abdulsahib alnasirأثار تسجيل فيديو مؤخرا للمبدعة العراقية المعمارية زها حديد احاديث كثيرة اهتمت كلها بموضوع عراقية زها، ولغتها العراقية، وانتمائها للعراق ام لبلدها الثاني بريطانيا. وترك جانبا موضوع إبداعها وفنها. ولم يوفق مدير الندوة بالخوض والتوسع في جوهر فنها وقدرتها الابداعية، وهو معذور لأنه ليس ذو اختصاص، وكنت اتوقع من السيدة المحترمة ان ترفض هذا اللقاء ان لم يكن مع شخص عارف بمهنتها وصنعتها وذو اختصاص او اقلها مطلع على فنها وابداعها. إلا ان الحدث اصبح واقع وبث الشريط وتناقلته الاوساط الفنية ولم تتناقله الاوساط الفكرية. لان ابداع السيدة حديد هو ابداع فكري بالاضافة الى انه ابداع معماري فني، هي سيدة صاحبة مواهب واتجاه لمسيرة معماري جديد وخاصة وهي مازالت في مرحلة البحث للوصول الى الكمال في اسلوبها الخاص، او التوقف قبل الكمال اذا لم تتمكن من الاستمرار في هذه المسيرة القيادية بإبداع ابعد واكثر شمولا، وهي قائدة اتجاه تجمع حولها متابعين ومقلدين وناقلين ككل المبداعين في التاريخ، وككل المبدعين تواجه رفضا ونقدا وآلاف من التفسيرات تبحث عن اسباب خروجها عن المألوف.

598-sahib1 حاول محاورها (غير الموفق) ان يجرها الى السياسة العربية المتعصبة، ان كانت تحس انها عراقية ام بريطانية، ولماذا فضلت الحديث باللغة الانكليزية عن العربية! .فلو اجهد السيد المتحدث نفسه وبحث فنها وابداعها واسلوبها قبل المقابلة وبالأخص عن السبب (اللغة) لتوصل ان الجمود العربي وانغلاقه وعدم قبوله للانفتاح علميا على العالم، ولعرف ان اللغة العربية تفتقد الى المفردات العلمية الحديثة وهذا نقص المجمع العلمي العربي بالإضافة الى تسلط الجبابرة الجهلة مثل صدام والقذافي الذين أضروا بالنهضة العلمية العربية عندما عربوا الجامعات العلمية ، وهو نفس السبب الذي يلجأ اليه ويستعين به المبدعون والاختصايون والعلماء العرب، لذا ترى احاديثهم مشبعة بالمصطلحات الاجنبية كالانكليزية والفرنسية عموما .

ثم موضوع عراقيتها او انتمائها لبريطانيا البلد الذي تعلمت فيه ودرّست وابدعت وفجرت طاقاتها الإبداعية وانتشر فنها عالميا من خلال وجودها في لندن، ولو كانت زها حديد بقيت في العراق أغلب الاحتمال لما سمع بها أحد خارج العراق. وهذا يؤكد دور البيئة الحضارية وأهمية الاستقرار السياسي لاستثمار المواهب. ولكن ما الضير اذا كانت زها حديد مبدعة بريطانية من اصل عراقي؟ بينما مكانتها اليوم عالمية، وهل تغيرت جيناتها في بلد مهجرها؟ هل تناست التراث العراقي الغني بالابداعات؟ وهل كل التراث العراقي هو الفلوكلور فقط كما يصوره ويعتقده الكثيرون؟ كما قالت السيدة حديد. ان التراث بعمومياته وسعته لا يعني الفلوكلور فقط . لان هذا الفن (الفلوكلور) هو فن شعبي وجزء من التراث لكنه لا يشمل كل ابداع اي بلد، واختزال التراث بالفلوكلور هو اجحاف لتراث اي بلد، خصوصا العراق ذو التاريخ الطويل الضارب في القدم والتحضر بكل مراحله .

يا حبذا لو نظرنا الى ابداع هذه السيدة كخالقة لاتجاه جديد في مسيرة العمارة العالمية عبر حدود المكان والفضاء والامكانات التقنية الهندسية حين سخرت كل مواد البناء وابعادها بالأخص التحمل الانشائي لمواد البناء حيث تمددت بها واستعملتها الى اقصى نقطه التحمل .

The ultimate strength of partially in filled and steel- braced reinforced concrete frames

تصاميم السيدة حديد يتحدى المواصفات وحتى قدرة الجاذبية الارضية فهي تطرقها وتمددها كمن يطرق معدن الصفر ليخلق منه شكل وانحناءات وسطوح لشكل يمتد مع البصر ويمتزج بحدود الطبيعة .

598-sahib2السيدة حديد وعند البدء ببناء بمشروع مدينة (باكو) اخترت اربعة نماذج ملحقة طيا وحاولت ربطها بابداع السيد ستيف جوب ونموذح ال اي ماك (iMac) الجديد والسطوح التي ادخلها كـ screen saver الشكل الخامس ملحقا. فاعمال السيدة زها التي تعدت الخطوط المستقيمة والعمودية لتتوسع في الافق بكل حرية تعطي شعور بمجالات الفضاء الواسع وحرية التمدد وتعطي للمشاهد محلات ليتخيل العوالم الاخرى بدون اي حدود .

فنماذج السطوح العمو دية والمستوية قد (غيّبت) واندمجت ككل، وتلاشت حدودها واندمجت لتقرأ كشكل واحد متكامل ومتواصل. وهي تعشق التلاعب يالأشكال لتخلق شكل خاص بها ويمس سحر ابداعها هذا الشكل داخليا وخارجيا، ويمكن للمتابع العارف ان يقرأ بنايات السيدة زها حديد من الخارج او الداخل على حد سواء، ولا يمكن معرفة اي خلاف او تباين بين الداخل (الانتيرير) او الخارج (الاكستيرير). وهذا النوع من الابداع يذكرنا بعبقرية المعمار الاسباني كاودي Gaudí في عصره، بالاخص بناية

The Sagrada Familia ،Casa Milà, Barcelona, Spain

من المؤكد ان السيدة حديد قد حملت معها من العراق في فترة الخمسينات والستينات التزاوج بين التراث القديم والحديث فترة ابداع المصممين العالمين وابنيتهم في العراق مثل: له كوربزيه(Le Corbusier) ووالتر كروبيوس (Walter Gropius) وفرنك لويد رايت (Frank Lloyd) وجيو بونتي (Gio Ponti,) ، ووارنر مارش (Werner March) وألفار ألتو (Alvar Alto).

في لقاء خاص في مدريد للسيدة زها جمعها مع المعماري وهو من اكبر المعماريين البريطانيين والعالميين ، قال عند النظر الى اعمال زها . يندمج الانسان بفرح لرؤية هذه الخطوط وبهذه الاستمرارية السلسة بدون نهاية (seam less continuity)

لكن لا يتمكن هذا الانسان ان يتصور صعوبة الوصول الى هذه الاشكال والجهد المتناهي للوصول الي الشكل المنتج الاخير. وبالمناسبة حتى عندما تكلمت السيدة حديد باللغة الانكليزية التي تتقنها في تلك الندوة ، كان حديثها متقطع ودون مستوى اعمالها. كيف لا وهي فنانة وليست اديبة لغوية. انه من الصعوبة الكتابة عن السيده حديد واعمالها في مقالة قصيرة، فهو اجحاف بقدرتها وابداعها وفنها وإن ترفض السيدة حديد ان تسمى فنانة اعتزازا بقدرتها كمصممة معمارية ومخططة .

ملاحظة مهمة: من الصعب على اي معماري (اجنبي، مهاجر) في اي بلد في العالم الغربي ان يتوسع كمصمم معماري ويكلف باعمال كبيرة، بل يستخدمون كموظفين ضمن المكاتب الكبيرة. السبب ان هذه المهنة او الصنعة تتطلب عند بدء التفكير في انشائها اموالاً طائلة ويفكر المستثمرون او اصحاب المشاريع في ذلك البلد كثيرا قبل تكليف مصمم اجنبي غير معروف لهم او لمجتمعهم شخصيا، او غير معروف لدا شركات التطوير والبناء المالية. وهذا ما عانت منه زها حديد لاكثر من عشر سنوات في لندن، كما عانا منه كثير من المعماريين العراقيين ، فمثلا وبعد ان ترك العراق الاستاذ هشام منير قل انتاجه في وقت كان من اوسع المكاتب الاستشارية العراقية وابداعا .

كانت اول مشاريعها خارج المملكة المتحدة، وحتى هذه اللحظة لم توافق ادارة مدينة كاردف (Cardiff) وإدارة مقاطعة ويلز (Wales) بتنفيذ تصميمها الذي فاز بالمسابقة ثلاث مرات، لمجرد انها اجنبية الاصل، وقال بعضهم لأنها ليست من مقاطعة ويلز، وإن هي بريطانية لكنها لندنية

 

عبد الصاحب الناصر

12-HS4ليس هناك اكثر تمثيلا لقوة وعنفوان واصرار الثورة الاشتراكية السوفيتية من تمثال "العامل وفتاة الكولخوز" للنحاتة فيرا موخين الذي انجزته لمشاركة اتحاد الجمهوريات السوفيتية في معرض باريس الدولي عام 1937. حيث ارادت الدولة السوفيتية ان تعلن للعالم سعيها الواثق الحثيث نحو المستقبل السعيد بعد مرور عشرين عاما على انبثاق الثورة البلشفية.

 12-HS

كانت الدولة فخورة بهذا الانجاز فقررت ان تقيمه، بعد انتهاء المعرض، في مكانه اللائق الثابت وسط موسكو كرمز اصيل للثورة وشعارها.وقررت بذلك منح النحاتة جائزة ستالين العليا. كانت النحاتة قد لخصت بفكرتها البسيطة اهداف الثورة الاشتراكية المنصبة على خدمة المواطن: الرجل والمرأة، الكادحان اللذان يصنعان الحياة ويديمانها. الرجل العامل الذي يحمل المطرقة، اداة الانتاج وهو عنصر القوة والعزيمة والاصرار والعمل الدؤوب.

 

12-HS1والمرأة فلاحة المزارع التعاونية (الكولخوزات) التي تحمل المنجل، وهي ام الارض ومصنع الغذاء ومنبع العطاء. وكلاهما يرفعان ذراعيهما ليشكلا شعار الثورة "المنجل والمطرقة". وبذلك اصبح هذا العمل احد الرموز الشاخصة لفن الواقعية الاشتراكية الذي شاع ابان عمر اتحاد الجمهوريات السوفيتية وتصدر المجال الفني دون ان ينافسه اي اسلوب فني آخر بسبب الارتباط الوثيق بينه وبين الايديولوجيا السائدة التي الغت كل مايختلف عنه.

 

12-HS2يقف التمثال، المصنوع من الفولاذ، بارتفاع 25 مترا على قاعدة ارتفاعها 35 مترا ليصبح الارتفاع الكلي 60 مترا. والنصب يعتبر مثالا كلاسيكيا لاسلوب الواقعية الاشتراكية في الفن..

 

12-HS3وبغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا مع الايديولوجيا والاسلوب فحري بنا الاعتراف بان الرائع في الامر هو الاحتفاظ بهذه الشواهد وتخليدها رغم اختلاف الزمن وتغير الاحوال. ذلك ان هذه الاعمال اصبحت جزءاً من تاريخ الشعب وكفاحه الذي ليس من حق اي سياسي او حزب اولجنة ان تمحو اي معلم من معالمه رغم تغير السياسة وانطواء تلك المرحلة.

 

لقد حرصت الحكومة الروسية، وبحكمة ، على ترميم هذا التمثال بعملية شاملة مكلفة استغرقت ست سنوات بين 2003 و2009 حيث تم افتتاحه من جديد وسط احتفال مهيب اعاد للاذهان في مختلف بقاع الارض ان عالمنا لن يستقر بهيمنة قوة دولية كبرى واحدة، ولابد من العودة الى التوازن من اجل الاستقرار والسلام والتقدم لكل من يعيش على هذه الارض

إنّ المتتبّع لمسار تجربة الفنان سامي بن عامر1 الفنّية، يلاحظ ثراء على مستوى المراحل التي مرّ بها العمل الفنّي، وبالتوازي على مستوى المواد والخامات المستعملة، هذا ما يؤكّد انغماس الفنان وبحثه عن إنتاج لغته التشكيلية من خلال تفاعله مع مختلف المواد، فأصبحت لوحته تطرح أسئلة جوهرية وعلاقات جديدة بين الواقع المرئي والحقيقة اللامادية النابعة من الذات وخصوصية الفكر والمنهج، وقد مثّل التحرّر الفكري من كلّ ضبط وتقنين، أرضية ملائمة لتعدّد أساليب وطرق الفعل والأداء التي أصبحت بدورها تطوّع وتنفتح على العديد من المجالات كي تتلاءم مع الهواجس التصويرية والذاتية للفنان. فهل أنّ هذا التعدّد يندرج في إطار التجريب، أم أنّه ينخرط ضمن تمشّي يمتاز بالتواصل والاسترسال ضمن منظومة تصويرية تنفصل أجزاءها عن بعضها البعض؟

لقد أشار الفنان الحبيب بيدة عن إصرار سامي بن عامر على اعتماد صيغة تشكيلية يتمّ التنويع عليها وقدرته على البحث عن منهج خاصّ به، خاصّة إذا ما قلنا بقدرته التقنية التي جعلته يتحكّم في عناصر لوحته، حيث يقول "لقد أراد سامي بن عامر أن يسمُوَ ويسمو بهذه الأرض، أقرب الكائنات إل الطبيعة التي طبعها، شأنه شأن كل الفنانين الباحثين عن المعرفة عبر الإبداع والإبداء، فكان مبدءا ومبدعا لعالم أو لنقل لعوالم صغيرة، فضاءات تحرّكت والتمعت بفضل الفكر/العقل المخترق لها والمنغمس فيها، هذا الفكر الذي حمل الشكل وهذا الشكل الذي تخصب بالمادة، فكان نسيجا مشبوكا أوقع المادة الممتدة في شراكه. تشكلت المادة لتكون رامزة دالة فقط للأرض وما عليها من موجودات عضوية ولمورفولوجيتها، بل أيضا لرمزيتها الشكلية التي تفعلت تشكيليا وتوهّجت بتوهّج نحو أبصارنا لتتلذّذ بها وتطرب.2 " ولعلّ هذا السند ما يبرّر حنكة هذا الفنان ومدى وعيه باختيار أساليبه وبحثه عن التفاعلات التكوينية والملمسية بعقلنة وبحرفيّة.

إنّ اهتمام الفنان المتزايد بوسائله التعبيرية أدّى إلى استنباط أساليب وأشكال فنّية جديدة، إذ أنّه يدرك أنّ كلّ مادة لها إمكانية خاصّة بها في التعبير، كما يدرك بأنّ المادة تنطوي على تعبيرية خاصّة بها، وما وظيفة الإبداعي سوى إظهار العمل الفنّي من خلال تجلّي المظاهر الحسيّة في ذات الوسيط وتبعا لرؤية المبدع الخاصّة، وكما أنّ لكلّ فنّ مواده، كذلك لكلّ عمل فنّي مادته، فما يصلح لعمل لا يصلح لآخر، حيث يقول برتيملي جان: "إنّ المادة لا تكتفي بإصدار ردّ فعل مباشر على الشكل، بل إنّها هي التي غالبا ما توحي إلى المبدع وتقدّم له الفكرة3. " فلو استخدم الفنان مادة غير التي يتعيّن عليه استخدامها لوجد أنّ العمل الفنّي قد تغيّر تغيّرا كاملا.

إذ أنّ المادة في حدّ ذاتها تنطوي على قيمة جمالية، والمادة التي يصنع منها العمل الفنّي ليست مجرّد شيء صنع منه هذا العمل أو ذاك، وإنّما أصبح ينظر إليها على أنّها غاية في ذاتها وتملك كيفيات حسيّة خاصّة من شأنها أن تعين على تكوين الموضوع الجمالي، لذلك فإنّ الجهد الإبداعي للفنان وكإنتاج يمتلك شكلا ويحدث تجربة إنسانية، هو محاولة من أجل تشكيل المادة لتصبح بمثابة الجوهر الحقيقي للعمل الإبداعي.

سعى الفنان سامي بن عامر إلى تجاوز السطح التصويري التقليدي وتجاوز الافتراض الذهني للتقنيات المألوفة، ممّا دفعه إلى تحسّس مادية الخامات المستعملة وتحديثه وتطويره لخامات التعبير وتقنيات التشكيل الفنّي لإعطاء فنّه قيمة أكثر قدرة على النفاذ إلى محسوسية الأشياء في البيئة المعيشة والحيّة واليومية، وهذا ما جعله يرى بأنّ مع العمل الفنّي لا يمكن فصل الشكل عن المادة بصورة واضحة، بل هو الوحدة الكاملة التي تحتوي المادة، وهذا يعني أهمّية الشكل والمضمون، وهنا تكتسب المادة قيمة جمالية متميّزة.

تثيرنا معاينة لوحته تلك التي أنجزها في مهرجان أوستراكا الدولي بشرم الشيخ في نوفمبر 2014، لما تحتويه من علامات بارزة تتّصل في ظاهرها وفي طريقة إنجازها بماهو موجود في اللوحات التجريدية التي رأيناها في معرضه "الأرض البكر" سنة 2009، حيث نلاحظ ذات الأسلوب والطريقة في وضع اللّمسات، كما تظهر لنا أسس مقاربته التقنية، وأوضح مثال على هذا التوجّه ما يبيّنه هذا العمل من تحكّم في التقنية وحذق في التعبير عبر اللمسة.

68-samybinamir 

ركّز الفنان سامي بن عامر على أهمّية المادة والتقنية وقدرتهما الكامنة على تنشيط فعل الإنشاء، وعمل على تحسّس مادية الخامات التي تعامل معها على اختلاف درجة صلابتها وخشونتها ومؤثراتها الضوئية والملمسية، فاسحة المجال لهذا الفنان من خلال استكشافه لآفاق غير متوقعة في مسار الإنشاء.

إنّ التقنية القائمة على إدخال مواد مختلفة، أدّى إل تحوّل جديد إلى نوع من تقصّي التجريد، حيث لم يعد الموضوع يرتبط بظواهر الأشياء بقدر ما يرتبط بعالم الأفكار على الرغم من علاقته بالطبيعة. وليست التقنية مجرّد وسيط بين الفنان والشكل، بل هي مجال اشتغال الذكاء التشكيلي الخصب لدى الفنان سامي بن عامر، وتوجيه مساره الإبداعي، حيث زاوج هذا الفنان بين العديد من المواد وبين المؤثرات الصدفوية التي وفّرتها تقنياته المختلفة التي أثارت فيه قدرة إبداعية جديدة، كما كيّفت قدراته الأسلوبية.

إنّ البحث في تنويع الخامات قد ساعد الفنان على استمرار فعل الإنشاء من خلال مؤثرات الخامات والمواد المستعملة، ممّا منحه ذلك ثراء في تنويع التراكيب والألوان، هذا ما جعل هذا الفنان من أبرز الفنانين التشكيليين الذين عملوا على إعطاء اللوحة بعدا مادّويا من خلال ثراء لغته التشكيلية التي كانت سندا في دعم موقفه الفنّي بالحقل التشكيلي التونسي وفي مواكبته لراهنية النشاط الفنّي في أغلب بلدان العالم العربي، وليس هذا النزوع إلى اعتماد مثل تلك المواد، نزوة طارئة لدى هذا الفنان، بل هو أساس مشروعه الفنّي منذ بواكير تجربته، ولعلّ سلسلة أعماله التي تبرز ثراء مواده وخاماته المختلفة قد تكون شاهدة على هذا النزوع المتأصّل.

نتبيّن من خلال مختلف أعمال الفنان سامي بن عامر، تحوّلات الفعل التصويري ومختلف تمظهراته من خلال مراحل الممارسة وأطوارها النشوئية، وتتبّع العلاقة التفاعلية التي يقيمها الفنان بين الفكرة والفعل بغية التطوّر والتقدّم بالفعل التصويري، فهو يعمل الآن في فترة من أخصب مراحل فنّه التجريبية التي أكسبته خبرة تقنية متقدّمة.

ولعلّ ما يؤكّد حنكة هذا الفنان نماذج من أعماله التي أنجزها في معرضه "الأرض البكر" لما يبدو فيها من تعدّد لطرق الفعل وتنوّع في أساليب الأداء، ومن ذلك بروز محاولات لتوفير حلول بديلة والبحث عن واقع جديد لتصويري مغاير، تلك الأعمال التي تبدو حاملة للكثير من الرهانات، انطلاقا ممّا تقدّمه من منتوج هائل، يقابله ثبات على اتّجاه ومنهج واحد بما يتضمّنه من عناصر تصويرية متشابهة ومتكرّرة، مع تنوّع واختلاف في طرق معالجتها.

وفي الأخير يمكن القول بأنّ أهمّية تجربة هذا الفنان تكمن في تسليط الضوء على منطقة مهّمة وغنيّة في الفن المعاصر من خلال تقصّي ظهور المفاهيم الفكرية والجمالية، وكذلك في أهمّية المعالجات البنائية والتقنية التي اعتمدها الفنان في توظيف الخامات والمواد، حيث احتلّت المادّة على هذا الأساس أولوية هامّة ضمن سياق البناء الإنشائي للعمل الفنّي نظرا لما تعرفه من تجسيم للمجرّد عند تحوّله من إطار الفكرة إلى إطار الفعل، كما أنّها أسهمت في توجيه تطلّعات الفنان وأفكاره، وكأنّها نسق تسري فيه نبضات الفعل والإنشاء. فالمادّة هي ذلك الجانب المحسوس الذي يتأثّر في تمثلاته بالعقل والهاجس والمخيّلة، وهي السبيل الذي من خلاله تتجسّد الفكرة وتنكشف إبداعات الذات.

 

د. مكية الشرمي

مساعدة تعليم عالي بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس

............

