تداخل بين النحت والرسم في تصاميمها المعماريّة التي هي بمثابة بوتقة صهرت بها تلك الفنون، ثم إننا نلمس تجليات الخطاب المعماري في: (الأشكال، والحجوم والكتل والفراغات) ؛ فقد اعتمدت في اظهار تصاميمها الخلّاقة على توظيف وجدناه من قبل عند النماذج التي طرحتها العمارة التفكيكيّة في توظيف المعادن (كالحديد ) فضلاً عن توظيف الزجاج واللدائن ؛ لكي تتبع فكرة تعبِر عن الحياة في الهيأة التي يشكلها العلم. وقد انعكست تلك الآليّة والرؤية عبر التعبير الملموس في أعمال زُها حديد في التعبير الحر والمرونة في التشكيل الذي أظهر تصاميم تعبِر عن خطاب جمالي يوجد داخله الزخرفة، في جماليات جديدة تخلق قطيعة مع جماليات الحداثة، اذ اشتملت تلك الأعمال الملهمة على تصاميم تحتوي الوظيفة المنشودة منها،وقد مزجتها بشفافيّة عاليّة .في تعبيراتها التي اتسمت بالانسيابيّة .

الجوائز:

نالت العديد من الجوائز الرفيعة والميداليات والألقاب الشرفيّة في فنون العمارة، وكانت من أوائل النساء اللواتي نلن جائزة بريتزكر في الهندسة المعماريّة عام 2004م، ؛ وجائزة ستيرلينج في مناسبتين؛ وحازت وسام الإمبراطوريّة البريطانيّة والوسام الإمبراطوري الياباني عام 2012م.

وحازت على الميداليّة الذهبيّة الملكيّة من ضمن جائزة ريبا للفنون الهندسيّة عام 2016م، لتصبح أول امرأة تحظى بها .وقد وصفَت بأنها أقوى مُهندسة في العالم، وكانت ترى أن مجال الهندسة المعماريّة ليس حكراًعلى الرجال فحسب، تُوفيت في 31 مارس عام 2016م عن عُمر ناهز 65 عاماً، إثر إصابتها بأزمة قلبيّة في إحدى مستشفيات ميامي بالولايات المتحدة.

تم -

 

د. عامر عبد زيد

..................

[1] خوان باباو بونتا، العمارة وتفسيرها دراسات للمنظومات التعبيرية في العمارة، ترجمة: إحسان فتحي، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1996م، ص7.

[2] تتركب ما بعد الحداثة من لفظتين ما بعد و الحداثة يبدو ضروريا الوقوف على مفهوم الحداثة الذي يدخل في الجذر التكويني لمصطلح ما بعد الحداثة .

[3] جان فرانسوا ليوتار، في معنى ما بعد الحداثة، ترجمة وتعليق السعيد لبيب، المركز الثقافي العربي،ط1، بيروت، 2016م، ص8.

[4] نفس المصدر،ص20.

[5] ليندا هتشيون، سياسة مابعد الحداثة، ترجمة، حيدر حاج اسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2009م، ص102.

[6] عبد الكريم سليم علي، الحركة المستقبلية: جدلية العلاقة بين الفن والسلطة، مجلة الكلمة: http://www.alkalimah.net/articles?IssueID=154&TypeID=2

[7] عبد الله إبراهيم، التفكيك، الأصول و المقولات، سلسلة عيون، الدار البيضاء، 1990م، ص27.

[8] يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح، في الخطاب النقدي العربي الجديد، منشورات الاختلاف،ط1، بيروت، 2008م، ص360.

[9] Nouveau Larousse encyclopédique dictionnaire en 2 volume, larousse, vuef edition, Paris, 2003,2003,p

[10] عبد الوهاب المسيدي و فتحي التريكي، الحداثة و ما بعد الحداثة، آفاق معرفة معتمدة، دار الفكر، دمشق، 2003 م،ص 81

[11] https://ar.wikipedia.org/wiki

[12].Robert venturi, de la l'ambiguité en Architecture, Dunod, Paris, 1999,1999,p40-

[13] تشارلز ألكسندر جينكس (ولد في 21 يونيو 1939م) هو المنظر الثقافي، ومصمم المناظر الطبيعية، والمؤرخ المعماري، والمؤسس المشارك لمراكز الرعاية للسرطان ماغي. وقد نشر أكثر من ثلاثين كتابا وأصبح مشهورا في 1980م كما نظر لما بعد الحداثة . في السنوات الأخيرة خصصت جينكس الوقت لتصميم البنية الأرضيّة، وبخاصة في اسكتلندا. وتشمل هذه المناظر الطبيعية حديقة التكهنات الكونية وجوبيتر أرتلاند خارج إدنبرة. مشروعه المستمر "الكراك متعددة"، بتكليف من دوق بوكليوتش، افتتح في عام 2015 م،وبالقرب من سانكوهار في اسكتلندا.

[14] Jencks Charles, Architecture Today, Academy Editions, London, 1988.

Jencks charles, The language of post modern architecture, Academy editions,London ,1984.

[15] https://en.wikipedia.org/wiki/Charles_Jencks

[16] Broadbent, Geoffrey, Emerging concepts in urban space desingn, van nostrand reinhold, London, 1990,1990,p81.

[17] https://ar.wikipedia.org/wiki

 

575 مكي عمرانمكي عُمران فنان تشكيلي من مدين الحلة ببابل مواليد (1961). حصل على (البكالوريوس) عام 1983. وقد حصل على (الماجستير) عام 1989، وأكمل (الدكتوراه) عام 2000.

ـ عضو نقابة الفنانين العراقيين وجمعية التشكيليين وعضو رابطة الفنانين التشكيليين الدوليين عام 1998، ومؤسس جمعية الفن البيئي عام 2005، ورئيس تحرير مجلة (نابو) للبحوث والدراسات الجمالية التي تُصدرها كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل، وهو حالياً أستاذ الفن التشكيلي بكليفة الفنون بجامعة بابل.

ـ أسس منبر إبداعنا لنقابة فناني بابل، وأقام 17 معرضاً شخصياً في العراق وخارجه في العراق وأوربا.

شارك مكي عُمران في معارض عدَة منها:

ـ له معرض شخصي في قاعة حوار ببغداد عام 1995.

ـ وله معرض شخصي على قاعة الأندى بعمان عام2001، من أهم لوحاته فيه كانت لوحته المُسماة (المرحلة السومرية)..

ـ شارك بمعرض شخصي في السُليمانية على قاعة (سردم) عام 2014، بلوحات: (أطفال وأضاحي) و(عيون أتعبها رمد الانتظار) و(انعتاق، متى الخلاص ياوطني) و(أضاحي).

ـ أُقتنيت لوحاته ي العديد من دول العالم منها: فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وكندا، وأمريكا، والأردن، والبحرين، والسعودية.

72 مكي عمران 1

مكي عُمران فنان من طراز خاص، لا يستنسخ تجربة ولا يستنهض أنموذجاً في التشكيل ليُعيد ترميمه، إنما هو يُنتج تشكيله الخاص، فلا تجده مرمياً في أحضان مدرسة تشكيلية مُعينة، ولا يقبل التصنيف: انطاباعي أو تجريدي أو تعبيري أو ضمن (البوب آرت)، هو نحلة تتحرك بشتى الجهات تمتص جمال اللون من أي مدرسة شاءت، لتنتج لنا تشكيلاً أخَاذاً عسله له طعم تراث الأقدمين وحضارتي سومر وبابل وهو وريث سلالتها، ولا يكفيه امتصاص رحيق ورد التراث لأنه شغوف بالمُعاصرة، فيخلط ما استلهمه من هذا التراث ليخلطه بممستخلص نتاج المُعاصرة وتلوين فنانيها ليصبه عسلاً بطعم فيه المُعاش بتلوين جمالي مُبهر، والإبهار عنده لا يعني الهيام أو التمتع بالفرح، إنما هو كشف وتعرية لمكامن الألم. فالمُتعة ليست في تلقي العمل الفني بوصفه موضوعاً للمُتعة التي تُردف الفرح، بل هو إبهار ودهشة حينما يكون في العمل كشف عن مكامن الألم عبر التشكيل اللوني.

72 مكي عمران 2

اللون والتشكيل لعبته الأثيرة، فهو سليل حضارة النتاج الفني فيها سجية وطبع لكن الفن بطابعه الموروث يعتمد على تناغم التشكيل اللوني ومعمارية الجسد واتقان ترسيم تفاصيله، ولك في أسد بابل مثال يُحتذى وبوابة عشتار أمثلة في تقفية اللون وضبط تلوين المساحات داخل جسد اللوحة (بوابة عشتار) أو في تلوين ما في داخلها.

لم يتنكر مكي عُمران لبهاء النتاج التشكيلي والعُمراني لحضارة ورثت ريشته كثيراً من ترسيماتها وتخطيطاتها المُتقنة التي لا يُجيد اخراجها سوى فنان تكوياناته اللونية أصلها أعشاب بابلية فيها بقايا من عشبة الخلود التي قتلت كلكامش، ولكنها أحيته في التشكيل الفني والضمير الأخلاقي ونظرية الوجود في الفكر الفلسفي.

يصنع مكي عُمران لوحته خارج التصنيف الاجرائي لمدارس التشكيل، تُلامس ريشته اللون لتحرير الجسد داخل اللوحة.

يختار ألوانه بعناية، شغوف بالتداخل اللوني وكأنه يروم مُداعبة فُرشاته لترسم لنا مرةبعشق للون واحد يخترقه نقاء اللون الأبيض بتداخله مع لون الجسد بحُمرة أخاذة فيها تدليل وتأويل لتبني فضاء الحُرية في اللوحة ساعة غيابه في حياتنا.

72 مكي عمران 3

يرسم وجوهنا الحالمة كما الأطفال نعشق تداخل الألوان ببهائها حين عناقها من النقاء الذي يُمثله اللون الأبيض الذي يشي لنا من خلاله عُمران عن أمل نبحث عنه في تعدد أشكال الوجوه الحالمة بغدٍ أفضل تُعبر عنها بعض تشكيلات لوحاته التي خطتها ريشت فنان يرنو للجمال في بلدٍ لطالما كان الحُزن نغمه الأثير وصوت نايه الشجي.

لوحات عُمران يلعب اللون الأبيض فيها دور رُبَان السفين في الحفاظ على نسق الجمال في القيادة الفنية للألوان، أو ربما يكون هو اللازمة للقصيدة للُحافظة على (رتم) الجمال فيها وإن اتسم هذا (الرتم) بالتكرار، أو هو كما الجُملة الموسيقية التي تحكم (دولاب) اللحن أو تحولاته في الأغنية.

لقد كان ولا زال حال اللون الأبيض في لوحات عُمران كحال (قائد الأوركسترا) الذي نظن أنه يُحرك يديه ذات اليمين وذات الشمال وأعلى وتحت من دون وعي لدوره وبعض منَا يرى أن لا دور له ويُمكن الاستغناء عنه، ولكن ما لا نعلمه أن (قائد الأوركسترا) هذا يضبط أداء الموسيقيين لـ "اللحن" ويُحافظ على النزام في توزيع المهمات بين الموسيقيين وتوزيع الأدوار لهم في عزف الجملة الموسيقية.

وتلك هي مهمة اللون الأبيض في لوحات عُمران، فكلما كان التداخل اللوني زاخرٌ في كثير من لوحاته ستجد عُمران يُمزاج ألوانه بتعدد مداليلها بالأبيض الذي يحكم به جمال التعبير التشكيلي ومحاولته ردم فجوات الألم في تلقينا لأعماله.

72 مكي عمران 4

تكثر البقع الداكنة في لوحاته للتعبير عن حجم المُعانات، ولكنه لا يستكين للألم لتجده يُبدل ريشة رسم الألم بريشته التي تكتنزها روحه الحالمة بغدٍ أبهى ليُحيط بُقع العُتمة باضاءات روحية نابعة من حُبه للحياة وعشقه لها، ليكون اللون الأخضر البهي يزرع فينا الحُلم، والأزرق ليكون مُعبراً عن صفاء السماء فلا زُرقة فيه يُحيق بها نزوعنا للحُزن، إنما هي زُرقة يطويها اللون الأبيض بحثاً عن نقاء الروح، أو زُرقة يتداخل معها عطايا اللون الأحمر بتوهجهه المُضيء وكأنه الشمس باشراقها.

الجسد في لوحات عُمران إعادة تشكيل لرؤيتنا له خارج المألوف من حياتنا. وجوه ناظرة نظرة وإن غيَر طريقة رسمها كما المعهود، فهي وجوه تتعدد تشكيلات حضورها في اللوحة، ولكن الأبهى والأكثر حضوراً هي الوجوه الباحثة عن قيم الجمال ليعلو بهاء رسمه لها داخل فضاء اللوحة على وجوه عابسة قزَم وجودها عُمران في فضاء لوحته انتصاراً للحياة والجمال.

لم ينس الطفولة في لوحاته وفي بعض نتاجه تقارب مع نتاج (د.عاصم عبدالأمير) زميله وصديقه ومواطنه.

الطفولة في تشكيل مكي عُمران عنوان التأصيل والوصل، بل وعنوان العودة للذات في نزعاتها اللامسؤولة عن قهر السنين بقدر ما فيها من تأكيد على قيمة المُعطى الجمالي المُستوحى من رؤية التكوين البشري في برائته.

 

د. علي المرهج

 

577 شاكر حسنتابيس وشاكر حسن: تأثر الفنان العراقي شاكر حسن بالفنان المفاهيمي انتونيو تابيس 1923 وقلده في الاتجاه الصوفي والتأمل العقلي وكذلك في التقنية والاسلوب، حيث استخدم اسلوب التجريد والاختزال والتركيز على الرمز متماشيا مع نظرية التأمل، والرسم بعفوية الاطفال وادخال الحرف الى سطح اللوحة كما هي عند تابيس . كما كان شاكر يؤمن بدور العقل اللاواعي في عملية التكامل الذهني اي يؤمن بالمدرسة السريالية .. يقول شاكر

(الرؤية السريالية هي في صميمها رؤية انسانية لانها ترى الشعور هو الشكل الصادق للكيان البشري ولكن الشكل الصادق له اقتران التعبير بطبقاته التحتيه اللاشعورية او العقل الباطن ..) 

و يقول احد منظري السريالية وهو ماركس ارنست ان هدف الفنان السريالي ليس هو ان يخلق نوع من الصلة الودية بينه وبين اللاوعي، بل ان هدفه هو ان يحطم السدود الفيزيقية والسيكولوجية معا بين الوعي واللاوعي ثم يخلق حقيقة اسمى حيث يمتزج الحقيقي وغير الحقيقي، التفكر والعمل .

ومن هنا نرى ان رؤية الاستاذ شاكر حسن تتطابق مع رؤية وافكار رواد الحركة السريالية وان التعبير الصادق والحقيقة السامية تأتي من امتزاج او اتحاد الشعور الواعي مع اللاشعور او من العقل الواعي واللاواعي . كما يقول شاكر:

(اما الرؤية التأملية فترى ان الشعور الانساني بما هو عليه كشعور موجب ازاء الكون يثلب (ينقص) باستمرار الوجود الحقيقي له، لانه لا يكفي للتعبير عن حقيقة الوجود المكاني والزماني معا، الا انه يمكن ان يكون شعورا مثمرا اذا ما اصبح متفانيا بالكون بمجرد ان يستحيل الى وجود سلبي ..)

من خلال هذا النص يدخل شاكر في عالم الصوفية وانطلاق النفس نحو الكون والفناء فيه وحديث الروح للروح، فالانسان بما هو انسان ايجابي متفاعل ومبدع في الحياة، وان هذا لا يكفي الا اذا اصبح متفانيا في عالم الكون اي ان يفني نفسه او روحه ويمتزج في عالم الارواح والخلق، فاستحالته الى وجود سلبي يعني افتقاره ونقصه وحاجته الى ذلك الخالق العظيم ...

يقول الحلاج (انا اهوى ومن اهوى انا، نحن روحان حللنا بدنا) ويقول ابن عربي (انا الحق)

و بالتالي فان هذه الاقوال تشير الى الفناء والذوبان الروحي مع الخلق . وحسب التفسير الصوفي ان الله الحق عندما خلق الانسان من روحه اضفى عليه صفة الحق .

