من البديهيات ان فن الرسم والفنون التشيكلية بشكل عام من الفنون البصرية بينما فن الموسيقى من الفنون السمعية وان عملية خلق الابهام في اللوحة التشكلية يتم عبر عدة عناصر ومنها البعد الثالث كايحاء بصري عبر الخطوط والكتل والالوان بينما يمكن الايحاء بالصور البصرية في الموسيقى عبر الخيال والتخيل للمستمع ناهيك عن طبيعة الايقاع والزذم الذي يعطي للموسيقى خصوصية جغرافية يمكن من خلالها بناء صور تخيلية متنوعة باختلاف المتذوق لفن الموسيقى فاذا كانت الموسيقى هي غذاء للروح كما يصفها النقاد فان اللوحة التشكيلية فهي غذاء للروح والعقل والحس وبهذا تحتل اللوحة الفنية قيمة جمالية تتجاوز القيم الجمالية لفن الموسيقى على الرغم من اعتبارها من اكثر الفنون تجريدية عبر مجموعة الصور التخيلية المختلفة التي ترسلها للمتذوق لها والتي لا تختلف في احيان كثيرة عما يختزنه العقل الباطني من صوراسقاطية او صور جديدة تتشكل عبر التوافق الحسي والعقلي او الشعور الحدسي

54-sabih1

اذ نحن الان مع عملية الايهام عند المتذوق اي الايهام بالوسيقى في اللوحة التشكيلية او الايهام بالصورة البصرية في الموسيقى وليس مع بديهية سمعية او بصرية لان البديهيات في اغلب الاحيان لا ترتقي بالتذوق الفني جماليا لانها حالة انية مؤقتة تنتهي بالفعل ورد الفعل الاني ولاتصل الى مرحلة التطهير الذاتي للمتذوق كالتقليد الطبيعي في بعض المدارس والاتجاهات الفنية سواء كانت درامية ام غير درامية وهي اعمال فنية يتبناها البعض كردود افعال مؤقتة تنتهي بانتهاء الفعل سواء كان هذا الفعل طبيعي او واقعي كمفهوم عام للطبيعة والتقليد الاني والتي لا ترتقي بمستوى الفن عموما كما سيق ان حدد الفن عند ارسطو بالمحاكاة اي محاكاة الطبيعة وليس التقليد ولربما لا يعئ الكثير معنى المحاكاة في الفن لانها وبتعريف بسيط كما اعتقد - هي المحاورة ما بين الفنان والطبيعة لاستكشاف دواخلها لكلا المحاورين اي اكتشاف البواطن المخفية وليس الاشكال الظاهرية والسطحية التي يدركها كلا الجانبين اي ان الشجرة والانسان نعرفها وندركها ولكن ماذا تخفي الشجرة والانسان من قيم جمالية هذا ما يبحث عنة الفن والا لم يطلق علية فن بل يمكن اطلاق اي مصطلح اخر

والسؤال الاهم هنا كيف يمكن للفنان التشكيلي- الرسام- من خلق الايهام بالموسيقى عبر فن بصري فاذا كانت الخطوط والكتل والاحجام تخلق الايهام بالبعد الثالث فهل يمكن عن طريق الالون خلق الايهام بالموسيقى خاصة وان كل لون له درجة حرارية مؤثرة كالنوطة الموسيقية وان عملية البناء التكويني للوحة يعتمد اساسا على مجموعة من البنى التكوينية المختلفة التي قد تتنافر او تنسجم مع بعضها البعض تبعا للموضوع والاتجاة الفني ومنها اللون عبر درجاتة المختلفة التي تشكل نوطة موسيقية قد تبدا من الخافت الى العالي او العكس هو الصحيح وفي كلا الحالتين تشكل انسجام او تناقض في الايقاع البصري او الايقاع السمعي اي انة سلم موسيقي ندركة بصريا وشعوريا ويبدا بصرخة خافتة حتى تتصاعد بحرارتة اللونية ليعلن عن ذاتة وبكامل حرارتة التي قد تشعرك بالثورة او التمرد او العشق او الحنان اووووالخ لهذا تصبح الموسيقى في اللوحة التشكيلية ذات حضور متميز عبر الالون التي تتراقص على انغامها الصامتة وكما يقال ا- برقص الطير مذبوحا من الالم- لان كل لون ينتقية الفنان يعبر عن مشاعر واحاسيس مختلفة قد تكون احاسيس الالم او الافراح الحزينة او غيرها من الاحاسيس الهائجة كالبركان ولهذا ترتعش الفرشاة عند اختبار اللون حتى لو كان عبارة عن   نقطة صغيرة في مكان ما من اللوحة اي انها نوطة يشعر بها الفنان ويحاول اسماعها للمتلقي فكيف يكون الامر عندما تكتمل اللوحة ويشعر الفنان بان نوطاتة الملونة لم تعبر بشكل حقيقي عن موسيقاة التي الفها فقد يضظر ان يغير من الالوان او يمزق اللوحة ليبدا بعزف جديد واختبار اخر لللون

حتى لا نذهب بعيدا في الاسهاب الادبي دعونا نسمع ونستمتع بالموسيقى اللونية للفنان د صبيح كلش الذي عودنا على سماع الموسيقى في اعمالة الابداعية وكيقية توضيف الالوان كنوطات موسيقية

54-sabih2

اللوحة بلا عنوان---- والفنان غني عن التعريف-- المبدع والمتالق دائما د صبيح كلش قد يكون الفنان د صبيح كلش قد وضنع عنوان ما في لوحتة الاجتياح الاانني لم اجد هذا العنوان بشكل واضح وصريح بل وجدت قطعة موسيقية بنوطة الفرشاة تقودني تارة عبر سلمها اللوني المتنامي الى صرخة فنان تلك الصرخة التي تجمع في بنتها التكونية كل معاني التمرد عبر خلجات الفنان الثائرة على الواقع المؤلم اذ انها ليس صرخة الم بقدرما هي جروح تنزف من داخل الفنان ولم يجد غير الموسيقى اللونية للتعبير عنها ولهذا تجد من خلال التناسق والتنافر بين الالوان وكانها اشكال وصور بمعاني متعددة متداخلة مع بعضها البعض عبر بنية تكوينيةمثيرة اذ ان لكل بنية لها معالمها وخصوصيتها تقابلت وتنافرت وانسجمت وتفرقت لتشكل البينة العامة للوحة لايسعني سوى القول عاشت الانامل للمبدع د صبيح كلش- الذي متعني بقطعة موسيقية جمعت ما بين رومانسية الالوان وواقعية الايقاع وتجريدية الاشكال حتى اصبحت قطعة موسيقية نسمعها على الرغم من صمتها المدوي اما اللوحة الثانية فقد جاءت تحت عنوان - الانتهاك - وبما ان هذة الكلمة عائمة التي اختارها الدكتور صبيح كاش في لوحتة اي انها عائمة على بحر من المعاني والدلالات لهذا تتحمل كل المعاني والدلالات عن مفهوم الانتهاك كالشرف والكرامة والعزة والكبرياء ووووووووووالخ واذا ما اردت ان تاخذ معنى واحدا منها فبالتاكيد ستقع داخل تلك الشرنقة ولا تستطيع الخروج منها مهما امتلكنا من سحر الكلمة ومرادافاتها ومعانيها المختلفة ضمن وحدة البناء التكويني للكلمة ولهذا ستكون محاولاتنا الخروج من تلك الشرنقة وعن طبيعة الانطاع الذي تولد منذ اللحظة الاولى عند مشاهدتي لهذا العمل وضمن ظرف موضوعي وواقعي عشت وتعايشت معه وهو - المراة والانتهاك -اي كيف انتهكت المراة البوم حتى في انوثتها الفطرية و اصبحت سلعة تجارية تباع وتشترى في سوق النخاسة وتحت شعار اسلاموي اباح كل المحذورات حتى اصبحت المراة كيان غريب لا نعرف اسمة من عنوانة بقدر معرفتنا به كداء ليس له دواء في هذا الزمن الميت من التفسير والتاؤيل لمفهوم المراة والانسان والدين - لقد وضعنا الفنان د صبيح كلش امام صرخاتها المدوية التي نسمعها كما يسمعها من به صمم اذ ان اللوحة هنا تتحدث للمتلقي عبر نوطاتها المختلفة حتى تحولت الالون الموسيقة مع الشعر المنيعث من الاهات الى اغنية ملحنة تخاطب العقول قبل المشاعر والاحاسيس المؤلمة اذ انني لا ابالغ ان قلت لقد وضعنا الفنان   امام ملحمة تراجيدية بكل ما تحملة التراجيديا من ماساة وملهاة   على حد سواء حتى نكاد نسمع الاهات من عمق اللوحة وكاننا نسمع اصداء الموتى من اعماق الارض عبر تراتيل وطقوس للانتهاك لهذا المخلوق البشري اما ماهية هذه الطقوس واشكالها وانغامها فانها تنبعث من اكثر من اتجاة وباشكال مختلفة فتارة تجدها كطقوس النحر للحيوان وعبر عنها الفنان بالثور المذبوح الملاصق لجسد المراة في الخلف ثم الثور الهارب الى المجهول والمعلوم بصرخاتة واهاتة وانينة وعلى الرغم من كل الاهات والانين فالذئااب لا تزال تنهش بهذا الجسد الانثوى والتي عبر عنها الفنان بالقاعدة الذئبية و التي ترتكز عليها المراة ولربما يكون التعبير هنا مجازي وواقعي في نفس الوقت لغرض ايصالة للمتلقي خاصة وان ان هذه الملحمة التراجيدية لايمكن للمتلقي من قك طلاسمها والاستمتاع بموسيقاه المرافقة الا عبر الالوان التي استخدمها الفنان كنوطات موسيقية فتارة تجدها حارة بحراوة موضوعها وتارة باردة ببرودة الامها وتارة يجمع ما بين الالون الحارة والباردة لتمتزج مع بعضها على الرغم من تنافرها ولهذا كانت المراة في اللوحة كحمامة السلام التي اعمى بصرها ولطخ لسانها ومنقارها ببقعة من الدم عبر الومز المعبر عن الطير والمنبثق من جسد المراة التي مسخ شكلها ووجهها عبر ضربات لونية تمتزج بالحراة اللونية والبرودة حتى تشعرك بالحراىة والبرودة في نفس الوقت عبر نغمات موسيقية لونية تدخلت في عالم ليس لبعيدا عنك هو عالم الانتهاك للانسان بعدما فقد قيمتة الانسانية واصبح ت قيمتة اقل درجة من الحيوان

اكرر شكري وتقديري للفنان المبدع د صبيح كلش الذي اضاف منهج جديد في فن الرسم عبر الموسيقى اللونية وادعوا القارئ الكريم الى مشاهدة اللوحتين ولربما سيكون استمتاعة بالموسيقى اكثر مما شعرت به ولربما تكون بداية للدراسة والتحليل في موسيقى الالوان في فن الرسم.

 

د طارق المالكي

--------------------------

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=713703455332444&set=a.133825576653571.13097.100000783893828&type=1&theater

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=691515547551235&set=t.100001670581187&type=1&

 

بعيدا عن تعريفات الفن المختلفة والاراء الفلسفية في تحديد مفهوم الجمال سواء عبر النظريات الحسية والعقلية والحدسية التي كانت ولا تزال مناهج وافكار فلسفية متناقضة في تحديد ما هية الجمال وقيمتة الفنية والمعيار الذي يعتمدة الناقد في التفسير والتحليل وصولا الى قيمتة ومدى تاثيراها على المتلقي بعد الغوص في داخل الفنان المنتج او الخالق للعمل الفني سواء كان العمل الفني مرئي او سمعي او بصري وان الخوض في دواخل المبدع لغرض اكتشافها وتحديد قيمتها تعتمد اولا واخبرا على قدرة الفنان على المحاكاة سواء كانت تلك المحاكاة واقعية ام فنتازية او واقعية فنتازية عبر التجريد المكاني والزماني والاشكال والهيئات ووووووووالخ وهي كلا الحالات المختلفة يكون الفنان اما مسيرا او مخبرا حسب الوجهات النظر الفلسفية والجمالية فاطلاطون مثلا بؤكد على ان الفنان مسير ولبس مخبرا وان ربات الفنون هي التي تنتقي وتختار الفنان اولا والابداع ثانيا ولهذا بصبح الفنان اسيرا لربات الفنون الى تمنحة جرعات ابداعية بغض النظر عن الزمان والمكان الذي بتواجد به المبدع والذي يصفة بالفيلسوف بل وضيف ايضا ان محاكاة الواقع للفنان لا ينتمى الى اصول الفن لانك نوع من انواع التقليد للواقع وان هذا التقليد يظر كثيرا بالبناء التربوي والاخلاقي والجمالي لمفهوم الفن واهدافة السامية لذالك ابعد الفنان المقلد عن جمهوريتة لانه فنان مخادع بينما من الجانب الاخر ارسطو الذي بؤكد على الفنان في محاكاتة للواقع والا لم بكن فنان مبدع انطلاقا من ان الفنان جزء من الواقع يؤثر وبتاثر به وبهذا يكون الفنان وحسب ارسطو مخيرا وليس مسيرا كما عند افلاطون وان هذا الاختيار يعتمد اولا واخيرا على قدرة الفنان في محاكاة الوافع وترجمتة عبر صور متنوعة وصولا الى نفس الاهداف التي ارادها افلاطون في خلق مجتمع متطور بتطور قدراتة الحسية والعقلية وهي نفس الاهداف التي تناشدها كل الاديان السماوية وغير السماوية تحت شعار تطهير الذات البشرية والارتقاء بها حسيا وروحيا وجماليا وفكريا اي الارتقاء بالروح الانسانية اي تلك الروح التي لها اشكال والوان مختلفة كالراضية والمرضية والوامة ووووووووووووووالخ اذ ان الفنان هنا هو شئ مقدس او رمز من رموزالتقديس والتي عبر عنها شوبنهور بان الفن هو تحرير المعرفة من الارادة التي تخضعة لمقوماتها والسمو بالعقل الى مرتبة التامل اللارادي ويضيف ايضا بان الفن بمكنة ان يسمو بالقبم الجمالية عند الانسان الى اعلى مستوى من الرقي والتطور- الا ان السؤال الذي تبقى اجابتة مبهمة وغبر دقيقة وهو كبف يتولد هذا الصراع سواء كان ما بين الفنان والوافع او الفنان مع ذاتة وهل هو صراع شكلي في مظاهرة الخارجية ام صراع داخلي واين تكمن ارادة الفنان ما بين ارادة الانسان وارادة الوجود اي ما بين البقاء والفناء خاصة وان الانسان بقاءة محدود وزائل وان الوجود باقي ويرتبط مع الدهر

