wejdan alkashabالتكوين – حسب طروحات رسكن - هو وضع أشياء عديدة معاً بحيث تكون في النهاية شيئاً واحداً، وطبيعة وجود كل من هذه العناصر يسهم بشكل فعّـال في تحقق العمل، ولهذا سيكون على العناصر أن تكون في مواضع محددة لكي تؤدي وظيفتها في اللوحة.

أمّا الشكل فهو أداة يتوصّـل بها الفنان إلى التعبير عن أفكاره، فإذا كان الفن تعبيراً عن الموقف الإنساني إزاء معطى ما، فلا بُدَّ لهذا التعبير من أن يتمظهر من خلال الأشكال التي يوجدها الفنان على خامة اللوحة، ليحقق من خلالها تواصله مع متلقيه .

يمكننا القول أيضاً أنَّ الشكل هو الوحدة البنائية المتكونة من مجموعة أشكال جزئية تنفعل ببعضها لتنتج تكويناً كليّاً عن طريق تفعيل الرؤية العينية والذاكرة والخيال معاً ليكون الناتج لوحة محمّلة بالدلالات التي ابتغى الفنان ايصالها إلى متلقيه، وإثارة انفعاله بها .

 66-salahhadid

لنحاول أن نستكشف التكوين العام لهذه اللوحة التي تؤشر اختيار الفنان صلاح مشهداً أمامياً لجدار يتخذ شكل المستطيل القائم والمتداخل مع مستطيل قائم ثانٍ، فالمستطيل الأول يحدد الجزء المعروض من الجدار بالإطار، والثاني هو ما قرره الفنان شكلاً للفتحة، ومن المعروف أنَّ المستطيل هو أكثر الأشكال الهندسية دلالة على الوقار والشموخ والعظَمَة، وفي الوقت ذاته هو أكثر الأشكال الهندسية تحقيقاً للنسبة الذهبية في الرسم .

اعتمد التكوين في هذه اللوحة على {5} أشكال هي :

1-      الجدار .

2-      الفتحة في الجدار .

3-      أجزاء الجسد الإنساني .

4-      المنطقة المعتمة الواقعة خلف الجدار .

5-      الفراغ الكامن في مقدمة اللوحة.

إذاً يكشف المسح البصري الأولي للجدار عن كونه جداراً قائماً أصمّاً، فلا توجد عليه آثار كتابة، ولا يبدو أنّ يداً بشرية قد مرّت عليه، وتركت أثراً لخطاباتها التي كثيراً ما تعلن عن وجودها على الجدران، لكنّ الفنان استعاض عنها بعوامل التعرية التي كشفت عن تقادم زمني أولاً، وعن كينونة هذا الجدار، فهو الجدار الأصم الجامد الذي بدأت قشرته الخارجية بالتناكث بفعل المرور الزمني عليه والاهمال مما أفقده ملمحاً إنسانياً كثيراً ما تتمظهر به الجدران قديمها وحديثها .

تُـشكِّل الفتحة بؤرة حَدَثية لسرد اللوحة، فهي الجزء الذي يتخـفّـى فيه المسكوت عنه من دلالات اللوحة، وتكشفه المعطيات المطروحة للمتلقي بصرياً، فالمستقر في الذاكرة الجمعية البشرية هو أنَّ كل فتحة أيّاً كان نوعها : باباً، شباكاً، كوّة، إنَّما هي أداة اتصال بين الخارج والداخل بوصفها منفذاً للداخلين أو للخارجين، انفتاحها دعوة للدخول، وانغلاقها مصدّ لغير المرغوب فيهم، لكنَّ الفتحة هنا تؤدي وظيفة أُخرى، فهي منفذ لمسترقي النظر الذين شاغلتهم عتمة ما ورائها، وهي الفرصة الوحيدة للجسد في محاولته الخروج، وهي أيضاً عامل تخفّيه المفروض عليه جبراً.

قد يتسآءل المتلقي مثلما تسآءلتُ في اللحظات الأُولى من تلقّي اللوحة : لماذا لم يضع الفنان صلاح حواجز مثل حواجز الشبابيك أو حواجز السجون على هذه الفتحة، ثم جعل القدمين تخترقها ؟

سأترك الإجابة على هذا التساؤل الآن، لأكشف عنه عند محاولتي قراءة الدلالات المحتملة لهذه اللوحة .

القدمان هما نقطة التوازن والارتكاز الجسدي على الأرض، واليدان هما الجزء الجسدي المنتج للفعل، ولهذا اختارهما الفنان لتأدية الحركة في هذه اللوحة . مع ملاحظة تعمد الفنان اخفاء باقي أجزاء الجسد في المنطقة المعتمة الواقعة خلف الجدار {أي في العمق الفراغي} وتخصيصاً الرأس الذي يكمن فيه الدماغ وهو منتج الفعل الإيعازي للقدمين واليدين .

أمّا الفراغ الكامن في مقدمة اللوحة فقد اعتمده الفنان بوصفه فضاءً زمنياً مستقبِلاً لأجزاء الجسد الخارج من منطقة العتمة .

سأحاول الآن قراءة النسقية اللونية التي فرشها الفنان صلاح على خامة اللوحة، منطلقة من الفكرة التي تعارفنا عليها في واقعنا العياني والتي تحيل إلى أنَّ الألوان علامات دالّة تمنح الإنسان فرصة التعرُّف على معطيات بيئته الحياتية وتمييزها، كذلك اللوحة تمنح التكوين ألواناً دالّة تُميّز الأشكال المكوِّنة له بوصفها أشكالاً منقولة من الواقع، لكنها تخضع لمعالجة مغايرة تعمل على إعادة إنتاجها ضمن واقع جديد تفترضه وتعرضه اللوحة فنياً.

تكشف القراءة اللونية لهذه اللوحة عن اشتغال الفنان باتجاه تفعيل ثلاثة ألوان مع تدرجاتها لتؤدي هي الأُخرى اشتغالاتها في عالم اللوحة :

اللون الأول هو اللون البُنّي الذي اتخذ موضعته على الأجزاء غير المتآكلة من الجدار حيث حاول الفنان اكسابه درجة بدت أقرب ما تكون إلى الترابية أو الطينية المتوسطة والمتدرجة نحو البُنّي الفاتح في الجهة اليسرى والجهة السُفلى القريبة من الفتحة، فيما اتجه إلى الدرجة الأغمق قليلاً في الجهات الأُخرى بفعل مساقط الضوء.

واتخذت الأجزاء المتآكلة من الجدار اللون الرمادي المتدرج المائل إلى الدرجة الفاتحة حيناً، والغامقة حيناً آخر بسبب ملمسها الخشن، وبفعل الضوء الساقط عليها أيضاً، مما ساعد على اشتغالها باتجاه تكسير الإيقاع الرتيب للّـون .

كما اتخذت القدمان اللون البُنّي { الترابي} المائل إلى الدرجة الفاتحة للقدم الخارجة من الفتحة بفعل مسقط الضوء عليها، والدرجة الأغمق للقدم الأُخرى المستندة على حافة الفتحة بفعل انحسار مسقط الضوء عنها .

أمّا الفتحة الجدارية فكان لها اللون الأسود، مؤشرة ثلاثة أبعاد :

1-      بُعد زمني، بدلالة اتخاذها اللون الأسود الذي يحيل دلالياً إلى الليل والظلام.

2-      بُعد مكاني، بدلالة كونها مكاناً للحركة المتحققة .

3-      بُعد ثالث {عمق} بدلالة وقوعها في العمق بعيداً عن المتلقي .

وكلها أبعاد تؤشر الإخفاء المتعمد لبقية أجزاء الجسد في محاولة واعية من الفنان لدفع المتلقي باتجاه الكشف عن الغموض الذي يغلِّف الجسد والواقعة معاً .

كما أنَّ قدرة الفنان على موقعة التضليل والتنوير تمظهرت من خلال تبنّيه حركية لونية تمنح اللوحة طاقتها الخاصة بها على التعبير عن الوظائف التي يؤديها التكوين، ويكسبها قيماً دلالية أيضاً .

في مقابل المنطقة الواقعة خلف الجدار تنتصب منطقة تقع أمام الجدار {في مقدمة اللوحة} لتُشكّل مقابلاً متضاداً تماماً، فالمنطقة الأُولى معتمة، والمنطقة الثانية مضيئة، والأُولى غموض، والثانية وضوح، وهذا ما سيشكّل بُعداً دلالياً أدّته الحركة الجسدية التي هي الفكرة التي نهضت عليها هذه اللوحة .

سأحاول الوقوف أولاً عند الحركة مفهوماً وأنواعاً، حيث يشير الباحثون إلى أنَّ الحركة هي انتقال للشيء كلّه أو جزء منه لمسافة محددة في زمن محدد هو الآخر .

ويعرض الباحثون في النقد التشكيلي أنواعاً من الحركة في مجال التشكيل، وهي :

1-      إنَّ المسح البصري الذي يجريه المتلقي للّوحة هو حركة، حركة العين على مساحة اللوحة بحثاً عن تحديد أشكالها وعلاقات هذه الأشكال بعضها ببعض.

2-      حركة الفنان، وتشتمل على نوعين من الحركة :

* حركة فكرية، ذهنية، ذاكراتية غير منظورة، يتم اشتغالها داخل الدماغ، فهي حركة مصفوفاته الذاكراتية ما بين الالتقاط والتخزين والإظهار.

* حركة الفرشاة على الخامة وهي تصنع الأشكال من خلال عناصر اللوحة، وهي حركة ناتجة عن اتحاد ثلاثي : اليد والعين والذاكرة.

3- اللوحة تقدم مشهداً في لحظة زمنية محددة، فتبدو قارّة على الخامة ظاهرياً إلاّ إنّـها في حقيقة وجودها تُـمثّـل حركة متحققة يمكن قراءتها من خلال الوضعية المحددة التي اختارها الفنان.

سأُركِّز في قراءتي لهذه اللوحة على الحركة المتحققة والمتمثلة بامتداد القدم اليسرى خارج الفتحة، فيما ركنت القدم اليمنى على حافتها، وحاولت اليد اليسرى الإمساك بالجدار، إذاً هي حركة نهوض يحاولها الجسد معتمداً على قدميه ويده اليسرى، ولابُدّ لنا من الإشارة إلى أنَّ نصف الكرة المخية الأيمن يتحـكّـم بالنشاطات والعمليات السايكولوجية والفسيولوجية في الجهة اليسرى من الجسم، ويُسمّى بالجهاز العصبي للفنون الجميلة والخيال الفراغي أو المكاني، وذلك لاحتوائه على مراكز مسؤولة عن القدرات الفنية والموسيقية والهندسية والتأملية، والدليل على ذلك أنَّه متطوِّر كثيراً عند كل الفنانين والمهندسين المعماريين .

إذاً كان الفنان صلاح موفقاً تماماً باختياره لليد اليسرى والقدم اليسرى أيضاً، وهو بهذا يحيلنا إلى أنَّ الفن يمكن له أن يحقق وظيفة التوازن النفسي بوصفه عامل إنتاج يشتغل باتجاه تمظهر المشاعر المكبوتة والمواقف المؤلمة التي يعايشها الفنان في السياقات المجتمعية اليومية، ويُحرَم من الإعلان عنها، مما يحيلها إلى عامل ضغط نفسي شديد على فكره، فلا يجد لذاكرته منفذاً تعبيرياً أفضل من الفن، وهذا هو جوهر الفن بوجه من الوجوه .

ويشير الناقد الفرنسي كلود روشان إلى أنَّ أهم وشائج الفكرة التشكيلية هي الحركة، لأنّ الحركة بكل بساطة هي علّة التكوين والتصوير، ومن ثمَّ نواة الفن التشكيلي، فتصبح المزية المتفردة لكل فنان هي اعتماده لفكرة الحركة في مشروعه التشكيلي، فهي أحياناً (الحركة) تتفوّق على كل مقومات الفنان بل وتصبح هي القيمة الكبيرة في عمله الإبداعي .

من المتعارف عليه أنَّ الجدران بأنواعها تُشكِّل حاجزاً بصرياً، وهذا ما اشتغل الفنان صلاح باتجاه تأكيده، فحجب كل ما يمكن أن يكون وراءه من المكونات مثل الغرف أو المساحات المفتوحة، ليسلب هذا الجدار جزءاً من كينونته الواقعية، ويحيله إلى رمز دلالي لكل حاجز يحاول أن يؤدي وظيفة الإقصاء والإخفاء، إلاّ أنّه في هذه اللوحة فشل في أدائه لهذه الوظيفة، فتحوَّل من عالم خاص محدد بإطار يمتلك أبعاده الهندسية إلى عالم يمتلك قيمته التشكيلية، لأنَّه شكَّل تضاداً تفاعلياً مع الفتحة التي أحرجت صلابته من جهة، ومع الأجزاء الإنسانية التي اخترقت الفتحة بشكلٍ فعلي من جهة ثانية، مؤدية حركتها الرافضة تماماً للعتمة والانغلاق والخوف، معلنة اصرارها على التجاوز والانطلاق نحو رحبة الحياة .

من هنا يمكنني القول بأنَّ اعتماد الفنان اللون البنيّ للجدار، وهو من الألوان الترابية التي تنتمي إلى الألوان الحارة، وتحيل دلالياً إلى الأرض والارتباط الروحي بها لأنَّ التراب هو أصل الموجودات، فالجدار إذاً ليس هو الحاجز أو المصد فقط، بل هو رمز للحياة بصلابتها وقوة حضورها وحرارتها، ولكنَّ هذه الصفات ليست حاضرة بشكلها الصريح لأنَّ الأجزاء المتآكلة اتخذت لوناً دخيلاً على بُـنيّـة الجدار وهو اللون الرمادي، والذي هو من الألوان الحيادية الواقعة في منتصف المسافة ما بين الأبيض والأسود، والرمادي بتدرجاته يُشكِّل كشفاً زمنياً بعيداً يخترق صلابة الجدار {الحياة} مُحيلاً حضوره إلى ما يشبه التراكمات الإنسانية التي مرّت عليه.

إذاً الدلالات التي أراد الفنان كشفها في هذه اللوحة هي كينونة الوجود الإنساني الذي يحاول الإفلات من المحنة والظلام والإقصاء وسوداوية الأحداث وانغلاقها، ورفض الكمون والموت والاستسلام، من خلال حركة الاختراق لتحقيق الوجود الإنساني الحر، معتمداً فكرة أنَّ الأمل لا يموت، والحياة ستسمر رغم المحنة .

إذاً يمكنني وصف هذه اللوحة بـ {تنبؤية} لأنّها تنطبق على وضعنا حالياً، بالقدر نفسه الذي تنطبق عليه في وصف أيّة محنة يمرُّ بها الإنسان، وبهذا تحتمل الوجهين: العام الذي يحيل إلى معاناة مجموعة بشرية في أيّ مكان وزمان، والخاص الذي يحيل إلى إنسان خاض محنةً ما، ولكنه لم يفقد الأمل، ولم يترك للمحنة فرصتها لتحطيمه، بل كان هو مَن يحطم قيودها ويتجاوزها.

 

د . وجدان الخشاب

العراق

 

10-goodard1الفنان الانگليزي المتفوق جان وليم گودوارد 1861 -1922 هو ايضا من آخر العمالقة الذين ختموا خمسمائة سنة من الرسم الكلاسيكي الذي سلب العقول في كل بقعة على هذه الارض.

 

10-goodard2كان هذا الرسام المجيد من اتباع الرسام الهولني – الانكليزي ذائع الصيت آنذاك السير وليم ألما تديما.

 

10-goodard3وكان من الناحية الاسلوبية يعتبر من اواخر رسامي مجموعة ماقبل الروفائيلية. التجمع الفني الذي سيخبو بريقه مع تصاعد شعبية الفن الحديث عند بزوغه في مطلع القرن العشرين.

 

10-goodard4وكما كان الفنان الفرنسي بگوو، فگودوارد هو الاخر تميز برسمه للحسناوات بطريقة فائقة الجمال ومهارة تكنيكية عالية حتى عرف بانه رسام "نساء المرمر" لكثرة ماصوره من الفاتنات المضطجعات على دكات المرمر بمشاهد توحي الى الحضارات الاغريقية والرومانية. كان هذا الفنان رغم دماثة خلقه وكرمه، خجولا حزينا منعزلا ومنطويا على نفسه وبالشكل الذي اصبح فيه بمثابة اللغز الغامض حتى على المقربين منه كافراد عائلته واصدقاءه الذين بقوا في حيرة من امره عندما اقدم على الانتحار بسن الواحد والستين ليترك خلفه تراثا خالدا من الرقة والروعة والسحر.

 

10-goodard5وكان قد شاع آنذاك بان من اسباب انتحاره هو شعوره بالعزلة الاجتماعية والفنية على حد سواء، خاصة وانه ظل يراقب تحول الاهتمام الى الفنون الحديثة. وقد قيل ان رسالة الانتحار التي تركها تضمنت قوله " لايستطيع العالم ان يتسع لي ولبيكاسو في نفس الوقت"!

 10-goodard6

خاص بالمثقف

ا. د. مصدق الحبيب

wejdan alkashabيكشف المسح البصري لهذه اللوحة عن تكوين اعتمد اتخاذ شكل الدوامة موقعته على أرضيتها بحضورٍ طاغٍ، فيما تنتشر أشكال تجريدية لأربعة أشخاص يسبحون في هذه الدوامة.

تتخذ الدوامة شكلها الافتراضي التشكيلي الذي يلتقي مع شكلها المتعارف عليه في الواقع العياني، فالدوامة في المحيط أو البحر أو النهر هي وسطه الذي تدوم عليه الأمواج المتصفة بالشدّة والسرعة معاً، متخذة شكلاً دائرياً متكرراً، بؤرتها ضيّقة، وتتسع كلما اتجهت إلى الأعلى بعيداً عن مركز نشوئها، معلنة صداماتها المتوالية عن مغناطيسية تجذب إحداها إلى الأُخرى.

افتراضياً يُنظَر إلى الدوّامة من زاوية رؤية عمودية أو كما يصفها النُقّاد {رؤية الطائر} أي رؤية الأشياء من الأعلى، وبهذا يتحوّل الرائي إلى طائر مُحلِّق يدقق ويتأمل فيما يقع تحت عينيه، لكنَّ الفنان عثمان هنا عمد إلى عرض الدوامة من خلال قلب اتجاه زاوية النظر، فجعلها تظهر للمتلقي بشكل أُفقي يبدأ من عمق اللوحة متقدماً باتجاه مقدمتها، ليتيح لمتلقيها رؤيتها بوضوح أكثر.  

إذاً الشكل الدائري هو الأكثر ظهوراً في هذه اللوحة، هنا سيلفت نظر المتلقي أنَّ هذه الدوائر تأخذ شكلاً حلزونياً، فهي دوائر غير مكتملة تمنح متلقيها شعوراً بالدوار والحصار واللا استقرار إن حاول أن يتابع حركتها الدورانية، ولكن الفنان عثمان اشتغل باتجاه إخراج هذه الدوائر من انغلاقها ليمنحها حركة أشبه ما تكون بالحرّة والمتداخلة معاً ضمن حركتها الدورانية اللا نهائية.

يشير كارل يونغ في كتابه {الإنسان ورموزه} إلى أنَّ الشكل الدائري يحمل بُعداً مقدساً يُرمَز به إلى الذات الإنسانية، من هنا سيمكننا فهم توجّه الفنان عثمان نحو هذا الاختيار المتقارب الثلاثي {النفس الانسانية، الحلم، الدوّامة}، وهذا التقارب هو ما اشتغل الفنان باتجاه تأكيده من خلال نقل الشكل الدوّامي من كينونته الطبيعية المائية – المادية إلى تمثُّل حالة معنوية هي الحلم، وهذا بالتالي سيمنحني فرصة الكشف عن الدلالات المحتملة لهذه اللوحة .