يقول شاكر (فاذا كان- المدهش- هو النموذج للسريالية فان المتفكر هو النموذج للانسان المتأمل او انسان البعد الواحد ..)

578 انتونيو تايس

صفصطة نظرية البعد الواحد:

يطرح لنا شاكر نظرية البعد الواحد ويصف الانسان المتأمل بالبعد الواحد، والبعد الواحد يعني النقطة . ويبدو ان شاكر حسن قد قرأ عن فلسفة الامام علي –ع- وانه اخذ مفهوم البعد الواحد منه، وشاكر ابن السماوة والبيئة التي تعج بالفكر الشيعي ومجالس الدين والخطباء . حيث يقول الامام علي (انا النقطة، انا الخط) (انا النقطة، تحت الباء) ويقول الرسول –ص- (خرجت الموجودات من تحت الباء) فالباء بصحنها الذي تدنوه النقطة والتي هي اساس كل حرف وكل خط مستقيم او حلزوني . وبالتالي فان النقطة هي الكون واختصار لآلاف بل ملايين الكائنات والمجرات بأمر الله واسمه والخاضعة لجبروته . ومن هنا تكمن اهمية حرف الباء في البسملة – بسم الله الرحمن الرحيم – لانه هو ما يجر الاسم الاعظم ويشير اليه، فالباء هي التي تشير الى المخلوقات والله الرحمن الرحيم هو الخالق . وهذه التفاسير تحتاج الى تأمل فلسفي . وليس من السهل فهمها الا اذا قرأ احدنا الفكر الصوفي .. (و بالمناسبة فان الجماعات الصوفية في شمال فريقيا تدعي بان الامام علي هو مؤسس الصوفية؟).

فالنقطة او الصفر هي رحم الوجود الذي يستوعب انطلاق كل الاشكال الهندسية والكتابات والكلمات، فهي سر العلوم والمعارف وسر الحياة كلها . واشار الامام علي الى سر نقطة الباء والتي تشير الى الكون والموجودات بأمر الله، فهو بذلك يشير الى الوحدة التي تجمل كل ما دون الله كشئ واحد حجمها كحجم النقطة عندما تكتب . ولهذا فان الباء التي تحتها النقطة اندرج فيها الكون كله . والنقطة هي اللامحدود في دورة الحياة، وتعبر عن الولادة، والموت، والنهاية والبداية . والنقطة او الصفر توضع في نهاية الكلام والجملة، كما انها تشير الى الصمت والسكون، وترمز ايضا الى النهاية ..

و بالتالي فان نظرية البعد الواحد لشاكر حسن هي مستنبطة من تلك المعاني الغيبية واسرار الكون والحياة وتلك المعاني الصوفية في الاندماج والفناء مع الخلق والخالق .

(و هذا المتأمل هو انسان يشعر بكيانه الكوني من خلال انسانيته عندما يجعل من سلبيته عنصرا جديدا للتوحد مع الخليقة جمعاء، فهو لا يعيش ذاته كايجابية ازاء سلبية العالم الخارجي بل يعيش ذاته كسلبية ازاء ايجابية نفس العالم ..)

هنا شاكر يشير الى مفردتين في فلسفته الصوفية وهما السلبي والايجابي ويبني عليهما مفهوما جديدا ويربط الانسان من خلالهما بالكون . فالسلبي هو الذي يتلقى الاختراق ويذوب في الآخر الاكثر منه سعة وطاقة وجمعا، وهو بالتالي يشعر بكيانه عندما يتوحد مع الخليقة . اما الايجابي فهو النافذ المخترق الذي يولج في الشئ او يدخل في الشئ وهو بالتالي مصدر قوة وفكر .

و لهذا فان الانسان لا يعيش بهذه الايجابية ازاء سلبية العالم، يعني اندماج وامتزاج وذوبان الخليقة بعضها ببعض اي لا يعيش وحده ذاتيا بل يعيش كسلبية فانية في هذا العالم المتحرك الايجابي الحي فالعالم هو سلبي وايجابي في نفس الوقت سلبي لان الخليقة جمعاء تفنى وتذوب بعضها في بعض وكل شئ يصبح جزءا من هذا الكون وايجابي لان الجمع يعطي قوة وحيوية ويكون مصدر فكر وتأمل . وهكذا انشغل شاكر حسن بالنقطة او البعد الواحد والفناء والتأمل وربط الفنان الانسان بالكون في خط صوفي عمودي بحت  وابتعد شيئا عن التشكيل ذو البعدين .... (والتكملة في الحلقة القادمة) .

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودرقي وتفوق الفن الاسلامي على الاوربي: يذكر الدكتور زكي محمد حسن بان ابن المقفع ترجم كتاب كليلة ودمنة الى العربية في القرن الثاني هجري (الثامن ميلادي) وجعله مصورا. كما ذكر انه عثر على اقدم التصاوير الاسلامية على الورق في اقليم الفيوم بمصر وهي الآن محفوظة في المكتبة الاهلية بمدينة فينا . وفيها تصاوير تعود الى القرنين الثالث والرابع هجري (التاسع والعاشر) . كذلك ما وجد في عدد من القصور التي شيدها الخلفاء الامويون منهم الوليد بن عبد الملك مثل قصير عمرة في الاردن من رسوم جدارية 94-97 هجرية .) 712– 715) م وكذلك ما وجد في قصر خربة المفجر في اريحا وينسب تشيده ايضا الى الوليد بن عبد الملك، وفيه لوحة جدارية فسيفسائية تمثل شجرة وغزالان يهاجمها اسد، وقد نفذت الشجرة والحيوانات بتدرج لوني لم يعرف من قبل، مما اعطى الاشكال صبغة طبيعية قريبة من الواقع واستعمل فيها الضوء والظلال باسلوب طبيعي واقعي وكان يشكل خروجا عن الاسلوبين البيزنطي والساساني اللذين كانا سائدين في ذلك الوقت . ونلاحظ هناك دقة في التشريح والالوان والتظليل مما يعطيها جمالية راقية في الاسلوب والاتقان .. واذا امعنا النظر في تواريخ هذه المخطوطات المصورة ورسوم الجدران نجد انها واقعة في عصر انتشار الفن البيزنطي وحرب- الايقونات – في اوربا . وقد تحدثنا عن ذلك سابقا . وبالتالي نجد ان تصوير المخطوطات وتزويقها وكذلك رسم الجداريات –الفريسكو – في المشرق قد فاق وتقدم على المصورين الغربيين بعدة قرون حتى ظهور شيمابوية وجيوتو . في القرن الثالث عشر م ..

و تعتبر تصاوير مخطوط مقامات محمد الحريري 1054 م، صورة ناصعة لحالة المجتمع الاسلامي في القرن السابع هجري (الثالث عشر م) ومثلا اعلى لمميزات ورقي مدرسة بغداد، وكانت تصاويره عبارة عن تسجيل وثائقي صادق عن حالة المجتمع الاسلامي في ذلك الوقت وتعكس مختلف طبقات المجتمع من حكام ورعية، وكذلك التدريس عند الفقهاء او الاطباء والتقاليد من زواج وولادة وخطب في الاسواق والمساجد وكذلك طرز العمارة وصور عن القوافل التجارية والخيل والجمال وغيرها .

و قد نسخ الكتاب وصوره يحيى الواسطي في 634هجرية / 1237 ميلادية ويحتوي على 99 تصويرة بحجم 37 في 20 سم وهو الآن في المكتبة الاهلية في باريس، وقد زرت المكتبة حوالي عام 1981 واطلعت على المخطوط وكان في حالة بائسة واوراقه متهترة تكاد ان تسقط وتنفرط منه .

569 الواسطي

مدرسة بغداد وفنون الغرب:

عندما نضع مقارنة بين رسوم الواسطي الذي يعتبر مؤسس مدرسة بغداد للتصوير ورسوم جيوتو الذي يمثل قمة تطور الفن الايطالي والاوربي في العصور الوسطى نجد هناك بعض الفروقات والاختلافات وكذلك التشابهات، ويمكن حصرها في عدد من النقاط :

1 – اكثر الرسامين المسلمين والعرب انصب عملهم في تزيين المخطوطات العلمية والادبية ولم يلتفتوا الى رسم الجداريات الكبيرة الا قليلا كما هو ظاهر في رسوم قصير عمرة في الاردن وقصر الجوسق في سامراء .. بينما اتجه شيمابوية وجيوتو وغيرهم الى رسم الجداريات الكبيرة على جدران الكنائس بطريقة الفسيفساء والفريسكو حيث اتخذت طابعا روائيا وتعليميا دينيا لعامة الناس الامية .. في الوقت الذي كانت رسوم المخطوطات العربية توضيحية وتزينية ومتعة وغير دينية .

2 – لا يعني ولا يهتم رسام مدرسة بغداد بعلم التشريح واحترام النسب عكس الفنان الغربي في العصور الوسطى حيث اهتم بعلم التشريح رغم ان البداية كانت متعثرة، وقد ابدع في التعبير عن العواطف والانفعالات .

568 giotto 8

3 – الفنان المسلم في مدرسة بغداد كان يشعر انه مراقب من قبل العلماء والفقهاء في مسألة تحريم الصور لهذا التجئ الى التحوير والتسطيح لسلب الاشكال الآدمية من التجسيد والواقعية التمثيلية او الطبيعية (وهذا الامر له حديث طويل وجدلي) . بينما الفنان الغربي لاقى تعضيدا ودعما كبيرا من قبل الكنيسة .. ويذكر قصة طريفة ان شيمابوية رسم لوحة جدارية كبيرة تمثل العذراء والمسيح –ع- وتحيط بهما الملائكة فزاره احد الامراء وازال الستار عن اللوحة وسط جماهير غفيرة من المؤمنين ثم بدأ الناس يشكلون طوابير كبيرة لمشاهدة اللوحة . كما عملوا احتفالية خاصة عرضت فيها رقصات وموسيقى فلكلورية ..

4 – لم يعتني المصورون المسلمون بعلم المنظور واتخذوا منظور الطائر سبيلا لهم ولهذا اعطوا اللوحة سطحا وبعدين ووزعوا عليه المشاهد والرسوم .. كما هو الحال في الفن الحديث المعاصر . بينما نجد الفنان جيوتو بدأ يطبق المنظور ولكن بشكل متواضع وغير متقن مما فتح الباب الى رسامي عصر النهضة لاكتشافه وتطبيقه في اعمالهم، ويذكر ان علم المنظور كشف عام 1436 من قبل الكاتب الايطالي ليون باتيستا البرتي .. ولكن بقى تصوير المخطوطات الغربية يشبه تصاوير المخطوطات العربية .

5 – كان مصوري مدرسة بغداد يتبعون في اساليبهم الموروث الفني من المصورين القداما ولكن الواسطي استطاع من تحريك الذهن والخيال من حيث رسم الاشكال الآدمية كما هي في الواقع مع التحوير القليل، كما نجد ملامح الوجوه متنوعة منها ما عليها سحنة عربية واخرى ايرانية ساسانية او سلجوقية، اما القامات فهي قصيرة والعيون جوزية والوجوه مدورة او بيضوية والانوف قصيرة وقلما نجدها معكوفة .. وبالتالي فان الاشكال الآدمية في رسوم مدرسة بغداد عبارة عن خبطة او خلطة من التأثيرات المختلفة المنابع .

6 – امتازت رسوم العصور الوسطى بوضع هالة خلف الشخصية المهمة في الصورة وكانت هذه المفردة معروفة في الفنون القديمة عند البوذية والمسيحية والفارسية والرافدية والمصرية وغيرها واستمرت في الرسوم الغربية والاسلامية على حد سواء الى عصور متأخرة ..

7 – صور الرسام الاسلامي الملابس وزينها بالزخارف المتنوعة من نباتية وهندسية والاحرف العربية، وعادة ما تكون الملابس فضفاضة والاردان عريضة وهي مسطحة وليس لها ظل او نور .. في الوقت نفسه نرى جيوتو يرسم الملابس ولها طيات ونور وظل متدرج من نفس اللون وليس فيها اي نوع من الزخارف والزركشة . ولهذا فان ما يميز مدرسة بغداد عن فنون الغرب هو هذه الغنائية الراقية في الالوان والايقاعات الجميلة في الخط الذي يحدد الاشكال وتلك البهجة والمتعة في تنوع الزخارف وبريقها وعطرها المنبثق من زخارفها النباتية المورقة والمزهرة. ولهذا نجد الفنان الفرنسي ماتيس قضى عدة سنوات يدرس الفن الاسلامي في بلاد المغرب، ثم اسس المدرسة الوحشية على قواعد الفن الاسلامي ... وبهذا المنحى يقول الاستاذ الدكتور عفيف بهنسي، من حقنا ان نطلق عليها اسم المدرسة العربية ؟؟؟

8 – اما الالوان فهي قوية وبراقة ومباشرة، وكان الفنان المسلم يهدف من ذلك التعويض عن القصور في ميدان التجسيم وعن التعبير عن المساحات والمسافات، وقد استخدموا جميع الالوان خاصة الذهبي .. وكانت الالوان عند جيوتو وبعض زعماء عصر النهضة مثل مايكل انجلو ورافائيل قوية ونقية ومباشرة ..

9 – كانت تصاوير مخطوط مقامات الحريري للواسطي تمتاز نوعا ما بواقعية تمثيلية ظهر ذلك في رسم الجمال والخيل كما نرى قوة تعبيرية في حركة قوافل الحيوانات ورسوم الاشخاص وتقاسيم الوجوه وتنظيم الالوان وعادة ما تكون تشكيلات هذه المشاهد متأتية من الواقع الذي يعيشه الفنان وحركة المجتمع وتقاليده وثقافته .. وفي نفس الوقت كان الرسام جيوتو قد خرج عن الفن البيزنطي الجامد واقترب من الاسلوب الطبيعي .. وبالتالي فيعتبر الاثنان الواسطي وجيوتو من طلائع المجددين لفن التصوير في العصور الوسطى ..

 

د. كاظم شمهود

 

70 صبيح كلشكثير من العناوين في الكتب والتاريخ القديم والحديث تحدثنا عن الاستبداد عبر عناوين واسماء مختلفة ومدعمة بالوثائق والصور التي تؤكد المعنى والدلالالة لمفهوم الاستبداد ولا تزال الذاكرة المعرفية تحتفظ بالكثير منها قديما وحديثاة وعلى الرغم من هذا فلا يزال البعض لم ولن يقتنع بالصور والوثائق /يشكك/ خاصة بعد ان تطورت وسائل الاتصال واصبح التزوير سمة العصرة و اصبح الاستبدا يحمل معنى ودلالالة اخرى كالحرية او القوة اواواصبح العالم مهدد بالفناء في اي لحظة استبدادية من هذا الطرف او غيرة هكذا اراد ويريد اصحاب السلطة و الجلالة والفخامة باستبدال المعنى والدلالة بمعنى ودلالالة اخرى اليس هذا هو الواقع الذي نعيشةتحت شعار الاستبداد اقصد الحرية والديمزقراطية وووالخ

كل هذ وغيره قد ادركة المتالق د. كلش وقدم لنا لوحة فنية بعنوان المستبد/ يخاطب فيها العقل والمنطق والحس والشعور واللاشعور في ان واحد بعيدا عن الاسماء والعناوين والجرافية والتاريخ والزمان والمكان اذ انها هلوسة وبصمة وفكر وعقل فلسفي وفني في ان واحد وترجمة حرفية لمعنى ودلالات الاستبداد عبر الالة السحرية التي تسمى الريشة واللون والخط والكتلة تحركها قوى فنتازية في الشعور واللاشعور وواقعية اكثر من الواقع ذاتةاذ انها فلسفة وفن عبر صورها العقلية والفنية ولهذا ة لا تضاهيها الكلمات والوثائق والصور من التعبير عن معنى الاستبداد بل انها تقف عاجزة امامهاا حتى وام كانت تلك الوثائق تختزن في ارقى المتاحف لاتها تخضع للعقل المبرمج بينما اراد د كلش تحرير العقل والمعرفة من الارادة التي تخظعها لمقوماتها والسمو بالعقل الى التامل اللارادي عبر الصراع ما بين ارادة الوجود وارادة الانسان عبر مفهوم ومعنى ودلالالة / المستبد او الاستبداد/

فعلا انها ملمحمة مصورة بريشة ساحر قلب الموازين لمعنى ودلالال الاستبداد / المستبد جماليا وفنيا بعيدا عن الجغرافية والتاريخ ولهذا يضعنا امام التامل والمراجعة الذاتية سواء كانت تلك المراحعة شعوريا او لا شعوريا وربما يقودنا التامل الفكري والجمالي / اللوحة / لمعنى الاستبداد/ منذ الخليقة كعصيان واستبداد ادم واستكبارة على خالقة او استبداد فرعون وتحدية الى نبي موسى ع تارة بالسحر وتارة بالفناء او استبداد قوم نوح او لوط مرورا بالزمنكاني والقصص والاساطير والخرافات والاسقاطات الشعورية واللاشعورية في العقل الواعي وغير الواعي مروراا بستالين وهتلر وموسليني وووواقعنا المعاصر المهدد بالفناء والانقراض وتحت شعار الاستبداد والقوة.