وحتى لا نخوض في امور فلسفية قد نختلف او نتفق مع تفسيراتها وتحلبلاتها المختلفة دعونا نركز على ذات الفنان وصراعة الداخلي الذي يمثل المحكاة الحقبقة للواقع والتي قد لا نجد لها تفسيرا منطقيا لانها تدخل في صراع ما بين الشعور والاحساس والعقل والفكر والذي يتمخض من خلالة نتاج ابداعي وسبق لعلماء النفس من تفسيرة وتحليلة عبر اراء عديدة ومتنوعة قد نتفق معها او نختلف الا انها تبقى دراسات علمية وتجريبية عن مفهوم الشعور واللاشعور او الطاقة الكامنة كما يحددها فرويد مثلا عند دراستة وتحليل اعمال دافنشى ولوحة المونوليزا اي ان فرويد قد درس الذات الداخلية لدافنشي والتي انتجت لوحة المونوليزا وليس العكس اي الغوص في اعماق الفنان وكشف بواطنها ولمراضها وصراعاتها والتي كانت عبارة عن صرخة من الصراع الداخلي تجسدت عبر لوحة المونوليزا والتي شغلت كل النقاد والمحللين عن المعاني والدلالات التي تحملها اللوحة حتى اصبحت لغزا فنيا ليس في شكلها الفني بقدر ما تحملة من معاني عن الصراع الداخلي عند دافنشي وبهذا نتفق مع راى شوبنهور عندما يقول - بان اعلى مراتب الجمال هو الجمال الانساني وان الفنان قد منحنا عيناة كي نرى بها الواقع ونتاملة لغرض المعرفة الفلسفية وجينها لا نكون على وعي بانفسنا كافراد بل ذوات عارفة

 

د طارق المالكي

zouher sahebالصنف الاول من مجموعة هذه الالواح الفخارية، يقع ضن خانة الموضوعات الدينية. واشهر نماذجها عُرف باسم لوح (بيرني) .. وهو محفوظ الآن ضمن مجموعة (كولفيل) .. بعد ان كان محفوظاً سابقاً ضمن مجموعة (بيرني) .. ومن هنا جاءت تسمية هذا اللوح، الذي يعد من اكبر نماذج الألواح الفخارية البابلية..إذ يصل ارتفاعه الى 50سم. ويهيمن على مشهد اللوح شكل إلهة مجنحة عارية أُنسنت بهيئة فتاة جميلة.. تمظهرت بتاج مقرن من النوع الثقيل.. ملوّحة بكلتي يديها برمزي السلطة وهما العصا والحلقة .. فيما شُكلّت قدميها على شكل قدمي طائر جارح. مرتكزة في وقفتها الاسطورية على شكل اسدين متدابرين.. ويؤطر جانبي المشهد وبشكل متقابل زوج من طائر البوم.

يمكننا المجازفة بكشف (هوية) الالهة الممثلة في المشهد: على انها الالهة عشتار.. بدلالة قرينها الأسد الذي يظهر مصاحباً لها كذلك في مشاهد الرسوم الجدارية على جدران قصر الملك (زمري ـ لم) في مدينة ماري. فان صح ذلك: فان إلهة الحب والجمال تعرض غواية خطابها الجسدي بمثل هذه الإباحية: علّها تستطيع الايقاع بالمزيد من العشاق الذين فتكت بهم الواحد تلو الآخر. وربما تزداد القراءة الدلالية للمشهد تعقيداً..اذا اخذنا بنظر الاعتبار..حضور الاشكال الرمزية الاخرى المصاحبة لها في بنية المشهد. فمن السهل تعرف دلالة شكلي الاسدين بأنهما يشيران الى القوة..اما شكلي طائري البوم فربما يُشفّران عن الحكمة والدهاء والمكر. لنصل في النهاية الى ان مركب الاشكال الرمزية في هذا المشهد الاسطوري.. يلمّح الى فكرة (غواية الانوثة المغرية الماكرة).

فقد عرضت عشتار جمال جسدها وحبها الماكر على الكثير من الشخصيات.. في حوارات درامية جميلة، واشهرها عشقها للبطل (كَلكَامش) بعد عودتهِ منتصراً على الكائن الاسطوري (خمبابا) حارس غابات الارز.. وبوسعنا ايراد جزء يسير من ذلك الحوار كما ورد في ملحمة كَلكَامش.

 

غسل جلجامش شعره الطويل وصقل سلاحه

وارسل جدائل شعره على كتفيه

وارتدى حُلّة مزركشة وربطها بزنار

ولما ان لبس جلجامش تاجه

رفعت عشتار عينيها

ورمقت جمال جلجامش فنادته:

تعال يا جلجامش وكن حبيبي الذي أخترت

ستكون أنتَ زوجي واكون زوجتك

ففتح جلجامش فاه واجاب عشتار قائلاً:

أي خير سأناله لو اخترتك زوجة

أنتِ كالموقد الذي تخمد ناره في البرد

أنتِ كالباب الخلفي لا يصد ريح ولا عاصفة

أنتِ قصر يتحطم في داخله الابطال

أنتِ فيلُ يُمزّق رحله

أنتِ قير يلوث من يحمله

أنتِ قربه تبلّل حاملها

أيُ من عشاقكِ من احببته على الدوام.. (طه باقر ، 2003، ص111-112).

 598-zuhar

تتجلى قدسية المعبد عند البابليين.. بنوع من التضايف بين النسق المعماري والانساق التشكيلية في بنية واحدة.. بغية الارتقاء بجمالية المعبد من جهة، والتسامي بقدسية المكان من جهة اخرى. لذلك فنحن نرجح ان يكون لوح بيرني من اللوحات المثبتة على جدران احد المعابد.. وحين دخل اللوح ذلك الحيز المكاني المقدس.. فانه امتلك دلالات اسطورية تجاوزت حضوره المرئي بمسافة تعبيرية طويلة.. إذ اصبح رمزاً مؤثراً في التلقي الاجتماعي لدلالتهِ الفكرية. وهنا تبرز الى الوجود قراءة تعرفية اخرى لدلالة المشهد: الذي نرجح ارتباطه باسطورة نزول (عشتار) الى العالم السفلي، اذ تقص الاسطورة السومرية وكذا البابلية:

 

من السماء العظيمة الى الارض السفلى العظيمة

سيدتي هجرت السماء..هجرت الارض ونزلت الى العالم السفلي

هجرت السيادة، هجرت الملوكية ونزلت الى العالم السفلي

وعندما دخلت.. رُفع عن رأسها (الشوكارا) تاج السهل

وحين دخلت البوابة الثانية.. أُخذ منها الذراع والمقياس من اللازورد

وحين دخلت البوابة السابعة

خًلعَ عن جسدها ثوب-بالا: ثوب السيدات

(فاضل عبد الواحد، 1973، ص 190-195).

 

ذلك هو مظهرها العاري في اللوح..عند (سيطرة) بوابة العالم السفلي السابعة: وخلاصة القول: هو ان ما عرفه البابليون من هذه الصور الاسطورية.. اصبح مستخلصاً ومخزوناً في بنيتهم الفكرية.. فكان لهم بمثابة اداة تجاوزوا بها الماثل والحاضر..فاذا كان تفكيرهم بالمفاهيم المجردة: ارتقاءً من المباشر الملموس.. والفردي والجزئي.. الى مفهوماتها الذهنية، فان تفكيرهم بالرموز: كان ارتقاءً الى درجة عليا تعددت بها مستويات الدلالة في التشكيل.. ووصل فيها التخيل الى نوع من الخصوبة الفكرية..مكنّتهُ من ادراك العلاقات والصيغ، التي أتاحت لهم الفرصة للتعامل مع مفاهيم دالة على وفرة من الاشكال الرمزية.

فاشكالية أحالة (النص) من خاصيتهِ المجردة.. الى نظام صوري من العلاقات الشكلية المتبادلة التفاعل، هو ما يُشكّل مأثرة الفنان البابلي المبدع.. في مجال نحت الاجسام الفخارية. والفعل الابداعي برمتهِ: يرتبط باشكالية فهم الافكار قبلياً.. وتحليلها، ومن ثم اعادة تركيبها بانظمة شكلية محمّلة باشكالات الفكر الاجتماعي. فالاساطير الدينية: التي تُحيل (الماورائيات) الى مرموزات شكلية منفتحة في تشفيرها الدلالي، وتقولب اشكال الآلهة غير المرئية.. بنظم الاشكال المرئية. هي اشكالات بأصعب مناطق الابداع تفرداً، وتشير الى وجود ظاهرة التميز في ابداع مثل هذه الروائع النحتية الفخارية.

وفي ملمح آخر: يبث لوح بيرني خطابه الابداعي..بدلالة الفعل التقني المتقن في آليات نحت اشكال المشهد..فسيطرة النحات على آليات نحت اشكالهِ..بمثل هذا النفور الكبير عن ارضياتها..وكانها تماثيل مجسمة، وقراءتهِ البصرية الدقيقة في دراسة تشريح وتناسب الاجسام، قد أثارَ احساس (جلجامش) وغيره: بدفيء ونعومة خطاب الجسد .. لربة الانوثة والجمال في الادب البابلي.

فالفعل الابداعي برمتهِ: يتمحور بالكيفية التي حَلَّ بها (الروحي) في وعاء الخامة.. لتحيا به في صيرورتها الخاصة جداً، إذ تسامى المادي الى مقام الروحي بعد ان حلَّ به حلولاً. فلوح (بيرني) لم يكن فخاراً بقدر ما هو إنجازٌ إبداعي.. شأنه في ذلك شأن مشهد واجهة معبد البارثنون: التي تعرض خطاب الجسد الانثوي لأشهر آلهة الاغريق غواية كأثينا وافروديت.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

khadom shamhodيطلق عليه احينا اسم مانولو ربما للتحبيب كما هو جاري احينا عند العرب (جميل – جمولي) ولد عام 1926 في مدينة لاس بالماس احد جزر الكناري (كنارياس – canarias - والتي تقع قبال بلاد المغرب في المحيط الاطلسي وتبعد عنها بضعة كيلومترات . وتوفى مبكرا عام 1972 . كان والده رساما وشاعرا وكاتبا يدعى خوان ميارس كارلو وامه عازفة بيانو تدعى دلورس ساي برابو . Juan Millares Carlo – Dolores Sall Bravo -

وجزر الكناري اطلق عليها العرب اسم – الجزر الخالدات – وتتكون من مقاطعتين هما- سانتا كروث دي تينيريفا و- لاس بالماس - وفيهما اربعة جزر كبرى تحيط بها عشرات الجزر الصغيرة .. ويذكر انها سميت بهذا الاسم نسبة الى نوع من الكلاب التي كانت منتشرة في هذه الجزر .. مساتحها 7447 كم مربع وعدد نفوسها 2118519 نسمة .. والمناخ فيها دائم الاعتدال ودرجة الحرارة ثابتة تتراوح بين 20 الى 25 درجة مئوية .. وهي خير موطن لاصحاب الامراض المناخية وكذلك السياحة ..

وقد استوطنتها منذ القدم اقوام البربر التي نزحت اليها من شمال افريقيا واستقرت بها. ويطلق عليهم اسم الغوانشGuayares وهم فرع من الشعب الامازيغي البربري، وهؤلاء هم سكان البلاد الاصليين وكانوا وثنيين .

وعندما ظهر المسلمون العرب اصبحت خاضعة لهم وانتشر فيها الاسلام .. وبعد سقوط الاندلس وآخر معاقلهم غرناطة عام 1492، احتلها الاسبان عام 1496 وخضعت الى سيطرتهم وثقافتهم الى يومنا هذا .. ولازالت بعض المفردات اللغوية البربرية موجودة في لغة اهل كناري .

كان مانولو يشكل جيل الغضب والتمرد فقد كسر الجدار القديم وحوله الى عراك ثقافي وقد ولد في مرحلة قلقة مظطربة شكل فيها مع جيله رؤية جديدة وبوصلة للفكر والثقافة الفنية الحديثة في جزر الكناري. كما كان بمثابة المعول الذي بدأ بتهديم المنظومة الفكرية التقليدية في اسبانيا وحمل لواء التغيير والتحديث .. وكان احد مؤسسي جماعة الممر El Paso - - عام 1957 الى جانب الفنان المعروف انتونيو ساورا Saura وكانوكار وفيتو Feito و، Canogar وغيرهم .. وبالاضافة التصوير كان مانولو حفارا وسيراميكي ومزوقا للكتب وكاتبا كما مارسة كتابة الشعر واشرف على ادارة عدد من المجلات الثقافية والفنية مثل مجلة planas de poeisia عام 1949...

 398-khadom

التقنية

كانت بداية حياة مانولو الفنية مختصرة على رسم المناظر الطبيعية والصور الشخصية متأثرا باسلون فان كوخ والانطباعية .. وابتداء من اعوام 1949 و1950 اتجه الى السريالية ثم الى فضاء التجريد. كما اهتم بدراسة التراث الكناري خاصة فنون الشعوب البدائية القديمة - الغوانش – وعن ذلك الماضي السحيق وتلك الشعوب وتقاليدها الفنية العريقة ، وقد اخذت هذه الدراسة والتحقيق منه الوقت الكثير . حيث تأثر بطريقة تحنيط الموميات التي وجدها في المتحف الطبيعي في كناري، فجائت بعض تقنياته عبارة عن لف او طوي قطع القماش ذو النسيج الخشن مثل نسيج قماش الاكياس الممزقة والمستخدمة في تخزين القمح . ويضيف اليها الحبال واشياء اخرى مأخوذة من النفايات . وهو بهذه الطريقة نراه متأثرا بطلائع جماعة البوب آرت الذين كانوا يستخدمون في تقنياتهم المواد الرخيصة كعلب المشروبات الفارغة والكارتون والخشب وبطريقة الكولاج. يضاف الى ذلك استخدامه مادة الرمل وقطع السيراميك وغيرها ثم يصب عليها الوانه الزيتية او الاكريلك بطريقة الرش او الفرشاة الحرة الطليقة وبعفوية وطفولية جميلة ... وكانت الالوان الرئيسية الطاغية على لوحاته هي الاسود والابيض والاحمر.. ويشترك مانولو في تقنياته ومعالجاته لمفردات اللوحة مع الفنان الكتلاني الكبير تابيس 1923- حيث الاثنان يشتركان في استخدام الاقمشة الممزقة والمخيطة والمواد الرخيصة والكولاج وغيرها .. وعند زيارتي الى المغرب في مطلع الثمانينات التقيت بعدد من رموز الفن المغربي مثل المكي مغارة -1932 ومحمد السرغيني وابن سفاج 1939 وغيرهم وكان بعضهم متأثرا باسلوب ميارس مثل المكي مغارة ... كما شكل ميارس اسلوبا مميزا اثر على الفنانين الاسبان والاجانب الى يومنا هذا ....