1- الفنان سامي بن عامر، أستاذ تعليم عال بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، من أبرز الفنانين المعاصرين على مستوى الفن التشكيلي في تونس وفي العالم العربي، طوّع المادّة، روّضها وداعبها في إنشاء أعماله التشكيلية، فخلق لنا منها لوحات فنّية تمزج بين تداخل الألوان والأشكال والخامات، لهذا الفنان معارض شخصية ومعارض جماعية، كما له مشاركات دولية وورشات داخل الوطن وخارجه، لهذا الفنان أيضا مشاركات في مهرجانات الفنون التشكيلية، وله دراسات وأنشطة علمية وأنشطة صحفية وإعلامية.

2- الحبيب بيدة، كاتالوق معرض الفنان برواق كاليست، 2007، جلال الأرض

3- برتيملي جان، بحث في علم الجمال، ت: أنور عبد العزيز، دار النهضة، مصر، القاهرة، 1970، ص186.

khadom shamhodلقد زرت مسجد قرطبة قبل اكثر من 15 سنة وعدت اليه مرة اخرى قبل عدة ايام ولم اكد اصدق ما يحدث عليه من تشويه وتخريب ومسخ ؟؟؟ وهذا التشويه منظم ويسير بهدوء وطول نفس .. وقد تركت الحكومة ذلك في زاوية الاهمال وسلمته الى السلطات الدينية كي تتعامل مع عمارة المسجد الجميلة بكل حرية وقساوة .. ويقول المؤرخ الدكتور عبد الله عنان (لقد اصيب تراث الاندلس الاثري على يد الامبراطور كارلوس الخامس 1500 بمحن جمة، فهو الذي جنى على جامع قرطبة بتصريحه باقامة الهيكل الكبير الذي اصاب الجامع بكثير من المسخ والتشويه ..)

 

بداية تحويل المسجد الى كنيسة:

ويذكر المؤرخون ان قس قرطبة الفنسو مانريكي طلب عام 1521 من الملك كارلوس الخامس ان يقيم كنيسة داخل المسجد فأذن له الامبراطور .. ولكن بعد ذلك لما زار الملك كارلوس قرطبة ودخل المسجد ابدى ندمه وسخطة على ما صرح به .. واحتج على اقامة الهيكل .. ويذكر انه قال: لقد بنيتم هنا ما كان يمكن بناؤه في اي مكان آخر وقد قضيتم على ما كان اثرا وحيدا في العالم ...

640-khadom2

وقد كان اقامة كنيسة وسط الجامع مثار نقد من قبل علماء الآثار والمستشرقين الغربيين والاسبان وغيرهم وقد وصف ذلك بعضهم (اشنع عمل همجي) ارتكب لتشويه المسجد .. وقد سمعنا اليوم 29/12/2014 ان الحزب الاشتراكي والحزب اليساري الاسبانيين واهالي قرطبة والاندلس قد احتجوا على هذه التصرفات الغير مسؤلة من قبل الحكومة وبعض رجال الدين المسيحيين المتعصبين .. والتي يراد منها مسخ حضارة الامة الاسبانية وتشويه تراثها الاندلسي الجميل الذي امتد الى اكثر من تسعمائة سنة .. نعم ان الاندلس سقطت سياسيا عام 1492 ولكن الامة الاسلامية بقت قائمة الى حد قانون الطرد عام 1609 . واستمرت الاحتجاجات منذ ذلك الوقت الى اليوم ولم تثني عزم الحكومة ورجال الدين المتعصبين من تحويل المسجد الى كنيسة عظمى .. ويبدو ان التطرف والتعصب وداعش والقاعدة ليس موجودا فقط عند المسلمين وانما ايضا عند بعض المسيحيين المتطرفين، حيث نجد اثر من آثار التعصب الكنسي القديم والعميق الذي طبع السياسة الاسبانية يومذاك خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والذي قام بحملة مسح للآثار الاندلسية وعملية تنصير للمسلمين تعتبر اكبر عملية في التاريخ البشري ...

لقد شاهدت العمل جاري في تحويل السقوف الخشبية المزخرفة والملونة باجمل  الزخارف الهندسية والنباتية الى سقوف منحنية على الطراز الغوطي صماء بيضاء فارغة .. وقد ازيلت القباب المضيئة التي كانت في سقفه واصبح فضاء المسجد مظلما.. كما نشاهد العمل جاريا في بناء المصلاة داخل المسجد ونصب التماثيل والرسوم الدينية . وقد حجب هذا التغيير واجهات وزخارف وكتابات عربية واستبدلت برسوم رومانية وعناصر معمارية غوطية ومن عصر النهضة .. وشاهدت اسكلات عمل وحواجز خشب وقطع قماش كبيرة منصوبة داخل المسجد وسط الاعمدة تحجب النظر عن عمل التغير والتحويل المستمر . كما شاهدت ان الوجهات الخارجية للمسجد قد تركت واهملت واخذت نقوشها وكتاباتها العربية تتآكل وتتساقط وهو ما يشعر الانسان بالآلم والحزن لهذا التعمد في تركها وعدم ترميمها واصلاحها .. . والاكثر غرابة هو طبع منشورات سياحية مكتوب عليها - كاتدرائية قرطبة – وتحت هذا الاسم بخط صغير – المسجد القديم – بينما تجد في واجهات الشوارع والمقاهي والفنادق وبين اهل لغة المدينة عبارة - مسجد قرطبة- بالخط الكبيرو الابتسامة العريضة حتى ان بعض اغاني اهل الاندلس تردد اسم مسجد قرطبة La Mezquita –.. وهو ما يشير الى الاعتزاز بهذا التراث العظيم والاثر الجليل لاهل الاندلس من مسلمين ومسيحيين حيث تزدان به اسبانيا كلها ..

 

آثار عمارة المسجد على العالم :

640-khadom1يعتبر جامع قرطبة – استاذ – الجوامع ومرجعا جميلا لكل العمارة الاسلامية والاوربية حيث اقتنت منه العمارة الاسلامية والاوربية اشكال الاقواس المتراكبة والمفصصة والمتقاطعة و حدوة الحصان والقباب المضلعة والاعمدة الرشيقة والتيجان المزخرفة بانواع الزخارف النباتية والهندسية .. .. ويعد اعظم جامعة اوربية في العصر الوسيط .. ويذكر ان البابا سلفستر الثاني قد درس سابقا في جامع قرطبة مختلف العلوم والثقافة العربية كما ان كثير من علماء النصارى وابناء الملوك الاوربيين قد تثقفوا بالثقافة العربية وظهر منهم العلماء والشعراء والكتاب والمستعربين والمستشرقين كانوا قد درسوا في جامع قرطبة . وكانت قرطبة عاصمة اوربا .. ويذكر المقري في كتابه – نفح الطيب – ان في جامع قرطبة ثلاثمائة ونحو ستين طاقا –اي قوسا- على عدد ايام السنة وفي كل يوم تدخل الشمس طاقا ..

ولكن يحار البصر في تأمل عقوده واعمدته العديدة المتقاطعة التي لا تكاد العين تدرك نهايتها ... هذه الصفوف الممتدة من الاعمدة والعقود المزدوجة والملونة بالاحمر والاصفر الشاحب توحي بالطبيعة الحية تحت ظلال في لون الشفق بحيث تمثل غابة من النخيل ..

 

منظمة اليونسكوا:

منذ سنة 1882 اصبح المسجد ضمن التراث الوطني الاسباني وتحت رعاية وحماية الدولة . كما اصبح تحت رعاية منظمة الامم المتحدة – اليونسكو- للحفاظ على التراث الانساني بمعنى هناك مسؤولية اخلاقية ووطنية في الحفاظ على هذا الاثر الجليل والكبير من اي تغيير او تشوية او مسخ .. حيث انه يعكس فترة من فترات حضارية الامة الاسبانية ... ولكن مع الاسف يبدوا ان التعصب وفكر العصور المظلمة لازال عائشا في قلوب وعقول بعض الناس ....

 

د. كاظم شمهود

 

 

wejdan alkashabعرفتْهُ نينوى مدرَّساً، كما عرفتْهُ فناناً، لكنَّ الفنان كان هو الأكثرُ حضوراً سواء في ذاكرة نينوى أم في ذاكرة فنانيها وذاكرةِ طلبتهِ أيضاً، والمتتبعُ لما عَرَضَ من لوحاتهِ في معارضهِ العديدة الشخصية أو المشتركة داخل العراق وخارجه يؤشر أنَّ ليث عقراوي فنان متجدد لا يعرف حدوداً لتجربتهِ، فأعماله تحاور السريالية مرةً، وتحايثُ الواقعية مرةً أخرى، وتميل إلى التجريد الذي يعلنُ تشخيصاً بسيطاً لإخراجها من غموضها وفتح ثغرات للمتلقي لينفذ منها إلى دلالات اللوحة، فينفعلُ بها عبر عناصرها المتموضعة فيها والمتخذةً أشكالاً مُعبّرةً، وما يميز تجربة الفنان ليث في لوحاتهِ هو قدرتهُ على التعامل مع الألوان التي تُعايش أصابعهُ وذاكرته لتنفرشَ على قماشة اللوحة حاضنةً دلالاتها بشفافيةٍ ولمساتٍ يقف أمامها المتلقي قارئاً لها، منفعلاً بها، ولعلي في وقفتي السريعةِ هذهِ في رُحبةِ تجربته سأحاول أن أقرأ لوحته (ذكرياتٌ حيّةٌ) التي كانت من نتاجاته لعام 1999م، والمُنفذة بالزيت على مساحة 6580سم، فماذا أرادت هذه اللوحة أن تعلن؟

67-laythakrawi

يميلُ الفنان أحياناً في لوحتهِ إلى اتخاذٍ مركز للسيادة يبدأ منه رحلة انطلاقهِ في تشكيلها، فيما يميلُ آخر إلى فكرةٍ تعتمد اللوحة كلها مركزاً للسيادة، ومن خلال ملاحظتنا للوحة (ذكريات حيّة) نجد الفنان ليث منطلقاً من سندانة زرع النباتات مركزاً لهذه السيادة ينطلق منهُ، ويحملّه دلالاتٍ عدّةٍ تنبي عليها طروحاته، فالسندانة موجود جماديّ من موجودات الواقع العياني المُعاش، يتعاملُ معها الفنان وغيره، إلاّ أنها هنا تحوّلت إلى حاملٍ لبؤرة التركيب الفني، فهي أولاً تتخذ من متوازي المستطيلات شكلاً وجودياً، وهذا الشكل بأبعاده الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) إنّما هو مركب من المستطيل المتكرر، فهو إذاً متحوّر عن أصل واحد هو المستطيل، وشكّل تجمع المستطيلات ذات البعدين كتلةً ثلاثية الأبعاد تحوّي في داخلها كتلة رملية وثلاثة أغصان، فالكتلةُ الرملية هنا إشارة واضحة إلى أنَّ عناصر الحياة موجودة حيثُ أنَّ الرمل هو أصل الموجودات كلها، ونواةُ تكوّنها، وكما أنَّه يؤدي وظيفته في احتضان الحياة واستمرارها، فهو هنا أيضاً يؤدي الوظيفة ذاتها لكونه قوّة الإمداد التي تمنح الأغصان نماءها، من هنا يمكن لنا أن نستنتج أنَّ قوة الحياة واستمرارها تُشكٌل هدفاً مُعلناً في فكر الفنان ليث عند انجازه لهذا الجزء من اللوحة، ينضاف إلى ذلكَ أنَّ الأغصان النابتة فيها متوسطة الطول وليست حديثة الولادة، مما يؤشر عمراً زمنياً لها، ولكنَّ هذهِ الأغصانُ لها ميزتها الوجودية هنا، فالغصن الأول أطول من الثاني، واتخذ الاعلان عن وجودهِ سمةً لهُ بانحنائهِ أمام السندانة وامتدادهِ إلى خارج محيطها ليستلقي تحت ضغط ثقل الورقة النباتية الوحيدة لهِ، أمّا الغصن الثاني فقد بدا مختبئاً خلف الحافة الجانبيةِ للسندانة لكنَّ ورقته الوحيدة أعلنت عن حضورها بزحفها الجريء لتظهر هي الأُخرى أمام السندانة.

من هنا يمكننا تأويل وجود الغصنين بكائنين بشريين الأول منهما يعلن عن حضوره والثانية تختبىء، إلاّ أنهما تعبا من هذا الحضور، وفقدا جزءاً مهماً من سبب استمرارهما واقفين فانحنيا أمام ضغوط الحياة، ولكنهما لم يستلما لأنَّ الثابت في المشهد الحياتي الطبيعي أنَّ النباتَ يموتُ واقفاً، كما أنَّ الورقة الخضراء النابضة بالحياة تتموضع في رأس الغصن مما يملك تأشيرةً مضافةً على قدرتها على الاستمرار في الحياة سواء لوجودها هي أو لوجود الغصن بأكملهِ.

أمّا الغصن الثالث فهو الأضعف والأصغر والفاقد لمؤشرات استمرارهِ بالحياة التي بدت قصيرة جداً قياساً إلى الغصنين الاخرين، مما يمكن لنا أن نؤلّه بطفولةٍ مفقودة، ولكنها تطبّق القانون الطبيعي في أنَّ النبات يموتُ واقفاً، فيؤشر وضوح فكرة الحي- الميت الضدية التي يعلنها الغصن الثالث بوضوح.

عمد الفنانُ في هذهِ اللوحة إلى موقعةِ السندانة بموجوداتها الرملية والغصنية في المكان الأقرب إلى المتلقي تاركاً فراغاً أمامها، والفراغ أمام مركز السيادة يقوي احساس المتلقي ويشدُّ بصرهُ اليهِ، وجماليةُ هذهِ الموقعة إنّما تكمن في وجودها في الجزء الأيمن الأسفل من اللوحة مما يمنحها فراغاً جانبياً أيضاً، وهنا لا بُدَّ لنا من وقفةٍ مضافة تعلنها ارتكانة السندانة على ورقة تشبه أوراق الكتابة وأكبر من حجمها تنفرش تحتها، فهي لا تتموضعُ على الأرض مباشرةً، مما يشيرُ إلى أنَّ هذهِ الورقة قابلةٌ للتأويل على أنها رمز لرسالةٍ جمعت الغصنين (الكائنين الانسانينِ) بدليلِ استلقاءِ الغصنين عليها، إذاً ما جمع هذين الإنسانين هو ورقةٌ يكشف لونها عن دلالتها، وهو هنا الأصفر المُغبر الذي يؤشر بُعداً زمانياً أولاً، ويؤشر عاطفةً قلقةً غير مستقرةٍ ثانياً، كما أنَّ وعي الفنان بأهمية هذهِ الورقة التي تمثِّل رابطاً بين الإنسانين دفعه إلى موقعة السندانة في الجزء الأسفل للوحة وليس وسطها أو أعلاها، وهذا ما يؤشر على أنَّ الرابط هنا كانت ورقة أو رسالة مفتوحة يمكن للمتلقي أن يقرأ منها ما يشاء أو ما يتوقع أنّه كان مكتوباً في نصفها الأول، أمّا ما هو مكتوب في نصفها الثاني فمسكوتٌ عنه لأنَّها تختفي تحت السندانة فتنغلق دلالتها عن متلقيها، مما سيدفع به بالتالي إلى أن يلجأ للخيال فيكتب نهاية قصةٍ حزينة.

والآن لا بُدَّ لنا أن نتساءل: لماذا اختار ليث عقراوي جزءاً من غرفة فارغةٍ من الأثاث ليموقع فيها هذه السندانة والورقة ؟ في الواقع العياني المُعاش تُشكّل الغرفة تكويناً عازلاً يمنحُ الفرد شيئاً من الاستقلاليةِ والعزلةِ بعيداً عن رقابةِ أو ضجيج الآخرين، كما أنَّها ولابُدَّ مؤثثةٌ ليتمكن هذا الفرد من العيش فيها، لكنَّ ليث أفرغ هذه الغرفة من محتوياتها ليمنح السندانة حضوراً أعمق وأكثر دلالةً، فالمتلقي هنا سيظلُّ مشدوداً إليها لأنَّها بؤرة الحدث أولاً، ولأنَّها قابلة للتأويل بكونها ذاكرة الفنان التي أفرغت محتوياتها بعيداً، وتركت فيها هذه الذكرى الحيّة النابضة فقط.

إنَّ التأويل حين يعتمدهُ المتلقي إنّما يكونُ قائماً على معطيات زرعها الفنان في لوحتهِ لتكون نقاطاً مضيئةً يتابعها المتلقي ليتمكن من بناء رؤيتهِ الخاصة لدلالات اللوحة، ومن هذه الاضاءاتِ ما نجدهُ في هذه اللوحة من ابداع ليث عقراوي في إيجاد معادلٍ للسندانةِ ألا وهو ظلّها الذي يتخذُ من سقوطهِ على أرض الغرفةِ وجداريها موقعاً لهُ، والظل هنا محكوم بوعي عميق حيثُ عمد الفنان إلى تقسيمهِ إلى ثلاثةِ أجزاء: الجزء الأول يسقط على الأرض، والجزء الثاني يسقط على الجدار الجانبي، والجزء الثالث وهو الأغنى دلالةً - يسقطُ على الجدار الواقع خلف السندانة، فلماذا اختار الفنان تقنية التجزيء هنا؟

والاجابة على هذا السؤال تفتح لنا باب التـأويل، فالجزء الساقط على الأرض من الظل إنمّا هو اشارةٌ للبُعد الزمني الذي قطعتهُ ذاكرةُ الفنان تراجعاً نحو ماضٍ لم ينتهِ بعدُ حضورهُ، والجزء الساقط على الجدار الجانبي إنّما هو مشاركةٌ حيّةٌ تؤاز الظل الأساس الساقط على الجدار الخلفي للسندانة، وبما أنَّ السندانة هي مركز السيادة البصري، فظلها الساقط على الجدار الخلفي هو مركز السيادة الدلالي كذلك حيث عمد الفنان بوعيٍ واضح إلى انشاءٍ متضادٍ تماماً، فحوّل الغصنينِ المنحنينِ إلى الأرض في السندانة إلى غصنين شامخينِ نحو السماء في الظل، فمنحهما حياةً أُخرى، وهذا بالتالي سيمنحنا القدرة على تأويلِ هذهِ الحالة برغبةِ الفنان الكامنةِ في أعماقه في إحياء هذهِ الذكرى التي لم تَمُت أصلاً، لأنّها علاقة عاشت الضدينِ معاُ (الموت والحياة)، ولكنهُ موتٌ قلقٌ وحياةٌ مقلقةٌ أيضاً لأنّ الغصنينِ اعتمدا في وجودهما على ورقةٍ واحدةٍ لكلٍ منهما، إذاً الذكرى حيّةٌ لكنها تؤرقُ الفنان وتغذي عزلتهُ، كما تُغذي قلقه إزاء فكرتينِ تتضادانِ تماماً وتتحايثان أيضاً هما الحياة والموت.

إنَّ هذا التأويل - من وجهة نظري - يكتسبُ وجودهُ من وجود الجدار القائم والصُلب أيضاً، ومن وجود شرخٍ يمتدُ من أعلاهُ إلى وسطهِ تقريباً، كاشفاً عن جزء من السماء وجزء من غيمةٍ، فالسماء هنا اشارةً إلى القدر الذي أنفذَ قرارهُ وفرّقَ ما بين الغصنينِ وظلهما، أو ما بين تحقيقِ الرغبة والحياة أو قتلها والموت، أما الغيمةُ فهي الأملُ بمطرٍ يسقي ويحققُ نماءً وحياةً واستمراراً آخر، لكنهُ محكوم بعدم التحقق الواقعي.

والآن لنحاول قراءة المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان في هذه اللوحة لنستكشف دلالاتها أولاً، ومدى تآزرها مع دلالات اللوحة ثانياً، ومدى اتساقها مع قراءتنا للوحةِ ثالثاً، وبما أنَّ الباحثينَ حاولوا كثيراً استقراء اللون ودلالاتهِ بوصفهِ موجوداً حياتياً في الواقع العياني، فإننا سنتبع خطاهم في قراءةِ ألوان هذه اللوحة لنتمكن بالتالي من تشكيل الرابط الذي سيغذي شبكة الدلالات التي عاشت في ذاكرة الفنان وغذَّت تجربته الحياتية فسكبها في هذه التجربة الفنية تاركاً لنا فسحةً لقراءتها، والاستمتاع بها.

في نظرتنا الأُولى إلى اللوحة نجد اللون الأزرق بدرجاتهِ يُشكَّلُ حضوراً غالباً على الأشكال المتموضعةِ فيها، والأزرق هو اللونُ المرتبط بالسماء والماءِ معاً في الواقع العياني، وهو المُعبرّ عن التأمل والفكر، كما أنّهُ يُشكَّلُ رمزاً للصفاء والهدوء والسكون والراحة على حدَّ قول الباحثينَ في دلالاته، أمّا الأخضر فهو رمز الخير والسلام والأمل والمستقبل والبحث من جديد، والتفاؤل وتجديد الآمال، واستعادة الطاقة والقوّة بسبب ارتباطه بالحقول والحدائق والأشجار، وهما من الألوان الباردة، وإن اجتمعا معاً أصبحا يمثلان أقصى درجات البرودة، ولكن في هذه اللوحة التي تتخذ السندانة فيها مركز السيادة البصري واللوني عمدَ الفنان إلى منحها لوناً شذرياً، واللون الشذري ناتج عن خلط الأزرق والأخضر بنسبةٍ متكافئةٍ من كليهما، ويتأتى هذا الاختيار الرائع من فكرة الفنان في الإشارة إلى شيء من البرودةِ التي تكتنف هذا الموضوع حالياً في ذاكرته، فموضوع هذه اللوحة هو علاقة بُترت بفعلٍ قدري لا رادَّ لهُ، حاولَ الفنان أن يكسبها غلافاً من البرودةِ بفعلِ التقادم الزمني عليها، فأسدل غطاءً بارداً على تفصيلاتها، إلاّ أنها في الوقت ذاته لا زالت حيةً تقاوم موتها في ذاكرتهِ، لأنّ اللون الأخضر حين اندماجه باللونِ الأزرق منحهُ بُعداً تفاؤلياً وأملاً مضافاً إلى مكنونات الذاكرة التي استيقظت فيها هذه الذكرى، كما منح المتلقي إحساساً بجمال هذا اللقاء اللوني الذي يبعثُ نسغاً تفاؤلياً منعشاً، رغمَ أنَّ الأرضيةَ التي تتموضع عليها السندانة موزعةً بين لون الورقةِ الأصفر المغبر الدّال على عواطف غير مستقرةٍ، وبين اللون الأزرق المتدرج الذي يكسو أرض الغرفة.