في رحلته الإنسانية الطويلة نظر الإنسان إلى المُسطّح المائي {المحيط، البحر، البحيرة، النهر} نظرة نفعية أولاً، ومقلقة ثانياً، فالنفعية اشتغلت باتجاه استغلاله اقتصادياً، أمّا المقلقة فكانت نتاج نظرته إليه بوصفه امتداداً وهاوية مرعبة ومظلمة في الآن ذاته، ولا يمكن له اختراقها، من هنا سيمكننا القول أنَّ الفنان عثمان اشتغل باتجاه استغلال هذه الفكرة لتكوين رمزية الدوّامة وربطها بالحلم .

في واحدة من اشتقاقاتها الثرية تشير اللغة العربية إلى أنَّ الدوّام {دوار يحدث في رأس الإنسان}، وهذا الدوّام هو الذي أنتج الحلم في اشتغال الفنان عثمان.

 65-othemanadaway

فما هو الحلم؟

من وجهة النظر النفسية هو سلسلة من التخيلات التي تحدث أثناء النوم، كما أنّه الوسيلة التي تلجأ إليها النفس البشرية لإشباع رغباتها وأفكارها التي تعاني من كبتها بسبب صعوبة تحقيقها في الواقع العياني، حيث يشير كارل يونغ إلى أنَّ الاحلام تحقق حلولاً لمشكلات الشخص في محاولةٍ لإعادة توازنه الذي فقده جرّاء ضغوطات الواقع غير المثالي الذي يعيشه الفنان، مما يدفعه إلى البحث عن متنفس لهذا الصراع .

سأحاول أن استكشف خيوط الترابط الزمكاني بين الدوّامة والحلم، حيث أشرتُ سابقاً إلى أنَّ الدوّامة تحدث في مكان محدد حين تبدأ نواتها بالتحرك بدءاً من أعماق البحر المظلمة، والحلم نتاج اللاوعي أي الجزء الغامض من الذاكرة، والذاكرة مكان لتراكم المصفوفات الذهنية الواعية واللا واعية، وبهذا يبدأ الصراع صيرورته، الذي يستوجب المكان والزمان معاً، أي {الزمكان}، والزمان هنا أيضاً دائري لأنَّ دائرية الزمن تعني العودة الاسترجاعية للوصول إلى نقطة البدء، وهذه العودة تنحصر في جبرية مدارها المغلق .

تمثّل الأشكال الانسانية الأربعة الجزء الثاني من التكوين في هذه اللوحة، وتمظهرت بصفتي التجريد والتشويه معاً مما منحها بُعداً رمزياً . توزعت هذه الأشكال في النصف الثاني الأسفل من اللوحة، حيث تموقع الشكل الأول في مقدمة اللوحة، ورغم تعمد الفنان إظهار الرأس وبعض أجزاء الجسد وكأنها خارج الدوّامة إلاّ أنّه اشتغل باتجاه امتداد اليدين والقدمين وكأنّها توجد أمواجها الواضحة ضمن موجات الدوّامة .

فيما حاول موضعة الشكل الإنساني الثاني في الجزء الأبعد من مقدمة اللوحة، في أقصى يمين اللوحة في جزئها الأسفل، فبدا وكأنّه يسبح مع حركة الأمواج، مُـظهِراً حركته التي تتشابه مع حالة التزحلق عليها.

أمّا الشكل الإنساني الثالث والمتموقع في الجزء الأبعد، أي أنَّ تموقعه يأخذ مكانه باتجاه عمق اللوحة، فبدا أقرب ما يكون إلى الجالس على الأمواج سامحاً لها أن تأخذه حيثما تريد، لكنَّ الشكل الإنساني الرابع اتخذ موقعته في نقطة هي الأبعد عن الأشكال الثلاثة المتقدمة عليه، وبدا أقرب ما يكون إلى المتحدي مظهراً، حيث تكشف طريقة وقوفه عن تحدّيه لحركة الدوّامة، ورافضاً انسياقه واستسلامه لحركتها وقوّتها واندفاعها .

يبدو لي أنَّ هذا الشكل الإنساني {الرابع} يقف مواجهاً لبؤرة سرد اللوحة، وهي نواتها القابعة في أقصى البُعد الثالث، هنا سيعلن التساؤل عن وجوده :

 

لماذا أخفى الفنان عثمان رأس هذا الإنسان المتحدي ؟

سأُحاول طرح إجابة لهذا التساؤل بتأشير أهمية الرأس الذي هو مكان الدماغ، وهو الجزء المتحكم في الجسد الإنساني بأكمله وبؤرة وجوده، لكنَّ الفنان حينما يعمد إلى إخفائه ضمن حركة الدوّامة، يؤشر على أنَّ التحدي يحمل صفتي السلبية والفشل إزاء قوة الحركة الدوّامية الصاعدة، من هنا سينفتح أمامي باب يسهم في تأشير فكرة تحديد الأشكال الإنسانية الأربعة في هذه اللوحة، فالشخصيات الثلاث الأُولى والثانية والثالثة هي شخصيات تأخذها قوة الاندفاع الدوّامي دون أن تكون لهم قدرة على الانفكاك من قدرتها على التحكم بهم، أمّا الشخصية الرابعة {المتحدّية} فهي شخصية الفنان الذي يمارس كشفه ورؤيته العميقة من خلال محاولته الوصول {جسداً أو بصراً} إلى بؤرة الحدث .

إذاً يمكنني القول أنَّ الدوّامة هي الواقع العياني المعاش، ومحاولة الإنسان في التكيّف والانسياق مع حركته أو تحديها ورفضها، وفي الحالتين لا يحقق الهدف وهو الخروج خارج الإطار الجبري لهذا الواقع الدوّامي .

هنا أيضاً سيطرح تساؤل نفسه :

هل يقبل الفنان عثمان في هذه اللوحة تحديداً واقعه دون أن يتحداه، ويكسر أُطره الدائرية وجبريتها القاسية ؟

سأُحاول الإجابة على هذا التساؤل من خلال مسحٍ بصري للمنظومة اللونية التي فرشها الفنان عثمان على أرضية هذه اللوحة، لأرى مدى اتساق هذه المنظومة مع الدلالات المفترضة التي طرحتها .

سأبدأ أولاً مع نقطة السيادة {أوالنقطة المحورية أو مركز الاهتمام أو القطاع الذهبي} كما يسمّيها النُقّاد التشكيليون، التي تؤشر طغياناً أو بروزاً لعنصرٍ أو أكثر من عناصر اللوحة . بتصوري أنَّ الفنان عثمان اتخذ من نواة الدوّامة نقطة سيادية ليسرد من خلالها حَدَث اللوحة أو مشهديتها، حيث اعتمد تظهير شكلها من خلال اعتماده اللون الأبيض في تحديدها، ولكنه ليس لوناً نقياً تماماً بل هو مشوب بلمسات من اللون التركوازي بفعل تراكم طبقات الموج أولاً وبسبب وقوعه ضمن نطاق البُعد الثالث ثانياً، كما أنّه قاربَ في موضعتها منطقة منتصف مساحة اللوحة، فإذا حاولنا تقسيم اللوحة برسم خطّين الأول عمودي والثاني أُفقي {باعتماد محور 1/2} سنجد نواة الدوّامة واقعة في نقطة التقاء هذين الخطّين تقريباً .

ومن المعروف أنَّ الكثير من الفنانين يعتمدون محور {1/2} ليكون مكان تموقع نقطة السيادة، وتخصيصاً القديسين والأبطال، ولكن الفنان عثمان لم يكتفِ بهذه النقطة بل أنشأ ثنائية متضادة معها تلتقيها في الصيرورة والتكوّن، وهو الشكل الإنساني المتحدّي، ليشكِّلا معاً تمثيلاً حركياً تفاعلياً أقرب ما يكون إلى الصراع، الذي يُشكِّل هدفاً مسكوتاً عنه في هذه اللوحة .

سأُكمل المسح البصري للمنظومة اللونية في هذه اللوحة حيث يكشف عن طغيان اللونين الأزرق والتركوازي المتدرجين، ولكنهما لا يمتلكان صفة الإشباع اللوني، لِما أضافه الفنان من لمسات لونية متعددة تمنح بصر المتلقي فرصة التفاعل مع الحركة الدورانية من جهة، ومنح شكلها روحاً حيّة من خلال كسر رتابة اللون الواحد من جهة أُخرى.

تتشكّل دلالات اللون الأزرق من خلال ارتباطاته بالسماء الزرقاء التي تنعكس لونها على المسطحات المائية، وبالتالي فهي تؤشر دلالات التأمل والفكر والصفاء وما يتبعه من هدوء وسكينة تغمر النفس الإنسانية، ولكن هذه الدلالات لا تمتلك صفتها الثبوتية القاطعة لأنَّ لون السماء الأزرق قد يشوبه البياض أو الرمادي بسبب تراكم طبقات الغيوم، أو ربَّما يتحوّل إلى الأحمر القاني أو البرتقالي المشبع في حالة غروب الشمس، أو قد تتحوّل إلى اللون الأسود ليلاً، وهذه التحولات كلها ستنعكس على الجزء الظاهري من المسطّح المائي، وبالمقابل لا يُظهر هذا المسطّح سكوناً دائماً، بل قد تهدر أمواجه من أمكنة مرتفعة إلى أمكنة أقل انخفاضاً، وأعماقه لا تخلو من الدوّامات، ولهذا ستبدأ دلالات الأزرق بالانحراف عمّا تواضعت عليه الذاكرة الجمعية مؤشرة حالة انفعال وحركة يُمظهِرها القلق والمجهولية والنفور والقوى السلبية التي تفرض وجودها على بعض أوجه الحياة، ولهذا كان لابدَّ للفنان من أن يضيف اللون الأسود إلى الأزرق ليكسبه تدرجات تميل إلى القتامة، مؤشراً هذه الدلالات.

بالمقابل تواضعت الذاكرة نفسها على أنَّ دلالات اللون الأخضر هي التجدد والخصب والنماء الذي تكشف عنه الطبيعة الخضراء، ينضاف إلى ذلك دلالته على ايقاع الحياة المتبدل من حركتها الحياتية التي لا تعرف التوقف، وهذه الدلالة هي واحد من مرتكزات هذه اللوحة.

وبما أنَّ الأخضر والأزرق هما اللونين الطاغيين بحضورهما، فلا بُدَّ للفنان من مزجهما لينتج اللون التركوازي المتدرج هو الآخر، إذاً قيم السماء وقيم الأرض تتلاقى وتتمازج لتحيل إلى استمرارية الدوّامة من خلال الانفتاح على الآخر، ذلك الانفتاح الذي تؤشره دلالة التركواز لوناً، ورغبة الفنان في أن يفتح مجاهيل الذاكرة وخفايا الحلم ليعرضها لمتلقيه بوصفها محاولة للتواصل بينهما .

أخذ الضوء والظل موقعته من خلال اللمسات اللونية التي يتعمدها الفنان، ليؤكد دلالات أرادها، ولهذا تمظهرت الدوّامة بالألوان الفاتحة من خلال اللون الأبيض المطفأ إلى اللون الماروني المطفأ للدلالة على تمظهر الضوء، فيما بدت الظلال متخذة اللون الأحمر المتدرج ما بين الوردي المطفأ إلى الماروني المطفأ مع لمسات خفيفة من اللون البرتقالي، هنا ستلعب الإضاءة والتظليل دورها في إظهار الحركة الدورانية على مستوى الشكل، أمّا على مستوى الدلالة فإنّها مؤشر تلوِّن الحياة بأكثر من لون وأكثر من حركة وقيمة .

أمّا المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان عثمان للأشكال الإنسانية فهي الجويتي الغامق والأحمر المتدرج ما بين الوردي والماروني لتجسيد الأشكال الإنسانية المشوّهة للدلالة على معاناتها.

من هنا يمكنني القول أنَّ رحلة الفنان عثمان في انجاز هذه اللوحة تكشف عن فكرته الكلية التي أراد منها ابراز التفاؤل والأمل رغم صعوبات الحياة .

  

د. وجدان الخشاب

العراق

          

581-kadom1النحت يعني في اللغة: النشر والبري والقطع. وفي المصطلح يعني بناء كلمة جديدة من كلمتين او اكثر او جملة، اي اظهار كلمة جديدة آخذة منهما دالة عليهما في المعنى. مثل كلمة (بسمل او بسم) المأخوذة من – بسم الله الرحمن الرحيم - وكلمة (حيعل) المأـخوذة من كلمة – حي على على خير العمل ..

581-kadom4

ولقد ظهر النحت منذ بداية ظهور الانسان وارتبط بالاسطورة القديمة وكان للديانات في بلاد وادي الرافدين ومصر دورا واهمية كبيرة اثرت على حياة الانسان . كما وضعوا رموزا للمظاهر الطبيعية في عقائدهم الدينية . ولازالت بعض هذه الديانات قائمة الى اليوم بكل طقوسها وتماثيلها وقرابينها واساطيرها في شرق آسيا .

581-kadom3وقد اتخذ الفن الرافدي والمصري صفات معينة اصبح بعضها اليوم من مميزات الفن الحديث حيث ظهرت في اعمال رواد المدرسة التكعيبية .. من هذه الصفات ان الاكتاف والاعين تظهر من الناحية الامامية بينما تظهر بعض اجزاء الجسم في وضع جانبي مثل القدمين .. كذلك ظهرت العيون كبيرة مفتوحة حادة البصر والحواجب مقوسة متصلة مع بعضها، وبعض الوجوه مدورة .. وهذا ما نجده في بعض اعمال بيكاسوا، ولكن مع الاسف ان بعض النقاد الغربيين ينسبون هذه التأثيرات الى الفن الايبيري الاسباني ظلما . وحتى الفن الايبيري هو في الواقع متأتي من شمال افريقيا ومشرقي الاصل وهذا ما يؤكده بعض علماء التاريخ والآثار ... او ينسبون تلك التأثيرات الى الفن الاغريقي علما ان حضارة الاغريق قد بدأت حوالي – 750 ق م - وامتدت الى 146 -ق م . وابتداءا من حضارة الاغريق تبدأ الحضارة الاوربية .. – وكان فنانوا بلاد الرافدين لهم من المنجزات والاعمال الفنية قد سجلوا السبق فيها على غيرهم . وهو ما يؤكده عدد من علماء الآثار والمؤرخين امثال سيتن لويد في كتابه – فن الشرق الادنى القديم .

581-kadom2

لكن لماذا حرفت قصص الانبياء وحولت الى اساطير ؟؟، مثل قصة الطوفان . وقصة الملك حمورابي 1752 ق م -الذي اخذ صحف ابراهيم الخليل 2000 ق م - وعمل منها قوانين وحرفها ودونها على مسلته المشهورة وادعى انه استلمها من اله الشمس (وحمورابي معناه الخليل). ولازال التحريف قائما الى هذا اليوم في كل شئ في الكتب السماوية و في الحديث والتاريخ والسياسة والادب .. كل ذلك من اجل السيطرة على السلطة والمال وعلى مقدرات الشعوب . ولما كان الدين سلطة مقدسة تستقطب العوام فقد تسلق عليها الملوك والكهنة وحكموا باسم الدين .. وما يحدث اليوم في بلداننا ما هو الا امتداد لذلك التاريخ المزيف .. (الا مارحم ربي) ولازالت الاسطورة نعيشها ونخترعها عن الكون وعن القوى الخارقة وعن الكواكب الاخرى والمخلوقات التي تسكنها ..- El mito -

581-kadom5وظهر في حضارة مصر النحت الملون فقد اعتادوا على تلوين المنحوتات . فالرجل يلون باللون الاحمر البني واجسام النساء باللون الاصفر ويرجع ذلك الى تعرض الرجل لاشعة الشمس خارج المنزل بينما تحتفظ المرأة التي لا تتعرض كثيرا للشمس ببياض بشرتها .. ولم نجد هذه الظاهرة اليوم منتشرة عند أئمة النحت الحديث ولا نعرف السبب ؟؟؟ ...

و بلغ النحت اليوناني القديم درجة المثالية في الفن الجمالي واشتهر من الفنانين – فيدياس – وكان قمة في الرقة والواقعية المثالية والحس المرهف في تجسيد معالم الشكل والملابس والتي تبدو شفافة رقيقة ملوكية المظهر . وهو ينطلق من الفلسفة الجمالية عند الاغريق التي تقول ان الجمال اخلاق والفن جميل فهو اخلاق .. وكانت المناسبات يقام لها تماثيل سواء في الانتصارات او الرياضة او المعاهدات او غيرها حيث يعمل لها لوحات تذكارية .. وما احوجنا اليوم نحن ان نقيم تماثيل للشخصيات التي خدمت الثقافة والفن والادب والعلم وتركت بصماتها على حياة المجتمع ...

البعض من المحللين والنقاد يذكر ان النحات يتعامل مع الكتلة برؤية حدسية اي الرؤية الداخلية للسطح يقوم بها الفنان بطريقة تخيلية وهو الحدس الذي يستقر في مركز الكتلة القائمة امامه . وتحت ارشاد هذا الحدس يتحول الحجر ببطئ من حالة وجود ذاتي مفترض الى حالة مثالية من حالة الوجود .. وقد تطرق الى هذه النظرية الحدسية العالم والمفكر الايطالي كروتشة 1866 .

كما يذكر البعض بان النحات اهتمامه الاول منصب على المادة التي سيعمل عليها فاذا كانت من الحجر فعليه ان يفكر بصلابة الحجر تحت ضربات الازميل كما يفكر بالطريقة التي يتأثر بها هذا الحجر مثل الرياح والماء وغيره ..

و النحت ليس عملية نقل حرفي كما يبدو للبعض انما هو ترجمة للمعنى من مادة معينة الى اخرى وهذا ما نجده واضحا عند الفنان الانكليزي هنري مور 1866 .. فاذا اردت ان تترجم او تنقل شكلا من مادة معينة الى شكل مادة اخرى فان عليك ان تخلق ذلك الشكل من الداخل الى الخارج .. اي تغور في اعماق الشكل وتنقل ماهيته الى الخارج ...

 

د. كاظم شمهود

 

580-musadaq4نكاد لانجد اي كتاب عن تاريخ الفن خالي من صورة لوحة "القوطي الامريكي" التي رسمها عام 1930 الفنان الامريكي گرانت وود (1891-1942). فلطالما اثارت هذه اللوحة استغراب اغلب المتلقين وحتى المتخصصين منهم بسبب شهرتها الاستثنائية واعتبارها من النماذج التي تمثل الفن الامريكي في مطلع القرن العشرين، وهي اللوحة التي لاتبدو استثنائية من حيث انشائها الفني او تكنيكها او موضوعها.

580-musadaq1

كان گرانت وود، الذي درس الفن في فرنسا وعاش مدة طويلة في اوربا، في زيارة لصديقه الفنان جان شارپ من مدينة ألدن الصغيرة في ولاية أياوا. وكان الصديق المضيف قد اقترح ان يقوما بجولة لاستكشاف المدينة واجوائها المحلية. وخلال هذه الجولة اثار انتباه گرانت بيتا ينتصب في حقل فتوقف عنده ليتمعن تفاصيله. وكان اكثر مااثار فضوله هو الشباك الكبير المصمم على الطراز المعماري القوطي الانيق الذي شاع في اوربا بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر، والذي وجده كرانت لايتناسب مع التصميم العام العادي للبيت وبناءه المتواضع. وقد تهكم گرانت في سره معتبرا هذا الامر نوعا من الادعاء والمباهاة الفارغة في وقت كان العوز فيه شائعا خاصة في المدن والنواحي الصغيرة خلال سنوات الكساد الاقتصادي العظيم. ولهذا السبب خطرت فكرة اللوحة ببال گرانت فسارع لعمل سكيتش سريع على مظروف وجده في السيارة. حين عاد گرانت الى الاستوديو تخمرت فكرة اللوحة في ذهنه فتصور ساكني البيت لحد التفاصيل الدقيقة في هيئتهم ونظراتهم وملابسهم. وهكذا فقد اختلق الرسام شخصيات ساكني البيت من محض خياله وبطريقة روائية فجعل صاحب البيت عبارة عن فلاح ارمل تجاوز الستين لكنه جدي وصارم وشغول يعيش مع ابنته العانس التي ليس لها اي اهتمام في الحياة سوى خدمة والدها.