70 صبيح كلش

ولهذا اعتبراعتبر هذه اللوحة الابداعية ملحمة جمالية وفلسفية ة تجاوزت مفهوم الفن باعتبارة كوسيلة من وسائل الجمال لتصبح فلسفة وفن عبر التامل الميتافيزيقي والصور العقلية قبل الصور التخيلية ولهذا تجاوزت المعنى الضيق والغير مدرك لمفهوم الاستبداد / ضمن وحدة الصراع ما بين العقل والحس والتخيل فاذا كان المتذوق ينظر الى اللوحة ضمن منظور عقلي مثلا فانة فانة سيصف اللوحة بالفن الحميل عبر تدرجات اللون الاصفر والتدرجات الداكنة والباردة واشكال الموميات المختلفة ومدى تناسقها جماليا وفنيا ضمن وحدة الابعاد الثلاقة متناسيا البعد الرابع وهو الغائب الحاضر كما يقال والذي لم يحدثنا به د كلش بل تركة الى المتذوق واسقاطاتة الشعورية واللاشعورية والتامل في الماضي والحاضر والمستقبل ولربما كان المستقبل لدى كلش هو الاهم والمهم في نفس الوقت عبر مفهوم الباطن او الحدس والتي اعتبرها الفيلسوف شوبمهور /حقيقة عمياء لا عقل لها ولا تسعى الى هدف لان حوهرها الارادة/ اي بمعنى ان د كلش قد اعرنا عيناة للنظر الى العالم وما يحيطنا من خوف عبر شعار الاستبداد حتى لو كان هذا الاستبداد ذاتي لا نشعر به لانه مختزن في العقل اللاشعوري وما ان تتاح له الظروف حتى ينفجر كالبركان الهائح لانها خصلة متوارثة عبر الموروث او عبر المعرفة الناقصة ولهذا اتفق البشر على ان الاسد هو سيد الغابة لانه يمثل القوة والثعلب هو الماكر/ المتلاعب/ في العقول والطير حمامة السلام والغراب هو نذير شؤم لانه مرتط بقتل هابيل وووووالخ كل هذا نجدة في عمق اللوحة عبر ا شكال الموميات ومدى قدرة المتذوق في تحديد تلك الاشكال عبر الخيال والتخيل والممازجة ما بيم العقل والارادة او العقل والمخيلة والتي يطلق عليها الفيلسوف كانت / الجلال/ والتي لا تختلف عن عن الممازجة ما بين اللون الاصفر وتدرجاتة المرعبة والتي تذكرنا بقنبرة هيروشيما وتحت شعار المستبد او / الاستبداد وهذا ما سعى و يسعى الية الفنان د كلش لايصالة الى المتذوق عبر الحركة الذهنية للمتذوق سواء كانت تلك الحركة رياضية او ديناميكية اي تلك الحركة التي تنطلق من مفهوم الارادة او المعرفة ومدى انسحامها مع المخيلة لان الفن عند د كلش هو شكل من اشكال معرفة الواقع ولاا يمكن معرفة هذا الواقع الا عبر اشكال الوعي الاجتماعي والانساني ولهذا قد ابهر د كلش المتذوق بالالوان الحارة التي تحرق العقل قبل الشعور ولا ينطلق د كلش من مفهوم حسي فقط بل من خلال الممازجة بين العقل والمخيلة والحس والارادة وصولا الى اللذة الجمالية التي قد تكون عقلية او حسية او حدسية او فنتازية مثالية كما وصفها افلاطون عبر اشكال الجمال الذي يبدا بالشكل ولا بنتهي بالمعرفة قبل المرور بالجمال النفسي او الذاتي وصلا الى الخلود عبر الجدل الصاعد وما الاستبداد / او المستبد الا رغبات دنيئة عند الانسان يصورها البعض باشكال مختلفة ويحببونها للناس وهذا هو المضمون والشكل للوحة المستيد للفنان د كلش والذي تجاوز الفنتازيا بالواقع وتجاوز الواقع بالتامل وتجاوز التامل بالارادة بالسمو بالعقل الى التاءمل اللارادي

فاذا قال بعض بعض فلاسفة الحمال والفن بان الطبيعة تحتاج الى صناعة فقد قال د كلش في لوحة المستبد بان الواقع بحاجة الى التامل والسمو بالعقل الى مرتبة اخرى كي ندرك معنى ودلالة المستبد شكرا لك ايها المبدع والمتالق د. صبيح كلش لانك اعرتنا عينيك كي نرى الواقع ونتاءمل انفسنا اولا قبل ان نتحدث عن الاستبداد والمستبد.

 

د. طارق المالكي

 

جمال العتابيتوقف أحد النقاد التشكيليين أمام إحدى أعمال الفنان الفرنسي بول سيزان (1839-1906)، أحد كبار رواد الإنطباعية في الرسم، فكتب الناقد في دفتر زيارات المعرض: من المستحيل التسلق على أشجار سيزان، ومن المستحيل، لمس أجسامه، ولا يمكن أكل فاكهته، مشيراً بذلك الى انها تحويرات للطبيعة، وليست الطبيعة ذاتها. أي انها العالم الذي يبدعه الفنان، الكثير من الناس من لايستهويهم الفن الحديث، فذلك لأن لديهم ميل نحو الصور الإيضاحية، المباشرة، وما يطلبونه من الفن ليس إلا التسلية، أي العالم المقرر. بينما يذهب الفن الحديث في رحلته نحو الداخل في جعل حدود المرئي تتراجع الى ما لانهاية، ما دامت الأشياء الظاهرة ليست في حاجة إلى إكتشاف، فلابد للفن أن يبحث عما وراء الأشياء من أجل معالجة مسائل الداخل .

تساؤلات عديدة طرحها الكاتب (بل*) في كتابه (الفن) مترجماً عام 2013، والسؤال الاساس الذي يعالجه هو: ماالصفة التي تميز العمل الفني عن الأعمال العادية والأشياء الطبيعية؟ وللإجابة عن هذا السؤال يأخذ (بل) الفن التشكيلي كنموذج في تحليل طبيعة الفن .

كيف تكتشف هذه الصفة؟ أو بأية طريقة، أو منهج؟ السبيل لذلك هو التجربة، وبالتحديد هو (التجربة الجمالية)، هل بالإمكان أن أقول أو أحدد ما إذا كان هذا عملاً فنياً، إذا لم أختبره؟ أو ما يطلق عليه تسمية (الإنفعال الجمالي) .

هذا الإنفعال بتقديرنا هو نوع من العاطفة والتأمل، مع دور للخبرة الجمالية لدى المتلقي ليحسم الموقف لصالح الأثر الفني أو العكس، وهو دور يمثل الإستجابة الإنفعالية بدرجات، لأي شكل منظور أو موقف خارجي، ويعتمد على مقدار حساسية الفنان التي توصلنا الى مرتبة الشعور بالقيمة الجمالية في الطبيعة وما وراء الأشياء، وهكذا تصبح الرؤية ذات قيمة خاصة لما لها من صلة وطيدة بالحس والإنفعال وتوتر الداخل.

542 بول سيزان

لقد عبّر عن ذلك قبل قرون، الإمام السهروردي في إحدى تجلياته: الناس يقولون، إفتحوا عيونكم وإبصروا، وأنا أقول، إغمضوا عيونكم وإبصروا . انه يثير فينا إنفعالاً يتميز بالمتعة والإنفتاح الخيالي، ويحرك لدينا مشاعر إنسانية يصعب علينا تسميتها . وعلى هذا الأساس فالفنان لايضع الحلول لمعاني الأشياء، بل ليثيرها أمام المشاهد، ويفتح باب الحوارمعها، كما يقول الفنان الفرنسي ديكا (1917- 1834)، ولأن الفن ينتمي إلى الإنسان، ويجري مع نسوغ الحياة، فهو خاضع للتجربة، العين هي التي تأمر، لكنها ليست العين التي ترى السطح الخارجي للأشياء والوجوه، بل انها العدسة النفاذة التي تستطيع ان ترى ما خلف الخطوط، العدسة التي تسجل ما نرى من المدهشات اليومية بكيمياء غامضة، بروح الإندهاش أمام الحركة والألوان والعطور والأضواء، والفنان وإن أقصى الألم من إهتماماته وأعماله، فانه لايستثني الدعوة الى الفرح والى الحياة والإنفتاح، لابل الى التحليق .

ذلك لأن الحياة في نظر الفنان المبدع ليست حمقاء الى الحد الذي تبدو فيه حقيقية منذ الوهلة الأولى، بل انها مليئة بالرموز والألغاز، التي تتطلب لمعالجتها قدرة حلمية وتنبؤية لاحدود لها، وبقدر إلتحام الفنان بحركة الحياة، فهو مشارك لها في خياله، بحاسّة حادة تتجاوز الإعتيادي، فما من أحد نحت رائعة أو رسمها إلا في ضوء الخيال، فالفنانون العظام كلهم (رؤاة)، والنظر في أعمالهم، كرؤية الأحلام، كما يعبر عنها (ديكا) كذلك .

الرحلة في (الإنفعال الجمالي) تبدأ من هنا، حول مدار الرؤية إذ يمتد الزمن إلى أعماق الماضي، ويتنفس جسد العالم كل الظلمات المحبوسة وراء الأسوار، وينبع شعور سخي من الداخل، مفصحاً عن تجلياته وفيوضه الروحية الجديدة .

أنت تستطيع الإستمتاع بعمل فني خالد كـ (الموناليزا) للرسام الشهير (دافنشي) لأسباب معرفية أو أخلاقية أو تقنية، ويمنحك هذا الإستمتاع قدراً من الرضا، لكن هذا الرضا ليس جمالياً بالضرورة، التركيز على الوجه، إن كان تأملياً أو لطيفاً أو متواضعاً، يحبط إمكانية الخبرة الجمالية، ويصرف النظر عن البعد الجمالي للوحة، فإختبار اللوحة جمالياً يأتي من خلال التركيز على حبك الألوان والخطوط وتشابكها، فلو كانت غاية دافنشي محاكاة الواقع، لكان من الأفضل له ان يلجأ الى الكاميرا، فهي تعطي صورة أصدق للواقع من لوحة الفنان .

لم تكن اللوحة رسالة سياسية أو إجتماعية أو دينية، انها التعبير عن معنى إنساني معين، فالشكل الدال يعبر عن هذا المعنى، المتوهج ذاتياً وبإستمرار، منفتحاً على فردوس من الأسرار، خافت النبرات، متقد وعفوي اللمسة، يأتينا بوداعة طفل، منهلاً كغيمة ربيعية .

الموناليزا تبدو كنجمة طافية لألاءة، ما تفتأ حتى تبزغ في الأفق مرة آخرى، كما لو كانت لازمة نشيد أبدي التردد .

 

جمال العتابي

.......................

* كلايف بل :ناقد فني انكليزي (1964-1881)

 

69 Goya3rd3.fwالثالث من مايس عام 1808 هو عنوان لوحة الرسام الاسباني فرانسسكو گويا التي تخلد انتفاضة الشعب الاسباني ضد الاحتلال الفرنسي الذي قاده جيش نابليون من أجل تقسيم اسبانيا وابتلاعها وتأمين منفذ هام لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط.  كان گويا قد رسم هذه اللوحة بعد ست سنوات من ذلك التأريخ،  أي عام 1814 عند جلاء القوات الفرنسية من بلاده. وفيها أراد الفنان أن يصور بشاعة الحرب ووحشية سلطة الاحتلال. فعندما انتفض الشعب في مدريد في ذلك اليوم الذي اصبح عنوانا لعمله، انتشر جنود الاحتلال في كل ركن من المدينة واعتقلوا مئات المتظاهرين وكل من وقع عشوائيا بيد العسكر، حيث كان الأمر قد صدر من قائد الجيش المحتل وكان مفاده ان يتم اعدام المعتقلين جميعا. وهكذا فقبل فجر اليوم التالي اقتيدت مجاميع كثيرة من المتظاهرين ومن اعتقل معهم الى ساحات الإعدام خارج المدينة وتم رميهم بالرصاص بشكل جماعي وبدم بارد .

69 Goya3rd1.fw

حرص گويا ان يجعل السماء التي احتلت ثلث اللوحة مكللة بسواد الليل، وقسّم اللوحة انشائيا الى طرفين بمجموعتين من الشخوص، فرقة الإعدام على اليمين حيث يقف الجنود، الذين لانرى وجوههم ، كجدار حديدي وهم يشهرون بنادقهم الطويلة على مقربة من رؤوس المعتقلين. وفي الجانب الايسر من اللوحة يقف المعتقلون بوضعيات وتعابير مختلفة تصور رعب الانسان وهو يواجه الموت. وبين المجموعتين آثر الرسام ان يضع مصباحا كبيرا يبدد ظلمة الليل ويشرق بنوره على وجوه الضحايا خاصة الشاب ذي القميص الأبيض الذي يواجه الظلم والموت بشجاعة وتحدِ رافعا يديه الى السماء في وضع يشابه مشهد صلب المسيح. وقد ذهب كويا الى ابعد من ذلك فوضع أثر ثقب في راحة يده اليمنى يحاكي أثر مسمار الصلب الذي اخترق يد المسيح.

69 Goya3rd2.fw

يجمع اغلب نقاد الفن بأن هذه اللوحة بدأت عصرا جديدا من حيث الموضوع والأسلوب فألهمت عددا من الفنانين الكبارالذين رسموا تحفا فنية تاريخية لاحقة في موضوعات مشابهة عن نضال الشعوب واستبداد السلطات، فجاءت لوحة "الحرية تقود الشعب" لديلاكروا عام 1830،

69 Goya3rd4.fw

ولوحة "اعدام الامبراطور ماكسميلان" لمانيه عام 1868، ولوحتا بيكاسو "گورنيكا " عام 1937 و"مذبحة في كوريا" عام 1951، وتلتها آلاف اللوحات لفنانين آخرين عبر العالم منذ ذلك الوقت ولحد الان وهي تخلد نضال الشعوب من اجل الحرية والسلم والعدالة. 

69 Goya3rd5.fw

مصدق الحبيب

 

533 giotto 5كان الفنان جيوتو قد دفع بالفن الايطالي الى التألق والارتقاء وتفوقه على  الفن الاوربي واتصف اسلوبه بالواقعية التمثيلية وكان التبسيط واستخدام النور والظل المتدرج من نفس اللون خاصة في طيات الملابس ودراسة الاشكال تفصيليا كلها كانت تعتبر من مميزات اعماله، كذلك نلاحظ اهتمامه بدراسة الاشجار وتفاصيل اغصانها واوراقها . ولذا يرى بعض المؤرخين ان جيوتو قد اعاد الواقعية في رسم الاشياء رغم ان هناك ضعفا في التشريح للشكل او الجسم وكذلك في تشابه سحنات الوجوه وضعف في علم المنظور .. ولكن هذه النواقص تجعلنا نغض الطرف عنها نتيجة للواقعية والغنائية التي تطغي على اعماله وتجعلنا نتعاطف مع مواضيعه خاصة في جداريات كنيسة فرانثيسكو في مدينة آسيس Asis .