أمَّا الأغصان الثلاثة فقد اتخذت البُني لوناً لها إشارةً إلى عمرها الزمني النسبي، مع لمسات خفيفة من الأحمر مما منحها شيئاً من الحيوية، وأبعدَ عنها شبح الموتِ، وهذا ما يتفقُ تماماً مع وجود الورقة الخضراء، فاللون الأخضر للورقة المشوب بلمسات لونية يؤكد فاعليتها ورغبتها في الاستمرار الحياتي، ويتناسب مع شكلها الانسيابي الجميل، وشكلها هو الآخر يُعلن عن هويتها الخاصة جداً وهو أنَّها من النباتات الظلية وليست الشمسية، وهنا يلعبُ وعي الفنان دوراً واضحاً في تغذية شبكة دلالات اللوحة التي تحيلُ المتلقي إلى ظلَّ الحياةِ، وليس إلى شمسها، لكون التجربة الفنية التي خاضها الفنان في هذه اللوحة هي تجربة استعادة شئ من خزين الذاكرة وابتعاثه من عتمتها إلى نور ذاكرة المتلقي فتتعايش الذاكرتانِ معاً في هذهِ التجربة الحياتيةِ التي تنضحُ بالألم.

ينضاف إلى ما سبق أنَّ الفنان اعتمد تدرجاً لونياً لإكساء أرضية الغرفة، فيبدأ من أقصى اليمين بالأزرق الغامق قليلاً، ثمَّ يشحبُ اللون بتقدمهِ إلى جهة اليسار، فالأزرق الغامق هو المتقدم لدلالتهِ الزمنية القريبة، والأزرق الشاحب هو المتأخر لدلالاتهِ على المُضي الزمني، وكذلك ظلُّ السندانة الذي يتخذُ من الازرق الأغمقِ من سابقيهِ درجةً لونية عند سقوطه على الأرض وعلى الجدار الجانبي، فيما يتخذ الرمادي الكامد لوناً لظل السندانة، ومن الثابتِ في الواقع العياني أنَّ الظلال سوداء، أمَّا في التجربة الفنية فيمكن للفنان اختيار اللون الذي يُشكِّل تضاداً مع اللون الرمادي لما يحمله من دلالاتِ القدم الزمني أولاً، والمشاعر المؤلمة ثانياً، فيما توزعت الأغصان ما بين اللونين البني والأزرق، وهنا لا بُدَّ لنا من التوقف عند الأغصان الظل لأنَّ الفنان عمد إلى تلوينهما بالأزرق ليؤكد الدلالات المبثوثة في اللوحة، فجعلهما عموديينِ أولاً مُلغياً انحناؤهما، واعتمد اللون الأزرق هويةً لهما ثانياً ليكون الهدوء والسكون سمةً لهما، ولأنَّ صفتهما العمودية غير موجودة في الغصنينِ الأصل بل موجودانِ في ذاكرةِ الفنان فقط، مما يمنح الدلالة فرصة للظهور لتعلن رغبة الفنانِ الكامنة في أعماقهِ لاستعادة هذه الذكرى وهذه العلاقة ذهنياً وإن كانت علاقة باردة واقعياً.

إنَّ الجدار المتأخر الذي يتموضع في عمق اللوحة يبدو موحشاً، وساهم في منحه هذه السمة اعتماد الفنان إلى تلونيه بالألوان : البني من الأسفل ثم الأصفر ثم البنفسجي بدرجات لونية مغبرة تشبحُ كلما اتجهت إلى اليسار، واعتماد هذه الألوان يحقق وظائف عدة : فهو أولاً يكسر الرتابة التي كان يمكن أن تسقط فيها اللوحة إذا اعتمدت الأرزق وتدرجاته فقط، وهذه وظيفة تقنية، كما أنَّه يؤشِّرُ بُعداً زمنياً متأخراً ثانياً، ويؤشِّرُ أحداثاً وأحاديثاً كثيرة شحب لونها وتاهت ملامحها وهذه وظيفة دلالية، ولكنَّ الشقّ في الجدار حقق انكسار الايقاع الرتيب للون من جهة، وأسهم في تكوين دلالة القدر وحكمهُ الصادر من زمنٍ، والنافذ فعلاً من جهة ثانية، كما أظهر جزءاً من غيمة كانت الأغصان في حاجةٍ شديدة إلى حضورها لإزاحة العطش، إلاّ أنَّ الغيمة بعيدة، والذكرى لن تُسقى بماء الحياة.

شكّل الحضور اللوني دلالته إذاً من خلال حضورهِ المتدرج والمتجاور، وكذلك تتخذ الكتل صفاتها من أحجامها وتموضعاتها، فالكتلة الأصغر هي السندانة ثم تليها في الحجم الورقة، فالظل الذي ترميه السندانة، ويتساوى حجمياً الغصنان الأصل والظل، ولكنها تتموضع في ثلث اللوحة الأسفل، فيما يشتمل الظل والجزء السماوي والغيمي على كتلة صغيرة الحجم، ويتساوى الفراغ بين الغصنين وفتحة الجدار حجماً مما يعمّق الدلالات التي أراد الفنان بثَّها في هذه اللوحة والتي أعلنت عن حضورها من خلال اختياره للكتل وحجومها وموقعتها على قماشة اللوحة حسب شدة ارتباطها بالذكرى، فالسندانة هي البذرة وهي الأصل ولهذا اتخذت حجماً كتلياً صغيراً اشارةً إلى بداية عاشتها الواقعة، ولكن ظلها القاتم كان أكبر منها ليس فقط لأنَّ الاضاءة آتية من الأمام تقنياً وإنَّما أيضاً لما تحمله من أصل الذكرى وأصل العلاقة اعتماداً على الفكرة الواقعية التي تقول : تولدُ الأشياءُ صغيرة ثم تكبرُ.

 

د. وجدان الخشاب

العراق

 

11-west4فن الغرب الامريكي Western art هو صنف امريكي محلي بحت من النادر ان يمارسه فنانون من بقية اجزاء العالم غير الفنانين الامريكان (باستثناء بعض الاهتمام به في استراليا) .

 11-west1

يصور هذا الصنف طبيعة ومناخ وحياة وثقافة الاقليم الغربي من الولايات المتحدة الكائن غرب نهر المسيسيبي والتي كانت سائدة خاصة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

 11-west2

فهو يصور مشاهد واحداث وشخوص تلك الجغرافية في ذلك الزمن بما في ذلك حياة وثقافة رعاة البقر والهنود الحمر والسلطات المحلية والمتمردين وقطاع الطرق والجيش الامريكي الغازي للمناطق الجديدة.

 

ولا تقتصر هذه الجانرة "genre" على الفن التشكيلي من رسم ونحت انما تشمل السينما والتلفزيون والموسيقى والحرف والصناعات الشعبية .

 

انه صنف محبب ومحترم لدى بعض الولايات الامريكية بالرغم من مواضيعه التي تعيد الى الاذهان فترة الفوضى واللاقانون ومنهج الغلبة للاقوى! الا ان الشعوب عموما تعتز بتاريخها مهما كانت النظرة اليه، ولهذا فانتعاش هذه الفنون هو اعتزاز بذلك الزمن كتاريخ.

11-west5 

وبغض النظر عن اي ايديولوجيا قد تلتصق بهذه الفنون فان اغلب الفنانين يجدون في هذه الجانرة سحر فني وجمالية خاصة تجذبهم اليه وتغريهم لممارسته.

11-west7

هناك متاحف كاملة وعروض خاصة ومهرجانات ومكتبات ومدارس واختصاصات دراسية وبضاعة وشركات انتاج وتسويق لهذا النوع من الفنون وجميعها مازالت شعبية وواسعة الانتشار ومربحة في اغلب الولايات الامريكية، خاصة الجنوبية والغربية.

 11-west6

هناك العديد من الفنانين القدامى والشباب الذين اختصوا بهذا النوع. من مشاهير التشكيليين المؤسسين لهذا الصنف من الرسم والنحت فريدريك رمنگتن (Frederic Remington 1861-1909) وچارلز رسل (1864-1926 Charles Russell).

11-west3

خاص بالمثقف

zouher sahebفي حوار الحضارات .. الذي يَشهدهُ الفكر المعاصر: حَقُ للعراقيين .. أن يحتفلوا بالحضارة البابلية .. التي أنارت: عُتمة الفكر الانساني على مَرّ التاريخ. فتلك الروائع الفنية العراقية .. التي تحتفل بها متاحف العالم كل حين .. تُعلن عن (بابليتها) بصورة جَليّة .. بفعل تميزها بصفتي الاصالة والتفرد: في اعمق مناطق الابداع صعوبة .. كونها منمذجة ومشكلنة .. على وفق خاصية متعالقة بشكل حيوي .. مع مهيمنات الفكر الحضاري التي أوجدتها: كونها بمثابة تشييد لهذه الضغوطات .. التي ابدعها الفنانون البابليون .. في الوسط المناسب: بين الحرية الذاتية والواعية .. وبين الجوهر الاخلاقي العام .. في حِراك المفاهيم بالفكر الاجتماعي: الذي يُميز رقي الذائقة الجمالية لشعب (حمورابي) و(نبوخذ نصر) .. عِبرَ تاريخ الفكر الجمالي الانساني.

لم تقدّم لنا الفنون البابلية: صورة منقولة أو مثالية لعصرها .. كما لم تشوهه ايضاً، إذ استوعبت قوانينه العميقة .. وليس احداثه الطارئة: فاكتشفت أن من الممكن خلقَ عالمٍ بديلاٍ آخرٍ: فبثت الحياة في (كائنات) تنتمي الى جنس مجهول .. لها قدرتها الدلالية المتشظية على إثارة الاسئلة والتحديات. وتلك (الصورة) لم تترك الانسان على حالهِ .. بل أضافت إليه جديداً. وذلك هو سر (الاقرار) بخصوصية (الجمالية) البابلية .. والتسليم بوجوها قائمة الذات .. كواحدة من التجارب الفنية الكبرى في تاريخ الحضارة الانسانية.

إنبنت آليات (هندسة المعنى) في منجزنا الثقافي: على مفصلين أساسيين .. اهتم الاول منهما بدراسة فنون العصر البابلي القديم (2004-1595 ق.م)، فبعد ان أزاحت "بابل" عن عينيها السحريتين: غبار الزمن .. الذي عطّره الرجل الطيب (حمورابي) بالبلَسم .. لتحقق نهضتها المظفرة على ضفاف الفرات في الحلة الفيحاء، كان ذلك بمثابة اشتراط لم يتح لنا خياراً .. سوى ان تكون بدايتنا بالتفسير التاريخي لقيام هذا العصر العظيم في تاريخ الفكر الحضاري.

تمكن (حمورابي) الذي يعني اسمه .. الدفء العظيم .. من القضاء على نظام فدرالية المحافظات .. وليحقق مشروع وحدة البلاد الوطنية: مهتماً باعداد جيش منظم وقوي، صارفاً جلّ اهتمامه لشؤون الري .. محققاً نهضة اقتصادية مميزة، فيما شهدت اعمال البناء والاعمار في عهده نشاطاً ملحوظاً: فأصبحت بابل عاصمة للثقافة والفنون العالمية، فهي بذلك اشبه بالمدينة الفاضلة .. فلم يكن فيها شرطة .. إذ كان باستطاعة من أختلف على شيء: مراجعة شريعتهِ .. لتعرّف الحل القانوني لمشكلتهِ.

غدت بابل حاضرة الشرق الثقافية .. باشهر احيائها المعروف بحي الدبلوماسيين .. إذ يلتقي سفراء العالم من كل صوب: لتعرّف قيم الفكر الفلسفي والثقافة والفنون. وبفعل مركز بابل العالمي: اصبحت اللغة البابلية لغة المراسلات الدبلوماسية بين عواصم العالم المختلفة. وكانت معابدها مركزاً للعلم والمعرفة: إذ تُرسل البعثات الدراسية من مختلف بقاع العالم لتعلم الرياضيات والهندسة والفلك .. على ايدي الاساتذة البابليين.

يُعد عصر (حمورابي): بمثابة عصر الأنوار في بنية الحضارة الرافدينية، بفعل تعاظم سلطة الملك في المشهد الحضاري .. وانفصال السلطات التشريعية والتنفيذية عن هيمنة المعبد، فتمتع الفنان في ربوع هذه (البحبوحة) بالحرية: التي لم تكن مطلقة .. بل محددة بحدود النظام .. بتعاظم سطوة الذاتي على حساب الموضوعي .. في خاصية التعبير عن رؤاه الذاتية .. بابداع اعماله الفنية. وذلك يشجعنا على تأسيس علاقة مقاربة مع عصر الأنوار الذي شهده الفكر الأوربي في القرن الثامن عشر الميلادي: الذي أزاح سلطة الكنيسة بوصفها المقررة لنظم المعتقدات الدينية .. والوسيط بين الانسان وبارئهِ.

أولى الفكر البابلي: الانسان جُلّ اهتمامهِ .. فبحث في اشكالياتهِ المادية والروحية على حد سواء، مُعتبراً الانسان والقيم الانسانية النبيلة .. المتحركة في الفهم الاجتماعي .. اعلى قيم الوجود: فكانت الديمقراطية أفضل (وسيلة) لتجسيد حرية الانسان البابلي .. بأبهى صورها إشراقاً .. وكان القانون غايةً لتحقيق طمأنينة الانسان .. ورسم (جغرافية) حقوقه وواجباته .. في ملابسات حياتهِ الخاصة والعامة.

فالقانون والفن: هما وجهي الحضارة البابلية المتقدمة .. فهما متضايفان في بنية الفكر البابلي .. بتفاعل جدلي من نوع خاص، إذ ان نضج القانون البابلي وسمتهِ الأنسانية: من شأنه ان فعّلَ آليات ازدهار الفنون وتطورها بشكل متسارع. فشعور الفنانين بالحرية .. المحمية بقوة النظم القانونية: الانسانية الجوهر .. من شأنه ان عمل على تحرير ذات الفنان من قيودها، لتعمل بفاعلية على تكسير السياقات المتهالكة: مؤسسة تحديثاً: له بنيتهِ المتحولة في حِراك الاساليب بخارطة تاريخ الفن في بلاد الرافدين.

ولعل الأدب البابلي الرفيع: هو الصورة المزدهرة عن تقدم: (المدنية البابلية) .. الذي دُوّن على آلاف الالواح الفخارية، ووثّق وارشّف في مكتبات متخصصة: وتكمن اهميته في الدلالات الانسانية التي يعّبر عنها .. والتي ما زالت فاعلة في الاشكالات الفكرية للأدب المعاصر، وكذلك في الاسلوب الفني المُميز .. في بنية الشعر والنثر .. الذي إتسمَ بطرز جمالية في النظم والتأليف المؤثر بمشاعر القاريء والسامع بشكل خاص. سواءً اكان ذلك .. في اشكاليات الاستعارة والتأويل .. او في بنية النصوص اللغوية .. او في آليات السرد القصصي والروائي. ولعل "ايوب البابلي .. والسيد وعبده .. والخليقة البابلية" ليست قصص مغامرات: إنها (الرمز) الدائم لذلك (الكائن) الذي عاش على ارض بابل .. الباحث عن سر الحياة، فكل من هذه المسميات الخالدة: هي (أدوار) مرّت عِبرَ الواقع المُتحرك .. نحو التاريخ .. الذي احتضنها مُحيلاً اياها: الى نصوص خالدة في ذاكرة الأجيال.

حين نجتاز عتبة الفقرة الاولى .. من هذا المِفصل: التي اهتمت بتعرف مرجعيات الفنون البابلية .. صوبَ الحفر الجيولوجي في اجناس المنجزات الفنية، تواجهنا العمارة البابلية بتساؤلين: الاول منهما .. يرتبط بدلالة مشيداتها المعمارية .. فكان المعبد: تجسيداً للنظام الكوني، والقصر: وجوداً اسطورياً .. بفعل قائمة طويلة من الممنوعات. فيما تكثف الاستفهام الآخر: بالقراءة الشكلانية للعمارة البابلية .. وذلك (فعل) يقوم على فهم الابنية: على انها نسق من العلاقات الرابطة بين مجموعة من العناصر البنائية .. فأقام تقابلاً بين القصر والمعبد .. واللوحات او التماثيل العظيمة لأي عصر من العصور، فيما ظهرت بيوت السكن البابلية: وكأنها (حوش) بغدادي معاصر في أزقة الكاظمية أو (أبو سيفين).

أدخلَ البابليون شيئاً من التحديث: على الخطابات الفكرية .. وتقنيات الإظهار في المنجزات النحتية .. بنوعيها المدور In the Round والبارز Relief، إذ دعتهم حاجاتهم الروحية .. الى توظيف النحت .. بوصفه وسيلةً لاكتشاف الصور المثالية لآلهتهم .. التي أرّقهم تخفيها في عوالم الوهم. كما نحتوا تماثيل المتعبدين: لتوثيق صور الافراد في امكنة اسطورية، وتلك (رسائل) فكرية .. عرفها السومريون والاكديون من قبل. الا ان الجديد: هو الازاحة الهامة التي احدثها شعب حمورابي في وظائف المسلات .. التي قدّمت سلسلة من الشرائع القانونية .. بدلاً من توصيفها للمعارك والحملات الحربية، وكذلك (خاصية) تجميع الخامات العجيبة التي اتصفت بها .. معظم تماثيلهم المعدنية.

فيما أطلقنا (تسمية) المدرسة البابلية في فن التصوير .. على منظومة الرسوم الجدارية بقصر ماري، اسوة بالمدارس والاتجاهات الفنية المشخصة في تاريخ فن الرسم. بفعل تميز مرجعياتها الفكرية .. والوسائط المادية المستخدمة في انجازها .. وآليات إظهار أنظمتها الشكلية على السطوح الجدارية .. وبذات الفاعلية التي تميز مدرسة بغداد للتصوير .. عن غيرها من الاتجاهات.

وخَلُصَ مفصلنا الأول: الى دراسة الاختام الاسطوانية البابلية .. بوصفها فناً شعبياً: يوثق المفاهيم الفكرية المتحركة في بنية الاعراف الاجتماعية. إذ أسس البابليون: وسيلةً للمثاقفة مع الآخر .. فصيروها بفكرهم الابداعي الى (صيرورة) معبّرة عن معتقداتهم .. فاضحت خطاباً جمعياً .. يحيا بحالة تعايش مع وسيطهم الحضاري .. المزدحم بحراك المفاهيم الدينية والثقافية. فتبادلت معه الأثر والتأثير .. على وفق آليات جدلية .. وبخاصية متفردة من التكيف لنوعية المهيمنات الفكرية الضاغطة.

مَرّت (1250) عاماً: بين وفاة الزعيم البابلي الشهير (حمورابي) .. وتأسيس الدولة البابلية الحديثة من قبل (نبوبلاصر) .. إذ غدت بابل في عصرها الحديث .. وعلى الأخص زمن الملك (نبوخذنصر): مدينةَ لا تُضاهى في عظمتها وسعتها .. فقد فاقت مساحتها مدينة (اثينا) عاصمة الاغريق خمس مرات، وصارت عنوان حضارة بلاد الرافدين .. ونسبت اليها حضارة هذه البلاد جميعها: فقِيلَ بلاد بابل واهلها البابليون. لذلك كان اهتمام مفصلنا الثاني: بدراسة طبوغرافية هذه المدينة الخالدة.

فاذا تجاوزنا (فاتحة) هذا المفصل .. التي أوغلت في التفصيل عن السياقات التاريخية لتأسيس الدولة البابلية الجديدة .. وحراك الجيوش البابلية .. وجغرافية الفتوحات .. وازدهار الاقتصاد .. ووحدة البلاد السياسية: بفعل قوة الارادة التي ميزت الملوك البابليين الجُدد: لما من شأنه ان فعّلَ خاصية ازدهار الفنون. سنجد انفسنا مهتمين بدراسة التخطيط الحضري والاقليمي لعاصمة الملك (نبوخذ نصر) بعهدها الجديد، فقد أُحيطت المدينة بسورين عظيمين .. ينفتحان بدورهما على ثمان بوابات .. اشهرها بوابة عشتار، فيما يخترق فضاء المدينة الكلي: ثمانية شوارع .. بُلطّت بنوع من الحجر الابيض اللون .. وغُرست على جوانبهما: انساق من الاشجار الملونة .. واذا اضفنا لذلك مكتبات المدينة الغنية بالمصادر العلمية .. فاننا سنكون: ازاء مدينة معاصرة من الطراز الاول.

وتوسعت اهتمامات هذا المفصل الى دراسة فلسفة الفكر البابلي الجديد .. الذي تأسس على صراع قوتين هما: ارادة الملوك وسطوة المعبد .. لما من شأنه ان اربك المشهد الحضاري للدولة البابلية الحديثة .. فقد ذكرت الكتابات البابلية: بان عدد المعابد البابلية كان 1179 معبداً .. ولذلك استطاع المعبد ان ينافس سلطة الملوك ويطبع شخصياتهم بمسحة (كهنة الآلهة) .. الامر الذي يفسّر خلو المتحف البابلي (الافتراضي) من تماثيل الملوك او مسلاتهم الحربية.