 

السيرة

في عام 1938 ساهم ميارس في انشاء مجلتين متخصصتين في ثقافة الحرف المهنية والفنية وكان معه في الادارة عدد من اخوانه . وفي عام 1945 قام باول معرض شخصي له في مدينة لاس بالماس وكانت الاعمال منفذة بطريقة المائيات ويطغي عليها الطابع التجاري . وفي اعوام 1047 و1948 قام بمعرضين شخصيين الاول في لاس بالماس والثاني في المتحف الوطني لكناري . ثم سافر عام 1953الى عدد من المدن الاسبانية وعرض فيها مثل برشلونة . وفي عام 1959 بدأت الكلريات تسوق اعماله وبدأ تجار اللوحات يتهافتون عليه منهم - Daniel Cardier الذي عرض اعماله في باريس عام 1961 وفرنكفورت عام 1960 وكذلك –، Pierre Matisse الذي قام بنقل اعماله وعرضها في كالريات نيويورك اعوام 1960 – 11965- 1974- 1978 – وفي عام 1962 اقتنى المتحف البريطاني Tate Gallery احد لوحاته .. ثم بدأت المتاحف العالمية تتسارع لعرض واقتناء اعماله ..

وفي حقبة الستينات والسبعينات عرضت اعماله في عدد كبير من الكالريات العالمية كما اصبحت ترى لوحاته في كثير من المدن الاسبانية مثل بلنسية واشبيلية وسانتاندير ومدريد وكوينكا .. وغيرها. وفي عام 2004 ساهم متحف الملكة صوفيا للفن الحديث في مدريد مع مؤسسة آثكونا الثقافية Azcona في اصدار كاتالوكا رائعا وبطباعة واناقة جميلة عن اعمال ميارس وحياة وكتب نصوصه الناقد والكاتب الفنسو دي لاتيرا Alfonso de la Tierra ..

zouher sahebتتفاعل في تكوين سمات الاسلوب لدى الفنان عوامل شتى، اهمها اجتهاد الذات، والرؤية الخاصة، ونظم المرجعيات الفاعلة في التكوينات الفنية، والمنهج المتبع والذي يقرر نظم التشكيل، واحداث المحيط الخارجي الثقافية المؤثرة، والوسيط البيئي وغيرها، وتجد ذات الفنان في الفنون التشكيلية المصرية كعملية ابداعية موقعها ضمن المجموع، دون تشخيص أي تقاطع ما بين الخاص والعام. فهي الذات الرائية وربما الساحرة التي تحيل اسرار الكهنوت، الى دلالات شكلية مائلة للعيان ومتمثلة للادراك. ومع كل هذا لم تكن خصوصية ذاتية متمردة فوضوية وربما حتى عبثية كما يحصل في فنون الحداثة المتاخرة، انها تجد خصوصيتها ضمن المجموع، تجد عبقريتها في الاطار العام للفكر، تعمل وتبدع وتبتكر صمن نظم المرجعيات المؤثرة في حركة المضامين وحركة الاشكال. باعتبارها قوى ضاغطة ومحركة لأنظمة الاشكال.

 595-sahib

ولعل اهم ما يميز حركة المضامين وحركة الاشكال في فنون وادي النيل، هو ميلها الى الثبات وابتعادها عن الثورات الكوبرنيكية في الفن والتحولات الملحوظة والمميزو في الاسلوب. وتفسير ذلك، هو استناد الاسلوب في الفنون التشكيلية المصرية الى نظم من المرجعيات القوية والمؤثرة، واهمها البيئة، والدين والملك والفكر الكهنوتي، وخصوية نشدان الابدية والخلود في بنائية الفكر المصري. هذه المرجعيات التي عملت بفاعلية المغناطيس في اجتذاب الاشكال وتقرير اتساقها ونظمها، كان لها من الثبات والاستقرار الشيء الكبير، فهي قوى ايديولوجية هامة في رسم سمات الفكر، والذي لم يشهد احتكاكا حضاريا خارجيا، مما جعله يحمل سمات الاستقرار والثبات وربما حتى النمطية والتشابه، وان وجدت تحولات بسيطة في نظم الاشكال وسماتها المميزة، فانها لم تصب الجوهر، وبقيت تعمل ضمن انظمة النسق العامة، باعتبارها سمة مميزة للنظام، الذي اوجد التشكيلات المصرية، ما عدا ثورة اخناتون الدينية، فان لها من الخطورة، في تحول الاسلوب، مما جعلنا نفرد لها فصلا خاصا في نهاية هذا الكتاب.

وبفعل ثبات السمات الاسلوبية المميزة للاشكال، والمستندة الى ثبات محركات الفكر العامة، فاننا سنميل الى مناقشة الفنون التشكيلية، كحالات منفصلة، بدلا من تتبعها التاريخي عبر العصور، لكون هذه الالية في التحليل والتركيب، تتوافق بشكل سليم مع خصوصيات المنجزات التشكيلية الابداعية من بلاد وادي النيل، مع الاخذ بنظر الاعتبار اتباع دراسة تحليلية مقارنة لسمات الاسلوب بين الفترات التاريخية، حين تقتضي الضرورة التحليلية التركيبية للمنجزات التشكيلية مثل هذا التشخيص.

يمكن اختزال تعريف العمارة، الى انها نشاط واع، يستخدم خامات، يُبدع اشكالا ذات ثلاثة ابعاد في فضاء حر. وهي ضمن هذه الماهية، تعتبر فناً من الفنون التشكيلية، شأنها شأن الرسم والنحت. والفن المعماري اكثر الفنون تجريدا، فهو فن لا موضوعي، استحال فيه المضمون الى شكل، وشأنه في ذلك شأن الموسيقي، نوعا من البنية الرياضية التي تعرض ذاتها كانظمة اشكالا بدلا من ترديد التجربة الخارجية، الا ان اشكالية فن العمارة الاساسية هو ارتباطها بوظيفة، ذلك ان الوظيفة تتدخل في كثير من الاحيان بشكل فاعل في تقرير انظمة الاشكال، ولا ضير في ذلك، فاذا غادرنا قوانين الفلسفة المثالية في رؤيتها لجماليات المنجز التشكيلي، سنصل الى جمالية العمارة في تضايف او تعالق انظمة الوظيفة وانظمة الاشكال.

595-sahib2والعمارة رغم شكلانيتها، وباعتبارها واحدا من اجناس الفن التشكيلي المهمة، تتأثر بنوعية البنية الثقافية للعصر، وتتحدد بنظم من المرجعيات والافكار العاملة كقوى فكرية ضاغطة في زمانها ومكانها، ذلك ان الانساق الشكلية المعمارية، يمكن ان تتصف بسمات العمارة الاسلامية في سعيها نحو المطلق، او تكون كلاسيكية، عندما تقع وفق قوانين وانظمة النسق الكلاسيكية المعروفة في الفنون التشكيلية وهكذا، فالعمارة إفراز مهم من افرازات الحضارة، وتتصل وتعبر عن فلسفة الحضارة التي تنمتي اليها. فالعمارة السومرية التي استحالت الى عدم بفعل ارتكازها الى قدسية الطين، هي في فلسفتها عمارة روحية، عاشت لزمانها ولروحانيتها وانظمتها الميتافيزيقية، فلو بُعث السومريين مرة اخرى، لم ياسفوا لمثل هذا الزوال المادي، ذلك ان أزلية الروحي في الثقافة السومرية هي المنتصرة على حساب ضآلة المادي بكل اعتباراته، في حين يمكن قراءة بلاغ الخطاب التشكيلي الذي تبثه العمارة الآشورية، والتي صمدت امام اعتداءات الطبيعة والزمن بفعل مادتها الحجرية الصلبة، الا انها تذكر بعظمة ملوك بلاد آشور الذين حكموا اعظم امبراطورية في الشرق، ووضعوا اولى لبنات الفكر الامبراطوري في تاريخ الحضارة العالمية، وفي نظم الاشكال في العمارة الاغريقية، استحال الجمال المثالي للشكل البشري باعتباره اسمى شيء في الوجود، الى قانون في رسم سمات النسق الشكلي للمعابد الاغريقية، والتي هي بحد ذاتها، قراءة رياضية للنص المعماري كنظام، بدلا من الثقل العضوي للعمارة الباروكية، المثقلة بالتفاصيل، والمترهلة بالفخامة المصطنعة، ولقد قيل: ان العمارة الغوطية في انساقها الشكلية الروحية ومنائرها العالية، بأن السماء قد بكت فتجمدت دموعها على هذا المنوال.

ويعتبر فن العمارة واحدا من اكثر اجناس الفن التشكيلي تأثرا بالبيئة الطبيعية، كوسيط فاعل في تقرير الشكل وخامات البناء والتشييد، فعمارة سومر جنوب ارض الرافدين من الطين واللبن، لخلو السهل الرسوبي جنوب العراق، من اطنان الحجر اللازمة للبناء، وهي رخامية في الحضارة الاغريقية، بفعل رخاء البيئة اليونانية بمثل هذه الخامات الجميلة. والأهم من ذلك، هو ان وسيط البيئة الطبيعية، كثيرا ما يقرر نظام الشكل في المباني المعمارية، ذلك ان سقوف المعابد الاغريقية جملونية الشكل (سنامية) بغية تسريب اكبر كمية من الامطار والثلوج التي تميز البيئة الطبيعية اليونانية شتاءا.

ورغم كون المباني المعمارية انظمة شكلية تجريدية، الا انها تحتفظ بقيم رمزية مهمة، ذلك ان الخطاب التداولي التشكيلي، قد استحال بها الى تأويل رمزي، ذو بنية مفاهيمية واسعة ضمن نشاط فعل العمل الفني سوسيولوجيا، ان المعبد، كنسق شكلي، يحتفظ كبيئة مكانية، بشفرة التقديس والتبجيل على مر العصور، فقد وجد قدسيته كنظام علامي، بفعل تقديس بنية الفكر الاجتماعي واجلالها له، ذلك ان روح الإله قد حلت به، فارتفع من اعتباراته المادية نحو عالم الروح القدسية، فهو مبجل بفعل مثل هذا الحلول ذو الطبيعة الفتشية.

595-sahib3 

ان دراسة تحليلية تركيبية لنظم العلاقات التي تميز الابنية المعمارية، تظهر انها بمثابة نسق من العلاقات الرابطة بين مجموعة من العناصر البنائية، وان المهم هنا، هو ان اهمية أي عنصر في التكوين المعماري، متأتية من نظام الترابط والتفاعل ما بين هذه المكونات التركيبية. وضمن هذه المنهجية النقدية في دراسة فن العمارة، وسنجد انها كمكونات، او نظم تركيبية، او دلالات تتصل بالمعنى والتأويل الرمزي، تلتقي مع الفنون التشكيلية التقاء قريبا، فلا فرق لدينا بين تمثال لأي نحات ومن أي عصر كقيمة تحليلية تركيبية لنظم العلاقات، وقيمة المباني المعمارية، فقد قال بيكاسو : اريد ان أسَلّم منحوتاتي الى المهندسين المعماريين، لتستحيل الى اعمال معمارية. كم هو جميل اذن ان يقيم المرء في جوف تمثال.

حين نفكك تركيب البنية المعمارية، باعتباره نظاما شكليا تجريديا، يكون الخط احد عناصره المهمة، حتى ان البنية المعمارية بحد ذاتها، تكاد ان تكون نظاما تركيبيا خطيا. شأنها في ذلك شأن لوحات موندريان الهندسية، والتي استحال فيها التكوين الى نظام من التركيبات الخطية، اما الفضاء فهو احد عناصر البنية المعمارية المهمة، ويقرر في كثير من الاحيان نظام التجربة الجمالية الشكلية في العمارة. وفي العمارة فضائين احدهما خارجي، يكّون جماليات الشكل الخارجي، الذي يقرر نظام تركيب السطوح المعمارية، والاخر داخلي يرتبط بالوظيفة المعمارية في خصوصيته.

ان تجارب كرافاجيو وفيرمير ورمبرانت، تؤكد اهمية الضوء والظل في جماليات نظام السطح للوحة التشكيلية، وكذلك فان تجارب مبدعي الاعمال الفنية التشكيلية في اتجاهات الحداثة، تؤكد اهمية تفاوت الملامس، كظاهرة جمالية في خصوصية سطح اللوحة التشكيلية، فقد غدت اعمال الرسام الاسباني انطونيو تاييس وغيره، نظاما لتفاوت الملامس على سطح اللوحة، هذا النظام من اسس العلاقات بين العناصر، هو الخصوصية الجمالية لهذه الابداعات. ويرتبط هذا النظام من الشعور او الاحساس بالجمال في بنائية الاعمال الفنية التشكيلية، بفن العمارة، وذلك بصدد مفهوم النسق الفني التشكيلي التجريدي، بخصوصية الملمس التي تميز السطوح المعمارية الداخلية والخارجية، ومظاهر الضوء والظل المتجسدة فيها، تلعب دورا ربطا في نظم العلاقات التي تؤطر فن العمارة باعتباره نسقا تشكيليلا، وبنفس المفاهيمية، يلعب اللون دورا تشييديا وتعبيريا وجماليا في نسق الفنون التشكيلية والمعمارية، ذلك ان الازرق في رسوم (الواسطي) يمتلك ذات التأثير في نسق الصورة المعمارية، حيث قباب العمارة الاسلامية الزرقاء. ويتوج نظم العلاقات الرابطة بين العمارة وفنون التشكيل، هو ذلك التعالق الجميل، بين فنون الرسم والنحت مع المباني المعمارية، بدءا من رسوم الكهوف - المعابد السرمرية - القصور الآشورية - مباني مدينة الحضر العربية - الابنية العمارية الاسلامية - وحتى اعمال (مايكل انجلو) في كنيسة السستين في ايطاليا من عصر النهضة الايطالية.

