30-savitsky4قسطنطين سافتسكي Konstantin Savitsky (1844-1905) رسام روسي من اقطاب الواقعية ماقبل الاشتراكية.

 30-savitsky1

ولد في مدينة تاگنروگ في بيت صغير ملحق بجمنازيوم المدينة الذي يعمل فيه والده طبيبا للحوادث.

 30-savitsky2

بدأ بعمر مبكر بانجاز تخطيطات لمشاهد من النشاطات الرياضية لرواد الجمنازيوم الذي كان يراقب ناشطيه ويتمتع بمراقبة تمريناتهم.

 30-savitsky3

لكن هذا الاهتمام والاستمتاع ومزاولة التخطيطات لم يستمر طويلا بسبب وفاة والديه وهو بعمر عشر سنوات وانتقاله الى سانت بيترسبرگ حيث منزل عمه الذي تكلف رعايته وارساله الى مدرسة خاصة.

 30-savitsky5

درس قسطنطين الرسم في الاكاديمية الملكية في سانت بيترسبرگ التي تعرف فيها على زملاء موهوبين اصبحوا فيما بعد رموزا للثقافة الروسية من امثال ايليا رپن Ilya Repin، آيفن ششكن Ivan Sheshkin، وفكتور فاسنتسوف Vasnetsov   Viktor.

 30-savitsky7

خلال سنوات الدراسة الاكاديمية اصبح قسطنطين من ابرع الطلاب النشطين وحاز على عدة جوائز وميداليات فضية وذهبية.

 30-savitsky8

الا انه خرج على تقاليد الاكاديمية الصارمة بعد تخرجه منها مؤسسا جماعة المعارض المتنقلة عبر البلاد عام 1870 ليعمل بعد ذلك تدريسيا في اكاديميات موسكو وپنزا.

 30-savitsky9

تمتاز لوحات قسطنطين بدقتها وتفاصيلها الجميلة خاصة وانه كان مولعا برسم اكبر عدد من الشخوص في المشاهد التي يختارها 

30-savitsky10

ويحرص ان تكون مشاهد بانورامية آسرة لمن يشاهدها،

 30-savitsky11

مما يؤكد على تكريس جل جهوده لفنه واناته وصبره في انجاز اعماله التي تبدو عند اكمالها وكأنها ملاحم اسطورية.

 

ا. د. مصدق الحبيب

صحيفة المثقف

khadom shamhodجورجيو كيريكو 1988-1978 Giergio Chirico- من رواد الفن الحديث ولد في مدينة فولوسvolos ببلاد اليونان، والده ايطالي الاصل من مدينة باليرمو – صقلية – يعتبره البعض الممهد الاساسي للمذاهب الفنية الحديثة ومنها المدرسة السريالية التي شقت طريقها في اتجاهاتها الرمزية و المعتمدة على اللاشعور .. وقد بنت هذه المدارس التقدمية الحديثة تنظيراتها الفكرية على مبدأ ميتافيزيقي ..

 

فلسفة المثل والفن:

كان موضوع الميتافيزيقية قد طرح في زمن فلاسفة الاغريق .. وحكم افلاطون على ان الفن لا يمثل سوى مظاهر الطبيعة .. وانه محاكات للطبيعة والطبيعة نفسها هي محاكات للاصل لمثالها ... فالجميل عنده يتدرج من الجمال الحسي الى الجمال العقلي او الروحي الذي يبلغ ذروته في الانسان عن طريق الاقتراب من الجمال المطلق .. وتتلخص نظرية افلاطون بان النفس الانسانية موجودة بصورة مستقلة عن البدن في عالم المثل وكانت تملك معارف كونية . ثم نزلت وحلت في البدن واصبحت ترى مظاهر الاشياء التي كانت تمثل الحقائق الازلية الخالدة في ذلك العالم ..

733-khado

وقسم افلاطون الشكل الجميل الى نوعين الاول الشكل النسبي والثاني الشكل المطلق والشكل النسبي هو الشكل الذي كانت نسبته او جماله موروث في طبيعة الاشياء الحية وفي طبيعة الصور المقلدة للاشياء الحية .. اما الشكل المطلق فهو يعني عنده الخطوط المستقيمة والمنحنيات والسطوح والاشكال الصلبة وامثالها .. وهذه الاشكال جميلة بطبيعتها ... وكلما تخلصت الروح من المادة اقتربت من الحقيقة، وهذا ما سلكه الفنان الروسي كاندنسكي في اشكاله التجريد ية للوصول الى المطلق ..

 

الفن الميتافيزيقي:

733-khado1ن المبدأ الميتافيزيقي بقى قائما في الفن الحديث واعتبر الاساس الهام الذي تقوم عليه نظريات المذاهب التقدمية الحديثة، لان الفن الحديث قد هدم القيم الاخلاقية والجمالية وابقى على الماهية او لماء وراء المادة والذي اصطلح علية بالمطلق .. وقد ظهر هذا التيار بين اعوام 1910 و1915 ورغم ان هذا المذهب لم يدم طويلا واختفى ولكنه يعد من اهم الينابيع في تصوير القرن العشرين .. ويعتبر كيريكو في طليعة المصورين الميتافيزيقيين وهم قلة . درس الهندسة المعمارية والتصوير في اثينا، ثم كرس كل وقته للتصوير، بعد ذلك اخذ يتنقل بين الدول الاوربية ووصل الى باريس عام 1911 وهناك عرض اعماله التي اطلق عليها اسم – اسماء الغازواحاجية الرمزية – وكان بيكاسو قد علق على اعمال كيريكو (انه اكثر المصورين ادهاشا في زمنه) وقد تكونت بين الاثنين علاقات طيبة . وكان اثناء اقامته في ميونخ درس عن فلاسفة الالمان امثال نيتشة وديكار وشوبنهاور وغيرهم، مما عمق افكاره الفلسفية وطروحاته الفنية . عاش كيريكو حياته عاشقا للآثار باعتباره قد درس الهندسة المعمارية . كما ان ما يشاهده من احلام صدى في اعماله الفنية واستطاع بحسه العميق ان يكشف الغموض عن الخيالات والاشباح المقنعة .. وقد قادته تأملاته الفلسفية الى ان ما يراه من الناس والاشياء انما هي مظاهر تخفي ورائها الكثير من الحقائق ...كانت اعمالة تثير التامل من حيث العمق والفنتازية الخيالية، كما نجد انها تحملنا الى آفاق بعيدا عن عالم الواقع .. وهي التي مهدت الطريق الى ظهور التيار السريالي ..

 

التقنية:

لقد استفاد كيريكو من المدرسة التكعيبية من ناحية التكوينات والالوان تلك التي كان يستعملها بيكاسو وبراك .. ورغم ان هذه المدرسة ظهرت في باريس الا انها وصلت الى ايطاليا خلال الحرب العالمية الاولى . واصبحت تستخدم - المانيكان الخشبي – في اوضاعها ومبادئها الفنية كرمز واحجية .. والذي يعتبر من اهم السمات لهذه الحركة . والمانيكان هو نوع من الشكل المجسم او تمثال، الذي يستخدمه عادة الخياطون لتفصيل الملابس او تستخدم لعرض الازياء في المحلات التجارية .. وقد وظف كيريكو المانيكان الخشبي في اعماله عاريا او مكسوا والذي نراه شاخصا في اغلبها، و يستخدم ايضا في تكويناته عناصر فنية متنوعة سواء كانت من بقايا اثرية او من الاشخاص . وكذلك نشاهد صور واشكال ورموز من الاحلام متداخلة ومتراكبة نفذت باسلوب المفكر المتأمل .. وفي اعماله نرى ايضا ان الزمان والمكان مفقودين وليس لهما اثر، كما نرى انعدام للحركة، مثل لوحته – لغز مساء الخريف – حيث نشاهد تمثال اثري محطم على قاعدته قرب بعض المباني التي يطغي عليها الحزن . وكذلك لوحته – النسبة الزائفة – والتي نشاهد فيها رمزه المانيكان .. حيث يسود اعماله الصمت والحداد .. وفي احد اقواله (نحن الذين ندرك رموز الابجدية الميتافيزيقية، نعرف اي سرور واي حزن مبعثه تلك البواكي القائمة في ركن من الطريق ....) (انني انا وحدي .. قد بدأت القي شعاعا من الضوء يمثل اول علامة لفن يعتبر اكثر اكتمالا ... بل بالاحرى اكثر ميتافيزيقية ..) .

ثم جاء من بعده فنانا آخر سلك نفس المسلك والاسلوب في تقنياته وطروحاته الفلسفية التشكيلية يدعى كارلو كارا Carlo Cara 1881-1966 وقد اعلن عن موقفه ذلك بقوله (اننا نحن المصورون الميتافيزيقيون انما نعمل للابقاء على الحقيقة ...) . ولكن لم تدم هذه المدرسة طويلا فسرعان ما تلاشت واختفت كما حدث ذلك للدادائية والمستقبلية، ويعوز ذلك حسب بعض النقاد الى غموض الهدف والدقة الزائدة في الرسم كما لم تتمكن من توسيع بحوثها الفكرية الى جانب المجهودات الادائية ولم تكن الحركة ناضجة بعد في بحثها الميتافيزيقي ..

 

د. كاظم شمهود

 

29-bernini13يعد جيوفاني لورينزو برنيني Giovanni Lorenzo Bernini 1598- 1680 واحد من اعظم نحاتي التاريخ.

 29-bernini1

نظرة واحدة على تمثال اغتصاب پيرسفون، كمثال، تؤكد ادعاء اعداد غفيرة من مؤرخي الفن عبر القرون بان عبقرية برنيني في النحت استثنائية ونادرة بندرة العباقرة من امثاله.

 29-bernini2

لنتأمل كيف تغوص اصابع پلوتو الواثقة الانيقة في لحم فخذ پيرسفون البض وهو يحاول جاهدا ان يضمها اليه.

 29-bernini5

29-bernini8وكيف تطوق يده اليسرى خصرها النحيل بينما تدفع هي برأسه بعيدا عن صدرها وتغلق ساقيها باحكام معبرة عن امتعاضها واشمئزازها منه.

 

يقول استاذ تاريخ الفن البروفسور هاورد هبرد "على مدى القرن السابع عشر، لم يستطع اي نحات في العالم تجاوز موهبة برنيني، ليس فقط في دقة التشخيص انما في الحركة والتعبير الدرامي للشخوص".

 29-bernini3

 ولد برنيني في نابلس لاب فلورنسي وام ناپولية وكان والده نحاتا ناجحا اشترك في انجاز مشاريع فنية رئيسية في روما وبقية المدن الايطالية.

29-bernini12 

كانت موهبة برنيني قد ولدت معه في البيئة الفنية المناسبة حيث كان يراقب والده بفطنة وذكاء واهتمام حتى اصبح نحاتا بعمر مبكر مما جلب انتباه بابا الفاتيكان الذي قربه منه ورعاه وعهد اليه فيما بعد اكبر المناصب في الاشراف المعماري والفني على المشاريع مستفيدا من خبرته ليس فقط في النحت بل في الرسم والعمارة والتخطيط الحضري.

 29-bernini11

كانت لبرنيني ايضا موهبة في الكتابة للمسرح لكن قابليته الفذة في تطويع الرخام جعلت منه الخليفة الاول لمايكل انجلو.

 

29-bernini7

  في عنفوان نشاطه اصبح برنيني مبدع عصره وملك الستايل الباروكي في النحت والعمارة.

29-bernini9

قام البابا بتكليفه لانجاز مشاريع رئيسية كبرى في روما لا تزال الى اليوم تشهد ببصمته الفنية مثل كنيسة سانت پيتر وساحة سان پيترو وانصاب ونافورات عديدة. كما ان تكليفه تعدى ايطاليا لانجاز انصاب رئيسية في بريطانيا وفرنسا لازالت خالدة الى اليوم.

 29-bernini10

من اهم اعماله التي تعرض بوضوح اسلوبه الفني هي:

29-bernini4

 

 

The rape of Persephone 1622

Apollo and Daphne 1625

Ecstasy of Saint Teresa 1651

David 1624

Angels of Ponte Sant’Angelo 1669

Blessed Ludovica Albertoni 1674

 

 

 

 

 

khadom shamhodلازال النقد الفني اكثر بعدا من الدقة الفلسفية والموضوعية لانه يمثل امتدادا لمراحل تطور النقد الادبي , بمعنى ان لغة الادب ومصطلحاتها ومفرداتها تسيطر على النص النقدي الفني .. وقد وجدنا ان التضارب في الآراء والتقلبات من صفات النقاد تبعا للمواقف العاطفية او الفئوية القومية او غيرها ولا يوجد اليوم على الساحة الفنية وباعتراف الكثير من المثقفين نقدا موضوعيا ونزيها على الاطلاق خاصة في بلداننا العربية , فلابد من دخول المشاعر والعواطف والميول والفكر في اثناء الكتابة والحكم . بالاضافة الى ظاهرة شراء الاقلام والذمم والتي نجدها منتشرة وخطيرة في عالمنا العربي .. اذن ان الآراء تبقى محصورة في دائرة وجهات النظر الشخصية والتي تعبر عن افراد متعددي المعرفة ومختلفي المستويات الثقافية وكل واحد ينطلق ويحكم من زاوية موقعه ... وبالتالي لابد من توريق صفحات كتب التاريخ للاطلاع على آراء الفلاسفة والفنانين الذين سبقونا في هذا الحقل والذين لهم باع وسطوة كبيرة ومهمة في حركة الفن حتى نقف على حقيقة معرفة الاختلاف والخلاف وفوضوى الآراء .. .. والتي احيانا تؤدي الى قتل الفنان كما حدث لفان كوخ .. ؟؟؟؟

 731-khadom

لقد اعتمد تولستوي 1828 في نظريته في الفن على المفكر والشاعر – وردزورث - حينما قال ان الفنان (انسان يتحدث الى الناس) واكد هذا المفكر بان على الفنان ان يسلك الاساليب السهلة والبسيطة يخاطب بها عامة الناس وبلغتهم البسيطة ... وعلى هذه النظرية سيكون الفن مفهوما من قبل ابسط عامة الناس... وحينئذ سنقول وداعا يا شكسبير وباخ وبتهوفن وجوته وبيكاسو وكاندنسكي وبول كلي ... وداعا لان اعمالكم ومنجزاتكم الفنية لا يفهمها البسطاء من الناس ...

اما رأي الفنان هنري ماتيس 1869 فهو يختلف تماما عن تولستوي ووردزورث وتحدث بوضوح عن مشاعره : (لا يوجد التعبير – بالنسبة لي –في العاطفة التي تشع من احد الوجوه او التي تتضح باحد الاشارات العنيفة . وانما يكمن التعبير في مجموع بناء صورتي , المكان الذي يشغله الاشخاص , المساحة الخالية من حولهم , العلاقات النسبية , كل شئ يلعب دوره , ان التاليف هو فن تنظيم العناصر المختلفة التي يستخدمها الفنان بهدف التعبير عن مشاعره ..) ويذهب ماتيس الى الاهتمام بالمدركات الحسية وخلق الجمال الحسي من خلال تأليف الانغام والايقاعات في الالوان والانسجام والبناء الشكلي والتعبير من خلالها عن مشاعرة وافكارة وعمق وجدانه ..

 

 

اما سيزان 1839 فكان فنانا وفيلسوفا قلب الامور على عقب حيث اخذ ينظر الى الطبيعة بمنظور فلاسفة الاغريق .. (كل ما نراه يتشتت ويختفي الا الطبيعة دائما هي ما هي , ولكن لا شئ يتبقى منها , لا شئ مما نراه , ولا بد من فننا من ان يمنح الطبيعة معنى الاستمرار المثير , الى جانب مظهر تغييراتها , فيساعدنا هذا الاحساس بالطبيعة كشئ ابدي ..) هذه التصورات لسيزان تشير الى ان المظاهر الشكلية للطبيعة في تغير مستمر وان جوهرها او روحها هي التي تبقى الى الابد وعلى الفنان ان يعمل بهذا الاتجاه ... وقد مهدت هذه الافكار الى ظهور التيارات الحديثة ..

و يعتقد جاك بولوك 1912 ان كل ما قدمه من رسوم واقعية لا يعادل لوحة واحد من اعماله الاخيرة اي اللوحات التجريدية والتي تعبر عن مشاعره العميقة من خلال العفوية في الرسم .. ولكن فان كوخ 1853 كان يرسم بقلبه الرحيم الرباني ويده على ريشته ترتعش متوترة وهو يشارك الفقراء والمساكين في مناجم الفحم – بوريناج- كي يتعلم منهم الصبر ويشاركهم المحنة والشقاء وهو ما دعى رجال الكنيسة من طرده من عمله كواعظ ديني لذلك السبب فتحولت حياته الى تعاسة وآلام .. وكان يصرخ في وجه كوكان : اريد ان ارسم الشمس كيف تدور .. ولازالت- طلقة فان كوخ - تدوي عبر التاريخ ووراء كل لوحاته التي رسمها بتعبيرية عالية احتجاجا على تقاليد الفن السائد وظلم الانسان وتعسفه وخاصة رجال الدين الذين خربوا وافسدوا ... متى نرى اليوم - طلقة فان كوخ - تستقروا في صدر المفسدين وسراق الاموال وبعض من رجال الدين والساسة في العراق ؟؟؟ ..