وكان جيوتو يعتبر الممهد الاول لظهور اسلوب عصر النهضة وتأثر به اساتذة ذلك العصر خاصة في المعالجات اللونية والشكل والتخطيط منهم مايكل انجلو. وقال فيه دافنشي (لقد ظهر جيوتو وصور ما رآه) وهي اشارة الى اسلوبه الواقعي التمثيلي وخروجه من الفن البيزنطي الرمزي والجامد . ولهذا فقد حمل جيوتو لواء المصوريين الايطاليين الطلائعيين في ذلك الوقت، وكان متعدد المواهب فكان مصورا ومثالا ومهندسا معماريا وراسماليا .. واعتبرت اعماله ثورة على الاوضاع الفنية السائدة في ذلك الوقت، كثورة الانطباعيين في القرن التاسع عشر على الاوضاع والتقاليد الفنية الكلاسيكية القديمة . فقد غير اتجاه الفن الايطالي برمته فرسم الكائنات الحية كما هي ويوم كان صبيا راعيا يرسم في اغنامه. فرسم الرجال والنساء والاطفال وبحركتهم وتعابيرهم الحياتية المختلفة واخرج الفن الايطالي الى النور والسرور .. وظل الفن في فلورنسا مائة عام بعد وفات جيوتو على هذه الواقعية الجديدة حتى قيام عصر النهضة .

فلورنسا ايام جيوتو:

كانت فلورنسا في القرن الرابع عشر من اجمل واغنى المدن الايطالية وكانت بعض العوائل الغنية تنفق اموالا طائلة في سبيل رصف الشوارع وبناء الجسور والمستشفيات والمدارس وانشاء المجاري وبناء القصور وكان الشعور بالجمال وصناعته والاهتمام به لا يقل عن شعور اليونانيين القداما، وقد دفعهم ذلك الى تزيين المدينة بالتماثيل والصور والساحات العامة وبناء البيوت المزخرفة . وكان الناس يزينون صدورهم وايديهم ومعاصمهم بانواع الحلي من الذهب والفضة والجواهر الاخرى . وانعكس ذلك الترف على الفن فزينت القصور والبيوت بالصور والمنحوتات وانواع الخزف .. كما خضعت العمارة الى هذا التوجه من الزينة والترف . وكانت التجارة بين الدولة الاسلامية وايطاليا في حركة نشطة ومتطورة خاصة مدينة فلورنسا فانتقلت اليها منتوجات وصناعة العرب وفنونهم وثقافتهم وتقاليدهم . وكانت الانسجة والاقمشة والاواني الخزفية العربية مزينة ومزركشة بانواع الزخارف والنقوش تغزوا اسواق فلورنسا . ولهذا ليس بعيدا ان يطلع جيوتو على فنون الشرق من خلال هذه المنتجات الفنية المستوردة . بل واكثر من ذلك فقد رسم جيوتو له عدد من الصور الشخصية بتقنيات مختلفة وهو يرتدي الزي الشرقي منها صورة محفوظة الآن في متحف اللوفر .. اما لوحة – عناق امام الباب المذهب – 1304 فتظهر هناك امرأة وهي ترتدي العباءة الشرقية او (الجادر) وبعض الاشخاص ايضا تظهر بازياء شرقية .. وكان التجار العرب يتجولون في ازقة وشوارع المدن الايطالية بزهم الشرقي .

534 giotto 6

الواسطي مؤسس مدرسة بغداد:

ظهر يحيى بن محمود بن ابي الحسن كوريها الواسطي في نهاية القرن الثاني عشر او بداية القرن الثالث عشر خاصة اذا علمنا انه زوق مخطوط الحريري سنة 1237 بمعنى انه ظهر في زمن الرسام الايطالي شيمابوية 1240 م المذكور سابقا، وقبل ولادة الرسام الايطالي جيوتو 1267 ربما بخمسين سنة ولم يعثر على مصدر قديم يتكلم عن حياة الواسطي وتاريخ ولادته ما عدا انه من مدينة واسط – الكوت وهذه من مآسي تاريخ حركة الفن العربي حيث هناك فترات مجهولة ومحذوفة من التاريخ . ويذكر ان العالم العربي المقريزي – 1364 - لديه كتاب (ضوء النبراس وانس الجلاس في اخبار المزوقين من الناس) ذكر فيه اعدادا كبيرة من المصورين العرب في العصور الاسلامية، ضاع هذا المخطوط او حرق .؟ علما ان البعد الزمني بن الواسطي والمقريزي قليل جدا .

– اذن نحن امام قطبين عالميين متوازيين في حركتهما الفنية احدهم ظهر  في الغرب وتزعمه شيمابوية وجيوتو والاخر في الشرق وهي مدرسة بغداد وتزعمها يحيى بن محمود الواسطي . وكان الواسطي يعتبر مؤسس مدرسة بغداد لفن التصوير،  وازدهرت هذه المدرسة في القرنين الثاني عشر والرابع عشر ميلادي  واثرت على انتاج  المصورين المسلمين في ذلك الوقت . ولم يعرف عن الرسامين المسلمين الذين عاصروا الواسطي الا القليل منهم : المصور ابن الرزاز الجزري وكتابه – الحيل الميكانيكية 1206- م، وعبد الله بن الفضل مزوق كتاب- خواص العقاقير 1224 م - وعلي بن حسن بن هبة الله 1209 مزوق كتاب البيطرة  وغيرهم . وقد حملت مدرسة بغداد خليطا من التأثيرات من اسلامية ورافدية وساسانية  وسلجوفية وتيمورية .  وان الصناع كانوا من مختلف الجنسيات والاديان وخاصة المسيحيين العرب الذين هم اكثر حنقة وبراعة وكانوا يزوقون كتبهم المقدسة بالصور قبل ظهور الاسلام وبعده . هؤلاء المسيحيون هم عرب من بلاد الرافدين والشام ومصر الاقباط وبالتالي  كانوا يشكلون جزءا من حركة التصوير في البلاد الاسلامية وكانوا من ابرع المصورين في تزويق المخطوطات العربية وكذلك رسم الجداريات في الكنائس المسيحية والقصور العربية مثل قصير عمره في الاردن . وربما كان الواسطي من اصول وجذور مسيحية واشار الى ذلك الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد لان لقبه– كوريها – وكذلك جرأته في رسم الكائنات الحية وعدم اهتمامه بمسألة التحريم وهي من مميزات الفنانين المسيحيين .

واتذكر قصة حدثت قبل الاسلام وهي حدوث فيضانات كبيرة في مكة وقد ادت الى تهديم الكعبة، ثم اعادوا بنائها وكان هناك رسام مسيحي يدعى – باقوم – ساهم في اعادة بناء الكعبة وطلب منه تزويق داخل الكعبة فرسم صور ابراهيم وعيسى ومريم والملائكة –ع- وعندما دخل الرسول –ص- مكة وامر بتهديم الاصنام يقال انه وضع يده على رسوم مريم وعيسى وقال: (الا هذه ...) ويذكر ان هذه الرسوم بقت داخل الكعبة الى تاريخ ثورة عبد الله بن الزبير حيث ضربت الكعبة بالمنجنيق وهدمت مرة اخرى عام 73 هجرية من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي . هذه القصة ينقلها  الازرقي في كتابه –اخبارمكة -

ومهما يكن فان التصاوير التي تنسب الى مدرسة بغداد لم تكن كلها من انتاج المصورين في عاصمة الخلافة العباسية بغداد بل ان الكثير منهم من اصول وبلدان وعواصم ومدن اخرى . وكان المصورون يومذاك يتنقلون بين البلدان الاسلامية بدون تأشيرة او جواز سفر (باسبورت) كما كانت المخطوطات تتنقل بين المراكز الاسلامية وهي مصورة ومزوقة مما جعل تأثيراتها الفنية تعم جميع الامبراطورية الاسلامية وبذلك اتخذت لها طابعا فنيا امميا .

وسنكمل الموضوع في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

68 كريم الوالي 1عرفت كريم الوالي في أواسط تسعينيات القرن المُنصرم، كان يرسم لوحاته مُتنقلاً بين البروتريه والتعبيرية والواقعية، ولكنه اختط لنفسه رؤية في التشكيل فيها ابهار لوني يخترق أفق المألوف في التلقي البصري، فكنت أقف أمام لوحاته مُنبهراً كيف بمقدوره تشكيل اللون ليجعل منه تعبيراً عن الأمل المكنون في مُخيلة الألم التي تشي بها أعماله.

إنه يرسم ويُشكل لا وفق معيارية سبقت، إنما هو من يُعطي للرسم معيارية مُفارقة.

في استعاراته اللونية شغف بالحياة فتجده يكشف عن نقاء ضامر في حُزن الألون ليكشف عن بهاء الألوان في تعالقها مع البياض.

في مزاح ليَ معه له وبدعوة منه لحضور معرضه الشخصي في قاعة (حوار) قال ليَ ما رأيك بأعمالي، فأجبته على جهلي في ذلك الحين "أنها أعمال تتميز بـ "البهاق اللوني"، فكانت اجابتي مُفاجئة له، فضحك بعلو صوت شفيف، فبادرني بالقول "ولك علي هاي منين جبته" وبتلقائيتي التي يعرفها جميع من عرفني أجبته "خويه كريم الأزرق في لوحاتك يخترقه اللون الأبيض والأحمر كذلك، بل كل الألوان الغامقة يخترقها اللون الأبيض ويصطف معها" فأجابني وأنا قلت ما شعرت به "والله علي شو انت كاعد تتفلسف"، ولا أطيل الحديث في مساجلتنا معاً، لكنني بعد مرور الزمن وبعد قراءات في فن التشكيل ومناقشة لرسائءل وأطاريح في كليتي الفنون الجميلة بجامعتي بغداد وبابل تأملت كثيراً بلوحات كريم الوالي القديمة في "بهاقها اللوني" والجديدة في بهائها التشكيلي وتراكم خبرة كريم ودراية الفائقة بمدارس الرسم وجدَت أنه يرسم بروحه لا بريشته، وكل ما ذكرته بسذاجة مني حول "البهاق اللوني" إنما هو ضامر في مُخيلته التي تشف محبة ونقاء، وبياض الروح ينعكس على ترسيماته اللونية رغبة منه في الكشف عن نقاء سريرة الإنسان.

68 كريم الوالي 2

كريم الوالي علمني وإن لم يعلم أن المحبة تغلب التعقل، فكان من قبل وبعد زمن هو هو ولو تغيرت تقنياته وأحسن التعبير في تمكنه من أدواته.

كريم الوالي تجريد ذات وتنقية وتنقية للرؤية البصرية في تحديه للمتن التشكيلي الشائع في الرسم العراقي، ليضع نفسه بمصاف التشكيليين المابعد حداثيين الذين يهيمون بكسر كل الأطر "الدوغمائية" و "النسقية" ليكشف لنا عن الهامشي والمُغيَب، ولم يكن لون البياض الذي تعشقه ريشته سوى نزوعه الروحي للزهد والعيش بعوالم التصوف وعشق حياتهم بكل ما فيها من زهد وتقشف.

68 كريم الوالي 3

رغم أن بعض من النُقاد يُحاولون ربط تجربته بفنانين عراقيين روَاد، إلَا أنني أميل للقول بأن لكريم الوالي تجربته الخاصة رغم اتقانه لأساليب من سبقوه من أساتذته، بل ودرايته بتاريخ التشكيل العراقي حضارياً، لكنه بوعي ضامر أو بوعي قصدي تمكن من أن يجعل من رسوماته تمثيلاً حقيقياً لحياته وطريقة عيشه كفنان مُدرك ومتابع لتحولات التشكيل، لكنه ليس نسخة ولا تجديد لتشكيل سبق.

كريم الوالي ابن النجف الأشرف بكل روحانيتها فانعكست تلك الروحنية بلوحاته، وكريم الوالي نتاج حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، ولكنه لم يقف عند عتباتها يائساً بقدر ما سعى ولا زال يسعى لترسيم حدوده المُلتهبة لا بتلوين لوحته بالسواد ولون الدم، بل بتصيير بقايا الألم وذاكرة الشجن أو الحُزن الراكس في نفوسنا ليُعيد انتاجه بريشة الأمل ليصنع حياة أفضل.

68 كريم الوالي 4

كريم الوالي تشكيل ليس على غرار تصميم، إنما هو يعمل تشكيل يُعيد للآخرين تصميم تشكيلهم، شغوف بالحياة ببعدها الأرحب في الحُب، وهذا ليس كلام إنشاء، إنما هو تمحيص بعد فحص للوحاته، فلك أن تتأمل فيها لتكشف مقدار خساراته، ولكنها لم تستطع أن تكسر ريشته لأنه يعي بروحه قبل تعقله لمتغيرات الألم والأمل أن للفنان دور رئيس في صناعة حياة أبهى وأجمل.

كريم الوالي صاحب جيل مُبدع منه فاخر محمد ومنه عاصم عبدالأمير ومنه بلاسم محمد ومنه محمد الكناني ومنه كاظم نوير ومنه محمود شاكر ومنه شوقي الموسوي ومنه ستار كاووش، وعدد ماشئت إن كان لك دراية وهواية وغواية بعوالم التشكيل العرقي الأبهى.

68 كريم الوالي 5

بعد هجرته تمكن الوالي من تحقيق نجاحات كبيرة، ففي ولاية كاليفورنيا بأمريكا كان لمعرضه الشخصي "شيفرة الحضارة" تميزُ وحضور بهي.

قرأت لكثي من النُقاد من الذي يهيمون بربط الماضي بالحاضر، فوجدَت الكثيرين منهم يُحاولون ردَ نتاج الوالي التشكيلي ماض تشكيلي رافديني عبر قراءتهم لمعرضه "شيفرة الحضارة" الذي أقامه في متحف "ترينون"، ولكنني أختلف معهم فرغم أن الوالي ربيب سلالة يمتد تاريخاً لستة آلاف سنة قبل الميلاد ورغم أنه يصف نفسه بـ "المُنقب الآثاري" ومحاولته ربط الخط المسماري بنتاج مدرسة الكوفة في التشكيل الحروفي، إلَا أنني أُصر على أن للوالي تجربته الخاصة التي لا يُمكن لنا أن نعدها نتاج "التراث" = "الأنا" فقط، ولا نتاج "الآخر" بقدر ما هي تشكيل ليست على غرار أنموذج من مُعطيات "الأنا" أو "الآخر" بقدر ما هي نتاج فنان تمكن من أدواته وتمعن في النتاج التشكيلي الذي سبق للـ "ألأنا" أو للـ "الآخر" ولكنه ينطبق عليه قول الشاعر الإيطالي (فاليري) "الذئب مجموعة خراف مهضومة" ولا يُمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نردَ تجربة الوالي التشكيلي للتراث أو للحداثة بكل مُعطياتهما، ولكنها تجربة فردية مُستمدة من تفرد الذات ومن هذا وذاك، أي من التراث والحداثة.

 

د. علي المرهج

 

519 الواسطيالعصور الوسطى: يتفق غالبية المؤرخين على ان العصور الوسطى تبدأ من القرن الخامس الى القرن الخامس عشر ميلادي اوبداية ظهور عصر النهضة، وتأتي هذه المرحلة بعد سقوط الامبراطورية الرومانية ونزول القبائل الجرمانية البربرية من شمال اوربا واحتلالها وسيطرتها على جميع المستعمرات الرومانية في اوربا،

اما فنون القرون الوسطى في اوربا فيعتبرها المؤرخون والنقاد فنون دينية مسيحية حيث اعتمدوا بشكل واسع على الرموز والاقلال من اهمية الشكل او تغييبه وبالتالي عطلت التقاليد الفنية الموروثة من اغريقية ورومانية، كما ادت بعض هذه المعتقدات الدينية المسيحية الى تحريم الشكل التشبيهي والتشخيصي، لكثرة تقديسها من قبل عامة الناس وعلى اثر ذلك اندلعت الحروب بين اباطرة القسطنطينية وكنيسة روما دامت حوالي مائة سنة اطلق عليها اسم حرب- الايقونات – (القرن الثامن ميلادي) ثم عاد بعد ذلك تقديس الصور بالظهور من جديد في الكنائس ..