كان لابد لنا، لمثل هذا التقديم، في بغية توضيح منهج دراستنا لفن العمارة في بلاد وادي النيل، والتي تعتبرها دراستنا هذه، على انها واحدا من اجناس الفنون التشكيلية المهمة اضافة الى الرسم والنحت، وتأسيسا على مثل هذه الرؤية، وسنوضح اهم مميزات فن العمارة المصرية القديمة.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

khadom shamhodكان الفيلسوف كانت 1724 قد استطاع في نظريته الجمالية ان يجمع ما بين الذاتية والموضوعية فهو يرى ان الفنان عندما يقوم بعمله الفني فانه يعبر عن ذاتيته فيما يقوم بتصويره او نحته. كما يشير الى ان العمل الفني يقوم على مبادئ جمالية عامة ترضي الناس ولهذا جعل رضا الناس الاساس الذي تستند عليه موضوعية الفن .. واحب ان اذكر هنا عن معنى الذاتية والموضوعية في الاصطلاح واللغة كما ورد عن اهل العلم: فالذاتية هي ذات الشئ اي جوهره وهويته وشخصيته .. او المعرفة المتعلقة بجوهر الذات او هي آراء الشخص وافكاره وانفعالاته .. والموضوعية هي الشئ في العالم الخارجي وكل ما يخضع للتجربة وما يدرك بالحس او هي المعرفة المتعلقة بالمظهر الخارجي للوجود. او هي التجرد في الراي والحيادية في الحكم ..

ويشترك مع كانت في نظريته الجمالية كل من الفيلسوفين تولستوي وبرناردشو في الربط بين ذاتية الفنان والذوق العام للمجتمع او انهم يؤكدون على الجانب الاجتماعي الذي يوطد العلاقات بين البشر .. ويقودنا ذلك الى عنصر المنفعة والفائدة من العمل الفني .. وقد خالفوا في آرائهم الكثير من الآراء القديمة والمعاصرة . ولم تصمد هذه امام النظريات و التيارات الفنية الحديثة التي خرجت عن كل القيم والمبادئ الكلاسيكية .. ولكن مهما تغيرت الاساليب وطرق العمل

تبقى ذاتية الفنان قائمة دون تغيير فهي عند الفنان الكلاسيكي كما هي عند الفنان الحديث .

والفائدة او المنفعة من العمل شغلت كثير من الفلاسفة والمصلحين الاخلاقيين او ما يعبر عنه بالمصطلح الديني – القصد – (واقصد في مشيك) اي ان العمل يجب ان يكون له قصدا وهدفا نافعا وليس عبثا ... (كل شئ مفيد فهو جميل / سقراط) ..          

326-kadomوالقصد نظرية ظهرت عند المفكر النمساوي ريجل Alios Riegl1858 واطلق عليها (القصد الفني) وهي تشير الى اولئك الفنانين المسيحين الاوائل الذين كانوا قد اتخذوا التبسيط والاختزال سبيلا الى تجسيد المفاهيم الروحية . وهو تبسيط متعمد . اي ان الفنان لا يجهل مبادئ الرسم الاكاديمي . وهنا يجب ان نفرق بين قصد الفنان وبين قدرته على الاداء ... ويعتبر ريجل من ابرز المؤرخين في تاريخ الفن .. وله كتاب اسمه – العبادة الحديثة للآثار - el culto de los monumentos -

وكان شعار المسحيين الاوائل هو – ان الجمال لا يكون الا للروح وحدها – لهذا كان الحنين لما هو روحي والنزعة للتصوف والاستهانة بالبدن من سمات تلك المرحلة ..

والسؤال الذي يطرح دائما: ما هو حجم الفائدة والمنفعة من العمل الفني اي كان ذلك العمل تشكيلي او ادبي ....؟؟؟ وهنا تختلف الآراء ووجهات النظر بين اصحاب النظريات الفنية والفلسفية والجمالية واهل الاخلاق .. وثمة سؤال آخر : هل ان احدا من الفنانين او الادباء عندما ينتهي من انجاز لوحته او قصيدته، احس ان العالم قد تغير او سيتغير؟؟؟ ام ان عمله هو عبارة عن نقطة في بحر وسط هذا الكم الهائل من ملايين الاعمال الفنية المنجزة يوميا ..؟؟؟ (رحم الله امرأ عرفة قدر نفسه) ..

قبل فترة قرأت موضوعا جميلا لفت نظري لاحد الاخوة الادباء حمل عنوان – الاسهال الشعري - ويقصد ان الشعر والادب الحديث اصبح ظاهرة مرضية كالاسهال يمتطية من هب ودب .. وان كل من يملك قلما وورقة وانترنيبت وفيسبوك ولغة جميلة، يمكن له ان ينشر ويوصفصط ما يشاء..؟؟؟ و ايضا نجد هذه الظاهرة في الفن اي هناك اسهال في الفن التشكيلي .. ومع موجة الفن الحديث الذي تحرر من كل المقاييس الكلاسيكية والاكاديمية ونظرياتها الجمالية يضاف الى ذلك كثرة الفضائيات والصحافة التي تبحث عن مادة للنشر .. نشاهد في كل يوم يخرج علينا عشرات (الفنانين) والمعارض ويكتب عنها وينظر ما يشاء ..

(خفف الوطئ فما اضن اديم الارض الا من هذه الاجساد) - المعري –

وهناك احينا تحدث مقاربة ومقارنة بين العلم والفلسفة والادب الفن . فهي حالات فكرية نعيشها دائما في حياتنا واحيانا تتداخل وتتشابه . فنرى ان شعوب العالم على اختلاف اجناسها تسير حسب الموضوعية العلمية .. ومن ناحية ان العلم يتعلق بالحقائق الجزئية بينما تقوم الفلسفة على الحقائق الكلية والبحث عن حقائق الوجود كما ان المادة الفلسفية تتشابه مع المادة الفنية على اعتبار ان كل من الفيلسوف والفنان ينظران الى العالم من الواجهة الحسية .. كما تختلف زاوية التأمل بينهما . كما هو الحال في رسم الموديل بالنسبة للطلبة حيث يأخذ كل واحدا مكانا مختلفا عن الآخر .. فكل واحد له ذاتيته في الرسم ولكن يجمعهم الجانب الحسي ..

كذلك نجد الفن والادب يحملان نفس الهم والخيال والعاطفة . فقد كان لظهور الحركة الرومانسية في الادب والفن في القرن التاسع عشر دورا مهما في التحولات الجذرية للفن والادب .. وفي نفس الوقت ظهرت هناك حركات اطلق عليها- الانحدارية – في الفن والادب وكان الفن المنحدر ظهر في سبيل الفردية والذاتية فحسب وليس له اهتماما كبيرا بالانسانية ومبادئها الاخلاقية .. ويذكر بعض النقاد ان من اولئك الذي خرجوا على التقاليد والاخلاق هو فلوبير 1821 وقصته المشهورة – مدام بوفري – فقد اعطى فيها صورة تحررية مطلقة من كل التقاليد والاخلاق السائدة في ذلك الوقت ..

khadom shamhodالكشف عن بواطن الاعمال ومظاهرها يعتبر اداة نافعة للفن والمجتمع وهو في حد ذاته تطورا لخدمة الفنان حيث يلفت النظر الى الخلل او الرقي في مسيرته. ويضع مبادئ وتصورات جديدة تنبع من الاعماق او نواة للتغير تعيد حالة التوازن من جديد ..

و قبل ان اتحدث عن فن الاستاذ محمد مهر الدين لابد لي من مقدمة بسيطة عن طلائع الفن الحديث والاتجاهات الفنية التقدمية التي سادت القرن العشرين . حتى نرى حجم تأثيرات بعضها على البعض الآخر . وخاصة على الفنانين العرب ...

يذكر بعض النقاد بأن خربشة الاطفال أي الخطوط المشخبطة تعتبر نوع التلقائية او العفوية بمعنى آخر فاعلية حركية منفلته، يمكن بعد ذلك أن تتطور الى مغزى رمزي . كما ان بعض السرياليين ترجموا التلقائية بهذه الطريقة على الاخص اندرية ماسون وخوان ميرو 1883-1983 . وكان هذا النوع من السريالية هو الذي قاد الى الحركة الجديدة في الولايات المتحدة الامريكية والتي أعطت أسم – الرسم الحركي – Action Painting -.

وقد مارس اندريه ماسون 1896-1987- هذا النوع من التلقائية بأستخدام الكتابات او الاحرف وكذلك الفنان الروسي كاندنسكي 1866-1944 في ارتجالياته. وفي عصرنا الحاضر برز الفنان الاسباني انتونيو تابيس 1923 باسلوب مكملا لمسيرة اخوان ميرو وماسون .

306-descargaقام تابيس بثورة عارمة في الفن التجريدي الحديث حيث استخدم مفردات فنية تتمتع بقوة استثنائية في عالم الفن المعاصر ويعتبر احد رموز الطلائع للقرن العشرين وقد كان ماهرا وحاذقا في المزج بين التقليد والابداع وبين الرمزية والتجريد .. استخدم في تقنياته مواد رخيصة وسهلة التناول والاستخدام كما كان عند حركة - البوب آرت – وهي طريقة الكولاج حيث اعتمد على لصق الورق والنشارة الخشبية والحبال وقطع القماش ومسحوق حجر المرمر والاسمنت وغيرها من المواد الاستهلاكية، وظهرت بعض اعماله بتراكمات لونية، يظهر فيها الحز والحفر وبشخبطات عفوية . كما هي عند الاطفال . ويذكرنا ذلك باعمال الفنان الكبير الامريكي الاصل

سي تومبلي - Cy Twombly 1928 – في حركة فرشته العفوية والطفولية والشخبطة التي نراها عائمة في لوحاته والبقع اللونية المتوزعة هنا وهناك .. وقد   مهدت هذه الطريق الى ظهور - فن اللاشكلية - كما لا ننسى الفنان الفرنسي دوبوفية 1901 حيث انظم الى رسامي الشوارع في مطلع شبابه باسلوبه الكرافيتي فكان يستخدم الرموز والاحرف والحزوز على الجدران بحثا عن تقنيات ومعالجات جديدة ..

كان علي ان اكتب هذه المقدمة لنعرف مسيرة الفنان محمد مهر الدين وتاثيراته برواد الحركة الفنية الاوربية الحديثة .. ونحن نطرح وجة نظر حول اعمال اي فنان سوى كان صديقا او لا . فالحكم للعقل وليس للعاطفة .. وقبل ان اكتب عن محمد قرأت كل ما كتب عنه من قبل بعض النقاد ... ولم اكن متفقا مع اثرها   نتجة للثرثرة والسفسطة والاطراء والثناء العاطفي ..

 

محمد مهر الدين:

مهر الدين هو صاحب خبرة طويلة امتدت الى اكثر من خمسين سنة . وتشهد له معارضه الفردية والجماعية وهو زاخر العمل ومخلص في توجهه الفني . دؤب لا يكل ولا يمل من العمل.

ولد في البصرة عام 1938 واكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها . ثم انتقل الى بغداد ودخل معهد الفنون الجميلة وتخرج منه عام 1959 .. سافر الى بولندا ودرس الفن هناك وحصل على شهادة الماجستير في الرسم والكرافيك .. قام اول معرض له عام 1965 في بغداد كما عين مدرسا في معهد الفنون الجميلة .. قام بعدة معارض فنية داخل وخارج العراق وحصل على عدة جوائز تقديرية .. له ثلاثة جداريات في مطار بغداد والبصرة وساحة الاحتفالات في بغداد .. صدر له كتابين عن تجربته الفنية عامي 2010 و2011 .. وهو واحد من مؤسسي جماعة الرؤية الجديدة التي ظهرت عام 1969..

 

التقنية عند مهر الدين:

التقنية هي الطريقة التي تستخدم بها المواد المختلفة   لابراز المؤثرات النفسية والفكرية واحيانا تمزج وتخلط هذه المواد مع بعضها كالاصباغ والورق والرمل وغيرها .. كل ذلك من اجل البحث عن فضاءات جديدة بصرية الملمس ذات قيمة جمالية .. وقد مر محمد مهر الدين خلال حياته الفنية بمرحلتين من التقنيا ت :                                                                                            1 / المرحلة الاولى // كان فيها متقلبا في اسلوبه وتقنياته وقد تأثر بكثير من رواد الفن الحديث وخاصة   بأساتذته في بولندا عندما كان يدرس هناك في وارشو وكان معظم هؤلاء قد درسوا في باريس على يد رواد الفن الحديث امثال ماتيس وبونار وغيرهم ومن هؤلاء - سانبورسكي - و- اريتموفسكي - والاخير كان منتدبا لتدريس مادة الفن في معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1960.. في هذا المرحلة كان محمد مهر الدين قد استخدم مواد مختلفة من الاصباغ مثل الزيت والاكريلكو والورق والرمل والجص والصفائح المعدنية والخشب وقضبان الحديد والصور الفوتوغرافية وغيرها .. وقد تركت هذه المواد ملمسا بارزا على سطح اللوحة يعكس احيانا ظلالا او كانها جدران تآكلت موادها فتركت خربشات وحفر وخطوط مضى عليها الدهر .. كما ظهرت فيها الاشكال   محطمة واحيانا كأنها اشلاء او بقايا انسان متفسخة وسط كومة من الوحل .. وظهرت بتقنية عالية من الجودة والمعالجات الابداعية.. فعندما ننظر الى هذه الاعمال كأننا نرى هناك صراع قد حدث بين الفنان ومواد الخام من اجل اخضاعها وترويظها لعملية التعبير .. وفعلا ان الفنان في عمله يواجه معركة حقيقية من اجل اخضاع هذه المواد لذوقه وارادته وتحويل المواد البسيطة الى مواد ذات قيم جمالية و   حتى يستطيع من اصال افكاره ومشاعره للآخرين .. ومن خلال ممارستي الشخصية كحفار – كرافيكي – اجد نفسي احيانا امام مواد معادن وحوامض كاسرة و انني في سط ميدان معركة اما منتصرا واما خاسرا .. .. قرأت قبل فترة عن آراء احد الفنانين الاسبان المعاصرين المعروفين وهو- ميغيل بارثلو – يذكر : ان كل عشرة لوحات يعملها يخرج منها ثلاث او اربع تعتبر عنده مرضية ناجحة ..

و كانت اعمال مهر الدين في هذه المرحلة تعبر عن الحس الوطني والثوري وقضية فلسطين والنضال والكفاح المسلح . وجاءت عنيفة معبرة تتماشى مع تلك المرحلة التي يعيشها العالم العربي سنوات الستينات .. والتي تعتبر سنوات ذهبية بالنسبة للفن ...

 

2 / المرحلة الثانية // .. يتعامل فيها مع سطح اللوحة كتعامل رواد الفن الحديث حيث نجد في بعض اعماله الاخيرة غياب اي ملمح شخصي . فطغت على اعماله السطوح اللونية والخطوط والارقام وو الايماءات والرموز والخربشات ومعالجات عفوية وتلقائية كما هي عند الفنان الاسباني تابيس .. وقد استخدم مختلف المواد في تقنياته من زيت واكريليكو وورق ومواد جصية وصور فوتوغرافية وغيرها . فنرى الحزوز والمساحات الفارغة وقشط بعضها لاخراج ما ورائها ..   واحيانا نجد فوضى في الخطوط والعفوية تذكرنا بالفنان الامريكي سي تومبلي 1928 . غير اننا نجد في لوحات اخرى صياغات بنائية هادئة ونصا بصريا يتحكم فيه العقل باستخدام مثلا الخط المستقيم الدقيق التنفيذ اوحتى الاشكال الهندسية الاخرى ..