 

د. كاظم شمهود

 

khadom shamhodفي احدى المقابلات الصحفية مع الفنان الاسباني مارتين جيلينو تحدث عن آرائه وتجربته الفنية ومنجزه النحتي من خلال مسيرة طويلة حافلة بالنشاط والابداع . وكيف انه اراد ان يخلق نوعا من الصلة الودية بينه وبين مادة الخام الحديد . وقد دونا بعضا منها:

(اعمالي متأثرة بحركة يدي نتيجة للطرق وحرارة النار فتأتي طائعة مشكلة . وعندما احصل على الشكل لا افرض نفسي عليه انما اتعامل معاه بطريقة المحبة و العلاقة الحميمة ...) - (اثناء العمل مع المادة يحدث نوع من الحوار المتبادل بين الوان الحديد والنار حيث يفتح ذلك ابواب واسعة للوعي و الابداع والخلق .. .. وقد تعمقت معرفتي باللونين الاحمر الكرزي والابيض من خلال العمل مع حمم النار ..)- (انا انظر الى الحديد والى شعلة النار وارى امامي الشرار يتطاير، وخلال ذلك اعرف ما تحت النار وكيف هي حالة الحديد هناك . كل ذلك يأتي من خلال الممارسة والتجربة الطويلة ، مما يعطي المنحوتة مخرجا سهلا وطبيعة جميلة ..)

 726-khadom1

السيرة الذاتية:

ولد مارتين جيلينيو Martín Chilino عام 1925 في مدينة لاس بالماس Las Palmas احد جزر الكنارياس الواقعة قبالة بلاد المغرب في المحيط الاطلسي.. وكانت هذه الجزر تاريخيا تابعة الى الحضارة الافريقية وان سكانها من اصول بربرية كما ان اصول لغتها بربرية او آمازيقية . وقد غزاها الاسبان عام 1496 م واصبحت منذ ذلك الوقت تابعة للدولة الاسبانية ... .. .. ويشكل مارتين الابن الثالث عشر من عائلة كبيرة لنفس الابوين، وكان والده يشتغل في ورشات السفن في ميناء لاس بالماس، وكان احيانا يرافق والده الى العمل، واول ما وقعت عليه عيناه هي مادة الحديد التي يشتغل فيها والده فتأثر باجواء الحدادة والحديد ومال قلبه الى اليها .

في عام 1944 سجل في اكاديمية الفنون الجميلة في لاس بالماس . بعدها سافر الى مدريد عام 1948 و درس في كلية الفلسفة و الآداب ولكنه لم يكمل دراسته فتركها، ثم سجل في مدرسة الفنون في سان فرناندو في مدريد .. وفي عام 1952 انهى دراسته وسافر الى لندن ودخل مرة اخرى مدرسة للفنون وتعرف على عدد من الفنانين الانكليز منهم النحات المعروف هنري مور وباربارا هيبورث وغيرهم . وخلال هذه الفترة، وسع من دراسته وتجربته فدخل ورشات طرق الحديد وتكوين الاشكال، فازداد وعيا و معرفة في حرفة النحت . كما يذكر انه زار متحف الآثار في لندن واطلع على المنحوتات السومرية والبابلية و الفرعونية والاغريقية حيث كان شغوفا ومغرما بهذه الحضارات العريقة ... بعدها عاد الى مدينته لاس بالماس والتقى بالفنان المعروف – مانويل ميارس 1926 ( مانولو ) وكان هذا الاخير يعتبر من طلائع الفن الحديث حيث تأثر به عدد من الفنانين المغاربة مثل - المكي مغارة 1933تطوان – ثم انظم الاثنان الى جماعة -الممر— el paso 1957 والتي كان من ابرز زعمائها الفنان الاسباني المعروف انتونيو ساورا 1930 –كل هذه المسيرة الطويلة شكلت له قاعدة رصينة من التجارب الفنية .

 726-khadom2

التقنية:

كان مارتين يتعامل مع مادة الحديد الخام اولا : كحداد حيث يحمل المطرقة وينهال على قطعة الحديد وسط النيران الحامية طرقا و ضربا كي يطوعها فتتطاير الشرارات والشضايا في كل اتجاه .. كما هو عند الحرفيين الحدادين .. ثانيا : الفنان مارتين تعامل مع مادة الحديد كفنان ومثقف ومبدع يريد ان يخلق من هذه المادة الصلبة شيئا جميلا معبرا ... و كما يقول احد النقاد ان مراحل العمل الفني تنحصر بمرحلتين الاولى مرحلة انشاء الجمال والثانية مرحلة التعبير..

وقد ذكر مارتين في احد المقابلات الصحفية من انه يعتبر نفسه حدادا اكثر من اي شئ آخر . كما ان بعض النقاد اشاروا الى ان مارتين كان يحاول بكل طاقته ان ينجز عملا فنيا بأقل شئ ممكن من مادة الحديد واكثر تعبيرية، وهو ما نهجت عليه مدرسة الحداثة وقولها المشهور (القليل يعني الكثير) .. كما عندنا قول اخلاقي (خير الكلام ما قل ودل) او (كل مختصر عليه كافي) .. واكد مارتين على الحركة الكونية في اعماله من خلال تشكيلات حلزونية على غرار دوران الافلاك او المجرات وهو اتجاه فلسفي ونظرة امتداد بلا حدود .. ..

ويقول الفنان مارتين:

(كان الشكل الحلزوني منذ بداية عملي في النحت هو المركز في انطلاقي نحو الابداع والخلق ... وكان العنصر الحلزوني عند الاقوام القديمة في جزر الكانارياس يعتبر عنصرا سحريا في الطقوس الدينية حيث يصعد الفرد الى قمم الجبال بطريقة حلزونية لمراقبة حركة النجوم والتعرف عليها وعبادتها ....) من هنا يتبين لنا دور الاسطورة والتقاليد والعادات للامم السابقة في حضورها الواضح في المنجز الفني الحديث وكيف استطاع الفنان اليوم من توظيفها في اعماله الحديثة بتقنية وخيال جديد ..

كما استخدم في اعماله صفائح الحديد فخرجت مطروقة ومركبة ومصبوغة بالوان حية متنوعة . وقد شكل من هذه الصفائح اشكالا وفراغات غاية في الخيال و الابداع والجمال متأثرا بالفنان هنري مور 1898 و الفنان الاسباني الباسكو خورخي اوتيثا 1908 .. وقد عمل مجموعة كبيرة من المنحوتات اطلق عليها اسم - البحر المتوسط – عرض بعضها في نيويورك في كالري غراثي –Grace عام 1962 - كما عمل سلسلة اخرى اطلق عليها – رياح وجذور - وكذلك نفذ سلسلة – الملكات السود – وهي اشكال افريقية منها رأس افريقي كبير منصوب حاليا في المركز الاجتماعي لبنك التوفير في كنارياس..

وخلال رحلته الطويلة مع الفن عرضت اعماله في عدد كبير من الكالريات و المتاحف العالمية في نيويورك وباريس وكولونيا وغيرها، وكذلك في عدد كبير من المدن الاسبانية خاصة جزر كانارياس ونصبت اعماله في الساحات العامة .. وحصل على جوائز تقديرية عديدة . كما شغل عدة مناصب مثل المسشار الفني لمتحف الفن الحديث – المركز الثقافي للملكة صوفيا - في مدريد. كما عين مديرا للفن الحديث –CAAM - في كانارياس ومديرا لدائرة الفنون الجميلة منذ عام 1982 الى 1992 . وغيرها .. وهناك مشروع لمؤسسة مارتين جيلينو تقع في مدينة لاس بالماس تكون مركزا ثقافيا ومتحفا يضم اعمال وانجازات الفنان خلال مراحل حياته الفنية ... لازال الفنان حيا ونتمنى له الصحة ..

 

د. كاظم شمهود

 

28-couple10كاثرين پيروجيني دكنز Catherine Perugini Dickens المسماة دلالا "Kate- كيت" 1839-1929

 28-couple1

هي البنت الصغرى ذات المزاج النزق الحاد ولكنها مدللة ابيها الروائي الانگليزي چارلز ديكنز (1812-1870).

 28-couple8

درست كيت في كلية بدفورد وهي اول مؤسسة للتعليم العالي النسوي في بريطانيا.

 28-couple7

ومنذ سنين الشباب الاولى اصبحت كيت رسامة متفوقة وناشطة في الاوساط الثقافية مما قادها ذلك الى زواجها بعمر 20 سنة من الرسام الانگليزي چارلز ألستن كولنز   Charles Alliston Collins الذي توفي بالسرطان عام 1873 بعد أربعة عشر سنة من زواجهما.

 28-couple3

كان نشاطها الاجتماعي والفني المتزايد في البيئة الفنية والادبية الانكليزية قد ساعد على زواجها الثاني في العام التالي من الفنان الايطالي-الانگليزي البارع چارلز ادوارد پيروجيني Charles Edward Perugini.

 28-couple4

ولد پيروجيني في نابلس الايطالية عام 1839 وتتلمذ عل يد الفنانين الايطاليين گسبي بونولس Giuseppe Bonolis وگسبي مانسنيللي Giuseppe Mancinelli ، ثم على يد الفنان الفرنسي آري شيفر Ary Scheffer الى ان استدعاه الى لندن اللورد لايتن Lord Leighton للعمل في استوديوهات لايتن.

 28-couple12

وفي لندن كان پيروجيني قد تعرف على كيت مع مجموعة لامعة من المثقفين ضمت الفيلسوف جورج برنارد شو والفنان الكبير جون ايفرت مليه الذي كان قد رسم رسم كيت عدة مرات.

 28-couple2

بدأت صداقة پيروجيني لكيت قبل وفاة زوجها لكنهما اصبحا قريبان اكثر لبعضهما بعد ان فقدت زوجها، الامر الذي ادى الى اتفاقهما على الزواج في اقل من سنة.

 28-couple5

بعد ذلك اصبح زواجهما حدثا لتاسيس البيت الفني البحت، فكان ارتباطهما مكللا بالمزيد من التألق الفني والاجتماعي طيلة اربعة واربعين عاما حتى وفاة چارلز عام 1918

 28-couple6

والذي اعقبه وفاة كيت عام 1929 عن عمر 90 سنة كان حافلا بالفن والادب والنشاط الاجتماعي.

28-couple11

ا. د. مصدق الحبيب

صحيفة المثقف

zouher sahebإن الفكر العراقي الإبداعي، وهو يؤسس أنظمتهِ الأولى في تاريخ الإنسانية . تمكن من تصنيف الظواهر وإدراك ما بينها من علاقات، فجعل لكل قوة في الوجود (رمزاً)، وعلى هذا النحو تحولت الظواهر إلى رموز ومفاهيم، وهي تكثيف للأفكار بخطاب التشكيل. إنها بمثابة الوسيط، بين الطبيعة في بنائيتها المادية وعالم الميتافيزيقيا، وبجدل حيوي بين فيزيائية الظواهر وجواهرها. فالكوني في بنائية الفكر القبل كتابي، ينتمي إلى واقع وما فوق الواقع. وقد (حَلَّ) الآن عالم الوهم، بمحيط معرفي في وعي الإنسان بتأويل المدركات إلى صور رمزية. فتحولت الأشكال، من صور مماثلة لحيثيات الأشياء إلى دلالات معبرة عنها. ذلك إن مثل هذه الخطابات الرمزية في (جوهرها)، لا تستقي البهجة من الطبيعة (العفوية) للأشياء، لكنها تسعى إلى نوع من التأويل، وبما يضع الرمز في خصوصيةِ اللامحدودة، متعدياً السببية الرابطة بين المرموز به والمرموز إليه. فالمهم هنا نوع من الإزاحة في أنظمة الأشكال كمفاهيم، وبما يجعلها موحية (مشفرة) بدلالات جديدة . فقد كان هدف الفن ليس التقليد، بل الكشف عن الصيغ التي (تساند) الفكر الإنساني (القبكتابي) لامتلاك صلات وثيقة مع عوالمهِ الحاضرة والمعّيبة.

قاد الفعل المبدع لآليات عمل الصورة الذهنية للفنان من الفترة القبل كتابية في العراق، إلى تمثيل الفنان لما يعرفه ويدركه عن الأشياء، وما ينبغي إن تكون عليه، بدلاً من أن يحاكي ما يراه، واضعاً بذلك التجربة الحسية تحت سيطرة ومراقبة الذهن، ذلك إن الأشكال في فنون هذه الفترة العظيمة، كانت حقائق صورية . ومن هنا كان التوجه نحو المظاهر التجريدية، والتوقف عند الصور الذهنية غير المادية . والقائمة على التنظيم البنائي المتناغم في الأشكال الهندسية . فالفنانون لم يروا بأعينهم ما في الطبيعة بل بأفكارهم، وهم لم ينسخوا الموضوع كما هو في الواقع بل يؤولونه نحو الجوهر . ذلك إن تشبيهية الصورة، لم تعد تمثل نظام الشكل في فنون الرسم والتصوير، بل عَمِدَ عوضاً عنها، إلى تأويل نظام رياضي، يتسم باستدلالات عن الصورة المُدركة حسياً . وفي ذلك تكمن القدرة بالرقي على جميع الصور الفردية، وشتى أنواع التفاصيل والجزئيات . ومن هنا كان التحول في سمات الأشكال من الخصائص الجزئية، إلى بنائيتها الكلية، ومن الفردية إلى التعميم المطلق.

601-zuhir

إن الأصل في المنجزات التشكيلية، هو العمل الأول الذي يرى النور بفعل إبداع (الفنان) . أما (القوالب) الأخرى والتي تشكل سلسلة تاريخية، تعقب الأصل، فإنها لن تكون بذات الأمانة المطلقة في فعل الاستنساخ . وبفعل الطلب الاجتماعي على الأعمال الفنية التشكيلية من الفترة القبل كتابية في العراق باعتبارها رموز طقوسية، إن جعل الضرورة الفكرية (مرّكزة) على المضمون على حساب الشكل . فتوالدت الأشكال وهي تحمل تنوعاً في الأنساق التشكيلية، مما أكسبها ابتعاداً عن (الأم) في نسخها المتكررة، الأمر الذي ولدَّ تمرحلات بصدد الأسلوب من دقة الواقعية نحو رمزية التجريد. وهي آفاق تبدأ بتأكيدها الوجود الإنساني، بواساطة الإنسان نفسه، وبتأكيد حقه في إيجاد حقيقة أخرى، خارج حدود الطبيعة بل ويتجاوزها اعتماداً على قوانين خلق أخرى.

وفعَّل تطور الفكر الديني، ضرورة إبداع أشكال (تجريدية) مطلقة للتعبير عن ظواهر مطلقة، في خطابها التشكيلي (المشفّر) نحو الميتافيزيقي. وذلك بإبداع أشكال بفعل الخيال والتأمل، تستطيع تجاوز منطق الواقع . فالمهم هنا هو تمثيل الأشكال بأسلوب، يفعّل تأويلها بدلالات جديدة، وبوجود مضاف تبثهُ فيها الذات الفردية للفنان المبدع، التي تتأمل وتعقل وتبتكر . وذلك بالاهتمام بداخلية الشيء العميقة، حيث أصبح (الموضوع) محض وسيلة لإبداع علاقات شكلية تجريدية. إنه فعل (الإبداع) الذي أصبحت فيه التجربة واعية بذاتها، بالتحرر من النموذج وصولاً إلى البناء الرمزي الخالص . بالاهتمام (بإبداع) فكرة عقلية تتكفل بتفسير (البلبلة) التي تكمن وراء المظاهر الواقعية السطحية للظواهر الاجتماعية. وفي ذلك أكثر الأفكار (معقولية) في تفسير تحولات الأشكال في هذه الفترة العظيمة من تاريخ الفن التشكيلي العراقي، من الواقعية إلى التجريد .

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

27-swan12ليدا وذكر الاوز Leda and the Swan   حكاية من الميثولوجيا الاغريقية تدور عقدتها حول كبير الالهة زيوس Zeus

27-swan1

الذي رأى يوما ليدا، المرأة الحسناء التي اثارت غرائزه واشعلت شهوته الجنسية للحد الذي دفعه الى تحويل نفسه الى ذكر الاوز ليتمكن من ان يدخل مخدعها ويغويها ويغتصبها.