بأستثناء ابنية الاهرام المصرية .. يُعد برج بابل: بمثابة احدى ناطحات السحاب في العالم القديم، وفي ملمح آخر: فقد أخرسَ المهندسون البابليون (صلابة) كتلتهِ المعمارية .. إذ زينوا شرفاتهِ بالزهور الملونة .. ولونوا طبقاتهِ السبع بألوان متنوعة، فكان بمثابة (باليت) غني الالوان: يؤشر الى لوحة معمارية خالدة. تُرى .. هل يمكن ان نتخيل جمالية برج (نبوخذ نصر) .. وهو يَطّلُ على فضاءات المدينة: البيضاء اللون .. التي شطرتها زرقة نهر الفرات الى فضائين لونيين .. وزادت من ألقها الجمالي: الوان اشرعة السفن .. الحمراء والصفراء والزرقاء .. الراسية في مينائها العظيم. هل نحن امام لوحة إنطباعية للفنان (بيسارو) رسمها لبحر (المانش)؟ أم في حضرة لوحة معمارية أبدعها (نبوخذ نصر) لوحدهِ؟ لاشك ان الخيار الأخير .. هو الصحيح في كل الاحتمالات.

توقف (زَحف) الدراسة في هذا المفصَل: عند بوابة عشتار: بوصفها أهم المنحزات الفنية البابلية .. واكثرها شهرة، فلم يكتشف حتى الآن: ما يماثلها في العواصم الفرعونية او الاغريقية .. كونها خلطت فنون العمارة والرسم والنحت والخزف: ببودقة واحدة .. وتلك آليات إظهار معاصرة: جمعت بين (قوس النصر البابلي) وبوابتي مدينتي برلين وباريس. وباضاءة أخرى: ما زالت تقنيات اخراج الوانها الخزفية: تشكل (حَرجاً) كبيراً للخزافين المعاصرين بشتى بقاع العالم. فما أعظم الانتصار الذي تَحقق.

فيما أنارت جماليات شارع الاحتفالات البابلي ـ شارع الموكب ـ اشكالية شكلية: احتلت مساحة واسعة من جغرافية هذا المفصل. فقد (مَوسقت) اشكال الاسود المتعاقبة: على وفق ما يشبه نظام السلم الموسيقي .. الحِراك الجمالي لسطوح العمارة الصماء. اما مجاورة أرضية الشارع الحمراء اللون .. لسطوح الجدران اللازوردية .. والوان الأسود البيضاء المبقعة باللون البرتقالي: فتلك (خاصية) متقدمة في العلاقات الجمالية للألوان .. تجد خصوصيتها بمقولة (بودلير): "أُريد حقولاً ملونة باللون الأحمر .. واشجاراً ملونة باللون الازرق .. فليس للطبيعة من مخيلة.

حين لامست دراستنا: فكرة القصور الملكية البابلية .. فانها اعادت تأثيث قصر الملك (نبوخذ نصر) المعروف بالقصر الجنوبي: ليس بمعنى (صيرورتهِ) كهندسة للطين .. ليكون قصراً لادارة الدولة المترامية الأطراف فحسب .. بل كونهِ (خطاباً) معمارياً رمزياً: تحركت على جدرانهِ .. تقابلات رمزية لقوى الحياة والتجدد .. ورموز حمايتها الاسطورية، فيما كان عرش الملك بينهما: بوصفه قوة الحماية الارضية القادرة على تحقيق الدور السحري للاشكال .. في ربوع مدينتهِ السعيدة.

وازاحَ الملك (بنونهيدِ) وظيفة القصر الشمالي: من كونه حصناً حربياً للملك (نبوخذ نصر) .. الى تأثيثهِ كمتحف للفنون الجميلة .. في عاصمة الشرق الحضارية: مدينة بابل. فكان (أسد بابل) من بين روائعه الفريدة. الذي تؤكد مرجعياتهُ الفكرية .. وسماتهُ الشكلية المُتسمة: بالتبسيط والاختزال والخطوط الحادة والمساحات النحتية الواسعة: اصوله البابلية، على العكس .. مما ذهب اليهِ البعض: من انه جُلبَ الى بابل .. كغنيمة حربية.

أما خاتمة المطاف: فكانت بالتعرض شرحاً وتفسيراً .. لأفُول المشهد البابلي، إذ أَثارت عظمة بابل وشهرتها العالمية .. وتفوقها الحضاري المُتَفرد: سخط جيرانها الأخمينيين .. فامتدت يد التخريب .. لتدنس ارض بابل المقدسة .. وتُسيء لذلك الصرح الحضاري العظيم: الذي بناه البابليون .. بعناية وصبر كبيرين .. واتسم بسمة العبقرية الخلاقة والأصيلة. فدخلت جيوش الملك الأخميني (كورش) عاصمة الفن والثقافة بتأريخ 13/11/539ق.م. فقد سقطت السلطة البابلية سياسياً .. إلا ان حضارتها: ظلت فعالة وحيوية في تاريخ الفكر الأنساني حتى هذه اللحظة.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

wejdan alkashabفي بداياته الأُولى على سطح هذه الأرض مارس الإنسان النقد دون أن يسميه نقداً، ففي مختلف تفاصيل الواقع العياني المعاش كان لا بُدَّ للإنسان أن يُعجب بشخص أو شئ أو موقف ما، وبالمقابل عرف الاستهجان أيضاً طريقه إلى حياته، ولكنه كان نقداً فطرياً مشروطاً بما يستدعيه، ومع التراكم الزمني بدأ النقد يحتكم إلى أُصول أو قواعد تحدد مساراته، خصوصاً أنَّ الفلسفة بدأت تثبت حضورها في تفصيلات الواقع وفي العقل الجمعي الذي بدأ يتخذ طريقه للظهور عبر الحياة المجتمعية ومتغيراتها، فكان النقد الرفيق الدائم للجدل في أي موضوع يُطرح للنقاش، وبدأت مسارات الوعي الإنساني تلتقي وتتفارق لكنها – دائماً – تضيف وعياً، وتطرح أسئلة تُسهم وتسفر بشكل أو بآخر عن أسئلة وجودية تعلن ترابطها الحي مع تفاصيل الواقع ولكن بطريقة أكثر وعياً، وبالمقابل كانت رحلة الفن المتسمة بالثراء والتغير أيضاً تثير جدلاً ومواقفاً بعد أن تحولت من فطرية الكهوف إلى قصدية إنشاء لوحة فنية، سواء أكانت تُرسم على جدار أو سقف أو قطعة قماش، وتحوّل الإنسان البدائي إلى فنان يهيء أدواته، ويحدد أهدافه، وينشغل بمتلقيه زمناً ثم ينتج لوحة، فبدأت الاتجاهات والمدارس والتجارب بالظهور، من هنا كان لا بُدَّ للنقد من أن يسير متحاذياً مع هذه النقلة النوعية للفن، وبدأ الناقد والنقد بالظهور خالعاً ثوب الفطرة في الحكم متجهاً نحو التقعيد النقدي، مما أدّى إلى نشأة أنواع من النقد التشكيلي، سنقف عندها في بحث آخر.

من هنا بدأ الدور الوظيفي للناقد التشكيلي الذي سيعمل باتجاه تفكيك المنتج الفني واعادة تركيبه كاشفاً عن جمالياته ودلالاته وتقنياته، وكذلك مواطن القوة والضعف فيه، وهذا ما دعا الباحثين إلى محاولة التعريف بالنقد الفني فمثلاً اندرسون عرّف به قائلاً : النقد الفني مواجهة مباشرة بين المتلقي مشاهداً أو ناقداً والعمل الفني نفسه، وينتج عن ذلك تفسير وتحليل للتعبيرات الفنية المختلفة للعمل، وذلك الرأي يأتي من بيئة ثقافية معينة للناقد. يكشف هذا التعريف عن انتباه أندرسون إلى العلاقة بين العمل والمتلقي فهو تحدٍ يعلنه العمل بمواجهة متلقيه، ولكن هذه المواجهة تحمل في ثنياتها كشفاً لمكنونات العمل، فتضع هذه المكنونات في بقعة الضوء الكاشف مما يسهم في إثراء تجربة التلقي وتجربة الفن في الوقت ذاته، مع ملاحظة أنّ أندرسون لم يحدد نوعية العمل بل أشار إلى مطلق الفنون، أما آيزنر فعرّف به قائلاً : النقد الفني وسيلة لتطوير الإحساس البصري من خلال الرؤية والوصف والتحليل والتقييم لصفات العمل الفني.

إذاً اهتم آيزنر بالإحساس البصري للمتلقي دون أن يشير إلى دور النقد الفني في اثراء وعي المتلقي حياتياً، ولكنه حدد بالمقابل وظائف النقد.

وربما أستطيع القول أنَّ النقد الفني هو : إجراء تحليلي يقوم به الناقد كاشفاً ما يمتلكه العمل الفني من تقنيات وعناصر وقوانين ودلالات تسهم في محاورة عقل وبصر المتلقي، كما تسهم في اثراء تجربة الفنان في منحها قيمتها الحقيقة عن طريق تأشير مكامن ضعفها وقوتها ومكانتها بين نتاجات الفنانين الآخرين.

إنّ القدرة على تشكيل شخصية الناقد الفني تنبني من خلال معطيات متعددة تبدأ بالتكوين المعرفي العام والفني، وتوظيف هذا التكوين في عمليات التأمل والتفكر، وتدريب البصر على تلقي الأعمال الفنية، ومحاورة الفنانين حول تجاربهم الفنية وصولاً إلى بناء قدرات مميزة تنهض بوصف العمل الفني أولاً، تحليل وتفسير معطياته ثانياً، فإذا امتلك هذه القدرات سيكون باستطاعته تقييم ما يتلقاه من الأعمال الفنية سلباً أو ايجاباً مع تبيان أسباب هذا التقييم. ومن ثم موضعة العمل الفني ضمن الاتجاه أو المدرسة التي اعتمدها الفنان في انجازها، وهذا بالتالي سيقود الناقد – من خلال الخبرة التراكمية – إلى القدرة على إجراء المقارنات بين ما ينتجه الفنان من أعمال خلال فترات مختلفة، وبين انتاج فنان وآخر معاصر أو سابق، وكشف تأثير السابق منهما على اللاحق، كما يصبح بإمكانه معرفة مدى الترابط بين انتاج فنان ما وشخصيته.

ويمكن أن يتوجه الناقد نحو تأرخة الأعمال الفنية أو المدارس أو الاتجاهات {الكلاسيكية أو السريالية أو الدادائية مثلاً} محاولاً التعريف ببداياتها وخطوط تطورها، وترابطها الحضاري بوصف الفن معطى حضارياً، وأهم روادها، وما تركته من تأثيرات على المدارس أو المذاهب التي تلتها، وما تركته من تأثيرات على متلقيها كذلك، ليس المعاصرين فقط، بل قد يتتبع الناقد تأثيرات مدرسة أو فنان على متلقيه في أكثر من فترة تأريخية. والدليل على ذلك أننا لا نزال نستمتع بالكثير من اللوحات العظيمة {الموناليزا على سبيل المثال لا الحصر} ونقرأ ما أنتجه النقاد عنها من كتابات بغض النظر عن كونهم معاصرين لدافنشي أو غير معاصرين، وقد يتجه الناقد إلى دراسة حياة الفنان في واقعه العياني مؤشراً ما مرَّ به من ظروف تخصه أو ظروف عامة تخصُّ بلده أو العالم من حوله وما نتج عنها من تأثيرات ظهرت آثارها في نتاجه الفني سواء أكان موقفه منها يشكل إدانة لها أو استجابة وتوافقاً معها.

تتشكل الخبرات الفنية للناقد من خلال الاختلاط بالفنانين ومتابعة نتاجاتهم، ومناقشة مختلف القضايا التي تتعلق بالفن بشكل عام وبالفن التشكيلي بشكل خاص، وهذا بالتالي واحد من أهم الاُمور التي ستوجد ذوقاً فنياً للناقد يمكّنه من تمييز جماليات الأعمال الفنية، وكشف هذه الجماليات ليستمتع بها الآخرون.

تُشكّل العلوم المجاورة للفن مثل علم الجمال وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم التشريح والتأريخ والفلسفة والأديان معيناً معرفياً يسهم في التكوين المعرفي للناقد، ويساعده على قراءة العمل الفني قراءة محايثة تكشف عناصره ودلالاته، وتهيء للمتلقي الاستمتاع به من خلال لغة ترقى إلى مستوى العمل، وفكر متبصر متأمل ينفذ إلى ما وراء الخط واللون والأشكال ليكشف الدلالات المخفية التي قد تُفاجئ الفنان نفسه، هذه القدرات التي يجب أن يمتلكها الناقد ليستطيع ايجاد المتعة وتربية الذوق الفني للمتلقي.

wejdan alkashabالتكوين – حسب طروحات رسكن - هو وضع أشياء عديدة معاً بحيث تكون في النهاية شيئاً واحداً، وطبيعة وجود كل من هذه العناصر يسهم بشكل فعّـال في تحقق العمل، ولهذا سيكون على العناصر أن تكون في مواضع محددة لكي تؤدي وظيفتها في اللوحة.

أمّا الشكل فهو أداة يتوصّـل بها الفنان إلى التعبير عن أفكاره، فإذا كان الفن تعبيراً عن الموقف الإنساني إزاء معطى ما، فلا بُدَّ لهذا التعبير من أن يتمظهر من خلال الأشكال التي يوجدها الفنان على خامة اللوحة، ليحقق من خلالها تواصله مع متلقيه .

يمكننا القول أيضاً أنَّ الشكل هو الوحدة البنائية المتكونة من مجموعة أشكال جزئية تنفعل ببعضها لتنتج تكويناً كليّاً عن طريق تفعيل الرؤية العينية والذاكرة والخيال معاً ليكون الناتج لوحة محمّلة بالدلالات التي ابتغى الفنان ايصالها إلى متلقيه، وإثارة انفعاله بها .

 66-salahhadid

لنحاول أن نستكشف التكوين العام لهذه اللوحة التي تؤشر اختيار الفنان صلاح مشهداً أمامياً لجدار يتخذ شكل المستطيل القائم والمتداخل مع مستطيل قائم ثانٍ، فالمستطيل الأول يحدد الجزء المعروض من الجدار بالإطار، والثاني هو ما قرره الفنان شكلاً للفتحة، ومن المعروف أنَّ المستطيل هو أكثر الأشكال الهندسية دلالة على الوقار والشموخ والعظَمَة، وفي الوقت ذاته هو أكثر الأشكال الهندسية تحقيقاً للنسبة الذهبية في الرسم .

اعتمد التكوين في هذه اللوحة على {5} أشكال هي :

1-      الجدار .

2-      الفتحة في الجدار .

3-      أجزاء الجسد الإنساني .

4-      المنطقة المعتمة الواقعة خلف الجدار .

5-      الفراغ الكامن في مقدمة اللوحة.

إذاً يكشف المسح البصري الأولي للجدار عن كونه جداراً قائماً أصمّاً، فلا توجد عليه آثار كتابة، ولا يبدو أنّ يداً بشرية قد مرّت عليه، وتركت أثراً لخطاباتها التي كثيراً ما تعلن عن وجودها على الجدران، لكنّ الفنان استعاض عنها بعوامل التعرية التي كشفت عن تقادم زمني أولاً، وعن كينونة هذا الجدار، فهو الجدار الأصم الجامد الذي بدأت قشرته الخارجية بالتناكث بفعل المرور الزمني عليه والاهمال مما أفقده ملمحاً إنسانياً كثيراً ما تتمظهر به الجدران قديمها وحديثها .

تُـشكِّل الفتحة بؤرة حَدَثية لسرد اللوحة، فهي الجزء الذي يتخـفّـى فيه المسكوت عنه من دلالات اللوحة، وتكشفه المعطيات المطروحة للمتلقي بصرياً، فالمستقر في الذاكرة الجمعية البشرية هو أنَّ كل فتحة أيّاً كان نوعها : باباً، شباكاً، كوّة، إنَّما هي أداة اتصال بين الخارج والداخل بوصفها منفذاً للداخلين أو للخارجين، انفتاحها دعوة للدخول، وانغلاقها مصدّ لغير المرغوب فيهم، لكنَّ الفتحة هنا تؤدي وظيفة أُخرى، فهي منفذ لمسترقي النظر الذين شاغلتهم عتمة ما ورائها، وهي الفرصة الوحيدة للجسد في محاولته الخروج، وهي أيضاً عامل تخفّيه المفروض عليه جبراً.

قد يتسآءل المتلقي مثلما تسآءلتُ في اللحظات الأُولى من تلقّي اللوحة : لماذا لم يضع الفنان صلاح حواجز مثل حواجز الشبابيك أو حواجز السجون على هذه الفتحة، ثم جعل القدمين تخترقها ؟

سأترك الإجابة على هذا التساؤل الآن، لأكشف عنه عند محاولتي قراءة الدلالات المحتملة لهذه اللوحة .

القدمان هما نقطة التوازن والارتكاز الجسدي على الأرض، واليدان هما الجزء الجسدي المنتج للفعل، ولهذا اختارهما الفنان لتأدية الحركة في هذه اللوحة . مع ملاحظة تعمد الفنان اخفاء باقي أجزاء الجسد في المنطقة المعتمة الواقعة خلف الجدار {أي في العمق الفراغي} وتخصيصاً الرأس الذي يكمن فيه الدماغ وهو منتج الفعل الإيعازي للقدمين واليدين .

أمّا الفراغ الكامن في مقدمة اللوحة فقد اعتمده الفنان بوصفه فضاءً زمنياً مستقبِلاً لأجزاء الجسد الخارج من منطقة العتمة .

سأحاول الآن قراءة النسقية اللونية التي فرشها الفنان صلاح على خامة اللوحة، منطلقة من الفكرة التي تعارفنا عليها في واقعنا العياني والتي تحيل إلى أنَّ الألوان علامات دالّة تمنح الإنسان فرصة التعرُّف على معطيات بيئته الحياتية وتمييزها، كذلك اللوحة تمنح التكوين ألواناً دالّة تُميّز الأشكال المكوِّنة له بوصفها أشكالاً منقولة من الواقع، لكنها تخضع لمعالجة مغايرة تعمل على إعادة إنتاجها ضمن واقع جديد تفترضه وتعرضه اللوحة فنياً.

تكشف القراءة اللونية لهذه اللوحة عن اشتغال الفنان باتجاه تفعيل ثلاثة ألوان مع تدرجاتها لتؤدي هي الأُخرى اشتغالاتها في عالم اللوحة :

اللون الأول هو اللون البُنّي الذي اتخذ موضعته على الأجزاء غير المتآكلة من الجدار حيث حاول الفنان اكسابه درجة بدت أقرب ما تكون إلى الترابية أو الطينية المتوسطة والمتدرجة نحو البُنّي الفاتح في الجهة اليسرى والجهة السُفلى القريبة من الفتحة، فيما اتجه إلى الدرجة الأغمق قليلاً في الجهات الأُخرى بفعل مساقط الضوء.

واتخذت الأجزاء المتآكلة من الجدار اللون الرمادي المتدرج المائل إلى الدرجة الفاتحة حيناً، والغامقة حيناً آخر بسبب ملمسها الخشن، وبفعل الضوء الساقط عليها أيضاً، مما ساعد على اشتغالها باتجاه تكسير الإيقاع الرتيب للّـون .

كما اتخذت القدمان اللون البُنّي { الترابي} المائل إلى الدرجة الفاتحة للقدم الخارجة من الفتحة بفعل مسقط الضوء عليها، والدرجة الأغمق للقدم الأُخرى المستندة على حافة الفتحة بفعل انحسار مسقط الضوء عنها .

أمّا الفتحة الجدارية فكان لها اللون الأسود، مؤشرة ثلاثة أبعاد :

1-      بُعد زمني، بدلالة اتخاذها اللون الأسود الذي يحيل دلالياً إلى الليل والظلام.

2-      بُعد مكاني، بدلالة كونها مكاناً للحركة المتحققة .

3-      بُعد ثالث {عمق} بدلالة وقوعها في العمق بعيداً عن المتلقي .

وكلها أبعاد تؤشر الإخفاء المتعمد لبقية أجزاء الجسد في محاولة واعية من الفنان لدفع المتلقي باتجاه الكشف عن الغموض الذي يغلِّف الجسد والواقعة معاً .

كما أنَّ قدرة الفنان على موقعة التضليل والتنوير تمظهرت من خلال تبنّيه حركية لونية تمنح اللوحة طاقتها الخاصة بها على التعبير عن الوظائف التي يؤديها التكوين، ويكسبها قيماً دلالية أيضاً .

في مقابل المنطقة الواقعة خلف الجدار تنتصب منطقة تقع أمام الجدار {في مقدمة اللوحة} لتُشكّل مقابلاً متضاداً تماماً، فالمنطقة الأُولى معتمة، والمنطقة الثانية مضيئة، والأُولى غموض، والثانية وضوح، وهذا ما سيشكّل بُعداً دلالياً أدّته الحركة الجسدية التي هي الفكرة التي نهضت عليها هذه اللوحة .

سأحاول الوقوف أولاً عند الحركة مفهوماً وأنواعاً، حيث يشير الباحثون إلى أنَّ الحركة هي انتقال للشيء كلّه أو جزء منه لمسافة محددة في زمن محدد هو الآخر .

ويعرض الباحثون في النقد التشكيلي أنواعاً من الحركة في مجال التشكيل، وهي :

1-      إنَّ المسح البصري الذي يجريه المتلقي للّوحة هو حركة، حركة العين على مساحة اللوحة بحثاً عن تحديد أشكالها وعلاقات هذه الأشكال بعضها ببعض.

2-      حركة الفنان، وتشتمل على نوعين من الحركة :

* حركة فكرية، ذهنية، ذاكراتية غير منظورة، يتم اشتغالها داخل الدماغ، فهي حركة مصفوفاته الذاكراتية ما بين الالتقاط والتخزين والإظهار.

* حركة الفرشاة على الخامة وهي تصنع الأشكال من خلال عناصر اللوحة، وهي حركة ناتجة عن اتحاد ثلاثي : اليد والعين والذاكرة.

3- اللوحة تقدم مشهداً في لحظة زمنية محددة، فتبدو قارّة على الخامة ظاهرياً إلاّ إنّـها في حقيقة وجودها تُـمثّـل حركة متحققة يمكن قراءتها من خلال الوضعية المحددة التي اختارها الفنان.

