zouher sahebإن الفن ليس إلا أسلوب حياة، وأسلوب حياة الإنسان، عبارة عن عمليتي انعكاس وخلق لاينفصمان. فالإنسان ليس مُنعزلاً، وعندما تواتيه فرصة التَفتّح والانطلاق، فانه يتحّول الى عالم صغير، يحمل في طياته ثقافة الجنس البشري السابقة له، أما حاضره، فيتمثل في (تواجد) عصره في كيانهِ.

ولد إسماعيل التُرك في البصرة عام 1934، وتوفي ببغِداد في تموز 2004، وخلال سنيه السبعين، لم يقدم لنا صورة منقولة او مثالية لعصره، كما لم يُشوهّه ايضاً . لقد استوعب قوانينه العميقة لا احداثه الطارئة، وراى ان من الممكن خلق عالم بديل آخر بقوانين أخرى، وبث الحياة في كائنات تنتمي الى جنس مجهول، والتي تميزت بقدرتها الهائلة على إثارة الأسئلة والتحديات، وهذه (الصورة) لم تترك الإنسان على حالهِ، بل اضافة إليه جديداً.

ان تأسيس هندسة لفهم نصوص (اسماعيل الترك) الفنية الابداعية، توجب الحفر في مناطق النصوص من الداخل. فغالباً ما تحقق التاريخية نظم الاشكال الفنية، بفعل قولبتها بقبضة الزمن المُحكّمة. الا ان مُبدعات (الترك) التشكيلية، ليست من هذا النوع. انها تَشكّلات وجدت شكلانيتها بذاتها، وشيدت تاريخها من رسوخها. فهي نوع من قراءة التاريخ بدلالة الفن وليس العكس.

واذ تُقيم ابداعات (اسماعيل) فهماً للتاريخ بدلالة الفن، فان الفنان – الترك- قدم للإنسانية والذائقية المعاصرة، فهماً للفن من خلال الفن ذاته. ذلك ان منحوتاته ورسومه، هي بنيات من عناصر شكلية، تنتظم داخل انساق خاصة، يفرض الفكري فيها على نظم العلاقات تنظيماً ليس تمثيلياً، فالتشكيل عند (الترك) قد تَحّول من وسيط تمثيلي لمدلولات محددة، الى انساق خاصة تكتسب دلالاتها من علائقها الداخلية، انه الفن العظيم الذي ينفصل بالذات عن الطبيعة كالنار والأدوات.

ان ارادة الخلق في ابداعات (الترك) الفنية،هي التعبير المتضايف لعلاقة الفنان بالعالم المحيط. فبعد عودته من ايطاليا بعد انهاء دراسته العليا، وهنو يعمل كالمُبشّر لتأسيس وعي جمالي لفن النحت، وفي مجتمع غابت في ثقافته الجمالية دلالات التمثال حينذاك. فكان الصراع بين تحدٍ عن الذات من جهة، وملابسات الظروف الموضوعية من جهة اخرى . فمن صفات (تماثيل) - الترك - انها تخبئ في مكانها التوتر والتناقض . فهي لا تُبدع من معاناة هيمنة ضغوط الوقائع فحسب، بل لابد لها من عمليات (تركيب) ذهنية. ذلك ان تماثيل الواسطي والرصافي والكاظمي هي منحوتات ( مدينة)، تُبلغ عن فكرة الشعر والفن، بدلاً من تجسيد الشخصيات، فتحول الرصافي الى مشروع قصيدة، والواسطي الى سطح تصويري . فالتشكيل (الموضوع) هنا غير مقروء، لكنه جميل مثل (البلورة). ان هذه الابداعات في بنية الفن. كالشعر بالنسبة للنثر، والموسيقى بالنسبة للأدب، انها بمثابة انطلاق الى (إبصارات) ابعد مدى.

ان اليات فهم (اسماعيل الترك) لموروثه الحضاري، تكمن في استقدام الماضي الى ميكانيزمات الفهم المعاصر، وليس بالذهاب اليه. ذلك انه فهم حركة الاساليب على انها نوع من التحولات الثقافية بصدد الكيف، باعتبارها تقع ضمن التجربة والخبرة الانسانية . ومن هنا كان يدعو الى متحفه الخيالي الذي يجتمع فيه القديم والحديث على انهما وسائل للإنسانية، كي يشيد اسلوبه (العراقي) في الفنون التشكيلية.

700-zuhir

اكتسب اسم (الترك) مثل استاذه جواد سليم، هالة اسطورية في بنية الفكر الانساني. وهو اهل لها دون ريب، فلا شيء يستطيع ان يحل محل بداهته وحدوسه، وهذه هي بنية الابداع في الفن. انها ذات مظاهر وخصوصيات (فردية وتفرد) على مَرّ التاريخ. ذلك ان التماثيل السومرية، قد بثت الرغبة في ذات (اسماعيل الترك) ان يدخل سر الحياة، وان يتَعقّب دروب الطاقة الخلاقة في الوجود. وان يبتكر ليس ابتداء من الواقع المنظور، بل اتفاقاً مع حقيقة اكثر عمقاً . وهنا يبرز نوع من القصدية بين المنحوتات السومرية وتماثيل (الترك) البرونزية العديدة، في تحطيم انظمة الصور الأيقونية كقيم بنائية مادية، متحولاً لبنية فكرية تسقط الصور الذهنية، ولكن كدلالات ذات مغزى اسطوري. انها ابداعات تُسخّر الاشكال والمقاييس لا كأدوات بل كحلول، لا كوسائل بل كغايات.

ان دلالة تمثال المتعبد السومري ليست الا فكرة (التَعبد) اما صورته عند (الترك) فتتلخص في تعبيرها الخيالي.. وكي يتضايف هذا الوجهان في منحوتاته ورسومه، ينبغي تحويل الموضوع الى شكل فني. بحيث لا يكون القصد ان تمثل هذه الاشكال ذاتها بما فيها من خصوصية فردية، بل تكون اشارة الى (العراقية) وتلميحاً اليها. لقد امتصت ذهنية (اسماعيل الترك) المُبدعة المُؤولة مقولة الموضوع امتصاصاً، واعادت اخراجها وفق نظام الشكل (الحداثوي)، ذلك ان هيمنة (التجريد) على انساق العلاقات الشكلية في المنحوتات السومرية، يجد تحققهُ في تمثال (الترك) – الرجل والديك- ليحقق انفتاح (الدال) نحو تعددية قراءة (المدلول). انها اشكالية التواصل الى اللازمن.

ووفقاً لأليات منهج (التواصل) كانت التماثيل الرافدينية شكلانية صرفة، وكأنها نُحتت من دون خامات، ذلك ان بنية (التراشح) بين (الترك) ورافدينيته، كانت تُفعّل دائرة التأمل الذهني للتماثيل، لتجسد فكرة (الصُلب) اكثر من الايحاء بفكرة اللحوم البشرية. فالتأويل هنا هو استخلاص دلالات غير متوقعة ولمسة من الجمال يحققها (الفنان) بالتقارب الشاعري بين اشياء عادية جداً، تنتزع من اغراضها التقليدية، لتتحول الى استعارات شكلية. مُؤسساً نصه (المُؤسَسّ) بقلب نظام المعادلة في اليات تلقي الفنون الرافدينية. فبدلاً من هيمنة الروحي على بنية التماثيل السومرية. أخرَجها (الترك) بأنظمة شكلية ابداعية معاصرة، بعد تخليصها من آنية احساساتنا، وانية العالم الشخوصي والمادي معاً. وهي آفاق تبدا بتأكيد الوجود الانساني بوساطة الانسان نفسه، وبتأكيد حقه في ايجاد حقيقة اخرى خارج حدود الطبيعة، بل وتجاوزها اعتماداً على قوانين خلق اخرى، وفق مقاييس جمالية، ومعايير حكم جديدة.

وبفعل انكماش التعبير في منظومة رسوم ومنحوتات (التُرك) على الحياة الداخلية لذات الفنان المُبدع، والتي تتجاهل العوالم الخارجية، يبرز نوع من القصدية الواعية والمستندة الى الخيال والارادة والوجدان، في تحطيم المنظومة الواقعية لأنظمة الصور الشكلية، بغية التغلغل بما هو انفعالي لكشف مشكلات الذات الانسانية . فهنا يمكن رصد نوعاً من النزعة العاطفية في رسوم (الترك) حلت محل المذهب العقلاني، ترجح خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع، وفي ذلك نوع من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية.

انه الفنان (الترك) نفسه المُقَّدم على هيئة عمل خلاق، يعبر به عن سعادته الداخلية، وبنوع من النزعة الابداعية غير التسجيلية التي سعت في نظم الاشكال، الى اختزال الظواهر المرئية، لتأكيد استقلالية الاشكال الخالصة. انها ذات (فناننا) المُبدع، وهي تفرض نظاماً على الاشكال وتقصي من بنائياتها ما هو زائل في رؤية الاشكال، متوصلة في ذلك الى اسلوب يُتيح للفنان مزيداً من الحرية للايفاء بحاجاته النفسية، وتاويل ما لا يُحصى من خصوصياته الذاتية. ذلك ان تعبيرية (الترك) تقوم على اعادة بناء العالم في حالته السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الاشياء من دلالة الا بقدر ما تتحول لتعكس وضعاً انسانياً.

فقد كان اللون في (جرافيكيات) اسماعيل الترك، اصطلاحياً، وهو يؤسس مفهوماً في بنية الفكر العراقي المعاصر، ويعمل على احالة مظاهر العالم العابرة والفردية الى (اصطلاحات) ثابتة..فكانت دلالة اللون ايحائية اكثر منها مشابهة للتجربة الخارجية، مع طرح الحلول القائمة على تركيبات لونية منفصلة عن اية (حكائية). وهي بنيات تقود نحو التبسيط في الاشكال والمساحات الملونة، والالتصاق بالتسطيح والتخلي عن التدرجات اللونية والمظاهر القصصية، لتحقيق نوع من (الأرابسك) الذي لا تحّده حدود المساحات المُتاحة للرسم.

ولعل في نظام اشتغال سطوح (ابداعات) التُرك الجمالية، وبما يجتازها من مناطق امتصاص وعكس للضياء، وتفاوت ملامس مساحتها . نوعاً من تجزئة عناصر الصور المرئية واعادة تركيبها لتفعيل قوة التعبير في فعل الاحساس، بدلاً من الاذعان الى ما تفرضه المراقبة البصرية . وفي ذلك تحريراً كاملاً للفن من ماديته. فهو لم ينسخ الموضوع كما هو في الواقع بل يؤوله نحو الجوهر. فالحقيقة لم تكن في حواسه بل في حدوسه الفكرية. ومن هنا (فَرضَ) على مادة الموضوع (النص) تقصياً للجواهر الفكرية، وبذات الوقت اثار الاهتمام بتفعّيل (التقنية) وسمات الاشكال التعبيرية.

ابدع (الترك) مشهد سطح القبة (المُتحرك) في نصب الشهيد بتقنية اشبه ببناء الاعمال الجدارية العظيمة. فقد غلف سطحها بقطع تتواصل مع حجر اللازورد الازرق اللون عند السومريين . فالمنجز التشكيلي هنا، يقدم خطابه المعلن بصدد التقنية، ورمزية اللون. ذلك ان مفهوم اللون يعمل بفاعليته على تحويل مظاهر العالم العابرة والفردية الى ثوابت متحركة. فهنا تحول اللون الى ظاهرة عقلانية والى ابتكار (عَلامي) يُعبر عن ذهنية كاشفة مؤولة. طرحت الحلول القائمة على تكاملات لونية منفصلة عن أي تمثيل صوري تشبيهي، فالأزرق اللازوردي في نصب الشهيد يعلن عن رمزيته القدسية من سومر وحتى رسوم الواسطي في العصر العباسي، وصولاً الى زرقة (السبع عيون) في بيوتنا المعاصرة. وذلك يدعو البصيرة الى رسم خطوطه في منطقة المُتخيل حيث المطلق في فضائه اللامحدود.

فقد كان لنصب الشهيد، بنية اسطورية وهو يُجسد علاقات سحرية بالوجود. ولم يكن لهذا المنطق الاسطوري ان يتحول الى فن، لو لم يكن مرتبطاً بقدرة (اسماعيل) الابداعية، ذلك ان الاعمام الرمزي في تحويل المفاهيم الى رموز، والتجريد الذهني الى اعمام فني. جعل المنطق الاسطوري فناً اسطورياً في هذا النصب الحضاري العظيم. فكان تحقيق لوجود ساعٍ الى الاكتمال، وجود ينخلق، وجود يَصير في الفن وجوداً فعلياً.وهذه (الخصيصة) (الاسماعيلية) في الفنون، لا تجعلها مفارقة لعالمها الواقعي، بل تكسبها ارتقاء من (رؤية ) المألوف الى معنى من معاني (الُرؤُيا).

ومع اننا لن (نُجبر) تماثيل (الترك) الابداعية على قول ما لا تريد قوله، ولن نُحّملها ما لا يوجد فيها، وكذلك لن نفرض عليها وجهة نظرنا المُسبقة. وبالمقابل فأننا لن (ندفن) انفسنا فيها. ذلك ان منحوتات (اسماعيل) ترينا شيئاً نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة. وان عبقريته لتنسج الحياة والفن، والتمثيل والتعميم في نسيج واحد. وبهذا الكيف الابداعي قدَّم (الترك) لإشكالات الفكر الانساني حلولاً واكتشافات مهمة في مجالات التشكيل (فالفوتوغرافيا) لم تكن تعني له بشيء. ذلك ان محدوديتها التشبيهية كانت تتعارض مع أيدولوجيته (الحداثوية) اللازمانية واللامكانية، فأصبحت موضوعة التماثيل عنده محض وسيلة لابداع علاقات شكلية تجريدية، فالمثير في الموضوع لا اهمية له في منحوتاته، والاشتغال يكمن بالقصيدة ذاتها أي بتوافق الكلمات والصور وتناغمها الدائم. انه فعل المبدع في ايجاد قراءة (رياضية) للنص، بدلاً من الثقل العضوي لتماثيل الباروك.

وبدراسة تحليلية تتحرى آليات احالة (الموضوعات) الى أنظمة شكلية في فخاريات ورسوم ومنحوتات (اسماعيل الترك). تُظهر ان آليات الاداء (العقل واليد) تُفعّل نوعاً من الكشف التجريدي في تركيب الهيئات وذلك (بتقشير) اغلفة الاشكال المتتالية وصولاً للبنيات الشكلية المحضة، مدركاً ان قيمة الشكل في هيكله العظمي، وان وجوده في ذاته، لا في تماثله مع الواقع، فالهندسة في مُبدعات (الترك) مثل القواعد في الكتابة نتيجة ارقام او نسب تشكل توازناً بالتوازنات، فأسست اشكاله انزياحها في تاريخ الفن العراقي المعاصر بدلاً من صناعة التاريخية لها.

وتجاوز (الترك) في ابداعاته الفنية دائماً (القصصية) وعمد الى التركيز على بلاغة التكوين وصيغته الهندسية، ذلك ان نظام الشكل عنده كان ثمرة لجهود فكرية وتقنية منظمة . غادرت دائرة المضمون الاخلاقية لحساب التبشير ببنائيات جمالية. لم يُركّز فيها الفنان على الشيء ذاته بل على الترتيب الشكلي المستقل لهذا الشيء. فابدع صوراً تتصف بالبناء الاصطلاحي وليس بالطابع العضوي البصري. انه يشير الى دلالة (يُفترض) بالصورة ان توقفها في الوعي، لتقف كالترحاب امام النور.وفي ذلك ابتكار لنوع من التحليل النفسي في رسوم الشخصيات، والتي لم يقف عندها (الترك) بتسجيل المظاهر السطحية، فهو يشعر ويسجل ما يختفي داخل القلوب.

واخيراً فان الخيالي في تاريخ (اسماعيل الترك) هو اكثر من مجرد خيالي . انه يشغل الوجود الانساني على كل اصعدته وفي كل مستوياته، ولأننا لا نَفعل سوى ان نتلقى الاحساس وان نُصفّق . فأننا نشارك عبر (العلامة) التي يوجهها الينا الخيالي في مجتمع آتٍ لا يمكننا الإمساك به.

 

د. زهير صاحب

 

22-klimt1.fwگوستاف كلمت Gustav Klimt (1862-1918) الرسام النمساوي من المدرسة الرمزية الذي اختط لنفسه اسلوبا متميزا لم يشبه ايا من اساليب مجايليه.

 22-klimt4.fw

ولاعجب في ذلك فقد كان احد مؤسسي حركة فيينا الانفصالية Vienna Secessionورئيسها ومحرر جريدتها الرسمية الموسومة "الربيع المقدس" Ver Sacrum.

22-klimt2.fw 

وكان هؤلاء الانفصاليون قد خرجوا عن جمعية الفنانين النمساويين ليأسسوا اتحادهم الخاص الاكثر انفتاحا وليبرالية من الجمعية التي وصفوها بالمحافظة المفرطة التي لاتماشي روح العصر.

 22-klimt3.fw

درس كلمت الرسم المعماري في مدرسة فيينا للحرف والفنون وتأثر فيما بعد تأثرا بالغا بالرسوم اليابانية فجاءت تكوينات لوحاته زخرفية بانشاء تصميمي وتذهيب شرقي يحتل فيه الجسم الانثوي مركز النظر.

 22-klimt5.fw

ولم يكن سهلا آنذاك تقبل اختلاف هذا الاسلوب المتفرد عن الاساليب الفنية الشائعة في القرن التاسع عشر، الامر الذي جعله يواجه انتقادات كثيرة فوصف بنزوعه للايروسية في موضوعاته ومعالجاته في رسم المرأة وذهب نقاد آخرون ابعد من ذلك فوصفوه بالاباحية خاصة بعد اكماله الجدارية الثلاثية التي كلفته بها جامعة فيينا والتي عالجت موضوعات الفلسفة والطب والقانون والتي لم يقسم لها البقاء حيث حطمها الجيش النازي المنسحب من فيينا عام 1945.

 22-klimt6.fw

بعد ذلك السيل من الانتقادات قرر كلمت ان لايتورط باي عمل في الاماكن العامة وفضل ان تقتصر اعماله على لوحات خاصة معدة فقط للمعارض الشخصية.

 22-klimt8.fw

رغم علاقاته العديدة بالنساء فقد كان كلمت متحفظا ومتجنبا للفضائح ولم تكن لديه علاقات اجتماعية ببقية الفنانين. كان يمضي جل اوقاته مسترخيا في بيته ومنشغلا في استوديوه الخاص مرتديا الدشداشة الفضفاضة ومنتعلا الصندل الشرقي. وبهذا كان كلمت متفردا حتى في لباسه الذي لم يكن مألوفا في النمسا آنذاك.

 22-klimt10.fw

ومع مرور الزمن ازدادت قيمة اعمال كلمت وذاعت شهرتها وتوسع جمهورها حتى انه حاز اخيرا على وسام الكفاءة الذهبي الذي قدمه له امبراطور النمسا فرانز جوزيف الاول.

 

أما في القرنين العشرين والواحد وعشرين فان اعمال كلمت اصبحت في قمة مايطلبه مقتني الاعمال الفنية فبلغت قيمتها التجارية الذروة في المزادات الفنية. في عام 2006 بيع بورتريت اديل بلوك باور المرسوم عام 1907 بمبلغ 135 مليون دولار في مزاد نيويورك.

 22-klimt9.fw

وبين عام 2007 و2011 بيعت خمس لوحات اخرى له بمبلغ اجمالي بلغ 327 مليون دولار.

22-klimt7.fw

يعتبر الفن من أرقى أشكال التعبير البشري على الإطلاق ؛ وذلك كونه ينبني على العقل والتأمل بغية خلق ما يصطلح عليه بالإبداع .

ومن جملة الفنون البشرية ارتأيت أن أتحدث عن الفن التشكيلي المغربي باعتباره فنا من الفنون التي عرفها العالم وما زال يتطلع إلى معرفتها فهو دائماً متجدد برواده ومبدعين من الذين ساروا على منوالهم أو اتخذوا منوالاً آخر بمحاولات جادة لفنانين داخل المغرب وخارجه.

لكن الملاحظ أن هذا الفن يشكو مواجهة الغرب ليس في المعنى بل في الكشف عن معنى المعنى، فإذا كانت محاولات الرواد الأوائل التعريف بهذا الفن والرقي به نحو الغرب حتى يعرفوا بأننا نحن المغاربة لدينا فونونا بصية وتشكيلية وجميلة .. وقد كان أمل الرواد الذين تكوّن جلهم في الدول الغربية كفرنسا في المنطقى الوسطى جنوب المغرب واسبانيا التي تكوّن فيها فناني الشمال، بل إن التكوين وصل إلى بعض الدول الأخرى باحتشام كهولاندا وانجلترا وألمانيا وكذلك روما وروسيا التي عملت أمريكا على صناعة فنانين ضد توجهها الفني واللائحة تطول...

هؤلاء الرواد تتلمذ على يدهم العديد من طلبة الفن وثم توجيههم من قبلهم باستكمال التكوين خارج الوطن، لأن الدراسة العليا ما زلنا إلى اليوم نفتقر لها (الماستر والدكتوراه)

وفي هذا الإطار يمكننا أن نصنف الفن التشكيلي إلى ثلاثة أصناف :

الأول منها : من ذهب للدراسة والتعريف بالثقافة والهوية المغربية وهو نموذج كرس للمحاكاة بالمعنى الأفلاطوني، صور البدو والبرابرة والحصان والفروسية البدوية، المرأة القروية ، سكان الجبال ....

وهو نموذج فولكلوري شكلا ومضمونا لم يرقى إلى مستوى الفن العالِمْ الذي ارتبط بتيارات واتجاهات فكرية وفلسفية .

أما النموذج الثاني : وهو نموذج استفاذ من التكوين الأجنبي وعمل على خلق فن تشكيلي وفق المقومات الغربية ظل يحاكي ويجسد تشكيليا مايروج في الساحة الفنية، محاولا مجاوزة الجيل الفولكوري -الذي ما زال إلى اليوم- وهذه المجاوزة نشأ عنها تكوين طلبة معاهد الفنون بالمغرب .