الفن المشرقي:

كانت فنون الشرق في العصور الوسطى متفوقة في تنوعها وطرزها ومدارسها على فنون الغرب وكانت الحضارة المشرقية اعظم حضارة على وجه الارض في ذلك الوقت حيث كانت امبراطوريتها تمتد من جدران الصين الى بلاد الاندلس، وكانت مستقلة ومتميزة عن الحضارات الاخرى.. وكان الفن الرافدي والمصري والساساني والاسلامي والصيني في اوج عظمته حيث حملت هذه الفنون قيم عالية من حيث الاتزان والابداع في الرسوم والنقوش الجدارية والعمارة واعتمدت الرسوم على الخط والتسطيح وايضا توزيع الاشكال على المساحة بشكل واعي وابداعي وزخرفي وذهني .  وفي بداية القرن الثامن ميلادي حط الفن العربي والاسلامي في الاندلس (711 م)، ودخلت الحضارة الاندلسية اوربا يوم كانت تعيش في عصور مظلمة متخلفة وكانت شوارع لندن وباريس مظلمة ليلا وغاطسة بالوحل والنفايات، بينما شوارع قرطبة كانت مرصوصة بالحجاة ومضيئة ليلا بمصابيح الزيت . كما اخذ الطلبة الاوربيون يأتون الى الاندلس للدراسة في جامعاتها مختلف العلوم والمعارف ومنها الموسيقى .. كذلك اخذ طراز العمارة الاندلسية يغزوا اوربا .. ولازال هذا الطراز يشاهد في كثير من عماراتها القديمة لحد هذا اليوم ...

520 جيونو

الواسطي وجيوتو:

ظهر الفنانان الواسطي وجيوتو في نفس العصر اي في القرن الثالث عشر ميلادي ، فالاول يعتبر من مؤسسي المدرسة الاسلامية او مدرسة بغداد في الفن والاخر يعتبر من عظماء الفن الايطالي والممهد الاول لظهور الفن الواقعي وبداية عصر النهضة في اوربا . الواسطي من المحتمل انه ولد في بداية القرن الثالث عشر وجيوتو في الثلث الاخبر من القرن الثالث عشر ...

وولد جيوتو دي بوندوني عام 1267 Giolto de Bondoni في احد قرى فلورنسا وكان راعيا للاغنام وفقيرا يرافق والده في الرعي وكان يقوم احيانا برسم اغنامه على قطع لمساء من الحجر . وصادف ان رآه الرسام الايطالي المعروف - جيوفاني شيمابوية Cimabue - اثناء تجواله في الحقل – فابهر بموهبته وطلب من والده ان يعلم ابنه حرفة الرسم ويصاحبه الى مرسمه في فلورنسا . وفعلا تم ذلك واصبح هذا التلميذ بعد ذلك من اعظم مصوري ايطاليا. ..

يعتبر شيمابوية 1240-1302 م من ابرز رسامي ايطاليا وآخر فنان من طراز الفن البيزنطي . وكان قد نشأ في فلورنسا واشتهر في رسم الجداريات – الفريسكو – وكان نقطة جذب لكل طلاب الفن ورجال الدين والذين اعتبروه الاول في رسم المواضيع الدينية وكان يلقب بشيخ الرسامين .

وتتلمذ على يده عشرات الرسامين منهم الرسام جيوتو .

كان جيوتو في بداية حياته متأثرا بالفن البيزنطي من ناحية التبسيط والزخرفة والجمود والوقار والبساطة، ثم دخل في جماعة فنية يتزعمها استاذه –شيمابوية – واخذوا يعملون سوية في تنفيذ الاعمال التي تكلفهم بها الكنيسة او رجال الدولة والاغنياء من النبلاء، وكانت مواضيعهم دينية ومأخوذة من الكتب المقدسة عن حياة المسيح –ع- والقديسين والرهبان، وكان جيوتو قد نفذ 28 جدارية في كنيسة فرانثيسكو في مدينة آسيس Asis - - وفيها ظهرت تأثيراته باستاذه ثم برز كافضل رسام في ذلك الوقت .

كانت الاعمال الفنية في ذلك الوقت توثيقية وتسجيلية لقصص الانبياء والقسيسين وازداد الاهتمام بالموضع واعتبر فوق كل شيئ وتعلو فيه الفكرة والقصة على العمل والاسلوب وبذلك فان دور الرسم هنا روائيا وتو ضيحيا يخاطب الاكثرية من الناس المؤمنين الذين لا يقرأون ولا يكتبون – امية –

ثم اخذ جيوتو يتجول في انحاء ايطاليا، وتكاثرت عليه العروض الفنية وكان رسمه واسلوبه مرغوبا من قبل الجميع وكان يرسم في اي مكان يحل فيه . وتذكر له قصة طريفة حيث كان معجبا بافكار دانتي وكتابه – الكوميديا الالهية - فرسمه في احد اعماله الجدارية، ولكن عندما لاقى الكتاب رفضا من قبل المجتمع ونفي دانتي من بلده، هاجم الناس عمل جيوتو وخربوه وطمسوه بالاصباغ . وفي سنة 1841 كشفت اللوحة وكشطت منها الاصباغ وظهرت صورة دانتي من جديد ويأتي ذلك بعد ثمرة الثورة الفرنسية وتحرر الفكر الانساني من قيود وتقاليد الكنيسة .

وسنأتي على تكملة الموضوع في المقامة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

هنا في مجتمعاتنا الإنسانية، ذات الثقافات المختلفة مشاربها، تتعد أساليب التعبير عن الرغبات الدفينة في نفوس الأفراد، التواقين للبوح، وقول ما يختلج صدورهم ويسكنها، وتتنوع الدوافع والأسباب وراء بزوغ هذه الرغبة، في تمخيض الحرقة الجِبِلية التي وجدوا أنفسهم عليها منذ أن رأت أعينهم النور، وحاربت رموشهمُ الظلام.

فمنذ عصور خلت، مرورا بحقب الزمان وتقلباته، وصولا إلى يومنا هذا، يلجأ الكثير إلى الالتفاف حول مجموعة من أشكال التعبير الفنية -ذات الصبغة المشروعة والمحظورة أحيانا أخرى- فأناهم لا يهمها المشروع من المحظور، بقدر ما يهما البوح والقول والتفريغ، حتى تتحقق بذلك لذة الإفصاح ومتعة التعبير ومؤانسة الفن.

ومن بين الأشكال التعبيرية التي انتشرت بشكل لافت في الآونة الأخيرة، في ظل التطور السريع لمنظومة التكنولوجية المعاصرة، وتقارب الأقطار، وتقريب المسافات وتعدد الخبرات، فن "الجرافيتي" أو الكتابة على الجدران Graffiti.

507 اسامة الدواح

فالمقصود بهذا الفن، هو ترك بصمات متحفة بمجموعة من الرسومات أو الأحرف على الجدران، وغالبا ما يستعمل في هذا الأثر ما يسمى "بالبخاخات" ذات اللون الواحد، أو الألوان القزحية تارة أخرى، وترجع أصوله للحضارات العتيقة (قدماء المصريون والإغريق والرومان وغيرهم)... أما في عصرنا الراهن، استلهم هذا الفن مبادئه وقواعده من موسيقى (الهيب هوب) الذائع إلهامها في نيويورك الأمريكية، التي كانت مرتعا خصبا لبعض فناني الطبقة الكادحة للفت الأنظار إلى معاناتهم الاقتصادية، وحالتهم المأساوية المزرية.

فن غضب الشوارع، أو ثورة الألوان على الجدران، هكذا لقبه البعض، نظرا لثراه، وغناه،

وتضاربت الآراء حول مشروعيته المتحضرة، وخربشاته المتسلطنة، إلا أن كلمة فنانيه وألوانهم، لا يعلوا عليها كعب، ولا يجادل في قضيتها مجادل.

ففي خضم الزوبعة الهوجاء الظالمة التي عصفت وتعصف ببعض أقطار المعمورة، لم يجد الجرافيتيون بدًّا من مجابهة الظلم بألوان القزح والأرجوان، ومن مبارزة الخوف والفقر والتهميش وكل أشكال الغطرسة والتظليل بأقلام الرصاص، ودهانات الفحم، معبرين عن طقسهمُ الرامز ذو البعد الإرسالي المحض، الذي يعرف بقضيتهم المركزية، وإيمانهم الحق ببسط العدل والمساواة بين بني جلدة آدم، فهذا يعرف بثقافته التي طمستها زعانف أخطبوط العولمة السامة، وآخر يناشد جهات برفع الحيف والظلم عن مجتمعه العميق، وآخر يحلق بريشته فوق جناحي حمامة السلام، باتجاه فلسطين الأبية، متوسلا الله أن يفك قيد الأسرى، ويرفع الاحتلال عن أرض الكنانة الطاهرة، وآخر في خلسة ظلام الليل، يضيء العتمة، برسمه مصباح الأمل تحذوه شمس التفاؤل المُغَيبَّة...

أما الناظر والمار والمتلقي لهذا الفن، يجعل منه فسيفساء خلاصٍ مريح لرتابة يومياته المعتادة، ماتعا رؤيته ورؤاه، منفِّسا عن كرب فؤاده.. وتردف عين لأخرى قائلة: يا للروعة ! لقد بصموا وعبروا عن ما يختلجهم، وفتحوا أزهار قلوبهم وقلوبنا، أبكوا المَرِح، وأضحكوا الباكي، وقدموا دروسا وعبرا، اعتمادا على ما قد استلهمت ملكتهم الإبداعية من تعدد مدارس الفن ومجالاته.

لم يتقيدِ الفن أبدا بمكان، أو طوق رقبته بحبل زمان، هو هكذا رحالة بلا وجهة، وسهم بدون اتجاه، فتقييد أساليب التعبير كيفما عُدت أشكالها، يعتبر ضربا في جوهر روحٍ فياضة بالأمل، وقمعٌ لملكة لم يخلق بها الكل.

فالجرافيتي منتشر في كل مكان، أمامك على الجدار، في مترو الأنفاق، هناك في الأفق على السطح، أو تخطيطا على عربات القطارات الحديثة منها والمتهالكة...

من المرامي التي يصبوا إليها الفن والجرافيتي خاصة، هي التعبير المتحضر عن حالة تخبط الأنا وصراعاتها، أو عن شعورها بالغبطة أو السعادة تارة أخرى، وليس المراد منه التخريب، أو التشويه أو ما لف في فلكه، فإيماننها بالفن يجعلنا نحب تلك الخربشات، ونقرأ سطورها المضمرة، ونلمس أحاسيسها المختفية وراء ستار المنع  وسُترة الظلام.

إن الفن كما عبر أحد الفنانين عند سؤاله عن عدم مشروعية الجرافيتي باعتياره تخريبا، -قال- " الفن هو أسلوب حياة ووظيفته إسعاد البشر، والنتفيس عن أرواحهم".

 

بقلم: أسامة الدواح

 

502 mAZONI 1 من هوان الحركة الفنية وتاريخها العريق ان يباع الغائط ويعرض باسم الفن واكثر من ذلك تهكما عندما تقتنيه الكالريات والمتاحف كمنجزات فنية.. لا شك ان هناك جوانب مضيئة في تاريخ الفن واخرى مظلمة منذ العصور القديمة والى يومنا هذا، ولكن لم يحدث في تاريخ الفن ان يتجرأ فنانا ويبيع غائطه على اعتبار انه فنا، وهذا ما حدث مع الفنان الايطالي مانثوني .

بيرو مانثوني:

ولد بيرو مانثوني Piero Manzoni في ايطاليا عام 1933 وتوفى مبكرا عام 1963 وكان من عائلة غنية، ويعده بعض النقاد ضمن المدرسة المفاهيمية ولكنه تأثر ايضا بالفن الحركي Actión والفن الجسماني body Art. . ويعلق الناقد kurt schwitters على اعماله ( ان كل الذي يبصقه الفنان يعتبر فنا ) .. ولهذا كان مانثوني يعتقد ويفكر ان جسم الفنان هو عبارة عن قطعة فنية حية فكل مافيه من مواد عضوية وحركة وما يخرج منه يعتبر فنا؟

في بداية عام 1958 كان يعمل لوحات صغيرة يطلق عليها achrome، acromático لا لون لها وهي عبارة عن قطع قماش مضغوطة على مادة صلبة كأن تكون قطعة من خشب، ويترك القماش بتجاعيده واخاديده ظاهرة لتكون اشكال عفية بيضاء، ويستخدم فيها مواد لاصقة ومادة الجص وغيرها .. هذه التقنيات الحديثة نجدها عند الفنان الاسباني مانويل ميارس 1926 من كانارياس، كما تأثر بالفنان الفرنسي دوجامب 1887 من ناحية التهكم والسخرية من الفن والفنانين وكذلك استخدام المواد الجاهزة في الفن . ومعروف ان دوجامب قدم عام 1917 قطعة تمثل مبولة جاهزة ووقع عليها غير ان لجنة التحكيم للمعرض الوطني الفرنسي رفضت ذلك العمل واعتبرته تهكم ومسخرة .. المبلوة رميت بعد ذلك في الزبالة مع النفايات لكن مانراه اليوم من المبولات الموزعة على المتاحف هي ليس الاصلية، وربما تم التوقيع عليها باسماء اخرى .

503 MDRN+art+PIERO MANZONI

كما استخدم مانثوني في اعماله مواد والوان فسفورية حيث تتغير الالوان باستمرار حسب موقع المشاهد، متأثرا بالفنان الفرنسي Yves Klein 1928 والذي يعتبر من جماعة الدادائية، وكان كلين يستخدم في اعماله لونا واحدا ذو طابع فسفوري مثل اللون الازرق النيلي . وفي عام 1958 اخذ مانثوني يعمل منحوتات مطاطية مثال النفاخات واعتبرها بمثابة منحوتات وان هواء الفنان هو نتاج فني؟ وفي عام 1960 اخذ يضع بصمة ابهامه على البيض المسلوق ويعرضه ثم يهديه الى الجمهور ليأكله، وهي تشبه مشهد صلات القداس حيث تقدم فيه قطعة الخبز (اقراص صغيرة) في الكنائس للمؤمنين بعد انتهاء الصلاة ليأكلوها على اعتبار انها من غذاء المسيح –ع- وانها مباركة .

وكان مانثوني يوقع على جسم الانسان ويعتبره فنا حيث يعتز بها المتلقي، كما كان يضع دمه في قارورة ويبيعها على اعتبار انه جزءا من الفنان ومشاعره واحاسيسه وبالتالي فهو انجاز فني .. كما اخذ بكرة الورق الضخمة التي تستخدم في الطباعة وحركها ثم مر عليها فرشاته ليرسم عليها خطا مستقيما واعتبره فنا . وهكذا نجد في فن مانثوني كل الغرائب والتحديات وكان آخرها هو عرض وبيع غائطه ..

اعمال الغائط:

في عام 1961 عمل مانثوني 90 علبة من الغائط بقياس 5 سم ارتفاعا و6،5 سم عرضا وكتب عليها - غائط الفنان- بجميع اللغات وعرضها على الجمهور وكان قد باعها حسب وزنها بالذهب .. وفي عام 2007 عرضت احد العلب في المزاد العلني وبيعت بمبلغ 124،000 يورو؟ كما عرضت بعض العلب في عدد من الكالريات والمتاحف المشهور مثل المتحف الحديث في برشلونة والمركز الثقافي والفني بومبيدو في فرنسا ومتحف الفن الحديث في نيويورك MOMA وغيرها من المراكز الفنية.. وقد اصدر مانثوني كتابا صامتا ليس فيه شيئا غير الورق الابيض الفارغ كما اسس كالري ومجلة فنية.. مات عام 1963 بسكتة قلبية مبكرا عن عمر 30 سنة وهو لازال في قمة افكاره واختراعاته ومشاريعه التي لم يسبقه احد فيها .