الرمزية عند مهر الدين :

يقول كاندنسكي: (ان كل لوحة عندي تنطوي بصورة غامضة على حياة كاملة) ويقول سوزان لانجر: (الفن ككل رمزا للوجدان البشري) ويقول اوسكار ويلد : ( كل فن هو بالاساس فضاء من الرموز) .. والرموز التشكيلية تتسم بالتغير والتطور حسب رؤية الفنان وحسب المنظومة الاجتماعية ويلعب فيها اللون اكثر دورا في التعبير وكذلك الشكل حيث تعطي مدلولات رمزية ..

والرمزي هي حركة في الفن والادب ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر. والرمزية تتعامل بالرموز للوصول الى المعاني الخفية .. ومن روادها في الفن كوكان وكليمت وريدون وفي الادب الممهد لها بودلير 1821 وغيره ..

وللرمز الفني معنى يساعد على تفسير وفهم ما هو مخفي سوى من حيث المدلول اللوني او الشكلي .. وجوهر الحياة لا يمكن التعبير عنه وعن جماليته الا بالرمز المنطلق من اعماق النفس

.. وقد قرأت في الفترة الاخيرة عن علم يسمى علم السيميولجيا وهو يعني بدراسة الاشارات والدلالات ومعانيها المستخدمة في المجتمع والتي يوظفها الفنان في اعماله. وهي خطوة اعتقد جيدة ومهمة في تطور الفنون البصرية . وكان مؤسس هذا العلم هو - دي سوسير-

الرمزية عند محمد مهر الدين متأتية بتأثيرات رواد الفن الحديث .. لا كما يقول بعض من كتبوا عنه انها (.. انها من سلالة بدأت تتشعب من دهاليز مدننا ..؟؟؟.) كما ان استخدامه للرمز ياتي ضمن مزاجية خاصة وغير مستقرة نتيجة لشعوره بالغربة والبعد عن الوطن من ناحية ومن ناحية اخرى هو انه يساري المنحى وان هناك خذلان من قبل اصدقاءه في الفكر .. كما انني عرفته عن قرب وبعلاقة طيبة وقد انتقد بشدة بعض الساسة والحزبيين والمثقفين الذين يتصدرون العمل الوطني (....) ويتخذونه واجهه لمصالحهم الخاصة الضيقة .. التقيته في الاردن في عمان عدة مرات وقد دعاني لزيارة معرضه ثم تناولنا الغذاء سوية ودردشة جميلة . وقد حاولت بكل جهدي ان ادعوه لزيارة اسبانيا ولكن مع الاسف لم انجح في ذلك نتيجة للاجراءات القانونية المعقدة ... وسوف احاول انشاء الله مرة اخرى لدعوته الى اسبانيا ليرى عن قرب سيمفونية اساتذة الفن الحديث، بيكاسو، ميرو، دالي، واستاذه المفضل انتونيو تابيس -- تحياتي الى استاذنا الكبير محمد مهر الدين متمنين له العمر الطويل ....

 

khadom shamhodمانويل بالديس Manuel Valdés 1942- - احد الفنانين البارزين في الساحة الفنية الاسبانية . وهو من مدينة بلنسية الاندلسية العريقة Valencia والتي اشتهرت بصناعة السيراميك وصناعة الورق ولازالت من اعرق المدن الاسبانية في هذه المجال ..

وقد ذكرها الحميري في كتابه الروض المعطار – وقال: (هي مدينة سهلية وقاعدة من قواعد الاندلس في مستوى من الارض عامرة القطر كثيرة التجارة وبها اسواق وحط واقلاع وبينها وبين البحر ثلاثة أميال . وهي على نهر جار ينتفع به ويسقي المزارع ولها عليه بساتين وجنات وعمارات متصلة . والسفن تدخل نهرها، وسورها مبني بلحجر ولطوابي، ولها اربعة ابواب . وهي من أمصار الاندلس الموصوفة وحاضرها المقدمة . ولاهلها حسن زي وكرم وطباع) 

- وكانت بلنسيه قد أشتهرت في صناعة النسيج والاسمنت والخزف الملون وكذلك صناعة الورق . علما أن العرب هم الذين جاءوا بصناعة الورق الى أسبانيا عام 1150، ثم بعد ذلك عبرت الى أوربا . والمعروف ان صناعة الورق كان أول من اكتشفها الصينيون ثم تمت صناعته بعد ذلك في بغداد وذلك عن طريق الأسرى الذين جلبوا من الصين اثناء الفتوحات الاسلامية عام 793 م .. وتذكر المصادر الأسبانية بأن أول مطبعة ظهرت في أسبانيا كانت في مدينة بلنسيه سنة _ 1474 _ لهذا كانت الحركة الثقافية قد نشطت فيها في جمبع القطاعات العلمية والأدبية والفنية والفلسفية . .. وهنا علينا ان نسجل ملاحظة مهمة وهي ان المطابع في عالمنا العربي ظهرت في اواخر القرن التاسع عشر في لبنان ومصر اما في العراق فقد ظهر معمل الزنغراف في سنة 1930 . وكان قبل ذلك ترسل كلائش الصور والعناوين الى لبنان او اسطمبول وتعمل هناك ثم تعود بعد اسبوع او اكثر ..

 

مانويل بالديس

298-kadomولد بالديس في بلنسية عام 1942. وفي سنة 1957 سجل في مدرسة الفنون الجميلة وبعد سنتين غادرها دون ان يكمل دراسته .. في عام 1964 اسس مع الفنانين اخوان انتونيو ورافائيل جماعة فنية اطلق عليها - الجماعة الاخبارية – grupo cronica وكان هدفها العودة الى التراث الفني وطرحه باسلوب حديث ومعاصر . كما تبنت هذه الجماعة مدرسة البوب آرت وهي خير ما مثله في الساحة الاسبانية . في عام 1989 سافر بالديس الى نيويورك وهناك نصب له ورشة عمل –ستوديو- وكون له علاقات فنية وتجارية مع عدد من الكالريات منها:

.... Marlborough  وfreites 

بعد ذلك نصب له ورشة اخرى في مدريد واصبح يعمل منحوتات باحجام كبير نراها اليوم موزعة في ساحات وشوارع مدريد وغيرها من المدن الاسبانية .. وبذلك اخذ يعمل على مداري نيورك ومدريد .. واصبح اليوم من ابرز واشهر الفنانين الاسبان وتباع لوحاته باغلى الاثمان. واصبح له مساعدين ومسوقين . 

 

تقنية الاعمال

298-kadom2تأثر بالديس بالفنانين فيلاسكس ورمبرات وماتيس واستنسخ لوحاتهم وطرحها باسلوب حديث مشحونة بالالوان القوية والحس الفني الرفيع وكأنه يعيد بنا الى التاريخ وينشط الذاكرة ولكن بثوب معاصر . وقد استطاع بذلك من جعل الالوان تتراقص بنغمات متبادلة يخفف بعضها عن البعض في درجاتها الحارة والباردة ... قدم اعمال باحجام كبيرة هائلة وجعلها بتماس في الوانها الوحشية وتخطيطها الحر مع المشاهد . كما جعل من اعماله قراءة للذاكرة من خلال اختيار الصور ذات المعاني التاريخية . حيث نشاهد تلك البهجة الروحية والحسية التي تنبعث من اشكاله وهي تتحرك شأنها شأن حركة الفكر المتطور . وهي اعمال جذابة ومتكاملة في الاداء والتقنية ومتساندة ومنطلقة في مساحة كبيرة تتيح للمشاهد من الاشباع والارتياح ...

تتصف اعماله بالتسطيح والالوان القوية . كما هي عند كوكان وماتيس . وقد رسم واستنسخ عدد من الوجوه الشخصية – بورتريت – للفنان ماتيس ولكنه صاغها باسلوب جميل كما فعل بيكاسو في لوحة – لاس مينيناس – لفيلاسكس رغم ما بينهما من تباين في الطرق الادائية والاسلوب ..

مابين 1965 و1970 قدم بالديس اكثر من 70 معرضا فنيا بين شخصي وجماعي . وحاز على عدد كبير من الجوائز العالمية والوطنية منها جائزة في بينال معرض بغداد العالمي للفنون عام 1986 .. كما تحتل اعماله كثير من المتاحف العالمية والكالريات المعروفة وقد شكل اليوم نمطا جديدا في الفن الحديث المعاصر ..

 

khadom shamhodان القيم الجمالية والابداعية والفكرية التي تتسع في ميادين الحفريات لا نجدلها مثيلا في الحقول الفنية الاخرى . فالتقنيات الواسعة والادوات المتعددة الاشكال والطرق المتباينة وماكنة الكبس او الطباعة والحوامض الحارقة . وعوامل الصدفة التي تظهر اثناء العمل والتنفيذ كلها قيم جمالية وتعبيرية ينفرد بها فن الحفر والطباعة على غيرة . وتحمل نسخ الحفر من القيم الشكيلية والتعبيرية ماتحمله اللوحة الزيتية او المنحوتات . واصبح النحت اليوم يخضع لعملية الاستنساخ والتكرار مثله كمثل الحفر والطباعة .. وطرق الحفر كثيرة جدا منها: اساليب الحفر النافر والغائر والمستوي . وتنفذ على الحجر او الخشب او المعادن او البلاستك او الورق السميك وغيرها من طرق الفن الحديث .. ومنها الطريقة التنقيطية وطريقة قلم الرصاص وصبغة الماء – القلفونة – والحفر الضوئي والتصوير الضوئي وطريقة الحفر الحجري والزنكغراف والهيليوغرافير والشاشة الحريرية والطباعة بواسطة الحاسوب .. وغيرها

 

الحفر على الخشب:

بعض النقاد والمؤرخين يعتبر الحفر على الخشب من اقدم الفنون التي ظهرت في العالم وانها تطورت مع تطور الانسان وانها من اقدم الطرق التي ابتدعها الانسان القديم . فاذا كان الانسان القديم قد حفر على الحجر فمن الطبيعي انه قد حفر ايضا على الخشب لسهولة الحفر عليه وتوفر مادته .. وكان المنقاش Buril الذي يستخدم اليوم من قبل الحفارين كان معروفا عند صانعي الحلي في بابل والذي انتقل الى صانعي الحلي في اوربا عن طريق العرب في الاندلس . واصبحت اداة الحفر الاولى عند الحفارين الاوربيين منذ القرن الخامس عشر – تيبوغرافيك . وهو عبارة عن قضيب فولاذي برأس حاد على شكل مربع او مثلث ينتج حركة واضحة ونظيفة .. ومنذ سنة 1493 قام الفنان الالماني- دورر - باصدار كتب مصورة عن مهنة الحفر وطرقها وتقنياتها منها كتاب – طرق الهندسة – واليوم هذه الاعمال هي قطع فنية تعلق في المتاحف .. وكان دورر قد قام برحلة طاف فيها معظم الدول الاوربية لبيع مجاميع من اعماله الحفرية . كما اهدى بعضها الى رجال الدين والملوك . وتبادل بها مع اعمال بعض الفنانين الايطاليين مثل رافائيل .. وقد قام بعض الحفارين باستنساخ اعمال دورر وعلى اثر ذلك اصدرت مدينة نورنبرغ عام 1511 قرارا هددت بالعقاب لمن يسنتسخ اعمال دورر. كما كتب دورر في احد المنشورات (الويل لمن يسلب جهد وابداع الآخرين)

 واليوم اعيد الاعتبار الى هذه الطريقة البدائية اي الحفر على الخشب . وهي طريقة الحفر النافر ويعني ان الرسم يكون نافرا او بارزا بعدما يزيل الرسام جميع جوانب الرسم ويبقي الخطوط .

وكانت بدايات هذه الطريقة خالية من التظليل حيث تتصف بالقساوة والفقر الفني . ثم تطورت فاصبحت الخطوط يرافقها ظل ونور مبسط واصبحت اكثر حيوية خاصة في اعمال الهولنديين في القرن السادس عشر..

وفي انكلترا في القرن الثامن عشر اكتشف الفنانون الانكليز طريقة الحفر على الخشب القاسي الصلب حيث يتم الحفر علية بشكل عمودي اي عكس اتجاه الياف الخشب .. بعدما كانت الطريقة

القديمة تتم بالحفر الموازي للالياف . مما ساعد على الحصول على كل التفاصيل يضاف اليها الدقة اللازمة في الرسم ... وكان من ابرز رسامي هذه الطريقة هو - توماس بويك- الذي اصدر كتابا اسمه (الحيوانات ذو القوائم الاربع) عام 1790 ويشرح فيه طريقة الحفر على الخشب الجديدة . كما برز بهذه الطريقة الفنان الفرنسي - دوريه Gustaue Dore - الذي مهد الطريق الى ادخال الفوتوميكانيك على هذه الطريقة ...

 

الحفر على المعادن:

ان تكرار العمل الفني الواحد جعل من الصور او الرسم فنا جماهيريا. فلم يعد الرسم محصورا

على اقلية او فئة او طبقة معينة من المجتمع . كما كان يحدث سابقا في القرون الوسطى حيث احتكرت الكنيسة الفن والفنانين لصالحها في تزيين الكنائس والمعابد بالصور النحتية و الزيتية والجدارية .. كما كان من خيرة الرسامين والمصورين يشتغلون في بلاطات الملوك والامراء ..