 27-swan4

وقد حدث ان كانت ليدا في تلك الليلة قد امضت ساعات حب في الفراش مع زوجها تايندروس Tyndreus ملك اسبارطة.

 27-swan6

تمضي الايام فيتحرك في رحم ليدا اربعة اجنة لتلد بعدئذ توأمين.

 27-swan11

التوأم الشرعي من زوجها تايندروس الذي ضم ولدا وبنتا هما كاستر Castor وكلايتميسترا Clytemnestra،

27-swan13

والتوأم الغير شرعي من المغتصب زيوس الذي ضم ايضا ولدا وبنتا هما بوليديوسز Polydeuces وهيلين Helen التي ستصبح فيما بعد الفتاة التي نشبت حولها حرب طروادة.

 27-swan14

تمضي القصة لتبيح لنا بان كلايتمسترا التي شب عودها واصبحت فتاة جميلة مغرية تتعرض الى هزة نفسية وعقلية عميقة جراء معرفتها ماجرى لامها وحقيقة اخوانها غير الشرعيين.

 27-swan9

ألهمت هذه الحكاية العديد من فناني وشعراء وكتاب عصر النهضة فشهدت السنوات الاولى من القرن السادس عشر سلسلة من الاعمال الفنية والادبية التي تجسد ماجرى لليدا وأوزها

27-swan2

حتى ان شيوخ الفن مثل مايكل انجلو وروبنز كان لهما مساهمتهما في التأثر بتلك الحكاية وتجسيدها فنيا.

27-swan5

26-veiled6يتطلب النحت المباشر على المواد الصخرية قابلية فذة على التصور ومهارة عالية في التجسيد لاتضاهيها مختلف القابليات والمهارات التي تستلزمها بقية الفنون.

 26-veiled2

ولكن ان يأخذ النحات تصوره ومهارته الى الحد الذي ينحت فيه المواد الصخرية الجامدة ويوحي لنا اننا نرى قماشا شفافا فضفاضا او ملابسا مبللة ويجعلنا نرى ونحس بملمس وطبيعة الاشياء، فهذه عبقرية فذة تتخطى الحدود.

 26-veiled4

النحاتون العظام يجعلوننا نفرق مثلا بين العيون الزرقاء والبني، وبين النسيج القطني والصوفي والقطيفة، ويجعلوننا نرى الماء الرقراق كما انهم يحملوننا على ان نحس ملمس جسد الانثى ونفرقه عن ملمس جسد الذكر. كل ذلك يتم بالرغم من ان النحات لايطوع الا مادة واحدة صماء صلدة ذات لون واحد ونسيج واحد متماسك.

26-veiled5

كانت وماتزال من افخم منجزات النحت عبر التاريخ هي تلك الاعمال التي انجزها شيوخ النحاتين واوحت لنا برؤية الشخوص وقد غطاهم وشاحا شفافا نستطيع ان نرى من خلاله كامل ملامحهم دون اي غموض. من اشهر هذه الاعمال الخالدة:

 26-veiled8

- الحقيقة المحجبة وتوچيا للنحات الايطالي انتونيو كوراديني (1688-1752)

 26-veiled9

-الانعتاق من الخديعة للنحات الايطالي فرانسسكو كويرلو (1704-1762)

 26-veiled10

- المسيح من خلل الوشاح للنحات الايطالي گسبي سانمارتينو (1720-1793)

 26-veiled11

- يونادين تنبثق من تحت الماء للنحات الامريكي چونسي برادلي آيفز (1810-1894)

 26-veiled7

- العذراء تحت الخمار للنحات الايطالي جيوفاني سترازا (1818-1875)

 

مصدق الحبيب

zouher sahebقدّم السومريون، هؤلاء المبدعون الأوائل في التاريخ، للبشرية كماً وكيفاً من المبدعات التشكيلية، تحتفظ بها متاحف العلم بكل فخر . وتقع منطقة الإبداع، في النشاط الذهني للفنان، في إحالة وتأويل الاعتقادي الفكري إلى بنائيات شكلية، وفق آليات إبداعية، يقودها الذهن واليد، تعقد نظاماً من العلائقية الجمالية، بين ما هو فكري وما هو مادي وصولاً لبناء وتأسيس شكلانية المدلولات .

أن العلائق البنائية في بنائية الشكل في التماثيل السومرية، بين الحسي والحدسي، والمعرفي والإبداعي . توجب التحول في منظومة التماثيل السومرية، نحو سيرورة تكثيف الخطاب التشكيلي بكل سياقاته، إلى نظم رمزية تتفق مع المفاهيم الضاغطة في تركيب الأشكال. والتي ربطت فيها ذهنية المبدع بين المادي والروحي، لتكوين وحدة أسلوبية، ترتفع فيها المدلولات فوق الظاهرات الطبيعية المنفردة . ذلك إن صلة التشبيه المادية المنظورة، قد أمكن الاستعاضة عنها بصلة روحية هي صلة الرمز، وهو ذلك الكيف، الذي يتصف بالوعي والإرادة قبل كل شيء . فتحول التمثال من صورة مماثلة لفيزيقية الأشياء، إلى بنية شكلية معبرة عنها، فأن فأسست الأشكال ذاتها بدلاً من صناعة التاريخية لها .

وبفعل البنية الماثيولوجية للحدث، أن بدت التماثيل وكأنها قادمة من كوكب أخر، فهناك قصدية واعية مستندة إلى الخيال والإرادة والوجدان، سعت إلى تحطيم المنظومة الأيقونية لأنظمة التماثيل الشكلية . بفعل التغلغل بما هو انفعالي، بغية كشف مشكلات الذات الإنسانية. وهنا يمكن رصد نوع من النزعة العاطفية حَلّت محل المذهب العقلاني، ترجع خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع، وفي ذلك من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية . فالفنان هنا يؤدي على هواه لأعلى هوى النموذج، وصولاً للقيم الروحية في سعيها نحو اللامادية، بفعل تسامي الذات نحو المنال المطلق الحدسي .

600-zuhar

وبفعل انكماش التعبير على دائرة الحياة الداخلية التي تتجاهل العالم الخارجي، أن بدعت هذه التماثيل الإبداعية المُبجّلة . تبثُ خطاباً روحياً وصوفياً يتصل بأعمق مناطق الروح. فالمكان وتمثيلهُ هنا مغيب، ليس كما في الوجود المتعين، فهو فاقد لهويته الجغرافية والزمانية. ذلك أن الشخصيات مفرغة تماماً من وجودها المادي كأيقونة مُعاشه، ومرحّلة بفعل ضغوط البنية العميقة، إلى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور . نوعاً من الصوفية عصفت بالمتعبد السومري، ليجتاز حالة البشري وصولاً إلى حضور مثالية الأبدية .

لقد كان يُشار إلى الأشكال برمزية مُقتضبة، ومثل هذه الأشكال التي تبدو هندسية الطابع (شكل مثلث يقوم على شكل مخروط) . هي نوع من الكشف الأول لبناية الشكل قبل عصر (سيزان) بأكثر من أربعة آلاف عام . فالشكل هنا مجرد انعكاس للعالم المحيط، بل هو نتاج روحي، إنه إبداع أضافه للوجود . وفي ذلك تكمن القدرة على الرقي على جميع الصور الفردية، وشتى أنواع التفاصيل والجزئيات . ومن هنا كان التحول في سمات الأشكال الفنية من الخصائص الجزئية إلى البناية الكلية، ومن الفردية إلى التعميم المطلق . فالعنصر الحاسم هنا، هو جوهر الشكل المُوحي بالموضوع المُمثَل، والذي يتميز بما هو جوهري وثابت . وهو اكثر سمواً مما يمكن أن يوجد في طبيعيةِ الفردية .

واظافة إلى التجريدية، تضع دون تخوف، نظم الأشكال للتماثيل السومرية بمقتربات الحداثة . فقد تم تجميع الأحجار الملونة البراقة في جوفي العينين، اللتين احتلتا نصف حجم الوجه تقريباً . ذلك نوع من التشفير بأهمية الشخصيات، والتي بدت تعمل في دراما الحدث خارج حضورها الواقعي . فقد امتصت ذهنية الفنان المبدعة، فكرة الموضوع امتصاصاً، وأعادت إخراجها وفق نظام الشكل التعبيري، والذي هو انعكاس لذات الفنان الحرة الكاشفة المؤولة . ذلك أن هيمنة حجم العينين وحركة اليدين على السمات الشكلية للتماثيل في تحري شكلانية المضمون. يكشف عن نوع من التشفير العلامي في ماهية الخطاب التشكيلي، يمكن تكثيفهُ بنوعٍ من الخطاب التداولي، بين شخصية الكاهن كدلاله رمزية، وعوالم القوى الماورائية . والتي لا يمكن بلوغ جمالها اللاهوتي، إلا بارتحال الفيزيائي وارتقائهِ منطقة المتيافيزيقيا . وهو ذلك المفهوم الذي يبغي تفريد العام ليبعد عن المفاهيم المثالية السامية . وهو مفهوم يخرج بالمادي إلى حيز مثالي رفيع، بقوة معتقد وقوة نهوض اجتماعي .

 

abas alimoradالنحت فن كباقي الفنون كالرسم، الموسيقى، التمثيل، التصوير وغيرها كما الآداب من شعر، قصص رويات ومقالات هي حاجة انسانية لا تشيخ ولا يأتي عليها القدم لأنها ترفد الإنسان بطاقة دفاقة، تفتح الآفاق، تطرق الأبواب المسكوت عنها من المورثات الإجتماعية البالية التي تقعد الإنسان وتفقده حس الرؤيا والتفكير في غدٍ أفضل عماده القيم الإنسانية السامية في عالم تحاصره الماديات وتسوده شريعة الغاب وتفقده حس التذوّق.

الفنان النحات توفيق مراد له لغته المميزة، اشكالاً لها ابعاد تعبيرية منها الواضح والصريح او الكامن في عمق المنحوته التي تعكس فكرة، وهو الذي اختار منشاره و ازميله ليحفر معاناته التي تنطق بدون فم او لسان، ويجسد ما تختزن الذاكرة في لوحاته ويجعل من الحلم حقائق ملموسة ، في صياغات عديدة ومتعددة ولها مفهوماً حقيقياً راقٍ يشتمل على المجاز والمحاكاة والرمز... في الصوّر والأشكال الثلاثية الأبعاد، الوطني، التراثي التاريخي والبعد الديني والروحي هذه الأبعاد التي يظهرها مراد من خلال منحوتاته التي تحاكي الحب والحنين والغيرة والجمال والأمل... ويعطي مراد الشجرة عمراً ابدياً دائم الخضرة والنضارة، يغرس عروقها في اعين الناظرين حتى لزمان لم يأتِ بعد...

معرض مراد ومشغله غابة من الأرز والسنديان، المنحوتة التي توثق لتاريخ لبنان،اماكنه ورجالاته، كفخر الدين،قدموس وجبران وغيرهم، رغم سنوات الغربة الطويلة ما زال لبنان يسكن في وعية وحتى في لا وعيه، وهذا ما تلمسه في لوحاته وتأنسه في حديثه.

82-tawfiqmurad

البعد التراثي، يتجلى في اللوحة التي تصوّر جدّ مراد (جميل) في الشروال واللبادة والشاربين العريضين المفتولين وبندقية الصيد، هذه اللوحة بالذات تشكل صورة لرجالات لبنان الذين يشكلون القاسم المشترك الأكبر بين اللبنانيين من مشرق البلاد الى مغربها ومن شمالها الى جنوبها رغم اختلاف كَتَبَةُ التاريخ اللبناني على هذا التأريخ حيث لكل فئة مفهومها لا بل كتابها الخاص بهذا التاريخ.

اللوحة فعلاً تحفرعلى المحيا حباً وتعلقاً بالأرض ومدى التصاق اللبناني بها. ويشترك البعد التراثي مع البعد الوطني الذي خصصه مراد بلوحة تحمل شعار الجيش اللبناني بشرفه وتضحياته ووفائه، ولم يغب الحلم الوطني عن لوحات مراد فكانت لوحة الهدف المنشود التي من خلالها يجسّد حلمه الوطني بالحرية والعدالة والمساواة في ظلال الأرز.

اما البعد الديني فيجسده مراد في لوحة (سلامي اعطيكم) التي يبدو فيها السيد المسيح مسمّراً من أجل خلاص البشرية بالإضافة الى لوحات لقديسين من لبنان واستراليا.

وللهجرة قصة مع مراد كما مع كل لبناني مهاجر، فقد هاجر مراد عام 1969 وهو في ريعان الشباب في عمر الثانية والعشرين، هذه القصة نحتها مراد في لوحة معبّرة (السفينة الفينيقية) وفيها البعد الثقافي وحب المغامرة وطائر الفينيق الذي احترق وبعث مجدداً من الرماد كما تقول الأسطورة.

نشير الى ان مراد الذي عشق النحت منذ نعومة اظافره، افتتح اول مشغل له في طرابلس لبنان وهو ابن العشرين، وعرضت اعماله في لبنان واستراليا وتم توثيق اعماله وحياته من قبل التلفزيون الوطني الأسترالي (اي بي سي) والقناة العاشرة، وفي لبنان اجرى تلفزيون LBC تحقيقاً موسعاً عن اعمال مراد التي تعكس تجاربه وأفكاره سواء كان في لبنان او استراليا.

أخيراُ، لقد استطاع مراد سبر أغوار فنية بعيدة تدلّ على عشق وحب ورؤيا وايمان وإبداع فني مليئ بالحس الإنساني والذوق الرفيع فوصل الماضي بالحاضر، وأضاء على المستقبل من خلال شعلة الأمل التي تتجلى في معظم اعماله .

 

عباس علي مراد

سدني

25-Laocoon6لاوكوون واولاده Laocoon and his Sons

من اشهر القطع النحتية واكثرها غموضا في تاريخ الفن تمثال لاوكوون واولاده الذي اكتشف بالصدفة عام 1506 وكان مدفونا بالقرب من روما.

 25-Laocoon2

وعندما علم البابا يوليوس الثاني Julius II باكتشاف التمثال ارسل فريقا متخصصا للاشراف على الحفر والنقل وكان الفريق قد ضم معمار الفاتيكان جيليانو سانگلو Giuliano da Sangallo ونحات شاب اسمه مايكل انجلو Michelangelo.

 25-Laocoon1

وبهذا تم نقل التمثال الى الفاتيكان التي لاتزال تحتفظ به في متحفها الى اليوم.

25-Laocoon3 

لم يعرف احد آنذاك اي شئ عن التمثال الى ان اهتدى الخبراء الى مطابقته مع الوصف الذي ورد في كتاب الكاتب الايطالي "الشيخ پلني Pliny the Elder. وبموجب هذا المصدر فان التمثال يمثل قصة انتقام وتضحية .. قصة غدر وبطولة في آن واحد .

 25-Laocoon5

الغدر كان من جانب پوسيدن Poseidon ، الاله الاغريقي الذي اراد الانتقام من القس الطروادي لاوكوون. والسبب هو ان لاوكوون كشف خدعة حصان طروادة 25-Laocoon4في الحرب الطروادية التي دارت بين اسبارطة وطروادة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد والتي وصفها هومر في الالياذة.

اما قصة البطولة فكانت في التضحية والشهادة من جانب القس الذي دفع حياته وحياة ولديه ثمنا لحبه وحرصه على مدينته طروادة التي واجهت حربا طاحنة آنذاك.

كان الكاتب الشيخ پلني قد روى في كتابه الذي كتبه بحدود 70 سنة بعد الميلاد بان پوسيدن ارسل زوجا من افاعي البحر الضخمة لافتراس القس لاوكوون مع ولديه انتفانتس Antiphantus وثايمبرسThymprus . يذهب پلني في كتابه الى وصف التمثال وصفا دقيقا وينسب نحته الى ثلاثة نحاتين هم اگساندر Agesander واثينودورس Athenodoros وپوليدورس Polydorus .

 25-Laocoon8

يقف التمثال بطول مترين وهو مصنوع من الرخام الابيض. يحصر الخبراء زمن صنع التمثال تقديرا في مابين ثلاثين سنة قبل المسيح وثلاثين سنة بعده.