سأُركِّز في قراءتي لهذه اللوحة على الحركة المتحققة والمتمثلة بامتداد القدم اليسرى خارج الفتحة، فيما ركنت القدم اليمنى على حافتها، وحاولت اليد اليسرى الإمساك بالجدار، إذاً هي حركة نهوض يحاولها الجسد معتمداً على قدميه ويده اليسرى، ولابُدّ لنا من الإشارة إلى أنَّ نصف الكرة المخية الأيمن يتحـكّـم بالنشاطات والعمليات السايكولوجية والفسيولوجية في الجهة اليسرى من الجسم، ويُسمّى بالجهاز العصبي للفنون الجميلة والخيال الفراغي أو المكاني، وذلك لاحتوائه على مراكز مسؤولة عن القدرات الفنية والموسيقية والهندسية والتأملية، والدليل على ذلك أنَّه متطوِّر كثيراً عند كل الفنانين والمهندسين المعماريين .

إذاً كان الفنان صلاح موفقاً تماماً باختياره لليد اليسرى والقدم اليسرى أيضاً، وهو بهذا يحيلنا إلى أنَّ الفن يمكن له أن يحقق وظيفة التوازن النفسي بوصفه عامل إنتاج يشتغل باتجاه تمظهر المشاعر المكبوتة والمواقف المؤلمة التي يعايشها الفنان في السياقات المجتمعية اليومية، ويُحرَم من الإعلان عنها، مما يحيلها إلى عامل ضغط نفسي شديد على فكره، فلا يجد لذاكرته منفذاً تعبيرياً أفضل من الفن، وهذا هو جوهر الفن بوجه من الوجوه .

ويشير الناقد الفرنسي كلود روشان إلى أنَّ أهم وشائج الفكرة التشكيلية هي الحركة، لأنّ الحركة بكل بساطة هي علّة التكوين والتصوير، ومن ثمَّ نواة الفن التشكيلي، فتصبح المزية المتفردة لكل فنان هي اعتماده لفكرة الحركة في مشروعه التشكيلي، فهي أحياناً (الحركة) تتفوّق على كل مقومات الفنان بل وتصبح هي القيمة الكبيرة في عمله الإبداعي .

من المتعارف عليه أنَّ الجدران بأنواعها تُشكِّل حاجزاً بصرياً، وهذا ما اشتغل الفنان صلاح باتجاه تأكيده، فحجب كل ما يمكن أن يكون وراءه من المكونات مثل الغرف أو المساحات المفتوحة، ليسلب هذا الجدار جزءاً من كينونته الواقعية، ويحيله إلى رمز دلالي لكل حاجز يحاول أن يؤدي وظيفة الإقصاء والإخفاء، إلاّ أنّه في هذه اللوحة فشل في أدائه لهذه الوظيفة، فتحوَّل من عالم خاص محدد بإطار يمتلك أبعاده الهندسية إلى عالم يمتلك قيمته التشكيلية، لأنَّه شكَّل تضاداً تفاعلياً مع الفتحة التي أحرجت صلابته من جهة، ومع الأجزاء الإنسانية التي اخترقت الفتحة بشكلٍ فعلي من جهة ثانية، مؤدية حركتها الرافضة تماماً للعتمة والانغلاق والخوف، معلنة اصرارها على التجاوز والانطلاق نحو رحبة الحياة .

من هنا يمكنني القول بأنَّ اعتماد الفنان اللون البنيّ للجدار، وهو من الألوان الترابية التي تنتمي إلى الألوان الحارة، وتحيل دلالياً إلى الأرض والارتباط الروحي بها لأنَّ التراب هو أصل الموجودات، فالجدار إذاً ليس هو الحاجز أو المصد فقط، بل هو رمز للحياة بصلابتها وقوة حضورها وحرارتها، ولكنَّ هذه الصفات ليست حاضرة بشكلها الصريح لأنَّ الأجزاء المتآكلة اتخذت لوناً دخيلاً على بُـنيّـة الجدار وهو اللون الرمادي، والذي هو من الألوان الحيادية الواقعة في منتصف المسافة ما بين الأبيض والأسود، والرمادي بتدرجاته يُشكِّل كشفاً زمنياً بعيداً يخترق صلابة الجدار {الحياة} مُحيلاً حضوره إلى ما يشبه التراكمات الإنسانية التي مرّت عليه.

إذاً الدلالات التي أراد الفنان كشفها في هذه اللوحة هي كينونة الوجود الإنساني الذي يحاول الإفلات من المحنة والظلام والإقصاء وسوداوية الأحداث وانغلاقها، ورفض الكمون والموت والاستسلام، من خلال حركة الاختراق لتحقيق الوجود الإنساني الحر، معتمداً فكرة أنَّ الأمل لا يموت، والحياة ستسمر رغم المحنة .

إذاً يمكنني وصف هذه اللوحة بـ {تنبؤية} لأنّها تنطبق على وضعنا حالياً، بالقدر نفسه الذي تنطبق عليه في وصف أيّة محنة يمرُّ بها الإنسان، وبهذا تحتمل الوجهين: العام الذي يحيل إلى معاناة مجموعة بشرية في أيّ مكان وزمان، والخاص الذي يحيل إلى إنسان خاض محنةً ما، ولكنه لم يفقد الأمل، ولم يترك للمحنة فرصتها لتحطيمه، بل كان هو مَن يحطم قيودها ويتجاوزها.

 

د . وجدان الخشاب

العراق

 

10-goodard1الفنان الانگليزي المتفوق جان وليم گودوارد 1861 -1922 هو ايضا من آخر العمالقة الذين ختموا خمسمائة سنة من الرسم الكلاسيكي الذي سلب العقول في كل بقعة على هذه الارض.

 

10-goodard2كان هذا الرسام المجيد من اتباع الرسام الهولني – الانكليزي ذائع الصيت آنذاك السير وليم ألما تديما.

 

10-goodard3وكان من الناحية الاسلوبية يعتبر من اواخر رسامي مجموعة ماقبل الروفائيلية. التجمع الفني الذي سيخبو بريقه مع تصاعد شعبية الفن الحديث عند بزوغه في مطلع القرن العشرين.

 

10-goodard4وكما كان الفنان الفرنسي بگوو، فگودوارد هو الاخر تميز برسمه للحسناوات بطريقة فائقة الجمال ومهارة تكنيكية عالية حتى عرف بانه رسام "نساء المرمر" لكثرة ماصوره من الفاتنات المضطجعات على دكات المرمر بمشاهد توحي الى الحضارات الاغريقية والرومانية. كان هذا الفنان رغم دماثة خلقه وكرمه، خجولا حزينا منعزلا ومنطويا على نفسه وبالشكل الذي اصبح فيه بمثابة اللغز الغامض حتى على المقربين منه كافراد عائلته واصدقاءه الذين بقوا في حيرة من امره عندما اقدم على الانتحار بسن الواحد والستين ليترك خلفه تراثا خالدا من الرقة والروعة والسحر.

 

10-goodard5وكان قد شاع آنذاك بان من اسباب انتحاره هو شعوره بالعزلة الاجتماعية والفنية على حد سواء، خاصة وانه ظل يراقب تحول الاهتمام الى الفنون الحديثة. وقد قيل ان رسالة الانتحار التي تركها تضمنت قوله " لايستطيع العالم ان يتسع لي ولبيكاسو في نفس الوقت"!

 10-goodard6

خاص بالمثقف

ا. د. مصدق الحبيب

wejdan alkashabيكشف المسح البصري لهذه اللوحة عن تكوين اعتمد اتخاذ شكل الدوامة موقعته على أرضيتها بحضورٍ طاغٍ، فيما تنتشر أشكال تجريدية لأربعة أشخاص يسبحون في هذه الدوامة.

تتخذ الدوامة شكلها الافتراضي التشكيلي الذي يلتقي مع شكلها المتعارف عليه في الواقع العياني، فالدوامة في المحيط أو البحر أو النهر هي وسطه الذي تدوم عليه الأمواج المتصفة بالشدّة والسرعة معاً، متخذة شكلاً دائرياً متكرراً، بؤرتها ضيّقة، وتتسع كلما اتجهت إلى الأعلى بعيداً عن مركز نشوئها، معلنة صداماتها المتوالية عن مغناطيسية تجذب إحداها إلى الأُخرى.

افتراضياً يُنظَر إلى الدوّامة من زاوية رؤية عمودية أو كما يصفها النُقّاد {رؤية الطائر} أي رؤية الأشياء من الأعلى، وبهذا يتحوّل الرائي إلى طائر مُحلِّق يدقق ويتأمل فيما يقع تحت عينيه، لكنَّ الفنان عثمان هنا عمد إلى عرض الدوامة من خلال قلب اتجاه زاوية النظر، فجعلها تظهر للمتلقي بشكل أُفقي يبدأ من عمق اللوحة متقدماً باتجاه مقدمتها، ليتيح لمتلقيها رؤيتها بوضوح أكثر.  

إذاً الشكل الدائري هو الأكثر ظهوراً في هذه اللوحة، هنا سيلفت نظر المتلقي أنَّ هذه الدوائر تأخذ شكلاً حلزونياً، فهي دوائر غير مكتملة تمنح متلقيها شعوراً بالدوار والحصار واللا استقرار إن حاول أن يتابع حركتها الدورانية، ولكن الفنان عثمان اشتغل باتجاه إخراج هذه الدوائر من انغلاقها ليمنحها حركة أشبه ما تكون بالحرّة والمتداخلة معاً ضمن حركتها الدورانية اللا نهائية.

يشير كارل يونغ في كتابه {الإنسان ورموزه} إلى أنَّ الشكل الدائري يحمل بُعداً مقدساً يُرمَز به إلى الذات الإنسانية، من هنا سيمكننا فهم توجّه الفنان عثمان نحو هذا الاختيار المتقارب الثلاثي {النفس الانسانية، الحلم، الدوّامة}، وهذا التقارب هو ما اشتغل الفنان باتجاه تأكيده من خلال نقل الشكل الدوّامي من كينونته الطبيعية المائية – المادية إلى تمثُّل حالة معنوية هي الحلم، وهذا بالتالي سيمنحني فرصة الكشف عن الدلالات المحتملة لهذه اللوحة .

في رحلته الإنسانية الطويلة نظر الإنسان إلى المُسطّح المائي {المحيط، البحر، البحيرة، النهر} نظرة نفعية أولاً، ومقلقة ثانياً، فالنفعية اشتغلت باتجاه استغلاله اقتصادياً، أمّا المقلقة فكانت نتاج نظرته إليه بوصفه امتداداً وهاوية مرعبة ومظلمة في الآن ذاته، ولا يمكن له اختراقها، من هنا سيمكننا القول أنَّ الفنان عثمان اشتغل باتجاه استغلال هذه الفكرة لتكوين رمزية الدوّامة وربطها بالحلم .

في واحدة من اشتقاقاتها الثرية تشير اللغة العربية إلى أنَّ الدوّام {دوار يحدث في رأس الإنسان}، وهذا الدوّام هو الذي أنتج الحلم في اشتغال الفنان عثمان.

 65-othemanadaway

فما هو الحلم؟

من وجهة النظر النفسية هو سلسلة من التخيلات التي تحدث أثناء النوم، كما أنّه الوسيلة التي تلجأ إليها النفس البشرية لإشباع رغباتها وأفكارها التي تعاني من كبتها بسبب صعوبة تحقيقها في الواقع العياني، حيث يشير كارل يونغ إلى أنَّ الاحلام تحقق حلولاً لمشكلات الشخص في محاولةٍ لإعادة توازنه الذي فقده جرّاء ضغوطات الواقع غير المثالي الذي يعيشه الفنان، مما يدفعه إلى البحث عن متنفس لهذا الصراع .

سأحاول أن استكشف خيوط الترابط الزمكاني بين الدوّامة والحلم، حيث أشرتُ سابقاً إلى أنَّ الدوّامة تحدث في مكان محدد حين تبدأ نواتها بالتحرك بدءاً من أعماق البحر المظلمة، والحلم نتاج اللاوعي أي الجزء الغامض من الذاكرة، والذاكرة مكان لتراكم المصفوفات الذهنية الواعية واللا واعية، وبهذا يبدأ الصراع صيرورته، الذي يستوجب المكان والزمان معاً، أي {الزمكان}، والزمان هنا أيضاً دائري لأنَّ دائرية الزمن تعني العودة الاسترجاعية للوصول إلى نقطة البدء، وهذه العودة تنحصر في جبرية مدارها المغلق .

تمثّل الأشكال الانسانية الأربعة الجزء الثاني من التكوين في هذه اللوحة، وتمظهرت بصفتي التجريد والتشويه معاً مما منحها بُعداً رمزياً . توزعت هذه الأشكال في النصف الثاني الأسفل من اللوحة، حيث تموقع الشكل الأول في مقدمة اللوحة، ورغم تعمد الفنان إظهار الرأس وبعض أجزاء الجسد وكأنها خارج الدوّامة إلاّ أنّه اشتغل باتجاه امتداد اليدين والقدمين وكأنّها توجد أمواجها الواضحة ضمن موجات الدوّامة .

فيما حاول موضعة الشكل الإنساني الثاني في الجزء الأبعد من مقدمة اللوحة، في أقصى يمين اللوحة في جزئها الأسفل، فبدا وكأنّه يسبح مع حركة الأمواج، مُـظهِراً حركته التي تتشابه مع حالة التزحلق عليها.

أمّا الشكل الإنساني الثالث والمتموقع في الجزء الأبعد، أي أنَّ تموقعه يأخذ مكانه باتجاه عمق اللوحة، فبدا أقرب ما يكون إلى الجالس على الأمواج سامحاً لها أن تأخذه حيثما تريد، لكنَّ الشكل الإنساني الرابع اتخذ موقعته في نقطة هي الأبعد عن الأشكال الثلاثة المتقدمة عليه، وبدا أقرب ما يكون إلى المتحدي مظهراً، حيث تكشف طريقة وقوفه عن تحدّيه لحركة الدوّامة، ورافضاً انسياقه واستسلامه لحركتها وقوّتها واندفاعها .

يبدو لي أنَّ هذا الشكل الإنساني {الرابع} يقف مواجهاً لبؤرة سرد اللوحة، وهي نواتها القابعة في أقصى البُعد الثالث، هنا سيعلن التساؤل عن وجوده :

 

لماذا أخفى الفنان عثمان رأس هذا الإنسان المتحدي ؟

سأُحاول طرح إجابة لهذا التساؤل بتأشير أهمية الرأس الذي هو مكان الدماغ، وهو الجزء المتحكم في الجسد الإنساني بأكمله وبؤرة وجوده، لكنَّ الفنان حينما يعمد إلى إخفائه ضمن حركة الدوّامة، يؤشر على أنَّ التحدي يحمل صفتي السلبية والفشل إزاء قوة الحركة الدوّامية الصاعدة، من هنا سينفتح أمامي باب يسهم في تأشير فكرة تحديد الأشكال الإنسانية الأربعة في هذه اللوحة، فالشخصيات الثلاث الأُولى والثانية والثالثة هي شخصيات تأخذها قوة الاندفاع الدوّامي دون أن تكون لهم قدرة على الانفكاك من قدرتها على التحكم بهم، أمّا الشخصية الرابعة {المتحدّية} فهي شخصية الفنان الذي يمارس كشفه ورؤيته العميقة من خلال محاولته الوصول {جسداً أو بصراً} إلى بؤرة الحدث .

إذاً يمكنني القول أنَّ الدوّامة هي الواقع العياني المعاش، ومحاولة الإنسان في التكيّف والانسياق مع حركته أو تحديها ورفضها، وفي الحالتين لا يحقق الهدف وهو الخروج خارج الإطار الجبري لهذا الواقع الدوّامي .

هنا أيضاً سيطرح تساؤل نفسه :

هل يقبل الفنان عثمان في هذه اللوحة تحديداً واقعه دون أن يتحداه، ويكسر أُطره الدائرية وجبريتها القاسية ؟

سأُحاول الإجابة على هذا التساؤل من خلال مسحٍ بصري للمنظومة اللونية التي فرشها الفنان عثمان على أرضية هذه اللوحة، لأرى مدى اتساق هذه المنظومة مع الدلالات المفترضة التي طرحتها .

سأبدأ أولاً مع نقطة السيادة {أوالنقطة المحورية أو مركز الاهتمام أو القطاع الذهبي} كما يسمّيها النُقّاد التشكيليون، التي تؤشر طغياناً أو بروزاً لعنصرٍ أو أكثر من عناصر اللوحة . بتصوري أنَّ الفنان عثمان اتخذ من نواة الدوّامة نقطة سيادية ليسرد من خلالها حَدَث اللوحة أو مشهديتها، حيث اعتمد تظهير شكلها من خلال اعتماده اللون الأبيض في تحديدها، ولكنه ليس لوناً نقياً تماماً بل هو مشوب بلمسات من اللون التركوازي بفعل تراكم طبقات الموج أولاً وبسبب وقوعه ضمن نطاق البُعد الثالث ثانياً، كما أنّه قاربَ في موضعتها منطقة منتصف مساحة اللوحة، فإذا حاولنا تقسيم اللوحة برسم خطّين الأول عمودي والثاني أُفقي {باعتماد محور 1/2} سنجد نواة الدوّامة واقعة في نقطة التقاء هذين الخطّين تقريباً .

ومن المعروف أنَّ الكثير من الفنانين يعتمدون محور {1/2} ليكون مكان تموقع نقطة السيادة، وتخصيصاً القديسين والأبطال، ولكن الفنان عثمان لم يكتفِ بهذه النقطة بل أنشأ ثنائية متضادة معها تلتقيها في الصيرورة والتكوّن، وهو الشكل الإنساني المتحدّي، ليشكِّلا معاً تمثيلاً حركياً تفاعلياً أقرب ما يكون إلى الصراع، الذي يُشكِّل هدفاً مسكوتاً عنه في هذه اللوحة .

سأُكمل المسح البصري للمنظومة اللونية في هذه اللوحة حيث يكشف عن طغيان اللونين الأزرق والتركوازي المتدرجين، ولكنهما لا يمتلكان صفة الإشباع اللوني، لِما أضافه الفنان من لمسات لونية متعددة تمنح بصر المتلقي فرصة التفاعل مع الحركة الدورانية من جهة، ومنح شكلها روحاً حيّة من خلال كسر رتابة اللون الواحد من جهة أُخرى.

تتشكّل دلالات اللون الأزرق من خلال ارتباطاته بالسماء الزرقاء التي تنعكس لونها على المسطحات المائية، وبالتالي فهي تؤشر دلالات التأمل والفكر والصفاء وما يتبعه من هدوء وسكينة تغمر النفس الإنسانية، ولكن هذه الدلالات لا تمتلك صفتها الثبوتية القاطعة لأنَّ لون السماء الأزرق قد يشوبه البياض أو الرمادي بسبب تراكم طبقات الغيوم، أو ربَّما يتحوّل إلى الأحمر القاني أو البرتقالي المشبع في حالة غروب الشمس، أو قد تتحوّل إلى اللون الأسود ليلاً، وهذه التحولات كلها ستنعكس على الجزء الظاهري من المسطّح المائي، وبالمقابل لا يُظهر هذا المسطّح سكوناً دائماً، بل قد تهدر أمواجه من أمكنة مرتفعة إلى أمكنة أقل انخفاضاً، وأعماقه لا تخلو من الدوّامات، ولهذا ستبدأ دلالات الأزرق بالانحراف عمّا تواضعت عليه الذاكرة الجمعية مؤشرة حالة انفعال وحركة يُمظهِرها القلق والمجهولية والنفور والقوى السلبية التي تفرض وجودها على بعض أوجه الحياة، ولهذا كان لابدَّ للفنان من أن يضيف اللون الأسود إلى الأزرق ليكسبه تدرجات تميل إلى القتامة، مؤشراً هذه الدلالات.

بالمقابل تواضعت الذاكرة نفسها على أنَّ دلالات اللون الأخضر هي التجدد والخصب والنماء الذي تكشف عنه الطبيعة الخضراء، ينضاف إلى ذلك دلالته على ايقاع الحياة المتبدل من حركتها الحياتية التي لا تعرف التوقف، وهذه الدلالة هي واحد من مرتكزات هذه اللوحة.

وبما أنَّ الأخضر والأزرق هما اللونين الطاغيين بحضورهما، فلا بُدَّ للفنان من مزجهما لينتج اللون التركوازي المتدرج هو الآخر، إذاً قيم السماء وقيم الأرض تتلاقى وتتمازج لتحيل إلى استمرارية الدوّامة من خلال الانفتاح على الآخر، ذلك الانفتاح الذي تؤشره دلالة التركواز لوناً، ورغبة الفنان في أن يفتح مجاهيل الذاكرة وخفايا الحلم ليعرضها لمتلقيه بوصفها محاولة للتواصل بينهما .

أخذ الضوء والظل موقعته من خلال اللمسات اللونية التي يتعمدها الفنان، ليؤكد دلالات أرادها، ولهذا تمظهرت الدوّامة بالألوان الفاتحة من خلال اللون الأبيض المطفأ إلى اللون الماروني المطفأ للدلالة على تمظهر الضوء، فيما بدت الظلال متخذة اللون الأحمر المتدرج ما بين الوردي المطفأ إلى الماروني المطفأ مع لمسات خفيفة من اللون البرتقالي، هنا ستلعب الإضاءة والتظليل دورها في إظهار الحركة الدورانية على مستوى الشكل، أمّا على مستوى الدلالة فإنّها مؤشر تلوِّن الحياة بأكثر من لون وأكثر من حركة وقيمة .

أمّا المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان عثمان للأشكال الإنسانية فهي الجويتي الغامق والأحمر المتدرج ما بين الوردي والماروني لتجسيد الأشكال الإنسانية المشوّهة للدلالة على معاناتها.

من هنا يمكنني القول أنَّ رحلة الفنان عثمان في انجاز هذه اللوحة تكشف عن فكرته الكلية التي أراد منها ابراز التفاؤل والأمل رغم صعوبات الحياة .

  

د. وجدان الخشاب

العراق

          

581-kadom1النحت يعني في اللغة: النشر والبري والقطع. وفي المصطلح يعني بناء كلمة جديدة من كلمتين او اكثر او جملة، اي اظهار كلمة جديدة آخذة منهما دالة عليهما في المعنى. مثل كلمة (بسمل او بسم) المأخوذة من – بسم الله الرحمن الرحيم - وكلمة (حيعل) المأـخوذة من كلمة – حي على على خير العمل ..