580-musadaq2وهكذا فقد اراد الفنان اعطاء هذا الانطباع بالطريقة التي جعل فيها شخصيتيه تقفان امام البيت وكأنهما تحدقان في عدسة الكامرة بالطريقة الريفية الخام كما انه اهتم بتفاصيل الملابس والنظارات وتسريحة الشعر وشوكة الارض التي يحملها الفلاح وكلها من العصر الكولوني.

580-musadaq3ومن فرط اهتمامه بدقة واصالة المشهد الذي في ذهنه فقد كلف اخته نان وود وصديقه طبيب الاسنان الدكتور بايرون مكيبي ان يصبحا الموديل للشخصيتين بكامل عدتهما. حين عرضت اللوحة في اول مسابقة اجراها متحف الفن في شيكاغو فازت بالميدالية البرونزية وتناقلت قصتها الصحف الرئيسية مما اثار حنق السكان المحليين حول تصويرهم بهذا الشكل المتزمت الامر الذي دعا گرانت وود ان يبرر ذلك معتذرا ومدعيا بانه اراد في اللوحة تقدير الحياة الجادة البسيطة في الريف الامريكي خاصة وانه عاش في اوربا وعرف كيف يقدرالحياة الامريكية الصميمة بالمقارنة. وبمرور الزمن ذاعت شهرة اللوحة فاصبحت ايقونة امريكية للجد والهزل على حد سواء.

580-musadaq5 كما اصبح البيت الاصلي الذي رسمه مزارا و معلما تراثيا لالتقاط الصور بنفس الطريقة التي صور فيها كرانت شخصياته الخيالية.  

 

خاص بالمثقف

khadom shamhodيذكر ارباب النقد والتاريخ بان طرق الفن التي يمارسها الفنان منذ نشأتها في الكهوف حتى يومنا هذا تتلخص بثلاثة اساليب هي: الواقعية والمثالية والتعبيرية . والعنصر المشترك بين هذه الاساليب هي الحساسية الجمالية الفطرية والتي هي ثابتة في الانسان فلا يختلف فنان الكهوف البدائي عن الفنان المتحضر المعاصر .. ويمكن ان نضع الاسلوب الاكاديمي ضمن المدرسة الواقعية .. وقد ظهر منذ ان اسس افلاطون المعاهد الاكاديمة في اثينا ووضع منهجية للبحث العلمي تلتزم بقواعد معينة واصبحت الدروس تدرس بطريقة منهجية في ميادين وحقول المعرفة المختلفة ومجالاتها المتعددة ومنها الفن بجميع فروعه .. وقد تأسست المعاهد والاكاديميا ت في عالمنا العربي لدراسة الفن في بداية القرن العشرين .. ففي مصر اسس الايطاليون اول مدرسة للفنون في القاهرة عام 1898 واشرفوا على تدريس الطلبة المصريين .كما اسست الدولة المصرية مدرسة اخرى للفنون عام 1908 . وفي العراق اسس فائق حسن معهد الفنون الجميلة عام 1939 . وفي سوريا ظهرت اكاديمية الفنون عام 1960 . وفي المغرب اسس الاسبان مدرسة للفنون في تطوان عام 1945 . وفي الجزائر اسس الفرنسيون ورشة للفنون في فيلا عبد اللطيف اثناء الاحتلال ... وهكذا بدأت الدراسات الفنية بجميع صنوفها التشكيلية تسير على نمطية المناهج الاكاديمية الاوربية في جميع الاقطار العربية ...

62-salahjyad1صلاح جياد الاكاديمي:

يذكر الفنان اسماعيل الشيخلي بانه درس على يد الفنان فائق حسن في معهد الفنون الجميل مع مجموعة اخرى من الطلبة - 1939 .. وكان الاسلوب المتبع هو الاكاديمي . ثم حدث انقلاب كبير في طريقة التدريس بمجيئ الفنانين البولونيين الى بغداد عام 1941 -1942 . حيث اصبح التدريس ضمن الاتجاه الاكاديمي الانطباعي لان بعض هؤلاء الفنانين الاجانب كانوا تلاميذ الفنان الفرنسي بونار فنقلوا تجربته الانطباعية الى الفنانين العراقيين امثال فائق حسن وحافظ الدروبي وجواد سليم وغيرهم .. وقد تخرج على يد فائق حسن مئآت من الفنانين العراقيين خلال اكثر من اربعة عقود .. وكلهم يشهدون بفضله . .. ومن الفنانين الذين اعتبروا من (مدرسة) فائق هو الفنان العراقي صلاح جياد .. ويعتبر صلاح قمة واستاذا في عملية اداء الاسلوب الاكاديمي سواء كان في التخطيط الاكاديمي المنهجي للشكل او في معالجة الالوان وتوزيعها . وكان لصلاح فرشة عنيفة ضاربة حرة وحركات عفوية تقود الى تلقائية جميلة وتأتيه عناصر اللوحة طائعة حيث ما يشاء .. كما هو حاصل عند الفنان الانكليزي تيرنر 1775 - عندما كان يضرب بفرشاته العريضة القوية على الكانفاس فتصعد مع امواج البحر التي دأب على رسمها .. وكان صلاح مثيرا للاعجاب بين الاساتذة والطلبة وقدوة وعونا في الارشاد والتوجيه .. وكان يخاطبه الاساتذة باسم – استاذ صلاح - وهو اعتراف له قبل التخرج .. وكان ظاهرة فريدة موهوبة ومتفوقة ولم يضاهيه احد حتى من الاساتذة .. ويظهر تمكنه الكبير في السيطرة على ادواته واسلوبه الاكاديمي منذ بداية دراسته في معهد الفنون الجميلة ..

بدأ صلاح يتجه الى الرسم الحديث في وقت مبكر اثناء دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة .. وخضعت لوحاته الى الجانب التركيبي من مقاطع اشكال هندسية ورموز تاريخية وانشاء حر والوان منتخبة . واصبحت تأثيرات المحيط العربي واحداثة تستقطبه فكانت ظاهرة على اعماله خاصة القضية الفلسطينية وقضايا اخرى من عالمنا العربي .. .. ولكنني اراه في هذه المرحلة بالذات انه اكثر حرية في رسم المواضيع الاجتماعية واتجاهه الانطباعي الاخاذ الذي يطرب المتلقي حيث يذكرنا بسيزان وأئمة المذاهب الانطباعية .. فتظهر الشناشيل والاعراب والنساء القرويات وبائعات الماء وغيرها من المواضيع الشعبية . وهي مواضيع بارزة في اعماله نراها قمة في التقنية والابداع والجمال ..

 62-salahjyad3

صلاح في باريس:

عندما انتقل صلاح الى باريس عام 1976 هروبا من مضايقات النظام الدكتاتوري الشوفيني . بدأت مرحلة جديدة في حياته الفنية بل اننا نرى هنا ملحمة كلكامشية حقيقية في الفن ..فقد استدرج صلاح الموروث الرافدي فظهرت الاشكال السومرية والآشورية بوجوه محطمة مكتظة بالخطوط المتقاطعة العنيفة او غاطسة وسط شبكة عنكبوتية من الالوان والخطوط المتنوعة وبطريقة التفكيك .. ونشاهد عنف وضربات للفرشة قوية تتصاعد نبراتها بقساوة . وكأن صلاح يستدرج الماضي ودمجه بالحاضر الحديث بحثا عن الهوية .. الهوية التي ضيعتها القرون الماضية بفعل السياسات الخاطئة والحكام الجهلاء الذين اذلوا الناس واهملوا تاريخهم ومجدهم .. فنشاهد روؤس وثقوب واجسام مبتورة ووجوه اسطورية ورموز سومرية وغير ذلك ... وربما يريد صلاح بتحطيمه للجسد ان يستنطقه ويدخل الى اعماقه للوصول الى الحقيقة المستورة الغائبة في حضارة وادي الرافدين ....يقول بيكاسو: (الفن المصري والاغريقي لا يمتان الى الماضي انهما اكثر حياة اليوم مما كانا بالمس ..) ولهذا نرى ان الحضارة الرافدية لازالت تعيش حية وسط ابناء العراق من خلال من ما نراه من تقاليد وعادات ومصطلحات لغوية وحتى الازياء .. اما الدراسات المعاصرة في علم الوراثة فتثبت ان الجينات الوراثية يمكن لها ان تنقل الصفات النفسية والاخلاقية وغيرها من القرون الماضية ..

يذكرني اسلوب صلاح بفنان من جماعة Cobra يسمى Asger Jorn -1914 من كوبنهاكن حيث كان يتعامل مع الشكل بحرية مطلقة خاصة الوجه الذي تتقاطع عليه الخطوط والالوان واحيانا يستخدم الآيربراش في تغطية بعض المساحات ( figura abstraida -1962 ..) هذه الجماعة استخدمت العنف في عملها الفني كرد فعل لما احدثته الحرب العالمية الاولى من خراب ودمار لاوربا ... وقد عرضت في امستردام وباريس وغيرها من المدن الاوربية ...

كما تذكرنا اعماله الاخيرة بالفنان الامريكي جاكسون بولوك 1912 فقد كان بولوك في معركة وصراع عنيف مع اللوحة وكان لا يبدأ بتخطيطات مسبقة وانما يبدأ مباشرة بالعمل على اللوحة (اريد ان اعبر عن مشاعري اكثر مما اريد ارسم هذه المشاعر) .. وقد غادر الفرشاة في آخر ايامه واستخدم طريقة الرش والتنقيط، وكان يرسم بعفوية وتلقائية كبيرة مثيرة للجدل في وقته ...

 

العمل في الصحافة:

كنت قد درست مع صلاح في معهد الفنون الجميلة عام 1968 والسنة الاخيرة له من اكاديمة الفنون الجميلة عام1971 . كما عملنا سوى في مجلة مجلتي والمزمار منذ عام 1969 الى رحيله الى باريس عام 1976 . وكان نعم الصديق والاخ الطيب . واشتهر صلاح بمسلسلاته الجميلة في المجلة منها - رحلة ماجلان - واحمد بن ماجد، وغيرها من القصص التاريخية التي رفدت الاطفال بثقافة بصرية جديدة غير مألوفة سابقا في العراق . وكنا نعتبرها لوحات اكاديمية معبرة اكثر من كونها مشاهد قصصية للاطفال . لما تتمتع به من التناغمات اللونية والحساسية الجمالية الراقية .. وكان يرسم في المجلة بنفس الروح والحس الذي يرسم فيه لوحة فنية من ناحية الاسلوب الاكاديمي ومعالجة الشكل واللون وكذلك طلاقة الفرشة الانطباعية وتلقائيتها .. وكانت معظم اوقات صلاح يقضيها بالرسم كما كان صامتا . وهو صمت تركيز وتعمق وتأمل. يقول بيكاسو: (ان العمل الوحيد للمصور هو ان يمارس التصوير ..) (هناك مصورون يحولون الشمس الى نقطة صفراء، ولكن هناك مصورون آخرون يحولون النقطة الصفراء الى شمس بفضل فنهم وذكائهم ..)

صلاح جياد المسعودي من مواليد البصرة 1947 .. تلك المدينة التي شهد التاريخ لها قدما وحضارة حيث ولد فيها وترعرع عباقرة الادب والشعر العربي العمودي والحديث وكذلك شهدت مولد الفنان الكاريكاتيري احمد الخراط البصري في القرن الثاني الهجري/ الثامن ميلادي/ الذي اشتهر ايضا برسم الصور الشخصية .. وكانت البصرة تسمى الابلة واعتبرت من عجائب الدنيا السبع في ذلك القت .. تخرج صلاح من معهد الفنون الجميلة عام 1968 ومن الاكاديمية عام 1971 . اشتغل في عدة مجلات عراقية منها مجلة الف باء وصحيفة الجمهورية ومجلة مجلتي والمزمار وغيرها. كما ساهم في تأسيس جماعة الاكاديميين 1971 التي تتكون من الاستاذ المرحوم كاظم حيدر وفيصل لعيبي ونعمان هادي ووليد شيت . ثم غادر العراق الى باريس عام 1976 .. وفي باريس تخرج من مدرسة الفنون البوزار وانهى دراسة الدكتوراة في تاريخ الفن في كلية الفنون فيها .. اقام معارض كثيرة في داخل وخارج العراق وحاز على عدة جوائز ذهبية..و الحديث عن صلاح يقودنا الى ذكر الفنان فيصل لعيبي فهما توأمان عبقريان كانا ولازالا من قامات الفن العراقي المعاصر

 

ان ما ينفرد به الفنان فهمي في اغلب اعمالة الفنية هو الجمالية في استخدام الالوان الاساسية وتدرجاتها المتنوعة ناهيك عن المزاوجة ما بين الالون المكملة اي الثانوية والالوان الاساسية وتدرجاتها المختلفة حتى تجعلك ان تقف مبهورا امام هذه الكتل اللونية المختلفة والتي تخفي تحت بطانتها اسرار الموضوعة التي يراد ايصالها للمتذوق فاذا كان اللون هو واحد من اسرار الطبيعة سواء في عالمها المادي او الميتافيزيقي ولم تسطع كل النظريات النفسية والاجتماعية والفلسفية من اكتشاف اسرارة المكتنزة في ماهيتة بل انها وضعت لنا معاير وانطباعات بحثية مختلفة قد نتفق او نختلف معها في طبيعة هذا المعيار الا ان بعضها اصبح جزءا من الثقافة العامة عبر مدلولاتها المختلفة فاللون الاسود مثلا يدل على الحزن والابيض يدل على النقاء وهكذا بقية الالوان ودلالاتها التي فرضت علينا فرضا في الذاكرة المعرفية وليس في الجانب العقلي والتجريبي سواء جاءت هذه الدلالات المعرفية عبر صفة التشبية في الطبيعة او لاغراض سياسية مختلفة كما في دولة السواد ودولة البياض في العصور الاسلامية المختلفة حيث كانت الرايات تحمل في حينها معاني ودلالات سياسية وغير سياسية واستمرت هذة المعاني والدلالات الى يومنا هذا عبر الرايات المختلفة التي لا تتجاوز دلالاتها ما اشرنا الية سابقا واذا ما اردنا التمعن قليلا في تلك المعاني والدلالات فاننا بالتاكيد سوف لم نتجاوز الذاكرة المعرفية فاللون الاحمر مثلا وبحكم صفة التشبية للدم البشري وغيرة من الكائنات الحية ما هو الا دلالة عن الموت والقتل والرعب والثورة والخوف ولا يمكن لذاكرتنا المعرفية ان تصفة على انه دلالة حب وسلام وتالف ونقاء ولهذا نكون نحن البشر عموما مسيرين لتلك المعاني وليس مخيرين في البحث عن اسرار اللون بعدما وضعتنا تلك الاراء امام حقائق ودلالات شبة مطلقة لايمكن لنا من تجاوزها الا عبر رؤية الفنان وانطباعاتة المختلفة اثناء انتقاء واختيار الالوان في لوحاتة الفنية كما سبق للمخرج السينمائي دي سيكا ان غير كل الالوان الطبيغة بالوان مختلفة والتي تعبر عن وجهة نظر بطله الذي كان يعاني من حالة نفسية جعلتة ان ينظر للالوان برؤية اخرى عير الانطباع الذهني لدى دي سيكا في تفسير وتحليل الالوان الطبيعية والتي لم تشكل صدمة لدى المتفرج في عملية التناقض في الالوان ضمن وحدة البناء الدرامي بل انه استوعبها على انها وجهة نظر الشخصية التي تعاني من ازمة نفسية وبهذا نجح المخرج في ايصال انطباعة الذاتي الى المتفرج ذالك الانطباع الذي تحول الى مدرسة واتجاه في الادب والفن عموما عبر المدرسة الانطباعية والتي تركز على مفهوم الانطباع الذهني ومن اهم روادها اميل زولا وكلود مونية ومن خصائصها في مدرارس الفنون التشكيلية هي مدرسة الالوان المشرقة والمزاوجة ما بين اطياف الالوان المختلفة حتى كتب عنها اندرية ا- انا احس اذن انا موجود -وهي بعيدة كل البعد عن المدرسة الرمزية والتكعيبية في توظيف اللون على انه رمز عقلي وحسي على حد سواء وهو اشبة بالوتر الموسيقي كما قال عنها فاجنر

ولكي نضع بصمنا ورؤيتنا عن جمالية اللون في اعمال الفنان المتالق فهمي لابد من التركيز على انطباعاتنا الذاتية والتي تكمن من خلال متابعاتنا للاعمال الفنان و عن مدى علاقة الشكل بالمضمون او العلاقة ما بين المحتوى والشكل الجمالي وهل من الممكن ان يكون الشكل متناقض مع المحتوى ام متوافق معه ام مكمل ام ان لكل منها له عالمة الخاص وحسب الانطباع الحسي والذهني للفنان الذي يسعى ان يقدم لنا عالم خاص لم نكتشف اسرارة على الرغم من اننا جزء منه ولهذا قد ياتي المحتوى احيانا في المرتبة الثانية او العكس هو الصحيح انطلاق من ان كل منهما له عالم ومفهوم فكري وفلسفي وجمالي كما في مفهوم المدرسة الشكلية او قد بتوافق احيانا وقد يتناقض حسب رؤية الفنان وطبيعة المنهج الذي يتبناه وهذا ما اشعرنا به الفنان فهمي في لوحاتة المختلفة والتي تركز غالبا على جماليات الشكل واللون ويترك المتذوق في حرية كاملة لاستنباط المحتوى والذي يستشعر به كل متلقي وحسب قدرتة الفكرية والحسية والذوقبة ناهيك عن الاسقاطات المختلفة لكل متلقي سواء كانت تلك الاسقاطات في العقل الشعوري ام اللاشعوري وبهذا تكتسب لوحاتة صفة المطلق في مفهوم المحتوى وليس حالة محددة في الزمان والمكان ولهذا اعتقد بان اعمالة الفنية قد تجاوزت مفهوم الزمان والمكان المحدد وان المحتوى يدرك حسب طبيعة المتلقي وبغض النظر عن الزمان والمكان اي ان المحتوى في هذه الاعمال يمكن ان يصلح لكل زمان ومكان وبهذا حقق الفنان فهمي ما لم يحققة الكثير من الفنانين حول مفهوم الانطباع الذهني اوانه اختلف عنهم في تفسير مفهوم الانطباع عبر استخدام الالوان والاهتمام بالجانب الجمالي ومنحة المرتبة الاولى اي مفهوم الجمال اللاواقعي المستنبط من الواقع عبر رؤية الفنان وترسيخ مفهوم قديم وجديد على ان الجمال مفارق للواقع وهي مهمة لا بد من الخضوع لها لان الجمال يرتبط بمعاير وقيم مختلفة منها الاخلاق والالتزام مثلاوالتي تختلف عن مفهوم كلمة الفن العائمة في مفهوم المحاكاة ما بين محاكاة الواقع او محاكاة المثل الا ان هنالك امرا اخلاقيا في اساس كل نتاج جمالي وهذا ما يؤكدة الفنان فهمي وبهذا يضعنا امام معايير وقيم جمالية غير متحققة في الواقع بكل تجلياتة وعلينا بالبحث عنها وكشف اسرارها اولا في مكنونات الذات البشرية قبل النظر الى الطبيعة والبحث عن اسرارها الغير مكتشفة ومنها ماهية الالون وبهذا يضعنا الفنان فهمي امام محاكاة الذات عبر جماليات اللون وهي ليست محاكاة افلاطونية مثالية ولا محاكاة ارسطية للواقع بل هي محاكاة للذات الداخلية وتطهيرها من كل الامراض المكتسبة والمتوارثة جينيا او اجتماعيا اوالخ وبهذا يكتسب المتذوق عبر هذا المفهوم للمحاكاة الحرية المطلقة في التخيل عبر الوعي الذهني والحسي على حد سواء للكشف عن مكنوناتة الداخلية التي تصيبة احيانا بالفرح او الحزن او الفرح المركب او الحزن المركب احيانا وهذا ما اصابي عند مشاهدة اعمال الفنان فهمي حيث غالبا ما تكون الفرحة والبهجة تسري في مشاعرنا عبر الالوان الحارة والباردة وتدرجاتها اللونية التي تصيبك بنوع من النشوة الموقتة ثم ينتابك الحزن رويدا رويدا وانت تتامل الالوان التي تحرقك تارة وتطفئ لهيب مشاعرك تارة اخرى وما بين سعير اللهب وجماد المشاعر تقف مبهورا وباحثا عن رمزية الا لوان وما تعكسة من دلالات في روحك الغير المستقرة في موضع محدد حتى تكاد ان تصرخ ولو بصمت ولا تعرف ان كانت هذه الصرخة صرخة الم ام صرخة فرح