 

د. كاظم شمهود

 

488 اشبيليةتعتبر مدينة اشبيلية من أهم وأعظم المدن الاندلسية وأتخذت في بادىء الامر عاصمة الاندلس في زمن العرب . وفي زمن حكم الطوائف كانت أحد الممالك القوية الواسعة خاصة في زمن بني عباد . ثم اتخذها الموحدون عاصمة لهم ومركز حكمهم . سقطت المدينة بيد النصارى عام 1248 م / 646 هـ بعد اكثر من ستت قرون من حكم العرب والمسلمين، وابتداء من ذلك التاريخ اصبحت اشبيليه مقر الطبقة البرجوازية وعاصمة الجنوب كما اصبح البلاط العربي مقرا للملوك الاسبان .

وذكرها المؤرخون العرب واثنوا عليها منهم صاحب كتاب الروض المعطار – الحميري 1468 م (وهي مدينة كبيرة عامرة لها اسوار حصينة واسواقها عامرة وخلقها كثير واهلها مياسير وجل تجارتهم الزيت يتجهزون به الى المشرق والمغرب برا وبحراً ...) . كما جاء في الكتاب ايضا :

(وهي مدينة قديمة ازلية يذكرها اهل العلم باللسان اللطيني ان اصل تسميتها – اشباني – معناه المدينة المنبسطة ويقال ان الذي بناها يوليس القيصر) .

ويشق المدينة من جهة الغرب الوادي الكبير، ويحيط بها الشوارع الفسيحة والميادين الكبيرة وخاصة حول الكاثدرائية الكبيرة (المسجد الجامع الكبير سابقا) والازقة الضيقة والبنايات القديمة التي يعود بعضها الى عصر العرب .

وبعد اكتشاف امريكا اللاتينية تحولت اشبيليه الى أهم المراكز الاقتصادية في اسبانيا كما انتعشت فيها الحياة الثقافية والادبية والعلمية وتألقت أسبانيا في زمن النصارى ابتداءا من عام 1492 الى 1681 واطلق المؤرخون على هذه الفترة اسم - العصر الذهبي الاسباني - وظهرت فيها شخصيات ادبية وفنية وثقافية أثرت في أعمالها على حركة الادب العالمي مثل ميغيل ثرمانتس صاحب رواية – دون كيخوته – والشاعر – لويس كوكوران – والشاعر الكبير – كبيدو – وغيرهم .

تاريخ المدينة:

يذكر المؤرخون بأن سفن الفينيقيين قد رست على الشواطىء الشرقية والجنوبية من شبه الجزيرة الايبيرية في حوالي 3000 سنة قبل الميلاد وفي مصدر اخر 1500 سنة قبل الميلاد .وكانوا قادمين من بلاد الشام ومن اصول كنعانية . فأسسوا المدن والمرافىء على الشواطىء والتي لازالت اثارها باقية . كما أسسوا مراكز تجارية ونشاطات ملاحية واسعة ومدن استمرت قرونا كثيرة على طول وعرض سواحل البحر المتوسط وماجاوره وماتعداه الى بحار ومحيطات اخرى. وتعتبر اشبيلية من أعظم وأجمل المدن الاسبانية وهي مدينة قديمة أسسها الفينيقيون الاوائل وعندما دخلها العرب تحولت المدينة الى عاصمة الدولة الجديدة وبدأ المسلمون بحملة أعمار وبناء جديد على الطراز الاسلامي فشيدوا المساجد والقصور والحمامات العامة والمدارس . كما رمموا اسوارها القديمة وجددوها وجعلوها اكثر ضخامة وحصناً، خاصة في زمن الموحدين .. ومن آثار المسلمين الباقية هي:

المسجد الجامع الكبير:

كانت اشبيلية في زمن الموحدين عاصمة الدولة وقاعدة حكم وفي زمن الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف شيد مسجداً ومنارة عظيمة عام 1172 م / 567 هـ . ويذكر ان هذا المسجد شيد على مسجد صغيرة قديم يعود الى ايام الامير عبدالرحمن بن الجكم .

فجاء المسجد الجديد واسعاً وكبيراً له منارة ضخمة تشبه منارة مسجد قرطبة وقد اشرف على تشييده العريف المعروف احمد بن باسه وهي عائلة معروفة في الاندلس حيث سجلت حضوراً مميزاً في عمارة الاندلس .

وبعد سقوط المدينة بيد النصارى عام 1248 حول المسجد الى كنيسة. وفي عام 1402 بدأ بأنشاء الكاثدرائية فوق موقع المسجد الجامع الكبير. ولم يبقى من المسجد اليوم سوى الصحن والمنارة العظيمة التي تسمى – الخيرالدا – واستمر بناء الكاثدرائية نحو اكثر من قرن ونصف حتى غدت بضخامتها وفخامتها ثاني اكبر كنيسة في العالم بعد كنيسة بطرس في روما .

و لازال صحن المسجد يحتفظ بشكله وموقعه القديم ويقع شمال الكنيسة ويبلغ نحو ربع مساحتها . وفي وسطه نافورة اندلسية . والصحن مغروس بأشجار البرتقال ولازالت عقود وساريات الصحن الاسلامية قائمة من الناحية الشمالية والغربية كما لازال الباب الرئيسي للجامع قائماً ويقع في شمال الصحن . حيث يبرز شامخاً في عقده وزخارفه الاسلامية . وقد نقشت على قبضتيه الضخمتين عبارة (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد). يبلغ ارتفاع الباب نحو عشرة امتار وعرضه خمسة ويطلق عليه اليوم اسم – باب الغفران – Puerta del perdon .

واما صرح الكاثدرائية (الجامع) فيقع جنوب الصحن ولها باب رئيسي كبير ضخم يبدو أنه باب الجامع الكبير ولها ايضا ستت ابواب اخرى كلها ملبسة بصفائح النحاس والنقوش العربية والايات القرآنية وهي ألابواب الاصلية للجامع الكبير .

489 قصر المعتمد

الخيرلدا La Giralda

شيدت المنارة في زمن الخليفة ابي يعقوب يوسف وأستمر العمل بها عدة أعوام وقد شيدت بالآجر (الطابوق) وجاءت على غرار منارة (الصومعه) جامع الكتبية في مراكش. ومنارة حسان (تور حسان) في الرباط . وتتشابه هذه المنائر في الطراز وكانت قد شيدت ايضا بأمر من الخليفة أبي يعقوب يوسف .

يبلغ ارتفاع المنارة 96 متراً وهي مزينة من الخارج بأنواع الزخارف والعناصر المعمارية الاسلامية ولازالت تحتفظ بهيكلها الاسلامي الى اليوم. اما داخل المنارة فهو عبارة عن ممرات للصعود والنزول مرصوصة بلآجر تبلغ 34 درجة . وعلى جوانبها نوافذ وشرفات وقد زينت بنقوش اسلامية بديعة . وفي عام 1558 بدأ العمل بتحويل قمة المنارة الى برج للاجراس على طراز عصر النهضة، ونصب فوق البرج تمثالاً، وله اشارة تدور عند هبوب الرياح ولهذا سميت المنارة La Giralda أي الدوارة .

قصر أشبيلية:

كان هذا القصر العربي قد شيد في زمن بني عباد ايام كانت اشبيلية من اعظم واقوى الطوائف الاندلسية ويبدو ببهائه وعقوده ومشرفياته وزخارفه الاسلامية من اجمل قصور الاندلس وكان مثالا للطراز الاندلسي المغربي حيث شيدت بعد ذلك غالبية القصور على غراره مثل قصور الحمراء .

ويذكر بعض المؤرخين ان هذا القصر هو من صنع المعتمد بن عباد ثم جاء الخليفة الموحدي ابي يعقوب يوسف فوسعه وجمله وجعله آيه في العمارة والجمال كان ذلك عام 1173 م / 567 هـ .

وهناك حكاية طريفة حول الامير الشاعر المعتمد حيث يذكر انه كان في نزهة مع صديقه الشاعر ابن عمار على شاطئ نهر الوادي الكبير فاعجب بمنظر الماء المتموج فقال: (صنع الريح على الماء زرد) ثم طلب من ابن عمار ان يكمل البيت فلم يرد عليه، وكان على الشاطئ بعض الفتيات فردت عليه احداهن : (اي درع لقتال لو جمد) . واصبح البيت (صنع الريح على الماء زرد .. اي درع لقتال لوجمد) . الفتاة هي اعتماد الرميكية حيث تزوجها بعد ذلك الامير واحبها وسمى نفسه المعتمد نسبة الى اعتماد، وكانت حاضرة الجواب بارعة الرد وفي حديثها عذوبة وطراوة ورقة طبيعية طفولية مسعدة ..

اما اسوار المدينة فلازالت اجزاء منها قائمة لحد اليوم وتمتد نحو 400 متر وارتفاعها 8 امتار وتمتد هذه الاسوار من باب مارغاريتا حتى دير الكابوسين . وجزء كبير من هذه الاسوار يعود الى عصر الموحدين ويخترقها عقدان قديمان الى جانب باب ماغاريتا وعليها ست ابراج موحدية من اصل 166 برجاً كانت موزعة على طول السور ومنها اربعة لازالت تحتفظ بكامل قواها وشكلها وتقع الاسوار قرب شارع الكابوسين والذي يعتبر من اعظم شوارع اشبيلية .

واشبيلية زاهية في اهلها وجمالها وازيائها الملونة التي تثير البهجة، وفلكلورها العريق واغانيها ورقصاتها ذات الطابع الاندلسي وهي مميزة بين المدن الاسبانية بروح المرح والسحر والجمال .

 

د. كاظم شمهود

.

 

كاظم شمهودقرأت في كتاب الفن والمجتمع لارنولد هاوزر عن تاريخ الفن في العصور الوسطى وبداية عصر النهضة، وقد وجدت ان هناك مرحلة كان الفنان فيها يحتل مرتبة ضئيلة و يطلق عليه اسم الصانع او المعلم وهو اقل مرتبة من الشعراء والعلماء والادباء في ذلك الوقت .. وهذه الحالة مرت ايضا في تاريخ العرب والمسلمين حيث كان الرسام لا يكتب اسمه على منجزه الفني خوفا من غضب الناس والعلماء الذين يحرمون التصوير. وكان يفضل ان يكتب على عمله خطاط او مزخرف، علما ان مرتبة الخطاط كانت اعلى من مرتبة الرسام او المزخرف ..

وقد ادى زيادة الطلب على انتاجات الفنانين الاوربين في ذلك الوقت الى رفع الفنان الى مستوى الصانع او المنشغل الحر بالعمل الذهني .. وكان الرسامون لم يتلقوا تعاليمهم الفنية في مدارس محددة بل في ورش تدريب، وكانوا يلقنون مهنة الرسم على يد معلم لبضع سنوات .. كما ان كثير من النحاتين بدأوا عملهم مع بنائين للاحجار ونحاتين للحجر الزخرفي .. وكانت روح العمل الجماعي سائدة سواء في ورش العمل الفني او في اماكن الحرفيين البنائين .. ولازال العمل لا يعبر عن الشخصية الفردية او المستقلة، وبالتالي فان اداء العمال كان ينفذ بشكل جماعي.. وكان المعلم في ورشته لم يقتصر عمله على الرسم بل يأخذ طلبات اخرى صغيرة مثل نقش الدروع ولافتات للحوانيت وزخارف خشبية وزخارف لنساجي السجاد، وغيرها ..

و اتذكر قصة طريفة لفنان بصري ظهر في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري (الثامن ميلادي) يدعى احمد الخراط البصري كان يكلف من قبل الناس في رسم اشكال انسانية وحيوانية ونقوش وزخارف كما كان يرسم اشكال فكاهية .. ويذكر ان الشاعر المعروف بشار بن برد الاكمة كلفه ان يرسم له طيرا على قطعة زجاج، فنفذها ولكن بشار لم تعجبه فهدده بالهجاء، فقال له الخراط : اصورك على باب داري بهيئتك هذه وعلى عاتقك قردا آخذ بلحيتك حتى يراك الصادر والوارد . فقال بشار اللهم اخزه انا امازحه وهو يأبى الا الجد .

466 الواسطيوكان المعلم عادة اذا ما رأى تفوق تلميذه عليه يكف عن التصوير ويتركه له، ومثال على ذلك ما حدث من تفوق جيوتو على استاذه شيمابوي، وتفوق دافنشي على استاذه فيروكيو، ورافائيل على فرانشا وهكذا . وهذا يذكرنا بما حدث لوالد بيكاسو خوسيه الاستاذ والرسام في مدرسة الفنون في ملقا، فعندما رأى نبوغ بيكاسو وتفوقه عليه ترك الرسم وجميع ادواته وسلمها لبيكاسو.

وكانت بداية عصر النهضة يسوداها العمل الجماعي وهي اشبه شئ بالمؤسسات التجارية، وبذلك فقد شكل الفنانون طبقة من البرجوازية الصغيرة . كما كان هناك نقابة للحرفيين ولها قوانين ولوائح صارمة وعلى الجميع الالتزام بها منهم الرسامين والنحاتين، ولهذا كان هناك احيانا يحدث صراع وتمرد للتخلص من اغلال هذه القوانيين خاصة الفنانون الذين يحاولون الخلاص منها والانظمام الى طبقة الشعراء والادباء والعلماء والتحالف معهم نحو التحرر من قبضة التقاليد السائدة وقوانينها المجحفة بحقهم .

و كان الشعراء والادباء اكثر قربا الى الطبقة الارستقراطية من الفنانين، ولهذا كان الفنانون بحاجة اليهم لرفع شأنهم .. يضاف الى ذلك ان الادباء يحتاجون الفنانين لتجسيد روياتهم الاسطورية واشعارهم الخيالية وبالتالي كانت هناك مصالح مشتركة بين الطرفين ..

و كان الفن في ذلك الوقت يعد صنعة ومهارة مبنية على مفهوم الاتقان واتباع التقاليد الموروثة . وكان عمل محاكات النماذج هو الطريق الصحيح الى اتقان الصنعة الفنية . وهذا ايضا نجده عند الفنان المسلم في العصور الوسطى حيث كان يتبع التقاليد القديمة في الرسم والزخرفة –الارابسك- ويذكر ان اول المخطوطات الادبية التي زوقت بالرسوم هو مخطوط كليلة ودمنه لابن المقفع في القرن الثاني الهجري (الثامن ميلادي) .

467 جوتو

اما دراسة الطبيعة فقد تحققت لاول مرة في زمن ليوناردو دافنشي واصبح هناك دراسة علمية لتعليم الرسم حيث انشأت اكاديميات تدرس الطلبة اصول الفن، وبالاضافة الى الجانب العملي هناك الجانب النظري الذي يتحدث عن التاريخ والفلسفة والجمال في الفن .. وبذلك انتقلت حرفة الفن كصنعة وتقاليد الى الدراسات الانسانية والفكرية وتسجيل سير عضماء اهل الفن و كذلك النزوع نحو حرية الفنان الفردية في الرسم ..

و يذكر انه في النصف الاول من القرن الخامس عشر ظهرت كتابات حول سير حياة الفنانين وان اول فنان يكتب تاريخه هو الرسام –برونللسكي- وهو امتياز كان وقفا على الامراء والابطال والقديسين .. كما بدأ الرسام يعمل اعمالا من تلقاء نفسه دون اي تكليف خارجي، ولم يعودوا ان ينفذوا الطلبات بنفس الدقة القديمة وحسب التقاليد الموروثة ..

وفي هذه المرحلة انتقل الفيض الالهي الى الرسام والذي كان يمتاز به الراعي او السيد واصبح هناك تبادل في المديح، فكلما يمدح الراعي الفنان كلما يصعد مجده، ويذكر ان الامير شارل الخامس انحنى ليلتقط الفرشاة التي سقطت من يد الفنان الايطالي تيسيانو Tiziano 1576-1477 – وهذا يشير الى ما وصل اليه الفنان من مكانة وعلو واحترام عند الطبقة الارستقراطية الحاكمة .