25-Laocoon7

zouher sahebإذا عرفنا الإبداع، بأنه ذلك الإنجاز المعرفي القائم على التجريب، وغير المسبوق بخبرة مماثلة، والذي يمتلك صفة الجدة والأصالة. يمكن القول إن أرض العراق الطيبة المعطاء والتي شملتها الاكتشافات العلمية كلها دون استثناء، كانت مهبط الإلهام الأول في التاريخ . فكان للفكر الإنساني على أرض الرافدين دور الريادة في سلم تطور الحضارة الإنسانية، تلك الفاعلية الإبداعية الأصيلة، التي وضع بها الفكر العراقي، العقد الأساسية في مسيرة تطور الحضارة الإنسانية. فمن هذه الأرض، زحف لهيب المعرفة لينير بنوره الوهاج العالم المحيط. وهنا تكمن الفضيلة الآمرة الكبرى، بأن يقدم إنسان هذه الأرض الخيرة للبشرية، مكونات الفكر الإنساني الأصيلة الأولى .

فعلى أرض العراق، ولدت ثورة الاقتصاد الإنتاجي الأولى في التاريخ، باختراع الزراعة، واكتشاف تجربة تدجين الحيوان، والذي قاد لأعظم ثورة اقتصادية في التاريخ، إذ تعادل بأهميتها الثورة الصناعية التي شهدها العالم الأوربي لاحقاً . فقد حدثت ثورة الإنتاج هذه متحولاً خطيراً في بنائية الفكر الإنساني، حين تفوق الفكر على عفوية الطبيعة، مؤسساً نظماً اقتصادية، تعتمد التخطيط والتحسب للمستقبل، وبدء الفكر في حينهِ يبدع تفلسفاً فكرياً في بنية الوجود، مؤسساً أنظمة المعتقدات الدينية، وممارسة الشعائر الطقوسية، واضعاً أسس التفكير المايثولوجي الإبداعية الأولى في التاريخ .

ومع ثورة الإنتاج، كان الاستقرار، ومع الاستقرار أسست القرى الزراعية الأولى، فكان مولد فكرة التخطيط الحضري والإقليمي لأول مرة في التاريخ . ومع زيادة عدد السكان كانت فكرة المشاريع الإنتاجية الجمعية الموحدة، فكان مولد فكرة الزعامة لتوحيد الجهود البشرية . إنه التأسيس الأول في الخبرة البشرية للنظم الاجتماعية في تاريخ الحضارة .

709-sahibوتفتخر الإنسانية في تاريخ الحضارة الطويل، باختراع الكتابة على أرض الرافدين، في عاصمة البطل (كلكامش) وذلك في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد . وبهذا الاختراع المعرفي العظيم، خطت المعرفة أهم خطواتها نحو التاريخ، لحفظ جهود البشرية الإبداعية من الضياع . لقد علَّم إنسان العراق، البشرية الحَرف لأول مرة، محققاً تحولاً مهماً في أنساق الكتابة، من مرحلتها الصورية الرمزية ومن ثم نحو مرحلتها الصوتية المقطعية . وذلك أعظم نصر فكري في تاريخ المعرفة .

وأبدع الفكر العراقي، أول نظام للتعليم حين أوجد فكر المدرسة، بقيمها التربوية الأصيلة . حيث جلس أول تلميذ لتلقي المعرفة، ووقف أقدم مُعلم يعلم العلوم . لقد كان المعلم في سومر يسمى بالأخ الكبير، وفي ذلك تأسيسٌ أول للتعليم التربوي في فلسفة المعرفة في تاريخ الحضارة الإنسانية .

وفي ربوع العراق ابتدعت أقدم النظم الديمقراطية في التاريخ، حيث فكرة تأسيس مجلس شيوخ المدينة وشبابها، حيث يُمثل الفرد وينتخب ويصوت كذات مدركة وواعية لخصوصيتها وكرامتها وأرادتها . إنها فكرة تكافئ الفرص، ومولد الحرية، مثل ديمقراطية (بركلس) الإغريقية بأكثر من ثلاثة آلاف سنة .

وتدين الإنسانية بالعرفان بالجميل لإنسان العراق، الذي أبتدع أول مرة بنائية القوانين الإنسانية . إنها فكرة توحيد النظم العاملة في بنائية الحضارة بهيئة أنساق، تبغي إنسانية القانون بالدرجة الأساس . فمنذ عهد الحاكم السومري (أوروكاجتيا) الذي كثف خطابه الإنساني في القانون بعبارة (جئت لأخلص الضعيف من القوى ولن أدع أحد ينام وهو جائع) وحتى (لبث عشتار) وحمورابي العظيم في العصر البابلي . كان منهج القوانين هو النزعة الإنسانية، والتي أفاضت على العالم روح القانون الإنساني في اتجاهات مختلفة .

وفي عوالم الأدب وبنائيتهِ الإبداعية، كان إبداع الملاحم والأساطير على أرض الرافدين، والتي تدلّلعلى تداول الخطاب المايثولوجي، لأول مرة في تاريخ التأمل والخيال في الأدب العالمي . ذلك إن ملحمة كلكامش بما تضمه من رؤية متفلسفة بأنظمة الوجود، وإشكالات الفكر الإنساني في جدل الصراع بين الوجود والعدم . تشكل ركيزة أساسية في بنية الأدب العالمي، بصدد تركيبتها الشعرية، وجمالياتها اللغوية، والتأويلات الرمزية الواردة فيها . هذه الشاعرية الإبداعية تجد ذاتها أيضاً، في (الطوفان) و (تموز ومأساة عشتار) وغيرها من الإبداعات الفكرية على أرض العراق، التي شهدت الإبداع أول مرة في التاريخ مثل أوديسا هوميروس بأكثر من ثلاثة آلاف عام .

وحين أنذر الطوفان بحدوثهِ، كان اهتمام الفكر الرافديني، بجمع ألواح المعرفة خوفاً عليها من الضياع، إنها التنبأ الأول بصون الروحانيات على حساب الماديات هذه النزعة المتجهة للِحفاظ على المعرفة، هي التي قادت إلى إنشاء المكتبات أول مرة على هذه الأرض الطيبة . ذلك إن مكتبة الملك اللآشوري (آشوربانيبال) تشير إلى استنساخ ألواح المعرفة القديمة، وتأسيس نظم الفهارس المكتبية . تُرى ما أعظم أذن، الانتصار الفكري الذي حققتهُ حضارة العراق في مسيرة تاريخها الطويل المليء بالإبداعات .

وفي حركة الفكر في مجال العلوم، وضع العراقيون قوانين مهمة، وحققوا تقدماً مهماً في مجال علوم الكيمياء والطب والفلك، وجاء الانتصار العظيم، باكتشاف المرحوم الأستاذ (طه باقر) لأحد الألواح الطينية من العصر البابلي القديم، وهو يحمل وضع الأسس الأولى لنظرية (أرخميدس) الذائعة الصيت .

سلامٌ عليك يا عراق ألف مرة، لأنك كنت الأول، وكنت السباق، وكنت المكتشف وكنت الأصيل وكنت الرائد الأول، على مَرّ التاريخ .

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

24-Graces9النِعم او البركات الثلاث The three graces موضوعة من الميثولوجيا الاغرقية بقيت تشغل اهتمام الفنانين والادباء وتمنحهم الالهام على امتداد القرون وذلك بسبب الترميز الجميل في تلك الاسطورة لما في الحياة من جمال وسحر ومتعة.

 24-Graces4

24-graces1تمثلت تلك البركات في البنات الفاتنات اللائي، كما تقول الاسطورة اليونانية، بنات زيوس Zeus كبير الآلهة من امهن حورية البحر يورنوم Eurynome.

 البنات هن:

أكلايا Aglaia آلهة النضارة والرشاقة والذكاء.

  وتاليا Thalia آلهة الجمال والحيوية والشباب.

 ويفروسن Euphrosyne آلهة الطيبة والسحر والمرح.

 

 

24-Graces11

وثلاثتهن ايقونات سامية يمنحن الالهام في الشعر والادب والفن والموسيقى والرقص ويحولن الحياة الى فرح ومتعة يزهر فيها الحب وتشيع خلالها الحكمة. 24-Graces12

من ابرز ماجسد هذه البركات الثلاث النحات الايطالي المبدع انتونيو كانوفا (1757-1822) Antonio Canova بتمثاله الانيق الجليل.

  24-Graces2 

24-Graces5

 اضافة الى ما صورته نخبة بارزة من شيوخ الرسامين كبوجيللي Botticelli وروفائيل Raphael وروبنز Rubens وفاندر وورف Van der Werff وبورديه Bourdet وبسن Bisson وأيتي Etty وفروست Frost .

24-Graces6 24-Graces7

وعشرات وربما مئات آخرين من الفنانين المبدعين. 

 

wejdan alkashabرضا أحمد فضل،33سنة، أُستاذ جامعي بكلية التربية الفنية بجامعة الأزهر / فرع مدينة نصر / مصر، تخرّج من الجامعة ذاتها بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأول على دفعته، وحصل على شهادة دبلوم تكميلي من كلية التربية الفنية / جامعة حلوان / مصر، بتقدير امتياز، ولم تمثّل له هاتان الشهادتان اكتفاءً فاتجه إلى تعلُّم الخط ليحوز على شهادة الدبلوم في الخط العربي، ودفعه شغفه العلمي للتقدم للدراسات العليا للحصول على شهادة الماجستير / كلية التربية الفنية / جامعة الأزهر / مصر.

ولد معاقاً، فهو فاقد للساعد الأيمن والكفين، بالإضافة إلى إعاقة بالقدم اليمنى إلاّ إنّه لا يعرف الاستسلام، بل يمتلك إرادة عالية خلاّقة دفعته للتعلم والإبداع، بل إنّه أثبت تفوّقه في ممارسة الرياضة فهو بطل على مستوى الجمهورية بلعبة الكونغ فو، ويمارس لعبة تنس الطاولة وكرة القدم، وكذلك العديد من الرياضات الهوائية بالرغم من إعاقته، والتي تكاد تحرم كثيرين من التحكّم بأبسط أُمورهم الحياتية.

اشتراكه في المعارض التشكيلية والصالونات الثقافية ومثابرته منحته فرصاً مميزة لإظهار موهبته، وحصوله على مجموعة من الجوائز هي: شهادة تميّز من منظمة اليونيسيف، وميدالية بيت العرب من جامعة الدول العربية، والميدالية الذهبية بمهرجان الشباب العربي، وشهادة تميّز من وزارة الثقافة التونسية، وحصوله على المركز الأول بالصالون الفني الخاص، والمركز الأول بمسابقة {مصر الحاضر والمستقبل} برعاية الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، والمركز الأول في جمهورية مصر العربية بمسابقة الرسم الإبداعي، وجوائز عديدة بالتحدي والكاريكاتير، وكان له مراكز الوصيف بالعديد من المسابقات، من بينها: المسابقة القومية للفنون التشكيلية، ومسابقة أعياد الشرطة، والجائزة التشجيعية بمسابقة {مصر تتحدث عنه نفسها}، وكذلك المراكز باحتفالات انتصارات حرب أكتوبر المجيدة.

حصل على الكثير من التكريمات من الشخصيات البارزة، منهم الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، والأمير الوليد بن طلال، والرئيس المصري الأسبق حسنى مبارك وقرينته السيدة سوزان مبارك، ووزراء الشباب والرياضة، والعديد من المحافظين على مختلف العهود السابقة والحالية.

وعن أسلوبه الفني وما يفضل إيصاله للجمهور، يعلن: أُفضِّل فن التحبير بالأبيض والأسود بقلم الرابيدو أو فن {الغرافيك}، لأنّه يعطى ميزة رسم الظل، وهنا تكمن الصعوبة التي أحببتها، إلى جانب أنني أرسم بالزيت والاكريلك، ولا أُخفي أنَّ الدراسة الأكاديمية فتحت لي مجالات واسعة، وأعطتني فرصة للتنوع الفني، وأشار أيضاً إلى أنّه اشتغل في النحت بالطين الأسواني خلال الدراسة.

أمّا عن اشتغاله برسم الكاريكاتير فيعلن: كان هناك مسابقة للكاريكاتير، وأردت التقديم إليها، وعندما أخذت رأى فنان كاريكاتير شهير لم تعجبه الفكرة، لكني أصررت، وأخذت الأمر كتحدٍ شخصي لأُثبت له أنني أستطيع، وبالفعل دخلت مسابقات على مستوى الهواة والمحترفين في الكاريكاتير، وحصلت على جوائز.

يرى الفنان رضا أنَّ بعض ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر يمتلكون مواهب فنية، وينتجون أعمالاً فنية جيدة للغاية ينافسون بها الآخرين، لكنها تُظلم لعدم افساح المجال أمامها في المعارض التشكيلية، لذا فهو يأمل أن تتضمن معارض الفنانين الكبار أعمال بعض الفنانين من ذوي الاحتياجات الخاصة أي تفعيل عملية التبنّي الفني لهم.

ويكشف الفنان رضا عن أنّه يستعد حالياً لأول معرض فني خاص به، لكنّ طموحه الفني لا يتوقف عند ذلك، ولذلك يعلن: لدي أهداف أخطوها خطوة خطوة، فأنا أتمنى أن أكون فناناً معروفاً ولي بصمتي الخاصة في الحركة الفنية والتشكيلية، خاصة وأنَّ الفن كل يوم فيه الجديد، كما أتمنى أن أقوم بإيصال إبداعات ذوي الاحتياجات الخاصة إلى العالم، وأن تكون أعمالنا معروفة ومعروضة للجميع.

من خلال تأملي في مجموعة من لوحاته لاحظتُ أنَّه يميل كثيراً إلى الرموز، وموقعتها في أكثر من لوحة، فيجلبها محمّلة بدلالات تواضعت عليها الذاكرة الجمعية ثمّ يبدأ اشتغاله الخاص بها ليمنحها ظهوراً مغايراً ودلالة مختبئة، تستدعي متلقيها، وتفتح له الأبواب ليعيد قراءة هذه الرموز تشكيلياً وواقعياً، وهذا ما دفع بي لاشتغال الرمز وحضوره في هذه اللوحة، عبر تبسيط لمفهوم الرمز ووظيفتيه، بعيداً عن تأرخة المدرسة الرمزية وتغيّرات طروحاتها حسب الفنانين الذين اعتمدوها في اشتغالهم الفني.

يشير أندريه لالاند في موسوعته الفلسفية إلى أنّ الرمز علامة أو تعريف أو إشارة، خاتم، دمغة، شعار.

وظيفته إثارة بعض حالات الوعي لأنَّ الرموز – حسب لالاند – نوعان:

1) عقلية: وظيفتها إثارة الخيال والأفكار.

2) انفعالية: وظيفتها إثارة الانفعالات.

يؤشر حضور الرمز في اللوحة التشكيلية إثراءً لدلالاته التي ستنفتح على أبعاد جديدة، لأنَّ الرمز سيكون معنياً بالإشارة غير المباشرة إلى تلك الدلالات، ويربط بالتالي بينها وبين الخيال والأفكار والانفعال انطلاقاً من وظيفتيه العقلية والانفعالية معاً.

وبهذا تمنح اللوحة الفنية متلقيها فرصة النظر إلى الواقع العياني نظرة متغايرة تتسم بالتأمل والتفكير في معطياته التي تحاول اللوحة اعادة انتاجها من خلال عالمها المفترض.

إنَّ نظرة تاريخية سريعة إلى التراث الإنساني تكشف عن حضور فاعل للرمز _ قبل أن يُعرف بهذا الاسم تحديداً_ حيث كشفت رسومات الإنسان البدائي على جدران الكهوف التي اتخذها أماكناً لسكناه في فترة ما قبل التاريخ عن وجود علامات رمزية بدت وكأنّها تشير إلى رموز خاصة مثل الأشكال الإنسانية، والكفوف ناقصة الأصابع التي أوّلها بعض الباحثين بدلالات سحرية، ينضاف إلى ذلك رسومات الحيوانات مثل الثور والخنزير والوعل والماعز، واستمر حضور الرمز مع استمرارية تطوره الحياتي، وهذا ما نجده في أمثلة كثيرة تُظهر الرموز وحضورها في حضارتي وادي الرافدين وحضارة وادي النيل.

ونظراً لكون الفنان رضا مصري فسيكون تركيز هذا البحث على الرموز التي اشتغلها في لوحاته الثلاث لما وجدتُه من استلهام الفنان رضا لهذه الرموز من جهة، ولتوافقها دلالة مع الرموز التي استعملها أجداده وتخصيصاً الفنان الفرعوني.

اعتمد الفنان الفرعوني في تشكيل رموزه على معطيات واقعه العياني متخذاً من الأشكال الهندسية وتخصيصاً الشكل المثلث للهرم، وكذلك الدائرة والخطوط بأشكالها امثلة، كما اتخذ من النباتات مثل السنابل واللوتس وكثير غيرها رموزاً، أمّا الحيوانات فكانت كثيرة أيضاً، وأشهرها الثور {ابيس} والصقر {حورس}.