شكرا للفنا ن المبدع فهمي الذي جعلني ان ارى مكنوناتي الداخلية عبر اللون وجمالياتة المستخدمة كما ارى صوري في المرايا المختلفة الابعاد البؤرية

د طارق المالكي

ملاحظة- انا على بقين ان كل من يشاهد اعمال الفنان محمد بن فهمي سيخرج بانطباع قد يختلف او بتفق معي في الرؤيا

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=965236196837718&set=pcb.965238066837531&type=1&theater

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=965236233504381&set=pcb.965238066837531&type=1&theater

 

 

بافل ميخايلوفيتش تريتياكوف (1832 – 1898) – واحد من أشهر التجار الاغنياء الروس في القرن التاسع عشر، وقد كان عاشقا للفن التشكيلي الروسي، وكانت هوايته جمع لوحات الرسامين الروس الكبار في ذلك الوقت، وعندما اصبح عدد هذه اللوحات التي اقتناها كبيرا، قرر ان يبني لها بناية خاصة لعرضها والحفاظ عليها، وقد بنى فعلا هذه البناية ثم اهداها مع ما تحتوي من لوحات عام 1882 الى مجلس الدوما في مدينة موسكو، وقررت هيئة هذا المجلس ان تطلق على قاعة العرض هذه اسمه ومنحته لقب – مواطن الشرف لمدينة موسكو، وتم تعيينه مديرا لتلك القاعة مدى الحياة، بل ان آخر كلمة له قالها للمحيطين به قبل وفاته هي – حافظوا على قاعة العرض هذه . وهكذا اصبحت قاعة ( تريتياكوفسكايا غاليريا) بلوحاتها الرائعة واحدة من معالم موسكو التاريخية الجميلة، واحدى اهم متاحفها لحد الان، وقد توسعت هذه المؤسسة الفنية طبعا بمرور الوقت وتم افتتاح عدة فروع لها، ومن ابرز تلك البنايات التي اضيفت لها بناية فخمة بعدة طوابق مليئة بالمعارض الدائمة او المؤقتة والتي تغص باللوحات الفنية من كل ارجاء روسيا والعالم، وقد استلمت دعوة لحضور افتتاح معرض في الطابق الثالث من تلك القاعة الشهيرة ضمن الاسبوع الروسي للفن، الذي ينظمه الاتحاد الدولي لدعم الفنانين، والذي يشارك فيه فنان تشكيلي عراقي شاب اسمه حسين الجمعان، حيث يعرض عدة لوحات له، ومن ضمنها لوحة بعنوان – صرخة حمورابي ضد الارهاب، والتي قدمها للمشاركة في مسابقة دولية للحصول على احدى الجوائز . ذهبت طبعا الى هذا المعرض بكل سرور، ووقفت الى جانب هذا الفنان التشكيلي العراقي الشاب الشجاع مؤيدا ومساندا ومشجعا مع مجموعة كبيرة من العراقيين وعلى رأسهم السيد سفير العراق في موسكو، والذي ألقى كلمة في بداية افتتاح المعرض اشاد فيها بالفنان العراقي حسين الجمعان ومساهمته في هذا المعرض وتكلم عن موقف العراق من الفن منذ حضارات وادي الرافدين العريقة وحتى الوقت الحاضر، وامتدح لوحتة عن حمورابي معتبرا اياها نموذجية في طرحها لموضوع قائم امام البشرية جمعاء وهو - النضال ضد الارهاب، وربط كل ذلك بموقف الدولة العراقية الحالي في هذا الشان، وهي التفاتة ذكية وحاذقة بالطبع يجيدها الدبلوماسيون الكبار عادة لطرح افكارهم وعرض وجهات نظرالدول التي يمثلونها، اضافة الى ان حضور السيد السفير شخصيا الى المعرض يعد – بلا شك - دعما ممتازا للفنان التشكيلي العراقي الشاب حسين الجمعان واسنادا رسميا لمشاركته باسم العراق في هذه الفعالية الفنية الكبيرة والفريدة ، ثم تكلم سفير ابخازيا عن مساهمة بلاده في هذا المعرض وأشاد ايضا بالفنان الابخازي الذي عرض لوحات تدعو الى التعايش السلمي بين الشعوب، ثم تحدث رئيس الاتحاد الدولي للفنانين عن هدف المعرض وهكذا ابتدا الحاضرون بالتعرٌف على اللوحات وسط اجواء من الموسيقى الجميلة، وقد تاملت انا بالطبع لوحات هذا الرسام الشاب العراقي المتحمس للفن التشكيلي والفخور- بتواضع - بما انجزه من لوحات، والذي رفع هناك علم العراق جنبا لجنب مع اعلام دول اخرى، ووقفت طويلا عند لوحاته العديدة وابديت اعجابي بعدة لوحات تستخدم الحروف العربية الغريبة بالنسبة للمشاهدين الاجانب وتعكس روح الشرق الساحرة والمدهشة الجمال، وهو اسلوب شائع في الفن التشكيلي العراقي كما هو معروف، وشاهدت لوحات اخرى له يتناول فيها الخيول العربية وتلك الاجواء المرتبطة بها، ولاحظت لوحة يوجد فيها وجه امرأة موشٌح بالسواد، فقال لي الرسام انها رمز للحزن الذي يسود الان في وطني، وتوقفت بالطبع عند لوحته بعنوان - صرخة حمورابي ضد الارهاب، ولكن هذه اللوحة لم تبهرني على الرغم من الاستخدام الذكي جدا لعنوانها وتناغمه مع مشكلة هائلة تقف في الوقت الحاضر امام الانسانية كلها، وهو الانطباع العام الذي رأيته واحسست به عند المشاهدين الاخرين ايضا، و لكني اود ان اشير هنا، الى ان مشاركة الفنان التشكيلي العراقي الشاب في هذا المعرض الفريد من نوعه وفي قاعة عالمية مشهورة ورفعه لعلم العراق وسط اعلام الدول الاخرى في هذه القاعة – يعد بحد ذاته عملا رائدا ورائعا ويستحق كل الاعجاب والتقدير، وهو في نفس الوقت عمل شجاع حقا من قبل فنان شاب لا زال في بدايات طريقه الفني الطويل ولا زال امامه الكثير الكثير في مسيرته كي يتعلم ويتمرن ويصقل تجربته الفنية ويطورها كي تتبلور وتاخذ ابعادها الخاصة به وتجعله يقف بثبات وسط هذا العالم الجميل والملئ بالتنافس الحاد في نفس الوقت، وان يكون ابنا بارا لتقاليد الفن التشكيلي العراقي العظيم وتلك الاسماء الكبيرة اللامعة فيه من حضارات سومر وبابل وآشور الى جواد سليم وفائق حسن وبقية الفنانين العراقيين الآخرين، وهو ما نتمناه جميعا له ومن كل قلوبنا.

تحية للفنان التشكيلي العراقي الشاب حسين الجمعان، وتحية لموهبته الفنية الواضحة المعالم منذ الان رغم كل شئ، وتحية لشجاعته الادبية الفذة التي ادٌت به الى المشاركة في هذا المعرض العالمي، وتحية لمواقفه الوطنية المتميزة التي جعلته يطرح موضوع الارهاب بهذا الشكل المبتكر في هذه الاجواء الفنية الدولية ويؤكد موقف تراثنا الحضاري العريق تجاهه وباسم حمورابي بالذات الذي يجب ان يكون ضد الارهاب طبعا لانه أب لكل القوانين في العالم وهذا يعني ان الفنان اراد ان يقول ان الارهاب والقوانين ضدان لا يجتمعان خصوصا في وطن حمورابي نفسه، وتحية لجهوده الفردية ومبادراته الذاتية التي تعادل – ودون مبالغة - جهد مؤسسة باكملها، وشكرا جزيلا له على رفعه لعلم العراق جنبا لجنب مع اعلام دول اخرى في قاعة تريتياكوفسكي العريقة في قلب موسكو   .

 

 

mahmod saidالواسطي فنان عظيم، لا نعرف عن حياته الشّيء الكثير لكننا نعرف اسمه يحيى بن محمود الواسطي، ولا نعرف متى ولد؟ ولا نعرف أيضاً أين نشأ. أهم ما نعرفه أنه توفي في بغداد سنة 1237م، لكن لقبه الواسطي يدل على أنه ربما ولد في واسط، القريبة إلى الكوت الآن، والتي لا تبعد عن بغداد سوى بضعة ومئة كيلومتر. وكان لقب المدينة آنذاك يطلق على من ولد في مدينة معينة، أو من نشأ فيها، أو درس فيها، لكن رسوماته تصور الحياة البغداديةّ أفضل تمثيل.

إننا في الوقت الحاضر نعيش حالة هستيريةّ ظلاميةّ منذ 2003 وحتى الآن، فكثيراً ما هوجمت المرأة في هذا الوقت الشّاذ، واعتدي عليها، وانتقص من حريتها، بشتى الأعذار، فهي تارة متبرجة، وأخرى ناشز، وثالثة مستهترة، ورابعة خارجة عن التقاليد، وحجج أخرى ما أنزل الله ولا القانون ولا العرف بها من سلطان أو تعاليم أو خلق. مجتمعنا العربي من الأندلس حتى العراق، عاش بشكل عام والعراقي البغدادي بخاصة سبعة قرون متفتحاً، مسالماً، متعدداً، يسوده الإخاء والوئام بشكل لا نحلم به الآن.

ما يتسير لنا أن نرى واقع ذلك المجتمع المتآخي المتفتح على حقيقته إلّا بعد أن ننظر ونتمعن بعشرات الصور التي أنجزها فنانا العظيم الواسطي الذي عاش قبل نحو ألف عام.

رسم الواسطي أكثر من مئة لوحة كانت الأفضل في زمانها في أي مكان وزمان. ربما كان هناك رسامون وفنانون عظماء في زمانه، لكنهم قضوا معظم حياتهم في بلاط الحكام وقصور الأغنياء، فصورا جمال الملكات والأميرات والثريات الفاتن المعجز، لكنهم قلّما نظروا إلى المجتمع وصوروه على حقيقته كما فعل الواسطي، حتى جاء عصر النهضة وظهر إلى الوجود النظريات الشمولية من اشتراكية وشيوعية وازدهرت الفلسفات الإجتماعية في شتى أنحاء أوربا وسادت بعدئذ العالم كله، حينئذ جرى التركيز على ابناء المجتمع بغض النظر عن مكانتهم الشخصية، ومركزهم الاجتماعي، وكفاحهم في الحياة، ونضالهم لتحسين أوضاعهم الأجتماعية.

لهذا كان الواسطي في نظري رائداً للفن الذي يهتم بالناس، أي الفن الملتزم. صور فناننا العظيم المجتمع البغدادي خير تمثيل. فقد رسم ببراعة لوحات فريدة توضح ماذهب إليه الحريري في مقاماته، وكان الحريري قد سار على نهج الهمداني، الذي كان أول من ابتدع القصة القصيرة الفنية في التاريخ، القصة التي ابتعدت في مضامينها عن الأدب العالمي المعاصر له، إذ اهتمت بالناس والمجتمع بشتى طبقاته وشرائحه، فهناك الأمير والثري والجندي والفقير والمستجدي والتاجر، والمصلي وشارب الخمر، والراقصة والمتدينة. لم يحصر الهمداني والحريري ومئات كتاب المقامات "القصة القصيرة" أدبهم، وإبداعهم بفئة معينة قط، كان الشعب كله أبطالهم، كالأدب الحديث، ثم جاء الواسطي ليصور هذا الشعب والمجتمع.

ولعل الواسطي كان أول فنان عظيم عرض لوحاته في الجامعات والمراكز الأدبية والفنية فاقتناها حشد كبير من الناس منهم أمراء وملوك وأثرياء وعامة الناس، ليسوا من العراق وحده بل من جميع أقطار العالمين العربي والإسلامي، من الأندلس حتى الهند.

ليست هذه الأسطر القليلة دراسة أو شعاع ضوء على فن الواسطي، لم يدر بخلدي هذا، لكني أردت فقط أن أذكر بعض اللمحات المبتسرة عن مجتمع بغداد، آنذاك، وأخاله أيضاً مجتمع كل المدن الواقعة تحت نفوذ الدولة العباسية، فالحضارة تنتقل وتنتشر كما ينتشر الهواء في كل مكان، وعندما أقول بغداد فأعني لا بغداد حسب، بل دمشق وحلب وبيروت والقدس والقاهرة إلى قرطبة.

إن نظرنا إلى هذه الصّورة بتمعن فسنرى أشياء كثيرة تفصح عن طبيعة المجتمع المدني العربي والبغدادي وتكشف مدى الحريةّ التي نفتقدها الآن، حرية كان ذاك المجتمع يمنحها للمرأة، طيلة سبعة قرون انتهت قبل تسعمئة سنة:

572-said1

572-said2المرأة في هذه اللوحة تتمتع "كما أسلفت" بحريةّ حضاريةّ محجوبة عنها الآن مع الأسف، في هذا المنظر اجتماع في مسجد لسماع خطبة، تجلس النّساء في الطّابق العلوي، والخطيب والرّجال في الطّابق التحتي، ويبدو من الرّسم ما يأتي:

1- إن بعض هاتيك النّسوة لا يغطين أوجههن حتى في أوقات الصّلاة كما يفرض بعض المسلمين الآن وفقاً لمذاهبهم المتعصبة.

2- إن خمار بعضهن لا يغطي الوجه كله بل العينين فقط.

3- إن النّساء اللواتي اخترن الخمار لم يخترنه سميكاً ليحجب جمالهن، وواقع بشرتهن بل هو شفاف بحيث يبدو ما تحته واضحاً، أي أن الخمار يستعمل ليس لستر الوجه بل للزينة في الأغلب، فالعيون واضحة بما يكفي لإبراز جمالها وفتنتها.

4- إنهن متزوقات كلهن، يستعملن "المكياج" بشكل عام، فجميعهن يضعن أحمر الشّفاه، ويتكحلن، ويبدين زنتهن لكن بشكل محتشم لا غبار عليه، تحسدهن عليه فتيات اليوم وغاداته.

5- إن ستا من سبع نساء يبدين شيئاً من شعور رؤوسهن، وهذا يعني حريةّ لا يتمتع بها نسوة العراق الآن تحت نفوذ عمامات النّفاق والشّر والجهل والتعصب والظّلام السّوداء والبيضاء.

6- إن ملابسهن وطرازها فائق الجمال، متناسق الألوان، آخاذاً رائعاً، يفوق ما تستطيع المرأة الآن ارتداءه في الأماكن العامة.

هل يمكن أن يتخيل المرء وضعاً سيئاً بالغ الانحطاط للمرأة في العراق أسوأ من وضعها الآن؟ ألا يكفي لتصوير سوء الوضع أن زمانها وأوضاعها الاجتماعية قبل أكثر من عشرة قرون أفضل منه الآن؟

572-said3ثانياً: إن نظرنا إلى اللوحة الثّانية، فسنرى مجتمعاً متحرراً يحسده عليه مجتمعنا الحالي، هناك ثري أو أمير الخ؟ يحتفل في مناسبة معينة، جلب مجموعة من الرّاقصات، ومغنيةّ وجوقة عازفين على العود والصّنوج والمزمار والدّفوف، وساعة تصوير اللوحة كان الجميع مستمتعاً، المضيف والضيوف والفنانون. أين منه ظلام اليوم السّائد، فبين يوم ويوم تشن عصابات المؤلفة من رجال كهنوت قبيحين، ممسوخين، يقودون أميين حاقدين على المجتمع والبشريةّ والعراق والعراقيين، فيقتلون ويذبحون ويشردون، ويستولون على البيوت، والممتلكات. لا يسلم منهم أحد سوى المقربين من زعمائهم. هاجموا النّوادي بتهمة الخروج على النصوص، وهاجموا الحلاقين بتهمة الخروج على الآداب، وهاجموا النّساء بتهمة الخروج على الفضيلة، وهاجموا العلماء والمثقفين بتهمة الخروج على تعاليم غريبة تافهة لئيمة خالية من كل تفكير أو أحساس أو حضارة.

572-said4ثالثاً: هذه اللوحة تعبر بصورة لا تقبل لشك عن انفتاح هائل عاشته مجتماعاتنا العربية وبخاصة عاصمة الإمبراطورية بغداد فهنا يبرز الاختلاط واضحاً بين الجنسين.هناك شخص تسامره حببته، وخادمة تخدم الإثنين، وراقصة تبدو شبه متبرجة، فهي ترتدي تنورة تكشف السّاقين وقليلاً من فوق الرّكبة. وجوقة أخرى من الموسيقيين، والمغنين. وتشاركها شقيقتها اللوحة الثّانية في تصوير راقصتين عازفتين ترقصان وتحتسيان الخمرة، أو تقدمانها لمن يشربها.

572-said5

 اتمنى لو يشاهد هذه الصّور المعممون ليرجعوا إلى صوابهم وليعيشوا كما يهوون ويتركوا غيرهم يعيش بسلام.

570-GS4من الفنانين البارعين الذين تمتعوا بشعبية عالية خلال حياتهم وبعد مماتهم، التشكيلي الامريكي جان سنگر سرجنت John Singer Sargent الذي ولد في فلورنسا عام 1856 لابوين امريكيين موسرين فضلا ان يقيما في اوربا بين ايطاليا وفرنسا وانكلترا.

570-GS8درس سرجنت الفن في مدرسة الفن الفرنسية العريقة Ecole des Beaux-Arts والتحق باستوديو فنان البورتريه الفرنسي الشاب كارلو دوران Carolus Duran فتتلمذ على يده وتعلم منه رسم البورتريه مباشرة ودون الحاجة الى تخطيط، فاصبح صديقا قريبا لدوران وتأثر باسلوبه فكان الطلب على بورتريتاته عاليا مما مكنه من ان يؤمن لنفسه دخلا معتبرا.