 

د. كاظم شمهود

 

456 جودت حسيبلقد انشغل جيل من الفنانين العرب في عصرنا الحاضر باهمية الحرف العربي وقيمته الجمالية والرمزية في الفنون التشكيلية وكانت هناك دعوات في منتصف القرن العشرين لخلق فني عربي مميز يختلف عن الفن الغربي وذلك من خلال الخط والرقش العربي كونه ظاهرة حضارية ينفرد بها عن باقي الفنون الاخرى.. وكان اول من ادخله في التشكيل الفنانة العراقية مديحة عمر حيث اقامت لها اول معرض في عام 1949 في صالة المكتبة العامة في جورج تاون وذكرت ان للخط العربي شخصية متحركة قادرة على ان تكون صورة مجردة، كما ان شكله يوحي بمعنى او فكرة وبالتالي فهو صورة حية ناطقة..

اما شاكر حسن آل سعيد فقد استخدم الحرف العربي كعنصر تأملي او ما يسمى –بواقعية التأمل – حيث ربطه كنقطة انطلاق نحو الكون والذوبان في حركته السرمدية ولهذا اطلق على دعوته –ب - البعد الواحد – عام 1971 وقد انجر خلفه مجموعة من الفنانين الذين اخذتهم العواطف الجياشة نحو الفكر القومي على اعتبار ان الدعوة للحرف العربي في نظرهم هي دعوة قومية. ولكننا نجد هناك تناقض بين فكرة البعد الواحد والسطح التصويري ذو البعدين. وهذا له حديث طويل...

فن جودت حسيب:

456 جودت حسيب2جودت حسيب ينطلق في استخدامه للحرف من كونه عنصرا جماليا في اللوحة له حركة تناغمية منسجمة في ايقاعها وحركتها وله روح، فهو يصمم ويبني ويخطط عقليا مع رومانسية الروح الجميلة الصافية العاشقة للانسان الآخر.. ونجد في عمله انشاء متماسك قوي متأتي ذلك من تجربته الطويلة في تصميم الصحف والمجلات سواء كان في العراق او اسبانيا.. وقد استخدم جودت نوعين من الخطوط العربية في اعماله وهما الخط الكوفي وخط الثلث الذي انشق من الاول. ويعتبر الخط الكوفي اصل الخطوط العربية. ويمتاز باحرفة الهندسية ذات الزوايا القائمة، وهو جاف وقليل المرونة لكنه يمتاز بجمال حركته وتركيبه وتناسقه. اما خط الثلث فقد سمي بالثلث لانه يكتب بقلم يقط محرفا بسمك ثلث قطر القلم، ويعتبر من اشهر الخطوط العربية، وكان خط الثلث يوزن به ابداع الخطاط ولا يعتبر الخطاط فنانا اذا لم يتقن خط الثلث.. ويمتاز بالمتانة والتعقيد وهو اكثر الخطوط الهاما وابداعا وتفننا ويمتاز بالمرونة وبراعة في الخلق والتأليف والخيال.. نرى بعض اعمال جودت تتشابك فيها الخطوط بكثافة وكانها في معركة طاحنة بالسيوف... ويذكر ان الاحرف الصينية رسمت مستوحات من تشابك السيوف. اما البعض الآخر فنرى فيها حرفا واحدا بارزا على خلفية بيضاء محفورة بارزة الحروف، واما اللون فنجده تناغمي جميل ساحر ينساب مع حركة الخط ويطغي عليها احيانا الوان اللازورد وهي الوان ذات زرقة غامقة ضاربة الى الخضرة او الحمرة، كذلك الوان الاسود والاحمر وغيرها..

456 جودت حسيب3ومن ناحية فكرية فان جودت يبدو انه متأثر ببعض افكار الصوفية مثل جلال الدين الرومي وابن عربي وابن حزم وغيرهم، حيث نرى في بعض لوحاته جمل وكلمات لاولئك الاعلام الصوفية مثل العشق والحب والتسامي والتسامح ومفرداتها. وقد اختار جودت هذا الاتجاه الانساني، لان لغة الصوفية تذهب الى ابعد من الاشياء التي نراها، فالصوفي يبحث عن الماهية وبواطن الاشياء فهو دائم البحث، فالروح عالمه والحب مبتغاه.. ولهذا نجد شعار جودت هو الحب، حب الانسان الآخر مهما اختلف في الفكر او الدين او المذهب، فالانسانية هي الاساس في الوحدة والتكامل. وكانت بعض اعمال جودت التي نفذها في العراق يطغي عليها طابع الاشكال الشخوصية وهي اشكال تعبيرية على خلفية مسطحة.. ويذكرني ذلك باسلوب واعمال الفنان الاسباني المعروف رافائيل كانوغار - Rafael Canogar 1934.

البدايات:

ولد جودت في مدينة الموصل عام 1943 ودرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد، ثم اخذ يدرس مادة الرسم في احد مدارس كربلاء، ثم انتقل الى بغداد للعمل في مجلة وعي العمال كمصمم لها وفي نفس الوقت شغل نائب رئيس جمعية الفنانين العراقيين عام 1971 ثم سكرتيرا لها عام 1974..

بعد ذلك خرج الى ايطاليا للدراسة ثم قدم الى اسبانيا وسجل في كلية الفنون الجميلة لمعادلة شهادته وبعد ذلك حصل على شهادة البكلوريوس (ليسانس) وكان معي في الدراسة في نفس الكلية عام 1989 حيث قضينا وقتا دراسيا ممتعا وجميلا، حيث ان جودة يمتاز بخلق عالية وطيبة قلب يضاف الى كونه مثقفا وفنانا جادا.. بعدها اشتغلنا سوى في مجلة – دجلة – التي تصدر من المركز الثقافي العراقي في مدريد (ثم اخرجونا منها؟).. بعدها اشتغل جودت كرئيس للتصميم في مجلة ثقافية تابعة الى بلدية موستلس في مدريد من عام 1984 الى 1991. وقد شارك في كثير من المعارض العالمية، وله اعمال مقتناة في كثير من المؤسسات الثقافية والفنية والمتاحف.. التقيت به قبل فترة قليلة في احد مقاهي مدريد وتناولنا القهوة وقد دار بيننا حديث طويل وعريض عن هموم الغربة واوجاع العراق...

 

د. كاظم شمهود

 

448 السومريونلم يتسن لي من قبل زيارة المُتحف العراقي للآثار لا أعرف لماذا؟ أ هي سذاجة مني أم غباء؟، أو ربما لكوني ابن حضارة الطين السومرية، فظننت أنني مُكتف بحملي ـ كما أحسب ـ لبعض من جينات وجودي ووجدنا نحن أبناء الجنوب.

لا لا أظن هذا ولا ذاك، إنما أظن مُجيباً واثقاً: إنها الحروب التي شغلت جيلي وجيل من هُم قبلي ومن هُم بعدي، فقد طالتنا لوثة الكُره للماضي لقُبح تأويله وتفسيره في زمن الدكتاتور (من نبو خذ نصر إلى صدام بابل تنهض من جديد)، فحسبنا كل ما صنعه أجدادنا من حضارة إنما هي حضارة طُغيان واضطهاد، فلطالما كرهت سماع اسم ذلك الملك البابلي العظيم (نبو خُذ نُصَر) لفرط ما عشناه من ألم وحرمان في زمن الطُغيان، فاقترن اسم هذا الملك شرطياً باسم الدكتاتور، حتى أنني كُنت أتذكر أن في شارع المُتنبي الذي كان من ميزاته الجمالية وجود بعض مجانين الثقافة، وأحدهم كان يسير في الشارع مُسرعاً أيام الحصار وغياب الكهرباء بعد قصف محطات التوليد فيصرخ بعلو صوته (من نبو خُذ نصر إلى صدام "اللالة" تنهض من جديد)، فاقترن تاريخنا الحضاري في بذاكرة القهر والألم، رغم أنني كُنت أعرف قيمة هذه الحضارة، فهُناك من باعة الكُتب في شارع المُتنبي كان يجمع أعداد مجلة "سومر" التي تهتم بحضارة العراق فيأتي العاشقون لها من كُل فيافي الأرض ليشتروا أعدادها شغفاً بحضارة عشقها الغرب قبل الشرق، وتخلى عن التباهي بها أبناؤها، فآثر الآخرون الحفاظ عليها.

نحن أبناء شارع المُتنبي من يستنسخ ويبيع كتاب صموئيل كريمر "ألواح سومر" وهو الذي أكد بمعلومة لا تقبل النقاش أن "التاريخ يبدأ في سومر".

وأنا سليل هذه الحضارة، وابنها غير النجيب، لأنني أيام الصبا والشباب كُنت أعرف بعض الشُبان في مدينتي (قلعة سكر) جنوب العراق يذهبون لحفر بعض (الإيشانات) الواقعة في الجزيرة على طريق (عكيل) أو على طريق الفجر ـ الديوانية، وبعضهم كان يجد لُقاً أثرية وأختاماً اسطوانية، وبعضهم يُخرب كل ذلك العُمران والبناء، بل وحتى بعض من الرُقم الطينية المدفونة في أعماق الأرض، وكما عرفت من بعضهم أن هُناك بعضاً من رجالات النظام السابق كانوا يشترون ما يعثر عليه هؤلاء، وكان يتردد اسم كبير قادة حماية صدام (أرشد ياسين).

يُنسب للإمام علي (ع) مقولة "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، وكُنت أنا من الساكتين عن هؤلاء الذين أعرف بعضهم أنهم من الفقراء، وقيل لهم أن في قبور أجدادكم ومواقع حضارتهم كنوزاً مدفونة، فكُنت أفضل أن يكون سارقاً لتُراث أجداده وهو له فيه بعض من حق الإرث على أن يكون قاتلاً أو قاطع طريق، والنظام يرتضي ذلك، فالعيب ليس في هذا المواطن الفقير إنما (العيب في النظام)!.

449 طه باقراليوم وبعد عمر طويل سنحت لي فرصة زيارة المُتحف، وفي لحظة الدخول استقبلني طه باقر كبير الآثاريين العراقيين يقف على دكة تشي بأنه لا زال يحن لبابل الحضارة وبابل وجوده وصباه وشبابه.

إنه سليل كلكامش، وهو من قدم لنا النسخة العربية لهذه الملحمة الخالدة، تُحيط بطه باقر خُضرة ونسق جمالي يُعيدنا لتذكر جنائن بابل ولكنها ليست مُعلقة.

الخُضرة والحدائق دليل لانعاش النفس وعود على بدء لرؤية كلكامش مرة أخرى، فالخضرة دليل ديمومة الحياة وصيرورتها.

بعد أن ولجنا ادارة المُتحف طل علينا شخص حُنطي البشرة في بعض من سمار المُحيى وسمر الروح وتوهج العينين اللذان ينمان عن ذكاء بان لصاحبهما في حُسن التحاب وجمال الاستقبال وتنظيم العمل الذي كشفه لنا شغف العاملين في هذا الصرح الحضاري البهي.

دخلنا قاعات المُتحف، فكانت بداية التدوين والتاريخ في "سومر" حضارة الطين والبردي والمشحوف والحرف، فيها أوان من الطين والشمع ورُقم طينية وأحجار جلبها السومريون من أقاصي الأرض ليُجملوا وجه الأرض قبل يبابها.

في هذه الصالة اجتمع رجال الحكمة مع رجال الدين ولم يغب عن مُجالستهم رجال الأنس الذين كان لطعم الجعة السومرية نشوتها في أوانيها قبل أن يشربها مُحب لها من يد ساقيها.

حضارة عُمقها أكثر من ستة آلاف سنة، ولك في موجودات المُتحف الآثارية دليل على تثبيت هذا التاريخ.

تشدو بك الألحان نحو قيثارة الجنوب التي تتوسط القاعة الثانية، وأحسب أنني تحسست وعرفت منبت عُرَب صوت (داخل حسن) و(حضيري أبو عزيز) ومكمن جمالهما. إنهما ورثة موسيقى الشجن الذي عزفته قيثارة الذهب السومري، فهمتُ وغاب تركيزي على باقي التُحف الأخرى، وصرت أسمع صوت (أبو كاظم) يرن في أذني صوت ليشدو بأغنيته الشهيرة "فوك ارفع إيدك فوك ارفع ايدك...سلم على اليهواك فوك ارفع ايدك) وبلحظة افاقة وجدت (إيدي) مرفوعة، ورأسي مُنحن، وكأنني أعلنت التوبة، كما يفعل الغربيون حينما يرفعون القُبعة اعترافاً بالجميل.

450 الحضارة الوسومريةبدهشة وفضول وخوف وارتياب وحياء واستحياء دخلت خاشعاً مُتبتلاً أمام بوابة الحضارة البابلية (الأكدية) حضارة الكبير أسرحدون، وحمورابي ناظم مسلة حقوق الإنسان قبل الأوان، وسرجون الأكدي، ونبو خُذ نصر وولده نركال شناصر.

وبينما أنا في ذهولي هذا فإذا بي أجد نفسي وصحبي أمام هيبة بعض من بقايا بوابة عشتار التي لو اصطف كل فناني العراق من شماله إلى جنوبه وهم سليلوا هذه الحضارة أن يأتوا بمثل ما أتى به أجدادهم لعجزوا. ألوان بهية زاهية ينتصب فيها الأسد مُعلناً عن قوة صُناعه في العُمران والحضارة والقوة والغلبة في الجمال قبل الغلبة في تصدير العُنف!.

قفوا معي وانحنوا لأجداد لنا صنعوا تاريخ الحضارة والعنفوان والزهو بما صنعوا ودليله انتصاراتهم وخلودهم الذي بحث عن عشبته كلكامش في الوجود البايلوجي فتجسد ألقاً في الوجود الإنساني!.

في قاعة الحجر والصخر وصالة الفخامة والتجلي الجميل للقوة والحكمة قاعة الحضارة الآشورية يقف الثور المُجنح برأس إنسان، حكيم قوي لجناحيه دلالة البديهة في النباهة والخفة رغم ضخامة المُجسم!. يا لهذا الفنان العراقي الآشوري وريث حضارتين، حضارة الجمال والكتابة في سومر ووريث حضارة النظام والزهو في بابل، ليُزيد حضورهما حضوراً أبهى وأجمل. حضارة آشور ونينوى تدوين وميراث حجري وتعبير عن الجليل بعبارة (إيما نويل كانت) بعد شغفه بالجميل، ألا وهو حضارة أور والوركاء والمشحوف والقصب والطين السومري، والمسلة والجنائن المُعلقة وعودة "ديموزي" ليملأ الأرض خضرة بعد أن جفت ينابيع الحياة فيها.

آشور بانيبال يُزيد المعرفة تحديثاً وتجديداً في تأسيسه لمكتبة احتوت آلاف الألواح الطينية وبعض ما تمكن من جمعه من نصوص أكدية، ليرث نتاج حضارة مكتبة "نفر" مقر الإله (إنليل) والتي وجد فيها أقدم تقويم زراعي في العالم.

452 الثور المجنح

في خضم تدفق التاريخ بألقه هذا توقفت عند صورتين في حضارة وادي الرافدين هذه:

الأولى: هي صورة إلهة الخمر!، وبعد اطلاع وقراءة عرفت أن سكان بلاد الرافدين اتخذوا للخمر آلهة يعدونها الحامي للمحبة، ويأتي التشجيع على صناعتها لارتباطها بإلهة الخمر، فللإله صفات بشرية وإن كان يفوقه في الكمال، لكنه إله يأكل ويشرب الخمر، وبعض المؤرخين يذكر أن الإله "أنكي" يشرب خمره المُقدسة، وبعد نشوة سُكر هتف العراقيون القُدامى باسم الإله "إنليل" الذي فكر في خلق الإنسان. وقد أكد الآثاريون أن العراقيين هُم أول من صنع البيرة وشربها قبل 6000 سنة (مقال لأحمد سمير)، وقد ذُكر في ملحمة كلكامش صاحبة الحانة "سيدوري" وهي أنثى تنماز بالحكمة الإلهية لتي نصحت كلكامش بعدم مواصلته للسفر والبحث عن عشبة الخلود.

أما الصورة الثانية فهي صورة "بازوزو" وهو تجسيم نادر للشيطان، وكما ذكر لي د. قيس أنه تفرد عراقي، فلم يُذكر من قبل أن هُناك حضارة قد جسدَت صورة الشيطان، أو إبليس كما جاء في "المدونة النصية الإسلامية".