كما أن تطلعات هذا الجيل كانت تراهن على الرقي بالفن التشكيلي المغربي لكن للأسف من داخل المعاهد كان كرادلة الفن يدافعون عن الهوية والثقافة الوطنية وذلك مرده لفقر تكوينهم فقد رفضوا كل ما يرتبط بالتجديد إلا بعض الفئات القليلة منها بالإضافة إلى تدخل السياسة وهلم جر .

وقد تذكرت وأنا أكتب هذه المقالة معاناة الفنان الراحل محمد شبعة- ذو التكوين العالي في الفن بروما - مع كرادلة الفن وهو يدير معهد " الفنون الجميلة " بتطوان وكيف عمل هذا الرجل على تعبيد الطريق لفائدة طلابه نحو التكوين العالي قصد إفادة المغرب والنهوض بالفن

التشكيلي من خلال الإستعانة بخبرة أساتذة الفلسفة في تدريس فلسفة الفن وتاريخه بالإضافة إلى عدة أطر من الأساتذة الفنانين والأكاديمين .

فقد كان يلزم كل من أراد أن يحصل على دبلوم التخرج في "الفنون الجميلة " بحوثا نظرية فكرية وفلسفية وأخرى تطبيقية عملية سواء كان العمل لوحة أو نحثا ...

وذلك إيمانا منه أن طلاب الفن ينبغي عليهم في مستقبلهم الفني أن يحللوا ويناقشون قضايا الفن وكذلك ما ينتجون من أعمال، بغية الرقي بهم نحو العالمية والحداثة، لا أن يكونوا صناع فن لا يعرفون التعبير عنه أمام جمهور المتلقين .

أما الصنف الثالث فهو جيل اليوم من الفنانين الذين تبلورت في أذهانهم فكرة الحداثة ومفهوم الفن المعاصر عبر صعود الركب الحضاري نحو الرقي بالفنان التشكيلي المغربي نحو المفاضلة والإرتقاء نحو أفق الممكنات من خلال التكوين والبحث وإتباث أن الفن التشكيلي نتاج كوني مشترك ليس مغربيا ولا فرنسيا كما يدعي بعض وصاة الهوية والثقافة الوطنية .

والحقيقة أن هناك ثقافة واحدة وفن واحد، إيمانا منا بكونية الفن وإنسانيته فهو لا هوية له ولا وطن له . ويمكن القول بأن هذا الجيل الذي أدرجته ضمن الصنف الثالث هو الذي يحمل لواء الحداثة وما بعد الحداثة؛ فنانون يوجدون خارج الوطن وداخله يبدعون نحو توجهات حيرت الغرب، حصلوا على جوائز دولية وهم في هامش الثقافة المغربية للأسف وأخص هنا بالذكر الفنان محمد الرايس شفيرة الذي نال الميدالية الذهبية بالمعرض الدولي ببرشلونة عن لوحته " ضوء ولون وروح "

وهي لوحة تشكيلية تعالج مسألة مابعد حداثة الفن من خلال الأشكال الهندسة ذات التوجه الإفتراضي والتعبيري الفلسفي الإختلافي . والجديربالذكر أنه سليل الأسرة التشكيلية المغربية خريج معهد الفنون الجميلة بتطوان، استكمل دراسته العليا بفرنسا واسبانيا .

ونجد فنانين آخرين أمثال الفنانة ريم اللعبي التي أبدعت في فنها المستوحى من " جذمور " الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الذي عرف باهتمامه بفلسفة الإختلاف وباشتغاله مع المحلل النفساني والطبيب النفسي فيلكس غواتاري وخصوصا في آخر أعماله "ما الفلسفة؟ " حيث عرفها بكونها صناعة وخلق للمفاهيم، وعرف وظيفة العلم بخلق الوظائف والتخصصات، أما وظيفة الفن فهي منوطة بخلق الأفكار الجمالية .

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن الفن التشكيلي المغربي إرتقى بفظل جهود الجيل الثالث والأخير رغم بعض دعاة وصاية الفن من طرف بعض متفننة الجيل القديم .

ومن الأهمية بمكان أن محاولات تجديد الفن التشكيلي مازالت قائمة رغم كل الصعوبات والعوائق وذلك بفضل المناهج الفلسفية التي ارتقت بالفن نحو الكونية، فلا سبيل للحديث عن فن مغربي أو فرنسي أو إسباني...أو عن ثقافة وطنية وغربية...

إن الثقافة شأن إنساني واحد والفن واحد لا ثاني له أو ثالث، إنه هبة من الله ومن طبيعته التي حيرت العلماء والمفكرين، فهو يكفي ذاته بذاته إننا بحاجة إلى إبستيمي فني حسب لغة ميشل فوكر، إنه إبستيمي Epistémé يؤَسَسُ بحصيلة العلوم والفنون التي راكمناها. كما أن دور الفنان ليس التقليد والنسخ، تلك المهمة التي تناط لموظف الحالة المدنية عندما يكتب تاريخ الإزدياد، بل إن وظيفة الفنان تتجه نحو الخلق والإبداع ونقد بنيات المجتمع بالتعبير عن المسكوت impensée عنه من داخل الثقافة وخارجها .

فنحن اليوم وللأسف ما زلنا لم نتجاوز بعد الإبستيمي الذي شيده الرواد المبدعون وأخص هناالفنان المبدع محمد شبعة بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، تلك الأفكار التي آمن بها وعمل على نشرها في صفوف طلابه وصدق الفيلسوف الألماني هيجل حينما قال :

" إن أسوأ فكرة خطرت بذهن الإنسان هي أحسن وأفضل من أعظم إنتاج للطبيعة، وذلك لأن الفكرة مهما كانت هي تجلّ للروح المطلق ( العقل ) والروح هي الأفضل دوما من الطبيعة ."

" la plus mauvaise idée qui traverse l'esprit d'un homme est meilleure et plus élevée que la plus grande production de la nature , et cela justement parce qu'elle participe de l'esprit et que le spirituel est supérieur au naturel ."

Hegel , Esthétique

فهل استطعنا اليوم أن ندرك روح الفن وطبيعته الخالدة ؟

 

(*) أستاذ وكاتب مغربي

 

zouher sahebوقع اختيار الملك (سرجون) على منطقة جميلة، توافر منظراً رائعاً لسلاسل الجبال الشّمالية المغطاة بالثّلوج، وتحيط بها سلسلة من الغابات الكثيفة خضر اللون، وتقع بالقرب من قرية (خرسباد) الحالية، على بعد (15) ميلاً إلى الشّمال الشّرقي من نينوى، لتشييد عاصمته الجديدة في العام (717 ق.م) من سني حكمه، وذكر في ذلك: "لقد بنيتُ عاصمتي الجديدة بجهود جميع الشّعوب التي أخضعتها لإرادتي، وجلبت لها خامات البناء الجميلة من شتى أرجاء المعمورة، وأسميتها (دور شروكين) أي حصن (سرجون) بإيحاء من الإله (آشور) والإلهة (عشتار)، وكذلك من إحساس صادق نابع من أعماق قلبي". فكانت (دور-شروكين) التي اتخذت اسم الملك، بمثابة القلعة الملكية الحجرية الضّخمة المنيعة، بأبعادها الكبيرة التي فاقت كل ما سواها، وأبرزت في عيون النّاس صورة عمرانية للنظام الكوني، وفي الوقت نفسه رمزاً للأمبراطورية الآشورية القوية. إذ كتب الملك (سرجون) على (صفوف) الحجارة التي شيد بها عاصمته نصاً ما يزال بليغاً في دلالته: "سرجون ملك العالم، أقام مدينة أسماها (دور شروكين) وبني داخلها قصراً منقطع النّظير".

695-sahib

غَطّت مساحة المدينة زهاء ميل مربع واحد، يؤلف شكل مربع غير منتظم، ويحيط بها سور حجري ضخم مدعّم بالأبراج الدّفاعية المزدحمة، الموزعة بصورة نسق معماري جميل، ولها سبع أبواب كل منها حملت أحد أسماء الآلهة الآشورية الرّئيسة، على غرار بوابات العواصم الآشورية الأخرى، وحدّثَ مهندسو الملك ثلاثة من أشكال هذه البوابات، بأن كسوا سطوحها الخارجية بالجداريات الخزفية الملونة، وتلخص مشاهدها نظام الوجود على وفق مقولة اللاهوت الآشوري. وأُطّرت جميع البوابات وكذلك مداخل قصر الملك بأشكال الثّيران المجنحة، ذات الرّؤوس البشرية، وكانت وظيفتها بمثابة الملاك الحارس Lamassu ذي القدرة الكونية (فوق الواقعية) لحماية الملك وساكني المدينة من خفايا القدر المُتخم بالأخطار المُحدقة. وقد اكتشفت البعثات العلمية (26) شكلاً سرياليا من تلك الكائنات الأسطورية المركبة، يزن كل منها (40) طناً من الحجر أو الرّخام.

نُظّمت شوارع المدينة الجميلة: على هيئة نظام (Grid) الذي أبدعه المهندسون الآشوريون، ويتألف من منظومة خطية من الشّوارع العريضة المتعامدة، الذي اقتبسه بعد ذلك الرّومان في تنظيم مدنهم وعاصمتهم المشهورة (روما). شَيدَ الملك قصره على دكة أو مصطبة ارتفاعها (50) قدماً، وإلى جواره حارة المعابد وبرج المدينة المدرج (الزّقورة). في حين احتل قصر ولي العهد الزّاوية البعيدة عن القصر الملكي. وقد أكمل الملك سرجون بناء عاصمته بعشر سنوات، ولم يذق حلاوة الإقامة بها سوى عام واحد، إذ قتل في إحدى المعارك الخارجية أو ربما اغتيل في العام (705 ق.م).

وبرغم تشابه النّظام المعماري لقصر الملك (سرجون) في خرسباد، مع نظام القصر الشّمالي الغربي في نمرود للملك (آشور-ناصر-بال) الثّاني في احتواء كل منهما على مجموعة الوحدات المعمارية التي تؤلف ما يعرف باسم (البابانو) و(البيتانو)، تفصل بينهما قاعة عرش الملك، إلا أن الخطاب الفكري الذي يبثّه كل منهما مختلف عن الآخر، فمقولة قصر (نمرود) كانت تعبيراً عن الفتنة القوية للدولة الآشورية، في حين يشفّر قصر (خرسباد) عن صورة للعالم الذي يحكمه الملك، بمساندة الآلهة العظام، الذين وزعت وظائفهم طبقاً للتراتبية الكهنوتية، فكانت لهم سبعة معابد كرست لعبادتهم، وبنيت اسفل مصطبة قصر الملك العالية.

شَيدَ الملك (سرجون) قصره على مصطبة يصل ارتفاعها إلى سبعة عشرة متراً كما أسلفنا، وذلك نوع من آليات الإظهار المعمارية التي يتفرد بها ذلك المبنى الملكي من سواه في تاريخ العمارة العراقية. ونحن نجد في ذلك شيئاً من التّعالي للروح الملكية الأرستقراطية عن ملابسات الحياة الاعتيادية، وكذلك يُؤشر الارتفاع إلى خاصية تحصينيه دفاعية عن الملك وهو في عقر داره، وفي ملمح آخر وافرَ ارتفاع القصر عن مجاوراته من الكتل المعمارية مظهراً جمالياً، بأن أكسب شرفات القصر نوعاً من الشّاعرية وهي تطل على المساحات الخضر الملونة بالزّنابق البرية متنوعة الألوان التي تحيط بأسوار القصر من جميع الجهات.

احتل المقر الملكي السّرجوني مساحة واسعة من الأرض، وجوهر نظامه المعماري يتألف من ساحة فسيحة مكشوفة .. محاطة بعدد من الغرف، وتم تكرار تلك الوحدة المعمارية بنحوِ متجانس ومتناسق عدة مرات، فأنتجت ثلاثين ساحة تنفتح إحداها على الأخرى بنحوٍ مُحكم، ومائتي غرفة، كي تفي بوظيفة إدارة الأمبراطورية وإعداد الجيش، وخزن الغنائم الكبيرة التي يحصل عليها الملك من حملاته العسكرية الظّافرة.

تُعد قاعة العرش التي تشكل المركز في البنية المعمارية للقصر من أكثر الوحدات المعمارية تعقيداً، لأنها تتألف من عدد من الغرف الفارهة، التي زُينت جدرانها بجميع أجناس الفن التّشكيلي، التي تقص مشاهدها الأعمال الخارقة للملك، على وفق تراتبية تاريخية شغلت جميع سني حكمهِ، إنه فن الإعلان والضّرورة الجمالية، الذي يجب أن يُقرأ من زائري القصر من الوفود الاجنبية. في حين زيّنت واجهة هذه القاعة بمشهد أسطوري متفرد في خاصيتهِ الفكرية والرّسالة التي يبثها، ومهارة إخراجه التّقنية، وينبني على فكرة البطل الأسطوري الآشوري الذي يحمل ذكريات (كَلكَامش)، وهو يستعرض قوته اللامحدودة بأن (يخنق) بإحدى يديه أسداً مذعوراً، في حين أُطِّر من الجانبين بنحوٍ متناظر بزوج من الثّيران المجنحة، ليتشظى الخطاب الذي يبثهُ المشهد نحو المُتخيل الذي بإمكانه السّيطرة على المخاطر المقبلة من العالم الخارجي، وربما كان ذلك كفيلاً بتهدئة القلق السّايكولوجي في داخلية الملك، من مخاطر القابل من الأيام وما تخفيه من مفاجآت غير سارة.

حَصرَ الملك (سرجون) معابد الآلهة الآشورية الرّئيسة السّبعة، في الزّاوية الجنوبية الشّرقية من عاصمته الجميلة، بعد أن كانت تنتشر بنحوٍ عشوائي وكثيف في أماكن شتى في المدن البابلية والعواصم الآشورية الأخرى، ولعل فكرة (سَجن) المعابد وكهنتها على تلك المساحة الجغرافية الصّغيرة، يؤكد هيمنة سلطة الملك بوصفه الكاهن الأعلى للإله آشور، على سطوة الفكر الكهنوتي وتقليص نفوذه في خاصية القرارات التي تتخذها الدّولة.

أَلقّت ظلال ما وراء الطّبيعة ظلالها بنحوٍ مؤثر، على السّتراتيج المتحرك في الفكر الاجتماعي الآشوري، فبرغم سطوة الملك على كل شيء في ميكانزمات إدارة الدّولة. تواصل الآشوريون مع أسلافهم من المبدعين السّومريين، في تتويج معظم مدنهم بأشكال معمارية ذات صفة دينية عرفت بالزّقورات، التي تعد من أهم إبداعات الفن التي تتفرد بها الحضارة العراقية من سواها من الحضارات الأخرى.

تعد زقورة عاصمة (سرجون) دور شروكين، من أهم الزّقورات الآشورية، لأنها تتميز بحالة جيدة من الحفظ، فبرغم عدوانية عوامل الطّبيعة بقيت أربعة طوابق منها بحالٍ سليمة، من تكوينها الكلي الذي وصل إلى سبع طبقات. التي لو جرّدناها من نواتها الطّينية وغلافها الفخاري، لشكل هيكلها العظمي نسقاً من الحزم الخطية الهندسية الملتوية والصّاعدة بحركة حلزونية نحو أفق الماورائيات اللامحدود، وشأنها في ذلك شأن خطوط (الأرابسك) الملتوية التّواءه قدسية، متحركة نحو الأعلى دائماً، بوصفها رسالة نحو العالم التّخيلي، لا تحدها حدود المساحات المتاحة للنحت.

عرفَ الآشوريون الزّقورة بأنها: سُلم الأرض-السّماء البهي، بوصفها واسطة الاتصال والتّواصل بين عالمي ما وراء الطّبيعة وسكان الأرض، إذ صُممت لتسهيل هبوط زورق السّماء، فلم يألوا جهداً بتهيئة مكان جدير باستقبال آلهتهم المُفترضة. فمعبد التّرحيب ينتصب فوق قمة البرج، ويتصل بالأرض بسلالم، تصعد بواسطتها مواكب الزّوار وتهبط، لتؤلف خطاً دائم الاتصال بين الأرض والسّماء. بغية تقريب المسافة بين الصّور المثالية الخالدة العليا، والصّور الفانية الأرضية السّفلى، للتخفيف من قلق الإنسان الوجودي في أحسن الأحوال.

كان على المهندسين الآشوريين اختيار المكان المناسب للبناء، وتسويته بنحوٍ منتظم، نظراً لما تحمله كتلة البناء من ثقل كبير على الأرضية، وتشير القياسات المنضبطة لأبعاد استدارة طبقات البناء، وحركتها الموسيقية الإيقاعية في تعاليها خارج الفضاء البشري، إلى تطور علمي ملحوظ في علمي الرّياضيات والهندسة ببنية المعرفة الآشورية.

بُني الهيكل الدّاخلي لزقورة (خورسباد) من اللبن، فكان على الشّعوب التي أخضعها (سرجون) لإرادته أن تعمل جاهدة في تشكيل المليارات من كتل اللِبن الهندسية المنتظمة. ففي (دور شروكين) يذهب يوم ويأتي يوم جديد والبُناة تعمل، وبعد الاحتفال بالإنجاز الذي تحقق، لا بد من التّفكير بأناقة المنجز المعماري، إذ غُلِفَ بدن الزّقورة الطّيني بكساء من الطّابوق (أشهب) اللون، بلغ سمكه ثمانية أقدام، يتخلله نسق جميل من الطّلعات والدّخلات، بينها وبين ضوء الشّمس وكذا نور القمر، نوع من الحوار الجمالي، حين تمايز سطح البناء بموجة شاعرية من الضّوء والظّل، وكأنه أحد السّطوح البصرية للفنان (فيرمير).

فنظام الشّكل المعماري كان ثمرة لجهود هندسية وتقنية، ممنهجة ومؤسسة ومنظمة فكرياً، فبغية تسليح جسم البناء وتقويته، استعاض المهندسون الآشوريون عن (شيش) الحديد، بأعداد كبيرة من حبال الكتان الغليظة، كانت تخترق لُب البناء على مسافات منتظمة. ولغرض تفادي ظاهرة التّمدد والتّقلص في التّكوين المعماري، النّاتجة من الاختلاف الكبير في درجات الحرارة بين الصّيف والشّتاء، والليل والنّهار، وضع المهندسون المبدعون صفوفاً من الحصران (البارية) بين طبقات البناء، إذ تطلّبَ الفعل المعماري بكليته، سيطرة علمية على قوانين الارتكاز والتّوازن، وكذلك التّحكم المنضبط بحركة الخطوط وشاعريتها الإيقاعية، وهي ترتفع في الفضاء، إذ يقوم ضغط الماورائي في الأعلى، على العالم الأرضي بقاعدته العريضة في الأسفل.

كان الارتقاء للزقورة السّومرية، التي تُعد المرجع الشّكلي للزقورة الآشورية يتم بثلاثة سلالم، أحدها محوري يتعامد مع الضّلع الأمامي للزقورة، ويصل بكل جرأة إلى الطّابق العلوي، والأثنان الآخران جانبيان يلتقيان بالسّلم المحوري في الطّبقة الأولى من البناء، ووظيفة هذه المنظومة من السّلالم، هي لإعطاء مواكب (الزّوار) الكبيرة نوعاً من الرّاحة المنظمة، حين ترتقي البناء صاعدة إلى الطّابق العلوي في الاحتفالات الدّينية المهمة.

لم يَرُق نظام ارتقاء الزّقورة السّومرية العقلية الآشورية، فعملت على تحديثهِ بنظام جديد، يتم الوصول به إلى قمة الزّقورة التي بلغ ارتفاعها خمسين متراً، وتساوي في ذلك عمارة معاصرة من خمسة عشر طابقاً، بواسطة سلم حلزوني يلتف حول جسم البناء بنحوٍ حلزوني، بدءاً من الأرض وحتى الطّبقة السّابعة. وتلك هي عظمة الفن العراقي في حوار الحضارات الذي يشهده الفكر المعاصر، ذلك الفن المتخم بتحولات الأساليب وآليات إظهار منظوماته الشّكلية، الذي رفد الفكر الحضاري العالمي بالمزيد من التّجديد والمفاجآت الشّكلية، التي أغنت بنيته بصفات التّجدد والنّشاطية وحيوية التّحولات الشّكلية، التي لا يمكن حصرها بحدود زمانية مُحددة.

حَرصَ سكان مدينة (دور-شروكين) على المظهر الجمالي لزقورتهم الخالدة، بأن غَرسَوا أمام واجهتها الأشجار الباسقة، وذلك فعل جمالي ساعِ إلى إيجاد علاقة جمالية بين الطّبيعة وتكوين الزّقورة المُصنّع. كما لوّنوا واجهات طبقاتها السّبع بالوان متعددة: كالأبيض والأرجواني والقرمزي والفضي والذّهبي والأخضر، متوجة باللون الأزرق الذي يكسو قمتها، بوصفه رسالة رمزية نحو عوالم الماورائيات، ومن بعدها بالدّلالة ذاتها في رسوم الواسطي، وفي لون (السّبع عيون) في بيوتنا المعاصرة. إنها فكرة سامية، وعالم مثالي، وأشكال أنيقة وصافية، وألوان هادئة لتكوين ساكن، حيث الكمال والفضيلة الذي هو بمثابة نداء نحو القوى الماورائية، بغية نيل استعطافها ونيل رضاها، لإغداق الخيرات على ربوع الدّولة الآشورية.

تُعد بوابة المدينة في الثّقافة الآشورية بمثابة الميناء البري الذي يلتقي به الآشوريون مع الآخر المختلف، إذ تُفعّل خاصية المكان مجال المثاقفة والاتصال مع الآتين من أماكن شتى، فتتلاقح الثّقافات وتغتني إثر هذا الحوار الثّقافي. وفي الوقت ذاته كانت بوابات العواصم الآشورية أشبه بالمظهر الذي تطل بها الحضارة الآشورية على العالم، فمن شكل البوابة وتكوينها المعماري وضخامتها وزينتها الرّمزية، يمكن تعرف خفايا الحضارة التي تُخبّئها.