570-GS1ورغم ان رسم البورتريه كان يستنفذ جل وقته وجهوده الا انه لم يتقولب على ذلك فقد برع في رسم مواضيع اخرى استلهمها خلال ترحاله الكثير ليس فقط عبر اوربا وامريكا انما حول الشرق الاوسط وافريقيا. وكان خلال تلك الزيارات شديد الملاحظة يرسم الطبيعة والمشاهد التي تستهويه من المدن والناس والاماكن التي يزورها اضافة الى مشاهد ذات موضوعات تعبيرية.

570-GS2كما انه لم يحدد نفسه بالرسم بالزيت وهو خياره الاول بل برع ايضا باستخدام الالوان المائية والتخطيط بالقلم، فكان فنان غزير الانتاج حيث انجز اكثر من 4000 عمل كان قد باع الكثير منها خلال حياته. كان سرجنت يتقاضى في المتوسط مبلغ 5000 دولار لكل بورتريه آنذاك اي مايعادل 130,000 دولار اليوم. وكان بعض عملائه الاثرياء يسافرون بزوجاتهم او عشيقاتهم من امريكا الى لندن للفوز ببورتريه يحمل توقيعه . وطبيعي ان تكتسبت اعماله شهرة وطلب اكثر بعد وفاته فقد بيعت احدى لوحاته قبل بضع سنين بمبلغ 23,5 مليون دولار. كان سرجنت ايضا ولوعا بالموسيقى وعازفا جيدا على البيانو وكانت له صداقات قوية مع مشاهير الفنانين في وقته امثال الموسيقار فرانز فوريه والرسامين ديكا ومونيه والنحات رودان.

570-GS9

في اواخر حياته ابدى سرجنت اهتماما خاصا بالجداريات خاصة عند عودته لوطنه الام امريكا. من الاعمال التي انجزها جداريات لمكتبة بوسطن العامة ولمتحف بوسطن للفن الحديث ولمكتبة جامعة هارفرد. توفي في لندن عام 1925 اثر مضاعفات قلبية وكان بعمر 69 عاما.

خاص بالمثقف

khadom shamhodكانت المدرسة الايطالية في عصر النهضة قد افرزت اساتذة عظام وآراء ومفاهيم قيمة في مسيرة تاريخ الفن واكتشافات مهمة وتجدبد في الفكر والفلسفة والتعامل مع اللون والخط والمساحة بروحية متطورة قضت على الجمود الذي كان سائدا في العصور المظلمة. ويمكن ان نميز في هذه الحقبة طريقتين في الرسم: الاولى هي استخدام الالوان النقية ومعالجة الظل من خلال اللون نفسه اي اذا كان اللون احمرا فظله احمر غامق، كما نشاهد ايضا هناك قطيعة بين الالوان المتجاورة . كما هو ماثل في اسلوب رافائيل 1483. وهذا الاسلوب النقي ظهر ايضا في المنمنمات الاسلامية ولكن مع الفارق في استخدام الخط والتسطيح .. اما الطريقة الثانية فهي تلامس الالوان بعضها لبعض بتفاعل وانسجام . وتمثلت في اعمال دافنشي 1452. وهو الذي دفع علم الضوء والظل الى اقصاه حيث قال: (... ان الاشياء التي تواجه العين تلمس بعضها بعضا في تتابعها التدريجي وفي اتصال لا ينقطع ...) وبعد قرون ظهرت النزعة الانطباعية 1872 على خط نظرية دافنشي ولكن هذه المرة مستمدة حركتها من علم نظرية الطيف الشمسي والادراكات الحسية بعيدا عن نزعة عصر النهضة المثالية .. كما شهدت المدرسة الوحشيه وزعيمها ماتيس تطورا ملحوظا في استخدام نقاوة اللون ونسبية الدرجات والشدة في الالوان .. هذه التيارات الفنية لعبت دورا هاما في تلك الظواهر الفنية التاريخية منذ العصر الكلاسيكي الى عصرنا الحاضر .. ونحن نذكرها لتكون مدخلا موجزا للتعريف باعمال الفنان العراقي فيصل لعيبي ..

 61-faysallaibi1

اللون عند فيصل:

في اعمال فيصل نشاهد استخدام الالوان بطريقة نقية حارة و قوية وتذكرنا باسلوب عصر النهضة ورافائيل وقد ذكر بعض النقاد ثلاثة طرق لاستخدام الالوان وهي : النقية والرمزية والغنائية .. ويضاف الى ذلك فاننا نجد تأثيرات الفنون الاسلامية من ناحية الالوان والتسطيح والزخرقة ظاهرة ايضا في اسلوب فيصل خاصة في ارضية اللوحة .. وتظهر الالوان في بهجة وراحة مما يجعل اللوحة تنبض بالحياة و الجمال .. فكلما كان اللون ثريا كلما كان العمل متكاملا. ليخلق السمو والراحة النفسية .. ولكننا من جانب آخر نرى الخط غائبا بشكل ملحوظ في اعمال فيصل الاخيرة ونحن نعلم بان الخط له دورا مهما في الايحاء بالكتلة او الشكل .. ولهذا فقد اخذت الالوان دور الخط في عملية التركيب للعمل الفني .. والتصوير الشرقي خاصة الياباني عادة ما يعبر عن الشكل بواسطة الخط الذي يخلق الانغام من خلال اللون المنتشر على المساحات المخصصة له ...

ينطلق فيصل باسلوبه من الواقعية المحورة ويمكن ان نطلق عليها بالتعبيرية ولكن تعبيرية هادئة مستقرة فيها الوجوه منتصبة ناظرة الى الرسام او المشاهد وبصمت مطلق .. وليس تعبيرية انفعالية تظهر فيها الفرشة منطلقة وضربات عفوية قوية كما هو حاصل عند ادوار مونخ 1863 و جماعة الجسر الالمانية 1905 .. وعندما سالنا فيصل عن السبب ان الوجوه اغلبها تنظر الى المشاهد وان بعضها متشابهة .. اجاب بان هناك في التراث السومري نجد مشاهد نحتية من هذا النوع ... كما تذكرنا اعماله الاخيرة بالفنان الفرنسي فرنان ليجيه 1881 . والفنان الكولمبي بوتيرو 1932 من ناحية دائرية شكل الوجوه او بيضويتها او تشابهها .. ولكن هذا النوع من الوجوه كان مألوفا في التراث الفني الاسلامي خاصة في مدرسة بغداد ورسوم الواسطي ...

 

الرومانسية عند فيصل:

61-faysallaibi2الرومانسية ظهرت بعد سقوط الامبراطورية الرومانية وقبل ظهور الفن الغوطي وكانت تمثل فن الاديرة والطبقة الاستقراطية وكان هناك تلاحم وترابط بين الاثنين لمصالح اقتصادية . وقد جاء ذلك في كتاب – الفن والمجتمع عبر التاريخ –لارنولد هاوزر - . واعتقد ان التاريخ يعيد نفسه اليوم حيث نجد ان بعض المعممين من الوعاظ خاصة في العراق قد استغلوا وجودهم في السلطة ليبنوا امبراطورية مشاريع ومؤسسات مبنية على حقوق واموال الضعفاء من الناس بحجج الاخماس والزكوات .....

ثم ظهرت الرومانسية مرة اخرى عام 1820 في فرنسا وانكلترا . ونجد هنا قد برز تياران من الرومانسية . الاول تمثل بمصورين اهتموا بالواقعية الشعرية الساكنة الموجودة في المرئيات والثاني هو تحويل الطبيعة سواء كانت حقيقة او خيال الى حركة مستمرة .. مثل المصور كونستابل 1776 وتيرنر 1775 ثم جاء من بعدهم ديلاكروا 1798 الذي حمل بصدق لواء الحركة الرومانسية .. بعض الاعمال عند فيصل تنتمي الى التيار الاول من الرومانسية حيث نجد فيها شاعرية ساكنة تمثل عالم المرئيات و المحسوسات فنجد هناك دقة متناهية في حركة الفرشاة او القلم تشعرنا بالروح الرومانسية .. اما تخطيطاته في الرسم فينساب فيها الخط برشاقة وجمالية عذبة وتعبيرية تنقلنا الى غنائية شعر عمر الخيام وصوفيته .. فيصل لعيبي متوع التقنيا والاساليب فهناك اسلوب فيه الشكل او الوجه محطم مقهور وممزق .. وهناك اسلوب الواقعية التعبيرية التي تتجسد فيها المواضيع العراقية والبغدادية الشعبية بالذات .. وهناك الاسلوب الاكاديمي الذي يخضع الى قواعد الظل والضوء والنسب الواقعية بمعنى النقل الحرفي .. وهذه الظاهرة نجدها عند عدد من الفنانين مثل بيكاسو حيث كان قد مارس اساليب كثيرة متنوعة حتى انتهى بالتكعيبية ..

 

فيصل الاعلامي:

كان فيصل اعلاميا وقد عمل في الصحافة منذ سنة 1966 الى سنة 1974 . فعمل في مجلة الراصد، طريق الشعب ¸عراق الغد، الثقافة الجديدة، وكان يرسم ايضا في مجلة الف باء وصحيفة الجمهورية .. ثم اشتغل في مجلة مجلتي وصحيفة المزمار في بداية ظهورها عام 1969 .. واشتهر في شخصيته المحببة - نبهان – التي حفرت صورتها في الذاكرة العراقية وقد طرب لها وغنى اجيال من الاطفال والشبان .. وكان لي الشرف ان اعمل معاه في المجلة وكنت كلما ادخل عليه في المرسم اجده يدندن وينشد مع نفسه الاغاني الشعبية ( يا الرايح البغداد كلة وخبره ...)

تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1968 واكمل دراسته في اكاديمية الفنون عام 1971 في بغداد وعندما حط في باريس عام 1974 درس في المدرسة العليا للفنون والسربون وتخرج منهماعام 1981 ثم انتقل الى روما وبقى فيها اربعة سنوات بعدها انتقل الى الجزائر عام 1989 ودرس مادة الفن في احد المدارس الى حد سنة 1991 ثم انتقل الى لندن .. في لندن اسس مع بعض المثقفين مجلة - المجرشة – عام 1992 .. وكان اول معرض له عام 1966 في بغداد ثم تبعه الثاني عام 1972 حمل عنوان – النساء والشاعر-. وفي عام 1971 ساهم في تشكيل جماعة الاكاديميين والتي كانت تتكون من الاستاذ كاظم حيدر وصلاح جياد ونعمان هادي ووليد شيت .. وقد اقام معارض كثيرة في انحاء مختلفة من العالم .. وفي عام 2009 صدر له كتاب عن اعماله وحياته يضم 508 صفحة بالالوان الجميلة والورق البراق آرت ويضم نخبة راقية وجميلة من اعماله المختلفة خلال مسيرته الفنية الطويلة التي زادت على الاربعة عقود ..

 

الموضوع في اعمال فيصل:

61-faysallaibi3فيصل له قدرة عالية وسيطرة كبيرة على التحكم في تخطيط الشكل واللون والانشاء ويعود الفضل الى دراسته الاكاديمية العميقة والطويلة وممارسته المستمرة في عمل الصحافة .. ولوحاته تنطق عن نفسها وهويتها ولا تحتاج الى عنوان . وتتمحور مواضيعه في المقاهي الشعبية والحلاق وبائع الشربة والنساء العراقيات بازيائهن التقليدية والشهداء . كما نجد هناك اعمال ذات طابع سياسي ونضالي تعكس عقود مظلمة مر بها العراق بعد الاطاحة بثورة 14 تموز عام 1958 . ولوحاته توثق ايضا مراحل تاريخية من العراق القديم . حيث نرى في اعماله ملامح من تراث وادي الرافدين تتجسد بالنظرات الثابته والعيون الواسعة والحواجب المعكوفة التي تذكرنا بمنحوتات كهنة سومر وبابل . كما نرى الزخارف الاسلامية تغطي ارضيات اللوحة بالوانها ونجومها البراقة المشرقة .. ونجد توهج في الالوان ونقاوة وطيب على الوجوه، وكأن الفنان يستعين بهذا اللون من المواضيع لاعادة الطمأنينة الى نفسه نتيجة للغربة القاسية .. يضاف الى ذلك فان فيصل واسع الثقافة وله بحوث كثيرة منشورة في مجال الفن والتاريخ . ويشرف على كثير من الندوات الثقافية في لندن وغيرها ... وقد التقيت معه في لندن اثناء اقامة معرضي في المركز الثقافي العراقي وكان لقاء ود واخاء كبير ... نتمنى لفيصل العمر الطويل والعطاء المستمر لانه يشكل بحق دائرة معارف في الفن والثقافة ...

60-firyalalaadamiفريال الاعظمي فنانة عراقية مغتربة حملت موروثها الثقافي طيلة ربع قرن وجالت بابداعها مدن الشرق والغرب فمن المتحف البريطاني في لندن عاصمة الضباب الى الولايات المتحدة.ومن دول الشرق الاوسط الى دول الخليج، لتحط الرحال في البحرين، وهذه المره بأستنطاق قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش فتسمي معرضها الثامن: (درويش، كيف أتلوعنك..؟ وأنت بمحراب الشعر امام..!).

60-firyalalaadami1ونحن نحاول ان نغوص في الكشف عن مكنون الابداع في مشروع الفنانة وأشتغالاتها المتميزة في تطويع الحرف العربي، نستذكر ما يرى (جوزيف كوست) من: أن الفن كمفهوم هو مجال تأملي عقلاني ونقدي، فهو بؤرة ﺍﻟﺘﻭﺍﺼل ﺒﻴﻥ ﻋﺩﺓ ﻤﻨﺎﻫﺞ، ﻜﺎﻟﻌﻼﻗﺔ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﺼﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﺭﺌﻴﺔ ﻭﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻤﻜﺘﻭﺒﺔ. لذا فأن الكيان التأملي هو ما تصبو له الفنانة بابداعها كمفهوم يعتمد على الدلالة التوثيقية فكريا لمنطوق ومدلولات الحرف ومجمل الجملة الشعرية عبر معايير جمالية تتوافق مع روح النسق الابداعي في جوهره ،فاشتغلت على بناء الحرف المنفرد كعنصر تشكيلي بنائي تشخيصي يجرد الجملة القولية من كونها مجال للتعبير فقط، الى بناء رمزي تعبيري تصوغها بمدلولاتها المنظورة والمضمرة .

60-firyalalaadami2معبرة عن ذلك في استخدامها للعديد من الخامات غير التقليدية في اللوحة المسندية بغرض الحصول على ملامس غريبة تستفز عين المتلقي، المتعود على القراءة للحروف والكلمات، اوجمل شعرية لها معاني محدده ومثيرة لما في نفسه من مدلولات.وذلك من خلال هذا البروز وانعكاس الظلال والضوء وروح اللون الطاغية بسطوعها، فاستطاعت بناء ابتكار جمالي من رموز اللغة وبناء عالم اقرب ما يكون الى السحر اللوني، الذي ينتمي لقيمة الحرف وقدسيته المتوارثه وروح المعنى.أنها مزجت بين نحت الشكل وتصويره في سلسلة أعمال عبر توظيف المساحات الهندسية الملونه توظيفا مثيرا لعين المتلقي. وبنزعة تبسيطية للشكل الغنائي في اللون،والميتافيزيقية في الفكر المجدد لروح الابداع. على خلفية استيطاق مكامن روح الشعر وتوظيفه جماليا ، ليكون رمزا وعلامة مكونة للغة تشكيلية ذات عصرية تجريبية مدهشه . تجاري ما يعطيه شعر محمود درويش من عذوبة وبساطة ، فهي تحاول جاهدة ان تدخل روح النص في الجملة الشعرية لدرويش في تجليات معاني الحرف. والمعروف أن قصائد الشاعر جمعت بتمكن ثلات ثيم وحولتها الى ابداع لغوي وهي الوطن والحب والام ..وهذا ما تبحث عنه الفنانة ايضا . فكان توالد الابداع بابداع مقابل ليكتمل في أطراف اللوحة .فحضرالوطن والزيتون ورمان حدائق بابل والقمر وحقائب السفر ومنديل الام وغيرها من مفردات درويش، حضرت بعنفوان وجداني عالي اكدت هذا التمازج والشعور المشترك بينهما.

60-firyalalaadami3فالفنانه في كل ذلك تحاول أكتشاف قوى الابداع في جوهر الموروث العربي اللغوي وتطويعه، فهي تشتغل على أن للحرف منفردا صورته الجمالية العينية الظاهرية مقابل صورته المعنوية الباطنية. فالمشخص هنا (وهو الحرف) لا تنحصر صورته بذاته فقط ولا بما ينطق ويؤول من معنى بل هو باطن يضمر روح المعنى . وهكذا نرى أن الاكتفاء بمحاكاة ظاهر الشيء لايقدم للمشاهد سوى الشكل السطحي للوحة تشكيلية غنية بالحروف والالوان و ما ان يقترب حتى تورطه في الغوص بعين المعنى فهي تؤول الدلالات والمعاني لتجعل من الافصاح عن روح المعنى مكنون في عدد الحروف وتقطيعها ككلمات تراكبيه لها مداليل مجتمعه .

فالفن عند (فريال الاعظمي) أذن، ليس فقط فن أغناء لموروث المتراكم المعرفي الذاتي، بل فن يذهب ليغني التراث العالمي بنفس عربي متميز مستمد من تحديث الجذور. ونرى بوضوح أن :المدلول الفني لأعمالها هو تبادل الادوار بين العلاقات التقليدية لفكرة ان الحرف للكتابة فقط وبين قيمته كمفرده في مشروع الحداثة في التعبير.

فتناثرالشكل الحروفي على سطح اللوحة الملونه ومن مختلف المواد المستخدمه من داخل التكوين الابداعي ، يولد لنا فنا آخر يمتلك روح من الخصوصية والمزاوجه بين الشعر والتشكيل، فنا لا يجهل ما ينجز من توافق بين الايدولوجية الجمعية وبين الابداع الفردي . حيث تقيم الفنانة وتركب مفرداتها الابداعية بين سكون ابداعي معاصر لا يخلو من تجريد حداثوي وبين انسجام مع روح الماضي الجمعي الخارج من عباءة المقدس المطلق الى رحابة الابداع الفردي..فالجمال كما يؤكد (أدورنو) (في ترابط ووعي ، بتشييد ما يحدث بطريقة غير متماسكة وغامضة في الاعمال الفنية) لكونها تستبدل مفهوم المقدس ورمزيته وتجعله يومي وقريب من الواقع ،أي تقربه من روح المتلقي البسيط وتغريه في المساهمة في عالم أكتشاف المتعة الجمالية. وخصوصا مع قصائد محمود درويش التي عشقها المتلقي وبقيت في ذاكرته.

تشتغل الفنانة فريال الاعظمي في تكوين لوحاتها على عنصرين غير متباعدين : الاول هو البعد الفراغي لفضاء اللوحة الممتد حتى الاطار، فعملت على الاستفادة من القدرة الجمالية لصراحة الالوان وقوة التضاد اللوني فمزجت الوانها بشكل يحمل روح الابهار الذي لا يبتعد عن روح الشرق بمدلولاته، اما العنصر الثاني فهو الجوهر التكويني للثيمة الحروفية المجسمه لبعد الحرف المنفرد والمتناثر على صدر اللوحة. وفردانية الحرف هنا اعطته قوة تعبيرية ، تضاف الى قوته كجزء من مدلول ثقافي لغوي للجملة التعبيرية التي اختارتها الفنانة مما ترك الشاعر من قصائد.

ويبقى هذا المعرض خطوة مهمه ومتميزة على طريق الحروفية العربية التي تحمل الفنانة همومها سنوات طوال. فهو قصة حب بين درويش والاعظمي شهودها الوطن والغربة ووليدها الحرف .