صوَر العراقيون القُدامى "بازوزو" = (الشيطان) في أساطيرهم على أنه مُركب مُجسمٌ أسطوريٌ يركب الريح من الصحراء بحثاً عن الماء، له وجهٌ متجهم يشي بالرفض وعدم الرضى بجناحي نسر وجسمُ إنسان وأطراف أسد وذيل عقرب، والعقرب دلالة واشارة ورمز لأبناء التنين (تيامات) الذي قتله آشور في بداية تكوين الكون فصنع منه الماء واليابسة.

وبقراءة مُتأنية لعطايا "بازوزو" نجد أن في تجسيمه اشارات ودلالات لا تحتاج إلى تعقيد تأويل، فهو مصدر لأسباب الوجود (الماء واليابسة)، وكل ترسيم لجزء من أجزاءه إنما فيه ما يُخبرنا عن أهمية وجوده في الحياة، فهو يخترق التصحر ليخلق وعياً بقيمة (الوجود) = (الماء) على قاعدة "وجعلنا من الماء كل شيء حي"، ففي وجود "بازوزو" نفع وتذكية للوعي الإنساني وقيمة العقل النقدي المُعبَر عنه في تجهم وجهه الذي لا علامة فيه أبلغ من علامة "النقد" وتجسيمها في تشكيل صورة للرفض نستشفها في ترسيم وجه "بازوزو" = "الشيطان".

أجنحته دعوة للتحليق في سماء التفكر لأن منحوتة بلاد الرافدين له أظهرته بجسد إنسان، وكل إنسان يبحث عن الحقيقة إنما هو طائر بجناحين كلاهما تأمل وتعقل، فتشكل بصورة العقرب ورمزية لأبناء التنيين ذلك الكائن الأسطوري الذي يخترق جميل الوجود بجليل تكوينه الذي هو من بقايا عطايا وهبات العقل التأملي الذي من ميزاته الجنوح نحو الخيال والعيش في عوالم الحُلم أو المُثل التي يهيم بها هذا العقل.

شيطان بلاد الرافدين هو فتنتهم، وكم فتنوا العالم من قبل بفيض عطائهم؟، وهي فتنة جمالية.

واليوم نعيش زمن "الفتنة" ولكنها فتنة لا علاقة للجمال فيها لا بتأثير "بازوزو" تعقلاً وتمرداً ولا بتأثير إله السماوات والأرض إيماناً وتودداً.

 

د. علي المرهج

 

67 Andromeda9.fwمن قصص الاساطير التي ألهمت خيالات العديد من الادباء والفنانين الكلاسيكيين هي قصة أندروميدا التي خلدتها مئات اللوحات والروايات والقصائد واعمال السينما والمسرح وصولا الى تسمية الكواكب السماوية بإسمها. 

67 Andromeda1.fw

 والقصة ماتزال تثير الاهتمام في الأوساط الفنية الى يومنا هذا.

67 Andromeda2.fw

تقول الأسطورة الاغريقية ان كاسيوبيا ملكة أثيوبيا كانت قد ادعت بأن ابنتها أندروميدا من الملك سيفوس كانت أجمل وأرق من كل حوريات البحر.

67 Andromeda3.fw

 مما أغضب إله البحر بوسيدوس غضبا شديدا فقرر الانتقام من الملكة ومملكتها. 

67 Andromeda5.fw

 تجسد انتقام بوسيدوس بإرسال وحش البحر سيتوس لينتهك سواحل اثيوبيا ويفتك بسكانها ويحظى بأندروميدا!. 

67 Andromeda7.fw

 وهكذا تم اختطاف اندروميدا وربطها بسلاسل الى صخرة على الساحل وهي عارية من اجل ان ينهشها سيتوس. 

67 Andromeda8.fw

ولكن سرعان ما وصل الخبر الى مسامع البطل الاغريقي بيرسوس، قاطع رأس الميدوزا، 

67 Andromeda10.fw

 الذي هرع لإنقاذ أندروميدا وذلك بالانقضاض على الوحش وتقطيعه بالسيف، ليعود بأندروميدا سالمة ويتزوجها وينجب منها ذرية كثيرة. 

67 Andromeda12.fw

من الرسامين الكبار الذين تخيلوا ونفذوا مشهد انقاذ أندروميدا تيتيان وروبنز ولايتن وبيكو وانگرس ورمبرانت. 

67 Andromeda13.fw

67 Andromeda14.fw67 Andromeda15.fw

مصدق الحبيب

 

 

66 Marina and Saidov.fwمرينا آيكوريفنا Marina Igorevna وأيدمير سيدوفAydemir Saidov زوجة وزوج برعوا برسوماتهم حول موضوع واحد هو "المرأة شبه العارية المستلقية"! 

66 Marina Aydemir Saidov2.fw

ولدت مرينا في مدينة تامبوف في الريف الروسي عام 1970.

66 Marina Aydemir Saidov4.fw

وبدأت تعزف على البيانو منذ الطفولة حتى انها قبلت بسن السابعة في مدرسة الأطفال الموهوبين لدراسة الموسيقى وتخرجت منها بتفوق. 

66 Marina Igorevna3.fw

 وحين ارادت ان تعمل عند بلوغها الثامنة عشرة لم تجد أي عمل في مجال الموسيقى لكنها وجدت عملا في شركة اعلان كمساعد فنان گرافيكي. 

66 Marina Igorevna4.fw

وهناك وخلال ثلاث سنوات اكتشفت موهبتها في الرسم وميلها اليه فدخلت اكاديمية كوستروما وتخرجت بدرجة شرف عام 1996 لتبدأ العمل كفنانة محترفة وتحوز على جوائز عديدة.

66 Marina Igorevna5.fw

وتتزوج عام 2003 من أيدمير سيدوف، الفنان الذي يصغرها بتسع سنوات والذي التقته صدفة عندما كان الاثنان يرسمان في الهواء الطلق في حقل كبير خارج مدينة سانت بيترسبرگ. 

66 Marina Aydemir Saidov1.fw

ولد أيدمير سيدوف عام 1979 في عائلة فنية حيث كان والده رساما محترفا معروفا في عموم روسيا. 

66 Marina Igorevna1.fw

بدأ أيدمير الرسم الى جانب والده وهو بسن الثالثة، ودخل المدرسة الخاصة بالأطفال الموهوبين وهو بسن الحادية عشرة واصبح النجم اللامع في المدرسة. 

66 Marina Igorevna2.fw

بعد ذلك دخل اكاديمية كراسنودار للاحداث الواعدين وهو بسن 15 وتخرج منها بتفوق،

66 Marina Aydemir Saidov3.fw

ليدخل اكاديمية سانت بيترسبرگ الشهيرة ويتخرج منها بدرجة شرف عام 2006 ويعمل كفنان محترف ويفوز بعدة جوائز روسية وعالمية. 

66 Marina Aydemir Saidov5.fw

مصدق الحبيب

 

65 Socrates3.fwسقراط (470-399 ق.م). هو الفيلسوف اليوناني الذي يعتبر أحد المؤسسين الأوائل لما يعرف اليوم بالفلسفة الغربية. كان سقراط قد أُتهم من قبل الفاسدين من سياسيي ورجال دين أثينا آنذاك بتهمة الزندقة وإفساد شباب البلاد ونخر عقولهم بالأفكار الغريبة التي تتنافى مع تقاليد واخلاق المجتمع الاغريقي، مما أدى الى احالته الى المحكمة. 

65 Socrates1.fw

وفي المحاكمة التي حضرها نفر من طلابه المخلصين كان من بينهم افلاطون الذي وصف وقائع المحاكمة فيما بعد في كتابه الشهير Phaedo 

65 Socrates7.fw

يقول افلاطون ان المدعي العام طالب المحلفين بتجريم سقراط والحكم عليه بالإعدام! وقد صوت غالبيتهم على الطلب.

65 Socrates6.fw

وحين أُثيرت مسألة الغرامة بدل الإعدام كان المبلغ المطلوب 3000 درهم، إلا ان سقراط لم يكن يملك آنذاك سوى 100 درهم مما دعا طلابه ان يعلنوا بأنهم سيجمعون الباقي ويدفعونه للمحكمة لكن المدعي العام رفض قبول ذلك وأصر على حكم الإعدام بتجرع السم.

65 Socrates2.fw

حينذاك سرب بعض أصدقاء سقراط نيتهم له بتهريبه من السجن قبل تنفيذ الحكم إلا ان سقراط رفض العرض قائلا لهم إن عليه أن يمتثل لحكم القانون ويواجه مصيره بمسؤولية كاملة. وهكذا تجرع سقراط قدحا من السم واستسلم للموت وهو في السبعين وسط حزن ونحيب تلامذته وأصدقائه. 

65 Socrates4.fw

أفضل من تخيل ورسم الدقائق الأخيرة في حياة سقراط عام 1787هو الرسام الفرنسي جاك لوي ديفد Jacques Louis David . كما تخيل الإعدام العديد من الرسامين منهم الإيطالي جيامبيتينو سكنارولي Giambettino Cignaroli والفرنسي جاك دي سانت كونتن Jacques de Saint Quentin 

65 Socrates5.fw

مصدق الحبيب

 

401 تابس1يقول الناقد والمؤرخ مانويل بورخا Manuel Borja (ان تابيس لديه صفة العمومية في فهم العالم، فتصويره ينبع من الخيال، وان تشكيلاته المادية تعبر عن الحقيقة المطلقة الكامنة ورائها، فهو بهذه الحالة يعتمد على السحر المادي والخيال لما ورائها من مضامين ..) ثم يضيف مانويل قائلا: (لنأخذ احد اعمال تابيس ونحللها وهي لوحة (الكرسي القديم) حيث يبدو للمتلقي انه لا يعبر الا عن منظره البسيط، ولكن التفكير بعالم هذا الكرسي ورحلته الطويلة في تحولاته المادية سيعطي لنا صورة اخرى ذات ابعاد مفاهيمية ومعنوية، ابتداءا من ذلك العامل الذي قطع تلك الخشبة بمعانات وتعب، وكانت هذه الخشبة في يوم من الايام شجرة قوية ذات جذور ممتدة الى اعماق الارض وبطاقة حيوية كبيرة وهي مستقرة في غابة في اعالي الجبال ... ولهذا فان حب العامل لعمله الذي نفذه وفرحة المشتري للكرسي وراحة الجالس عليه، كل هذه التحولات للمادة الخشبية ساهمت في حركة الحياة وديمومتها .. وحتى الكرسي القديم نجده يحمل في داخله روح الطاقة الاولية لتلك المياه التي كان يمتصها بجذوره من الارض التي كان يستوطنها .. ان السحر في كل هذه السلسلة من التحولات للمادة تظهر لنا مفهومها الحقيقي وقدسيتها . ونفس الشئ يسري ذلك على المواد الاخرى البسيطة والمستهلكة ..)

كل شئ يتحرك وله روح:

هذا الطرح الفلسفي لاعمال تابيس وحياة وروح الاشكال والجمادات يذكرنا بتراثنا الديني والآية القرآنية الكريمة (لوا انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) .. (كل عرف صلاته وتسبيحه والشجر والدواب ..) بمعنى ان كل شئ في الحياة من جماد وحجر وشجر وحيوان له روح وحياة وحركة ومعرفة ، وهذا ما اثبته العلم اليوم بان ليس هناك شئ ساكن في الحياة والكون ... فهذا الكرسي القديم في نظر تابيس يعتبر شئ حي له روح وعمق تاريخي ولهذا فنحن نتعامل مع اشكال حية وان بدت لنا جامدة لا تتكلم .. يضاف الى ذلك فهو يحمل مشاعر واحاسيس العامل الذي صنعة وفكر ومشاعر الفنان الذي رسمه وحب المشتري والجالس عليه.. ولهذا فان تابيس ينظر الى الاشكال المادية بهذا المنظور الصوفي و المفاهيمي . ...

قرأت كتابا فلسفيا مترجما يدعى – الفلسفة الفرنسية من ديكارت الى سارتر – للمؤلف جان فال 1968 - يتحدث عن سر الوجود والحياة والكائنات في هذا الكون وانها في تواصل وتغير وتجدد مستمر .. ونقلت منه هذا النص (... هذا الاتصال لا يوجد في الكائن الحي فحسب ولكنه يقوم بين الكائن الحي والكون، فهناك تداخل مستمر بين الموجودات بعضها وبعض ... وكل حيوان هو انسان بدرجات متفاوتة، وكل معدن نبات بدرجات متفاوتة، وكل نبات حيوان بدرجات متفاوة.. ففي كل مكان حياة وما الموت الا تغيير في الصورة .. وكتب ديدرو قائلا : ما من نقطة في الطبيعة لا تتألم ولا تستمتع). هذه المفاهيم الفلسفية نجدها في فكر تابيس وطروحاته واعماله الفنية ..

401 تابس2

و بالمناسبة احب ان اذكر معلومة تاريخية (لها علاقة) وهي ان الفرنسيين لما غزوا مصر عام 1798 كان معهم 150 عالما و2000 من الفنانين والرسامين والاطباء والفلكيين وغيرهم ’ وقد عملوا مسحا ميدانيا لجميع المناطق الاثرية في مصر واخرجوا كتابا يتكون من 20 مجلدا يدعى – وصف مصر – فيه رسوم ولوحات عن الحياة المصرية في ذلك الوقت، كما نقلوا معهم الى فرنسا المخطوطات العلمية والفلسفية والجغرافية الاسلامية .. ولهذا فقد تأثر بها المثقفون والادباء والعلماء الفرنسيين ...و ليس بعيدا وغريبا ان يتأثر بها ديكارت وسارتر .كما ان الفنان تابيس كان متأثرا بفكر سارتر والفلسفة الوجودية .. 

و يذكر الناقد الاسباني بيري خمفيري Pere Gimferrer بان غياب التقييم والفهم و المعرفة لاعمال تابيس هو تقصير كبير .. وعليه يجب دراسة اعماله بعمق من جميع الجوانب التاريخية والفكرية والفلسفية والمادية . كما يذكر بيري، ليس هناك ناقد افضل من الفنان نفسه، ولهذا يجب الذهاب الى كتابات تابيس نفسه ومعرفة حقيقة تفكيره وطروحاته الفلسفية ..

صدرت ستت كتب تتحدث عن اعمال تابيس ومفاهيمه الفكرية جمعت نصوصها من خلال ما نشر في الصحافة من نقد وما كتبه هو عن الفن والمقابلات التلفزيونية والاذاعية . واصبحت هذه الكتب مادة غنية بمثابة مراجع لفهم تابيس واعماله . و يقول تابيس : (يثيرني جدا حفر كرافيك او رسم كرافيتي على جدار، عندما اجده مشحونا بالمعاني الانسانية، وهذا اللون من الاعمال يعادل عندي كل ما موجود من اعمال في متاحف العالم ...)؟. وكثير ما نجد آثار وبصمات الفنان تابيس على اللوحة من خلال طبع كف يده على سطحها، وكان يستخدمها كمفردة لغوية معبرة . تلك اليد التي من خلالها تسرب مشاعر واحاسيس الفنان الى المادة الفنية وعناصرها وبشكل ابداعي واعي وخيالي ساحر فتخرج بالتالي اللوحة مشحونة بطاقة كبيرة من الافكار والاحاسيس الحية .

وقد بدأ تابيس يكتب ويطرح افكاره وينشرها منذ عام 1955 الى عام 1970 وهو يقول (لا افكر في الفن التشكيلي فقط وانما اريد ان اعبر عن شخصيتي نفسها ..) وهذا الطرح يشبه فكر الفنان بول كلي حيث يقول (ان تطور الشخصية والتعبير عنها يمكن ان تبلغ المثل الاعلى للكائن الانساني ..) وكان تابيس مثقفا ناسكا و كثير القراءة والبحث في جميع صنوف المعرفة من فن وفلسفة وادب وتاريخ وشعر وغيرها .. وكان يقول (الفن هو مصدر للمعرفة) وهي اشارة الى اهمية و وظيفة الفن الثقافية والاجتماعية واستيقاضه للعقل ......

 

د. كاظم شمهود