ان الصورة اصبحت وسيلة اتصال بصري وفكري . ان فن الحفر والطباعة بطرقه الحديثة رفعت تأثير هذا الفن على المجتمع الى مستوى عالي جدا . لقد اصبحت الصورة قادرة على ان تستجيب بشكل اوسع لحاجات المجتمع بعدما اكتشفت طريقة الحفر على المعدن . ويذكر ان اول عمل محفور على المعادن ظهر بطريقة الحفر الحامضي عام 1513 م -

ظهرت هذه الطريقة في القرن الخامس عشر مع صانعي الحلي في وادي الراين في المانيا وفلورنسا في ايطاليا , وقد جائت من العرب عن طريق الاندلس كما ذكرنا ذلك سابقا . وكانوا

يستخدمون اداة المنقاش في الحفر , وبعد ذلك استخدمت الابرة الحادة .. ويذكر انه لم يتحقق طبع اعمال فنية على الورق حتى القرن الرابع عشر . علما ان صناعة الورق اول ما ظهرت في الصين ثم ظهرت في بغداد عام 793 بعد ذلك وصلت الى الاندلس عام 1150 – بعدها عبرت الى اوربا .. علما اننا ذكرنا سابقا في المقامة رقم (1) بان الفنانين السومرين والبابليين قد مارسوا صناعة الحفر على المعادن . منها نذكر قدح مصنوع من الفضة محفور عليه طائر النسر بواسطة اداة الحفر بوريل buril المنقاش – الآن القدح في متحف اللوفر في باريس ويعود تاريخه الى حوالي 2500 ق م –

فمنذ القرن الرابع عشر بدأ ظهور الصور الدينية والكتب المصورة .. ومنذ القرن الخامس عشر قام الحفارون برسم وطباعة الصور الشعبية التي ترمز الى الحياة اليومية و الاسطورية . وكذلك الصور الوثائقية والخرائط الجغرافية والتقاويم واوراق اللعب .. بعد ذلك الاوراق المالية والطوابع البريدية وطباعة رسوم الاقمشة . و في باريس بين اعوام 1656 و1760 طبعت ملايين الصور الدينية وتم توزيعها على المجتمع .. وهكذا بدأت الحياة تتسارع و تتسابق في الاختراعات والتطور العلمي والفني والطباعة .

ان اوائل الحفارين الاوربيين كانوا يسمون – بمعلم اوراق اللعب – وكانت اولى هذه الاوراق تسمى تارو ماتينيا Tarots de Mantegna نسبة الى مخترعها الرسام الايطالي ماتينيا .

ثم وظفت صور الحفر والطباعة للدعاية واستخدمت كاداة وسلاحا فعالا . وقد كلف الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الحفارين برسم وطباعة اعمال تخلد منجزاته . وكانت توزع على السفراء وعامة الناس .

وقد قام رمبرانت بنقله نوعية في عالم الحفر عندما اظاف الى الحفر النور والظل حيث خلق عالما من القيم اللونية المتجانسة فقد لجأ الى تدعيم الاسود بواسطة الابرة الحادة وبهذا فيكون رمبرانت مجددا في فن الحفر . كما ان روبنز سار على طريقة رمبرانت في مبدأ الظل والنور ..

واشتهر من الفنانين الانكليز في الحفر وليم هوغارث حيث كانت رسومه الكاريكاتيرية تطبع وتنشر . وكان ساخرا وناقدا للاوضاع الاجتماعية . وتعرض هو ايضا لسرقة اعماله واستنساخها . مما حدى بالبرلمان البريطاني الى اصدار قانون يسمى قانون هوغارث يمنع ويعاقب كل من يستنسخ اعماله . كما قام الفنان الفرنسي دوميه بدور فعال في الحفر والطباعة على الحجر . واشتهر ايضا الفنان الاسباني غويا بحفرياته على الزنك ومجموعته المشهورة – النزوات – وكان فن الحفر والطباعة سلاحا مخيفا . فكان تأثير الصور وانتشارها اكثر فعالية من الخطب السياسية . لهذا فقد تعرضت بعض الصحف الى الاغلاق . كما ادت ببعض الرسامين الى السجن مثل الفنان - دوميه- وتعرض غويا الى المسائلة من قبل الكنيسة .. وفي عام 1599 تعرضت مشاغل الحفر والطباعة الى المنع اكثر من مرة لانها كانت تنافس رسوم المنمنمات التي كانت حكرا على رجال الدين الذين كانوا بمنأى عن القضاء .. وكانت مشاغل الحفر والطباعة الاكبر والاكثر اهمية هي مشاغل الكنيسة والتي كانت تقوم بانواع الحفر حتى الالواح الخشبية المعدة لطباعة الاقمشة .. ومن اشهرها مشغل دير لافيرته Laferte في فرنسا .. 

 

khadom shamhodجاء في لسان العرب: اذا كثر البياض قل السواد. وهنا يأخذ الشئ مفهوما معنويا، فالبياض يقصد به اللبن والسواد هو التمر. والسودانية او السويدا: هو طائر من الطيور .. واللون الاسود لا وجود له في الطبيعة كما ان اللون الابيض هو لون حسب المفهوم الحسي لادراك الالوان وهو في الحقيقة مجموعة كافة الالوان في الطيف المرئي .

ويؤكد علماء الضوئيات والفيزياء ان الكرة الارضية وما عليها، في حركة مستمرة في التغير والتبديل من ناحية الالوان لخضوعها الى الضوء الشمسي . فلو وضعت قطعة ما امام ضوء الشمس لوجدت ان الالوان الساقطة على القطعة تتغير في كل لحظة . فترى القطعة مختلفة الالوان بين الحين والآخر .. وهذا ما التفت اليه الانطباعيون 1870 في رسومهم حيث كان مونيه يقضي معظم اوقاته في رسم البركة المائية ويكرر ذلك الرسم في اوقات مختلفة ..

 

في الادب:

هل هناك فن اسود؟؟ نعم يوجد فن اسود . في الفن والادب والتاريخ وغيرها .. ونقصد هنا بالاسود هو المفهوم المعنوي وحسب التأويل . مثلا في الادب انتشرت الرواية السوداء في نهاية القرن التاسع عشر. وبدأ فيها الكاتب الروائي الامريكي ادغار الآن بو -Adgar Allan Poe 1809 – ثم جاء من بعده Carrol John 1889  وSomuel Dashiell 1894 وغيرهم .. والرواية السوداء تعد نمطا من انماط روايات الجريمة وهي الروايات البوليسية كرواية - المخبر السري .. وفي عام 2010 اقيم في مدينة خيخون الاسبانية مهرجانا عالميا للرواية البوليسية او السوداء اشترك فيها اكثر من 143 كاتبا وروائيا متخصصا في هذا الصنف من الادب الغريب ..

كما يعد البعض ان المجموعة الشعرية - ازهار السوء – لبودلير 1841 هي من الاعمال السوداوية. وان افلام الافريد هتشكوك 1899 تعد من الافلام السوداوية حيث يسودها الرعب والخوف والقلق وعادة ما تدور حول تتبع خيوط الجريمة ..

 

في التشكيل:

اما في مجال الفن التشكيلي فيمكن اعتبار بعض اعمال بوش 1450 El Bosco اعمال سوداوية تشائمية حيث نراه يرسم المعذبين والمذنبين والشياطين بطريقة سريالية اذهلت العالم في ذلك الزمن واعدوه مجنونا او له صلة بالجن . واليوم ظهرت المدرسة السريالية من جديد على يد الفنان الاسباني سلبادور دالي امتدادا لذلك التاريخ ولكنها بثوب معاصر وتأثير علم النفس الحديث ..

 وكان غويا Goya 1746  الاسباني قد رسم مجموعة من اللوحات اطلق عليها اللوحات السوداء pintura negra  ويصل عددها الى 14 لوحة ويعتبرها البعض من عيون الفن التشكيلي الاوربي . وتعكس هذه الصور الوضع النفسي المظطرب الذي كان يعيشه غويا بعدما اصيب بالطرش. ثم مثوله اما م محاكم التفتيش بتهمة التهكم والسخرية من الكنيسة والتقاليد ..

260-khadom

 ومن اشهر هذه الاعمال هي اب يلتهم ابنه Saturno devora a su hijo  وهي اسطورة رومانية تقول ان الاب ساتورنو  تنبأ بان احد اولاده سيقتله لهذا فقد سبق الحدث واكل ابنه ..

في سنة 1799 نشر غويا مجموعة - النزوات –Los Caprichos، وهي اعمال استثنائية ليس لها سابقة في التراث الاسباني الفني . كما ليس لها مثيل في تاريخ الفن قاطبة  وهي عبارة عن مجموعة من الحفريات على المعادن (كرافيك) حفرت بطريقة الابرة والرسينة (نوع من الغبار اللاصق او البستكي) واستخدام الحامض الحارق ..،، انها عالم بأسره نظر اليه خلال منظار متشائم اسود. وكانت هذه الاعمال الحفرية قد اتخذت طابع الهزل والسخرية . وقد بدت فيها مخلوقات هي خليط من البشر والوحوش ومناظر تمثل ضراوات وخبائث وحماقات ذلك المخلوق الذي اسمه الانسان، والذي يبدأ حياته مفعما بالامل وينهيها وقد حطمته الرزايا والنكبات .. وقد هاجمت النزوات مظاهر الحياة الاجتماعية المتخلفة بقسوة وشدة .. استغلال الغني للفقير واستغلال الدين لاغراض شخصية وسلطوية – كما هو الحال في معظم بلداننا العربية مع الاسف ..

في التاريخ:

(فنحن منذ ان توفى الرسول

سائرون في جنازة ..

و نحن منذ مصرع الحسين

سائرون في جنازة ..

ونحن يوم تخاصمنا

على البلدان ..

و النسوان ..

و الغلمان ..

في غرناطة .

موتى ولكن ما لهم جنازة !!

لا تثقي بما يروي التاريخ يا صديقتي "

فنصفه هلوسة ...

و نصفه خطابة . / - نزار قباني – /

 

هل هناك تاريخ اسود؟؟؟ وهل ان المؤرخين العرب والمسلمين انصفوا في كتابة التاريخ؟؟؟؟ ووضعوا كل شئ في مكانه ؟؟ .. كالطبري وابن مسعود وابن كثير واليعقوبي وغيرهم .. نحن اليوم نعيش تاريخ اسود .. رويات ظلامية واحاديث هلوسية كتبها الاشرار وتطبق عندنا اليوم بالقوة .. كلنا يعلم بالعصور الوسطى الاوربية المظلمة وما جرى فيها من استغلال الكنيسة للدين . فكانت تبيع قطع في الجنة وتأخذ اموال الفقراء (صكوك الغفران) .. في صحيح البخاري حديث يقول ان الصحابي (...) اشترى الجنة مرتين مرة في حفر بئر الرومي واخرى في حملة العسرة .. كما جاء في الصحيح حديث (اطيعوا الحاكم ولو كان ظالما)- .. ويروي كتاب الاغاني لابو فرج الاصفهاني، ان سكينة بنت الحسين –ع- لها مجلس مع الشعراء وانها تتجمل وتجلس مع الندماء وان تسريحة شعرها اصبحت موضة في عصرها .. هذا هو تاريخنا الهلوسي . اما آن الاوان لمراجعة هذا التاريخ الاسود  المريض وتصحيحه لمصلحة وسلامة البشرية من الظلامية والتكفيرية؟ ام ان ذلك ليس من مصلحة الحكام واسيادهم ...؟؟

 

khadom shamhodهناك اعمال فنية تخلق شعور بالمتعة للمشاهد او المتلقي وهناك اعمال في الطرف الآخر تنتج احساس بعدم الارتياح والنفور احيانا .. فالاول هو الاحساس بالجمال والثاني هو الاحساس المضاد وهو القبح . هذا التحكم في الاستجابة والرفض للعمل الفني هو ما يخص عمل النفس وشغلها .. وحسب بعض الفلاسفة ان النفس تنقسم الى ثلاثة : 1 / النفس الراضية 2/ النفس الامارة 3/ النفس اللوامة .. وقد اشار القرآن الكريم الى هذه الاصناف ... والنفس الراضية عادة ما تبحث عن الجمال والمتعة التي تتجسد في عملية التناسق والتكامل والانسجام في العلاقات الشكلية . ومن الممكن ان بعض الناس غير مدركين مطلقا للعلاقات النسبية في الجانب المادي من الاشياء .. فهناك ناس مصابون بعمى الالوان والذوق . كذلك فان آخرين يكونون عميانا بالنسبة للشكل والسطح واالكتلة ...

  فاذا اخفقت الاشكال في اعطاء المتعة . هنا يأتي دور النفس بالبحث عن الفكرة حيث لابد ان يكون خلف هذه الاشكال قد طرحت فكرة ما . وهنا نقول ان الفن قد نال تعبيرا . وبالتالي فان الفن ليس بالظرورة ان يكون جميلا في تناغم اشكاله . قد يكون مبعثرا ولكن الفكرة جميلة ..

(وكان سقراط 470 -470 ق م – يعد الجميل هو المفيد حتى ان الاشياء القبيحة تكون جميلة اذا كانت مفيدة ...) وهذه النظرية اصبحت ميدانا خصبا للفنون الحديثة التي خرجت على المعايير الكلاسيكية القديمة وحطمتها

 وينقل لنا التاريخ بان الاديب البصري العربي الجاحظ 159-255 هجرية - كان دميما قبيحا جاحظ العينين ولكنه كان من فطاحل العرب في الادب والنثر، ويعد كتابه – البيان والتبيين – واحد من اربعة كتب اشار اليها ابن خلدون والتي تعتبر من المصادر الاساسية للادب العربي). كما ان الشاعر البصري الآخر بشار بن برد كان مفرط الجسم ضخما اعمى .. وقد مرت عليه في يوم من الايام أمرأة فقالت له : انا لا افهم كيف يخافك الناس ؟؟ فرد عليها : امن جمال الاسد يهاب الناس ...؟؟


221-shmhod وقد فرق سقراط بين الجمال والجميل " فالجمال قائم بذاته وهو ليس الاشياء التي تتصف بانها جميلة . فمثلا ان الاشياء التي نراها امامنا من ملابس وعمارة كلها جميلة ولكن يوجد فوقها الجمال نفسه – المطلق- اما الفن فيرى انه تقليد للطبيعة او محاكاتها وان الفنان عليه ان يرسم الانسان روحا وجسدا وبذلك فقد افصح سقراط عن هويته بانه من اصحاب النفس الفاضلة ...

 بعض مفكرينا يذكر بان سقراط ربما هو احد الانبياء الذين لم يذكروا في الكتب المقدسة والذين كان يبلغ عددهم - 24000- نبي ورسول..

والجمال عند - افلاطون 427 ق م - هو الجمال المطلق الذي يوجد في عالم المثل . فالجمال المادي هو صورة عن الجمال الحقيقي، فالموجودات جميلة من جهة الصورة وقبيحة من جهة المادة . اما الفن فيعتبره محاكات للطبيعة كما هو عند استاذه سقراط ولكن هذه المحاكات هي ايضا محاكات لمثالها . اذن الفن عنده تقليد لتقليد ...

اما ارسطو 384 ق م - فانه يختلف عن افلاطون في وجهة نظره عن الفن والجمال . حيث يرى افلاطون العقلانية والمثالية بينما يرى ارسطو العقلانية والواقعية . ويرى ارسطو ان التناسق والانسجام والوضوح هو الجميل . كما يرى ان الفن هي المحاكات وان وظيفة الفنان هي اظهار الانفعالات الانسانية . وتعتبر هذه الظرية هي الممهد الحقيقي للمدرسة الواقعية التي ظهرت على يد الفنان- كوربيه 1819 –

كان الفيلسوف اليوناني – هيراقليطس 576 ق م – هو اول من قال بان الجمال المادي نسبي . حيث يقول ان اجمل قرد يبدو لنا قبيحا اذا ما قورن بأقبح انسان . واجمل انسان يبدو لنا قبيحا اذا ما قورن بأقبح الآلهه ..