واستمرت الرموز في حضورها المتلازم مع المسيرة الحياتية الواقعية والتشكيلية للإنسان، لكنني لن أُتابع هذه المسيرة التي تحتاج لتوقف طويل بل سأُحاول تحليل لوحات الفنان رضا، والرموز التي زرعها في لوحاته لتؤدي دلالات أرادها.

تنوّعت تجربة الفنان رضا بين الاشتغال اللوني المتعدد وبين اعتماد الحبر، الذي يجد فيه تحدياً أكبر، ومن خلال متابعتي له وجدته شخصية متحدية، ترفض الهزيمة والانكسار، وتتخذ من التحدي الايجابي المثمر طريقة للعيش سواء أكان على مستوى واقعه العياني أم على مستوى تجربته التشكيلية.

بعد اطلاعي على لوحاته وتأمّل اشتغاله فيها اخترتُ لوحة {الصرخة} لتكون عيّنة لهذا البحث.

واللوحات الثلاث مشغولة بالحبر وبقلم الرابيدو وهو قلم فيه خزان صغير لتعبئة الحبر، وله عدة مقاسات، وخامتها هي ورق الكانسون الذي يفضله الفنان رضا للرسم عليه.

ولا بُدَّ لي من الإشارة هنا إلى أنّ أبحاث العلماء في الآثار الفرعونية اكتشفوا كتابات بالحبر على قماش الكتّان الذي كانت تُلّف به المومياوات الملكية، كما اكتشفوا أنّ هذا الحبر مصنوع من اوكسيد الحديد أو صمغ الخضراوات الذي يخلط بالماء.

لكنّ الحفيد يستعمل الآن ما يتوفر في الأسواق من أحبار، أشهرها الحبر الصيني الذي يُصنع من لحاء الأشجار وزيت الحبوب والصمغ العربي.

لوحة الصرخة هي اللوحة الأُولى التي سأُحاول تحليلها، وهي لوحة حبرية أنجزها الفنان رضا في عام 2005، بحجم 40/ 55 سم. يكشف تكوينها عن حضور عناصرها التي تشكّل رموزها في الوقت ذاته، وهي:

1) الرأس الانساني بوصفه رمزاً كليّاً أو رمزاً أساساً تلحقه رموز جزئية هي: العجلة الصناعية، والشريط الكتابي، والطوق الرأسي.

2) حمامة السلام رمزاً كليّاً، والغصن رمزاً جزئياً.

3) ميزان العدالة رمزاً كليّاً، والبيوت المصرية رمزاً جزئياً.

4) الشمس وأشعتها.

 81-ridhaahmadيتخذ الرأس الإنساني موقعته في الجهة اليمنى من اللوحة، مُشكِّلاً من رمزيته وسيلة للتمظهر في اللوحة، وهذا ما دعا الفنان رضا إلى غرس الجسد في الأرض مشيراً إلى أنَّ الجسد يرفض حالة القتل المفروضة عليه قسراً، وهذا الانبعاث من باطن الأرض إلى وجهها يمثِّل تحدّياً معلناً لمحاولات الإمحاء والإفناء التي تُفرض على الإنسان جبراً.

يُشكِّل الرأس الجزء الأكثر أهمية في الجسد الإنساني، وتخصيصاً أنّه يحوي الدماغ، ذلك المكوِّن الحيوي الذي يمتلك السلطة الكاملة على الجسد، من هنا كانت انطلاقة فكرة الفنان في تظهيره وتحميله رمزية الجسد بكامله، ولم يجد الفنان في هذا اكتفاءً للتعبير عن فكرته الرافضة بل اشتغل باتجاه تظهير رموز أُخرى أسميتها رموزاً جزئية لكونها تتموقع على الرأس، فبدت وكأنها الدماغ خارجاً من الجمجمة، ودليلي في هذه الرؤية أنّ هذه الرموز هي نتاجات العقل والدماغ المبدع، فالعجلة المُسننة رمز عرفته الذاكرة الجمعية في الواقع العياني العالمي يؤشر الانتاج الصناعي، لأنَّ هذا النوع من العجلات صُنع ليكون ناقلاً للحركة من جزء لآخر في المكائن الصناعية، وكلّما دارت العجلة أدّت رمزيتها إلى زيادة الانتاج الصناعي واستمراريته.

لكنّ المسح البصري الدقيق يكشف عن عجلة ناقصة الشكل وليست كاملة كما يجب أن تكون في الالات والمكائن الصناعية المنتجة، قد يرى المتلقي أنَّ حجم اللوحة وحجم الرأس لا يمنح الفنان مكاناً كافياً لتظهيرها كاملة، وربما يرى أنّ الرموز الأُخرى المتموضعة على الرأس لم تمنحها مكاناً أيضاً، لكن – بتصوري – ومن خلال مراسلاتي ومعرفتي بالفنان رضا أميلُ إلى افتراض مغاير عمّا سبق، يعلن عن قصدية الفنان الواعية تماماً لهذا التمظهر الناقص، ودليلي في هذا أنَّ التمظهر الكامل يؤشر استمرارية الفعل الانتاجي، أمّا التمظهر الناقص فإنّه يؤشر نقصاً انتاجياً بفعل توقف العجلة عن الدوران، وبهذه الرؤية تتسق قراءتي مع مقصدية الفنان والتي تؤشر توقف الانتاج قسرياً رغم وجود رغبة العمل عند الإنسان، ولكنّ رفض الإنسان لمحاولة دفنه حيّا، وانبعاث رأسه فقط من باطن الأرض يؤشر الرغبة التي بُعثت مع الرأس في العمل والمشاركة في تسيير عجلة الحياة أيضاً.

ويأخذ الشريط الكتابي تموقعه على الرأس أيضاً بوصفه رمزاً جزئياً هو الآخر، ولكنَّ تمظهره بهذا الطول والالتفاف يكشف عن كونه ورق من نوع محدد وليس الورق الكتابي المتعارف عليه حالياً، والذي لا يصل طوله لهذا الطول، وهذا ما دفعني إلى التساؤل عن نوعية الورق التي تتخذ هذا الطول، فوجدتُه في ورق البردي، حيث يشير الباحث بلين في كتابه {التاريخ الطبيعي} إلى أنَّ أول مَن صنع ورق البردي من نبات البردي هم المصريون القدماء، وتخصيصاً في دلتا النيل، وأنَّهم كانوا يحددون أطوالها حسب حاجتهم إليها، فإذا كانت المادة المراد كتابتها طويلة فإنّهم يلصقون القطع ببعضها، حيث وجدت بعض القطع التي يصل طولها إلى 40 متراً، وعُرفت باللفائف، وهذه اللفائف كانت موئل علوم الفراعنة وقصص ملوكهم، ورسائلهم، وحساباتهم، وأُنموذجات اللوحات التي أنجزوها على جدران معابدهم وأهرامهم، وغيرها كثير .. إذاً هي صورة مكتوبة تمثّل حياتهم في ذلك الوقت.

إذاً ما علاقة ورق البردي بالورق المرسوم في هذه اللوحة؟    

يمكنني توصيف علاقة الإنسان بالورق بكونها علاقة دائمية حيث استمر حضورها حضوراً متوازياً مع الوجود الإنساني، مؤدية الوظيفة ذاتها عبر الزمن وهي حفظ العلوم المعرفية والفنون التي أنتجها الإنسان، هذا من جهة الملازمة بين الإنسان والورق، ومن جهة أُخرى تؤشر اللوحة اعتماد الفنان رضا فضل على رموز تاريخية مثل الحمامة والميزان لتأدية دلالات اللوحة، وهذا ما أحالني إلى ورق البردي بوصفه رمزاً يؤشر حضور المعرفة سواء أكان الحضور تاريخياً أم معاصراً.

إذاً قتل الإنسان لا يكون قتلاً جسدياً فقط بل هو قتل معرفي أيضاً، ولهذا اعتمدها الفنان رضا مؤشراً رفضه للقتل المعرفي مثلما يرفض القتل الجسدي.

يمثّل الطوق على الرأس رمزاً جزئياً آخر يطوّق الرأس المرسوم في هذه اللوحة، والمخزون في الذاكرة الجمعية الإنسانية أنَّ الطوق رمز للبطولة والانتصار، عرفته البشرية منذ أقدم الأزمنة، حيث استعمل الإنسان أغصان وأوراق شجرة الغار لصنع اكاليل تطوّق رؤوس الابطال والمنتصرين لجمالها ورائحتها المتميزة، لكنَّ الطوق هنا ليس هو هذا الطوق الايجابي الذي يؤدي وظائف متعددة: تكريمية وجمالية وتمييزية، بل هو طوق يعلن خشونته وتكسّراته، فبدا وكأنّه يتضامن مع معاناة الرأس، ودليلي في هذا هو تعمّد الفنان رضا منحه هذا المظهر، وكذلك الدموع المتساقطة منه، إذاً اكتسب الطوق وظيفة مغايرة لوظائفه المذكورة ليشتغل باتجاه تأكيد الألم والمعاناة التي أراد الفنان كشفها وتأكيدها.  

إنَّ ما قدّمتُه من حديث عن الرموز يتيح لي فرصة للإجابة عن تساؤل يعلن عن حضوره: لماذا أظهر الفنان رضا الرأس بفم مفتوح وملامح وجهية غاضبة؟

يشكِّل الفم المفتوح دليلاً يتآزر مع النظرة الغاضبة والوجه المتوتر لتأدية فعل الصراخ، واللوحة تعلن عنونتها {الصرخة} رفضاً وتمرّداً ضد سلبية الواقع الذي يفتقد قيماً مثالية يحلم بها الفنان رضا، ويعلن بحثه عنها من خلال التشكيل الذي يحمل وظائفية واضحة الملامح تشتغل باتجاه كشف المستور من السلبيات، وتشير الطروحات النفسية إلى أنَّ الواقع السلبي الذي يعيش فيه الإنسان قد يدفعه إلى تبني حالة الدفاع بوصفها شكلاً من أشكال الرفض والمقاومة التي تشتغل باتجاه تغيير هذا الواقع من خلال اعلان تمرّده عليه، وهذا ما تعلنه الصرخة التي يطلقها الرأس.

يشير التاريخ في أدبياته إلى أنَّ الانسان اتخذ الحمامة وغصن الزيتون رمزاً للسلام منذ عهد النبي نوح {عليه السلام}، فعندما جاء الطوفان أفنى الله كل ما على الأرض من بشر، وغطّى الماء أعلى قمم الجبال، لذلك أرسل النبي نوح {عليه السلام} الغراب ليرى إذا كانت الأرض قد شربت الماء أم لا ؟ فلم يعد الغراب، فأرسل بعد ذلك الحمامة، فعادت ولم يكن برجلها شيء، فأرسلها مرة أُخرى بعد سبعة أيام، فعادت ورجلها مغطاة بالطين، وفى منقارها غصن زيتون، فعرف النبي نوح {عليه السلام} أنَّ الأرض قد شربت الماء، ففتح السفينة ليخرج مَن بها، ويعمِّر الأرض مرة أُخرى، فأصبحت الحمامة وغصن الزيتون رمزاً السلام.

من هنا كانت فكرة الفنان رضا في هذا الترميز الذي اتخذ الحمامة وغصن الزيتون رمزاً للسلام، ورغم أنَّ الحمامة بدت طائرة في الفضاء، وهي تفرد جناحيها، إلاَّ إنّها لا تطير عالياً، بل هي أقرب إلى الأرض لأنّها تحمل ميزان العدالة الذي استقّر على أرضية اللوحة.

إذاً السلام الذي رمّزت له الحمامة سلام مفقود، ودليلي في هذا أنّ الفنان حمّل ميزان العدالة بقدمي الحمامة، للتدليل على ترابطهما، هنا سيفرض سؤال حضوره:

إذا كان الميزان رمزاً للعدالة كما استقّر في الذاكرة الجمعية، فأصبح شعاراً للمحاكم في كل دول العالم، فلماذا اختار الفنان رضا الأسلاك الشائكة لربط كفيّه؟

تشكّل الأسلاك الشائكة مصدّات تحدد وتحيط بالمساحات أو الأماكن التي يُمنع الاقتراب منها جبرياً لأسباب عدّة، لكنّ اختيار الفنان لموقعتها في الميزان يؤشر قصدية واعية في الكشف عن فقدان الميزان لوظيفته الموكولة إليه رمزياً ألا وهي الاعلان عن حضور تفاعلي للعدالة، فالأسلاك الشائكة يمكن لها أن تجرح الجسد الذي يحاول اختراقها وليس منعه فقط، مما يؤشر نقصاً بل انقلاباً للرمز يعلن أنّ طلب العدالة أمر يقود إلى الأذى أو ربّما الموت، وهنا أيضاً سيطرح تساؤل نفسه : هل العدالة المقصودة عدالة سماوية أم أرضية {وضعية}؟

في محاولتي البحث عن اجابة افتراضية كان لا بُدّ لي من المسح البصري المدقق للوحة من جهة، ومسح للذاكرة من جهة ثانية للوصول إلى تحديد تفترضه مشهدية اللوحة ورموزها، وكانت نتيجة هذا المسح هي: العدالة الأرضية {الوضعية} هي التي قصدها الفنان، والدليل على هذا أنَّ الميزان يستقرُّ على أرضية اللوحة التي تشكّل مقابلاً للأرض التي انبعث منها الرأس، هذا أولاً.

والحمامة وإن تمظهرت بمظهر الطيران إلاّ إنّها تطير قريباً جداً من الأرض، وهي ابنة الهواء، وهذا ثانياً . أمّا الأمر الثالث فهو حضور الرموز الجزئية التي تستقرّ في كفتي الميزان، وهي البيوت المصرية المدنية والريفية، والتي تؤشر حضوراً أرضياً، فلا بيوت تهيم في الفضاء، لأنّ سمتها الأساس هي الالتصاق بالأرض، والبيوت رمز للإنسان، تحميه وتحقق له الراحة والخصوصية، والإنسان هو الآخر كائن أرضي، إذاً العدالة الأرضية مفقودة ولا وجود لها.

والرمز الأخير الذي سأتوقف عنده هو الشمس، قرص يضئ الأرض بنوره، فيعيش الإنسان والحيوان والنبات، هكذا نظر الإنسان إلى الشمس، وعرفت نظرته إليها تغيّرات عدّة، تغيرت مشاعره تجاهها تبعاً لتغيّر هذه النظرة، فعاش ما بين التساؤل والاعجاب بها، ودفعه انبهاره بها إلى عدّها الإله الذي يجب أن يُعبد، فعبدها وحاك من تمظهراتها حكاياه وأساطيره، لكنّ عبادتها بدأت بالتلاشي مع تقدُّم الإنسان معرفياً، حيث كشفت الدراسات الفلكية عن كينونة الشمس التي هي غازات مشتعلة وليست كتلة مادية صُلبة وملساء، لها نواة دائرية، ويحيط بها {التاج الشمسي} وهو هالة برّاقة تحيط بالشمس.

هذه هي الشمس في الواقع العياني والمعرفي، سأُحاول الآن أن أقرأ رؤية الفنان رضا في اشتغاله لرمز الشمس في لوحته {الصرخة}.

اتخذت الشمس موقعتها في الزاوية العليا اليُمنى من اللوحة، مما يؤشر وقوعها في البُعد الثالث {العمق}، وهذا ما يتفق مع موقعها في الواقع العياني، وتمظهرت بنواتها حيث أنَّ رمز الشمس الذي تواضعت عليه الذاكرة الجمعية هو دائرة مغلقة في وسطها نقطة، وهذه هي النواة والتاج الشمسي {الهالة التي تحيط بالنواة}، ثمَّ شعاع الشمس، لكنَّ الشعاع الشمسي تمظهر بالطريقة ذاتها التي رسمها بها الفنان الفرعوني، حيث كشفت التنقيبات الآثارية عن لوحات جدارية وقطع منحوتة تظهر فيها الشمس دائرة مغلقة، ترسل أشعتها بعيداً عنها، وهذا ما سيكشف عن معرفية تاريخية وعلمية أفاد منها الفنان في تظهير الشمس بوصفها مصدر إضاءة وحياة، وهنا أيضاً سيجد تساؤل طريقه إلى ذاكرتي: هل أدّت الشمس وظيفتها في هذه اللوحة بما يتفق مع وظيفتها في الواقع العياني؟

يؤشّر المسح البصري لرمز الشمس في هذه اللوحة عن تجرّدها عن أداء هذه الوظيفة، فشعاعها ينتشر بعيداً، ولم يشتغل بإضاءة اللوحة لأنَّ الفنان أراد أن يمنح متلقيه دلالة عميقةً تكشف له عن بؤس الواقع وموت العدالة، وحضور الألم، ومحاولة قتل إنسانية الإنسان عبر تعذيبه وحرمانه من معطيات كونية منحها الله سبحانه وتعالى له ليعيش حياةً افضل، وبهذا يكون الفنان قد اشتغل باتجاه إعادة تشكيل معطيات واقعه السلبي البائس، عبر استعمال الرمز ليؤدي وظيفتيه:

العقلية: التي اشتغلت باتجاه إثارة خيال الفنان وأفكاره في انتقاء رموزه وموضعتها وتمظهرها ودلالاتها، وهذا بالتالي سيؤدي إلى الاعلان عن الوظيفة الثانية للرمز التي تؤشر الانفعالات التي تثيرها رموز اللوحة، ولن نجد ما هو أروع من الصرخة {صرخة الألم والرفض والتمرّد} على عالم فقد وجهه الإنساني واستبدله بمسخ لا إنسانية فيه، وهذا بالتالي يفسّر اعتماد الفنان رضا على الحبر وليس الألوان المتعددة لتنفيذ هذه اللوحة، لأنّ الحبر بسواده هو الأكثر قدرة على كشف السواد الذي ينشر عتمته على حياة الإنسان في عالم لا يمتلك عدالة ولا سلاماً، وتنيره شمس هي أقرب إلى السواد منها إلى الإشراق.      