581-kadom4

ولقد ظهر النحت منذ بداية ظهور الانسان وارتبط بالاسطورة القديمة وكان للديانات في بلاد وادي الرافدين ومصر دورا واهمية كبيرة اثرت على حياة الانسان . كما وضعوا رموزا للمظاهر الطبيعية في عقائدهم الدينية . ولازالت بعض هذه الديانات قائمة الى اليوم بكل طقوسها وتماثيلها وقرابينها واساطيرها في شرق آسيا .

581-kadom3وقد اتخذ الفن الرافدي والمصري صفات معينة اصبح بعضها اليوم من مميزات الفن الحديث حيث ظهرت في اعمال رواد المدرسة التكعيبية .. من هذه الصفات ان الاكتاف والاعين تظهر من الناحية الامامية بينما تظهر بعض اجزاء الجسم في وضع جانبي مثل القدمين .. كذلك ظهرت العيون كبيرة مفتوحة حادة البصر والحواجب مقوسة متصلة مع بعضها، وبعض الوجوه مدورة .. وهذا ما نجده في بعض اعمال بيكاسوا، ولكن مع الاسف ان بعض النقاد الغربيين ينسبون هذه التأثيرات الى الفن الايبيري الاسباني ظلما . وحتى الفن الايبيري هو في الواقع متأتي من شمال افريقيا ومشرقي الاصل وهذا ما يؤكده بعض علماء التاريخ والآثار ... او ينسبون تلك التأثيرات الى الفن الاغريقي علما ان حضارة الاغريق قد بدأت حوالي – 750 ق م - وامتدت الى 146 -ق م . وابتداءا من حضارة الاغريق تبدأ الحضارة الاوربية .. – وكان فنانوا بلاد الرافدين لهم من المنجزات والاعمال الفنية قد سجلوا السبق فيها على غيرهم . وهو ما يؤكده عدد من علماء الآثار والمؤرخين امثال سيتن لويد في كتابه – فن الشرق الادنى القديم .

581-kadom2

لكن لماذا حرفت قصص الانبياء وحولت الى اساطير ؟؟، مثل قصة الطوفان . وقصة الملك حمورابي 1752 ق م -الذي اخذ صحف ابراهيم الخليل 2000 ق م - وعمل منها قوانين وحرفها ودونها على مسلته المشهورة وادعى انه استلمها من اله الشمس (وحمورابي معناه الخليل). ولازال التحريف قائما الى هذا اليوم في كل شئ في الكتب السماوية و في الحديث والتاريخ والسياسة والادب .. كل ذلك من اجل السيطرة على السلطة والمال وعلى مقدرات الشعوب . ولما كان الدين سلطة مقدسة تستقطب العوام فقد تسلق عليها الملوك والكهنة وحكموا باسم الدين .. وما يحدث اليوم في بلداننا ما هو الا امتداد لذلك التاريخ المزيف .. (الا مارحم ربي) ولازالت الاسطورة نعيشها ونخترعها عن الكون وعن القوى الخارقة وعن الكواكب الاخرى والمخلوقات التي تسكنها ..- El mito -

581-kadom5وظهر في حضارة مصر النحت الملون فقد اعتادوا على تلوين المنحوتات . فالرجل يلون باللون الاحمر البني واجسام النساء باللون الاصفر ويرجع ذلك الى تعرض الرجل لاشعة الشمس خارج المنزل بينما تحتفظ المرأة التي لا تتعرض كثيرا للشمس ببياض بشرتها .. ولم نجد هذه الظاهرة اليوم منتشرة عند أئمة النحت الحديث ولا نعرف السبب ؟؟؟ ...

و بلغ النحت اليوناني القديم درجة المثالية في الفن الجمالي واشتهر من الفنانين – فيدياس – وكان قمة في الرقة والواقعية المثالية والحس المرهف في تجسيد معالم الشكل والملابس والتي تبدو شفافة رقيقة ملوكية المظهر . وهو ينطلق من الفلسفة الجمالية عند الاغريق التي تقول ان الجمال اخلاق والفن جميل فهو اخلاق .. وكانت المناسبات يقام لها تماثيل سواء في الانتصارات او الرياضة او المعاهدات او غيرها حيث يعمل لها لوحات تذكارية .. وما احوجنا اليوم نحن ان نقيم تماثيل للشخصيات التي خدمت الثقافة والفن والادب والعلم وتركت بصماتها على حياة المجتمع ...

البعض من المحللين والنقاد يذكر ان النحات يتعامل مع الكتلة برؤية حدسية اي الرؤية الداخلية للسطح يقوم بها الفنان بطريقة تخيلية وهو الحدس الذي يستقر في مركز الكتلة القائمة امامه . وتحت ارشاد هذا الحدس يتحول الحجر ببطئ من حالة وجود ذاتي مفترض الى حالة مثالية من حالة الوجود .. وقد تطرق الى هذه النظرية الحدسية العالم والمفكر الايطالي كروتشة 1866 .

كما يذكر البعض بان النحات اهتمامه الاول منصب على المادة التي سيعمل عليها فاذا كانت من الحجر فعليه ان يفكر بصلابة الحجر تحت ضربات الازميل كما يفكر بالطريقة التي يتأثر بها هذا الحجر مثل الرياح والماء وغيره ..

و النحت ليس عملية نقل حرفي كما يبدو للبعض انما هو ترجمة للمعنى من مادة معينة الى اخرى وهذا ما نجده واضحا عند الفنان الانكليزي هنري مور 1866 .. فاذا اردت ان تترجم او تنقل شكلا من مادة معينة الى شكل مادة اخرى فان عليك ان تخلق ذلك الشكل من الداخل الى الخارج .. اي تغور في اعماق الشكل وتنقل ماهيته الى الخارج ...

 

د. كاظم شمهود

 

580-musadaq4نكاد لانجد اي كتاب عن تاريخ الفن خالي من صورة لوحة "القوطي الامريكي" التي رسمها عام 1930 الفنان الامريكي گرانت وود (1891-1942). فلطالما اثارت هذه اللوحة استغراب اغلب المتلقين وحتى المتخصصين منهم بسبب شهرتها الاستثنائية واعتبارها من النماذج التي تمثل الفن الامريكي في مطلع القرن العشرين، وهي اللوحة التي لاتبدو استثنائية من حيث انشائها الفني او تكنيكها او موضوعها.

580-musadaq1

كان گرانت وود، الذي درس الفن في فرنسا وعاش مدة طويلة في اوربا، في زيارة لصديقه الفنان جان شارپ من مدينة ألدن الصغيرة في ولاية أياوا. وكان الصديق المضيف قد اقترح ان يقوما بجولة لاستكشاف المدينة واجوائها المحلية. وخلال هذه الجولة اثار انتباه گرانت بيتا ينتصب في حقل فتوقف عنده ليتمعن تفاصيله. وكان اكثر مااثار فضوله هو الشباك الكبير المصمم على الطراز المعماري القوطي الانيق الذي شاع في اوربا بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر، والذي وجده كرانت لايتناسب مع التصميم العام العادي للبيت وبناءه المتواضع. وقد تهكم گرانت في سره معتبرا هذا الامر نوعا من الادعاء والمباهاة الفارغة في وقت كان العوز فيه شائعا خاصة في المدن والنواحي الصغيرة خلال سنوات الكساد الاقتصادي العظيم. ولهذا السبب خطرت فكرة اللوحة ببال گرانت فسارع لعمل سكيتش سريع على مظروف وجده في السيارة. حين عاد گرانت الى الاستوديو تخمرت فكرة اللوحة في ذهنه فتصور ساكني البيت لحد التفاصيل الدقيقة في هيئتهم ونظراتهم وملابسهم. وهكذا فقد اختلق الرسام شخصيات ساكني البيت من محض خياله وبطريقة روائية فجعل صاحب البيت عبارة عن فلاح ارمل تجاوز الستين لكنه جدي وصارم وشغول يعيش مع ابنته العانس التي ليس لها اي اهتمام في الحياة سوى خدمة والدها.

580-musadaq2وهكذا فقد اراد الفنان اعطاء هذا الانطباع بالطريقة التي جعل فيها شخصيتيه تقفان امام البيت وكأنهما تحدقان في عدسة الكامرة بالطريقة الريفية الخام كما انه اهتم بتفاصيل الملابس والنظارات وتسريحة الشعر وشوكة الارض التي يحملها الفلاح وكلها من العصر الكولوني.

580-musadaq3ومن فرط اهتمامه بدقة واصالة المشهد الذي في ذهنه فقد كلف اخته نان وود وصديقه طبيب الاسنان الدكتور بايرون مكيبي ان يصبحا الموديل للشخصيتين بكامل عدتهما. حين عرضت اللوحة في اول مسابقة اجراها متحف الفن في شيكاغو فازت بالميدالية البرونزية وتناقلت قصتها الصحف الرئيسية مما اثار حنق السكان المحليين حول تصويرهم بهذا الشكل المتزمت الامر الذي دعا گرانت وود ان يبرر ذلك معتذرا ومدعيا بانه اراد في اللوحة تقدير الحياة الجادة البسيطة في الريف الامريكي خاصة وانه عاش في اوربا وعرف كيف يقدرالحياة الامريكية الصميمة بالمقارنة. وبمرور الزمن ذاعت شهرة اللوحة فاصبحت ايقونة امريكية للجد والهزل على حد سواء.

580-musadaq5 كما اصبح البيت الاصلي الذي رسمه مزارا و معلما تراثيا لالتقاط الصور بنفس الطريقة التي صور فيها كرانت شخصياته الخيالية.  

 

خاص بالمثقف

khadom shamhodيذكر ارباب النقد والتاريخ بان طرق الفن التي يمارسها الفنان منذ نشأتها في الكهوف حتى يومنا هذا تتلخص بثلاثة اساليب هي: الواقعية والمثالية والتعبيرية . والعنصر المشترك بين هذه الاساليب هي الحساسية الجمالية الفطرية والتي هي ثابتة في الانسان فلا يختلف فنان الكهوف البدائي عن الفنان المتحضر المعاصر .. ويمكن ان نضع الاسلوب الاكاديمي ضمن المدرسة الواقعية .. وقد ظهر منذ ان اسس افلاطون المعاهد الاكاديمة في اثينا ووضع منهجية للبحث العلمي تلتزم بقواعد معينة واصبحت الدروس تدرس بطريقة منهجية في ميادين وحقول المعرفة المختلفة ومجالاتها المتعددة ومنها الفن بجميع فروعه .. وقد تأسست المعاهد والاكاديميا ت في عالمنا العربي لدراسة الفن في بداية القرن العشرين .. ففي مصر اسس الايطاليون اول مدرسة للفنون في القاهرة عام 1898 واشرفوا على تدريس الطلبة المصريين .كما اسست الدولة المصرية مدرسة اخرى للفنون عام 1908 . وفي العراق اسس فائق حسن معهد الفنون الجميلة عام 1939 . وفي سوريا ظهرت اكاديمية الفنون عام 1960 . وفي المغرب اسس الاسبان مدرسة للفنون في تطوان عام 1945 . وفي الجزائر اسس الفرنسيون ورشة للفنون في فيلا عبد اللطيف اثناء الاحتلال ... وهكذا بدأت الدراسات الفنية بجميع صنوفها التشكيلية تسير على نمطية المناهج الاكاديمية الاوربية في جميع الاقطار العربية ...

62-salahjyad1صلاح جياد الاكاديمي:

يذكر الفنان اسماعيل الشيخلي بانه درس على يد الفنان فائق حسن في معهد الفنون الجميل مع مجموعة اخرى من الطلبة - 1939 .. وكان الاسلوب المتبع هو الاكاديمي . ثم حدث انقلاب كبير في طريقة التدريس بمجيئ الفنانين البولونيين الى بغداد عام 1941 -1942 . حيث اصبح التدريس ضمن الاتجاه الاكاديمي الانطباعي لان بعض هؤلاء الفنانين الاجانب كانوا تلاميذ الفنان الفرنسي بونار فنقلوا تجربته الانطباعية الى الفنانين العراقيين امثال فائق حسن وحافظ الدروبي وجواد سليم وغيرهم .. وقد تخرج على يد فائق حسن مئآت من الفنانين العراقيين خلال اكثر من اربعة عقود .. وكلهم يشهدون بفضله . .. ومن الفنانين الذين اعتبروا من (مدرسة) فائق هو الفنان العراقي صلاح جياد .. ويعتبر صلاح قمة واستاذا في عملية اداء الاسلوب الاكاديمي سواء كان في التخطيط الاكاديمي المنهجي للشكل او في معالجة الالوان وتوزيعها . وكان لصلاح فرشة عنيفة ضاربة حرة وحركات عفوية تقود الى تلقائية جميلة وتأتيه عناصر اللوحة طائعة حيث ما يشاء .. كما هو حاصل عند الفنان الانكليزي تيرنر 1775 - عندما كان يضرب بفرشاته العريضة القوية على الكانفاس فتصعد مع امواج البحر التي دأب على رسمها .. وكان صلاح مثيرا للاعجاب بين الاساتذة والطلبة وقدوة وعونا في الارشاد والتوجيه .. وكان يخاطبه الاساتذة باسم – استاذ صلاح - وهو اعتراف له قبل التخرج .. وكان ظاهرة فريدة موهوبة ومتفوقة ولم يضاهيه احد حتى من الاساتذة .. ويظهر تمكنه الكبير في السيطرة على ادواته واسلوبه الاكاديمي منذ بداية دراسته في معهد الفنون الجميلة ..

بدأ صلاح يتجه الى الرسم الحديث في وقت مبكر اثناء دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة .. وخضعت لوحاته الى الجانب التركيبي من مقاطع اشكال هندسية ورموز تاريخية وانشاء حر والوان منتخبة . واصبحت تأثيرات المحيط العربي واحداثة تستقطبه فكانت ظاهرة على اعماله خاصة القضية الفلسطينية وقضايا اخرى من عالمنا العربي .. .. ولكنني اراه في هذه المرحلة بالذات انه اكثر حرية في رسم المواضيع الاجتماعية واتجاهه الانطباعي الاخاذ الذي يطرب المتلقي حيث يذكرنا بسيزان وأئمة المذاهب الانطباعية .. فتظهر الشناشيل والاعراب والنساء القرويات وبائعات الماء وغيرها من المواضيع الشعبية . وهي مواضيع بارزة في اعماله نراها قمة في التقنية والابداع والجمال ..

 62-salahjyad3

صلاح في باريس:

عندما انتقل صلاح الى باريس عام 1976 هروبا من مضايقات النظام الدكتاتوري الشوفيني . بدأت مرحلة جديدة في حياته الفنية بل اننا نرى هنا ملحمة كلكامشية حقيقية في الفن ..فقد استدرج صلاح الموروث الرافدي فظهرت الاشكال السومرية والآشورية بوجوه محطمة مكتظة بالخطوط المتقاطعة العنيفة او غاطسة وسط شبكة عنكبوتية من الالوان والخطوط المتنوعة وبطريقة التفكيك .. ونشاهد عنف وضربات للفرشة قوية تتصاعد نبراتها بقساوة . وكأن صلاح يستدرج الماضي ودمجه بالحاضر الحديث بحثا عن الهوية .. الهوية التي ضيعتها القرون الماضية بفعل السياسات الخاطئة والحكام الجهلاء الذين اذلوا الناس واهملوا تاريخهم ومجدهم .. فنشاهد روؤس وثقوب واجسام مبتورة ووجوه اسطورية ورموز سومرية وغير ذلك ... وربما يريد صلاح بتحطيمه للجسد ان يستنطقه ويدخل الى اعماقه للوصول الى الحقيقة المستورة الغائبة في حضارة وادي الرافدين ....يقول بيكاسو: (الفن المصري والاغريقي لا يمتان الى الماضي انهما اكثر حياة اليوم مما كانا بالمس ..) ولهذا نرى ان الحضارة الرافدية لازالت تعيش حية وسط ابناء العراق من خلال من ما نراه من تقاليد وعادات ومصطلحات لغوية وحتى الازياء .. اما الدراسات المعاصرة في علم الوراثة فتثبت ان الجينات الوراثية يمكن لها ان تنقل الصفات النفسية والاخلاقية وغيرها من القرون الماضية ..

يذكرني اسلوب صلاح بفنان من جماعة Cobra يسمى Asger Jorn -1914 من كوبنهاكن حيث كان يتعامل مع الشكل بحرية مطلقة خاصة الوجه الذي تتقاطع عليه الخطوط والالوان واحيانا يستخدم الآيربراش في تغطية بعض المساحات ( figura abstraida -1962 ..) هذه الجماعة استخدمت العنف في عملها الفني كرد فعل لما احدثته الحرب العالمية الاولى من خراب ودمار لاوربا ... وقد عرضت في امستردام وباريس وغيرها من المدن الاوربية ...

كما تذكرنا اعماله الاخيرة بالفنان الامريكي جاكسون بولوك 1912 فقد كان بولوك في معركة وصراع عنيف مع اللوحة وكان لا يبدأ بتخطيطات مسبقة وانما يبدأ مباشرة بالعمل على اللوحة (اريد ان اعبر عن مشاعري اكثر مما اريد ارسم هذه المشاعر) .. وقد غادر الفرشاة في آخر ايامه واستخدم طريقة الرش والتنقيط، وكان يرسم بعفوية وتلقائية كبيرة مثيرة للجدل في وقته ...

 

العمل في الصحافة:

كنت قد درست مع صلاح في معهد الفنون الجميلة عام 1968 والسنة الاخيرة له من اكاديمة الفنون الجميلة عام1971 . كما عملنا سوى في مجلة مجلتي والمزمار منذ عام 1969 الى رحيله الى باريس عام 1976 . وكان نعم الصديق والاخ الطيب . واشتهر صلاح بمسلسلاته الجميلة في المجلة منها - رحلة ماجلان - واحمد بن ماجد، وغيرها من القصص التاريخية التي رفدت الاطفال بثقافة بصرية جديدة غير مألوفة سابقا في العراق . وكنا نعتبرها لوحات اكاديمية معبرة اكثر من كونها مشاهد قصصية للاطفال . لما تتمتع به من التناغمات اللونية والحساسية الجمالية الراقية .. وكان يرسم في المجلة بنفس الروح والحس الذي يرسم فيه لوحة فنية من ناحية الاسلوب الاكاديمي ومعالجة الشكل واللون وكذلك طلاقة الفرشة الانطباعية وتلقائيتها .. وكانت معظم اوقات صلاح يقضيها بالرسم كما كان صامتا . وهو صمت تركيز وتعمق وتأمل. يقول بيكاسو: (ان العمل الوحيد للمصور هو ان يمارس التصوير ..) (هناك مصورون يحولون الشمس الى نقطة صفراء، ولكن هناك مصورون آخرون يحولون النقطة الصفراء الى شمس بفضل فنهم وذكائهم ..)