 

محسن الذهبي

ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا  

سؤال يراودني كما يراود الاخرين كيف جمع الفنان د كلش بين عنوانين متناقضين اي بين الحب والموت اوبين اللقاء والوداع وهل اراد ا الفنان من خلق صدمىة للمتلقي من خلال هذا التناقض قبل ان يشاهد العمل الفني او انة اراد ان يحدثنا عن وحدة الصراع ما بين المتناقضين وصولا الى المعنى الدرامي في الجسم الثابت اي اللوحة وعبر مفهوم المحاكاة للذات البشرية والواقع على حد سواء عبر عملية التامل الرومانسي وطغيان العاطفة وتسخير قوى الادراك العقلي والحسي لخدمة اغراض العاطفة كما اراد شتراوس وشيلي وشوبرام انها محاكاة عبر الانطباع الذهني وما يشعر به الفنان من عواطف هائجة اغلبها مترسخة في العقل اللاواعي واراد ان يتنفس بها ويعلن لجمهورة على انة موجود على الرغم من الوداع او الموت كلغة وتعبير عن التحدي للذات والواقع وكما اراد ديكارت او اندرية ومونية دعونا نتامل ونستقرئ اللوحة في جوانبها الموضوعية والتعبيرية والانطباعية وحتى الرومانسية ضمن مفهوم الشعور والحس

بعدما حدد لنا الدكتور كلش المحتوى اولا من خلال العنوان ثم بعد هذا تاتي الجمايات في اللوحة انطلاقا بان الموضوع الجمالي موضوع تخيلي تشترك في رسمة وتصورة الارادة الواعية والشعور والحس والحدس

عند التامل للوحة وضمن العنوان الذي اختارة الفنان د كلش حول موضوعة الحب القاتل او الوداع الاخير كعنوان ثاني للوحة فانةبالتاكيد سوف يحجم قدرة التخيل لل متذوق في الموضوعة من جانب ويطلق العنان للخيال والمخيلة ومراجعة الذات في نفس الوقت حول موضوعة الحب وكل ما يعترية من اسقاطات او تاملات على مستوى الشعور في عالمة الحسي والعقلي او ما بين العقل النظري والعملي ضمن التجربة الذاتية والمفاهيم الاخلاقية الموضوعية والنسبية وصولا الى حركة ذهنية للمتلقي وصراع ما بين المخيلة والمعرفة والارادة للفصل ما بين جمالية الحب والعشق والوداع الذي وضع بصمتة في الشعور واللاشعور اي في عمق الاجساد الميتة التي فارقها الحب تحت شعار الوداع او القتل وكما ارادة الفنان من تفجيرة لدى المتلقي والتي تبدا بالتنفس ك تنفس الصعداء على الذكريات المختزنة في العقل اللاشعوري اي عبر اللحظات المخزنة للوادع الاخير والذي شكل ويشكل لدى المحب المفارق ك رصاصة تنزف في الشعور واللاشعور لانسمع دويها بقدر ما نشاهد اثارها عند الانفجار او الانطلاق على حد سواء فاذا كانت جمالية المحب بكل معانيها الانسانية ترتبط بالشعور والذات الداخلية للفرد وصراعها اللامنتهي فاين تكمن الجلالة في العاشق التي جسدها د صبيح كلش في لوحتة والتي اطلق عليها بالحب القاتل او الوداع الاخير عبر الوعي الخيالي للفنان والذي قام بترتيب موضوعة بشكل استاطيقي حتى ارتفع به الى درجة اللاواقع عبر المزاوجة ما بين الاخلاق والجمال وصولا الى السلوك الواقعي عبر قيم الاخلاق التي تفرض الوجود في العالم عبر تفاوتها واختلافها ما بين الاجناس البشرية الا ان القاسم المشترك لها هو الفراق او الوداع او الموت كمافي روميو وجوليت وقيس وليلي ووووووووووووووووووووالخ

ولكي نبقى ضمن حدود اللوحة وما اراد الفنان التعبير عنة عبر الفرشاة والخطوط والالوان والكتل الفنية الموزعة ضمن حدود الاطار اذ احتل القلب في اعلى منتصف اللوحة الثيمة الاساسية للموضوعة لانة يمثل رمز الحب كما هو شائع اذ يمثل رمزا وتعبيرا وانطباعا لدى د كلش ومما زاد من قيمتة التعبيرية الجرج الذي كان على هيئة ثقب او دائرة وهو يتطاير في السماء بعد ان خرج من اجساد المحبين وهو ليس خروج نهائي بل هنالك ارتباط مع الجسد من خلال الاطار ا الثانوي الذي حددة الفنان بشكل متقطع وبهذا حدد المعنى لمفهوم الحب والوداع او الموت اي انه ليس خروج نهائي اذ لا يزال متشبت مع الجسد عبر مفهوم الشعور او اللاشعور عبر استخدام التشابة اللوني ما بين القلب والاجساد المتلاصقة للعاشقين على الرغم من وجود حاجز كبير يتجاوز مفهوم الصخرة التي وضعها الفنان في الجانب الايمن ومما زاد منعملية الامل في بقاء هذا الشعور هو استخدام الالوان الزرقاء والمطعمة بالوان اخرى تتناسق مع درجات اللون الازرق للسماء ناهيك عن الامتداد اللوني لظلال المعتمة للاجساد حتى تصل تلك الظلال الى مقدمة اللوحة وبهذة المعاني المتنوعة يصل هو المعنى الحقيقي لمفهوم التحدي عند الفنان د كلش الذي سبق ان اشرنا الية اي بمعنى ان كل الظروف التي يواجها الحب والفراق او الموت الا ان بصماتة تبقى راسخة في الشعور واللاشعور ويمكن ان تتفجر في اي لحظة عندما تتوفر لها الظروف كي تتنفس وتعيد الذكريات عبر المخزون السلبي والايجابي على الرغم من تركيز الفنان على الجوانب السلبية التي تقتل الحب او تضع له عدة حواجز من اجل الفراق او الوداع وبهذا المعنى الانطباعي لدى الفنان فانة يعكس صورة انتقادية عن المجتمع الذي يقتل الحب سواء عند ولادتة او بعدما ينعش الروح والجسد برعشة لا يدركها الا المحب والعاشق

وبهذا اجد بان د كلش قد وضع روحة وعشقة كي نرى تجاربنا المؤلمةعن الفراق والوداع عن لحظة من الزمن لا تزال خالدة في اعماقنا كخلود الفراعنة واعتقادهم ما بعد الموت

اتمنى التامل في اللوحة وبعنوانها لربما ستفجر لدى العاشق والمحب قصص وعناوين مختلفة

 

د طارق المالكي

https://www.facebook.com/tarik.almaliky.5https://www.facebook.com/tarik.almaliky.5https://www.facebook.com/photo.php?fbid=748531188516337&set=a.748686715167451&type=1&theater

 

 

563-orient1خلال القرن التاسع عشر، ونتيجة لشغف عدد من الفنانين والادباء الغربيين بالسفر الى مناطق الشرق الاوسط والاقصى وشمال افريقيا بوصفها مناطق مثيرة لحب الاستطلاع ومواطن لثقافات مختلفة لها تاريخ عريق، شاعت ظاهرة "الاستشراق" في الفن والادب واصبحت صنفا متميزا من صنوفهما.

563-orient5اهتم هذا الصنف بتصوير ووصف ودراسة الحياة الاجتماعية والتقاليد الثقافية والاحداث والمشاهد اليومية في تلك المناطق حتى اصبحت توثيقا وصفيا مباشرا لما يجري في الشرق بالاعتماد على تلك اللمحات السريعة والملاحظات الشخصية التي يسجلها اولئك الزوار اثناء ترحالهم. ولم ير احد في الامر ضيرا طوال قرن واكثرمن الزمن حتى ظهور كتاب "الاستشراق" للبروفسور الامريكي- الفلسطيني ادورد سعيد المنشور عام 1978 الذي كان انتقادا لظاهرة الاستشراق وبشكل خاص في مجال الادب، والادب الفرنسي بالذات.

563-orient2

فتوظيفا لافكار المنظر الماركسي الايطالي انتونيو گرامجي في نظرية الهيمنة الثقافية وطروحات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في المعرفة والنفوذ، ذهب سعيد الى وصف ظاهرة الاستشراق بانها انعكاس لفكر وثقافة السيطرة الاستعمارية الغربية على بلدان الشرق، الامر الذي جعلها تتجسد بمنظار الوصاية والاستعلاء حیث دأب المستشرقون الى وضع مجتمعات الشرق بمرتبة ادنى من خلال النظر الى مواضيعهم من علو. ورغم ان سعيد ركز على نتاجات الاستشراق الادبية لم تكن هناك اعتراضات فكرية بليغة حول نتاجات الاستشراق في الفن اذا استثنينا محاولة استاذة تاريخ الفن الامريكية لندا نوچلن التي اتبعت منهجا محاكيا لمنهج سعيد في معرض تحليلها الفني ولكن من منظار "انثوي".

563-orient3من الجدير بالقول هنا بان اغلب اعمال فناني الاستشراق كانت تصف مشاهد من حياة الشرق وكأنها منقولة بعدسات الكامرة. اي انها اعتمدت التوثيق المباشر بحكم 563-orient6اختلاف العملية الابداعية بين الرسم والادب الذي يعتمد على مدخلات الاديب الشخصية في العمل الابداعي كالتصور والخيال والموقف الفلسفي والسياسي ازاء الموضوع الذي يكتب عنه مما يجعل نتاجه اقل موضوعية واكثر ذاتية من عمل الرسام الذي يرسم المشهد كما هو وبموجب ما يرى امامه. وهذا لايعني بالضرورة ان اعمال الرسم الاستشراقية تخلو من رأي وتصور وموقف الفنان لكنها كانت بالمقارنة مع النتاجات الادبية اكثر موضوعية واقرب الى حال الواقع، وبالتالي اقل انطباقا على ما جاء به ادورد سعيد من استنتاجات.  

 563-orient4

خاص بالمثقف

بعيدا عن الاتجاهات الفنية واشكالها المختلفة وتعاقبها الزمني بحكم الزمان والمكان والظروف الموضوعية التي ساعدت على بروز كل الاتجاهات المختلفة كردود افعال على ما قبلها حتى اصبحنا امام اعمال فنية مختلفة باختلاف مبدعيها سواء كانت ضمن الاتجاة او الشكل الفني ناهيك عن تداخل تلك الا تجاهات في اعمال محددة اذ يمكن مشاهدة اكثر من عمل فني يضم عدة اتجاهات مختلفة من اجل ايصال المعنى الدلالي عبر الخطوط والكتل والاحجام والالوان والتي تتجاوز مفهوم الطبيعية والواقعية والفوتوغرافية عبر الرمزية والتعبيرية والسريالبة والتكعيبية ووووالخ وعلى الرغم من هذا وذاك يبقى الزمان والمكان واحدا من اهم اسرار اللوحة عند دراسة الزمنكاني من الناحية الفلسفية والميتافيزيقيا ونظرية المعرفة والفيزياء والسايكلوجية وتحديد تلك المعاني سواء كانت نسبية او مطلقة وحسب طبيعة اللوحة والاتجاة الذي تخضع له عند الدراسة والتحليل فاذا كان المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي للسطح الظاهر من الجسم المحوي ضمن مفهوم الخاص والعام وبهذا يمكن ان نحدد المكان هنا في اللوحةعلى انه الالوان والخطوط والكتل الموضوعة على قطعة القماش لغرض استقرارة في السطح كمفهوم مكاني الا ان الزمان يمكن ان ياخذ مناهج مختلفة عند دراستة منها الزمن الذي يستغرقة الفنان في اكمال اللوحة وكذالك زمن العرض وزمن الموضوع والازياء وهكذا بالنسبة الى مفهوم الزمان الجاري والمتدفق من الناحية الفلسفية او الطبيعية

ومن يتابع النشاط الابداعي للفنان د عاصم فرمان المنفرد في الغاء الزمنكاني في اغلب اعمالة الفنية ولانعني هنا الامكنة الادراكية التي تحدث عنها السايكلوجين الادراك اليصري او السمعي او اللمسي ولا من حيث الهندسة اللااقليدية والابعاد الثلاثة بل من حيث المكان المطلق او المثالي المعير عن الذاتية والموضوعية باعتبارة جزء لا يتجزا من الواقع ومعاناتة المختلفة ضمن المنهج والاسلوب المعير عن ذالك الواقع المرير بكل ابعادة اللاانسانية من حيث القتل والدمار والتهجير والصرخات التي تدوي في كل ركن من اركان ذالك الواقع المؤلم

وبعيدا عن الاراء الفلسفيةكالمذهب الهيولي او اراء الرواقيون او الايليلة وغيرها من النظريات والاراء وكذالك الامر من حيث ماهية الزمان والفاظة المختلفىة اذ ان الزمان والمكان لدى د الفرمان يتجاوز مفهوم الفوتوغراقي بغض النظر عن طبيعتة واسلوبة الا ان يبقى تجسيدا للحظة زمنية محددة لاطار مكاني ضمن حدود العدسة المستخدمة على الرغم من انه فن ذو بعدبن

 

ما هو السر الذي يمتلكة د عاصم فرمان في الغاء الزمنكاني

ان السر الذي يمتلكة د فرمان ليس من الطواطم التي يصعب فك طلاسمها او من الاساطير التي تجمع ما بين الخرافة والواقع او من الالغاز التي تحتاج الى تامل ومعرفة ادراكية بل ان السر يكمن في استخدام الوجوة البشرية او الراس تحديدا كمايقول عنة د فرمان ان الراس هو القيمة الاساسية لاعلب اعمالي كونة خلاصة الانسان بمشاعرة واحاسيسة وهو كذالك مستودع الذكريات والامال والاحباط وصدق ديكارت عندما قال انا افكر انا موجود او كما قال اندرية انا احس اذن انا موجودوانا اتفق مع راي د فرمان بان الراس يمثل العمود الفقري للكائن البشري سواء على مستوى الادراك المعرفي او على مستوى المشاعر والاحاسيس فاذا كان علماء النفس يركزون على لغة العين باعتبارها الباب الحقيقي للكشف عن المكنونان الداخلية عبر الشعور او اللاشعور فقد تجاوز د فرمان هذا المفهوم وجعل من الوجة اوالراس هو الاداة او رمز للتعبير عن الانسانية في زمن فقدت الانسانية شكلها ومضمونها في اغلب الاحيان ناهيك عما يعايشة وبتعايش معه الفنان وبشكل يومي حتى تحول الى بركان هائج من الصراعات المتداخلة وعبر عنها بخطوط ملتهبة تشعرك بحرارتها وصداءها المدوي حتى من كان به صمم او تبلدت مشاعرة الانسانية متجاوزا ومحددا مفهوم الزمان والمكان بشكلة النسبي او المطلق ولهذا نجد من الكتل الصغيرة في الراس ك الانف والفم والعين والاذن تعمق المعنى الدلالي للتعبير عن خلجات الانسان والفنان على حد سواء لهذا اصبحت الخطوط والكتل المتعرجة والمنحية تحمل معاني ودلالات مختلفة في كل وجة بشري ضمن البنى التكوينية للوحة بوجة عام اذ ان كل بنية تحمل معنى ودلالة مختلفة عن غيرها وان مجموع او توافق او تناقض البنى الصغيرة للوجة البشري ينتج عنها معنى ودلالالة جديدة لا تربتبط بالمعاني الصغيرة فحسب بل انها ترتبط بالزمان والمكان المحدد والمطلق لمفهوم الانسان والانسانية اذ ان الزمان هنا قد يكون ادراكي او محسوس شعوريا او لا شعوريا اذ قد يمثل الماضي او الحاضر او المستقبل والمكان كذالك يمكن ان بكون هنا و هنالك او جزء من الذاكرة الانسانية اي في كل بقعة من بقاع الارض الا اننا لا يمكن تحديدة بشكل واضح وصريح اذ انة من باب اللازمن واللامكان او الزمان والمكان الافتراضي الواقعي وليس الخيالي او التخيلي الافتراضي وبهذا تجاوز د فرمان حدود الزمان والمكان في بناء الموضوعة الفنية على الرغم من الذاتية والموضوعية في عملية الادراك والحس والشعور الذي ينتاب الفنان ضمن الواقع الذي يعيشة و ليس عبر جماليات اللون او غيرها من العناصر الجمالية المستخدمة في الفن التشكيلي او عبر المحاكاة المثالية او الواقعية او الرمزية بل هي محاكاة الذات الداخلية للكائن البشري وصولا الى مرحلة التطهير سواء كان هذا التطهير ايجابيا ام سلبيا وفي كلا الحالتين يتخذ الانسان او البشرية عموما موقف وهذا ما سعى الية د فرمان دون ان بقرض رايا او يصادر افكار المتذوق عن غيرة بل انه ينقل حالات انسانية تتجاوز مفهوم اللانسانية في القهر والعبوديى والالم والقهر والاصطهاد وكل ما يمكن ان يقال ولا يقال في مسخ انسانية الانسان في هذا الزمن وبترك المشاهد في حرية مقيدة من الصراعات الداخلية ما بين الشعور واللاشعور او ما بين المكبوت اللاشعوري والادراك المعرفي وبهذا تتحول روح الفنان الى مراة حقيقية يمنحها د فرمان الى المتذوق كي يرى عالمة الداخلي والواقعي على حد سواء وانا بدوري لا احب مصادرة افكار المتذوق عن غيرة واتركة للتامل في اعمال الفنان د عاصم الفرمان ومنها هذه اللوحة التي جمعت في طياتها كل المعاني والدلالات عن مفهوم الانسان المعاصر المستلب بكل انواع الاستلاب وربما يستنتج المتذوق معاني ودلالات اخرى لم يسعفني الادراك المعرفي من استنتاجها عبر تجربة واسلوب جديد يضم مئة راس في معاني ودلالات مختلفة مستلة من الوافع ومعبرة عنه باسلوب فني

 

د. طارق المالكي

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=842310112463661&set=ms.c.eJw1yckJADAMA7CNSk7H3n~_xQmifQqxIExmFBOtwrVoPn0fytGyt3dz3

4d9YN54jegQxL6KaE1M~-.bps.a.842308972463775.1073741881.100000540408179&type=1&theaterhttps://www.facebook.com/photo.php?fbid=842310112463661&set=ms.c.eJw1yckJADAMA7CNSk7H3n~_xQmifQqxIExmFBOtwrVoPn0fytGyt3dz34

d9YN54jegQxL6KaE1M~-.bps.a.842308972463775.1073741881.100000540408179&type=1&theater

 

 

58-jihanmohamadali3المرونة في الأحساس تطور يضيف للعمل الفني جمالاً

من عفرين حيث الطبيعة الساحرة في سوريا الى فضاءات أوربا (النمسا) حيث العوالم الفنية التشكيلية تحاول الفنانة جيهان محمد علي أن تجد لها اسلوبا خاصاً مبتكراً في الفن التشكيلي وهنا نحاول ان نشمل الجزء المهم الذي يسلط بدوره على الأجزاء الأخرى في العمل الفني وهو دور رؤية المرأة، فالمرأة صوت الحياة ولوحة الواقع بكل ألوانه الطيفية وعندما يمتزج اللون بالفصول الأربعة يكون تاريخ أرض ووطن وأنسان مهما يكن مهاجراً، مغترباً رغم أصبحت صورة الهجرة والغربة داخل الوطن أصعب وأقسى من الهجرة والغربة خارج الوطن، الفن بكل معطياته يجسد واقع قد يكون غريباً أو قريباَ منا، فكل الثورات الفنية لها مؤيديها ومعارضيها وثورة الفن قائمة بذاكرة متقدة عبر تحولات زمنية مرتبطة بأبسط المدلولات اليومية بحس مرهف وأدراك واعي، عندما يستفيق الفنان وفي ذهنه الفني رؤية فنية متجلية يقف أمام المساحة البيضاء التي تكون مطيعة لرؤيته وألوانه وفرشاته وأدواته وأسلوبه، يحس أنه أمام عمل فني يحتاج الى أحضار الأيحاء الروحي والأحساس والذاكرة المتقدة وحضور الخبرة الفنية والتقنية العالية في التعامل مع كل هذه الموجودات الذهنية الفنية وهنا بوسع الفنان ان يميز أن يكون أو لايكون كونه يجمع كل خيوط الشمس للعمل الفني، رؤية المراة واحساسها يلعب دوراً مهما في بناء الصورة الفنية بمرونتها الجميلة، فالمرونة في الأحساس تطور فكري يضيف للعمل الفني جمالاَ وبريقاَ .