وكان عدد من الفكرين المسلمين نهجوا نفس منهج ارسطو ولكنهم توسعوا وانطلقوا من مفهوم التوحيد في العقيدة ونظرته الى الجمال والفن، مثل ابو حيان التوحيدي 923 م- وابن خلدون -1323 م – وغيرهم . ولازالت آراء علماء المسلمين هي النبع والرافد الذي يعتمد عليه الغرب في مسألة علم الجمال ومفهوم الفن ..

 

zouher sahebحين اعلن (اندريه مالرو) عن متحفه الخيالي، فانه قدم للانسانية والذائقية المعاصرة، فهماً للفن من خلال الفن ذاته. وفي سياقات تفكيره الابداعي هذا، يمكن ان نقيم تقابلاً في العلاقات الشكلية، بين بنية الزقورة السومرية، بخطوطها الافقية والعمودية المتقاطعة. ونظام الصورة التجريدي الهندسي الذي يميز اعمال (موندريان). وبذات الفاعلية،يمكن رصد مجموعة من نظم العلاقات الشكلانية بين الهرم المصري، (وتمثال) طائر في الفضاء للنحات (بزنكوزي)، في السعي نحو اللا محدود والمطلق، وهذه الامثلة وغيرها  الكثير، تستقدم  الابداعات التشكيلية السومرية، الى عالم الفهم المعاصر، شريطة ان تُحرر من آنية احساساتنا، وآنية العالم الشخوصي والمادي معاً.

وحين تُؤسّس منظومة الاشكال السومرية، انظمتها الشكلية، بعيداً عن حكائية المرجعية ومحدودية التاريخية. فانها تقول مقولتها، وتؤكد نوعاً من الرؤية، نُسقط فيها الفهم المعاصر على ما هو قديم وليس العكس. بحيث اننا يمكن ان نؤسس (مقتربات) شكلية، بين نظام الصورة السومرية والفن الحديث داخل بنية الفن.. وهي افاق تبدا بتاكيد الوجود الانساني، بوساطة الانسان نفسه، ويتاكيد حقه في ايجاد حقيقة اخرى، خارج حدود الطبيعة. بل وتجاوزها اعتماداً على قوانين خلق اخرى، وعلى مقاييس جمالية ومعايير حكم جديدة. فالاشكال السومرية تفكر في عقولنا بدلاً من تفكيرنا بها، انه الطابع الانساني الذي جعل من الفن السومري، انشودة يرددها التاريخ . 

فالفنون التشكيلية السومرية (الرليفات) هي صور عظيمة في تاريخ الفن، ذلك انها ترينا شيئاً نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة.وان العبقرية السومرية تنسج الحياة والفن، والتمثيل والتصميم في نسيج واحد. وبهذا الكيف، قدمت العقلية السومرية (الموقرة)، لاشكالات الفكر الانساني، حلولاً ابداعية مهمة في مجالات التشكيل، (فالفوتوغرافيا) لم تكن تعني للسومريين شيئاً ذلك ان محدوديتها التشبيهية، كانت تتعارض مع (ايدلوجيا) الفكر السومري اللازماني واللامكاني. بحيث اصبح (موضوع) الشكل في الرليفات السومرية مَحض وسيلة لابداع علاقات شكلية تجريدية . فالمثير في الموضوع، لا اهمية له، والاشتغال هنا يكمن في القصيدة نفسها، أي بتوافق الكلمات والصور وتناغمها الدائم والثابت. ومن هنا جاء قول (غوته): "ان الهندسة موسيقى الحجر".

وان الفن (العظيم) يتضمن بالذات تخلصاً من التشخيصية ومن حالة البشرية، ليتمتع بصفة الابدية،وحين (تُبلّور) الاشكال في الرليفات السومرية، الميتافيزيقي المتضمن فيها، بالبحث عن الجوهري المُتخفي تحت (زوائد) البشري. فانها (لَخصّت) الشكل الى قوانين هندسية (شكل مثلث يقوم على شكل مخروط). فالفن في سومر، حجاب اكثر منه مرآة . وهي بذلك تعقد نظاماً من الاقتراب مع افكار (سيزان) في العملية الابداعية في التحليل والتركيب والتشكيل، والذي يرى بوجوب تكثيف الاشكال الطبيعية الى انظمة هندسية ترتبط ببنائية الكرة والمخروط والاسطوانة. 

فقد أدخَلت  العقلية السومرية المُبدعة، مفاهيم الطبيعة ضمن قواعد الضبط والدقة، وينوع من (الثيوصوفية الموندريانية) والتي انتزعت من الشجرة كل شيء، عدا الصورة التي يُفترض ان توقظها في الوعي، ليس بكونها شجرة، وانما على انها شكل شجرة. وكان المشهد اشبه بالتمرد على الظواهر الخارجية، واختراقها وتحطيمها من جديد، عوداً الى اللب، حيث اللون وحده، والحرية لوحدها. فحين (اراد) الانسان تقليد فكرة (المشي) اخترع العجلة التي لا تشبه الساق في شيء.

ان الكون متشابه في نظرنا كلنا، ومتباين في نظر كل منا على حدة. فهو ليس كوناً واحداً، بل ملايين . على عدد ما فيه من (خوخ) وعقول بشرية تستيقظ كل صباح. هذا (الاختلاف) في الرؤية، والتّولد، الجديد في اليات التفكير، هو نوع من الازاحة في دراسة الفن، تُزيح والى الابد، تلك القطيعة (الابستملوجية) بين بنية الفنون  السومرية  باعتبارها انظمة شكلانية، ومقارباتها في الفن الحديث. شريطة اقصاء المدلول الميتافيزيقي من بنائية الصور السومرية . فَجُلّ الاهتمام هنا، ينصب على تحليل بنية الصور (كدوال) تركيبية، وتَمظهرها المتشابه مع بنية الاشكال في الفن الحديث. وهذه (الرؤية) تَدعونا، الى (تاطير) سلسلة الاشكال (السومرية – والفن الحديث) في مفاهيم النظام او النسق. نوعاً من سلسلة تعقد تراصف (الدوال) الى بعضها كوحدة كلية، بدلاً من تفكيك مفهومياتها التي طالما تُقررها حكائية المدلولات.

ان حفراً عميقاً في بنية النصوص السومرية (الرليفات)، يُظهر  ان نظام الصورة السومرية، يمكن ان يؤسس له مقترباً  مع شكلانية الاشكال التكعيبية. فنظام الصور السومرية باعتبارها انظمة شكلية، ليس لها مماثلات في الوجود الشيئي المتعين. انها نماذج معدلة، ترتقي على المحاكاتية، باعتبارها كشوفاً (حدسية) متحررة من محدودية القيود الحسية. فالشكل لا يجد تحققه بالفعل ذاته، بل عليه ان يُعلن ويوسع شكلاً (شعرياً) من اشكال الحقيقة.

فعلينا هنا  ان (نغيبّ) عمل المراقبة البصرية، نحو تَفعيل دور التاويل والكشف عن البنية الهندسية الخالصة في تركيب الاشكال. وان انتصار الشكل في التشكيلات السومرية (الرليفات)، كونه الوسيط بين فيزيائية الظواهر وجواهرها . فهي قبل ان تكون اشكالاً طبيعية، فانها صور رمزية مستخلصة من الطبيعة، انه نوع من اعادة (صياغة) الطبيعة في جوهرها وماهيتها، كونها تعود الى نسق التشكيل وليس الى الواقع المادي.

وقد لا نضيف شيئاً جديداً في تحري تاريخ التكعيبية وخصوصياتها كاسلوب اساسي من اساليب الفن الحديث. الا ان اهتمامنا يقع في كشف الجوهري في نظام الشكل التكعيبي، مع (رجاء) الى التاريخية في ان تُرخي قيودها، كي تتخذ الاشكال سلسلتها المترابطة، وتقدم مقولتها على انها انظمة شكلية، وليست مدلولات (اخلاقية).

وهنا تبرز صورة جديدة للعيان، تؤسس مقترباً لها، بين نظام الصورة السومرية في الالواح النذرية، ومماثلها في لوحة بيكاسو (فتاة امام المراة). فكلاهما يشتركان في الية عمل الصورة الذهنية، والتي تسعى الى تمثيل ما تعرفه وتدركه عن الشيء، وما ينبغي ان يكون عليه، بدلاً من محاكاة ما تراه. واضعة بذلك التجربة الحسية، تحت سيطرة ومراقبة  العقل . 

585-salimفالفنان في سومر والتكعيبية، يسعى الى بناء حقيقة صورية، ومن هنا كان التوجه نحو المظاهر التجريدية، والتوقف عند الصور الذهنية غير المادية، والقائمة على التنظيم البنيوي (المتناغم) في الأشكال الهندسية . ذلك ان الفنانين في سومر والتكعيبية، لم يروا باعينهم ما في الطبيعة بل بافكارهم، وهم لم ينسخوا الموضوع كما في الواقع، بل يؤولونه نحو الجوهر، وهذا ما تؤكده مقولة (ماليرانش): "ان الحقيقة  ليست في حواسنا بل في فكرنا".

ان الموضوع (الشيء) في (عندية) الفنان السومري والتكعيبي، لا شكل له في المطلق، بل له عدة اشكال، على عدد ما في مقاطع التاويل من زوايا النظر، وعلى عدد نظر العيون التي يمكنها النظر الى الشيء. وبتمثيلهم الشكل الواحد من مختلف وجوهه في ان واحد، فانهم حاولوا التعبير عن الحقيقة المطلقة، مُدعين تقديم صورة للشيء، اكثر موضوعية من مجرد التوقف عند مظاهره الخارجية.

فقد واجهت المُبدع السومري، ومن بعده بيكاسو وبراك، ذات المشكلة، وهي (الكيفية) في تمثيل الاشكال الابعاد الثلاثة، على سطح ذي بُعدين، فكانت الحلول في بنيتها الشكلانية متشابهة . وتقضي بتمثيل الشكل باكثر من زاوية نظر في لحظة زمنية واحدة، بحيث تكون رؤية الشكل اشبه بمسرح الحلية الذي يلتف حوله الجمهور في فحص الاشكال. فالصور تصبح هنا، مجرد انعكاس للتساؤلات التي تطرح حول الوجود، وذلك بالانتقال بالشكل الطبيعي، من صورته العرضية، الى بنائيته الشكلانية الخالدة.

وبدراسة تحليلية  تَتحّرى  احالة (الموضوع) الى انظمة شكلية، في (الرليفات) السومرية والصورة التكعيبية. تُظهر  ان آليات  الاداء (العقل واليد) تُفعّل نوعاً من الكشف التجريدي في تركيب الهيئة، وذلك (بتقشير) اغلفة الشكل المتتالية وصولاً للبنية الشكلية المحَضة  مدركة ان قيمة الشكل في هيكله العظمي، وان وجوده في ذاته، لا في تماثله مع الواقع.

فالهندسية في الاشكال السومرية والتكعيبية، مثل القواعد في الكتابة نتيجة ارقام او (نسب) تُشكل توازناً بالتوازنات . فاوجدتا قراءة رياضية للنص، يهيمن فيها انفتاح (الدال) على محدودية حكائية المدلول. فاسست الاشكال انزياحها في سلسلتها التاريخية، متحولة من صور مماثلة لفيزيقية الاشياء، الى بنايات شكلية مُعبرة عنها، فاسست الاشكال وجودها، بدلاً من صناعة التاريخية لها.

ابدعت العقلية الانسانية، في سومر والتكعيبية، نظاماً للاشكال، مُثلت بموجبه معزولة عن العوالم المرئية. فالتشكيلات لا تستند الى الزمان والمكان، الا بمقدار العلاقة التي يقيمها (الاخيران) مع المُتخيل او مع اللاواقع. فالكهنوت السومري  وبفعل الوعي والقصد والارادة، مثل بيكاسو وبراك، لا يريدون ان يعرفوا سوى افكارهم وحدوسهم عن البناء الشكلي للمثل الاعلى في التعبير، ويزعمون تطبيقه حتى درجة المطلق. ومن هنا كانت تجزئة الشكل، الى مساحات هندسية مُسطحة ومتداخلة، وتمثيله من مُختلف وجوهه في زمن واحد، لتقديم صورة عن (الشيء) اكثر موضوعية من مُجرد التوقف عند مظاهره الخارجية.

وبنفس نظام صورة (البورتريت) في الفنون السومرية عمد التكعيبيون الى رسم انف كما يرى من الجانب على وجه منظور من امام، اوعينا  بوضع امامي على وجه جانبي المنظر. وقد اوضح (بيكاسو) فكرة هذه التركيبات: " بان الراس عبارة  عن عينين وانف وفم، وهي اشكال يمكن ان توزع باي طريقة، ويبقى الراس راساً، وهذا الاسلوب في التفكير يماثل منهج التاليف في الموسيقى". انه التنقيب في منطقة النص، وصولاً الى الشكل الجوهري الكامن، وراء المظهر الخارجي، وتحليله واعادة تنظيمه، بتركيب وانشاء نظام جديد. انهم جعلوا من الشيء الحقيقي شيئاً فنياً.

وهذه الوظيفة الجمالية للصور التشكيلية، وهي تعقد سلسلتها عبر التاريخ. كانت كشفاً للامرئيات بقوالب المرئيات. وهي بذات القراءة، نظاماً منضبطاً او وسيلة لتبسيط الاشكال وتقوية التكوينات. لا لتاكيد الخط فحسب، بل الحجم ايضا. فكان كل شيء فيها، جسماً صلداً مختزلاً الى تشييدات هندسية. لم يعد فيها التركيز على الشيء ذاته بل على الترتيب  الشكلي المستقل لهذا الشيء. انه التعبير عن القوة الشاملة في الانسانية، المعبرة عن (دلالة) النقاء الروحي والكوني للمطلق .

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

zouher sahebان ما يشكل جزءاً من اليومي، يصبح في الوعي الجمعي نوعاً من الاسطورة، التي تنتمي الى الخيال والى مجال اللا محتمل. ذلك ان (التمثال) في المبدعات السومرية، حدسي متحرر من ضغوط القيود الحسية، ومحمل بطاقة روحية مهيمنة، وبنوع من التضايف بين الذاتي والموضوعي، بحيث ان الخارجي لا يكون مسوغاً لوجودها، الا ان يكون تعبيراً عن الداخلي. فهناك عالم ذاتي ليس اقل واقعية ولا اقل حقيقة من العالم الذي يعتبره الحس المشترك عالماً موضوعياً.