 

23-Titian1یعتبر تیتیان أو تشن Titian من اهم رسامي ايطاليا خلال القرن السادس عشر.

 23-Titian4

ولد عام 1488 ونشأ واشتهر في مدينة البندقية وكان من مؤسسي المدرسة الفينيسية خاصة برسم الفريسكو او الرسم على الجدران الجصية.

 23-Titian5

في عمر مبكر شعر والده بتفتح موهبته الفنية فعمد على تشغيله وهو بعمر 12 سنة في الاستوديوهات الفنية من اجل ان يتعلم بالطريقة الاصولية ويصقل قابلياته تحت اشراف شيوخ الرسامين .

 23-Titian6

ولهذا فقد عهده الى الاخوين بلليني Bellini اللذين توفى اكبرهم بعد مدة قصيرة فتعهد به الاخ الاصغر جيوفاني بلليني الذي اصبح استاذه وزميله فيما بعد لمدة طويلة من الزمن.

 23-Titian7

كذلك عمل تيتيان في استوديو الرسام الشهير آنذاك جيورجيوني Giorgione فاخذ من بلليني وجورجيوني طرقهما من خلال مساعدتهما المباشرة في اعمالهما الكبرى حتى تجاوز في مهارته اساتذته ومجايليه.

 23-Titian8

بعد وفاة جيورجيوني عام 1510 ووفاة بلليني عام 1516 تربع تيتيان على كرسي عمادة الفن الفينيسي ولم ينافسه احد خلال الستين سنة سنة الاخيرة من عمره.

 23-Titian10

زينت رسوم تيتيان اهم الاماكن في البندقية وعموم ايطاليا وكانت له مساهماته في انجاز لوحات كنيسة الباسيلكاBasilica di Santa Maria .

 23-Titian2

حاز على وسام الحرية في روما عام 1546، وهو الشرف الذي لم يحصل عليه قبله من الفنانين الا مايكل أنجلو عام 1537.

 23-Titian3

خلال الست وعشرين سنة الاخيرة من حياته تفرغ تيتيان لرسم البورتريه وكان من اول الرسامين الذين يصار الى تكليفهم من قبل الاثرياء والاشخاص المهمين في ذلك الزمن.

 

كانت لوحة الـ بييتا Pieta هي آخر لوحاته وكان قد اهداها الى كنيسة الباسيلكا آملا ان تخصص له الكنيسة زاوية لدفنه هناك.

 23-Titian8

 

وهذا ماحدث فحين توفى بالحمى عام 1576 دفن في الباسيلكا وكان بالما إل جيوفاني Palma il Giovane قد اكمل اللوحة التي لم يتسن لتيتيان اكمالها قبل وفاته.

wejdan alkashabيعمل الفن في واحدة من وظائفه على إعادة تشكيل الذات الإنسانية، وإخراج المعاناة الكامنة في أعماقها لتحويلها إلى حالة مواجهة صريحة وفاعلة، لتحرير هذه النفس من آلامها، وإخراج هذه الهموم من مكامنها المعتمة ووضعها في حيِّز ضوء النهار، فتتخطى ـ بهذا الاخراج ـ روح الفنان وذاكرته معاناتها، بل أنَّه يعمل كذلك باتجاه تفعيل مشاركة المتلقي للفنان في آلامه ومعاناته مشاركة وجدانية يعمل الفن بأشكاله المتنوعة على ايجادها، وهذا ما سنحاول الكشف عنه في تحليلنا للوحة الفنان ابراهيم رمضان الملي التي اسميتها {الألم}.

لنقف أولاً عند تعريف الملمس الذي سنوليه اهتماماً خاصاً في التحليل، حيث حاول بعض الباحثين تحديده بقولهم {تعبير يدلُّ على الخصائص السطحية للمواد، ويتشكَّل من خلال ترتيب جزئياته ونُظم إنشائها في نسقٍ تتضح من خلاله السمات العامة للسطوح، وما ينتج عنها من قيم ملمسية متنوعة، وهذه الخاصية نتعرَّف عليها من خلال الجهاز البصري} وكذلك عن طريق ادراك العقل لهذه القيم، فأصبح للخامات وملامسها في حدِّ ذاتها متعة جمالية تنضاف إلى متعة تلقي اللوحة.

تشير الطروحات التي تناولت اعتماد ملامس السطوح في انتاج اللوحات الفنية إلى أنّها تختلف من ناحيتين :

1. من حيثُ الدرجة: حيث تعتمد على التضادات: صُلبة– لينة، خفيفة – ثقيلة، ناعمة – خشنة، كما أنَّها قد تكون منتظمة أو غير منتظمة.

2. من حيثُ النوع : فتكون إمَا ملامس حقيقية {طبيعية أو صناعية}، حيث يعمل الفنان على إضافة عناصر نباتية أو حيوانية أو مواد جامدة على سطح اللوحة، مثلاً : الخشب والزجاج والقماش، والمواد المعدنية، وأجزاء الشجر، والفرو وغيره.

وللفنان حريته الكاملة في اعتماد هذه الملامس التي تتحقق باستعمال تقنيات مختلفة مثل : الحفر، والعجائن اللونية، وتقنية التوليف، وتقنية البصمة.

أو ملامس ايهامية يمكن ادراكها بحاسة البصر دون اللمس، وغالباً ما يكون نقلاً عن ملامس حقيقية مثل ملمس الخشب أو الزجاج أو غيره. ويمكن للفنّان تحقيق هذه الملامس عن طريق التقنيات والمعالجات التشكيلية على سطح اللوحة ذات البعدين باعتماد النقطة والخط والمساحة.

تشكِّل الطبيعة مصدر الايحاء الأساس للفنان فأينما اتجه بنظره ستثيره المخلوقات الحيّة التي تشكّل ثروة من الأشكال المختلفة في ملامسها السطحية، ففي الحيوانات مثلاً سيجد ملمس كل من التمساح والأسماك والفراء والصوف والريش مختلفة عن بعضها، وملمس السمكة يختلف عن ملمس القواقع والشعب المرجانية، وفي النباتات سيرى الأشجار والأوراق والأثمار تختلف ملامسها عن بعضها، والملابس المصنوعة من الحرير يختلف ملمسها عن الملابس المصنوعة من الصوف مثلاً، وكلُّها تمثِّل مصادر إلهام للفنّان، كما تشكل الجمادات عناصر مضافة لما سبق لما لها من ملامس متمايزة فالصخور الصقيلة ذات الحافات الحادة تختلف في ملمسها عن الحصى الصقيل أو الحجر الخشن، ويختلف أيضاً ملمس سلك معدني عن ملمس قطعة من الزجاج، ولهذا يعمد الفنان إلى إعادة اكتشاف البيئة حوله، فقد يجد مطلبه في كومة نفايات أو ربَّما في بعض الموجودات البيتية أو ما تخلِّفه الصناعيات أو ما يجود به مرسمه فيعمد إلى توظيف هذه المعطيات في لوحاته، وهذا بالتالي يمنحه أُنموذجات جديدة من خلال خاصية التوليف، وتضيف أيضاً رؤية وملامس جديدة تعين تجربته الفنية، وتثير متلقي لوحاته بتقنياتها المتنوعة.

2110 ibrahem

 

سأُحاول قراءة لوحة الفنان ابراهيم حيث يكشف المسح البصري لها عن تقسيمها إلى قسمين متساويين يفصل بينهما غصن شجرة متخشب يمثِّل ملمساً حقيقياً، في النصف الأول اشتغل الفنان باتجاه ابراز القيمة الإنسانية لهذه اللوحة، فرسم شكلاً انسانياً في وسط هذا الجزء تماماً ولكنَّه اعتمد التشويه في رسمه وفي قيمه الملمسية، فلم يظهر منه إلاَّ الشكل الخارجي بدون تفاصيل تكوينية طبيعية واضحة، فالرأس يفتقد مكوناته الإنسانية، والوجه يخلو من تفاصيله ومع ذلك حظي الرأس باهتمام مركَّز من قِبل الفنان، فبدا ملفوفاً بما يشبه الغلالة، وبدلاً من العينين والأنف كانت هناك شبه مربعات بطبيعتها الأُفقية والعمودية تتموضع باللون البرتقالي لتحيل المتلقي إلى رؤية أُخرى للمربع، فهو شكل مستقر بأبعاده، ولكنَّ استقراره هنا مشوب بضربات فرشاة تُشوِّه هذه المربعات فينعدم استقرارها، وهنا لا بُدَّ لنا من تأشير رغبة الفنان في موضعة هذه المربعات في الرأس، هذه الرغبة الواعية في ايجاد اقتران بين الشكل القّار للمربع واستقرارية القيم الثابتة في الذاكرة الإنسانية، ولكنَّ التشويه المتمعد للشكل , واضفاء الخشونة على ملمسه منح اللوحة فرصة اظهار التخبط القيمي الذي يعانيه إنسان اللوحة، كما أنَّ العينين هما وسيلة الرؤية فإخفائهما دالة مضافة على الضياع.

وتبدو اليد اليسرى ضائعة الملامح، كما أنَّ الرجل اليسرى أوضح ملامحاً إلاَّ أنَّها بلا قدم، وتكاد اليد الأُخرى تثبت حضورها ولكن دون كفِّ، وتمتد بعيداً عن الجسد، رغم أنَّها متصلة به مما يؤشِّر فكرة الفنان في حرمان هذه اليد من مؤشر وجودها، بل أنَّها تمتدُّ لتضيع في فوضى لونية تتموضع فوقها وحواليها، كما تضيع الرجل اليمنى في غمرة الأشكال المتراكبة والخشنة الملمس، إنَّ الفنان حين عمد إلى تضييع تفاصيل القدمين والكفّين إنَّما كان يؤشِّر ضياعاً انسانياً، فالإنسان المرسوم في لوحة {الألم} هو أي إنسان يعيش معاناة وجودية وضياعاً حياتياً، فهو بلا قدمين تثبتان وجوده، وبلا كفّين تنتج وتبدع، وهذا ما أراد الفنان اعلانه حين اعتمد اللون الأسود المشوب بالرمادي ليغطي مساحة الجسد.

أمَّا التركيب الملمسي للجسد فيتشكل من ملمس ايهامي يمكن رؤيته بحاسة البصر حيث اعتمد الفنان توزيعه على الجسد من خلال تحوِّل اللون من الأسود إلى الرمادي، وإضافة ضربات فرشة بألوان متعددة تجتاح الجسد وكأنَّها تيارات تنهشه، وتُضيّع معالمه وثوابته، ولم يجد الفنان اكتفاءً فنياً في هذا التركيب فأضاف الى الجسد ملمساً متعدد الأسطح باستعماله ملمساً حقيقياً نجده في استعمال سدادة الأنابيب حيث لصقها في موضع القلب، ومن المعروف أنَّ هذه السدادة توقف نضح الماء من الأنبوب في الواقع المُعاش، إلاَّ أنَّ الفنان حوَّلها إلى فاتحة لتنضح الدم من القلب مباشرة إلى خارج الجسد، وهي بشكلها وملمسها الخشن وغير المنتظم إنَّما تؤشِّر تأثير الأشياء الخارجة عن الجسد والمتداخلة فيه لتعلن عن الألم المضاف إلى هذا الجسد، وهذا يؤكده كون الدماء السائلة من القلب إلى الفاتحة إلى خارج الجسد لونها أحمر نقي، وأصبحت هلامية القوام للدلالة على أنَّ القلب هو الآخر تحوَّل من حالته المتماسكة إلى ما يشبه أشلاءً تخرج من الجسد مع الدماء التي تسيل بمسارين، الأول عمودي منسكب، والثاني أُفقي يمتد في سيلانه في الجزء الأسفل من اللوحة حتى يقطع نصفها الثاني أيضا.

ويجاور موضع القلب والسدادة جزء صغير من شجرة أفاد الفنان من شكلها لتوظيفها في اللوحة فبدت أشبه ببقايا القلب الممزق وأوردته وشرايينه الناتئة هي الأُخرى خارج الجسد.

إلى يسار الجسد تمتدُّ سكّة قطار تنحني صاعدة من الزاوية السُفلى إلى ما يقارب منتصف اللوحة في جزئها الأيسر، ولكنَّها ليست سكة واضحة الملامح بل عمد الفنان إلى تشويه مسارها بتداخلات من الألوان المتأرجحة بين الأصفر المغبر ولمسات من البرتقالي في بداياتها لتميل إلى اللون الأخضر القاتم من جزئها الوسطي إلى أعلاها، وعمد الفنان إلى كسر ايقاعها الصاعد وتشويه معالمها بضربات لونية متداخلة ليؤكد ضياع مسارها، كما أنَّه عمد إلى تضييع معالم بداياتها بكتلة هلامية من الصبغة اللونية ليظهر ملمسها المتعدد الأوجه والخشن أيضاً معتمداً اللونين الأبيض المشوب بالأصفر والأصفر التبني في بروزاتها، فيما كان اللون الرمادي المائل للأسود محدداً لبُعدها الثالث، وهذا الملمس الخشن إنَّما يحيل في دلالته إلى عرقلة المسار أمام الإنسان في محاولته للصعود والابتعاد، وتكاد السكة تنتهي قرب نفق أسود بلا ملامح، فلا تدخله بل تكاد تحاذيه، مما يؤشر ضياع المسار.

وفي يمين الشكل الإنساني اعتمد الفنان لصق شكل دائري هو جزء من أُنبوب بلاستيكي متهرئ من مخلّفات الأشياء المستعملة في الواقع المُعاش، ليتحوّل عبر لصقه على سطح اللوحة وملئه بعجينة لونية ذات قوام هلامي إلى ما يشبه الإناء الذي ينضح منه هلام يتوزع بين اللونين الأزرق والأبيض، أمّا ملمسه فهو أقرب إلى الخشونة وتعدد الأسطح، إذاً الموجودات الحياتية الجامدة هي الأُخرى تنضح بالخشونة، إلاّ أنَّها تحمل علامة وجود ايجابي بنضحها الماء، وايجابيته تكمن في أنَّ الفنان منحه علامة لونية هي الأبيض والأزرق مما يؤكد وجود ماء نقي يغذي ويعين على الاستمرار.

ويكتمل المشهد بما يحيط بالأنبوب من اضافات على اللوحة متمثلة بقطع صغيرة من الحجر والحصى مغلفة بطبقة من الصبغة الهلامية الخشنة، معتمدة اللون الأصفر الداكن في سطوحها، ومجموعة ألوان متدرجة ومتضادة في ثنياتها.

إنَّ اعتماد الفنان تقسيم اللوحة بشكل عمودي إلى نصفين إنَّما جاء نتيجة وعي ووضوح في الرؤية، حيث أكَّد هذا التقسيم باستعماله قطعة من غصن شجرة، وهذه اشارة تحيل إلى رؤية الفنان الفلسفية، فالشجرة تقع في منتصف الطريق بين الإنسان الكامن في الجزء الأول من اللوحة وبين همومه المتراكمة في جزئها الثاني، إذاً الطبيعة تؤدي دورين متضادين هنا فهي تفصل وتجمع في آنٍ واحد، تفصل لأنًّها عمودية التواجد في اللوحة فبدت وكأنَّها حاجز، وتجمع لأنَّ الإنسان يتعايش معها وهي غالباً مصدر إلهامه وإبداعه، لكنَّ الفنان لم يلصق الغصن كما هو في وجوده العياني بل منح الفرشة فرصة المرور المتكرر عليه، ليظهر بألوان تتراوح ما بين الأصفر والبني الداكن، وهي ألوانه الطبيعية إلا أنَّ الملمس الخشن أضاف إلى شكله تأكيداً حيث لصق الفنان قطعاً صغيرة متباينة الأحجام والأشكال عليه، إضافة إلى كونه مثقلاً في جزئه الأسفل بما تراكم عليه من اضافات هلامية القوام وملصقات متعددة الأسطح شكَّلت معادلاً سلبياً لشكله الطبيعي، فلا وجود لأي ورقة نباتية {سواء حقيقية أو ايهامية} عليه.

الطبيعة بوجودها الحر والمتنوع تُعدُّ عنصراً من عناصر إثراء الفنان، وتفعيل عينيه بما تمتلكه من تغيرات وتبدلات إلاَّ أنَّ الفنان هنا عمد إلى تضييع معالمها، فلا يكاد المتلقي يتأكد من كونه غصناً طبيعياً إلاَّ برؤية الكسر في أعلاه، وهذا الكسر المتعمد هو فصل وانقطاع للغصن عن أصله الشجري والاستمرار الحياتي، وفي الوقت ذاته هو كشف لجوهره النقي الجميل الذي لم تلمسه فرشاة الفنان.

لنحاول الآن مقاربة الجزء الثاني من اللوحة، حيث يكاد الملمس يطغى عليه، متمثلاً في الملصقات المنوّعة التي تتوزع على سطح اللوحة تؤازرها الألوان، والملصقات هنا أوراق كتابة لكنّها محروقة الأطراف، وقطع من قماش خشن معجون بالأصباغ، إضافة إلى خليط من الأصباغ هلامية القوام ومتعددة الأسطح، وبعض أجزاء صغيرة من أغصان أشجار، تنفرش كلّها على سطح هذا الجزء من اللوحة لتمنح متلقيها شعوراً بالخشونة والقسوة والتداخل الذي بدا وكأنَّه يُضيَّع معالم هذه الملصقات، والفنان هنا أراد أن يؤكد لمتلقيه قتامة المشهد باعتماده الألوان الداكنة مع قليل من الألوان الفاتحة للسطوح المتعددة، ولكنَّه أيضاً منح هذا الجزء وجوداً إنسانياً وإن بدا مُشوَّهاً، فأصبح رأس الرجل أقلُّ وضوحاً بسبب التراكم اللوني، وإلى جانبه شكل جسد أصغر مما يشير إلى كون هذا الشكل لامرأة تصرخ، لكنَّها تمدُّ يدها إلى غصن الشجرة وكأنَّها تستمد منه العون لتحقق الاستمرار الوجودي، وفي أقصى الزاوية اليسرى بدا جسد إنساني آخر متحجراً لكنَّه موجود رغم التحجر الذي يكتنفه، فأصبح هذا الجزء من اللوحة مكملاً للآخر، ولكنَّه مفعم بالألم والمعاناة وتداخل المكونات، وضياع وجودها الأصيل، إنَّ تعمُّد الفنان ادخال الأشكال الإنسانية في هذا الجزء من اللوحة أظهرت رغبته في أن يكون مساحة تكرِّس دلالات الألم عبر الملمس الخشن والألوان الداكنة.

في الثلث الأعلى من سطح اللوحة حاول الفنان معادلة قتامة الثلثين الأوسط والأسفل فاعتمد ألواناً فاتحة شغلت هذا الثلث الذي اتخذ من شكل الطبيعة وجوداً له، لكنَّ الطبيعة هنا فشلت في فرض ألوانها على الفنان لأنَّه اختار لها ألوانه هو، فاستعمل الألوان الأساسية {الأصفر والأحمر والأزرق} والثانوية ومشتقاتها بتدرجات وتداخلات، ولكنَّها مغبرة الوجود وبعيدة عن التشبع، وهذا يؤشر بالتالي فوضى لونية تحمل قصديَّتها معها، لأنَّ دلالتها هي ابراز ضياع الأشكال الأصيلة والواضحة للطبيعة أيضاً، ولكنَّ الفنان هنا عمد إلى اللون الأزرق الذي تخلل أشكال الطبيعة المفروشة في هذا الجزء ليمنح اللوحة بُعداً جمالياً، فهو لون السماء المشرقة التي تمنح الأمل والحياة في ظل قيم سماوية عُليا، ويقابلها في الجزء الأسفل من اللوحة اشعاعة ثانية للأمل تكمن في مسار اللون الأحمر الدموي، فهو يختلط مع الماء الخارج من الانبوب، ويسير بوجود متعثر إلاَّ أنَّه مع ذلك يصل إلى أرض صغيرة لكنَّها خضراء، فيسقيها، ثمَّ يكمل مساره صاعداً إلى نسغ الشجرة البادئة بالنمو والارتفاع إلى أعلى .

تميزت هذه اللوحة بخشونة الملامس حيث عمد الفنان إلى استعمال خليط من الأصباغ لتكون هلامية الملمس، وشكَّلت الملصقات عاملاً مُضافاً لهذه الخشونة، فأصبحت من وجهة نظر الفنان أُنموذجاً آخر للضياع والألم والمعاناة، واللوحة هذه إنَّما تمثل محاولة لإعادة صياغة الواقع العياني المعاش والمؤلم تكثيفاً لمرارته وكشفاً لما يتسبب به من آلام عبر ملامس خشنة فرضت وجودها على سطح اللوحة، ولكنَّ الأمل يظل موجوداً.

 

zouher sahebإن الفن ليس إلا أسلوب حياة، وأسلوب حياة الإنسان، عبارة عن عمليتي انعكاس وخلق لاينفصمان. فالإنسان ليس مُنعزلاً، وعندما تواتيه فرصة التَفتّح والانطلاق، فانه يتحّول الى عالم صغير، يحمل في طياته ثقافة الجنس البشري السابقة له، أما حاضره، فيتمثل في (تواجد) عصره في كيانهِ.

ولد إسماعيل التُرك في البصرة عام 1934، وتوفي ببغِداد في تموز 2004، وخلال سنيه السبعين، لم يقدم لنا صورة منقولة او مثالية لعصره، كما لم يُشوهّه ايضاً . لقد استوعب قوانينه العميقة لا احداثه الطارئة، وراى ان من الممكن خلق عالم بديل آخر بقوانين أخرى، وبث الحياة في كائنات تنتمي الى جنس مجهول، والتي تميزت بقدرتها الهائلة على إثارة الأسئلة والتحديات، وهذه (الصورة) لم تترك الإنسان على حالهِ، بل اضافة إليه جديداً.

ان تأسيس هندسة لفهم نصوص (اسماعيل الترك) الفنية الابداعية، توجب الحفر في مناطق النصوص من الداخل. فغالباً ما تحقق التاريخية نظم الاشكال الفنية، بفعل قولبتها بقبضة الزمن المُحكّمة. الا ان مُبدعات (الترك) التشكيلية، ليست من هذا النوع. انها تَشكّلات وجدت شكلانيتها بذاتها، وشيدت تاريخها من رسوخها. فهي نوع من قراءة التاريخ بدلالة الفن وليس العكس.

واذ تُقيم ابداعات (اسماعيل) فهماً للتاريخ بدلالة الفن، فان الفنان – الترك- قدم للإنسانية والذائقية المعاصرة، فهماً للفن من خلال الفن ذاته. ذلك ان منحوتاته ورسومه، هي بنيات من عناصر شكلية، تنتظم داخل انساق خاصة، يفرض الفكري فيها على نظم العلاقات تنظيماً ليس تمثيلياً، فالتشكيل عند (الترك) قد تَحّول من وسيط تمثيلي لمدلولات محددة، الى انساق خاصة تكتسب دلالاتها من علائقها الداخلية، انه الفن العظيم الذي ينفصل بالذات عن الطبيعة كالنار والأدوات.

ان ارادة الخلق في ابداعات (الترك) الفنية،هي التعبير المتضايف لعلاقة الفنان بالعالم المحيط. فبعد عودته من ايطاليا بعد انهاء دراسته العليا، وهنو يعمل كالمُبشّر لتأسيس وعي جمالي لفن النحت، وفي مجتمع غابت في ثقافته الجمالية دلالات التمثال حينذاك. فكان الصراع بين تحدٍ عن الذات من جهة، وملابسات الظروف الموضوعية من جهة اخرى . فمن صفات (تماثيل) - الترك - انها تخبئ في مكانها التوتر والتناقض . فهي لا تُبدع من معاناة هيمنة ضغوط الوقائع فحسب، بل لابد لها من عمليات (تركيب) ذهنية. ذلك ان تماثيل الواسطي والرصافي والكاظمي هي منحوتات ( مدينة)، تُبلغ عن فكرة الشعر والفن، بدلاً من تجسيد الشخصيات، فتحول الرصافي الى مشروع قصيدة، والواسطي الى سطح تصويري . فالتشكيل (الموضوع) هنا غير مقروء، لكنه جميل مثل (البلورة). ان هذه الابداعات في بنية الفن. كالشعر بالنسبة للنثر، والموسيقى بالنسبة للأدب، انها بمثابة انطلاق الى (إبصارات) ابعد مدى.

ان اليات فهم (اسماعيل الترك) لموروثه الحضاري، تكمن في استقدام الماضي الى ميكانيزمات الفهم المعاصر، وليس بالذهاب اليه. ذلك انه فهم حركة الاساليب على انها نوع من التحولات الثقافية بصدد الكيف، باعتبارها تقع ضمن التجربة والخبرة الانسانية . ومن هنا كان يدعو الى متحفه الخيالي الذي يجتمع فيه القديم والحديث على انهما وسائل للإنسانية، كي يشيد اسلوبه (العراقي) في الفنون التشكيلية.

700-zuhir

اكتسب اسم (الترك) مثل استاذه جواد سليم، هالة اسطورية في بنية الفكر الانساني. وهو اهل لها دون ريب، فلا شيء يستطيع ان يحل محل بداهته وحدوسه، وهذه هي بنية الابداع في الفن. انها ذات مظاهر وخصوصيات (فردية وتفرد) على مَرّ التاريخ. ذلك ان التماثيل السومرية، قد بثت الرغبة في ذات (اسماعيل الترك) ان يدخل سر الحياة، وان يتَعقّب دروب الطاقة الخلاقة في الوجود. وان يبتكر ليس ابتداء من الواقع المنظور، بل اتفاقاً مع حقيقة اكثر عمقاً . وهنا يبرز نوع من القصدية بين المنحوتات السومرية وتماثيل (الترك) البرونزية العديدة، في تحطيم انظمة الصور الأيقونية كقيم بنائية مادية، متحولاً لبنية فكرية تسقط الصور الذهنية، ولكن كدلالات ذات مغزى اسطوري. انها ابداعات تُسخّر الاشكال والمقاييس لا كأدوات بل كحلول، لا كوسائل بل كغايات.

ان دلالة تمثال المتعبد السومري ليست الا فكرة (التَعبد) اما صورته عند (الترك) فتتلخص في تعبيرها الخيالي.. وكي يتضايف هذا الوجهان في منحوتاته ورسومه، ينبغي تحويل الموضوع الى شكل فني. بحيث لا يكون القصد ان تمثل هذه الاشكال ذاتها بما فيها من خصوصية فردية، بل تكون اشارة الى (العراقية) وتلميحاً اليها. لقد امتصت ذهنية (اسماعيل الترك) المُبدعة المُؤولة مقولة الموضوع امتصاصاً، واعادت اخراجها وفق نظام الشكل (الحداثوي)، ذلك ان هيمنة (التجريد) على انساق العلاقات الشكلية في المنحوتات السومرية، يجد تحققهُ في تمثال (الترك) – الرجل والديك- ليحقق انفتاح (الدال) نحو تعددية قراءة (المدلول). انها اشكالية التواصل الى اللازمن.

ووفقاً لأليات منهج (التواصل) كانت التماثيل الرافدينية شكلانية صرفة، وكأنها نُحتت من دون خامات، ذلك ان بنية (التراشح) بين (الترك) ورافدينيته، كانت تُفعّل دائرة التأمل الذهني للتماثيل، لتجسد فكرة (الصُلب) اكثر من الايحاء بفكرة اللحوم البشرية. فالتأويل هنا هو استخلاص دلالات غير متوقعة ولمسة من الجمال يحققها (الفنان) بالتقارب الشاعري بين اشياء عادية جداً، تنتزع من اغراضها التقليدية، لتتحول الى استعارات شكلية. مُؤسساً نصه (المُؤسَسّ) بقلب نظام المعادلة في اليات تلقي الفنون الرافدينية. فبدلاً من هيمنة الروحي على بنية التماثيل السومرية. أخرَجها (الترك) بأنظمة شكلية ابداعية معاصرة، بعد تخليصها من آنية احساساتنا، وانية العالم الشخوصي والمادي معاً. وهي آفاق تبدا بتأكيد الوجود الانساني بوساطة الانسان نفسه، وبتأكيد حقه في ايجاد حقيقة اخرى خارج حدود الطبيعة، بل وتجاوزها اعتماداً على قوانين خلق اخرى، وفق مقاييس جمالية، ومعايير حكم جديدة.

وبفعل انكماش التعبير في منظومة رسوم ومنحوتات (التُرك) على الحياة الداخلية لذات الفنان المُبدع، والتي تتجاهل العوالم الخارجية، يبرز نوع من القصدية الواعية والمستندة الى الخيال والارادة والوجدان، في تحطيم المنظومة الواقعية لأنظمة الصور الشكلية، بغية التغلغل بما هو انفعالي لكشف مشكلات الذات الانسانية . فهنا يمكن رصد نوعاً من النزعة العاطفية في رسوم (الترك) حلت محل المذهب العقلاني، ترجح خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع، وفي ذلك نوع من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية.

انه الفنان (الترك) نفسه المُقَّدم على هيئة عمل خلاق، يعبر به عن سعادته الداخلية، وبنوع من النزعة الابداعية غير التسجيلية التي سعت في نظم الاشكال، الى اختزال الظواهر المرئية، لتأكيد استقلالية الاشكال الخالصة. انها ذات (فناننا) المُبدع، وهي تفرض نظاماً على الاشكال وتقصي من بنائياتها ما هو زائل في رؤية الاشكال، متوصلة في ذلك الى اسلوب يُتيح للفنان مزيداً من الحرية للايفاء بحاجاته النفسية، وتاويل ما لا يُحصى من خصوصياته الذاتية. ذلك ان تعبيرية (الترك) تقوم على اعادة بناء العالم في حالته السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الاشياء من دلالة الا بقدر ما تتحول لتعكس وضعاً انسانياً.

فقد كان اللون في (جرافيكيات) اسماعيل الترك، اصطلاحياً، وهو يؤسس مفهوماً في بنية الفكر العراقي المعاصر، ويعمل على احالة مظاهر العالم العابرة والفردية الى (اصطلاحات) ثابتة..فكانت دلالة اللون ايحائية اكثر منها مشابهة للتجربة الخارجية، مع طرح الحلول القائمة على تركيبات لونية منفصلة عن اية (حكائية). وهي بنيات تقود نحو التبسيط في الاشكال والمساحات الملونة، والالتصاق بالتسطيح والتخلي عن التدرجات اللونية والمظاهر القصصية، لتحقيق نوع من (الأرابسك) الذي لا تحّده حدود المساحات المُتاحة للرسم.

ولعل في نظام اشتغال سطوح (ابداعات) التُرك الجمالية، وبما يجتازها من مناطق امتصاص وعكس للضياء، وتفاوت ملامس مساحتها . نوعاً من تجزئة عناصر الصور المرئية واعادة تركيبها لتفعيل قوة التعبير في فعل الاحساس، بدلاً من الاذعان الى ما تفرضه المراقبة البصرية . وفي ذلك تحريراً كاملاً للفن من ماديته. فهو لم ينسخ الموضوع كما هو في الواقع بل يؤوله نحو الجوهر. فالحقيقة لم تكن في حواسه بل في حدوسه الفكرية. ومن هنا (فَرضَ) على مادة الموضوع (النص) تقصياً للجواهر الفكرية، وبذات الوقت اثار الاهتمام بتفعّيل (التقنية) وسمات الاشكال التعبيرية.

ابدع (الترك) مشهد سطح القبة (المُتحرك) في نصب الشهيد بتقنية اشبه ببناء الاعمال الجدارية العظيمة. فقد غلف سطحها بقطع تتواصل مع حجر اللازورد الازرق اللون عند السومريين . فالمنجز التشكيلي هنا، يقدم خطابه المعلن بصدد التقنية، ورمزية اللون. ذلك ان مفهوم اللون يعمل بفاعليته على تحويل مظاهر العالم العابرة والفردية الى ثوابت متحركة. فهنا تحول اللون الى ظاهرة عقلانية والى ابتكار (عَلامي) يُعبر عن ذهنية كاشفة مؤولة. طرحت الحلول القائمة على تكاملات لونية منفصلة عن أي تمثيل صوري تشبيهي، فالأزرق اللازوردي في نصب الشهيد يعلن عن رمزيته القدسية من سومر وحتى رسوم الواسطي في العصر العباسي، وصولاً الى زرقة (السبع عيون) في بيوتنا المعاصرة. وذلك يدعو البصيرة الى رسم خطوطه في منطقة المُتخيل حيث المطلق في فضائه اللامحدود.