من أجمل بوابات مدينة (دور-شروكين) هي بوابة الإله (سن) الحجرية، وتتكون من برجين ضخمين، نُحتت واجهتاهما بصورة نسق من الحنايا المتداخلة بنحوٍ إيقاعي، بما يشبه بوابات المعابد في المعابد البابلية والآشورية، ويزين كل منهما في الأسفل، إفريز خزفي أزرق اللون صُمم على نحوٍ متقابل ومتناظر، ويحصر في داخله عدداً من الأشكال الرّمزية ذات الدّلالات المتحركة في الفكر الاجتماعي الآشوري. ويُفضي البرجان إلى مدخل مقوس بنحوٍ شاعري، يُؤطره من الأعلى إفريز خزفي مقوس، يضم بداخلهِ نسقاً من أزهار البيبون، ويؤطر المدخل من الجانبين شكل نخلة ذهبية اللون، وبغية تحريك صمت خطوط البوابة الحجرية العليا، فقد توُجّت بصف من أشكال الأهرام المدرجة الصّغيرة الحجوم.

تُعد بوابة (خرسباد) بمثابة المرجع الشّكلي لبوابة عشتار في بابل، وتعدّان من أهم المنجزات الفنية الآشورية والبابلية، كونهما تُشعران المتلقين من كل العصور، بعظمة حضارة بلاد الرّافدين، من بين الحضارات العالمية الأصيلة، فلم يكتشف حتى الآن ما يماثلهما في العواصم الإغريقية أو الفرعونية، لأنهما أزاحتا تلك الحدود المصطنعة التي صَنفّت أجناس الفنون التّشكيلية إلى أنواع، إذ أنهما خلطتا العمارة بالرّسم والنّحت والخزف. وتلك آليات إظهار معاصرة، جمعت بين قوسي النّصر الآشوري والبابلي وشبيهيهما في مدينتي برلين وباريس.

تتحرك على سطح البوابة الآشورية ومضات من الضّوء والظّل، بفعل تفاوت مستويات السّطح البصري المعماري، بين التّسطيح الذي يُميز المشاهد التّزينية التي تتمظهر بها، والعمق المنظوري الذي تغور به الحنايا الهندسية عميقاً على سطحي برجيها، وكذلك تقدم مستوى البرجين، عن مستوى المدخل. وكل ذلك يمثل نظاماً معمارياً منضبطاً، وإظهارات تقنية خاصة جداً في تبسيط الأشكال بغية تقوية التّكوين، ليس من فعل تأكيدها الخطوط الهندسية فحسب، بل الحجوم أيضاً، فكل شيء فيها كان جسماً مختزلاً إلى مشيدات هندسية، لم يكن التّركيز فيه على المعنى، بل على التّنظيم الشّكلي المتناغم لهذه التّكوينات، إنه التّعبير عن قوة الخيال النّاشطة في الفكر الآشوري، المعبرة عن دلالة النّقاء الرّوحي للماورائيات، والمتحركة بصورة مفاهيم في الفكر الدّيني الاجتماعي.

يُكرر الشّريط الخزفي الأزرق أشكاله الرّمزية أسفل البرجين على جانبي مدخل البوابة، وكأنه أشبه بطبعة ختم أسطواني، إذ يشاهد موكب غريب يقوده الملك مع أسد ونسر وثور وشجرة تين ومحراث. "قد يرمز الأسد ملك الغاب إلى قوة الأمبراطورية الآشورية، ويحكم النّسر متسلطاً في السّماوات، ويشير الثّور إلى تلقيح القطعان، وشجرة التين إلى خصوبة البساتين، والمحراث إلى ازدهار الزّراعة" (بارو، 1980، ص115). وبرغم صعوبة فك مغاليق التّشفير الدّلالي الذي يبثهُ إفريز الرّموز الخزفية في بنيتهِ العميقة، بسبب عدم وضوح المفاهيم المتحركة في اللاهوت الآشوري، تنتظر محاولة (بارو) المزيد من الاكتشافات لتأكيد مصداقيتها.

تجتاز سطح البوابة الحجري أبيض اللون نوعاً من (القواطعية)، إذ تتخلله شبكة من الأشرطة لازوردية اللون، التي تؤطر مدخلها، ونهايتها العليا. لتعمل على تجزئة سطحها البصري إلى مساحات هندسية متنوعة الأشكال، فاللون الخالي من الكثافة والأثر الفيزيائي للضوء، لم يجسد وحده ملامح المدى التّشكيلي، لأنه مُفعّل بسلطة الخطوط في تحديد جغرافية المساحات اللونية.

يدور داخل تلك الأشرطة اللازوردية شكل زهرة الرّبيع البرية (البيبون)، التي مُثلت بفروع بيضاء اللون ونقطة مركزية صفراء، استعارها أو لنقل استدعاها الفنان الآشوري من بين حشود مفردات الطّبيعة، وأحالها على شكل رمزي، تكرر مئات المرات على سطح البوابة. فالمشهد المتكثر مع القراءة البصرية التي تدور وتتخلل المشهد التّصويري، الذي يؤكد بدايته ويغيب نهايته نحو اللامحدود من التّأويلات، هو نوع من الفعل السّحري يُفعّل ظاهرة الخصب في الطّبيعة وتجدد الحياة، وإعادة بناء الوجود في حالته (السّرية)، فلم يعد لرمزية زهرة الرّبيع من دلالة في بنية النّص-البوابة- إلا بقدر تأويلها لتعكس حالة إنسانية سعيدة.

ازدحمت المنجزات الفنية الآشورية بصورة شجرة النّخيل، برغم فقر البيئة الطّبيعية الآشورية لهذه الشّجرة الخيرة، بنحوٍ يفوق ظهورها في الأعمال الفنية السّومرية التي لا يخلو متر واحد من أراضيها من ظلالها. تلك مفارقة لم نجد لها تبريراً في الوقت الحاضر، سوى غرائبية هذه الشّجرة في موجودات الغابات الآشورية، الأمر الذي جعلها مجال اهتمام الفنانين الآشوريين، الذين أغنوا معجم الأشكال الرّمزية الرّافدينية بالمزيد من الاستعارات الشّكلية.

بفعل تلك القدرات العجيبة في (صيرورة) النّخلة، أدخلها الفكر الآشوري نسق الفن، فتعدّت طبيعتها بمسافة طويلة، إذ أصبحت رمزاً مؤثراً في التّلقي الاجتماعي للأفكار، فاكتسبت تعددية الدّلالة، بعد أن كانت (واحدية) القراءة في عالمها الطّبيعي. فالفكر الآشوري لم يكتفِ بإدراك الجوانب الحسية للأشياء، بل سَما عليها، إلى الحفر لاكتشاف ما تخبّئهُ تلك المظاهر من (أفكار) في خاصياتها الجوهرية، فأسس من حيث لا يحتسب معجماً مفاهيمياً معادلاً في الكم والكيف لأنساق الأفكار المتداولة في بنية فكره الاجتماعي.

فمهندسو بوابة (دور شروكين) لم يمثلوا النّخلة على بوابتهم الخالدة لغرض الحصول على تمثلات مشابهة، بل لتأويل قوة تُبقي الفكرة التي يمثلها شكل النّخلة حاضرة دائماً. فصورة (الشّجرة) ليست مقصودة لذاتها، بل لتشفيرها عن أفكار تنتمي إلى مستوى آخر غير منظور، بوصفها تأويلاً لحزمة من الأفكار التي تنشد التّجدد والخصب والخير في ربوع مدينة (سرجون) السّعيدة.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

21-rape2فيما اذا كان حدثا تاريخيا واقعيا او مجرد احجية من الميثولوجيا الرومانية فان اختطاف واغتصاب نساء صابينا Sabine كان من اهم المواضيع المثيرة التي شغلت فناني عصر النهضة وما اتى بعده من عصور.

 21-rape3

تقول الرواية انه بُعيد تأسيس روما عام 753 قبل الميلاد، شعر الرومانيون الجدد بمنافسة وتهديد قبائل صابينا التي استوطنت في اواسط ايطاليا، مما كان سببا في ترويج فكرة ان اختلاط دماء الثوار مع هذه القبائل هو المبرر العقلاني لتأمين السلام واشاعة الاستقرار في المستقبل.

 21-rape4

كان هذا التصور قد حفز الرومانيون على طلب ايادي العديد من نساء تلك القبائل لكنهم جوبهوا بالرفض. فما كان من الرومانيين الا ان يغيروا على قسم من تلك القبائل التي سكنت على مقربة من روما ويختطفوا عددا كبيرا من نسائها ويأخذونهن في سبي جماعي الى روما.

 21-rape5

ورغم اعلان رومولس بانه سيفرض تزويج النساء بشكل شرعي ويحفظ كراماتهن، الا انه لم يتمكن من تجنب سلسلة من حروب الثأر التي قامت بها تلك القبائل وحلفائها على روما لاسترداد النساء والتي باءت كلها بالفشل والخسائر الفادحة امام قوة وجبروت الرومانيين.

 21-rape6

المحاولة الاخيرة كانت معركة فاصلة كاد الصابينيون ان يسقطوا فيها روما بعد ان فتحت لهم بوابتها الكبرى من قبل فتاة متعاطفة اسمها تاربيا، وهي ابنة تاربيوس احد القادة الرومانيين الكبار. 21-rape7

وفي المعركة الطاحنة داخل روما والتي سقط فيها الكثير من القتلى، لم يكن من النساء الصابينيات اللائي تزوجن من الرومانيين وانجبن منهم اطفالا ان يرمين انفسهن بين الجيشين ويصرخن بانهن لايريدن اي قتال بين ازواجهن وابنائهن من جانب وآبائهن واخوانهن من جانب آخر.

 21-rape8

وهكذا كان لحكمة وتضحيات هؤلاء النسوة السبب الحاسم لوقف القتال وبدء المفاوضات التي انتهت بائتلاف الجانبين واشتراكهما في سلطة روما التي ضمت تاتيوس زعيم الصابينيين الى جانب رومولس.

 21-rape9

ورغم ان تاتيوس توفي بعد خمس سنوات من هذا الائتلاف الا ان روما اصبحت مختلطة الدماء ليومنا هذا. 21-rape10

الهمت هذه القصة العديد من فناني عصر النهضة المتميزين امثال

- جيوفاني پولونا Giovanni da Pologna

21-rape1- بييترو كورتونا Pietro da Cortona

- یاكوبو ليگوزي Jacopo Ligozzi

- نيكولا پوسن Nicolas Poussin

- پيتر روبنزPeter Paul Rubens

- دانيال فولتيرا Daniele da Volterra

- جاك لويس ديفد Jacques Louis David

- سباستيانو ريچي Sabastiano Ricci

 

كما انها كانت موضوعا لعديد من فناني حقب مابعد عصر النهضة وبضمنهم بيكاسو.

zouher sahebاستعمل الملك (آشور - ناصر - بال) الثّاني (883 - 859 ق.م) في أوائل حكمه، مدينتي أربيل ونينوى قواعد تعبويه لعملياته الحربية، وبسبب بعد العاصمة آشور عن أماكن العمليات العسكرية التي تركزت في الجهات الشّمالية والشّمالية الغربية، قام بإعادة بناء المدينة الآشورية (كالح) التي تعرف بقاياها باسم (النّمرود) وتقع على بعد (22) ميلاً جنوب الموصل، والتي أسسها من قَبلهِ الملك (شيلمنصر) الأول (1274 - 1245 ق.م)، لكنها أهملت من بعده وحلَّ فيها الخراب. فعزم (آشور - ناصر - بال) على تجديدها وإعادة بنائها واتخذها عاصمة عسكرية، لتكون فيها ثكنات الجند والمعدات الحربية، ومنها كانت تُسيّر الحملات الحربية وتُدار العمليات العسكرية.

تميزت العاصمة الجديدة بموقع استراتيجي مهم جداً، شأنها في ذلك شأن العاصمة القديمة آشور، كونها تقع في الزّاوية التي يلتقي عندها نهر الزّاب الأعلى بنهر دجلة، لذلك فهي محمية بمثل تلك العوارض المائية المنيعة من جهتيها الغربية والجنوبية. وبفعل هذه الغواية الاستراتيجية، بذل الملك الذي يُعد مؤسس الفكرة الأسطورية للملكية الآشورية، جهوداً كبيرة في بنائها، إذ سَوّى أنقاضها بالأرض، ووسع من مساحة أبنيتها، وشيد حولها سوراً ضخماً مدعّما بالحصون والأبراج الدّفاعية، بلغ محيطه ثمانية كيلومترات، والمدينة مستطيلة الشّكل تقريباً مساحتها ثلاثة كيلو مترات مربعة ونصف الكيلومتر، وأختار مؤسسها أحد المرتفعات الطّبيعية في إحدى زوايا المدينة، بنى عليه (زقورتها) ومعابدها وقصره الملكي.

689-sahib

زوّدَ الملك عاصمته الجديدة بالمياه، عن طريق قناة مُدّت من الزّاب الأعلى، وزرع فيها الحدائق الجميلة التي ضمّت أنواعاً متنوعة من النّباتات التي جلبها الملك من أماكن شتى في حملاته الحربية المتعددة. وحفر فيها العديد من الآبار التي وصل عمقها إلى ثلاثين متراً، بغية الحصول على الماء العذب للشرب والإرواء ولا سيما في فصل الصّيف الذي ينخفض فيه مستوى النّهر إلى مستويات شحيحة. وبفعل شخصية الملك متنوعة الهوايات، فقد أقام في مدينتهِ حديقة كبيرة للحيوانات، كانت مدار اهتمام الملوك ممن اعقبوه حتى شملت أنواعاً متعددة من الحيوانات التي جُلبت كغنائم حربية أو قُدمت كجزية من الشّعوب المغلوبة ومنها: الدّببة والضّباع والأسود والنّمور والفهود والغزلان والماعز البري والجاموس والأغنام البرية والوشق والفهد والحمر الوحشية (الأخدر) والجمل ذو السّنامين وغيرها، وقد كانت أماكن التّرفيه تلك مخصصة للعائلة المالكة والطّبقة الأرستقراطية فحسب، للأسف الشّديد.

اعتمد (آشور - ناصر - بال) في بناء عاصمتهِ على المهندسين والعمال الآشوريين، وأمثالهم من الشّعوب التّابعة لسيطرة الأمبراطورية، الذين أسكنهم في مدينتهِ بعد إنجازها، فكانت حاضرة عالمية حقاً، تعددت بها الشّعوب واللغات والجنسيات. ودشنها بإقامة وليمة كبيرة ربما تُعد أكبر وليمة في التّاريخ، "إذ بلغ عدد المدعوين فيها سبعين ألفاً ودامت لمدة عشرة أيام" (ساكز، 1979، ص 113).

يُعدّ القصر الشّمالي الغربي، من أهم الوحدات المعمارية في المدينة، الذي اكتسب تسميته من موقعه الجغرافي في خارطة مدينة نمرود، الذي اكتُشف جزء منه في اكتشافات البعثة البريطانية برئاسة (ليارد)، واستكملت هيئته المعمارية على يد (ملوان) بعد ذلك بزمن طويل. ويُظهر المخطط المعماري للقصر، أن الطّبيعة لم تعامل مركز إدارة الأمبراطورية الآشورية بنحو شفاف، إذ جَرفت سيول الأمطار عبرَ الزّمن أجزاءً كبيرة منه وبلا سيما مجموعة السّاحات والقاعات والغرف في الجهة الشّمالية منهُ. ومع ذلك فإن أجزاءه المتبقية تعلن على أنه يمثل النّظام المعماري الأنموذجي للقصر الآشوري في تاريخه الحديث، بوصفه رمزاً للمفهوم الآشوري للملكية.

بنى الملك (آشور - ناصر - بال) الثّاني قصره المشهور في السّنة السّادسة من حكمه، بمساعدة الآراميين الذين جَنّدهم لذلك الغرض، ثم انضم إليهم في حفل ديني احتفاءً بإكماله، قبل أن يعيدهم إلى بلادهم. ويظهر المخطط الهندسي للقصر ذو (البنية) الحجرية، إلى أنه يُعد الصّورة النّاضجة لنظام القصر الآشوري، الذي ظهرت بوادره في العصر الآشوري الوسيط. فهو منظم بنحوٍ دقيق ويتميز بالتّناسق والتّناسب في فضاءاته المعمارية برغم ضخامته المفرطة، وتحصيناته الحربية المعقدة، ويتألف بنحوٍ عام من قطاعين معماريين رئيسين هما: مجموعة المباني التي تؤلف قطاع (البابانو)، ومنظومة الوحدات المعمارية التي تشكل مجموعة (البيتانو)، التي رمز اليها بالحرف (Y) في خارطة الاكتشافات البريطانية، تفصل بينهما قاعة العرش التي تتألف من غرفتين كبيرتين تقعان في مركز القصر، إذ بلغت قياسات القاعة (B) 10م × 5م .

اختصت مجموعة ساحات وغرف (البابانو) بخزن المُؤن والعدد الحربية والغنائم، وإيواء أعدادٍ كبيرة من الطّباخين والخبازين وصانعي البيرة، وكبار موظفي الدّولة من الإداريين المدنيين وضباط الجيش، فضلاً عن السّفراء الأجانب، وأمراء الدّول الموالية، والكَتَبة الذين يتقنون كتابة عدة لغات، وموظفي جمع الضّرائب، والمترجمين، والأطباء، والموسيقيين، ورجال الدّين والسّحرة، وموظفي الخزينة الملكية.

في حين احتضنت قاعات العرش وغرفها المؤثثة بالفراش الوثير، والأثاث الأنيق، ومجموعة الحمامات المُريحة، شخصية الملك الذي حرصَ على تزيين غرفهِ بالرّسوم والمنحوتات الجدارية، التي توثق أو لنقل تحكي مآثره الدّنيوية وأهمها الحربية وحملات الصّيد، وكذلك مشاهد تعبده الدّينية وكأنها أحد متاحف العصور الوسطى المزدحمة بأجناس الفن، ففي مثل هذا المكان الخطير في الفكر الكلاسيكي الآشوري، كانت تُتخذ قرارات إدارة الأمبراطورية الآشورية المهمة، متداخلة مع عِبق رائحة البخور التي تملأ المكان ليل نهار، والانارة الزّيتية المشتعلة طوال ليالي العاهل الآشوري الوردية.

أما منظومة غرف (البيتانو) فقد عُنيت بإقامة ولي العهد، قبل تركه القصر الملكي إلى قصر ولاية العهد، وبلاط والدة الملكة، مع ما يتبعهما من خدم وحشم. فضلاً عن حشد من الفتيات الجميلات اللاتي يمثلن جواري الملك، ممن وصلن إلى هذا المقام كهدايا من ملوك الدّول والأقوام المغلوبة وأمرائها، فكل جمهرة النّسوة كنَّ يتنافسن بزحام شديد على نيل رضى سيدهن الملك.

تشكل الحصون الحربية مَعلماً معمارياً مميزاً في البنى المعمارية للعواصم الآشورية، ويُعد مبنى (الإيكَال مشرتي) أي مكان تجمع القطعات العسكرية وتدريباتها، الذي يقع ملاصقاً للسور الخارجي في الزّاوية الجنوبية الشّرقية لمدينة نمرود، الوحدة المعمارية الأكثر أهمية من النّاحية السّياسية والعسكرية في عهد الملك (شيلمنصر) الثّالث (858 - 824 ق.م). إذ كتب الملك في حولياتهِ: "بأن القلعة العسكرية في مدينتهِ، التي أقامها الملوك الذين سبقوه، لم تعد تفي إجراء التّمارين التّعبوية العسكرية، لذلك عمل على توسيعها وتجديدها". فأصبحت بمثابة ترسانة عسكرية لخزن المعدات الحربية والغنائم، وفضاءً معمارياً واسعاً لإقامة الجند واجراء تدريباتهم المتنوعة التي شملت تدريب الخيول وتمارين قيادة العربات الحربية.

لعب حصن (إيكَال مشرتي) في مدينة نمرود، بوصفه القلعة العسكرية المنيعة التي تضم في فضاءاتها الدّاخلية، العديد من القوات الآشورية الضّاربة، دوراً مهماً في الحفاظ على عرش الملك (شيلمنصر) الثّالث، حين أعلنت المدن والأقاليم التّابعة للأمبراطورية الآشورية، العصيان والتّمرد على سلطتهِ، إلا أن ذلك لم يجدِ نفعاً، بسبب ولاء القطعات الملكية لسيدها الملك، مما ساعدها على إجهاض الثّورة وإعادة النّظام لهيكل الدّولة الآشورية.

وبرغم اختلاف وظيفة حصن الملك (شيلمنصر) الثّالث، عن قصر أبيه (آشور - ناصر - بال) الثّاني المعروف بالقصر الشّمالي الغربي، فقد تماثلا في جوهر المخطط المعماري، فكلاهما يضم مجموعة من السّاحات والغرف تمثل مجموعتي (البابانو) و(البيتانو)، تفصل بينهما قاعة عرش الملك الفارهة. إلا أن هيمنة أعداد السّاحات الواسعة المكشوفة على المخطط المعماري لحصن (إيكَال–مشرتي) التي كُرّست للتدريبات والاحتفالات العسكرية، قد أوجد بنية اختلاف بين المعلمين المعماريين، فقصر الأب كان مكاناً لإقامة الأمبراطور الكبير، ومركزاً لإدارة أمبراطوريتهِ، في حين كانت للحصن وظيفة أخرى، وذلك هو سر نجاح المعماريين الآشوريين، الذين أدركوا سر بنية العلاقة، بين الوظيفة والشّكل المعماري بنحوٍ مُصيب.

 

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

mohsen aldahabiمن الاسماء الشابه التي فرضت وجودها على المشهد التشكيلي العراقي يبرز اسم الفنان المغترب (عماد الطائي) من مواليد بغداد عام 1973، كواحد من الشباب الذين يحاولون بجهد واضح ان يطرحوا مفهوم وتجربة جديدة بتميزها كي تضيف الى رصيد المشهد التشكيلي شيء .