ومقولة التماثيل السومرية هذه، تؤسس مقترباً لها مع اسلوب التعبيرية، حيث عمل الفن على تفعيل فكرة اخضاع الطبيعة، وجعلها طبق الاصل لاستجابة الفنانين الذاتية .. والذين بذلوا جهداً فكرياً وتقنياً لاختراق الظواهر، بغية كشف عما شعروا انه يؤلف الجوهر الاساس في الظواهر".

ذلك ان بنية الفكر بين سومر والتعبيرية، قد بثت الرغبة في الذات، ان تدخل سر الحياة، وان تتعقب دروب الطاقة الخلاقة في الوجود، وان تبتكر ليس ابتداءً من الواقع المنظور، بل اتفاقاً مع حقيقة اكثر عمقاً. وهنا يبرز نوع من القصدية (الوجدانية) لتحطيم نظام الصورة الايقونية كقيم بنائية مادية، متحولة لبنية فكرية تسقط الصورة الذهنية، ولكن كايقونات ذات مغزى كوني، يؤسس الشكل فيها مقترباً له بين التماثيل السومرية ولوحة الزوجين للفنان (مودلياني) وتمثال السيدة (بوكَاني) للنحات برنكوزي.

وبفعل انكماش التعبير في منظومة التماثيل السومرية على الحياة الداخلية للذات، التي تتجاهل العالم الخارجي، فان نظام التماثيل السومرية. يؤسس له مقترباً مع اقنعة (انسور) وموديلات (جورج روو) . فهناك قصدية واعية مستندة الى الخيال والارادة والوجدان، سعت الى تحطيم المنظومة الايقونية لنظام الصور الشكلي، بغية التغلغل بما هو انفعالي، لكشف مشكلات الذات الانسانية. فهنا يمكن (رصد) نوع من النزعة العاطفية حلت محل العقلانية، ترجح خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع . وفي ذلك نوع من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية.انه الفنان نفسه المقدم على هيئة عمل خلاق، يعبر به عن سعادته الداخلية." ذلك ان الوجود كله في التعبيرية امتداد لروح الفنان او نفسيته، فالفنان مركز الكون، والكون كله نابع منه".

هذا هو جوهر التعبيرية بين سومر والفن الحديث، ومصدر قوتها وجمالها وروعتها.وهكذا فان نظام الصورة التشكيلية بين المبدع السومري الاول والمصور التعبيري، ليست تسجيلاً للواقع الخارجي، بقدر ما هي املاء لذات الفنان، بفعل انصهار الوجود في مخيلته، كما لو كان التمثال قطعة من ذاته، لا جزء من الواقع الموضوعي المحيط به. انه نوع من النزعة غير التسجيلية، التي سعت في سلسلة الاشكال بين سومر والتعبيرية، الى اختزال الظواهر المرئية لتاكيد استقلالية الاشكال الخالصة.

انها تفرض نظاماً على الاشكال، وتقصي من بنائيتها، ما هو عرضي وزائل في رؤيا الاشياء، وتسخر الاشكال والمقاييس لا كادوات بل كحلول. متوصلة بذلك الى اسلوب يتيح للفنان مزيداً من الحرية للايفاء بحاجاته الروحية، وتاويل ما لا يحصى من املاءاته الذاتية. ذلك ان التعبيرية بين المبدعات السومرية والفن الحديث، تقوم على اعادة بناء العالم في حالته السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الاشياء من دلالة الا بقدر ما تتحول لتعكس وضعاً انسانياً.

ان دلالة تمثال المتعبد السومري ليست الا فكرة التعبد، اما صورته فتتلخص في تعبيرها الخيالي. وكي يتضايف هذان الوجهان في نظام التمثال الشكلي، يلزم تحول الموضوع الى شكل فني . بحيث لا يكون القصد ان تمثل هذه الاشكال ذاتها بما فيها من خصوصيات فردية، ولا ان تعرض للوعي مباشرة (الميتافيزيقي) المخبىء فيها، بل تكون اشارة وتلميحاً اليه. ذلك ان التجريد يطال كل السمات الواقعية في الصور السومرية والاسلوب التعبيري، ولا يغدو تمثلاً حقاً في بنائية مثل هذه الاشكال الرمزية، الا بعد ان يلغي من عالم المرئي كل ما يؤلف بنية الموضوع الفردية، بفعل تبسيطه واختزاله اياه.

وقد بدت هذه التقابلات الشكلية، مفهومة بين نظام التماثيل السومرية وتمثال السيدة (بوكاني) للنحات برنكوزي ذلك ان الشخصيات مفرغة تماماً من وجودها كايقونة معاشة، ومرحلة بفعل تماثل ضغوط البنية العميقة للفنان، الى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور. نوعاً من الصوفية عصفت بالمتعبد السومري، ومن بعده شخوص (كيرشنر – روتلوف)، لاجتياز حالة البشري وصولاً الى حضور الابدية.

لم ينظر المبدع السومري الى الفن باعتباره تمثيلاً للاشياء المرئية، بل وسيلة للكشف عن حقائقها، ذلك ان المرئي في الذهنية السومرية، لم يكن الا حالة مفردة فقط، ففي (الكوني) هنالك حقائق كامنة اخرى، انه الفن الذي ينفصل بفعل الذات عن الطبيعة كالنار والادوات. فالقيم الثابتة في المبدعات التشكيلية السومرية، هو تاويل دلالات غير متوقعة ولمسة من الجمال يحققها الفنان بالتقارب الشاعري بين اشياء اعتيادية، تنتزع من حالتها التقليدية، لتتحول الى أنظمة شكلية . وهي افاق ابداعية تبدا بوساطة الانسان ذاته، وبتأكيد حقه في ان يتجاوز الطبيعة اعتماداً على مقاييس ومعايير جمالية جديدة. وربما يتصل ذلك بفكرة (بودلير) المشهورة : " أريد حقولاً ملونة بالاحمر واشجار لونت بالازرق، فليس للطبيعة من مخيلة".

ومن هنا يمكن ان يتسامى سقف التعبيرية أعتلاءً، ليقيم سلسلة تاريخية بين التماثيل السومرية ومقابلاتها التعبيرية في متحف الانسانية الخالد. ولكن هذه المرة بدلالة الخامة والتقنية، وهي تقدم خطابها الشكلاني الجمالي على السطوح التصويرية

ان فكرة تجميع الخامات في بنية التماثيل السومرية، تؤسس لها مقترباً مع بنية الشكل في الفن الحديث. ذلك ان (القصدية) السومرية الساعية للتاويل الكيفي الابداعي، في الجمع ما بين القار واحجار البلور الملونة والعاج والقرميد، في بنية الاشكال. تبرز في الذهن فكرة الخشب او الحجر او الصلُب، اكثر مما توحي بفكرة اللحم البشري. حيث عرف الفنان كيف يبعث فيها بريقاً مرتعشاً، يزيل عنها ما علق بها من قيم مادية . فهذه المبدعات غير محددة بزمن او مكان معينيين، بفعل تحررها من قيود التاريخية، انها تخاطب الانسانية بطريقة رمزية شمولية . انها ابلاغ الى اولئك الذين يدركون بوعي رؤية غيبية مماثلة.

هذا الوعي الجمالي بدائرة تجميع الخامات لبناء جسم التمثال، بغية تفعيل تعبيريته، يعقد له مقترباً من التواصل، مع افكار (دوشامب) في الخامات الجاهزة المتنوعة لتكوين نسيج التشكيل، ويقيم تواصلاً ايضاً مع اعمال (بيكاسو) وبالاخص تمثاله (كاس الابسنت)، وبفكرة (براك وبيكاسو) بتقنية (الكولاج) في التكعيبية التركيبية. ليقدم السطح التصويري للتشكيل، خطابه بشكل انساق تعبيرية جمالية، تتعدى واحدية الخامة، باحثة عن تعددها وتنوعها باعتبارها مدلولات جمالية يبثها سطح التشكيل.

 

أ. د. زهير صاحب

كلية الفنون الجميلة – بغداد 

 

khadom shamhodيذكر المستر اوهدى في كتابه – بيكاسو والتقليد الفرنسي – ان بيكاسو لما حط في باريس عام 1903 بقى محافظا على تناسقه القومي ولم تغيره او تهضمه البيئة الجديدة .. ويرى ان هناك تشابها خفيا بين العبقريات الاغريقية والالمانية والاسبانية وان لها اشتياقا كبيرا الى اللانهائي والى العلو السماوي .. اخوان غريس واحد من عبقريات الفن الاسباني الحديث . ويشكل هو وبيكاسو وبراك المثلث الذهبي للمدرسة التكعيبية .. ويعتبر احد اساتذتها العظام . واذا كان المستر اودى نسى الابعاد الحضارية لبيكاسو فنحن نذكره بها . انها الاندلس التي كانت عصارة الحاضرة الشرقية , ومن هنا جاءت عبقريته.. وقد ظهرت المدرسة التكعيبية بين اعوام 1907 و1914 . ويذكر ان اسمها اخذ من الناقد الفرنسي لويس بوكسلي

Louis Vauxcelles عندما علق على اعمال جورج براك (ان السيد براك اختزل كل شئ المواقع والاشخاص والبيوت .. وجعلها تخطيطات هندسية .. فمكعبات) . ومن هنا بدأ يطلق على هذا التيار الجديد بالتكعيبية ..

اخوان غريس –

اسمه الحقيقي هو خوسيه بيكتوريانو غونثالث . درس الرسم في مدرسة الفنون في مدريد كما درس على يد البروفيسور خوسيه مورينو كاربونيرو . بعد ذلك اخذ يرسم في الصحافة الاسبانية مثل blanco y negro -  Madrid comico . يضاف الى ذلك انشغاله في تصميم اغلفة كتب الادب و الشعر و غيرها .. هاجر الى فرنسا عام 1906 وهناك التقى مع ابن بلده بيكاسو وعقد معه علاقات صداقة وعمل كم تعرف على ماتيس وبراك وفرناندو ليجيه ومودلياني .. واستقر في حي مونمارت (مونتمارتر) في مسكن او فندق يدعى – باتيو لوفير Bateau Lavoir ومكث فيه صبرا على الفقر عشرة سنوات . وكانت اعماله التشكيلية الاولى تنحو نحو اسلوب تولزلتريك .

12-ikhoagreesفي بداية حياته الباريسية اشتغل كرسام في بعض الصحف مثل Le Temoin y Charivari . Le Cride Paris و وابتداءا من سنة 1910 اخذ اخوان يبتعد عن عمل الصحافة تدريجيا ويتجه في تجاربه التشكيلية الى التكعيب متأثرا بصديقه بيكاسو . وتذكر المصادر الاسبانية ان هناك عدد من التخطيطات الاولية ذات الاتجاه التكعيبي مؤرخة عام 1911 توجد حاليا في متحف تايسون في مدريد ...

في عام 1912 اشترك اخوان في معرض جماعي في صالو المستقلين في باريس وقدم فيه بشكل واضح وجلي اول اعماله التكعيبية وبصماته عليها مميزة عن براك وبيكاسو . وفي عام 1913 بدأ اخوان يشتغل بطريقة قص قطع الكارتون وورق الصحف ولصقها على قماش اللوحة مكونا منها مع الوان الزيت تركيبة هندسية رائعة (كولاج). وبين اعوام 1910 و1920 رسم اخوان سلسلة من الاعمال الصامتة اعتبرها البعض من اجمل مراحل حياته الفنية حيث ظهرت براعته وجرأته الفائقة ... وهنا شكل تحديا و تنافسا حقيقيا مع بيكاسو وبراك مما خلق حساسية وحسدا من قبل هؤلاء .. ولهذا فقد انقطعت العلاقة والصداقة مع بيكاسو .. وقد كتب احد النقاد الفرنسيين في هذا الصدد وهو جيرترود (ان خوان غريس كان الشخص الوحيد الذي تمنى بيكاسو ان يذهب) .

خصائص اسلوبه-

امتازت اعمال اخوان بالهدوء وبعمقها الوجداني بحثا عن روحية الاشكال ومحاولة استنطاقها فجاء اسلوبه شاعري رقيق , تاركا احينا فراغات وكأنها وجدت للتهوية او التنفيس . وقد بنى عناصر اللوحة على شكل معماري هندسي وفق ذهنية النظام والترتيب .. وتركزت مواضيعه على الطبيعة الصامتة والآلات الموسيقية واطباق الفاكهة وغيرها .. وكانت الوانه تتناغم بينها وبين الاشكال في حوار جدلي اختلاف وخلاف بين الاسود والابيض والازرق والقهوائي الغامق والفاتح يضاف اليها اللون الرمادي . وقد لعبت هذه الالوان دورا كبيرا في تخفيف درجة حدة الخطوط الهندسية وقساوتها .. فكانت اعماله تخضع للمنطق العقلي ولم يترك للصدفة مجالا في عملية التعبير، فكل شئ خاضع للنظام .. عكس مواطنه بيكاسو الذي اطلق العنان الى فرشاته مشرقا ومغربا في حركتها وتعبيريتها .. وهناك قول للفنان الانكليزي بليك حول التنوع في الاسلوب والحركة والتي يعتبرها من صفات العباقره فيقول: (ان الرجل العاقل وحده الذي يصر على بلاهته) وهذا القول خاضع للنقاش وطرح الآراء .. في عام 1922 مرض اخوان واصيب بدا الربو ونصحوه الاطباء من الانتقال الى جنوب باريس حيث الشمس والهواء النقي .. وحتى عام 1924 لم يكن اخوان معروفا ككبار الفنانين مثل بيكاسو وماتيس رغم حركته الدؤبة في اقامة المعارض المشتركة و الشخصية كما في اعوام 1919 و1922 و1924 في باريس .. وبعد مصارعته الطويلة مع المرض توفى اخوان عام 1927 وكان عمره 40 سنة .

اما في اسبانيا فلم يشتهر الا عام 1980 حيث قامت له حملة اعلامية كبيرة من قبل المتاحف وتجار اللوحات والمؤسسات الثقافية وغيرها .. مما ادى الى صعود رقم سمعته وبالتالي احتلت اعماله متاحف العالم كاسبانيا ونيويورك وباريس والمانيا ولندن وغيرها وو صلت اسعارها الى ارقام خيالية مثل لوحة - القيثارة - التي وصل سعرها عام 2010 الى 28,6 مليون دولار –violón et guitare -

 

د. كاظم شمهود

khadom shamhodانتونيو ساورا Antonio Saura    هو احد ابرز فناني ما بعد الحداثة  وعده بعض النقاد من عمالقة الفن الاسباني المعاصر .