58-jihanmohamadali2الفنانة سندريلا الخريف جيهان محمد علي أدركت ماتريد برؤيتها وأحساسها المرن بالأشياء ففعلت ماتريد لتسعد القلب والروح حتى لوكان بسرعة البرق، لوحاتها تصرخ بصمت لتقول مالايقال بوجه المجتمع والواقع وتتمرد بقوة بوجه الخطايا، لأن نبع الخطايا من رحم المجتمع كما قال الدكتور أحسان عبد القدوس (الخطايا لا تولد معنا لكن المجتمع يدفعنا إليها ...)، أسلوبها الضمني للألوان للأحساس للفكر هي الروح المغتربة عن الوطن عن أماكن الطفولة والحنين أليها، عن هذا العالم المتناقض، ألوانها أسلوبها يعبر عن رؤيتها عن ما بداخلها، في لوحاتها ترى المرأة حلم، ولادة، سندريلا الخريف، تمرد، صرخة، وهيام في الواقع واللاواقع في الوجود واللاوجود، في أغلب لوحاتها تعلن المرأة أساس الحياة ونورها ودفئها وحنانها رغم التسلط الذكوري ظاهرياَ، فلا يمكن مسح دور عظيم كدور المرأة في الحياة مهما كلف الأمر، كلما نضجت المرأة وازدادت نضجاً أحتوت كل المكونات والمحركات الفعلية للقدرة على التغيير والعطاء، وعطاء المرأة لاينضب مهما كانت قسوة الغربة وألامها وجراحاتها التي تشكل تكوين الفنان وتجعله أكثر أحساساً ورؤية،

58-jihanmohamadaliفمن محراب الغربة يولد الحلم والأمل والعطاء، تحس في لوحات الفنانة المتألقة جيهان ألوان متميزة تسرق النظر وعناصرها منقاة برؤية جمالية عالية وأشكالها تعلن عن وجودها وجزيئاتها المتقدة تنصهر مع الألوان لكنها كالجمرات تبث حرارة ولظاً تشعر المتلقي بالدفء والحنان وكبلورات الثلج الصغيرة تبث البرودة حسب مضمون اللوحة، كالشاعر عندما يصور في قصيدة حالات البركان ولهب النار وفي صور شعرية أخرى الأمطار والثلوج والضباب تذهب التصورات والاحساس الذهني الى هنا وهناك، يتجلى هذا الأيحاء والرؤية والتماثل بين الرسم والشعر هوأيحاء كامل متشابه في كل منهما مع أخذ النظر في الأدوات المستعملة المختلفة لكل منهما وقد يكون نجاحهما تشابه في الفكرة والمضمون وربما يتعلم أحدهما من الآخر أيحاءاً، ويستند ويؤازر بعضهما بعضاً وجوهر الأمر أن الفن واحد والأساليب والأطر مختلفة ولكل فن له عالم خاص به ولايمكن أن يحل محل الفن الآخر، فالرؤية الفنية والتقنية والشكل والمضمون والخبرة تحتاج الى أحساس يقظ ومشاعر راقية وثورة داخلية لكي يتجلى العمل الفني كما يراد له زاهياً منفعلاً مؤثراً، فأختيار الوسائل الفنية يجب ان تكون برؤية صحيحة غير ضبابية وبضوابط وهذا من شأنه أن يعزز العمل الفني المنظم أكثر من الأسراف في الوسائل فالوسائل المثالية المختارة كالخط ودرجة اللون والمزج وقيمتها وتأثيرها واللون نفسه والمساحة وهي غير متحررة من المضمون والرؤية وبناء الشكل الفني يحتاج بالضرورة الى عمق في التعامل مع أدق التفاصيل وهذا الذي أحست به الفنانة المتألقة سندريلا الخريف جيهان في التعامل مع أدواتها ووسائلها الفنية ورؤيتها الجميلة جازماً برأيي أن وجه المرأة وملامحهها ونظرتها وتقاسيم وجهها وشعرها له أثر فني كبير يؤثر مع أجزاء المضمون الفني بأختلاف وجهات المدارس التشكيلية المختلفة، ماتوحيه الفنانة سندريلا الخريف جيهان هو أنقلاب على الذات والمجتمع والواقع لأيجاد منقذ ما حتى لو كان مركوناً في الخيال الفني لإيقاظه من سكونه ووحدته وبعده وظلامه، والخريف هنا ليس وهناً كما يظن البعض بل له عطاءه الروحي والمعنوي والظاهري ومؤثر في الحياة بشكل كبير أكبر مما يتصوره العقل ويحس به القلب وتذوب فيه الروح، والخريف بألوانه وهدوئه له جمال ساحر خاص حتى النسمة فيه حنونة، حلم المرأة وجمالها ورؤيتها وثورتها وتمردها الجسدي والفكري والروحي كأنثى ناضجة تخرج من الواقع، فالخروج من الواقع المؤلم أنقاذ للروح للقلب للأحساس ولو لمدة ولحظات قصيرة، رؤية المرأة بكل مكنوناته وشكلها تصور الوطن الواقع الجبل البحر الغربة الدفء الحنان بفصول السنة كاملة بلا وهن وانكسار، وسندريلا الخريف الفنانة جيهان أيقضت الرؤية الجميلة للفصول الغائبة عن نظر الأنسان بكل جمالها وآلامها فهي واعية بكل الطرق الفنية التي تتطلع فيها الى العالم وتستوعب ماتحس به وتشعر به أن كان قريباً او بعيداً، تأثير لوحاتها مميز في الطبيعة والأماكن والأشخاص والألوان هذا فضلاً عن الواقع المؤثر جمالياً وسوداوياً، فهي من الفنانات المحظوظات الأقوياء صاحبة الأصرار العنيد التي تمكنت من أجتياز مراحل الحياة دون الأرتكاز لمرحلة معينة دون الأخرى بقدر ماهي مرور ذهني فني لها بحيث يدفع بالفنان الى الأمام والفنان لايدثر برداء حب الذات النرجسي لأن عمله الفني بمضمونه هوحالة تحويل لنفسه بهذه الدرجة وتلك ترتفع وتقل أحياناً، الفنانة سندريلا الخريف جيهان تحب عملها برؤيتها الخاصة فتندفع أندفاعاً أبداعياً أصيلاً وتهيمن عليه بهيمنة خلاقة حقيقية وتعلم بموهبتها ورؤيتها كيف تصيغ لوحتها لتحمل العالم على منح فنها ميزة الشرعية والتألق والأبداع والصدارة رغم كل الفصول .

 

............

• الفنانة سندريلا الخريف جيهان محمد علي من منطقة عفرين في سوريا عام 1972م

• أقامت أربع معارض في سوريا

• مقيمة في النمسا

• أقامت ثلاث معارض في فيينا

• أقامت معرضان في أقليم كيرنتن

• شاركت في معارض جماعية مع فنانين من دول العالم

• لها أسلوب خاص في الفن التشكيلي

 

521-liberty2"الحرية تقود الشعب" او "الحرية تتقدم الجموع" هو عنوان اللوحة الخالدة التي رسمها عام 1830 شيخ الرومانسيين الفرنسيين يوجين ديلاكروا (1798-1863) تخليدا لانتفاضة الايام الثلاثة الحاسمة بين 27 و29 تموز عام 1830 والتي اعتبرت بمثابة الثورة الفرنسية الثانية بعد الثورة الاولى 1789-1794. كانت هذه الانتفاضة من اجل الحفاظ على الحرية الدستورية التي سوفها چارلز العاشر والتي ادت للاطاحة به بعد ان ثار الشعب وفرض ارادته.

521-liberty

مثـّل ديلاكروا فرنسا عموما والحرية الفرنسية بشكل خاص بأمرأة جميلة ثائرة متحررة عارية الصدر وحافية القدمين تحمل بندقية بيد وعلم الثورة الفرنسية ثلاثي الالوان باليد الاخرى. وقد حرص ان يتشكل انشاء اللوحة هرميا حيث ترفع الحرية في رأس الهرم سيادة الوطن واستقلاله لكنها تنبثق من قاعدة عريضة قوامها التضحيات ممثلة بجثث الشهداء الذين سقطوا من اجل الوطن فيما يؤازرها الثوار من الجانبين بتعددية واضحة بين البسيط والمثقف والفقير والمتمكن والصغير والكبير والعسكري والمدني حيث تذوب كل الفروقات امام الولاء للوطن. ورغم ان ديلاكروا كان عضوا في فصائل المقاومة الوطنية الا انه لم يحمل السلاح في الثورة. وكان قد كتب لاخيه بعدئذ قائلا: ولانني لم اقاتل من اجل وطني فانني ارسم بحماس من اجل وطني".

521-liberty4يرى بعض نقاد الفن ان ديلاكروا وضع نفسه في اللوحة ممثلا القطاع الثقافي وكفاحه من اجل الحرية وهو الرجل ذو القبعة العالية الى يمين المرأة، فيما يرى آخرون ان ديلاكروا عمد فعلا الى تمثيل المثقفين في اللوحة لكن الرجل ذو القبعة العالية لم يكن ديلاكروا نفسه بل المخرج المسرحي أتين أراگو وبعضهم قال انه فريدريك فيلو الذي اصبح بعدذاك امينا لمتحف اللوفر.

521-liberty3مع مرور الزمن اصبحت لوحة ديلاكروا هذه رمزا للثورة الفرنسية بل اصبحت ايقونة عالمية للحرية الهمت العديد من الفنانين والشعراء والكتاب في كل مكان خاصة في قضية الترميز للحرية بالمرأة الجميلة الثائرة. يقول النقاد ان تمثال الحرية الامريكي الذي انجزه النحات الفرنسي بارثولدي عام 1886 كان من وحي هذه اللوحة بتجسيده الحرية بامرأة تحمل مشعلا بيدها اليمنى وترفعه عاليا. كذلك يرى بعض النقاد ان فكتور هيوگو اختلق شخصية الفتى گافرك في رواية البؤساء بوحي من الفتى الثائر في اللوحة الذي يحمل مسدسين. ولاشك فان فناني القرن العشرين خاصة اولئك الذين خلدوا الثورة السوفيتية والصينية وبقية الثورات الاشتراكية استخدموا مفردات المرأة والعلم والمشعل والسلاح والشهيد وتقدم الجموع بشكل انسجم كثيرا مع لغة وترميز ديلاكروا في هذه اللوحة

 

خاص بالمثقف

516-venus2من اشهر لوحات عصر النهضة لوحة "مولد فينوس" The Birth of Venus التي رسمها عام 1486 الفنان الايطالي ساندرو بوچيللي Sandro Botticelli - 1445-1510 بتكليف من لورنزو مديچي Lorenzo Medici احد اعيان عائلة مديچي الفلورنسية الموسرة والمتنفذة آنذاك.

516-venus1

كان لورنزو مديچي يعتبر نفسه سادنا مخلصا للمشهد الثقافي في فلورنسا، وكان من مظاهر رعايته للثقافة ديوانه العامر الذي يلتقي فيه كبار الشعراء والادباء والفنانين ليتداولوا في مختلف شؤون الثقافة. في عام 1486 وجد لورنزو نفسه مفتونا بقصيدة من قصائد الشاعر الرقيق انجلو پوليزيانو Angelo Poliziano التي كانت تصف جمال ورقة فينوس التي خرجت من البحر في يوم خريفي صاف حملت فيه النسائم الناعمة دفقا من اوراق الشجر الذهبية والزهورالملونة، فيما ظهر اله وآلهة الريح زفير Zephyr و أورا Aura لينفخا فينوس وهي عائمة على صدفة سكالوب فيأخذانها الى الشاطئ حيث الحورية التي ستقدم لها الرداء لتغطية مفاتنها.

516-venus3من فرط افتتان لورنزو بالقصيدة الجميلة دعا صديقه بوچيللي لتحويلها الى واقع تراه العين فيكتمل الابداع بين الكلمة والصورة. وهكذا جسد بوچيللي بامانة ومهارة عالية ما كان في القصيدة من وصف عن قدوم فينوس الى الارض ، وهو الامر الذي جاء متوافقا مع الميثولوجيا الرومانية واعمال اشهر الادباء امثال فرجل Virgil وهومر Homer وهيسود Hesiod.

516-venus4يذهب نقاد ومؤرخو الفن الى ان قصيدة پوليزيانو ولوحة بوچيللي جسدتا بامانة فلسفة الحب الافلاطوني التي صورت فينوس كآلهة للحب والجمال في مظهرين: مظهر سماوي ملائكي يبعث الحب الطاهر في القلب والضمير ومظهر دنيوي يثير العاطفة ويشعل الشهوة في الجسد، وهذا مالايبتعد عما قاله افلاطون بان اشباع الرغبة في جمال الجسد يلهم العقل ويبث فيه الحب الروحي. ولاشك فان مغزى تقديم الرداء من قبل الحورية الى فينوس هو ايذانا بقدومها الى الارض حيث يكون من المناسب تغطية مفاتنها انسجاما مع دورها الدنيوي.

zouher sahebيُكتب إسم سومر بالعلامات (ki - en – gi)، والدلالة العلامية للنص، هي أرض سيد القصب، والمهيمن في دلالة الملفوظات هنا، هو الأله (إنكي) إله المياه، ومرجعيات الخطاب هي خاصية بنية البيئة السومرية، إذ ولدت الكلمة الأولى (متخفية) بين أحراش القصب والبردي. ويقترح المرحوم العلاّمّة (طه باقر): "بأن أول النصوص الملحمية التي وردَ فيها إسم السومريين، كان في ألقاب ملوك حضارة بلاد الرافدين، وهو لقب (ملك بلاد سومر وأكد).. إذ إتخذ هذا اللقب الملك السومري (أوتو ـ حيكال) الذي طرد الغزاة الكوتيين وحرر البلاد منهم" (طه باقر، 1973، ص58).

وكتب أحدُ المؤرخين السومريين، إن كتابة (التاريخ) تعني حفظ إبداعات الإنسانية من الضياع. وذلك كشف فكري عظيم في جدلية كتابة التاريخ. فبالأضافة لتوثيق التاريخ بدلالة الفن، كانت لدى السومريين (أثبات) تلخص أسماء الملوك وسني حكمهم. ومن المؤسف أنهم لم يعلنوا عن نهاية زهوهم الحضاري، الذي إفترضنا بدايته تجاوزاً في (3500 ق.م). وربما كان ذلك يحزنهم، فلو سألت أحدهم: مَن الذي أقام هذه الحضارة على أرض الرافدين؟ لأجابك لا أدري، ربما بناها الجميع. ومع ذلك، يمكننا ان نحدد نهاية عصرهم الذهبي وهيمنتهم السياسية في (2370 ق.م)، عندما إعتلى (سرجون) الأكدي عرش الحكم.

ومع ذلك فأن الثراء الفكري السومري، بصدد الكم والكيف، لا توقفه حدود مصطنعة، إنه أقوى من أن يَقف عند حدود، فهو مُلكُ الأنسانية وإرثها الحضاري، الذي مازال حياً ومتحركاً حتى هذه اللحظة.

أقترن ظهور المدن السومرية بفكرة نشوء العمران الحضري، ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا أكدنا القول، أن الحضارة السومرية تفردت بأول ظهور لنظام دويلة المدينة، على أنه أول شكل من أشكال الحكم في التاريخ البشري. لنمو فكرة المواطن والمواطنة والولاء الأعظم لدويلة المدينة.

والمدن السومرية كالوركاء في المثنى، وأور في الناصرية، ونفّر في الديوانية، ولكش في الشطرة، وكيش شمال بابل وغيرها الكثير، إذا قِيست بمدننا اليوم كانت صغيرة، ولم تنقطع الصلة بين سكانها وبين الأرض، بل الأمر بالعكس، كون معظم السكان يسترزقون الحقول المحيطة بهم، وكلهم يعبدون آلهة تمثل قوى الطبيعة، ويساهمون جميعاً في شعائر وطقوس يحيونها عند نقاط التحول في الفصول الزراعية. وعلى هذا المنوال إنتظمت حياة الجماعة بموجب كم متوارث من التقاليد والأعراف، التي أصبحت بعد نجاح تطبيقها مقبولة ومرغوباً بها من قبل الجميع كونها إستهدفت النفع العام.

وبلغ محيط مدينة الوركاء – عاصمة البطل كلكامش – زهاء تسعة كيلو مترات، ومساحتها تجاوزت الستة كيلو مترات مربعة، وعدد سكانها تجاوز مائة ألف نسمة. وقد نُظّمت المدينة حضرياً، لتشمل ثلاثة مراكز رئيسية، أهمها حارة المعابد في مركز المدينة. وتلتف حول مقترباتها الأراضي الزراعية الخصبة، التي تقطّعها أعداداً كبيرة من القنوات المائية إلى أجزاء. أما القسم الثالث فهو ميناء المدينة، الذي تنتظم الفعاليات التجارية فية. وهي بذلك تشبه التخطيط الحضري لأي مدينة عراقية لعهد قريب.

ولنا أن (نتصور) التخطيط الحضري لدويلة المدينة السومرية، التي يقّسّم مساحتها عدد من الشوارع الفسيحة والأزقة الضيقة، وقد بُلّطت إرضياتها ورصفت بخليط من الرمال والحصى الناعم، الذي اكتسب صلابته مع مرور الزمن، ليكون مناسباً لسير العربات السريعة ذات العجلات الخشبية. وقد توزع بانتظام على جانبيها - الشوارع - عدد من الحارات السكنية، حيث نموذج البيت السومري المُشيد من اللِبن، وتتوسطه عادة ساحة مكشوفة تتوزع حولها غرف السكن.

وأجمل أجزاء المدينة السومرية كان مينائها، الذي تتجمع فيه السفن بأشرعتها الملونة، وتتلاقح الثقافات وتختلط. و يهمنا هنا أن نورد قصيدة شعرية سومرية تصف جمالية المدن السومرية وعلى الأخص مدينة (نفـّر):

 

أنظر تماسك السماء والأرض (المدينة)

أنظر الجدار الجيد (المدينة)

أنظر (أيداسالا) نهرها الصافي

أنظر (كراكرونـّا) مرفأها الذي ترسو

عليه السفن

أنظر (بولال) بئر مائها العذب

أنظر (أدنبردو) قناتها النقية

أنظر (إنليل) عريسها الشاب

أنظر (ننليل) عذراءها الفتية.

 

وفي ملحمة (كلكامش) الخالدة، يَرد نصاً يصف بشاعرية جميلة، جمالية دويلة المدينة السومرية:

أنظر يا أنكيدو سور الوركاء الخارجي،

تجد أفاريزه تتألق كالنحاس، أجل يا أنكيدو

تعال إلى أوروك المحصنة، حيث يلبس

الناس أحلى الحِلل، وفي كل يوم تقام

الأفراح في أسواقها كالعيد.

 

وفي بلاد سومر نشأت أول أنظمة الديمقراطية في العالم، ففي دويلة المدينة كانت السلطة السياسية العليا والقضايا التشريعية بيد مجلسين، هما الشباب والشيوخ، وينتخب أعضائهما عادة من الشعب. إلا أن حرية الأفراد لم تكن مطلقة في كل الأحوال، وإنما تسير ضمن حدود النظام، إذ حفظت حقوق المواطنين ضمن سلسلة طويلة من الشرائع القانونية. وحين عزم كلكامش وصديقه أنكيدو القيام بسفرهم البعيد، لقتل (خمبابا) حارس غابة الأرز. خاطب مجلس الشيوخ في مدينة الوركاء قائلاً:

إسمعوا ياشيب (شيوخ) أوروك ذات الاسواق، أُريدُ أنا كلكامش أن أرى مَن يتحدثون عنهُ، ذلك الذي ملأ إسمه البلدان بالرعب، عزمتُ على أن أغلبه في غابات الأرز، وسأسمع البلاد بأنباء إبن أوروك، فتقولوا عني: ما أشجع سليل أوروك وما أقواه.

 

ثم خاطبه شيوخ أوروك قائلين:

عسى أن ينصرك إلهك الحامي، وعسى أن يُرجعك سالماً في طريق عودتك إلى بلدك، ويعيدك سالماً إلى ميناء (أوروك).

 

ويوصف الأقتصاد السومري في كثير من الأحيان، بأنه إقتصادٌ زراعيٌ، إلا إنه كان يقوم من ناحية أخرى على الصناعة. لان القوانين التشريعية السومرية، كانت قد قدّمت لنا وصفاً للعديد من الصناعات والحرف اليدوية، كأعمال الصياغة والتطعيم والطرق على النحاس وإنجاز الأسلحة الحديدية والذهبية، وإبداع أشكال العديد من الأواني الذهبية بأساليب الصب المتنوعة. ويؤيد ذلك خطاب الإلهة (عشتار) إلى كلكامش بعد عودته منتصراً من مغامراتهِ في غابات الأرز:

ستكون أنت زوجي وأكون زوجتك، سأعدّ لك مركبة من حجر اللازورد والذهب، عجلاتها من الذهب، وقرونها من البرونز، وسأربط لجرها (شياطين الصاعقة) بدلاً من البغال الضخمة.

ومن موانئ المدن السومرية، تحركت السفن الشراعية مُحَّملةً بالتمور والحنطة، نحو دَلمون (البحرين حالياً) ومگان (عُمان حالياً) وحتى الهند، لجلب الذهب والنحاس والأحجار الكريمة الملونة، مقايَضةً بما تحمله من بضائع ومواد غذائية. وفي نفس الآن إنطلقت العربات السريعة وقوافل الأفراد نحو أفغانستان وإيران وجنوب تركيا، لإحضار ما تتطلبه المعتقدات الفكرية المرتبطة بعالم ما بعد الموت، وما تحتاجه أبنية المعابد، وكذلك أعمال الفنون التشكيلية من خامات ذات بريق سحري. لعلها تجد حَلاً لأشكالات الفكر السومري الذي أعياه قلقه الوجودي. ولعل ظهور بعض الأختام الأسطوانية السومرية في تلك الأماكن النائية، يمكن أن يجد تعليلاً لهذا النوع من الأتصالات التجارية.

"هو الذي رأى كل شيء، فغني بذكره يابلادي، وهو الذي عَرفَ جميع الأشياء وأفاد من عِبرها، وهو الحكيم العارف بكل شيء". مطلع ملحمة كلكامش، والذي يشّفر كنظام من نسق العلامات في قراءتهِ الأفقية، عن بنية الفكر (الأبستمولوجية) وإهتمامه بالمعرفة. شعب (سومر) أوجد نظام الكتابة الصورية، ثم إختزلها الى رموز معرفية، وأوصلها الى نظامها الصوتي المقطعي، حيث ترتبط دلالة الصوت بوصفه (دالاً) بالمفاهيم الفكرية المتحركة في بنية الفكر السومري كقيمة (مدلول).

شعب سومر الرفيع الثقافة، أوجَد نظام السُّلّم الموسيقي، وإحتفل بتعظيم القوى الماورائية في أول مراحل الفلسفة المثالية. إنسانية الفكر السومري وضعت الأنسان على أنه أعظم قيمة في الوجود، حين دوّنَ أعظم مشرعية: "جئت لأخلص الضعيف من القوي، ولن أدع أحداً ينام وهو جائع". هذا الإبداع الفكري الأصيل، والكشف الإبداعي الأول في تاريخ الفكر الأنساني. يشكّل الجوهر في (ذهبية) المشهد الفكري في سومر العظيمة، بوصفه تعبيراً جاداً عن الزمان والمكان، فهو صورة حية لتألق تلك القيم الثقافية الخالدة، فأنبعثت شرارة الوعي إنعكاساً لهذه الفاعلية المتحركة، بفعل إدراك فكري ذي بنية إجتماعية وروحية شاملة.

إن أول مدرسة في تاريخ الفكر الإنساني، كانت قد أُسست على أرض سومر في بلاد الرافدين، إذ عرفَ السومريون الكتابة لأول مرة في التاريخ. فقد أُكتشف ما يقارب الألف لوح طيني، يحمل بعضها نصوصاً كتمارين مدرسية. فقد كان التفكير منصّباً في طرق التدريس، وإن عدد الذين مارسوا فن الكتابة حينذاك يَزيد على الآلاف، فمنهم مَن كان كاتباً من الدرجة الأولى، والآخرون مساعدون، ويُصَنفون على أنهم كتـّاب حكوميون أو دينيون، وكان بينهم إقتصاديون وإداريون وموظفون بارزون في الدولة.

وأكتشفت (ألواح) تحمل تمارين كتبها الطلاب أنفسهم، كجزء من واجباتهم اليومية، وكانت تترواح بين كتابة المبتدئين و بين الذين أوشكوا على التخرج. وكانت أهداف المدرسة السومرية في البداية، تقتصر على تعلم اللغة وتدريب الموظفين في حقلي الإدارة والاقتصاد، ليعملوا في دواوين الدولة والمعابد. ومن ثَمَ تطورت أهداف المدارس وأصبحت مراكز للعلم والثقافة، فتخرج منها العلماء والباحثون الذين درسوا مختلف فروع المعرفة كاللاهوت وعلم اللغة والنبات والحيوان والجغرافية والتعدين والرياضيات.

وتُفصح الكتابات إلى أن (الطاعة) كانت المبدأ التربوي الأساسي الذي يُسيّر نظام التعليم في المدارس السومرية. وبحوزتنا نشيد يُردده الطلبة في الصباح الباكر، يصف عصرهم بعصر الطاعة ومفاده:

"يوم يحجم المرء عن السفاهة أزاء غيره، ويكرّم الأبن أباه، يوم يبان الأحترام جلّياً في البلاد، ويبجّل صغير القدر الكبير، يومَ يحترم الأخ الصغير أخاه الأكبر، ويُرشد الولد الأكبر الولد الأصغر، ويتمسك الأخير بقراراتهِ. (الكبير)

وكان مدير المدرسة يُسّمى من قبل الطلبة أب المدرسة والطالب إبن المدرسة، أما المدرس فهو الأخ الكبير وواجباتهِ تتعلق بكتابة (ألواح) جديدة كي ينسخها الطلاب، وتصحيح ما نسخوه، وسماع ما حفظوه من واجبات الأمس. وتضم المدرسة أعضاء آخرين، كالمسؤول عن الرسم ومراقب الحضور والمسؤول عن حفظ النظام.

وتفصح الكتابات السومرية، بأن الحرية ضمن حدود النظام، كانت هي الطريقة الأخلاقية المُثلى المتبعة في نظام الفكر الأجتماعي. ومن المؤكد أن تبدو (الطاعة) في حضارة ترى الكون كله على صورة دولة، هي الفضيلة العظمى. لان الدولة قائمة على (الطاعة) والخضوع للسلطة. فقد كانت الحياة الفاضلة السومرية هي الحياة (المُطيعة)، إذ يقف الفرد في مركز دوائر متلاحقة من السلطة تُنظم حرية عمله ونشاطه، وكانت أقرب وأصغر هذه الدوائر تتألف من السلطات التي ضمن أسرتهِ: أبوه وأمه، أخوه الأكبر وأخته الكبرى. فقد أوصى السومريون مراراً بأن: إسمع كلمة أُمَّكَ مثلما تسمع كلمة إلهك، وإحترم أخاك الأكبر، وأسمع كلمة أخيك الأكبر كما تسمع كلمة أبيكَ، ولا تُغضب قلب أُختكَ الكبرى.

ولعل في إكتشاف الكتابة، وتأسيس أول مدرسة، ووضع أنظمة التخطيط الحضري والأقليمي، وعدالة القوانين التشريعية، وحرية الأفراد ضمن حدود النظام، و أنسنة الأسطورة والملحمة، ولبنات الديمقراطية الأولى، وملامح فكرة الحياة الفاضلة. هي فضيلة العقلية السومرية المُبدعة، التي ما زالت (كونية) لا تحدها حدود زمنية و لا مكانية.

إن الإبداع الفني التشكيلي وكما هو (كائن) في التشكيلات السومرية، هو تركيب واع تهيمن به ذهنية الفنان، على آليات تنظيم منظومة العلاقات في المنجزات التشكيلية، مستندة إلى مرجعيات ومفاهيم ترتبط ببنية الفكر السومري بالكم والكيف. فالرسوم والمنحوتات والفخاريات السومرية تتكون من منظومة أشكال، وأيضاً من مغزى دلالي كلي هو الفهم الروحي لدورها الأجتماعي. فهي بمثابة تكثيف للأفكار بخطاب التشكيل المُعلن، إنها قوى مثَقلة بمضامين فكرية، كانت تؤدي فعلها الأسطوري كرموز روحية واجتماعية.

"فقد كان الفن السومري غير منفصل عن التاريخ، ولا يمكن فهم أحدهما فهماً صحيحاً دون فهم الآخر، فغالباً، كان يُقال إن فعل الفن هو أن يوصل (إبلاغاً) لا زمن له، غير أنه لا يمكن تفسيره إلا بوساطة المعرفة العميقة بالأحوال والملابسات التي قادت الى إبداعهِ" (بارو، 1977، ص157). فهذه الرؤية في التحليل، تضع أنظمة الصور في الفنون السومرية، ضمن فكرة تفعيل (المرجع)، ويؤكد جوهرها، بأن أنظمة الأشكال السومرية هي إفراز من إفرازات البنية الثقافية السومرية، فهذه البنية المغلقة على ذاتها والمكتفية بذاتها، كيّفت أنساقاً من النُظم الشكلية، وبفاعلية مغناطيسية مغنطت الأشكال بما هو (ميتافيزيقي) وأسطوري، فقبلتها الذات البشرية الجمعية دون قهر، بوصفها الفضيلة الآمرة ومثالاً للكمال، ونظاماً (إعلائياً) للشكل في مثاليتهِ العُليا الموقرة.

فإِرادة الخلق في الفنون السومرية، هي التركيب المتضايف لعلاقة الفنان بالعالم المحيط بهِ. ذلك أن ضغوط البيئة الطبيعية وهيمنتها على بنية الجمع السايكولوجية، والمعتقدات الدينية وتمثلاتها في أنظمة الصور، والأسطورة ومقولات الأدب. هي نوع من التركيب الفكري الإبداعي المتصف بالوعي والإرادة والقصد قبل كل شيء، إنه الصراع بين تحدٍ ينبعث من الذات من جهة، والظروف الموضوعية من جهة أخرى. فخاصية الفنون السومرية، تكمن في إنها (تُخبّئ) في مكامنها التوتر والتناقض، فهي لا تُبدع عن معاناة هيمنة ضغوط الواقع فحسب، بل لابد لها من عمليات تركيب ذهنية. فهي مجسّدة للوقائع كون مثالها الوحيد التعبير عنها، ورمزية التعبير لأنها تُشّيد الأشكال بتفعيل دلالات الرموز في أنساقها الشكلية. وفي ذلك نوع من إعادة بناء الظواهر في جوهرها وماهيتها، إنها أعمق تجارب لنا مع الفن.

الأمر الذي حَتّمَ علينا أن نهتم بأنارة عتمة الفكر السومري بمفاهيم، مدنية سومر وكتاباتها وخصوصية بيئتها الطبيعية ومعتقداتها الروحية وآدابها. بشيء من التفسير والشرح، وصولاً إلى نوع من الفهم العميق لبنية فنونها وإبداعاتها التشكيلية.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

khadom shamhodاننا احيانا نشعر مع ما بلغنا اليه من نضوج حسي وعقلي بحاجة الى الاستزادة من ذلك المدد التاريخي للفنون التشكيلية عبر مراحلها المتطورة . وتلك الشخصيات الكبيرة التي اغنت واثرت الحركة الفنية العالمية المعاصرة من امثال الفنان الاسباني الكبير خواكين سورويا - Joaquín Sorolla - وهو ما تتوجه اليه عادة الفنون الحديثة حيث تتفاعل خبراتها مع الماضي لتكون مصدرا للعطاء والابداع ..

 

Sorolla :

خواكين سرويا من مدينة بلنسية الاندلسية Valencia – ولد عام 1862 وتوفى عام 1923 في مدريد ونال شهرة عالمية وعرضت اعماله في المتاحف والكالريات والمؤسسات الثقافية في مختلف البلدان الاوربية وامريكا الشمالية والجنوبية .. بعض النقاد اعتبروا اعماله ضمن المدرسة الانطباعية ولكن البعض الآخر يرون انه قد انفرد باسلوب خاص وخلق مدرسة اطلق عليها النقاد اسم – الاعمال المضيئة – iluminada - حيث تميزت اعماله بالالوان الساطعة المضيئة وفرشة طلقة حرة سريعة الحركة حتى تبدو احيانا بعض الاعمال وكانها غير مكتملة ..

كما اخذ سورويا بانتاج الاعمال الكبيرة ذات المواضيع الاسطورية والتاريخية والاجتماعية وعرضها في الخارج مثل باريس وروما وبرلين وغيرها . كما كان يرسم في الهواء الطلق بفرشة طلقة تدل على تمكنه وقدرته الابداعية والسيطرة على التقنية وكانت اغلب اعمله تمثل مناظر للصيادين وشواطئ البحر في بلنسية .. كما تخصص برسم البورتريت وابدع فيه حيث رسم كثير من الشخصيات السياسية والملوك منهم الملك الاسباني الفنسو الثالث عشر ورئيس الولايات المتحدة وليم هوارد تافت وغيرهم..

 513-khadom

بلنسية –Valencia

تقع مدينة بلنسية شرق مدريد على شاطئ البحر المتوسط . وكانت من اعظم القواعد الاندلسية ايام المسلمين وتعتبر ثالث المدن الاندلسية من حيث عدد سكانها الذي بلغ ربع مليون نسمة يومذاك ... كانت اراضيها زراعية فسيحة تخترقها عدة انهار منها نهر توريا Turia . واشتهرت بلنسية بصناعة الفخار كالاواني الخزفية والبلاطات -الكاشاني - ولازالت لحد هذا اليوم ..

وقد ذكرها الحميري في كتابه – الروض المعطار – (هي مدينة سهلية وقاعدة من قواعد الاندلس عامرة القطر كثيرة التجارة، وبها اسواق وحط وقلاع وبينها وبين البحر ثلاثة اميال، وهي على نهر جار ينتفع به ويسقي المزارع ولها علية بساتين وجنات وعمارات متصلة والسفن تدخل نهرها وسورها مبني بالحجر والطوابي، ولها اربعة ابواب ..)

 

السيرة الذاتية:

ولد سورويا عام 1862 في مدينة بلنسية وتوفى والديه وكان عمره حوالي سنتين فتكفلت برعايته وتربيته اخته يوخينيا Eugenia . وقد اشتغل الطفل في بداية حياته مع زوج عمته والذي كان يعمل حدادا وصانعا للاقفال وكانت النية ان يتعلم الحرفة .. ولكن الطفل غادرها رافضا تلك المهنة فتوجه الى مدرسة للهوات وتعليم الرسم . وعندما بلغ 15 سنة من العمر سجل في مدرسة – سان كارلوس للفنون – واشترك في المعارض التي تقام في المدينة ... وفي سنة 1879 سافر الى مدريد وكان عمره 18 سنة . وهناك اشترك في المعرض الوطني للفنون بثلاثة لوحات تمثل مناظر من البحر .. وقد استغل وجوده في مدريد فذهب الى متحف البرادو El Prado واخذ يدرس ويستنسخ اعمال الفنان الاشبيلي - فيلاسكس – 1599-1660 - ... ويبدو ان الفنان فيلاسكس كان نقطة انطلاق وتعلم لكل الفنانين الكبار .. فعندما حط غويا 1748 -1826 في مدريد كان قد توجه الى دراسة اعمال فيلاسكس .. وعندما ظهر بيكاسو قام برسم واستنساخ الكثير من اعمال فيلاسكس منها لوحة – الاميرات – Las Mininas وقد رسمها بيكاسو اكثر من 50 مرة باسلوب تكعيبي حديث وبالوان متنوعة وكان قد اثبت فيها مهارته العالية وعبقريته الفذه .. وهي الآن معروضة في متحف بيكاسو في برشلونة ..

حصل على منحة دراسية الى روما عام 1884 لدراسة الرسم لمدة اربع سنوات . ثم سافر الى باريس عام 1885 واطلع على الحركة الفنية الحديثة .. عاد الى بلنسية وتزوج من كلوتيلد غارثيا عام 1888 وانجب منها ثلاثة اطفال .. ثم استقر في مدريد عاصمة الثقافة والفن وكانت له علاقات فنية واسعة مع عدد من الاساتذة في مدريد منهم البروفسور خوسيه خميتث اراندا حيث استطاع من خلالهم رفع مستواه ووعية الفني، متطرقا الى رسم المواضيع الاجتماعية ...

في عام 1900 استطاع سورويا ان يحصل على مركزا عالميا في المعرض العالمي الذي اقيم في باريس من خلال لوحاته الانطباعية التي تمثل مواضيع البحر والشواطئ والصيادين .. وفي عام 1906 اقام سورويا اول معرض له في باريس في كاليري Georges petit . ثم عرض في مدن اوربية اخرى .. وفي سنة 1911 كلف سورويا برسم 14 جدارية للمعهد الاجتماعي الاسباني الامريكي وبدأ بالعمل سنة 1913 وانتهى منه سنة 1919 وكانت تمثل مشاهد من العادات والتقاليد الاجتماعية الاسبانية ... ومن اشهر اعماله – حزن الوراثة – التي رسمها سنة 1899 وتمثل اطفال معاقين قرب البحر . وقد عرضت اللوحة في المعرض العالمي في باريس عام 1900 ونال الجائزة الاولى . وفي سنة 1981 اقتنيت اللوحة من قبل كنيسة في نيويورك ...

توفى سورويا عام 1923 في مدريد بعد مرض عضال ..

 513-khadom2

متحف سورويا :

انشأ المتحف في مدريد رغبة من زوجة الرسام سورويا - كولتيلد غارثيا - حيث اعلنت بشكل رسمي ترك الورثة الفنية الى الدولة الاسبانية عام 1925 على ان ينشأ لها متحفا خاصا بها .. ثم تقرر ان يكون المتحف هو نفس منزل وورشة الفنان سورويا .. وفعلا تم ذلك وكان اول من شغل مديرا المتحف ابن الرسام خواكين سورويا حتى وفاته سنة 1948 ... لقد زرت المتحف اكثر من مرة وهو غاية في الجمال والسحر ..

نحن اليوم بحاجة الى تكريم رواد الفن العراقي وانشاء متحف خاص باعمالهم الفنية لانهم يمثلون مرحلة متطورة مهمة في تاريخ الحركة الفنية العراقية المعاصرة خاصة اعمال فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي ومحمود صبري وغيرهم ...