لقد عرف الفنان مذ تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة في عام 1996 وعمله في تدريس الرسم بمعهد الفنون الجميلة . بتأثره بالاجواء الواقعية والرموز الشرقية والبغدادية واشتغاله على جمالية المرأة والخيول،دون ان يخفي تأثره الواضح بنهج رواد التشكيل العراقي من امثال فائق حسن وسعد الطائي .

لكننا نحاول الان ان نرصد اخر التطورات الاسلوبية في اعماله، اذ اعتمد فيه على التجريد الشكلي للمفردات في بناء تجديدي لتجربته التشكيلية والتي ترسخت بشكل واضح مذ اقام في العاصمة الاردنية عمان معرضه الشخصي الذي حمل عنوان “عتيق” والذي أقترح فيه إحالات بصرية جديدة لموضوعة واحدة هي الخيول كمفرده وحيده . ثم ما تلاه من معارض ومشاركات دولية في العديد من بلدان العالم . متجاوزا باسلوبه اعماله السابقة التي اعتمدت تجسيد الواقع ونقله بشكل تصويري دقيق.

وهنا لا يمكن ان لا نهمل التأثير النسقي وتطابقة مع الواقع، فالعمل الفني عنده مبني اساسا على كونه نتاج ارادة واعية في الصياغة والتكوين البنائي العام للوحة متاتيا من نمط ادرك ابداعي مرتكز على مخزون المدرسة الواقعية التي بدأ بها مشواره الفني حتى وصل بها مراحل متقدمة من الاتقان الحرفي والسيطرة اللونية حتى عرف باسلوبيته المتميزة عن كل اقرانه.

78-emadaltai

لكن اعماله الاخيرة ماهي الا محاوله لفتح افق جديدة امام منجزه الفني والجمالي في توظيف مضمونية الشكل الواقعي في خدمة الخطاب التأويلي والجمالي عبر دراسة المفردات اليومية المؤلفة للمحيط الانساني وما يدور في فلكها من اشياء . فهو يمازج في اعماله بين الثيم حد الاختلاط والذوبان تاركا للفراغ بعدا ايحائي يشكل اللون فيه سطوة السطوع من اجل ايجاد التوازن والتوافق التكويني وخلق المعنى الاشاري للرموز الشيئي المتراكم والمتداخل والذي يتحول الى ارتسامات باطنية ذات طابع جمالي سيكولوجي يستوحي علامات خارجية ويعيد صياغتها وفق نسق فكري انساني واضح المعالم .فهو يقوم بعملية تفكيك منتظم وواعي للعناصر المكونه للموضوع الى اجزاء ويذيبها في البناء الشكلي للوحة،

فهو اذن لم يحاول التخلص من جذره الواقعي في البنية التصويرية بتهشيم الملامح الخارجية فحسب بل يحاول ان يعيد بناء المفردات التشكيلية وفق نمط اخر مغاير للواقع، كما انه في الوقت ذاته لا يرتمي في حضن التجريد المجاني للاشياء بل يحاول جاهدا ان يعيد صياغة الواقع المتخيل لابراز الهم الانساني ومعالجة همومه بشكل يبتعد عن مباشرة الواقعية والتشخيص التفصيلي، مرتكزا الى التشخيص الرمزي التفاعلي المتراكم بتركيبات شكلية لخلق الصورة الموحية ذات المداليل المتعددة عبر ايجاد مجموعة من العلاقات بين مختلف عناصر التكوين وربطها بمفهوم تكاملي، قد يكون غير معقلن في بعض الاحيان لكنه بالتأكيد منظم بشكل قصدي ويرتكز على مرتكزين اساسيين الاول هو النصية التي تمثل العوالم الداخلي للمبدع بخطابة الجمالي عبر اللون وخلق واعادة تركيب الانساق المصغرة كمفردات مكونه للعمل الفني حيث يتجسد الوعي داخل الشكل واللون اذ يندمج في حالة نوعية فاللون الاحمر مثلا والذي يغرق مساحات واسعة من لوحاته يحمل خصوصية حرارة اللون وكمونه البصري (كلون مسيطر) ويحاور ما جاوره من اللوان ليعطيها بعدا تمثيلي ورمزي اكثر ايضاحا للقصدية التي تحدثنا عنها، اما المرتكز الاخر فهو البعد الخارجي الذي يجسد ويستوعب الخطاب النقدي الذي يريد الفنان طرحه فكريا والمستوحاة من اصول متعددة يختزلها في اطار تفاعل قصدي فاعل وديناميكي، عبر نزعة تصويرية تتسم بالتجريد وان غلفها في بعض الاحيان بغموض من نوع خاص، وباسلوب يتيح للخيال اقصى درجات الحرية واعادة تشكيل الاشياء وفق منطلق العقل الباطن وبتراكيب متداخلة لخلق عالم اخر بمنظور يجمع بين عالم الواقع ويتجاوزة الى ما يمكن ان نسمية (ما بعد الواقع) .لا شك أن مداليل الفراغ وجوهرة عند الفنان هي مداليل ديناميكية تحاول تنشيط عملية التاويلية للمتلقي حيث يترك الفنان العنان للطاقة الذاتية للنعتاق في التعبير التلقائي ومحاولة اسقاطها على الواقع الخارجي بنزعة احتجاجيه واضحة تبرز ما يتعرض له الانسان من معاناة . فهو احد المبدعين الذين يريدون ان يكونوا واعين بفنهم مساهمين قدر المستطاع في رفع الاستلاب عن الانسان فما وظيفة الفن عنده الا الكشف عن دلالته المتمردة.

فهو في الوقت الذي يلجا إلى الواقع المجرد هاربا منه محتميا من عنفه واختلافه، وتشظيه، الى غرائبية وقائعية تتنوع على مستوى المضامين وبرصد ذكي للواقع الممتليء بالمتناقضات والفواجع من أجل البحث عن الإنسان المفتقد لهويته والمسلوب الإرادة هائما على وجهه يبحث عن ذاته المغتربة كفنان وانسان مبدع فاغلب تشخيصات الفنان تبدوا عاجزة عن ادراك هذا الواقع كشيء متكامل ونهائي في التعبير الفني لذا فهو يهرب الى الرمز ليعبر عن الواقع الفاعل والمؤثر في المجتمع .

إن اعماله تعبر عن موقف ورؤية من ما يحدث في هذا العالم،انها كما يبدوا رغبة الوعي النقدي لديه والتي تدفعه نحو مزيدا من الابتكار الموضوعي لرؤى مغايرة ومختلفة في مصدرها ومرجعيتها لخلق النص التشكيلي غير المألوف فقد كان من إيجابيات هذا الاسلوب الذي استخدمه أنه استطاع وبوعي أن يحاصر المنهج النصوصي الشكل ذي النزعة الظاهرية ليطورة بعيداعن الشكلانية والقراءة الحرفية الجامدة للشكل والواقع،عبر حرفية دمجت التشبيه والتجسيم باجواء اللوحة التجريدية كما أدخلت السطح المؤثر والتفكيك القيمي إلى جسد اللوحة بشكل لافت ومميز .

 

محسن الذهبي

ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا

 

khadom shamhodافتتح يوم 26/2/2015 المعرض العالمي (رقم 34) للفنون التشكيلية في مدريد Arco2015من قبل الملك الاسباني- فيليب VI- وزوجته الملكة ليتيثيا وسط تظاهرة كبيرة من الاعمال الفنية المعروضة حيث اشترك فيه 212 كالري من 33 دولة دولة اجنبية . وقد ازداد عددالمشاركين هذه السنة عن العام الماضي بنسبة – 27 - كالري وكذلك نسبة كبيرة من تجار وجامعي اللوحات الاثرياء ..

وقد نشرت الصحف الاسبانية عن هذا المهرجان وعدته خطوة فريدة ونادرة في تجمع كالريات العالم في مدريد واطلقت بشائر الخير والسرور وان الغيث قد هطل على اسبانيا وان دخل الشراء لهذا المهرجان قد قدر بمائة مليون يورو لصالح اسبانيا وهو رقم لم يسبق له مثيل ..

 684-khadom

تجارة اللوحات

قبل افتتاح آركو 2015 قامت اللجنة المنظمة له باتصالات واسعة مع كالريات العالم الاجنبية والمحلية ومع تجار اللوحات وجامعيها وقد اختارت اكثر الكالريات نشاطا وشهرة وكذلك الفنانين الذين يتعاملون معها ونالوا درجة كبيرة من حيث السمعة والبيع .. وكل هذه الامور كانت تجري بحساب تجاري بحت .. وقد توجهت اللجنة المنظمة هذا العام الى امريكا اللاتينية بعد انقطاع طويل ودعت كالرياتها للمشاركة وكان لهم حضورا مميزا .. وقد عتب بعض اصحاب الكالريات على اسبانيا لاهمالها هذه القارة العظيمة وعد هذه الدعوة بمثابة صرخة لاكتشاف امريكا اللاتينية من جديد .. الفن اللاتيني غني وثري بجماله واسلوبه الفطري الاصيل وتقاليد شعوب المايا . واشتهر من فنانيه الفنان الكولمبيانو فرناندو بوتيرو 1932 والارغواي خواكين توريس 1874 والاكوادوريانو اوسوالدو غوايا سامين 1919 و المكسيكانوس ديغو ريفيرا 1886 وروفينو تامايو 1899، وغيرهم .. وكان هؤلاء يشكلون حلقة وصل بين الفن الاسباني واللاتيني .. وكانت اسبانيا في مطلع الثمانينات قد تو جهت بكل ثقلها الى اوربا سياسيا واقتصاديا وكذلك ثقافيا وفنيا واهملت امريكا اللاتينية .. اليوم وبعد الازمة الاقتصادية عادت اسبانيا لتمد الجسور من جديد مع البلدان الناطقة باللغة الاسبانية ..

 

المعروضات

تجولت في المعرض وتطفت به طوف المتأني الباحث عن كل ما هو جديد وصورت اعدادا كبيرة من الاعمال وكنت احيانا اقف على كل عمل يلفت نظري فاتمعن به . كما كانت بيدي بعض الصحف التي تتحدث عن المعرض .. ومن الاعمال المعروضة التي اوقفتني هو قدح ماء نصفه مملوء و موضوع على قطعة خشب سعره 20 الف يورو ؟؟؟ ويعني ذلك انه يعتبر من مدرسة النحت الجاهز الذي بدأ بعمله الفنان الفرنسي دوشامب – المبولة – فاخذت الجريدة وقرأت عنه .. فقد وجدت ان احد الصحفين قد سأل صاحب الكالري عن السر في هذا العمل وسعره الغريب رغم انه غير معروف عالميا ..فقال له: (هذا الموضوع يتعلق بسوق الفن وقانون العرض والطلب، ان هذا الفنان يطرح باعماله افكار ومفاهيم نادرة، واننا نتعامل مع اصحاب جامعي اللوحات الاغنياء ؟؟؟). الفنان من اصل كوبي اسمه Wilfredo Prieto 1978

684-khadom1

كما شاهدت عمل آخر عبارة عن كتب مكدسة مع جرائد موضوعة على الارض بشكل عفوي، وهناك يشاهد تمثال صغير لرجل بحجم حوالي خمسة سنتمترات جالس على احد الكتب يعود العمل الى فنانة من اصل ارجنتيني تدعى Liliana Porter وحسب ما قرأت ان ذلك الشخص يرمز الى قصاصة الورق التي يضعها القارئ بين صفحات الكتاب ؟؟؟ .. بعد ذلك قرأت ان هناك تذمر وانزعاج واضح من قبل بعض اصحاب الكالريات نتيجة لوضع مراقبة على الاعمال المعروضة خوفا من ان تستفز بعض القطاعات العامة من الناس وتجلب مشاكل .. احدهم علق على ذلك (ان الفن يجب ان يكون استفزازيا يثير الوعي، مثل رسوم غويا Goya واعمال ديكنزDickens وغيرهم .. نشعر اننا مراقبين من قبل الجمهور . وقد منعت اعمال الفنان الصيني Ai Weiwei وكذلك اعمال الفنانة الكوبية Tania Bruguera منعت من عرضها في آركو 2015 في مدريد . لانها اعمال استفزازية ضد الحكومات الدكتاتورية . كما لاحضت غياب كامل للفنان المعروف الكولمبيانو فرناندو بوتيرو 1932 ما عدا كتاب يتحدث عن حياته واعماله الفنية .. حيث يذكر ان الفنان خلال حياته الفنية باع 440 عملا فنيا وكان اول عمل بسعر 45 الف دولار واليوم اعماله صعدت الى اكثر من 200 الف دولار .. كان الحديث الدائر في اروقة هذا المهرجان العالمي هو عن البيع والشراء وجامعي اللوحات (الهوات) وقرأت لاحد التجار يقول: (انه من الافضل جلب وشراء اعمال الشباب المميزين حيث بالامكان الاستغناء عن واحد من المعروفين وجلب ما يعادله بعشرة فنانين شباب .. وهو ما نعمل عليه اليوم لانهم هم فناني المستقبل ..) وقد اطلعت على اسعار الاعمال وهي مختلفة حسب الشهرة والسمعة وكان اغلى عمل للفنان الامريكي خوان ميغيل باسكيت 1960Basquiat حيث وصل سعره الى الى مليون يورو .. اما اعمال الفنانين المعروفين فهي قليلة جدا تعد بالاصابع ...

 

رسالت الفن

عندما نريد الحديث عن معاني الفن وفلسفته ورسالته وما قاله الادباء والفلاسفة واهل الفكر والثقافة عن دوره في الحياة والانسان امثال ذلك الكاتب الالمعي برنادشو وتحديه للاعمال الفاسدة وكذلك تولستوي ووظيفة واهمية الفن في المجتمع وايضا ديكارت وآرائه في الجمال والاخلاق وراسكين بنظريته في الجمال والامتاع وغيرهم .. انا اعتقد اننا نكون خادعين لانفسنا اذا تحدثنا باعجاب وايجاب عن اعمال هذا المهرجان الفني .. لم اجد شيئا يثير الصدمة، لم اجد شيئا يشعرني بالجديد، لم اجد شيئا يخرج عن ما فعله الرواد من اصحاب المذاهب الحديثة ،و غالبيتها خاوية المعاني .. نعم هناك بعض الخصوصيات والابداعات الجميلة لكل فنان ولكنها تبقى كلها داخل اطار الفنون الحديثة ..

20-EB11يوجين فون بلاس (1843-1932) Eugene Von Blass فنان ايطالي ينتمي للمدرسة الكلاسيكية الاكاديمية Academic Classism التي اخذها عن والده الذي كان رساما ايضا والذي علمه الرسم بعمر مبكر.

 20-EB6

20-EB2ولد يوجين في ألبينو بالقرب من روما، وكان والداه من الاستراليين المهاجرين الى ايطاليا، لكنه نشأ في فينسيا حيث استقرت العائلة بعد حصول والده على وظيفته كأستاذ في اكاديمية فينيسيا. وبين اصالة الفن الايطالي وجمال وسحر فينيسيا، اصبح يوجين بلاس افضل من رسم النساء الفينيسيات والمجتمع النسوي في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.20-EB3

 

 

تميزت نساء يوجين بجمال ورقة واناقة بالغة شملت نساء الطبقة الارستقراطية والطبقة العاملة على حد سواء.

20-EB9كان ملوناً بارعا مقتدرا على تصنيع لوحاته بهارمونية متفردة تبعث الصفاء والهدوء والنقاء في نفس من يتأملها.

 20-EB1

حين نتأمل كل ماترك هذا الفنان المرهف من روائع فاننا نرى افتتانه برسم نساء فينيسيا يسجل حياتهن بكل الوانها.

 

20-EB420-EB8نرى العاملات والفلاحات الكادحات وربات البيوت وحياتهن البسيطة المتواضعة التي لاتجردهن من جمالهن الآخاذ .. انه الجمال الراسخ في صدق الحياة وبساطتها. ونرى بائعات الزهور وجامعات المحار برشاقتهن الساحرة.

 

ونرى النساء الارستقراطيات في بورتريتات رسمية تشي بحياة الصالونات الباذخة.

20-EB12 كما اننا نرى النساء اللائي يجتمعن في بيوتهن في حفلات الشاي ويستمعن للموسيقى ويقهقهن لتبادل الاسرار والبوح باحلام الشباب.

20-EB10

20-EB5ونرى الجميلات يتهادين على رمال السواحل او يغسلن الملابس على الضفاف او يستحممن بالشمس الفينيسية المعطاء.

 20-EB3

لقد كرس هذا الفنان نفسه لصياغة الجمال بكل ابعاده في عاصمة النور والماء والجناديل ومنحنا متعة الانتقال الى هناك من خلال مايرسم على الكانفس.

 

ا. د. مصدق الحبيب

صحيف المثقف

khadom shamhodعندما يتحث المهتمون بشؤون الفنون التشكيلية والادبية في اي مكان كان، من فنانين ونقاد ومحللين ومؤرخين وغيرهم، فان اول ما يتبادرالى ذهنم هو الثقافة والفن الاوربي، بعصوره التنويرية وتاريخه وحركاته الفنية الحديثة .. بينما نجد هناك غفلة عن الفن الشرقي الذي يمتد الى آلآف السنين وله تقاليده ومميزاته وامم تفوق اوربا عددا ومساحة .. اذن لماذا هذا الاهتمام بالفن الاوربي ؟؟؟

يعتقد بعض المحللين ان اوربا كانت منذ عصر النهضة قد حدثت فيها تحولات كثيرة على مستوى الاصلاحات الدينية والفكرية والفنية والادبية والاجتماعية وما تبعها من اكتشافات علمية هائلة ادت الى قيام الثورة الصناعية . وكانت ثورة جان جاك روسو 1772 الاصلاحية وكتاباته الادبية والسياسية وخاصة كتابه – العقد الاجتماعي – كانت بثابة المعول لتهديم النظم الاستبدادية .. ثم ادت افكاره الى قيام الثورة الفرنسية عام 1789 والاطاحة بالملكية .و قد انتشرت تأثيرات هذه الثورة الى كل انحاء اوربا وبدأت حركة اممية شاملة اطاحت بكل الانظمة الدكتاتورية المستبدة في اوربا ..                                                                                                                        بينما نجد الفن الشرقي بقى محافظا على تقاليده طيلة عصر التنوير الاوربي ولم يحدث فيه اي تحرك نحو التغيير والتطوير والاصلاح، فكان الفنان الشرقي جل اهتمامه هو التقليد الحرفي والسير على التراث القديم وما خلفه الاساتذة الاوائل ..

وقد حكمت الدولة العثمانية الدول العربية بالحديد والنار وتركتهم على حالهم منذ ان احتلوا بغداد عام 1639 في زمن السلطان مراد الذي استلم الخلافة وعمره احدى عشر سنة .. وبقت الدول العربية جامدة متخلفة متحجرة اربعة قرون لم يحدث فيها اي نقلة نوعية لا على صعيد الفكر ولا الادب ولا الفن ولا العمران ولا غيره حتى سقوطها عام 1914 -1918 بيد الاوربيين واحتلالهم   الدول العربية، حيث نقلوا حضارتهم اليهم ..

و اليوم تحاول تركيا (المغول) اعادة امبراطوريتها العتيقة عن طريق دعم بعض المنظمات المتطرفة منها داعش والعودة الى العصور المظلمة وتطبيق بعض كتب فقهائهم الشاذين مثل – الصواعق المحرقة –لابن حجر الهيتمي 1027 الذي يصف الشيعة الاثنى عشرية بالزنادقة ويجب حرقهم بصاعقة ومسحهم من الارض   .. هذه الافكار السادية المتحجرة التي لا تمت باي صلة للاسلام، نراها اليوم تمارس علنا وعلى مرءأ ومسمع منظمات حقوق الانسان والامم المتحدة ودول العالم ..

لما رأيت الجهل في الناس فاشيا   --   تجاهلت حتى قيل اني جاهل

فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص -- ووا اسفا كم يظهر النقص فاضل // المعري

    678-khadom                                                                                                                  ونعود الى الفن الشرقي حيث ان افضل ما كتب عن الفن الاسلامي والشرقي هو الاستاذ الدكتور عفيفي بهنسي ومن كتبه – اثر الجمالية الاسلامية الفن الحديث - والدكتور سمير الصائغ – الفن الاسلامي - والدكتور زكي محمد حسن الذي الف عشرات الكتب والدكتور ابو صالح الالفي   والدكتور حسن محمد حسن وغيرهم . وقد تميز الفن الشرقي بالايقاع الخطي واهمل الضوء والظل مع علمه ومعرفته الكاملة به ..

الحساسية الفنية :

شهد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في اوربا حركة تنويرية تمثلت في البداية   بخاصيتين بارزتين هما الرؤية الفنية والتأمل الجمالي وهما من اهم العناصر الفنية التي شغلت فناني ذلك العصر وكانت هذه الفترة يدور فيها النقاش حول الاداء الفني وفيما اذا كان الجمال يعني الفن؟؟ وهل هو محاكات للطبيعة ام يكون شيئا آخر؟؟ وكانت طريقة المحاكات قد نادى بها ارسطوا، واخذ بها الفنانون ولكنهم اعطوها مسحة جمالية مثالية . ثم سارت عليه الاوضاع الاكاديمية ثم الحركة الرومانسية بعد ذلك اعقبتها الواقعية الكوربية ثم الحركة الانطباعية او الواقعية العلمية .

و ظهرت الرومانسية في الادب والفن وكانت على خطين الاول هو الرومانسية الطبيعية التي كانت تدعو العودة الى الطبيعة حيث التعبير عن المشاعر كما اهتمت بوصفية شاعرية المناظر الطبيعية وقد تبناها كل من- تيودور روسو – و- ميلليه – والخط الثاني هو الرومانسية الانفعالية الذي تبناها كل من ديلاكروا وجيريكو وكانت قد صرحت بان اعمق المشاعر تتمثل في الصفات النفسية في حالات   الحماس والانفعالات .. واطلاق العنان للخيال والوجدان .