صلاح جياد المسعودي من مواليد البصرة 1947 .. تلك المدينة التي شهد التاريخ لها قدما وحضارة حيث ولد فيها وترعرع عباقرة الادب والشعر العربي العمودي والحديث وكذلك شهدت مولد الفنان الكاريكاتيري احمد الخراط البصري في القرن الثاني الهجري/ الثامن ميلادي/ الذي اشتهر ايضا برسم الصور الشخصية .. وكانت البصرة تسمى الابلة واعتبرت من عجائب الدنيا السبع في ذلك القت .. تخرج صلاح من معهد الفنون الجميلة عام 1968 ومن الاكاديمية عام 1971 . اشتغل في عدة مجلات عراقية منها مجلة الف باء وصحيفة الجمهورية ومجلة مجلتي والمزمار وغيرها. كما ساهم في تأسيس جماعة الاكاديميين 1971 التي تتكون من الاستاذ المرحوم كاظم حيدر وفيصل لعيبي ونعمان هادي ووليد شيت . ثم غادر العراق الى باريس عام 1976 .. وفي باريس تخرج من مدرسة الفنون البوزار وانهى دراسة الدكتوراة في تاريخ الفن في كلية الفنون فيها .. اقام معارض كثيرة في داخل وخارج العراق وحاز على عدة جوائز ذهبية..و الحديث عن صلاح يقودنا الى ذكر الفنان فيصل لعيبي فهما توأمان عبقريان كانا ولازالا من قامات الفن العراقي المعاصر

 

ان ما ينفرد به الفنان فهمي في اغلب اعمالة الفنية هو الجمالية في استخدام الالوان الاساسية وتدرجاتها المتنوعة ناهيك عن المزاوجة ما بين الالون المكملة اي الثانوية والالوان الاساسية وتدرجاتها المختلفة حتى تجعلك ان تقف مبهورا امام هذه الكتل اللونية المختلفة والتي تخفي تحت بطانتها اسرار الموضوعة التي يراد ايصالها للمتذوق فاذا كان اللون هو واحد من اسرار الطبيعة سواء في عالمها المادي او الميتافيزيقي ولم تسطع كل النظريات النفسية والاجتماعية والفلسفية من اكتشاف اسرارة المكتنزة في ماهيتة بل انها وضعت لنا معاير وانطباعات بحثية مختلفة قد نتفق او نختلف معها في طبيعة هذا المعيار الا ان بعضها اصبح جزءا من الثقافة العامة عبر مدلولاتها المختلفة فاللون الاسود مثلا يدل على الحزن والابيض يدل على النقاء وهكذا بقية الالوان ودلالاتها التي فرضت علينا فرضا في الذاكرة المعرفية وليس في الجانب العقلي والتجريبي سواء جاءت هذه الدلالات المعرفية عبر صفة التشبية في الطبيعة او لاغراض سياسية مختلفة كما في دولة السواد ودولة البياض في العصور الاسلامية المختلفة حيث كانت الرايات تحمل في حينها معاني ودلالات سياسية وغير سياسية واستمرت هذة المعاني والدلالات الى يومنا هذا عبر الرايات المختلفة التي لا تتجاوز دلالاتها ما اشرنا الية سابقا واذا ما اردنا التمعن قليلا في تلك المعاني والدلالات فاننا بالتاكيد سوف لم نتجاوز الذاكرة المعرفية فاللون الاحمر مثلا وبحكم صفة التشبية للدم البشري وغيرة من الكائنات الحية ما هو الا دلالة عن الموت والقتل والرعب والثورة والخوف ولا يمكن لذاكرتنا المعرفية ان تصفة على انه دلالة حب وسلام وتالف ونقاء ولهذا نكون نحن البشر عموما مسيرين لتلك المعاني وليس مخيرين في البحث عن اسرار اللون بعدما وضعتنا تلك الاراء امام حقائق ودلالات شبة مطلقة لايمكن لنا من تجاوزها الا عبر رؤية الفنان وانطباعاتة المختلفة اثناء انتقاء واختيار الالوان في لوحاتة الفنية كما سبق للمخرج السينمائي دي سيكا ان غير كل الالوان الطبيغة بالوان مختلفة والتي تعبر عن وجهة نظر بطله الذي كان يعاني من حالة نفسية جعلتة ان ينظر للالوان برؤية اخرى عير الانطباع الذهني لدى دي سيكا في تفسير وتحليل الالوان الطبيعية والتي لم تشكل صدمة لدى المتفرج في عملية التناقض في الالوان ضمن وحدة البناء الدرامي بل انه استوعبها على انها وجهة نظر الشخصية التي تعاني من ازمة نفسية وبهذا نجح المخرج في ايصال انطباعة الذاتي الى المتفرج ذالك الانطباع الذي تحول الى مدرسة واتجاه في الادب والفن عموما عبر المدرسة الانطباعية والتي تركز على مفهوم الانطباع الذهني ومن اهم روادها اميل زولا وكلود مونية ومن خصائصها في مدرارس الفنون التشكيلية هي مدرسة الالوان المشرقة والمزاوجة ما بين اطياف الالوان المختلفة حتى كتب عنها اندرية ا- انا احس اذن انا موجود -وهي بعيدة كل البعد عن المدرسة الرمزية والتكعيبية في توظيف اللون على انه رمز عقلي وحسي على حد سواء وهو اشبة بالوتر الموسيقي كما قال عنها فاجنر

ولكي نضع بصمنا ورؤيتنا عن جمالية اللون في اعمال الفنان المتالق فهمي لابد من التركيز على انطباعاتنا الذاتية والتي تكمن من خلال متابعاتنا للاعمال الفنان و عن مدى علاقة الشكل بالمضمون او العلاقة ما بين المحتوى والشكل الجمالي وهل من الممكن ان يكون الشكل متناقض مع المحتوى ام متوافق معه ام مكمل ام ان لكل منها له عالمة الخاص وحسب الانطباع الحسي والذهني للفنان الذي يسعى ان يقدم لنا عالم خاص لم نكتشف اسرارة على الرغم من اننا جزء منه ولهذا قد ياتي المحتوى احيانا في المرتبة الثانية او العكس هو الصحيح انطلاق من ان كل منهما له عالم ومفهوم فكري وفلسفي وجمالي كما في مفهوم المدرسة الشكلية او قد بتوافق احيانا وقد يتناقض حسب رؤية الفنان وطبيعة المنهج الذي يتبناه وهذا ما اشعرنا به الفنان فهمي في لوحاتة المختلفة والتي تركز غالبا على جماليات الشكل واللون ويترك المتذوق في حرية كاملة لاستنباط المحتوى والذي يستشعر به كل متلقي وحسب قدرتة الفكرية والحسية والذوقبة ناهيك عن الاسقاطات المختلفة لكل متلقي سواء كانت تلك الاسقاطات في العقل الشعوري ام اللاشعوري وبهذا تكتسب لوحاتة صفة المطلق في مفهوم المحتوى وليس حالة محددة في الزمان والمكان ولهذا اعتقد بان اعمالة الفنية قد تجاوزت مفهوم الزمان والمكان المحدد وان المحتوى يدرك حسب طبيعة المتلقي وبغض النظر عن الزمان والمكان اي ان المحتوى في هذه الاعمال يمكن ان يصلح لكل زمان ومكان وبهذا حقق الفنان فهمي ما لم يحققة الكثير من الفنانين حول مفهوم الانطباع الذهني اوانه اختلف عنهم في تفسير مفهوم الانطباع عبر استخدام الالوان والاهتمام بالجانب الجمالي ومنحة المرتبة الاولى اي مفهوم الجمال اللاواقعي المستنبط من الواقع عبر رؤية الفنان وترسيخ مفهوم قديم وجديد على ان الجمال مفارق للواقع وهي مهمة لا بد من الخضوع لها لان الجمال يرتبط بمعاير وقيم مختلفة منها الاخلاق والالتزام مثلاوالتي تختلف عن مفهوم كلمة الفن العائمة في مفهوم المحاكاة ما بين محاكاة الواقع او محاكاة المثل الا ان هنالك امرا اخلاقيا في اساس كل نتاج جمالي وهذا ما يؤكدة الفنان فهمي وبهذا يضعنا امام معايير وقيم جمالية غير متحققة في الواقع بكل تجلياتة وعلينا بالبحث عنها وكشف اسرارها اولا في مكنونات الذات البشرية قبل النظر الى الطبيعة والبحث عن اسرارها الغير مكتشفة ومنها ماهية الالون وبهذا يضعنا الفنان فهمي امام محاكاة الذات عبر جماليات اللون وهي ليست محاكاة افلاطونية مثالية ولا محاكاة ارسطية للواقع بل هي محاكاة للذات الداخلية وتطهيرها من كل الامراض المكتسبة والمتوارثة جينيا او اجتماعيا اوالخ وبهذا يكتسب المتذوق عبر هذا المفهوم للمحاكاة الحرية المطلقة في التخيل عبر الوعي الذهني والحسي على حد سواء للكشف عن مكنوناتة الداخلية التي تصيبة احيانا بالفرح او الحزن او الفرح المركب او الحزن المركب احيانا وهذا ما اصابي عند مشاهدة اعمال الفنان فهمي حيث غالبا ما تكون الفرحة والبهجة تسري في مشاعرنا عبر الالوان الحارة والباردة وتدرجاتها اللونية التي تصيبك بنوع من النشوة الموقتة ثم ينتابك الحزن رويدا رويدا وانت تتامل الالوان التي تحرقك تارة وتطفئ لهيب مشاعرك تارة اخرى وما بين سعير اللهب وجماد المشاعر تقف مبهورا وباحثا عن رمزية الا لوان وما تعكسة من دلالات في روحك الغير المستقرة في موضع محدد حتى تكاد ان تصرخ ولو بصمت ولا تعرف ان كانت هذه الصرخة صرخة الم ام صرخة فرح

شكرا للفنا ن المبدع فهمي الذي جعلني ان ارى مكنوناتي الداخلية عبر اللون وجمالياتة المستخدمة كما ارى صوري في المرايا المختلفة الابعاد البؤرية

د طارق المالكي

ملاحظة- انا على بقين ان كل من يشاهد اعمال الفنان محمد بن فهمي سيخرج بانطباع قد يختلف او بتفق معي في الرؤيا

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=965236196837718&set=pcb.965238066837531&type=1&theater

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=965236233504381&set=pcb.965238066837531&type=1&theater

 

 

بافل ميخايلوفيتش تريتياكوف (1832 – 1898) – واحد من أشهر التجار الاغنياء الروس في القرن التاسع عشر، وقد كان عاشقا للفن التشكيلي الروسي، وكانت هوايته جمع لوحات الرسامين الروس الكبار في ذلك الوقت، وعندما اصبح عدد هذه اللوحات التي اقتناها كبيرا، قرر ان يبني لها بناية خاصة لعرضها والحفاظ عليها، وقد بنى فعلا هذه البناية ثم اهداها مع ما تحتوي من لوحات عام 1882 الى مجلس الدوما في مدينة موسكو، وقررت هيئة هذا المجلس ان تطلق على قاعة العرض هذه اسمه ومنحته لقب – مواطن الشرف لمدينة موسكو، وتم تعيينه مديرا لتلك القاعة مدى الحياة، بل ان آخر كلمة له قالها للمحيطين به قبل وفاته هي – حافظوا على قاعة العرض هذه . وهكذا اصبحت قاعة ( تريتياكوفسكايا غاليريا) بلوحاتها الرائعة واحدة من معالم موسكو التاريخية الجميلة، واحدى اهم متاحفها لحد الان، وقد توسعت هذه المؤسسة الفنية طبعا بمرور الوقت وتم افتتاح عدة فروع لها، ومن ابرز تلك البنايات التي اضيفت لها بناية فخمة بعدة طوابق مليئة بالمعارض الدائمة او المؤقتة والتي تغص باللوحات الفنية من كل ارجاء روسيا والعالم، وقد استلمت دعوة لحضور افتتاح معرض في الطابق الثالث من تلك القاعة الشهيرة ضمن الاسبوع الروسي للفن، الذي ينظمه الاتحاد الدولي لدعم الفنانين، والذي يشارك فيه فنان تشكيلي عراقي شاب اسمه حسين الجمعان، حيث يعرض عدة لوحات له، ومن ضمنها لوحة بعنوان – صرخة حمورابي ضد الارهاب، والتي قدمها للمشاركة في مسابقة دولية للحصول على احدى الجوائز . ذهبت طبعا الى هذا المعرض بكل سرور، ووقفت الى جانب هذا الفنان التشكيلي العراقي الشاب الشجاع مؤيدا ومساندا ومشجعا مع مجموعة كبيرة من العراقيين وعلى رأسهم السيد سفير العراق في موسكو، والذي ألقى كلمة في بداية افتتاح المعرض اشاد فيها بالفنان العراقي حسين الجمعان ومساهمته في هذا المعرض وتكلم عن موقف العراق من الفن منذ حضارات وادي الرافدين العريقة وحتى الوقت الحاضر، وامتدح لوحتة عن حمورابي معتبرا اياها نموذجية في طرحها لموضوع قائم امام البشرية جمعاء وهو - النضال ضد الارهاب، وربط كل ذلك بموقف الدولة العراقية الحالي في هذا الشان، وهي التفاتة ذكية وحاذقة بالطبع يجيدها الدبلوماسيون الكبار عادة لطرح افكارهم وعرض وجهات نظرالدول التي يمثلونها، اضافة الى ان حضور السيد السفير شخصيا الى المعرض يعد – بلا شك - دعما ممتازا للفنان التشكيلي العراقي الشاب حسين الجمعان واسنادا رسميا لمشاركته باسم العراق في هذه الفعالية الفنية الكبيرة والفريدة ، ثم تكلم سفير ابخازيا عن مساهمة بلاده في هذا المعرض وأشاد ايضا بالفنان الابخازي الذي عرض لوحات تدعو الى التعايش السلمي بين الشعوب، ثم تحدث رئيس الاتحاد الدولي للفنانين عن هدف المعرض وهكذا ابتدا الحاضرون بالتعرٌف على اللوحات وسط اجواء من الموسيقى الجميلة، وقد تاملت انا بالطبع لوحات هذا الرسام الشاب العراقي المتحمس للفن التشكيلي والفخور- بتواضع - بما انجزه من لوحات، والذي رفع هناك علم العراق جنبا لجنب مع اعلام دول اخرى، ووقفت طويلا عند لوحاته العديدة وابديت اعجابي بعدة لوحات تستخدم الحروف العربية الغريبة بالنسبة للمشاهدين الاجانب وتعكس روح الشرق الساحرة والمدهشة الجمال، وهو اسلوب شائع في الفن التشكيلي العراقي كما هو معروف، وشاهدت لوحات اخرى له يتناول فيها الخيول العربية وتلك الاجواء المرتبطة بها، ولاحظت لوحة يوجد فيها وجه امرأة موشٌح بالسواد، فقال لي الرسام انها رمز للحزن الذي يسود الان في وطني، وتوقفت بالطبع عند لوحته بعنوان - صرخة حمورابي ضد الارهاب، ولكن هذه اللوحة لم تبهرني على الرغم من الاستخدام الذكي جدا لعنوانها وتناغمه مع مشكلة هائلة تقف في الوقت الحاضر امام الانسانية كلها، وهو الانطباع العام الذي رأيته واحسست به عند المشاهدين الاخرين ايضا، و لكني اود ان اشير هنا، الى ان مشاركة الفنان التشكيلي العراقي الشاب في هذا المعرض الفريد من نوعه وفي قاعة عالمية مشهورة ورفعه لعلم العراق وسط اعلام الدول الاخرى في هذه القاعة – يعد بحد ذاته عملا رائدا ورائعا ويستحق كل الاعجاب والتقدير، وهو في نفس الوقت عمل شجاع حقا من قبل فنان شاب لا زال في بدايات طريقه الفني الطويل ولا زال امامه الكثير الكثير في مسيرته كي يتعلم ويتمرن ويصقل تجربته الفنية ويطورها كي تتبلور وتاخذ ابعادها الخاصة به وتجعله يقف بثبات وسط هذا العالم الجميل والملئ بالتنافس الحاد في نفس الوقت، وان يكون ابنا بارا لتقاليد الفن التشكيلي العراقي العظيم وتلك الاسماء الكبيرة اللامعة فيه من حضارات سومر وبابل وآشور الى جواد سليم وفائق حسن وبقية الفنانين العراقيين الآخرين، وهو ما نتمناه جميعا له ومن كل قلوبنا.

تحية للفنان التشكيلي العراقي الشاب حسين الجمعان، وتحية لموهبته الفنية الواضحة المعالم منذ الان رغم كل شئ، وتحية لشجاعته الادبية الفذة التي ادٌت به الى المشاركة في هذا المعرض العالمي، وتحية لمواقفه الوطنية المتميزة التي جعلته يطرح موضوع الارهاب بهذا الشكل المبتكر في هذه الاجواء الفنية الدولية ويؤكد موقف تراثنا الحضاري العريق تجاهه وباسم حمورابي بالذات الذي يجب ان يكون ضد الارهاب طبعا لانه أب لكل القوانين في العالم وهذا يعني ان الفنان اراد ان يقول ان الارهاب والقوانين ضدان لا يجتمعان خصوصا في وطن حمورابي نفسه، وتحية لجهوده الفردية ومبادراته الذاتية التي تعادل – ودون مبالغة - جهد مؤسسة باكملها، وشكرا جزيلا له على رفعه لعلم العراق جنبا لجنب مع اعلام دول اخرى في قاعة تريتياكوفسكي العريقة في قلب موسكو   .

 

 

mahmod saidالواسطي فنان عظيم، لا نعرف عن حياته الشّيء الكثير لكننا نعرف اسمه يحيى بن محمود الواسطي، ولا نعرف متى ولد؟ ولا نعرف أيضاً أين نشأ. أهم ما نعرفه أنه توفي في بغداد سنة 1237م، لكن لقبه الواسطي يدل على أنه ربما ولد في واسط، القريبة إلى الكوت الآن، والتي لا تبعد عن بغداد سوى بضعة ومئة كيلومتر. وكان لقب المدينة آنذاك يطلق على من ولد في مدينة معينة، أو من نشأ فيها، أو درس فيها، لكن رسوماته تصور الحياة البغداديةّ أفضل تمثيل.

إننا في الوقت الحاضر نعيش حالة هستيريةّ ظلاميةّ منذ 2003 وحتى الآن، فكثيراً ما هوجمت المرأة في هذا الوقت الشّاذ، واعتدي عليها، وانتقص من حريتها، بشتى الأعذار، فهي تارة متبرجة، وأخرى ناشز، وثالثة مستهترة، ورابعة خارجة عن التقاليد، وحجج أخرى ما أنزل الله ولا القانون ولا العرف بها من سلطان أو تعاليم أو خلق. مجتمعنا العربي من الأندلس حتى العراق، عاش بشكل عام والعراقي البغدادي بخاصة سبعة قرون متفتحاً، مسالماً، متعدداً، يسوده الإخاء والوئام بشكل لا نحلم به الآن.

ما يتسير لنا أن نرى واقع ذلك المجتمع المتآخي المتفتح على حقيقته إلّا بعد أن ننظر ونتمعن بعشرات الصور التي أنجزها فنانا العظيم الواسطي الذي عاش قبل نحو ألف عام.

رسم الواسطي أكثر من مئة لوحة كانت الأفضل في زمانها في أي مكان وزمان. ربما كان هناك رسامون وفنانون عظماء في زمانه، لكنهم قضوا معظم حياتهم في بلاط الحكام وقصور الأغنياء، فصورا جمال الملكات والأميرات والثريات الفاتن المعجز، لكنهم قلّما نظروا إلى المجتمع وصوروه على حقيقته كما فعل الواسطي، حتى جاء عصر النهضة وظهر إلى الوجود النظريات الشمولية من اشتراكية وشيوعية وازدهرت الفلسفات الإجتماعية في شتى أنحاء أوربا وسادت بعدئذ العالم كله، حينئذ جرى التركيز على ابناء المجتمع بغض النظر عن مكانتهم الشخصية، ومركزهم الاجتماعي، وكفاحهم في الحياة، ونضالهم لتحسين أوضاعهم الأجتماعية.

لهذا كان الواسطي في نظري رائداً للفن الذي يهتم بالناس، أي الفن الملتزم. صور فناننا العظيم المجتمع البغدادي خير تمثيل. فقد رسم ببراعة لوحات فريدة توضح ماذهب إليه الحريري في مقاماته، وكان الحريري قد سار على نهج الهمداني، الذي كان أول من ابتدع القصة القصيرة الفنية في التاريخ، القصة التي ابتعدت في مضامينها عن الأدب العالمي المعاصر له، إذ اهتمت بالناس والمجتمع بشتى طبقاته وشرائحه، فهناك الأمير والثري والجندي والفقير والمستجدي والتاجر، والمصلي وشارب الخمر، والراقصة والمتدينة. لم يحصر الهمداني والحريري ومئات كتاب المقامات "القصة القصيرة" أدبهم، وإبداعهم بفئة معينة قط، كان الشعب كله أبطالهم، كالأدب الحديث، ثم جاء الواسطي ليصور هذا الشعب والمجتمع.

ولعل الواسطي كان أول فنان عظيم عرض لوحاته في الجامعات والمراكز الأدبية والفنية فاقتناها حشد كبير من الناس منهم أمراء وملوك وأثرياء وعامة الناس، ليسوا من العراق وحده بل من جميع أقطار العالمين العربي والإسلامي، من الأندلس حتى الهند.

ليست هذه الأسطر القليلة دراسة أو شعاع ضوء على فن الواسطي، لم يدر بخلدي هذا، لكني أردت فقط أن أذكر بعض اللمحات المبتسرة عن مجتمع بغداد، آنذاك، وأخاله أيضاً مجتمع كل المدن الواقعة تحت نفوذ الدولة العباسية، فالحضارة تنتقل وتنتشر كما ينتشر الهواء في كل مكان، وعندما أقول بغداد فأعني لا بغداد حسب، بل دمشق وحلب وبيروت والقدس والقاهرة إلى قرطبة.

إن نظرنا إلى هذه الصّورة بتمعن فسنرى أشياء كثيرة تفصح عن طبيعة المجتمع المدني العربي والبغدادي وتكشف مدى الحريةّ التي نفتقدها الآن، حرية كان ذاك المجتمع يمنحها للمرأة، طيلة سبعة قرون انتهت قبل تسعمئة سنة:

572-said1

572-said2المرأة في هذه اللوحة تتمتع "كما أسلفت" بحريةّ حضاريةّ محجوبة عنها الآن مع الأسف، في هذا المنظر اجتماع في مسجد لسماع خطبة، تجلس النّساء في الطّابق العلوي، والخطيب والرّجال في الطّابق التحتي، ويبدو من الرّسم ما يأتي:

1- إن بعض هاتيك النّسوة لا يغطين أوجههن حتى في أوقات الصّلاة كما يفرض بعض المسلمين الآن وفقاً لمذاهبهم المتعصبة.

2- إن خمار بعضهن لا يغطي الوجه كله بل العينين فقط.

3- إن النّساء اللواتي اخترن الخمار لم يخترنه سميكاً ليحجب جمالهن، وواقع بشرتهن بل هو شفاف بحيث يبدو ما تحته واضحاً، أي أن الخمار يستعمل ليس لستر الوجه بل للزينة في الأغلب، فالعيون واضحة بما يكفي لإبراز جمالها وفتنتها.

4- إنهن متزوقات كلهن، يستعملن "المكياج" بشكل عام، فجميعهن يضعن أحمر الشّفاه، ويتكحلن، ويبدين زنتهن لكن بشكل محتشم لا غبار عليه، تحسدهن عليه فتيات اليوم وغاداته.

5- إن ستا من سبع نساء يبدين شيئاً من شعور رؤوسهن، وهذا يعني حريةّ لا يتمتع بها نسوة العراق الآن تحت نفوذ عمامات النّفاق والشّر والجهل والتعصب والظّلام السّوداء والبيضاء.

6- إن ملابسهن وطرازها فائق الجمال، متناسق الألوان، آخاذاً رائعاً، يفوق ما تستطيع المرأة الآن ارتداءه في الأماكن العامة.

هل يمكن أن يتخيل المرء وضعاً سيئاً بالغ الانحطاط للمرأة في العراق أسوأ من وضعها الآن؟ ألا يكفي لتصوير سوء الوضع أن زمانها وأوضاعها الاجتماعية قبل أكثر من عشرة قرون أفضل منه الآن؟

572-said3ثانياً: إن نظرنا إلى اللوحة الثّانية، فسنرى مجتمعاً متحرراً يحسده عليه مجتمعنا الحالي، هناك ثري أو أمير الخ؟ يحتفل في مناسبة معينة، جلب مجموعة من الرّاقصات، ومغنيةّ وجوقة عازفين على العود والصّنوج والمزمار والدّفوف، وساعة تصوير اللوحة كان الجميع مستمتعاً، المضيف والضيوف والفنانون. أين منه ظلام اليوم السّائد، فبين يوم ويوم تشن عصابات المؤلفة من رجال كهنوت قبيحين، ممسوخين، يقودون أميين حاقدين على المجتمع والبشريةّ والعراق والعراقيين، فيقتلون ويذبحون ويشردون، ويستولون على البيوت، والممتلكات. لا يسلم منهم أحد سوى المقربين من زعمائهم. هاجموا النّوادي بتهمة الخروج على النصوص، وهاجموا الحلاقين بتهمة الخروج على الآداب، وهاجموا النّساء بتهمة الخروج على الفضيلة، وهاجموا العلماء والمثقفين بتهمة الخروج على تعاليم غريبة تافهة لئيمة خالية من كل تفكير أو أحساس أو حضارة.