فقد كان لنصب الشهيد، بنية اسطورية وهو يُجسد علاقات سحرية بالوجود. ولم يكن لهذا المنطق الاسطوري ان يتحول الى فن، لو لم يكن مرتبطاً بقدرة (اسماعيل) الابداعية، ذلك ان الاعمام الرمزي في تحويل المفاهيم الى رموز، والتجريد الذهني الى اعمام فني. جعل المنطق الاسطوري فناً اسطورياً في هذا النصب الحضاري العظيم. فكان تحقيق لوجود ساعٍ الى الاكتمال، وجود ينخلق، وجود يَصير في الفن وجوداً فعلياً.وهذه (الخصيصة) (الاسماعيلية) في الفنون، لا تجعلها مفارقة لعالمها الواقعي، بل تكسبها ارتقاء من (رؤية ) المألوف الى معنى من معاني (الُرؤُيا).

ومع اننا لن (نُجبر) تماثيل (الترك) الابداعية على قول ما لا تريد قوله، ولن نُحّملها ما لا يوجد فيها، وكذلك لن نفرض عليها وجهة نظرنا المُسبقة. وبالمقابل فأننا لن (ندفن) انفسنا فيها. ذلك ان منحوتات (اسماعيل) ترينا شيئاً نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة. وان عبقريته لتنسج الحياة والفن، والتمثيل والتعميم في نسيج واحد. وبهذا الكيف الابداعي قدَّم (الترك) لإشكالات الفكر الانساني حلولاً واكتشافات مهمة في مجالات التشكيل (فالفوتوغرافيا) لم تكن تعني له بشيء. ذلك ان محدوديتها التشبيهية كانت تتعارض مع أيدولوجيته (الحداثوية) اللازمانية واللامكانية، فأصبحت موضوعة التماثيل عنده محض وسيلة لابداع علاقات شكلية تجريدية، فالمثير في الموضوع لا اهمية له في منحوتاته، والاشتغال يكمن بالقصيدة ذاتها أي بتوافق الكلمات والصور وتناغمها الدائم. انه فعل المبدع في ايجاد قراءة (رياضية) للنص، بدلاً من الثقل العضوي لتماثيل الباروك.

وبدراسة تحليلية تتحرى آليات احالة (الموضوعات) الى أنظمة شكلية في فخاريات ورسوم ومنحوتات (اسماعيل الترك). تُظهر ان آليات الاداء (العقل واليد) تُفعّل نوعاً من الكشف التجريدي في تركيب الهيئات وذلك (بتقشير) اغلفة الاشكال المتتالية وصولاً للبنيات الشكلية المحضة، مدركاً ان قيمة الشكل في هيكله العظمي، وان وجوده في ذاته، لا في تماثله مع الواقع، فالهندسة في مُبدعات (الترك) مثل القواعد في الكتابة نتيجة ارقام او نسب تشكل توازناً بالتوازنات، فأسست اشكاله انزياحها في تاريخ الفن العراقي المعاصر بدلاً من صناعة التاريخية لها.

وتجاوز (الترك) في ابداعاته الفنية دائماً (القصصية) وعمد الى التركيز على بلاغة التكوين وصيغته الهندسية، ذلك ان نظام الشكل عنده كان ثمرة لجهود فكرية وتقنية منظمة . غادرت دائرة المضمون الاخلاقية لحساب التبشير ببنائيات جمالية. لم يُركّز فيها الفنان على الشيء ذاته بل على الترتيب الشكلي المستقل لهذا الشيء. فابدع صوراً تتصف بالبناء الاصطلاحي وليس بالطابع العضوي البصري. انه يشير الى دلالة (يُفترض) بالصورة ان توقفها في الوعي، لتقف كالترحاب امام النور.وفي ذلك ابتكار لنوع من التحليل النفسي في رسوم الشخصيات، والتي لم يقف عندها (الترك) بتسجيل المظاهر السطحية، فهو يشعر ويسجل ما يختفي داخل القلوب.

واخيراً فان الخيالي في تاريخ (اسماعيل الترك) هو اكثر من مجرد خيالي . انه يشغل الوجود الانساني على كل اصعدته وفي كل مستوياته، ولأننا لا نَفعل سوى ان نتلقى الاحساس وان نُصفّق . فأننا نشارك عبر (العلامة) التي يوجهها الينا الخيالي في مجتمع آتٍ لا يمكننا الإمساك به.

 

د. زهير صاحب

 

22-klimt1.fwگوستاف كلمت Gustav Klimt (1862-1918) الرسام النمساوي من المدرسة الرمزية الذي اختط لنفسه اسلوبا متميزا لم يشبه ايا من اساليب مجايليه.

 22-klimt4.fw

ولاعجب في ذلك فقد كان احد مؤسسي حركة فيينا الانفصالية Vienna Secessionورئيسها ومحرر جريدتها الرسمية الموسومة "الربيع المقدس" Ver Sacrum.

22-klimt2.fw 

وكان هؤلاء الانفصاليون قد خرجوا عن جمعية الفنانين النمساويين ليأسسوا اتحادهم الخاص الاكثر انفتاحا وليبرالية من الجمعية التي وصفوها بالمحافظة المفرطة التي لاتماشي روح العصر.

 22-klimt3.fw

درس كلمت الرسم المعماري في مدرسة فيينا للحرف والفنون وتأثر فيما بعد تأثرا بالغا بالرسوم اليابانية فجاءت تكوينات لوحاته زخرفية بانشاء تصميمي وتذهيب شرقي يحتل فيه الجسم الانثوي مركز النظر.

 22-klimt5.fw

ولم يكن سهلا آنذاك تقبل اختلاف هذا الاسلوب المتفرد عن الاساليب الفنية الشائعة في القرن التاسع عشر، الامر الذي جعله يواجه انتقادات كثيرة فوصف بنزوعه للايروسية في موضوعاته ومعالجاته في رسم المرأة وذهب نقاد آخرون ابعد من ذلك فوصفوه بالاباحية خاصة بعد اكماله الجدارية الثلاثية التي كلفته بها جامعة فيينا والتي عالجت موضوعات الفلسفة والطب والقانون والتي لم يقسم لها البقاء حيث حطمها الجيش النازي المنسحب من فيينا عام 1945.

 22-klimt6.fw

بعد ذلك السيل من الانتقادات قرر كلمت ان لايتورط باي عمل في الاماكن العامة وفضل ان تقتصر اعماله على لوحات خاصة معدة فقط للمعارض الشخصية.

 22-klimt8.fw

رغم علاقاته العديدة بالنساء فقد كان كلمت متحفظا ومتجنبا للفضائح ولم تكن لديه علاقات اجتماعية ببقية الفنانين. كان يمضي جل اوقاته مسترخيا في بيته ومنشغلا في استوديوه الخاص مرتديا الدشداشة الفضفاضة ومنتعلا الصندل الشرقي. وبهذا كان كلمت متفردا حتى في لباسه الذي لم يكن مألوفا في النمسا آنذاك.

 22-klimt10.fw

ومع مرور الزمن ازدادت قيمة اعمال كلمت وذاعت شهرتها وتوسع جمهورها حتى انه حاز اخيرا على وسام الكفاءة الذهبي الذي قدمه له امبراطور النمسا فرانز جوزيف الاول.

 

أما في القرنين العشرين والواحد وعشرين فان اعمال كلمت اصبحت في قمة مايطلبه مقتني الاعمال الفنية فبلغت قيمتها التجارية الذروة في المزادات الفنية. في عام 2006 بيع بورتريت اديل بلوك باور المرسوم عام 1907 بمبلغ 135 مليون دولار في مزاد نيويورك.

 22-klimt9.fw

وبين عام 2007 و2011 بيعت خمس لوحات اخرى له بمبلغ اجمالي بلغ 327 مليون دولار.

22-klimt7.fw

يعتبر الفن من أرقى أشكال التعبير البشري على الإطلاق ؛ وذلك كونه ينبني على العقل والتأمل بغية خلق ما يصطلح عليه بالإبداع .

ومن جملة الفنون البشرية ارتأيت أن أتحدث عن الفن التشكيلي المغربي باعتباره فنا من الفنون التي عرفها العالم وما زال يتطلع إلى معرفتها فهو دائماً متجدد برواده ومبدعين من الذين ساروا على منوالهم أو اتخذوا منوالاً آخر بمحاولات جادة لفنانين داخل المغرب وخارجه.

لكن الملاحظ أن هذا الفن يشكو مواجهة الغرب ليس في المعنى بل في الكشف عن معنى المعنى، فإذا كانت محاولات الرواد الأوائل التعريف بهذا الفن والرقي به نحو الغرب حتى يعرفوا بأننا نحن المغاربة لدينا فونونا بصية وتشكيلية وجميلة .. وقد كان أمل الرواد الذين تكوّن جلهم في الدول الغربية كفرنسا في المنطقى الوسطى جنوب المغرب واسبانيا التي تكوّن فيها فناني الشمال، بل إن التكوين وصل إلى بعض الدول الأخرى باحتشام كهولاندا وانجلترا وألمانيا وكذلك روما وروسيا التي عملت أمريكا على صناعة فنانين ضد توجهها الفني واللائحة تطول...

هؤلاء الرواد تتلمذ على يدهم العديد من طلبة الفن وثم توجيههم من قبلهم باستكمال التكوين خارج الوطن، لأن الدراسة العليا ما زلنا إلى اليوم نفتقر لها (الماستر والدكتوراه)

وفي هذا الإطار يمكننا أن نصنف الفن التشكيلي إلى ثلاثة أصناف :

الأول منها : من ذهب للدراسة والتعريف بالثقافة والهوية المغربية وهو نموذج كرس للمحاكاة بالمعنى الأفلاطوني، صور البدو والبرابرة والحصان والفروسية البدوية، المرأة القروية ، سكان الجبال ....

وهو نموذج فولكلوري شكلا ومضمونا لم يرقى إلى مستوى الفن العالِمْ الذي ارتبط بتيارات واتجاهات فكرية وفلسفية .

أما النموذج الثاني : وهو نموذج استفاذ من التكوين الأجنبي وعمل على خلق فن تشكيلي وفق المقومات الغربية ظل يحاكي ويجسد تشكيليا مايروج في الساحة الفنية، محاولا مجاوزة الجيل الفولكوري -الذي ما زال إلى اليوم- وهذه المجاوزة نشأ عنها تكوين طلبة معاهد الفنون بالمغرب .

كما أن تطلعات هذا الجيل كانت تراهن على الرقي بالفن التشكيلي المغربي لكن للأسف من داخل المعاهد كان كرادلة الفن يدافعون عن الهوية والثقافة الوطنية وذلك مرده لفقر تكوينهم فقد رفضوا كل ما يرتبط بالتجديد إلا بعض الفئات القليلة منها بالإضافة إلى تدخل السياسة وهلم جر .

وقد تذكرت وأنا أكتب هذه المقالة معاناة الفنان الراحل محمد شبعة- ذو التكوين العالي في الفن بروما - مع كرادلة الفن وهو يدير معهد " الفنون الجميلة " بتطوان وكيف عمل هذا الرجل على تعبيد الطريق لفائدة طلابه نحو التكوين العالي قصد إفادة المغرب والنهوض بالفن

التشكيلي من خلال الإستعانة بخبرة أساتذة الفلسفة في تدريس فلسفة الفن وتاريخه بالإضافة إلى عدة أطر من الأساتذة الفنانين والأكاديمين .

فقد كان يلزم كل من أراد أن يحصل على دبلوم التخرج في "الفنون الجميلة " بحوثا نظرية فكرية وفلسفية وأخرى تطبيقية عملية سواء كان العمل لوحة أو نحثا ...

وذلك إيمانا منه أن طلاب الفن ينبغي عليهم في مستقبلهم الفني أن يحللوا ويناقشون قضايا الفن وكذلك ما ينتجون من أعمال، بغية الرقي بهم نحو العالمية والحداثة، لا أن يكونوا صناع فن لا يعرفون التعبير عنه أمام جمهور المتلقين .

أما الصنف الثالث فهو جيل اليوم من الفنانين الذين تبلورت في أذهانهم فكرة الحداثة ومفهوم الفن المعاصر عبر صعود الركب الحضاري نحو الرقي بالفنان التشكيلي المغربي نحو المفاضلة والإرتقاء نحو أفق الممكنات من خلال التكوين والبحث وإتباث أن الفن التشكيلي نتاج كوني مشترك ليس مغربيا ولا فرنسيا كما يدعي بعض وصاة الهوية والثقافة الوطنية .

والحقيقة أن هناك ثقافة واحدة وفن واحد، إيمانا منا بكونية الفن وإنسانيته فهو لا هوية له ولا وطن له . ويمكن القول بأن هذا الجيل الذي أدرجته ضمن الصنف الثالث هو الذي يحمل لواء الحداثة وما بعد الحداثة؛ فنانون يوجدون خارج الوطن وداخله يبدعون نحو توجهات حيرت الغرب، حصلوا على جوائز دولية وهم في هامش الثقافة المغربية للأسف وأخص هنا بالذكر الفنان محمد الرايس شفيرة الذي نال الميدالية الذهبية بالمعرض الدولي ببرشلونة عن لوحته " ضوء ولون وروح "

وهي لوحة تشكيلية تعالج مسألة مابعد حداثة الفن من خلال الأشكال الهندسة ذات التوجه الإفتراضي والتعبيري الفلسفي الإختلافي . والجديربالذكر أنه سليل الأسرة التشكيلية المغربية خريج معهد الفنون الجميلة بتطوان، استكمل دراسته العليا بفرنسا واسبانيا .

ونجد فنانين آخرين أمثال الفنانة ريم اللعبي التي أبدعت في فنها المستوحى من " جذمور " الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الذي عرف باهتمامه بفلسفة الإختلاف وباشتغاله مع المحلل النفساني والطبيب النفسي فيلكس غواتاري وخصوصا في آخر أعماله "ما الفلسفة؟ " حيث عرفها بكونها صناعة وخلق للمفاهيم، وعرف وظيفة العلم بخلق الوظائف والتخصصات، أما وظيفة الفن فهي منوطة بخلق الأفكار الجمالية .

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن الفن التشكيلي المغربي إرتقى بفظل جهود الجيل الثالث والأخير رغم بعض دعاة وصاية الفن من طرف بعض متفننة الجيل القديم .

ومن الأهمية بمكان أن محاولات تجديد الفن التشكيلي مازالت قائمة رغم كل الصعوبات والعوائق وذلك بفضل المناهج الفلسفية التي ارتقت بالفن نحو الكونية، فلا سبيل للحديث عن فن مغربي أو فرنسي أو إسباني...أو عن ثقافة وطنية وغربية...

إن الثقافة شأن إنساني واحد والفن واحد لا ثاني له أو ثالث، إنه هبة من الله ومن طبيعته التي حيرت العلماء والمفكرين، فهو يكفي ذاته بذاته إننا بحاجة إلى إبستيمي فني حسب لغة ميشل فوكر، إنه إبستيمي Epistémé يؤَسَسُ بحصيلة العلوم والفنون التي راكمناها. كما أن دور الفنان ليس التقليد والنسخ، تلك المهمة التي تناط لموظف الحالة المدنية عندما يكتب تاريخ الإزدياد، بل إن وظيفة الفنان تتجه نحو الخلق والإبداع ونقد بنيات المجتمع بالتعبير عن المسكوت impensée عنه من داخل الثقافة وخارجها .

فنحن اليوم وللأسف ما زلنا لم نتجاوز بعد الإبستيمي الذي شيده الرواد المبدعون وأخص هناالفنان المبدع محمد شبعة بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، تلك الأفكار التي آمن بها وعمل على نشرها في صفوف طلابه وصدق الفيلسوف الألماني هيجل حينما قال :

" إن أسوأ فكرة خطرت بذهن الإنسان هي أحسن وأفضل من أعظم إنتاج للطبيعة، وذلك لأن الفكرة مهما كانت هي تجلّ للروح المطلق ( العقل ) والروح هي الأفضل دوما من الطبيعة ."

" la plus mauvaise idée qui traverse l'esprit d'un homme est meilleure et plus élevée que la plus grande production de la nature , et cela justement parce qu'elle participe de l'esprit et que le spirituel est supérieur au naturel ."

Hegel , Esthétique

فهل استطعنا اليوم أن ندرك روح الفن وطبيعته الخالدة ؟

 

(*) أستاذ وكاتب مغربي