678-khadom2

ثم اصبح الاهتمام برسم المنظر الطبيعية والاداء الرومانسي الذي يعكس حرارة الوجدان وتاجج العواطف والحياة بما ينطوي عليهامن تألق وتأنق وتجمل .. وزاد هتمام الفنان باللون والتخطيط والتكوين كما هو عند كونستابل والانطباعيين . وكانت الامور تجري على تقييم الاعمال حسب قوتها الادائية والحساسية والشاعرية .. فمنهم من اعتبر الخط في تحديده للاشكال يزيد في كمال العمل الفني، كماهو عند الفنان الانكليزي بليك حيث لا يمكن ان نميز قسمات الوجوه الا عن طريق الخط وحركته الواضحة. ومن قيم الاعمال على طريقة روبنز ورمبرانت في سطوع الضوء والظل.. ثم جاءت الانطباعية وعززت تلك المنهجية فصعدت حساسية الفنان في ادراك الالوان وتأثرات ضوء الشمس عليها.. وكان درجة حساسية تيرنر 1775عالية وفريدة في تصوير الضباب والزبد والمياه الهائجة .. وكان ديلاكروا يتمتع بحساسية سحرية هائلة، فعندما يرسم يحس انه (مسحورا كما تسحر الافعى بين يدي ساحر الثعابين). وكان كوكان في جدال ونقاش مرير مع فان كوخ حول ماهية الفن وكيف ان يكون رمزي او تعبيري، ووصل بهم حد العراك بالسكاكين ..

ومنهم من يرى اللون هو الحيا وعكسه يعد ظلام وموت .. وكان سيزان يؤكد على اهمية حساسية الفنان فلكي يخلق الفنان تناغما بين الشكل واللون عليه ان لا يعتمد على الرؤية البصرية فحسب وانما ايضا على الحساسية، فاصبح الاحساس شعارا لسيزان واعتبر الطبيعة ثروة رائعة من الالوان التي تثري الفنان وتعطي الحياة للانسان .. وقد كشف سيزان ان اكثر الاشياء صعوبة هو ان يعطي تعبيرا مباشرا عن التصورات المرئية . وعندما تقدم في السن كان ينظر الى السحاب بحسرة ويتمنى ان يسارع لتسجيلها . فيلتفت الى صاحبه قائلا كم تمنيت ان يكون مونيه حيا لفعل ذلك لان له حساسية وقدرة كبيرة على التصوير ..

و لكن ان كل ما ذكرناه من الاتجاهات الفنية من واقعية الى رومانسية وانطباعية لم يكن لها دور سوى تسجيل المظاهر والظواهر رغم ان المواضيع تعبر عن الحياة اليومية من حزن وفرح الا ان هذه الاتجاهات لا تعبر عن الحقيقة المطلقة المستترة خلف الاشياء وهو ما انصب عليه اهتمام اساتذة المذاهب الحديثة   ..

 

19-JW8جان وليم ووترهوس John William Waterhouse (1849-1917)

 

19-JW1

ولد وعاش ومات هذا الفنان الانكليزي في بيوت شاع في هوائها الفن وتغلفت جدرانها بروائع اللوحات وملأت غرفها الواح الكانفس ورائحة الزيت والتربنتين، ولم يجلس على ارائكها اي احد سوى من كان مهموما بالفن ومتحدثا بلغتة ومفرداته.

 19-JW2

ولد ووترهوس عام 1849 في روما لام واب من الفنانين الانكليز المحترفين الذين هاجروا من انكلترا الى ايطاليا سعيا وراء الفن وبيئته الايطالية الشهيرة.

 19-JW4

كما ان ووترهوس تزوج من فنانة محترفة وعاش معها لما تبقى من حياته.

 19-JW5

تخرج ووترهوس في الاكاديمية الملكية للفنون في لندن وعمل تدريسيا للفن في مدرسة سانت جان وود.

 19-JW3

ومن الناحية الاسلوبية، تأثر تأثرا بالغا بفلسفة وتكنيك جماعة ماقبل الروفائلية الذي تبناه وظل مخلصا له حتى بعد انفراط عقد هذه الجماعة و افول نجم اسلوبها الفني في اوربا.

19-JW6 

ورغم محاكاة واخلاص ووترهوس لجماعة ماقبل الروفائيلية في الاسلوب والموضوع الا انه ابتدع مزيجا اكبر لمصادر الهامه، فخلط بين الميثولوجيا الاغريقية والميثولوجيا الرومانية والاساطيرالبريطانية الآرثرية.

 

19-JW7من الثيمات المتكررة التي اشتغل عليها هي ثيمة المرأة والماء والموت والتي تجلت لديه بالتصاقه بموضوعة اوفيليا التي رسمها الكثير من المشاهير قبله خاصة اقطاب جماعة ماقبل الروفائلية من امثال ميليه وروسيتي اللذان اصبحت لوحاتهما تعريفا لموضوعة اوفيليا. وبذا فقد بدت اوفيليا وكأنها الموضوع الذي تلبس به ووترهوس الذي رسمها باشكال مختلفة ثلاث مرات وفي اوقات متباعدة من نشاطه الفني. كانت الاولى عام 1888، ثم في عام 1849، واخيرا في عام 1910. وكان بنيته ان يكمل سلسلة اطول من اللوحات لاوفيليا الا ان مرض السرطان اشتد عليه ولم يمنحه تلك الفرصة فوافته المنية عام 1917.

wejdan alkashabاللون هو انصهار خالد الإنسان بخالد الفنان، من هذه الفكرة كانت انطلاقة الفنان خالد نصار في رحلته الثرية في عالم التشكيل، عبر خصوصية متألقة تتخذ من الابتكار والتجريب والبحث الدائم وسائلاً تشتغل باتجاه فضح الظلم الواقع على بلده فلسطين، ويؤشر هذه الفكرة بقوله {المتألم يصرخ ليعبِّر عن الألم، ويسقِط ما يحسُّ في داخله على تلك الصرخة التي يشكِّلها، فتعبِّر عن هذا الألم، ويتحوّل إلى إبداع إن أحسن تشكيله} وبهذا تتحوّل لوحاته، لوحة بعد لوحة، ومعرضاً بعد معرض إلى مشاهد تحكي قصة شعب مناضل صامد، يتحسس ألمه ونبضاته ومعاناته مؤكداً موقفه بإعلانه {أنا لن أنسلخ عن بني شعبي وأُمّتي، وأسير معهم نحو الحرية} إذاً هو حلمه بالحرية التي لا بُدَّ لها من الحضور والتحقق من خلال عبور النفق المظلم، وهذا ما يؤشره بقوله {أنا دائم الخروج إلى فضاء مفتوح من خلال التدرّج اللوني الداكن إلى الفاتح وصولاً إلى بقعة ضوء في آخر النفق} فاللون يحقق الحرية كما يحقق الأفكار والآمال، ولهذا يتعمد الفنان خالد صنع ألوانه بنفسه، كما يستغني أحياناً عن الفرشاة لتتحوّل يده إلى فرشاة، تتماهى مع الألوان، وتتحسس انفراشها على قماشة اللوحة، فتتوحد ذاكرته ويده وألوانه ومعاناته وحريته، بل يمكنني القول يتحقق وجوده المفعم بالمشاعر الإنسانية النبيلة أيضاً.

عبر مسيرة التاريخ التشكيلي أشّرت الأحداث المجتمعية دافعاً ثريّاً للفنان لينتج لوحاته، كاشفاً من خلالها موقفاً من هذه الأحداث، وتوثيقاً لها، وتأرخة لمشاهدها، وهذا الدافع كان له حضوره أيضاً في تجربة الفنان خالد حيث تكشف تسميات معارضه عن هذا الحضور، مثل: غزة نبض الركام، هنا غزة، في القدس قد نطق الحجر، يوم .... وخمسون، نظرة أمل، بلا عنوان، تستحق الحياة، وغداً ستشرق الشمس، اليقين، في أعماق الجرح، إلى أين، سنعود، غزل الألوان، في أعماق النص، لا بُدَّ لليل أن ينجلي، وماذا بعد؟ صرخة لون ألم وحنين، في أعماق اللون، وراء الظل، عودة الروح .

تكشف إذاً عناوين معارضه عن حضور قضية وطنه وحلمه معاً، وهما قضية وحلم كل فلسطيني، إنّه روح فلسطين المتشكِّلة جرحاً وألماً ولوناً وحلماً بالحرية، تلك الحرية التي تسكنه، ولهذا ينتج لوحاته بشكل متزامن تقريباً مع الأحداث التي تعصف ببلده، فيصبح ناطقاً بجراحاتها وصراعها، ولهذا لا يميل إلى منح لوحاته تسمية بل يكتفي بمنح كل مجموعة اسماً يتلاقى مع دلالاتها.

اليوم {20/2/2015} وأنا أكتب بحثي هذا نشر الفنان خالد نصار خبراً رائعاً هو حصوله على شهادة الدكتوراه الفخرية من المجلس الأعلى للإعلام الفلسطيني، مبارك له هذه الشهادة التي يستحقها لجهوده المبدعة في تجسيد قضية الوطن والظلم الواقع عليه.

من مجموعته التي منحها تسمية {بلا عنوان} أغرتني لوحة باشتغالها، واخترت لها عنواناً {ألواني وحلم الحرية}، وهو عنوان يتفق – بتصوري - مع دلالاتها، ولا بُدَّ لي من الإشارة إلى أنَّ تسميتي للوحة هو إجراء بحثي، لأنَّ كتابة بحث عن لوحة بلا عنوان يحرمها خصوصيتها كما يحرمها بطاقتها التعريفية التي سترتبط بذاكرة المتلقي.

لوحتان في لوحة {لوحة مركّبة} توجّه يميل إليه الفنانون أحياناً، والفنان خالد بحكم ميله إلى التجريب اتخذ هذا التوجّه في لوحته موضوع هذا البحث، سأُحاول أولاً أن أُحدد تكوين كل لوحة وعناصرها، حيث يبدو أنَّ اللوحة الأُولى تتخذ موقعتها في النصف الأيسر من المستطيل الذي اتخذته اللوحة، أمّا اللوحة الثانية فقد اتخذت موقعتها في النصف الأيمن منها، مع ملاحظة التداخل الصميمي بين اللوحتين، والذي سأتوقف عنده أثناء تحليلي التفصيلي للّوحة.

في النصف الأيسر اعتمد تكوين اللوحة على مجموعة من العناصر هي:

1)البحر.

2)بقايا جدار.

3)بقايا بيوت.

4)أشكال إنسانية.

5)قارب فيه أشكال إنسانية.

6)ظلال.

اتخذ البحر موقعته ليُشكِّل أرضية تتموضع عليها بقية عناصر اللوحة، إذاً اللوحة تؤشِّر بُعداً مكانياً محدداً هو غزّة، تلك المدينة الفلسطينية التي تقع في المنطقة الجنوبية من الساحل الفلسطيني المطل على البحر المتوسط.

والبحر في الواقع العياني يكتسب لونه الأزرق بسبب تشتت موجات هذا اللون في جزيئات الماء، فيتمظهر به، لكنّ بحر الفنان خالد بحر خاص لا يتشابه مع البحر المتوسط ولا مع غيره من بحار الكرة الأرضية، لأنَّ الفنان منحه وظيفة تسريد الأحداث التي تعلنها هذه اللوحة، ولتحقيق هذه الوظيفة عمد الفنان خالد إلى موضعة بقايا الجدار وبقايا البيوت والأشكال الإنسانية عليه، فلم يحاول عزلها مكانياً على الشاطئ، وإنّما جعلها تبدو وكأنها جزء تكويني من البحر مؤشِّراً دلالة عميقة هي الانصهار بين عناصر التكوين، ووحدة موقفها، وتأثرها بالأحداث ، وبذلك يتحوّل البحر إلى كائن حي ينفعل بالأحداث، وهذا التفاعل هو الآخر أكسبه صفة الشاهد على الأحداث أيضاً.

في الواقع العياني يشكِّل الجدار مصدّاً يحجز ما وراءه، ويمنع انكشاف التكوينات التي يحتويها، لكنَّ الفنان خالد منح الجدار وظيفة أُخرى مغايرة، فهو ليس بالمصدّ ولا الجزء الحامي لما خلفه، لأنّه بقايا جدار ينتصب في البحر، وتحوّلت حجارته إلى أشكال إنسانية مجرّدة، وظلال لأشكال إنسانية، فالأشكال الإنسانية اتخذت صفة التجريد، لكنّ المتلقي يكتشف من خلال النظرة المدققة المتفحصة ان الشكل القريب الاول يبدو لرجل لانه اكبر حجما فيما تؤشر الاشكال الاخرى للاطفال وهذا ما يؤكده اعتماد الفنان خالد تظهير الاطفال بمظهر التبعية للاب في المعاناة والمصير .

هنا أوقفني تساؤل طرح نفسه:

لماذا يقف الرجل أمام الجدار وجهه باتجاهه وليس العكس؟

لتكوين تصوِّر دلالالي عن هذه الوقفة كان لا بُدَّ لي من تأويل كينونة الجدار ذاته، حيث يكشف المسح البصري له عن تمظهر ظلالٍ لأجساد بشرية متداخلة وضبابية تمتد وتتماهى مع امتداد الجدار، إذاً هو ليس الجدار العادي الذي تعرفه الذاكرة الجمعية في الواقع العياني، إنّما جدار حَدَثي شكّل سجلاً للأحداث القاسية التي عانتها غزّة جرّاء اعتداءات العدو المتكررة التي أنتجت شهداء من الرجال والنساء والأطفال، إنّه يؤرخ للأحداث وسوداويتها.

ودليلي في هذا أنَّ هذه اللوحة هي واحدة من مجموعة لوحات أنتجها الفنان خالد تحت تسمية {بلا عنوان} هنا سيطرح تساؤل نفسه :

لماذا حرم الفنان هذه المجموعة من عنوان محدد كما فعل في مجموعاته الأُخرى؟

العنوان هو الباب الذي ينفتح ليدعو المتلقي إلى الدخول إلى عالم المنتَج سواء أكان ابداعياً أم علمياً، وبالتالي فهو يؤدي وظيفة اغرائية له، وحين يجرِّد الفنان لوحة أو مجموعة من لوحاته من توصيف عنواني إنّما يحمل في داخل مؤشراً على أنَّ ما ستطرحه من أحداث تحمل من هولها وكارثيتها ما هو أكبر من أن يحدّه أو يخصصه عنوان، ويؤشّر في الوقت ذاته أكثر من حدث يستحق أن يُسجَّل في أكثر من لوحة، وهو بذلك يحيل إلى فكرة أنَّ اللوحة موقف من حدث، والفن يحمل في تجاربه مواقف، ويؤرِّخ لأحداثٍ، فهل كان الفنان موفّقاً في هذا الطرح؟

بما أنَّ وظيفة الناقد تكمن في فكِّ وتوضيح وتقريب الرموز ومحمولاتها الدلالية التي يبثها الفنان في عالمه الافتراضي {اللوحة الفنية} ليتمكن من خلالها تشكيل اجابة افتراضية مقنعة سأُحيل المتلقي إلى ما جسّدته اللوحة من أشكال إنسانية تتماهى مع الحجارة، وما تحيل إليه من تاريخ فلسطين النضالي حيث أنَّ توصيف {أطفال الحجارة} هو ما أُطلِق على أطفال غزّة في انتفاضتها نهاية عام 1987م، إذاً اللوحة تحمل رمزيتها التاريخية النضالية.

يشير الباحث ناصر الرباط إلى أنَّ العمارة مُنتج إنساني مادي، موجودة بذاتها ومرئية لكل ذي عينين، ذات وظائف حياتية وطبيعية ومعنوية وأبعاد جمالية وفراغية، ودلالات اجتماعية وتاريخية واقتصادية ورمزية، وهي ترتبط بالذاكرة الإنسانية، فالعمارة تؤطّر الذاكرة، وتجذّرها وتعطيها شكلاً.

هذه هي العمارة أو المدينة في الواقع العياني، فهل بدت عمارة الفنان خالد بهذه الكيفية؟

{بقايا بيوت} هو العنصر الثالث من عناصر تكوين هذه اللوحة، وهي تؤشِّر رمزيتها لمدينة غزّة، مدينة الصمود البطولي التي عانت كثيراً بسبب القصف الذي أفقدها جماليتها، ووظائفيتها، وحوَّلها إلى بقايا شاخصة، لكنّ شخوصها الذي أكّده الفنان هو عامل استمرارها، ونهوضها مرة مضافة، والإنسان فيها يتحوّل هو الآخر إلى دليل شاخص، فالفلسطيني يموت واقفاً مثل الشجرة، ولهذا لا نجد في هذه اللوحة جثثاً تتمدد أُفقياً في حالة موت، وإنّما بدا وقوفها عمودياً، مما يؤشِّر دلالات الصبر والصمود.

يطرح المسح البصري للأشكال عن قارب صغير يحمل {3} أشخاص في البحر، وفي الواقع العياني يمثّل القارب واسطة انتقال من مكان لآخر، فهل أدّى قارب الفنان خالد هذه الوظيفة؟

يبدو لي أنَّ القارب وإن تموضع في البحر إلاّ إنَّ الأشخاص الثلاثة الموجودين فيه إنَّما تتجه أنظارهم إلى غزّة، فهم وإن كانوا ينوون الرحيل والهجرة إلاّ إنَّ قلوبهم تتجه إليها، وربّما بدا ابتعادهم مؤقتاً ومحمّلاً بأمل العودة إليها بعد هدأة الأحداث.

إنَّ تفعيل الادراك الحسّي للمتلقي يمكن له أن يتحقق من خلال إثارة عنصري التأمّل والدهشة، لأنّهما سيشتغلان باتجاه تحقيق عملية التواصل الفاعل بين الثلاثي الأساس : الفنان واللوحة والمتلقي، وبهذا يمكن للفن أن يحقق إحدى وظائفه إلا وهي التواصل، لأنَّ الفن يستطيع أن يحمل دلالات متعددة تنفتح من خلالها عوالم جديدة، وتنكشف حقائق قد لا يلتفت إليها المتلقي في واقعه العياني، أو يعيد تمثيل المشهد الواقعي بواقع افتراضي يشتغل باتجاه محاورة المتلقي، وترسيم موقفه من اللوحة، وهذا ما يحاوله الفنان خالد في لوحاته الفلسطينية الخالصة موقفاً وروحاً.

سأُحاول قراءة المنظومة اللونية التي فرشها الفنان خالد في هذه اللوحة لاكتشاف مديات توافقها مع الدلالات التي منحها للأشكال المتموضعة فيها، اتخذ البحر اللون الأزرق المتدرّج والمتداخل أيضاً مع ألوان أُخرى، حيث أضاف الفنان لمسات فرشات من اللون البرتقالي والبني والأخضر معتمداً خاصية التدرّج، يقابلها مبقّعات لونية ضبابية من الأحمر المتدرّج والمتداخل أيضاً، يتوسطهما اللون الأبيض – لون النور- ولكنه هو الآخر مشوب بلمسات ضبابية تمنع ظهوره بشكله النقي، وتشكّل ظلال الجدار الساقطة على صفحة البحر تنصيفاً لهذه المساحة . إنَّ الألوان المفروشة في يسار اللوحة تؤشّر ايحاءً بالصفاء النسبي لمياه البحر، فيما تسود الضبابية الجزء الثاني المتموقع يمين اللوحة، ويكتمل المشهد الضبابي بافتراش اللون الأزرق الجزء الأسفل من اللوحة .

يعكس هذا الافتراش اللوني دلالات متداخلة من حياة وصفاء وتجدد يؤشِّره اللون الأزرق وكذلك البرتقالي، فيما يؤشِّر الأحمر الضبابي لون الدم المهدور ظلماً، ويؤازره الأزرق الضبابي المتدرّج إلى النيلي ليكشف عن حزن عميق يتجسّد أيضاً في اللون الأزرق المتدرّج الذي اتخذه الجدار والأشكال الإنسانية، فهو أزرق مشوب بلمسات ضبابية، مع تمظهر للون الأحمر – لون الدم- في أكثر من موضع.

إنَّ تشويه المنظور هو خدعة هندسية لا يمكن أن تحقق إلاَّ على الورق، ولا يمكن تحقيقها في الواقع العياني، وهذا ما اشتغل الفنان خالد باتجاهه حين عمد إلى تقسيم اللوحة إلى لوحتين، وكذلك رسم كل لوحة بمنظور يختلف عن الأُخرى، ولهذا سأبدأ بتحليل اللوحة الثانية التي تشغل النصف الأيمن من اللوحة، حيث اعتمد الفنان في تكوينها على مجموعة أشكال أو عناصر هي:

1)البحر.

2)الأرض.

3)الرجل.

4)المرأة.

5)هالة الضياء.

يعلن البحر عن تموضعه في الجزء الأسفل من اللوحة متخذاً شكل امتداد أُفقي، فيما تشكِّل قطعة أرض صغيرة وجوداً واضحاً، ويتخذ الرجل موقعه وقوفاً عند حافتها، وتتخذ المرأة موقعتها في منتصف الجزء الأسفل من اللوحة تقريباً.

رغم صفة التجريد التي منحها الفنان للرجل إلاّ إنَّ المتلقي يمكنه تمييز علامات عدّة اعتنى الفنان بتظهيرها لتكون دليلاً، فهو رجل يبدو في حدود عقده الأربعين، يتخذ مظهراً جانبياً وليس مواجهاً للمتلقي، فهو ليس معنياً بالتمظهر بل ما يشغله هو التأمّل والتفكّر، ودليلي في هذا الطرح هو تعمّد الفنان موضعته بحيث يدير ظهره للأحداث الكارثية التي عرضها في اللوحة الأُولى، ولكنه ليس منفصلاً تماماً عنها، بل يقف على امتداد الأرض نفسها، إنها الأرض إذاً ... الوطن الذي يجمع ويوّحد الأشكال الإنسانية في هذه اللوحة، إذاً لماذا منح الفنان خالد الرجل هذا التمظهر؟

بما أنَّ اللوحة تحكي في مشهدها الحَدّثي ما وقع على غزّة من أحداث فالرجل إذاً من غزّة، وعاش أحداثها المأساوية بتفصيلاتها المؤلمة، ولكنّ هذه الأحداث لم تجرّده من إنسانيته، ولا من أحلامه، ولا من المستقبل الذي ينظر إليه .

رغم أنّ المرأة اتخذت موضعتها بعيداً إلى الوراء من محل وقوف الرجل، مستندة إلى جدار بدا أقرب إلى الوهم، إلاّ إنّها تتشح بالبياض الكامل أولاً، وتقف على درجة ثانياً، وهذا الاتشاح بالقماش الأبيض يبدو لي كفناً، كما أنَّ ارتفاع جسدها على درجة بحيث تبدو أعلى مكاناً ومكانةً من الرجل هو دليل على استشهادها، ولكنها ككل فلسطيني تموت واقفة أيضاً، مما يمنحها صفة رمزية عالية لكل امرأة فلسطينية، ولكن لماذا اتخذت موضعتها وراء الرجل؟

إنّها المرأة المتآزرة والساندة حتى وإن كانت ميتة، فالأمل لا يموت بموت شخص وإنّما كل موت يتحوّل إلى دافع للحياة والاستمرار، ولهذا يقف الرجل وحيداً .. متأملاً، ودليلي في هذا هي لمسات فرشاة منحها الفنان لرأس الرجل فبدا وكأنّه يلبس غطاءً للرأس، لكونه موطن الفكر والابداع، في الوقت ذاته لن يتمظهر جسمه بتفصيلاته التكوينية بل اكتفى بالخطوط الخارجية لهذا الجسم.

إذاً اللوحة الأُولى جسّدت حالة الاستلاب بكل ما تحمله من قيم سلبية، لكنَّ اللوحة الثانية تحمل دلالاتها على التحوّل والتجاوز من خلال حضور الأمل، فما هو الأمل؟

يطرح د. عبد المحسن ابراهيم ديغم تعريفه للأمل بوصفه مجموعة من قوة الارادة وقوة الدافع التي يملكها الإنسان لبلوغ أهدافه.

حدد هذا التعريف مكوِّنات الأمل التي سأتوقف عندها لمعرفة مدى حضورها في هذه اللوحة المركّبة، أي حضورها على المستويين: التكوين والدلالة، فعلى مستوى التكوين يجسّد الأمل حضوره من خلال هالات الضياء التي اتخذت موقعتها على قماشة اللوحة، فشغلت أكثر مساحتها {اللوحة الثانية} متخذة شكل انثيالات تهبط من أعلى اللوحة لتحيط بجسم الرجل. وهذه الهالات بألوانها ذات الدلالات المشرقة، فالبرتقالي المتدرِّج رمز الحرارة والعنفوان والأمل، واللون الأزرق المتدرّج الذي يصل إلى التركوازي، واللون الأخضر المتدرّج رمز الحياة والتجدد والانبعاث، واللون الأصفر بدلالاته على الضوء والشمس والحرارة، وتداخله مع الأخضر والأبيض بنقائه منح دلالاته قيماً عالية لأنَّ الفنان خالد اعتمد الدرجات الفاتحة المشرقة مؤشراً حضور الاضاءة العالية مما يمنح الامل حضوراً متميزاً، وبالمقابل أكسب الفنان خالد الألوان روحاً وثراءً، وفي هذا الصدد يشير الناقد الفني والمنظّر الانكليزي جون رسكن إلى واحد من وظائف الألوان بقوله {اللون هو مصدر الثراء في أعظم الأعمال الفنية المبدعة}.

إنَّ اعتماد الفنان خالد هذا الانثيال اللوني المحمّل بالاشراق في هذه المساحة الكبيرة نسبياً قياساً إلى المساحة التي منحها للأشكال في اللوحتين يؤكّد فكرته التي تعلن أنَّ حرب الإنسان ضد العنف والقتل والقسوة لا تكون دائماً بالأساليب نفسها، بل هو ايمان بأنَّ قيم الخير والحق والجمال والأمل هي افضل طرق محاربة القيم السلبية التي لا تقتل الإنسان فقط بل تحاول قتل كل حضور للجمال الذي هو مؤشر من مؤشرات الحياة الإنسانية الراقية.

الفن – حسب كروتشه – هو التكافؤ الكامل بين العاطفة التي يحسّها الفنان وبين الموضوع الذي يعبّر الذي يعبّر به عن هذه العاطفة، أي بين الحدس والتعبير، من هنا لا بُدَّ لي من طرح فكرة الفنان خالد التي تعلن أنَّ الأمل لا يتحقق فقط بهالات الضياء المشرقة التي توقعت حول جسم الرجل، بل أمل يحمل ألمه أيضاً، ودليلي في هذا هو لمسات الفرشاة باللون الأحمر التي تموضعت على الجزء الأيسر {موضع القلب البشري} وكذلك اللمسات بالأحمر أيضاً التي بدت وكأنّها انعكاس أو ظل غطّى الجزء الأكبر من الظل الذي أوجده جسم الرجل على صفحة البحر.

أشرتُ إلى أنَّ الفنان خالد أكّد التداخل الصميمي بين اللوحتين في هذه اللوحة، حيث عمد إلى تظهير الجزء العلوي من الجدار وهو ينزف دماً بدلالة اللون الأحمر الذي منحه صفة السيولة، لكنّه تعمّد أن يكون النزيف في أعلى الجدار، لما يكتسبه العلو من قيمة، هنا سيطرح تساؤل نفسه: لماذا جعل الفنان الدماء تسيل من أعلى الجدار الأُفقي بشكل عمودي؟

في محاولتي الاجابة عن هذا التساؤل لا بُدَّ لي أن أذكر أنّ كل عملية تضاد تشكِّل بُعداً جمالياً، فالخط الأُفقي يحمل دلالته على السكون والموت، أمّا الخط أو الشكل الذي يأخذ تمظهراً عمودياً فيحيل إلى القوة النامية القادرة على إنجاز فعلٍ ما، لكنَّ الفنان خالد منح انسيال الدماء اتجاهاً عمودياً نازلاً من الأعلى ليمنح المتلقي شعوراً باستمرارية فعل القتل وإسالة الدماء الطاهرة.

 

د. وجدان الخشاب

العراق

khadom shamhodولد الفنان خورخي اوتيثا Jorge Oteiza في مدينة سان سيباستيان عام 1908 وتوفى عام -2003 والتي تقع شمال اسبانيا، وهي عاصمة مقاطعة غيوبوثكوا الباسكوس Guipuzcua ويعد الاستاذ الاول في النحت في بلاد الباسكو .. كما يعتبر هو ومواطنه ادواردو جييدا من ابرز النحاتين العالميين في القرن العشرين .Eduardo Chíllela 1924-2002.

كانت هذه المناطق الشمالية الشرقية تحت سيطرة المسلمين، وكانت تحت ادارة وحكم القائد البربري منوسة الذين عين من قبل موسى بن نصير، واتخذ هذا القائد مدينة خيخون المطلة على بحر كانتابرية مقرا له. ولازالت كثير من الآثار الاسلامية والمدن التي اسسوها، لازالت قائمة في كثير من المناطق الشمالية من اسبانيا . علما ان المسلمين سيطروا ايضا على جنوب فرنسا وحكموها اكثر من ثلاثين سنة.

اذا تأملنا الانتاج الفني لخورخي والمرحلة التأريخية التي عاشها في بداية القرن العشرين. نجد هناك تأثيرات كثيرة قادمة من بعض الفنانين الاوربيين والاسبان امثال الفنان الاسباني خوليو غونثالث 1876 الذي كتبنا عنه سابقا ضمن هذه السلسلة . وكان خورخي كثير السفر والتنقل بعيدا عن موطنه الاصلي، كما كان يساريا مطاردا.. .. ويذكرنا هذا الفنان المغامر ورحلاته التي دامت حوالي 15 سنة بالفنان الفرنسي كوكان الذي هرب من جحيم الحضارة الاوربية وذهب للعيش مع الشعوب البدائية في جزر تاهيتي ..

 

الخطوات الاولى:

73-e65cولد خورخي من عائلة غنية مترفة تشتغل بالتجارة ورغم ذلك كانت حياته تعسية يخيم عليها ضباب الحزن والقلق والاضطراب، ويعود سبب ذلك الى تطرفه الفكري وعدم قناعاته بالواقع الذي يعيشه مجتمعه يومذاك .... في عام 1920 انهى دراسته في ثانوية سان سيباستيان .. وفي هذه الفترة اتخذ اتجاها تمرديا حيث اعتنق الافكار اليسارية وانظم الى الفنانين المتمردين والشاذين . وفي سنة 1927 انتقل الى مدريد لدراسة الهندسة المعمارية ولكنه لم يقتنع بذلك فاتجه الى الطب . وفي الصف الثالث ترك الطب وسجل في كلية الفنون الجميلة .. وكانت مادة خلايا الكائنات الحية - bioquímica -التي درسها في الطب قد احدثت في نفسه تصورات غريبة ورغبة كبيرة نحو فن النحت . فقد شاهد الخلايا في المختبر تطفو متنوعة الاشكال والانواع ومثيرة في جمالها وحركتها، وانها ليس لها مثيل في العالم المرئي .

كانت خطواته الاولى في النحت متأثرا بعدد من الاساتذة النحاتين امثال خاكوب ايبستين والبرتو سانجث

Jacob Epstein، Alberto Sánchez وفوق كل ذلك تأثيراته باعمال بيكاسو . وفي عقد الثلاثينات انظم الى عدد من الفنانين الشباب وقاموا بعدة نشاطات فنية . وفي عام 1931 حصل احد اعماله على الجائزة الاولى في المسابقة الفنية لفناني مقاطعة غيوبوثكوا Guipuzcoa وكان يحمل عنوان –آدم وحواء - ..

 

خورخي الرحالة:

في عام 1935 هاجر خورخي الى امريكا الجنوبية حيث زار الارجنتين وشيلي وكولومبيا وبيرو . ثم استقر في الارجتين واصبح مدرسا لمادة السيراميك في العاصمة بويناس آيرس . بعدها انتقل الى شيلي وانشأ هناك مسرح سياسي، ثم انظم الى جماعة فنية تقدمية طلائعية وقاموا بعدة معارض ونشاطات ثقافية، كما نشر عدد من المواضيع حول الفن نشرت في عام 1944، وفي اثناء ذلك التقى مع فتاة تدعى اتيثيار فاحبها ثم تزوجها عام 1938– Itziar

في عقد الاربعينات بدأ يتجه نحو التجريد وانشغل في فلسفة الفراغات والفجوات ودورها في اعمال النحت . وظهرت اعماله ذات خطوط هندسية ومكعبات تتخللها فجوات متأثرا باسلوب وتقنيا الفنان الانكليزي هنري مور . ثم تبلورت شخصيته بعد ذلك واتخذ اسلوبا شخصيا مميزا ..

في عام 1948 عاد خورخي الى اسبانيا واستقر في مدينة بيلباو في بلاد الباسكو .. وكان قد غادرها ايام الجمهوريين وانتشار الفكر اليساري يومذاك ثم عاد اليها وكل شئ قد تغير وانتهى حيث حلت الدكتاتورية محل الحمر .. Los rojos .. وفي عام 1950 كلف في عمل عدد من المنحوتات الدينية لاحد الكنائس في- غيوبوثكوا – وقد نفذها باسلوب حديث غير مألوف للذوق الديني الكنسي مما دعى رجال الدين الى ايقاف العمل . وبقى هكذا معلقا حتى سنة 1968 حيث سمح له مرة ثانية بالاستمرار في عمله .. ومنذ الخمسينات غادر خورخي الشكل التشبيهي ودخل عالم الاشكال الهندسية حيث احدث حوارا بين المادة والفراغ ...

و بعد حصوله على الجائزة الاولى في بينال البرازيل عام 1957 اصبحت اعماله مرغوبة الطلب من قبل الكالريات والمؤسسات والمتاحف الفنية وكسب شهره عالمية، وهنا دخلت اعماله في عالم العمارة والشعر والفلسفة، وهو يقول (لاحظت ان اعمالي النحتية تتكلم ... ) ويمثل ذلك بعدا روحيا وفلسفيا متطورا في حياته الفنية . كما اعتمد على الاسطورة والخيال في تنفيذ ومعالجة اعماله ..

 

اعماله الحديثة:

73-images 2يعتبرخورخي جسرا يربط جيل الطلائع وفناني الاشكال الهندسية او التكعيبية . وفي سنة 1963 قدم كتابا عن المجتمع الباسكو يمثل دراسة موضوعيىة لحالة المجتمع وجذوره وثقافته، عنوان الكتاب - بحث تجريبي لدراسة روح المجتمع الباسكو – وقد رفع هذا الكتاب من رصيد شعبية الفنان وسمعته . وفي عام 1969 اسس خورخي مدرسة DEBA - - كان الغاية منها هو وضع فلسفته ونظرياته الفنية موضع التنفيذ العملي .. وقد نشر كتابه بين الفنانين الشباب واصبح مرجعا للتعليم والتحليل . وكان خورخي شخصية غامضة ومحل جدل بين الاوساط الثقافية والفنية والسياسية، حيث كان معارضا للافكار القومية التي تتبناها التيارات السياسية في بلاد الباسكو .. ويضاف الى فنيه فقد كان شاعرا .. وقد شوهت وحرفت قصائده التي نشرها عام 1954 ثم منعت . ولا نعرف السبب في ذلك، ربما لانها يسارية او انها ضد الكنيسة ... وكانت هذه القصائد الادبية تشكل جزءا من افكار وفلسفة خورخي والتي حاول تطبقها في حياته .. وقد اسس خطا فنيا مميزا وفكريا اثر على فناني عصره فظهرت حركات وجماعات تقدمية اتخذت خطه نموذجا لها مثل جماعة : Gaur، Emen، Danok، Orain، ..

وفي عام 1988 عرضت اعماله في مدريد وهي عبارة عن عرض شامل لاعماله القديمة والحديثة منذ سنة 1958 الى سنة 1988 .. وكان عمره يومذاك 80 سنة ..

 

مؤسسة خورخي اوتيثا:

انشأت مؤسسة فنية وثقافي تحمل اسم اوتيثا في مدينة Alzuza الواقعة في مقاطعة نابارا. وهي عبارة عن متحف يضم 1650 قطعة نحتية و2000 نموذجا تجريبيا (ماكيت) كما يحتوي على مجموعة كبيرة من التخطيطات ومواد الكولاج على الورق .. وقد تدخلت الحكومة المحلية في رعاية هذه المؤسسة وتمويلها والتي قام بتصميمها المعماري فرانثيسكو خابير .. غير ان غالبية اعماله عبارة عن نماذج صغيرة (ماكيتات) وقد حول بعضها بعد موته الى انصاب كبيرة، مما لاقى معارضة شديدة في الوسط الفني والثقافي واعتبر البعض ان ذلك تزييف وغش لمفاهيم الفنان وتعدي على ذوقه .. كما تعرضت عدد كبير من اعماله للسرقة .. على اية حال يعتبرخورخي جسرا يربط جيل الطلائع وفناني الاشكال الهندسية او التكعيبية.. واعماله اليوم منتشره في كثير من متاحف العالم والمؤسسات الفنية والثقافية خاصة في بلاد الباسكو ..

 

د – كاظم شمهود

 

18-pinup8يمكن اعتبارفن الـ "پن-أب" Pin-up   فنا امريكيا صميما رغم وجود مايشبهه في انحاء اخرى من العالم.

 

18-pinup1وهو الفن الذي يعد لاغراض الطبع والبيع بكميات كبيرة من اجل تعليقه على الجدار او استخدامه على اغلفة المجلات والبوسترات والروزنامات والكاردات وماالى ذلك.

 

18-pinup2فلابد اذاً ان تكون موضوعاته مثيرة وممتعة ولابد ان تكون بطلته المرأة الجميلة وزبونه الوحيد، الرجل. لم تكن الفكرة جديدة، فافتتان الرجال، فنانين وزبائن، بجمال المرأة واثارة جسدها فكرة قديمة قدم الدهر، الا ان هذا الفن وبشكله الذي عرفناه، اصبح شعبيا وواسع الانتشار خلال ثلاثة عقود من بداية الاربعينيات الى نهاية الستينيات.

 

18-pinup3وقد انفجرت شعبيته خلال اعوام الحرب العالمية الثانية لما كان له من تأثير على الجنود المرابطين في جبهات القتال بعيدا عن مدنهم وعن فرص اللقاء بالنساء.

 18-pinup10

فبين 1942 و1946 باعت مجلة الاسكواير الرجالية التي كانت تتضمن رسوم البرتو فارگاس 9 ملايين نسخة على ثكنات ومعسكرات الجيش فقط. والبرتو فارگاس هو احد رواد هذا الفن والذي تنسب اليه "فتاة فارگاس" الشخصية التي اختلقها. وقبلها كانت "فتاة گبسن" التي اختلقها رائد اخر هو چارلز گبسن.

 18-pinup4

شاعت ملصقات هذا الفن ليس فقط بين الجنود انما بين الذكور من سن المراهقة الى مابعد الستين! فيكاد المرء يجدها في كل مكان يتواجد او يعمل فيه الرجال من البحارة الى العمل والفلاحين والطلبة.

 18-pinup5

في الحقول والمصانع والسفن وورشات العمل ومشاريع البناء الى اي مكان آخر طالما كان هناك رجال مسحورون بجمال النساء المرسومات واللائي حرص الفنانون على التأكيد على كمال اجسادهن المثيرة وسحر وجوههن الجميلة وخفة دمائهن للحد الذي يمكن القول بان ماصنعه الفنانون كوّن في اللاوعي المعيار المثالي لجمال المرأة الذي حمله المجتمع عقودا من الزمن وماتزال آثاره عالقة في عقول الاجيال التي زامنت هذه الظاهرة.

 18-pinup6

من رسامي هذا الاتجاه المشهورين هم ايرل بيرگي، گل ايلفگرين ، اينو بولز ، جورج پيتي، رولف آرمسترونگ، آرت فرام وغيرهم.

khadom shamhodبعد الحرب العالمية الثانية ظهر تيار الفن السريالي او ما يطلق عليه بما فوق الواقعية وكتب ونظر له الشاعر الفرنسي اندريه بريتون كما اعتمد على تحليلات ونظريات عالم النفس فرويد .. ولو ان مفهوم السريالية قديم جدا ظهر في حضارة وادي الرافدين، ثم ظهر على يد الفنان الهولندي بوش 1450 (البوسكو) ولهذا اصبح لدينا نمطين من التفكير، الاول هو التفكير الموجه الذي يعتمد على العقل الظاهري والمنطق، ويطلق عليه احيانا بالتفكير المكيف للواقع، وتظهر فيه الصور مرتبة وواضحة. والنمط الثاني من التفكير يسمى التفكير الغير موجه والذي تختلط به الصور وتظهر متداخلة و مركبة، وليس كما يراها العقل انما كما يراها المرء في اللاوعي .. ويذكر المحللون في علم النفس ان جميع اشكال الفنون القديمة والحديثة هي في الاصل نتاج التفكير غير الموجه .. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف ان تكون هذه الاعمال مؤلفة بدون تدخل العقل الواعي . ؟؟؟

76-salmandawd

احد فلاسفة الصين المعاصرين اشار الى ان ثمة شئ يتدخل في المساعدة لتصحيح او ابطال الامور والاشياء ويطلق عليه – فن الفعل في اللافعل – كما ان احد الفلاسفة المعاصرين العرب اطلق عليه اسم العقل الابداعي وهو الدكتور مصطفى عبدة في كتابه- المدخل الى فلسفة الجمال - وبالتالي تصبح العمليات الفنية مراقبة لاي تطور في الخيال والفنتازية او في حالات الافلات او الاحلام . ويعني ذلك ان الشكل الفني قد تطور من مرحلة اللاوعي او التفكير الغير موجه الى مرحلة التفكير الموجه .. فانتقلت الصور المصنوعة بشكل رمزي او ايقونات بدائية في العقل اللاواعي الى صور منطقية ..

السريالية هي نوع من الفن المعكوس الذي يعتمد على صور الاحلام والفنتازية اللاواعية والتي نعيشها يوميا . وفي هذا المنحى يقول فلاسفة الصوفية (اليقضة موت، والموت يقضة) وهو ربما يشير الى ان العقل الباطني هو اساس الوعي واليقضة .. او انه يشير الحديث النبوي (الناس نيام اذا ما ماتوا استيقضوا ..) والنوم هو نوع من الموت حسب تفسير العلماء حيث تنفصل الروح عن الجسد وتطير في عالم الاحلام والارواح فنشاهد صور كثيره متداخلة متزاحمة في عدة ثوان . . ومن هذا يتبين لنا ان الانسان في حقيقته لم ينم كليا ابدا منذ الولادة حتي الموت ..

و قد رسم السرياليون صور الاحلام ضمن منهج الاسلوب الاكاديمي وسجلو الرموز بمنتهى الدقة والواقعية وبالتالي فان صور الاحلام عند تسجيلها مكيفة ومراقبة من قبل العقل ..

 

سلمان داود:

كتبنا هذه المقدمة الموجزة كمدخل لعرين فن سلمان داود الشهد وانتمائه الى هذا العالم الخيالي الجميل. حيث يعتبر هذا الفنان العراقي المبدع في طليعة المصورين الاكاديميين العراقيين . درس في معهد الفنون الجميلة على يد رواد الفن العراقي امثال فائق حسن ومحمد مهر الدين ومحمد علي شاكر وغيرهم وتخرج عام 1968 وقد وظف حنكته ومهاراته في هذا الاسلوب لخدمة افكاره ومواضيعه الحديثة التي يمكن ان نطلق عليها بالمواضيع السريالية او الميتافيزيقية او الرمزية على اعتبار ان الفن الحديث قائم على البحث عن الماهيات او الفكرة المعبرة عن الحقيقة الخالدة في اعماق الاشياء اي البحث عن المضامين لا عن مظاهرها .. فنجد اعماله اكثر مدعاة للتأمل من حيث العمق والتشكيلات المتنوعة .. ويبدو ان نظرة سلمان الى هذه الحياة بهذا النمط من التشكيل انما هو خالص نابع من اعماق شعورة فحول وجهة التصورات عن جمال الطبيعة الى تصورات تتعلق بجمال التشكيلات السريالية او الرمزية .. كما يبدو ان مقاصد الوعي الذاتي للحياة وتقلباتها وعدم الاطمأنان لها قد دفعت سلمان الى هذا الاسلوب من الوعي التشكيلي الذي ربما يجد فيه تعبيرا متنفسا لآلامه حيث تمنحه فرصة للاسترخاء والراحة .. وهو منهج مضادا لماهو طبيعي من حيث الافكار .. على سبيل المثال انه استعان بالاسطورة المأخوذة من حضارة وادي الرافدين ودخول التماثيل الآشورية والافعى الاسطورية السائبة التي تظهر وكأنها تريد ان تقبض روح الانسان وهو ما يذكرنا بملحمة كلكامش وكيف تسرق الافعى منه سر الخلود .. ذلك ما يبرر سعة فنتازيته وجمالها .. نرى في اعماله اشكال آدمية وحيوانية ورموز متراكبة مزدحمة . احيانا اشكال مبتورة الاعضاء تصرخ مستنجدة من الالم .. والمتأمل لهذه التكوينات يرى قصصا غريبة لعوالم ما وراء الطبيعة كعوالم الفنان السريالي الهولندي بوش 1450 ..

 76-salmandawd2

التقنية:

في اعمال سلمان نجد هناك نمطين من التعامل مع الاشكال : الاول هو الاسلوب السريالي او الرمزي حيث خضعت اشكاله الى الدراسة الاكاديمية التفصيلية فالخطوط والالوان والاجسام هي عبارة عن محاكاة او تمثيل للواقع .. نعم نجد احينا هناك تحويرا وتشويها لبعض العناصر الفنية لغاية فكرية يبتغيها الفنان وعادة ما يستخدم قلم الحبر الاسود في تخطيطاته واعماله وكذلك الالوان المائية والزيتية .. فالاوضاع المنظورة في كل من اتجاهاتها واشكالها ما هي الا عبارة عن صور مبنية على تكوينات متراكبة ومتداخلة او محشورة احيانا، وكأنها في ازمة مكان ...

. هذه الاشكال والتكوينات تذكرنا بالتيار الفني الميتافيزيقي الذي ظهر على يد الفنان الايطالي جورجو كيريكو 1888 Giergio Chirico حيث اعتبره البعض الاساس الهام الذي قامت عليه نظريات المذاهب الفنية التقدمية الحديثة . كما يعتبر الممهد الاول لظهور المدرسة السريالية الحديثة ..

النمط الآخر الذي يمارسه سلمان في التصوير هو الاسلوب الانطباعي وهو ايضا واقعي لان الانطباعية جاءت لدراسة الضوء والالوان من ناحية علمية وتأثيراتها على بعضها، ودأبت لتسجيل الانطباع الشخصي للمنظر دون تزويق او تدقيق معتمدة على تغييرات الضوء وتبدلاته كما هو عند مونيه ورينوار وسيزان .

وكان خروجهم الى الطبيعة وتسجيل انطباعاتهم قد اسرع في رسم المنظر عكس ما كان سابقا .. سلمان داود عرف بسيطرته المحكمة في الاسلوب الاكاديمي الذي تعلمه من خلال دراسته في معهد الفنون الجميلة، كما استثمره بقوة في عمله في الصحافة العراقية .. واتذكر يوما كنت معاه في رحلة الى البصرة على ما اعتقد سنة 1967 في ذلك القطار القديم وتلك الماكنة التي تملئ الجو ضجيجا ودخانا. والتراب وما ادراك مالتراب الذي يدخل على المسافرين من النوافذ خلال الرحلة. وعندما يصلوا الى مقصدهم يجدوا وجوههم وملابسهم قد غطتها الاتربة .. في رحلة طويلة متعبة تمتد من الساعة السابعة او الثامنة عصرا الى الساعة الثامنة صباحا (13 ساعة)، واتذكر كان في يده قلم ومجموعة من الاوراق و هو يرسم ويخطط (اسكيشات) لوجوه ومناظر واشكال متنوعة وخلال ذلك السفر الطويل كنا في حوار (سوالف). وفي بغداد عندما نجلس في مقهى يخرج- فايله- ويبدأ بالرسم والتخطيط تحت ايقاع و نغم ام كلثوم وعبد الحليم وكان يترنم معهما .. كان دائم الرسم لا يكل ولا يمل وكان طيب الروح يطرب مع اهل الطرب ويردد اغانيهم اينما حل ونزل .. اليوم سلمان يسكن في امريكا واصبح مقعدا يسير على عكازة او عربة تنقله من مكان الى آخر .. ورغم ذلك لم تسقط الفرشاة من يده ولم يستسلم لنوائب الزمان .. وهناك مثل في الاسباني يقول (مادام في يدي رصاصة الحرب مستمرة ) .. mientras en mi mano haya una bala la guerra continúa  

 

نتمنى لحبيبنا واستاذنا الفنان المبدع سلمان داود الشهد كل الصحة والعافية ..

 

طروق الذكريات فؤاد صب - كثير الشجو منقع الوتين

تمر به النسائم هامسات - فتنتشر فيه عطر الياسمين

فقلبي لايزال قرين شجو - متى هفت القلوب الى قرين

اذا الاحلام زرن عيون غيري - تزور العبرة الحرى عيوني

/// السياب

 

 

wejdan alkashabاللوحة من وجهة نظر الفنان التشكيلي ماهر حربي رحلة ممتعة تبحث عن عوامل انبنائها واكتمالها من خلال معرفية دقيقة تحفر في جذور الماضي، تستنطقه محاورة إياه حواراً مفتوحاً.. متسائلاً .. تشاغله .. ثم تفتح له أبوابها.. التاريخ ببعده الزمني لا يزال يثير ذاكرة الفنان ماهر، كما يثير فرشاته بمفرداته ورموزه وقصصه فمن الآثار القديمة جداً التي قد تقارب ال (8) آلاف سنة إلى معطيات القصص والأحداث والمواقف المسيحية التي خلّدها التاريخ ناقلاً إيّاها عبر استمرار زمني مفتوح، لتكون سلسلة طويلة متماسكة تعلن عن حضورها بعد رحلة شاقة من البحث والدراسة والتفكير والتأمل وتراكم الخبرة كان النتاج مجموعة كبيرة من اللوحات المثيرة لذاكرة المتلقي، والمثيرة أيضاً للتساؤل عن كيفية اشتغال الفنان ماهر وهو يلمُّ التاريخ ثم يضفي عليه لمسة من روح عصر النهضة ليكون النتاج لوحات تشي بخصوصية اشتغالها، وفرادة مبدعها؟

تتنوّع مفردات لوحات الفنان ماهر بين ما هو رمز ديني، أو معطى طبيعي، أو موروث غائر في الـقِــدم، أو ما هو ماثل للعيان في الواقع من أبواب ونوافــذ وجدران وغيرها .

في مشاركاته الكثيرة { 120معرضاً، منها 7 معارض شخصية داخل العراق وخارجه} كان تفكيره أن ينتج ما يريده هو، أن يحيل المتلقي إلى تجربته التشكيلية ذاتها، لا إلى لوحات المناسبات، ولا إلى اتخاذ الفن سلعة للتجارة، بل الفن في كينونته التي تعلن أنّه رسالة يرسلها الإنسان إلى الإنسان ليشاركه همومه ومعرفيته وتأملاته، لذا تجد الإنسان ماثلاً في كل أيقونة رسمها، وكل جدارية كنسية أنجزها.. وهي تحاور مشاهد تاريخية، ومواقف دينية، وتعلن رؤاها الفلسفية الخاصة، ومن هذه الجداريات ما نفّذها داخل العراق، ومنها خارجه .

 

هذه واحدة من لوحاته تحمل اسم { حلم واحد } عرضها عام 2000 في المعرض الافتتاحي لقاعة { الساعة } للفنون في مدينة الموصل، وكان عنوانه {صالون الخريف الأول}، نفَّذها بالزيت على قنوجة {قماش خشن الملمس} بحجم 50-60سم.

الخطيئة الأُولى قصة ظلّت تثبت وجودها على المدى الزمني الطويل بحضوراتها المتنوعة في مختلف الأجناس الابداعية والمعرفية، فأصبحت مثار إلهام وبحث دائماً، تثير الباحث فيعيد سردها ومحاورتها، مضيفاً إليها رؤاه الخاصة .

في هذه اللوحة يعيد الفنان ماهر تشكيل الحدث من جديد عبر رؤية متفردة من خلال تكوين اعتمد على أشكال وتفصيلات سأُحاول إعطاء كل شكل منها استقلالاً مؤقتاً لغرض البحث، ثم أعود فأربط هذه الأجزاء ببعضها لإظهار دلالاتها، وهذه الأجزاء هي :

1-الأرضية .

2-الشكل البيضوي الناقص .

3-الجسدان داخل الشكل البيضوي الناقص .

4-التفاحة التي يحملها الرجل .

5-الشجرة .

6-الشكل الزخرفي .

اشتغل الفنان باتجاه تكوين حدد فيه كتلة الرجل والمرأة داخل شكل بيضوي ناقص التكوين مما يؤشر محاولتين اعتمدهما، الأولى منهما تحمل دلالة الكتمان والتخفي داخل الشكل البيضوي، والثانية تحيل إلى قدرته على كشف هذه المحاولة من خلال كشف المستور داخلها بإزاحة قشرتها طولياً، مما جعل الجسدين الإنسانيين في مواجهة المتلقي بشكل مباشر، فالمستور إذاً أصبح مكشوفاً .

إنَّ مشهدية هذه الكتلة تكشف عن تآلفٍ حميمي بينهما، وهذا ما يتبدّى من خلال الطريقة التي اختارها الفنان في إظهار جسديهما المتقاربين، وكذلك علامات السكونية والاستقرار التي تشملهما، رغم حركية المشهد المتمثلة بطريقة جلوس كل منهما، حيث التقارب الكثيف في الجزأين العلويين لهذين الجسدين، والتقابل الواضح الملامح للجزأين السفليين منهما، والخطيئة تعلن عن بداية حضورها من خلال التفاحة التي يمسك بها الرجل، ولم يقضمها بعد، بل تؤشر حركة يده استعداده لقضمها ولتقديمها للمرأة بدليل اتجاه حركة يده نحو جهة المرأة .

يُشكِّل إضافة الوشم لجسد الرجل محاولة في انجاز أكثر من وظيفة أراد له الفنان أن يؤديها، فهو جمالية مضافة، وإغراء مضاعف، وتكرار شكلي للخطوط المنحنية التي تُمثِّل لحية الرجل، وإفادة من خاصية التصغير التي تقابل التفافات شعر كل من المرأة والرجل .

تلفت انغلاقة أجفان كل من المرأة والرجل انتباه المتلقي مُحيلة إيّاه إلى دلالة الانسحاب الكامل من المحيط الكائن حولهما، وهو انسحاب نحو المشاعر الداخلية الكامنة والمستورة بالنسبة لهما، وهذا يُشكِّل تضاداً كاملاً مع حقيقة أصبحت الآن واقعية بسبب انكشافها للمتلقي من خلال وقوعها في حيّز مرماه البصري .

إنَّ استمرارية الحدث { حدث الإغراء بالخطيئة } تؤكدها فكرة اختيار الفنان لشكل البيضة الناقصة التكوين لاحتجاز الجسدين داخلها، والبيضة محمول رمزي له دلالاته في الذاكرة الجمعية البشرية من حيث الكينونة، فهي رمز للانبعاث والتجدد الحياتي، كما تؤشر الأمل والرجاء بالاستمرار الوجودي للكائن الحي عبر التناسل، إذاً البيضة هي : البذرة، الاستمرار، التناسل، والخطيئة هي الأُخرى مستمرة ومتناسلة، ولن تعرف التوقف .

هنا سيطرح التساؤل نفسه باحثاً عن إجابة :

لماذا اختار الفنان ماهر كتلة البيضة الناقصة تكويناً، ولم يجعلها كاملة ؟

في محاولتي للبحث عن إجابة لهذا التساؤل، لا بُدَّ لي أولاً من العودة إلى الشكل الأصلي للبيضة الذي هو الشكل البيضوي الذي يحيل إلى الشكل الهندسي للدائرة، حيث يمنح شكلها المستدير تأشيرة على حالة مستقرة {تعادل القوى} ولكن الفنان من خلال تكرارية شكلها أو تجزئته أو تركيبه يمنحها القدرة عل تأشير حالة حركية تتسم بانعدام الاستقرار، وهذا ما سينطبق على شكل البيضة أيضاً بوصفها شكلاً مشتقاً من الدائرة، لكن ما فعله الفنان ماهر في هذه اللوحة هو اقتطاع ثلثها الأسفل والاكتفاء بثلثيها العلوي والوسطي، مما منح شكلها قدرة على الاستقرار، ينضاف هذا إلى أنَّ التموضع العمودي للبيضة يمنحها استقراراً كذلك .

سأقف عند فكرة الاقتطاع هذه التي لفتت نظري، حيث أنَّ الفنان ماهر نفــذَّ هذا الاقتطاع بانسيابية ومرونة عالية تمثّلت في الانحناء الهادئ للخطوط بعيداً عن الزوايا الحادة، وهذا ما تجسّد أيضاً في الاقتطاع الطولي للبيضة، فكسر قشرة البيض واقعياً يعطي خطوطاً منكسرة ومتعرجة حادّة الزوايا، لكن الفنان ماهر اعتمد الخطوط المنحنية ذات الشكل الأقرب إلى الأملس ليتوافق مع الخطوط الأُخرى أولاً، وليمنح دلالات اللوحة ثقلاً ثانياً .

الشجرة هي الأُخرى لها رمزيتها أيضاً، لترابطها مع قصة {الخطيئة الأُولى}، ولتحقيق هذه الرمزية حرمها الفنان ماهر من شكلها العام الذي تعرّفت عليه بصائرنا في الواقع العياني، وهو الشكل العشوائي غير المنضبط بسبب انتشار الأغصان ومحمولاتها الورقية بعشوائية عالية، لكنَّ الفنان هنا أعاد انضباط هذه العشوائية حين أحاطها بخطٍ منحنٍ حوّلها هي الأُخرى إلى أقرب ما تكون إلى البيضة شكلاً، مؤكداً ترابطها العميق مع الشجرة أولاً، وترابطها مع موضوعة اللوحة ثانياً، بدلالة امتداد جذعها بشكل انسيابي لتتماهى مع حافات البيضة، وشبه الإنحناء الذي تمظهرت به وكأنَّها تُـظِّـلُ الجسدين .

مع أنَّ الفنان ماهر منح شكل الشجرة ثقلاً كتلياً واضحاً، إلاَّ إنَّه ثقل أخف بكثير وأقلّ مساحة من كتلة البيضة، وهو بهذا يمنح المتلقي دلالة أراد إبرازها وهي تخفيف الاهتمام بأسباب الخطيئة، وتركيزه على نتائجها، ولهذا منح كتلة البيضة والجسدين مساحة احتلت نصف اللوحة الأسفل تقريباً، وهنا سنجد تساؤلاً آخر يمثل أمامنا :

لماذا اختار الفنان ماهر النصف الأسفل من اللوحة لموضعة البيضة والجسدين ؟

يتأتى هذا الاختيار من فكرة الفنان ماهر التي تحيل إلى أنَّ الخطيئة المقصودة – التي تُشكِّل موضوعة اللوحة – إنَّما هي خطيئة أرضية، وليس الموضوع الاساس للوحة هو الخطيئة الأُولى التي أحدثها آدم وحواء في الجنة، بل الخطيئة التي ما زالت تتكرر في وجوهها المتنوعة الحضور عبر أحفادهما .

أمَّا الشكل الزخرفي الذي احتلَّ الجزء الأعلى من اللوحة فهو تكرار خطيّ لأشكال منحنية على شكل أنصاف أقواس متداخلة، يمكن لنا أن نميّـز فيها كتلتين واضحتي الحضور، تقع الأُولى في جهة يسار اللوحة، وهي الأصغر نسبياً من حيث حجمها قياساً إلى الكتلة الواقعة في جهة يسار اللوحة، والتي اتخذت شكلاً أكثر انفتاحاً من الأُولى .

75 mahirharbi

هنا سنلاحظ أنَّ الكتلتين ليستا منفصلتين تماماً بل يجمعهما الشكل الحلزوني الذي يـمـتـد نت داخل الكتلة الأكبر ليلتف على نفسه ويتماهى مع الكتلة الأصغر، مع ملاحظة أنَّ بدايته تقع في العمق الفراغي {البعد الثالث} للكتلة الواقعة في اليمين، فيما يحتل المقدمة الأقرب مكانياً إلى المتلقي في جهة اليسار من اللوحة .

هنا أثارت ذاكرتي مجموعة من التساؤلات:

1- لماذا اختار الفنان هذا الشكل الزخرفي ليضيفه إلى اللوحة؟

2- لماذا اتخذ هذا الشكل موضعته في أعلى اللوحة ؟

3- لماذا اتخذ هذا الشكل موضعته بحيث يظهر الجزء الأول {الأصغر} في جهة يسار اللوحة ؟ والجزء الأكبر في جهة يمين اللوحة؟

4- يتركب الشكل الزخرفي من أنصاف أقواس أي إنَّها أجزاء من الدائرة، فلماذا أضاف الفنان الشكل الحلزوني؟

يشير المسح البصري والتدقيق الذاكراتي إلى أنَّ هذا الشكل الزخرفي كان تحقيقاً وظائفياً، فهو من حيث الشكل يمثل حالة تكرارية للخطوط المنحنية التي جسّد بها الفنان الأشكال التي اعتمدت عليها اللوحة في اكتمالها {البيضة، الجسدان الإنسانيان، التفاحة، الشجرة} فبدا وكأنَّه اختزال لهذه الخطوط، كما أنَّ هذه المشاكلة أدّت وظيفة أُخرى هي تأشير حالة التلاحم والأُلـفـة والتداخل التي قدّمها الفنان في عرضه للجسدين.

يبدو لي أنَّ اختيار الفنان ماهر حربي لموضعة الشكل الزخرفي في أعلى اللوحة هو اشغال للفراغ الناتج عن اكتمال الدلالات التي أرادها الفنان من لوحته، أو ربّما هو تأكيد آخر لها، ليؤشر أنَّ هذه الدلالات ستظلّ قابلة للتكرار في الواقع العياني المعاش ولن تتوقف بل إنّها تتناسل، وهي في هذا تلتقي وتتفق مع رمز البيضة التي تحيل دلالياً إلى الاستمرار التناسلي والتجدد .

ولعل ما أثار هذا التوجه التحليلي لديَّ هو اختيار الفنان ماهر لموضعته في أعلى اللوحة، مما سيؤشر بالتالي قدرية هذا الاستمرار، وهذا ما يؤكده وجود خطوط شبحية التمظهر تهبط من أعلى نقطة في اللوحة والمتمثلة في الخط الفاصل لحافة الإطار الداخلي لتشتبك مع خطوط شبحية هي الأخرى من الشكل الزخرفي الأكبر لتهبط نحو الأسفل باتجاه أعلى الشجرة، لكنها تضيع في الفراغ الواقع بينهما، إذاً هي المقابل المتضاد تماماً مع الخطوط المتجهة للأعلى، فالأُولى قدرية هابطة من الأعلى، والثانية بشرية هابطة إلى الأسفل .

لنعيد المسح البصري لهذا الشكل الزخرفي والاشتغال الذاكراتي أيضاً، فنبحث عن سبب موضعة الجزء الأصغر من الشكل الزخرفي في جهة يسار اللوحة، والجزء الأكبر منه في جهة يمين اللوحة ؟

في التكوين الطبيعي للجسد الإنساني خلق الله سبحانه وتعالى جسد المرأة أصغر من جسد الرجل، وكان هذا توجه الفنان أيضاً في رسم كتلة جسد المرأة أصغر من كتلة جسد الرجل، وكان هذا توجه الفنان ايضاً في رسم كتلة جسد المرأة أصغر من كتلة جسد الرجل، ويبدو لي أنَّ هذا هو السبب أيضاً في اختيار الفنان ماهر جهة يسار اللوحة العلوي لموضعة الجزء الأصغر، فتكون بذلك مقابلاً وتكراراً لجسد المرأة، والفكرة نفسها تنطبق على الكتلة الأكبر ويقابلها الشكل الزخرفي الأكبر .

سأحاول قراءة المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان ماهر في هذه اللوحة لاستكشاف دلالاتها أولاً، ومدى تآزرها مع دلالات اللوحة ثانياً، ومدى اتساقها مع رؤيتي لها ثالثاً، وبذلك سأتمكن من تشكيل الرابط الذي سيغذي شبكة الدلالات التي عاشت في ذاكرة الفنان، وغــذّت تجربته الحياتية، وكان ناتجها هو هذه اللوحة .

يكشف المسح البصري للألوان – كما ذكرنا – عن اعتماد الفنان ماهر في بنائه لمشهدية اللوحة على موضعة مجموعة من الكتل المتباينة في حجومها، وفي منظومتها اللونية أيضاً، معتمداً تقنية خاصة فيما يخص اللون والخامة، حيث كان اللون الأحمر المتدرج إلى الوردي يُشكِّــل حضوراً أكثر من اللون التركوازي الغامق {الأخضر المزرق} ومن الأزرق الغامق والمتدرج أيضاً، فاللون الأحمر المتدرج اتخذته كتلة البيضة والرجل والمرأة والتفاحة، وهو لون مُـحمّـل بدلالات الحياة والاستمرار والعـنفـوان، وهو بهذا يتفـق دلالياً مع موضوعة اللوحة، وتتكامل الدلالة باتخاذ اللون نفسه للإطار الخارجي لهذه اللوحة .

أمـّـا اللون التركوازي فاتخذته الأرضية لتُشكِّـل تضاداً متكاملاً دلالياً، حيث أنَّ الأخضر هو لون العطاء والتجدد والانبعاث، وهو في الوقت ذاته لون أرضي يحيل إلى خضرة الطبيعة، والأزرق ذلك اللون البارد الهاديء الذي يحيل إلى قيم سماوية عُليا، إذاً قيم الأرض وقيم السماء تتلاقى وتتمازج لتحيل إلى استمرارية الحدث بوجهيه الأرضي والسماوي .

وتؤشر الشجرة التي منحها الفنان ماهر الأزرق لوناً إلى تعارضٍ مع مشهدها في الواقع العياني الذي يعلن خضرة أوراقها، لكنها تعارضت مع هذه الحقيقة الأرضية لتحيل إلى حضور سماويّ عبر لونها الأزرق، وهذا ما يتفق دلالياً مع قيمتها التي أشّرتها الخطيئة الأُولى .

فيما اتخذت الأشكال الحلزونية ألواناً متعددة مؤشرة دلالات قيمية متنوعة تحتملها الحياة بأوجهها ومواقفها .

والشمس كان حضورها باهتاً بلونها الأبيض الشاحب، وبوصفها عنصراً كونياً يكمل المشهد .

تُشكِّـل أرضية اللوحة بُعداً مكانياً ومرتكزاً لا بُـدَّ من وجوده لموضعة عناصر اللوحة،، كما أنَّـه يمنح المتلقي فرصةً لتسليط إضاءةٍ على دلالات اللوحة التي تُـكــوِّن خلاصة تفاعل عناصرها، وبما أنَّ موضوعة اللوحة هي { الخطيئة} المتناسلة، وعنونة اللوحة هي { حلم واحد}، إذاً هي الخطيئة المسموح بها، وهي الخطيئة التي تملك وجهين :

الأول : سلبي تؤكّــده خطيئة آدم وحواء .

الثاني : ايجابي لأنّـه الطريقة الوحيدة للتناسل البشري، أي الاستمرارية البشرية، ولهذا اعتمد الفنان ماهر القنوجة خامة للوحة، وهي قماشة خشنة الملمس، لكنَّ الفنان استطاع تطويعها لقبول الألوان، وتمثيل موضوعة اللوحة، ولعـلَّ في هذا تأكيد آخر على وعي الفنان ماهر العميق بأنَّ الحياة لا تمتلك إلاّ الخشونة، ولكنها خشونة قابلة للتطويع إلى حدٍ ما .

هنا سيلفتُ نظر المتلقي تعمد الفنان ماهر استلال بعض خيوط الخامة {القنوجة} الخارجية بحيث تنفلتُ بقية خيوطها إلى الخارج، مما يؤشر دلالة مضافة على أنَّ حدث الخطيئة لم يبقَ مستوراً، وإنّـما هو متجه إلى انكشافٍ في كل الاتجاهات لأنَّ هذه الزوائد الخيطية المتجهة إلى خارج اللوحة إنَّـما هي إشارات تواصلٍ تـبـثُّــها اللوحة وتنشر موضوعها معها .

والآن لأتوقـف عند الشكل العام لهذه اللوحة، وهو شكل مستطيل، ولكنَّــه ليس المستطيل المنتظم الذي يتساوى كل ضلعين متقابلين فيه، لأنَّ الفنان ماهر أراده مستطيلاً مغايراً للقاعدة الهندسية، مما دفع به إلى منح النصف العلوي منه شيئاً من الانتظام الهندسي، أمّـا النصف الثاني فـتـركَ له مسافة من البروز الإنسيابي نحو الخارج تآزراً مع استدارة كتلة البيضة .

تبقى لي إشارة أخيرة تؤكـد ما سبق أن أشرتُ إليه من اعتماد الفنان ماهر في بعض لوحاته لمسة من روح عصر النهضة، وهذه اللمسة – بتصوري – هي الإضاءة البيضاء التي تمظهرت حول جزء من البيضة والشجرة والشكل الزخرفي، وهي تحيل إلى الهالات التي كانت تُرسم حول رأس السيد المسيح {عليه السلام} وبعض الشخصيات الأُخرى للتدليل على العناية الإلهية لهذه الشخصيات.

 

د . وجدان الخشاب

العراق

 

17-AW2أندرو وايث (1917-2009) Andrew Wyeth أحد ابرز فناني الواقعية الامريكان خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

 17-AW1

وهو من ممثلي المدرسة الامريكية المحلية في الفن والادب Regionalism   التي نشأت خلال سني الكساد الاقتصادي العظيم في الثلاثينات من القرن الماضي.

 17-AW3

انطوت تلك النزعة المحلية على رفض حياة المدن والعودة الى الريف واحتضانه باعتباره الجانب الذي يجسد قلب الحياة الامريكية النابض بالحيوية والبساطة والنقاء.

 17-AW4

ولذا فان اندرو وايث امضى حياته الطويلة التي دامت اكثر من تسعين عاما ملتصقا بمنشأه في ريف چادفورد في ولاية بنسلفانيا وفي بيته الصيفي في ريف كشنگ في ولاية مين.  

 17-AW10

يقول اندرو وايث "انني ارسم حياتي الخاصة.. الارض التي اراها تتسع امامي والطبيعة الجميلة والناس الذين يحيطون بي والاشياء من حولي وحولهم، ولاشئ سوى ذلك"

17-AW8 

17-AW5كان والد اندرو، نويل وايث، رساما معروفا ربى اطفاله الخمسة في بيت يملأه الفن والادب والموسيقى ويعمه كبار الفنانين والكتاب والشعراء. لم يذهب اندرو للمدارس النظامية انما تعلم داخل بيت العائلة، وهو اتجاه وفلسفة امريكية Home schooling لازالت تتبعها بعض العوائل بان تعلم اطفالها داخل البيت ولاتبعث بهم الى المدارس النظامية. وبنفس الطريقة تولى والد اندرو تعليمه الرسم منذ سن مبكر فلم يدخل اندرو اي اكاديمية فنية.

 17-AW7

قبل وفاته بسنتين وفي عام 2007، دعاه الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش الى البيت الابيض في حفلة تكريمية منحه فيها الوسام الوطني للفنون.

 

ا. د. مصدق الحبيب

مصدق الحبيب

16-LL2"مرت سنوات طوال ولم أر مطلقا ابدع من هذا الرسام .. سأكون في منتهى سعادتي لو ان اللوموند تفضل بنشر واحدة من لوحاته كل شهر، فأنا مسحور باعماله وعاجز عن وصف روعتها"... هذا ماقاله الرسام الهولندي الشهير فنسنت فان كو عن الرسام الفرنسي المبدع ليون أوگستن لـَيميت Leon Augustin Lhermitte (1844-1925).

 16-LL1

يعتبر لـَيميت من رواد الواقعية الفرنسية التي تأثرت بها فيما بعد، والى حد بعيد، الواقعية الاشتراكية، وذلك لما يتخذه هذا الاسلوب من موقف لتصوير وتمجيد حياة الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين.

 16-LL3

كرس لـَيميت كل جهوده لتصوير فقراء المزارعين وعمال الحقول الذين يكدحون طوال النهار مع عائلاتهم من اجل لقمة العيش، فانطوت الغالبية العظمى من اعماله على تصوير الريف الفرنسي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث يضطلع المعدمون بانجاز الحصاد اليدوي عبر حقول القمح الشاسعة لقاء مايسد رمقهم يوما فيوم.

 16-LL7

وبحكمه قريبا عقلا وضميرا من الطبقة الفقيرة فان لوحات لـَيميت تعكس بصدق وحرارة جهود واتعاب اولئك المكافحين ولانرى فيها اي مظهر من مظاهر الترف الريفي الاقطاعي.

 16-LL6

كان لـَيميت الطفل الوحيد لوالديه والذي بانت قابليته الفنية مبكرا فارسله الوالد الذي كان يعمل مديرا لمدرسة ابتدائية الى باريس ليدرس في Petite Ecole   والتي زامل فيها كازن، وليكروس، وفانتن-لاتوه، ودالو، ورودان.

 16-LL5

ا. د. مصدق الحبيب

صحيفة المثقف  

khadom shamhodيبدو ان سمة التمرد عند الانسان مطبوعة بالفطرة اذا ما انتهكت وحصرت حريته في نمط العيش والمعتقد والفكر (الحيف يجلب السيف). غير ان البعض يعتبر ذلك نوع من الانحدار والشذوذ ويحكم عليه بالفشل والنهاية الكارثية .. ولكن البعض الآخر يراه يمثل نهضة وحركة جديدة تتطلع الى اعادة النظر بما خلفه الآباء والاجداد من الطرز والافكار .. (لا تضربوا اولادكم فانهم ولدوا في زمان غير زمانكم) ظهرت حركة التمرد في اوربا في مجال الادب والفن في اواسط القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها في السنوات العشرة الاخيرة منه .. وكان الفنانون الشباب في ذلك الوقت قد انشأؤا اسلوبا ثوريا للصدام مع الطبقة البرجوازية المحافظة التقليدية. مطالبين بمزيد من الحرية والانعتاق .. وكانت تلك الحركة التمردية تهدف الاطاحة بكل القيم الفنية الكلاسيكية ومعظم القيم الميتافيزيقية والاخلاقية عدا الجمال .. لهذا ان كثير من المذاهب الفنية التقدمية المعاصرة اسقطت معظم القيم بحجة انها تقف حجر عثرة امام انطلاقها من حيث حرية التعبير وطرق الاداء ..

 

مرحلة التمرد:

كانت بداية حياة اسماعيل الترك (البصرة 1934) متمردا مشاغبا . وينقل عنه انه كان في صباه منشغلا في اللعب وصيد العصافير مع اصحابه في منطقة الخندق في البصرة .. وهي منطقة شعبية تحيط بها الترع وبساتين النخيل والخضر والبيوت المتواضعة والتي غالبيتها معمولة من الطين في عقد الثلاثينات والاربعينات . وكان هو الولد الوحيد في العائلة التي تتكون من اربع او خمسة بنات . وينقل عنه ان والده كان على فراش الموت وقد لامه على سلوكه وعدم مبالاته ، وكيف يترك مصير العائلة بيده .

تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1956 فرع الرسم وعام 1958 فرع النحت في بغداد .. ثم عين معلما في مدرسة الرستمية الواقعة على ضفاف نهر ديالى، سافر الى ايطالية في بعثة دراسية وتخرج من اكاديمية الفنون الجميلة في روما عام 1963، كما درس السيراميك في معهد سان جاكومود في روما وتخرج منه عام 1964 .. وعندما عاد الى الوطن عين استاذا ورئيسا لقسم النحت في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ... اقام عدة معارض، وحاز على عدة جوائز .. وهو عضو جمعية الفنانين العراقيين ونقابة الفنانيين .. 

التقنية:

كان اسماعيل اكثر الفنانين العراقيين جرءة وتمرد على التقاليد الفنية السائدة حيث كان يسعى لتهديم الشكل وتحويره وتشويهه من اجل الوصول الى عمقه وماهيته والتعبير عنه، وكان يتأرجح بين التجريدية والتعبيرية والتشخيصية . فكان اكثر الاحيان يختزل الاشكال في الانشاء وفي الخطوط وفي الالوان .. وهو يقترب في حريته وتقنيته في الرسم من تقنية الفنان الفرنسي جورج روو - 1871- حيث كان اكثر حرية في استخدام الالوان القوية وتحريف الاشكال والخطوط حيث يعتبر في صف الالمان التعبيريون الذين اسسوا مذهب القنطرة عام 1905 – وتمتاز اعمال روو بالمساحات المسطحة والوجوه التي تحدد باللون الاسود السميك .. وهو مانجده عند اسماعيل في تعامله مع الاشكال المختزلة والالوان القوية ومساحة السطح وخلق البقع والخطوط التي تحيط بالاشكال خاصة الوجوه وبفرشاة تعبيرية قوية.

مارس الحفر في سنوات السبعينات والثمانينات وبتقنية عالية واشباع في الالوان . وهي تجارب حديثة ناجحة وفريدة تضاف الى معارفه الاخرى . وكانت منحوتاته ورسومه متشابهة في التقنية والاختزال وذات طابعا واحدا . وعادة ما يستخدم اللون الابيض والازرق والوردي والرمادي ودرجاتها اللونية . وتظهر تجاربه راقية كأنها متحدية مشاغبة سالكة طريقا آخر يختلف عن الرواد .. ويذكرنا بالفنان الهولندي كاريل ابيل Karel Appel 1921 الذي تمرد على معاصريه ومحيطه و اشتهر بقوله: (انا رسام عبثي)

و كان هذا القول مفاجئة للنقاد الذين يتابعون اخطائه واتخذوه كمثال لانحطاط الفن الحديث .. غير انه كان لايهتم بما يقولون وينتقدون . فكان مصمما على السير بآرائه واسلوبه دون خشية من اي طرف آخر، معبرا بذلك عن قناعاته الشخصية . وكان ابيل منفردا مستقلا داخل جماعة – كوبرا – وكان يستخدم الخط الغليظة في تحديد الوجوه والاشكال والمساحات وبالوان ساطعة، وكان يحور ويشوه من اجل عبور افكاره الى المتلقي، ويعده البعض من التعبيريين الالمان ..

و الملاحظ عند اسماعيل انه درس وخاض تجارب واسعة ولم يتوقف عند حد انما سعى بكل امكانياته للحصول على قدر كبير من المعرفة في جميع صنوف وفروع الفن التشكيلي . فقد تعلم طرق التقنيات والابداع في الرسم والنحت والسيراميك والحفر – الكرافيك – وغيره، وفي كل حقل نرى بصماته واضحة وصادقة ... وكثير ما نجده منشغفا برسم الوجوه وداخل اطارات مربعة احيانا وبفرشاة منفعلة وتسجل المرأة في هذه الوجوه حضورا مميزا .

 

النحت:

اما اعمال النحت فقد اخذت منحىيين الاول التجريد وتأثيراته بالفنان السويسري الفرنسي جياكوميتي 1901 والانكليزي هنري مور حيث نشاهدها مختزلة مستطيلة محورة . واحيانا برؤس صغيرة وسيقان طويلة وجذوع عريضة ... اما القسم الاخر من اعمال النحت فهي تمثل الواقعية التقليدية التي نراها بارزة في النصب المنتشرة في ساحات بغداد مثل تمثال عبد المحسن الكاظمي 1972، تمثال ابو نؤاس 1962، تمثال الواسطي 1972، تمثال الفرابي 1965 ’ تمثال الرصافي، ونصب الشهيد ذو القبة المنفلقة الى نصفين . ويعد هذا العمل من من الاعمال العملاقة الى جانب نصب الحرية لجواد وجدارية فائق حسن . وكان اسماعيل هو اول فنان عراقي يلون تماثيله، ويذكرنا ذلك بالفنانيين المصريين القداما الذين كانوا يلونون منحوتاتهم الفرعونية، ويمكن الاطلاع على النماذج المعروضة في المتحف المصري للآثار القديمة .. وكان اسماعيل قد تزوج من الايطالية ليزا وكانت فنانة معتبرة تثقفت بالثقافة العراقية وساهمت بفعالية كبيرة في المعارض المشتركة التي تقام في العراق . وعندما توفت ليزا ورحل اولاده الى ايطاليا. حدث فراغ عاطفي في حياة اسماعيل مما اثر وانعكست على اعماله فخرجت الوجوه في لوحاته حزينة منكسرة ..

و اتذكر يوما كان اسماعيل مدرسا للسيراميك في اكاديمية الفنون الجميلة وانا طالبا فجائني وقال لي يا كاظم ان انتخابا ت جمعية الفنانين قريبة وعليك ان تصوت لي وجماعتي .. فقلت له انا ليست عضوا في الجمعية .. فضحك ضحكته الانفجارية المعروفة .. قال لايهمك سنعمل لك هوية .. ومنذ ذلك الوقت كانت علاقتي معه جدا طيبة ...

توفى اسماعيل عام 2004 في احد مستشفيات بغداد وقد بلغ السبعين من العمر ..

- لك يا منازل في القلوب منازل - / المتنبي

 

د – كاظم شمهود

 

hashem mosawiتطلّ مدينة جينيه على نهر النيجر في دولة مالي، وتبعد عن المدينة الأثرية تمبكتو بحوالى 400 كلم. شارك في تأسيسها وبنائها العربُ والطوارق والأفارقة حين كانت منارةً للعلم، ومركزاً لنشر الإسلام في غرب أفريقيا ووسطها.

أخذت مساجد مالي هيئتها من تراث القوم وأصولهم وفطرتهم، فكانت دليلاً على العمارة الإسلامية الأفريقية العريقة، وظلّ مسجد جينيه الطيني العظيم رمزاً شامخاً على روعة الفنّ البدائي الخالي من التعقيد، والذي يعتبر أكبر مبنى طيني في العالم.

تكرّر ذكر مدينة جينيه ومسجدها الطيني في كتب الرحالة والجغرافيين. فالمؤرّخ الأفريقي عبد الرحمن السعدي، صاحب كتاب "تاريخ السودان"، والذي عمل إماماً لمسجد جينيه الكبير في النصف الأوّل من القرن السابع عشر، وكان من مواليد مدينة تمبكتو، أشار إلى دور المسجد الطيني العظيم الذي يؤمّه الأفارقة لتلقّي العلم وحفظ القرآن الكريم.

تثير عمارة المسجد الدهشة والانبهار، فالطين هو المادة الإنشائية الأساسية لهذا المسجد، ولأنّ مادّة الطين ضعيفة وعرضة للتآكل والتأثّر بالأحوال الجوّية وتقلّباتها، فقد فرض استخدام الطين بوصفة مادّة البناء الرئيسة في استحداث المقوّمات المشكِّلة لعمارته، مثل اللجوء لفكرة الأكتاف (والأكتاف دعائم بارزة مهمتها إكساب الهيكل البنائي مزيداً من المتانة والرسوخ والاستقرار)

كما تساعد هذه الأكتاف التي تظهر على شكل نتوءات في جدران المسجد العمّالَ والسكّانَ في إنجاز عمليّات الترميم المتلاحقة سنوياً، كما تمنح جدار المسجد الخارجي منظراً جمالياً فريداً خاصّة مع ظلال الشمس.

ينهض المسجد على منصّة ترفع أرضيته إلى منسوب أعلى من مستوى الأرض الطبيعية لحمايته من فيضان النهر المجاور.

وتُغَطَّى الجدران المشيّدة بالطوب اللبِن بطبقة الطين المخلوط بالتبن، ما يعطي المبنى مظهره الناعم الصقيل. وتراوح سماكة الجدران بين 16 و24 بوصة، تبعاً لارتفاع الجدار نفسه.

فكلما ارتفع الحائط قلَّت سماكته، حتى يتسنّى لأساسه حمل ثقله. وميزة الجدران الطينية أنّها تقي الداخل من الحرارة نهاراً، ومع المساء تكون الجدران قد امتصّت من الحرارة ما يكفي لتدفئته حين يبرد الجو.

للمسجد 3 مآذن بارتفاع عشرة أمتار للمئذنة، وهي مآذن مربّعة تستند إلى 18 دعامة، كلّ منها ينتهي بالمخروط التقليدي الذي يحمل بيضة نعامة. وللمبنى فِناء يعادل مساحة المصلّى الذي يستند إلى 90 عموداً من الخشب وتتخلّل سقفه نوافذ تفتح إذا ارتفعت درجة الحرارة.

يقع مدخل المسجد الرئيس في الجهة الشمالية بالإضافة إلى المداخل الثانوية الأخرى المنتشرة في جميع الجهات عدا الشرقية، وهناك برجان خارجيان في الجهتين الشمالية والجنوبية، ويتّسع لأكثر من 2000 مصلٍّ.

يعود عمر المسجد إلى أكثر من 800 عام، وتتعدّد الروايات حول تاريخ المبنى القائم حالياً، والذي كان يُطلق عليه قديماً اسم "كونبورو".

وفقاً لدراسات فرنسية واسعة، واستناداً إلى الحكايات الأسطورية الشفهية التي عُنيت بالمسجد وتاريخه، هناك من يذهب إلى أنّ المسجد تعرّض للهدم والبناء مرّات عديدة، حيث تمّ تشييده مكان المسجد الأصلي، الذي بُني في القرن 13 واسمه مسجد "تانابو"، وهو اسم حاكم مدينة "جينيه" حينذاك.

وبحسب مزاعم بعض الباحثين، فإنّ المسجد كان يحتوي على مكان مخصّص للوثنيين لأداء شعائرهم، لذا قام أحد حكام المدينة المدعو "أزقيا محمد" بهدمه، لأنّه أصبح مخالفاً لتعاليم الدين الإسلامي وأعاد بناء مسجد "كونبورو" على أنقاضه سنة 1500 تقريباً.

ويقال أيضاً إنه هُدم مرّة أخرى، وأُعيد بناء المسجد تانابو عام 1600 تقريباً. ويخالف عبد الرحمن السعدي هذه الدراسات، مؤكداً أن مسجد كونبورو الأصلي هو ذاته المسجد الذي عاصره بل إنه كان إمام المسجد.

655-hashim 

احتفال شعبي

تشارك الغالبية العظمى من سكّان جينيه في عملية صيانة المسجد وترميمه من آثار الأمطار والشقوق التي يحدثها تغيّر درجات الحرارة والرطوبة، وذلك عبر احتفال سنوي يقام خصيصاً لهذا الأمر.

وفي الأيام التي تسبق هذا الاحتفال الشعبي، يوضع الطين والتبن في حفر كبيرة، وتُترك مهمّة خلطها للأطفال الذين يلعبون في هذه البركة الطينية الكبيرة، من دون أن يعلموا أنّهم يقومون بمهمّة كبرى.

كما يُقام، ضمن فعاليات الاحتفال، سباقٌ بين أهل المدينة لحمل هذا الطين إلى المسجد، يفوز فيه الرجل الذي يتمكّن من الوصول بثقله إلى عمال الصيانة قبل غيره.

على الرغم من هجوم المدنيّة على المسجد من كهرباء الإنارة ومكبّرات الصوت، وتغطية بعض جدرانه بالقرميد، فقد قاوم الأهالي أيّ محاولة لتحديثه، لأنّ ذلك من وجهة نظرهم يمثّل مزيداً من التجنّي على قيمته التاريخية، وهو أمر استحسنه بشدّة دعاة صون المعالم الأثرية في مختلف أنحاء العالم، وهو ما دفع اليونسكو سنة 1988 لوضعه على لائحة التراث العالمي، كما استحقّ أن يدخل قائمة عجائب الدنيا.

العربي الجديد