572-said4ثالثاً: هذه اللوحة تعبر بصورة لا تقبل لشك عن انفتاح هائل عاشته مجتماعاتنا العربية وبخاصة عاصمة الإمبراطورية بغداد فهنا يبرز الاختلاط واضحاً بين الجنسين.هناك شخص تسامره حببته، وخادمة تخدم الإثنين، وراقصة تبدو شبه متبرجة، فهي ترتدي تنورة تكشف السّاقين وقليلاً من فوق الرّكبة. وجوقة أخرى من الموسيقيين، والمغنين. وتشاركها شقيقتها اللوحة الثّانية في تصوير راقصتين عازفتين ترقصان وتحتسيان الخمرة، أو تقدمانها لمن يشربها.

572-said5

 اتمنى لو يشاهد هذه الصّور المعممون ليرجعوا إلى صوابهم وليعيشوا كما يهوون ويتركوا غيرهم يعيش بسلام.

570-GS4من الفنانين البارعين الذين تمتعوا بشعبية عالية خلال حياتهم وبعد مماتهم، التشكيلي الامريكي جان سنگر سرجنت John Singer Sargent الذي ولد في فلورنسا عام 1856 لابوين امريكيين موسرين فضلا ان يقيما في اوربا بين ايطاليا وفرنسا وانكلترا.

570-GS8درس سرجنت الفن في مدرسة الفن الفرنسية العريقة Ecole des Beaux-Arts والتحق باستوديو فنان البورتريه الفرنسي الشاب كارلو دوران Carolus Duran فتتلمذ على يده وتعلم منه رسم البورتريه مباشرة ودون الحاجة الى تخطيط، فاصبح صديقا قريبا لدوران وتأثر باسلوبه فكان الطلب على بورتريتاته عاليا مما مكنه من ان يؤمن لنفسه دخلا معتبرا.

570-GS1ورغم ان رسم البورتريه كان يستنفذ جل وقته وجهوده الا انه لم يتقولب على ذلك فقد برع في رسم مواضيع اخرى استلهمها خلال ترحاله الكثير ليس فقط عبر اوربا وامريكا انما حول الشرق الاوسط وافريقيا. وكان خلال تلك الزيارات شديد الملاحظة يرسم الطبيعة والمشاهد التي تستهويه من المدن والناس والاماكن التي يزورها اضافة الى مشاهد ذات موضوعات تعبيرية.

570-GS2كما انه لم يحدد نفسه بالرسم بالزيت وهو خياره الاول بل برع ايضا باستخدام الالوان المائية والتخطيط بالقلم، فكان فنان غزير الانتاج حيث انجز اكثر من 4000 عمل كان قد باع الكثير منها خلال حياته. كان سرجنت يتقاضى في المتوسط مبلغ 5000 دولار لكل بورتريه آنذاك اي مايعادل 130,000 دولار اليوم. وكان بعض عملائه الاثرياء يسافرون بزوجاتهم او عشيقاتهم من امريكا الى لندن للفوز ببورتريه يحمل توقيعه . وطبيعي ان تكتسبت اعماله شهرة وطلب اكثر بعد وفاته فقد بيعت احدى لوحاته قبل بضع سنين بمبلغ 23,5 مليون دولار. كان سرجنت ايضا ولوعا بالموسيقى وعازفا جيدا على البيانو وكانت له صداقات قوية مع مشاهير الفنانين في وقته امثال الموسيقار فرانز فوريه والرسامين ديكا ومونيه والنحات رودان.

570-GS9

في اواخر حياته ابدى سرجنت اهتماما خاصا بالجداريات خاصة عند عودته لوطنه الام امريكا. من الاعمال التي انجزها جداريات لمكتبة بوسطن العامة ولمتحف بوسطن للفن الحديث ولمكتبة جامعة هارفرد. توفي في لندن عام 1925 اثر مضاعفات قلبية وكان بعمر 69 عاما.

خاص بالمثقف

khadom shamhodكانت المدرسة الايطالية في عصر النهضة قد افرزت اساتذة عظام وآراء ومفاهيم قيمة في مسيرة تاريخ الفن واكتشافات مهمة وتجدبد في الفكر والفلسفة والتعامل مع اللون والخط والمساحة بروحية متطورة قضت على الجمود الذي كان سائدا في العصور المظلمة. ويمكن ان نميز في هذه الحقبة طريقتين في الرسم: الاولى هي استخدام الالوان النقية ومعالجة الظل من خلال اللون نفسه اي اذا كان اللون احمرا فظله احمر غامق، كما نشاهد ايضا هناك قطيعة بين الالوان المتجاورة . كما هو ماثل في اسلوب رافائيل 1483. وهذا الاسلوب النقي ظهر ايضا في المنمنمات الاسلامية ولكن مع الفارق في استخدام الخط والتسطيح .. اما الطريقة الثانية فهي تلامس الالوان بعضها لبعض بتفاعل وانسجام . وتمثلت في اعمال دافنشي 1452. وهو الذي دفع علم الضوء والظل الى اقصاه حيث قال: (... ان الاشياء التي تواجه العين تلمس بعضها بعضا في تتابعها التدريجي وفي اتصال لا ينقطع ...) وبعد قرون ظهرت النزعة الانطباعية 1872 على خط نظرية دافنشي ولكن هذه المرة مستمدة حركتها من علم نظرية الطيف الشمسي والادراكات الحسية بعيدا عن نزعة عصر النهضة المثالية .. كما شهدت المدرسة الوحشيه وزعيمها ماتيس تطورا ملحوظا في استخدام نقاوة اللون ونسبية الدرجات والشدة في الالوان .. هذه التيارات الفنية لعبت دورا هاما في تلك الظواهر الفنية التاريخية منذ العصر الكلاسيكي الى عصرنا الحاضر .. ونحن نذكرها لتكون مدخلا موجزا للتعريف باعمال الفنان العراقي فيصل لعيبي ..

 61-faysallaibi1

اللون عند فيصل:

في اعمال فيصل نشاهد استخدام الالوان بطريقة نقية حارة و قوية وتذكرنا باسلوب عصر النهضة ورافائيل وقد ذكر بعض النقاد ثلاثة طرق لاستخدام الالوان وهي : النقية والرمزية والغنائية .. ويضاف الى ذلك فاننا نجد تأثيرات الفنون الاسلامية من ناحية الالوان والتسطيح والزخرقة ظاهرة ايضا في اسلوب فيصل خاصة في ارضية اللوحة .. وتظهر الالوان في بهجة وراحة مما يجعل اللوحة تنبض بالحياة و الجمال .. فكلما كان اللون ثريا كلما كان العمل متكاملا. ليخلق السمو والراحة النفسية .. ولكننا من جانب آخر نرى الخط غائبا بشكل ملحوظ في اعمال فيصل الاخيرة ونحن نعلم بان الخط له دورا مهما في الايحاء بالكتلة او الشكل .. ولهذا فقد اخذت الالوان دور الخط في عملية التركيب للعمل الفني .. والتصوير الشرقي خاصة الياباني عادة ما يعبر عن الشكل بواسطة الخط الذي يخلق الانغام من خلال اللون المنتشر على المساحات المخصصة له ...

ينطلق فيصل باسلوبه من الواقعية المحورة ويمكن ان نطلق عليها بالتعبيرية ولكن تعبيرية هادئة مستقرة فيها الوجوه منتصبة ناظرة الى الرسام او المشاهد وبصمت مطلق .. وليس تعبيرية انفعالية تظهر فيها الفرشة منطلقة وضربات عفوية قوية كما هو حاصل عند ادوار مونخ 1863 و جماعة الجسر الالمانية 1905 .. وعندما سالنا فيصل عن السبب ان الوجوه اغلبها تنظر الى المشاهد وان بعضها متشابهة .. اجاب بان هناك في التراث السومري نجد مشاهد نحتية من هذا النوع ... كما تذكرنا اعماله الاخيرة بالفنان الفرنسي فرنان ليجيه 1881 . والفنان الكولمبي بوتيرو 1932 من ناحية دائرية شكل الوجوه او بيضويتها او تشابهها .. ولكن هذا النوع من الوجوه كان مألوفا في التراث الفني الاسلامي خاصة في مدرسة بغداد ورسوم الواسطي ...

 

الرومانسية عند فيصل:

61-faysallaibi2الرومانسية ظهرت بعد سقوط الامبراطورية الرومانية وقبل ظهور الفن الغوطي وكانت تمثل فن الاديرة والطبقة الاستقراطية وكان هناك تلاحم وترابط بين الاثنين لمصالح اقتصادية . وقد جاء ذلك في كتاب – الفن والمجتمع عبر التاريخ –لارنولد هاوزر - . واعتقد ان التاريخ يعيد نفسه اليوم حيث نجد ان بعض المعممين من الوعاظ خاصة في العراق قد استغلوا وجودهم في السلطة ليبنوا امبراطورية مشاريع ومؤسسات مبنية على حقوق واموال الضعفاء من الناس بحجج الاخماس والزكوات .....

ثم ظهرت الرومانسية مرة اخرى عام 1820 في فرنسا وانكلترا . ونجد هنا قد برز تياران من الرومانسية . الاول تمثل بمصورين اهتموا بالواقعية الشعرية الساكنة الموجودة في المرئيات والثاني هو تحويل الطبيعة سواء كانت حقيقة او خيال الى حركة مستمرة .. مثل المصور كونستابل 1776 وتيرنر 1775 ثم جاء من بعدهم ديلاكروا 1798 الذي حمل بصدق لواء الحركة الرومانسية .. بعض الاعمال عند فيصل تنتمي الى التيار الاول من الرومانسية حيث نجد فيها شاعرية ساكنة تمثل عالم المرئيات و المحسوسات فنجد هناك دقة متناهية في حركة الفرشاة او القلم تشعرنا بالروح الرومانسية .. اما تخطيطاته في الرسم فينساب فيها الخط برشاقة وجمالية عذبة وتعبيرية تنقلنا الى غنائية شعر عمر الخيام وصوفيته .. فيصل لعيبي متوع التقنيا والاساليب فهناك اسلوب فيه الشكل او الوجه محطم مقهور وممزق .. وهناك اسلوب الواقعية التعبيرية التي تتجسد فيها المواضيع العراقية والبغدادية الشعبية بالذات .. وهناك الاسلوب الاكاديمي الذي يخضع الى قواعد الظل والضوء والنسب الواقعية بمعنى النقل الحرفي .. وهذه الظاهرة نجدها عند عدد من الفنانين مثل بيكاسو حيث كان قد مارس اساليب كثيرة متنوعة حتى انتهى بالتكعيبية ..

 

فيصل الاعلامي:

كان فيصل اعلاميا وقد عمل في الصحافة منذ سنة 1966 الى سنة 1974 . فعمل في مجلة الراصد، طريق الشعب ¸عراق الغد، الثقافة الجديدة، وكان يرسم ايضا في مجلة الف باء وصحيفة الجمهورية .. ثم اشتغل في مجلة مجلتي وصحيفة المزمار في بداية ظهورها عام 1969 .. واشتهر في شخصيته المحببة - نبهان – التي حفرت صورتها في الذاكرة العراقية وقد طرب لها وغنى اجيال من الاطفال والشبان .. وكان لي الشرف ان اعمل معاه في المجلة وكنت كلما ادخل عليه في المرسم اجده يدندن وينشد مع نفسه الاغاني الشعبية ( يا الرايح البغداد كلة وخبره ...)

تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1968 واكمل دراسته في اكاديمية الفنون عام 1971 في بغداد وعندما حط في باريس عام 1974 درس في المدرسة العليا للفنون والسربون وتخرج منهماعام 1981 ثم انتقل الى روما وبقى فيها اربعة سنوات بعدها انتقل الى الجزائر عام 1989 ودرس مادة الفن في احد المدارس الى حد سنة 1991 ثم انتقل الى لندن .. في لندن اسس مع بعض المثقفين مجلة - المجرشة – عام 1992 .. وكان اول معرض له عام 1966 في بغداد ثم تبعه الثاني عام 1972 حمل عنوان – النساء والشاعر-. وفي عام 1971 ساهم في تشكيل جماعة الاكاديميين والتي كانت تتكون من الاستاذ كاظم حيدر وصلاح جياد ونعمان هادي ووليد شيت .. وقد اقام معارض كثيرة في انحاء مختلفة من العالم .. وفي عام 2009 صدر له كتاب عن اعماله وحياته يضم 508 صفحة بالالوان الجميلة والورق البراق آرت ويضم نخبة راقية وجميلة من اعماله المختلفة خلال مسيرته الفنية الطويلة التي زادت على الاربعة عقود ..

 

الموضوع في اعمال فيصل:

61-faysallaibi3فيصل له قدرة عالية وسيطرة كبيرة على التحكم في تخطيط الشكل واللون والانشاء ويعود الفضل الى دراسته الاكاديمية العميقة والطويلة وممارسته المستمرة في عمل الصحافة .. ولوحاته تنطق عن نفسها وهويتها ولا تحتاج الى عنوان . وتتمحور مواضيعه في المقاهي الشعبية والحلاق وبائع الشربة والنساء العراقيات بازيائهن التقليدية والشهداء . كما نجد هناك اعمال ذات طابع سياسي ونضالي تعكس عقود مظلمة مر بها العراق بعد الاطاحة بثورة 14 تموز عام 1958 . ولوحاته توثق ايضا مراحل تاريخية من العراق القديم . حيث نرى في اعماله ملامح من تراث وادي الرافدين تتجسد بالنظرات الثابته والعيون الواسعة والحواجب المعكوفة التي تذكرنا بمنحوتات كهنة سومر وبابل . كما نرى الزخارف الاسلامية تغطي ارضيات اللوحة بالوانها ونجومها البراقة المشرقة .. ونجد توهج في الالوان ونقاوة وطيب على الوجوه، وكأن الفنان يستعين بهذا اللون من المواضيع لاعادة الطمأنينة الى نفسه نتيجة للغربة القاسية .. يضاف الى ذلك فان فيصل واسع الثقافة وله بحوث كثيرة منشورة في مجال الفن والتاريخ . ويشرف على كثير من الندوات الثقافية في لندن وغيرها ... وقد التقيت معه في لندن اثناء اقامة معرضي في المركز الثقافي العراقي وكان لقاء ود واخاء كبير ... نتمنى لفيصل العمر الطويل والعطاء المستمر لانه يشكل بحق دائرة معارف في الفن والثقافة ...

60-firyalalaadamiفريال الاعظمي فنانة عراقية مغتربة حملت موروثها الثقافي طيلة ربع قرن وجالت بابداعها مدن الشرق والغرب فمن المتحف البريطاني في لندن عاصمة الضباب الى الولايات المتحدة.ومن دول الشرق الاوسط الى دول الخليج، لتحط الرحال في البحرين، وهذه المره بأستنطاق قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش فتسمي معرضها الثامن: (درويش، كيف أتلوعنك..؟ وأنت بمحراب الشعر امام..!).

60-firyalalaadami1ونحن نحاول ان نغوص في الكشف عن مكنون الابداع في مشروع الفنانة وأشتغالاتها المتميزة في تطويع الحرف العربي، نستذكر ما يرى (جوزيف كوست) من: أن الفن كمفهوم هو مجال تأملي عقلاني ونقدي، فهو بؤرة ﺍﻟﺘﻭﺍﺼل ﺒﻴﻥ ﻋﺩﺓ ﻤﻨﺎﻫﺞ، ﻜﺎﻟﻌﻼﻗﺔ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﺼﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﺭﺌﻴﺔ ﻭﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻤﻜﺘﻭﺒﺔ. لذا فأن الكيان التأملي هو ما تصبو له الفنانة بابداعها كمفهوم يعتمد على الدلالة التوثيقية فكريا لمنطوق ومدلولات الحرف ومجمل الجملة الشعرية عبر معايير جمالية تتوافق مع روح النسق الابداعي في جوهره ،فاشتغلت على بناء الحرف المنفرد كعنصر تشكيلي بنائي تشخيصي يجرد الجملة القولية من كونها مجال للتعبير فقط، الى بناء رمزي تعبيري تصوغها بمدلولاتها المنظورة والمضمرة .

60-firyalalaadami2معبرة عن ذلك في استخدامها للعديد من الخامات غير التقليدية في اللوحة المسندية بغرض الحصول على ملامس غريبة تستفز عين المتلقي، المتعود على القراءة للحروف والكلمات، اوجمل شعرية لها معاني محدده ومثيرة لما في نفسه من مدلولات.وذلك من خلال هذا البروز وانعكاس الظلال والضوء وروح اللون الطاغية بسطوعها، فاستطاعت بناء ابتكار جمالي من رموز اللغة وبناء عالم اقرب ما يكون الى السحر اللوني، الذي ينتمي لقيمة الحرف وقدسيته المتوارثه وروح المعنى.أنها مزجت بين نحت الشكل وتصويره في سلسلة أعمال عبر توظيف المساحات الهندسية الملونه توظيفا مثيرا لعين المتلقي. وبنزعة تبسيطية للشكل الغنائي في اللون،والميتافيزيقية في الفكر المجدد لروح الابداع. على خلفية استيطاق مكامن روح الشعر وتوظيفه جماليا ، ليكون رمزا وعلامة مكونة للغة تشكيلية ذات عصرية تجريبية مدهشه . تجاري ما يعطيه شعر محمود درويش من عذوبة وبساطة ، فهي تحاول جاهدة ان تدخل روح النص في الجملة الشعرية لدرويش في تجليات معاني الحرف. والمعروف أن قصائد الشاعر جمعت بتمكن ثلات ثيم وحولتها الى ابداع لغوي وهي الوطن والحب والام ..وهذا ما تبحث عنه الفنانة ايضا . فكان توالد الابداع بابداع مقابل ليكتمل في أطراف اللوحة .فحضرالوطن والزيتون ورمان حدائق بابل والقمر وحقائب السفر ومنديل الام وغيرها من مفردات درويش، حضرت بعنفوان وجداني عالي اكدت هذا التمازج والشعور المشترك بينهما.

60-firyalalaadami3فالفنانه في كل ذلك تحاول أكتشاف قوى الابداع في جوهر الموروث العربي اللغوي وتطويعه، فهي تشتغل على أن للحرف منفردا صورته الجمالية العينية الظاهرية مقابل صورته المعنوية الباطنية. فالمشخص هنا (وهو الحرف) لا تنحصر صورته بذاته فقط ولا بما ينطق ويؤول من معنى بل هو باطن يضمر روح المعنى . وهكذا نرى أن الاكتفاء بمحاكاة ظاهر الشيء لايقدم للمشاهد سوى الشكل السطحي للوحة تشكيلية غنية بالحروف والالوان و ما ان يقترب حتى تورطه في الغوص بعين المعنى فهي تؤول الدلالات والمعاني لتجعل من الافصاح عن روح المعنى مكنون في عدد الحروف وتقطيعها ككلمات تراكبيه لها مداليل مجتمعه .

فالفن عند (فريال الاعظمي) أذن، ليس فقط فن أغناء لموروث المتراكم المعرفي الذاتي، بل فن يذهب ليغني التراث العالمي بنفس عربي متميز مستمد من تحديث الجذور. ونرى بوضوح أن :المدلول الفني لأعمالها هو تبادل الادوار بين العلاقات التقليدية لفكرة ان الحرف للكتابة فقط وبين قيمته كمفرده في مشروع الحداثة في التعبير.

فتناثرالشكل الحروفي على سطح اللوحة الملونه ومن مختلف المواد المستخدمه من داخل التكوين الابداعي ، يولد لنا فنا آخر يمتلك روح من الخصوصية والمزاوجه بين الشعر والتشكيل، فنا لا يجهل ما ينجز من توافق بين الايدولوجية الجمعية وبين الابداع الفردي . حيث تقيم الفنانة وتركب مفرداتها الابداعية بين سكون ابداعي معاصر لا يخلو من تجريد حداثوي وبين انسجام مع روح الماضي الجمعي الخارج من عباءة المقدس المطلق الى رحابة الابداع الفردي..فالجمال كما يؤكد (أدورنو) (في ترابط ووعي ، بتشييد ما يحدث بطريقة غير متماسكة وغامضة في الاعمال الفنية) لكونها تستبدل مفهوم المقدس ورمزيته وتجعله يومي وقريب من الواقع ،أي تقربه من روح المتلقي البسيط وتغريه في المساهمة في عالم أكتشاف المتعة الجمالية. وخصوصا مع قصائد محمود درويش التي عشقها المتلقي وبقيت في ذاكرته.

تشتغل الفنانة فريال الاعظمي في تكوين لوحاتها على عنصرين غير متباعدين : الاول هو البعد الفراغي لفضاء اللوحة الممتد حتى الاطار، فعملت على الاستفادة من القدرة الجمالية لصراحة الالوان وقوة التضاد اللوني فمزجت الوانها بشكل يحمل روح الابهار الذي لا يبتعد عن روح الشرق بمدلولاته، اما العنصر الثاني فهو الجوهر التكويني للثيمة الحروفية المجسمه لبعد الحرف المنفرد والمتناثر على صدر اللوحة. وفردانية الحرف هنا اعطته قوة تعبيرية ، تضاف الى قوته كجزء من مدلول ثقافي لغوي للجملة التعبيرية التي اختارتها الفنانة مما ترك الشاعر من قصائد.

ويبقى هذا المعرض خطوة مهمه ومتميزة على طريق الحروفية العربية التي تحمل الفنانة همومها سنوات طوال. فهو قصة حب بين درويش والاعظمي شهودها الوطن والغربة ووليدها الحرف .

 

محسن الذهبي

ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا