mahmod saidالواسطي فنان عظيم، لا نعرف عن حياته الشّيء الكثير لكننا نعرف اسمه يحيى بن محمود الواسطي، ولا نعرف متى ولد؟ ولا نعرف أيضاً أين نشأ. أهم ما نعرفه أنه توفي في بغداد سنة 1237م، لكن لقبه الواسطي يدل على أنه ربما ولد في واسط، القريبة إلى الكوت الآن، والتي لا تبعد عن بغداد سوى بضعة ومئة كيلومتر. وكان لقب المدينة آنذاك يطلق على من ولد في مدينة معينة، أو من نشأ فيها، أو درس فيها، لكن رسوماته تصور الحياة البغداديةّ أفضل تمثيل.

إننا في الوقت الحاضر نعيش حالة هستيريةّ ظلاميةّ منذ 2003 وحتى الآن، فكثيراً ما هوجمت المرأة في هذا الوقت الشّاذ، واعتدي عليها، وانتقص من حريتها، بشتى الأعذار، فهي تارة متبرجة، وأخرى ناشز، وثالثة مستهترة، ورابعة خارجة عن التقاليد، وحجج أخرى ما أنزل الله ولا القانون ولا العرف بها من سلطان أو تعاليم أو خلق. مجتمعنا العربي من الأندلس حتى العراق، عاش بشكل عام والعراقي البغدادي بخاصة سبعة قرون متفتحاً، مسالماً، متعدداً، يسوده الإخاء والوئام بشكل لا نحلم به الآن.

ما يتسير لنا أن نرى واقع ذلك المجتمع المتآخي المتفتح على حقيقته إلّا بعد أن ننظر ونتمعن بعشرات الصور التي أنجزها فنانا العظيم الواسطي الذي عاش قبل نحو ألف عام.

رسم الواسطي أكثر من مئة لوحة كانت الأفضل في زمانها في أي مكان وزمان. ربما كان هناك رسامون وفنانون عظماء في زمانه، لكنهم قضوا معظم حياتهم في بلاط الحكام وقصور الأغنياء، فصورا جمال الملكات والأميرات والثريات الفاتن المعجز، لكنهم قلّما نظروا إلى المجتمع وصوروه على حقيقته كما فعل الواسطي، حتى جاء عصر النهضة وظهر إلى الوجود النظريات الشمولية من اشتراكية وشيوعية وازدهرت الفلسفات الإجتماعية في شتى أنحاء أوربا وسادت بعدئذ العالم كله، حينئذ جرى التركيز على ابناء المجتمع بغض النظر عن مكانتهم الشخصية، ومركزهم الاجتماعي، وكفاحهم في الحياة، ونضالهم لتحسين أوضاعهم الأجتماعية.

لهذا كان الواسطي في نظري رائداً للفن الذي يهتم بالناس، أي الفن الملتزم. صور فناننا العظيم المجتمع البغدادي خير تمثيل. فقد رسم ببراعة لوحات فريدة توضح ماذهب إليه الحريري في مقاماته، وكان الحريري قد سار على نهج الهمداني، الذي كان أول من ابتدع القصة القصيرة الفنية في التاريخ، القصة التي ابتعدت في مضامينها عن الأدب العالمي المعاصر له، إذ اهتمت بالناس والمجتمع بشتى طبقاته وشرائحه، فهناك الأمير والثري والجندي والفقير والمستجدي والتاجر، والمصلي وشارب الخمر، والراقصة والمتدينة. لم يحصر الهمداني والحريري ومئات كتاب المقامات "القصة القصيرة" أدبهم، وإبداعهم بفئة معينة قط، كان الشعب كله أبطالهم، كالأدب الحديث، ثم جاء الواسطي ليصور هذا الشعب والمجتمع.

ولعل الواسطي كان أول فنان عظيم عرض لوحاته في الجامعات والمراكز الأدبية والفنية فاقتناها حشد كبير من الناس منهم أمراء وملوك وأثرياء وعامة الناس، ليسوا من العراق وحده بل من جميع أقطار العالمين العربي والإسلامي، من الأندلس حتى الهند.

ليست هذه الأسطر القليلة دراسة أو شعاع ضوء على فن الواسطي، لم يدر بخلدي هذا، لكني أردت فقط أن أذكر بعض اللمحات المبتسرة عن مجتمع بغداد، آنذاك، وأخاله أيضاً مجتمع كل المدن الواقعة تحت نفوذ الدولة العباسية، فالحضارة تنتقل وتنتشر كما ينتشر الهواء في كل مكان، وعندما أقول بغداد فأعني لا بغداد حسب، بل دمشق وحلب وبيروت والقدس والقاهرة إلى قرطبة.

إن نظرنا إلى هذه الصّورة بتمعن فسنرى أشياء كثيرة تفصح عن طبيعة المجتمع المدني العربي والبغدادي وتكشف مدى الحريةّ التي نفتقدها الآن، حرية كان ذاك المجتمع يمنحها للمرأة، طيلة سبعة قرون انتهت قبل تسعمئة سنة:

572-said1

572-said2المرأة في هذه اللوحة تتمتع "كما أسلفت" بحريةّ حضاريةّ محجوبة عنها الآن مع الأسف، في هذا المنظر اجتماع في مسجد لسماع خطبة، تجلس النّساء في الطّابق العلوي، والخطيب والرّجال في الطّابق التحتي، ويبدو من الرّسم ما يأتي:

1- إن بعض هاتيك النّسوة لا يغطين أوجههن حتى في أوقات الصّلاة كما يفرض بعض المسلمين الآن وفقاً لمذاهبهم المتعصبة.

2- إن خمار بعضهن لا يغطي الوجه كله بل العينين فقط.

3- إن النّساء اللواتي اخترن الخمار لم يخترنه سميكاً ليحجب جمالهن، وواقع بشرتهن بل هو شفاف بحيث يبدو ما تحته واضحاً، أي أن الخمار يستعمل ليس لستر الوجه بل للزينة في الأغلب، فالعيون واضحة بما يكفي لإبراز جمالها وفتنتها.

4- إنهن متزوقات كلهن، يستعملن "المكياج" بشكل عام، فجميعهن يضعن أحمر الشّفاه، ويتكحلن، ويبدين زنتهن لكن بشكل محتشم لا غبار عليه، تحسدهن عليه فتيات اليوم وغاداته.

5- إن ستا من سبع نساء يبدين شيئاً من شعور رؤوسهن، وهذا يعني حريةّ لا يتمتع بها نسوة العراق الآن تحت نفوذ عمامات النّفاق والشّر والجهل والتعصب والظّلام السّوداء والبيضاء.

6- إن ملابسهن وطرازها فائق الجمال، متناسق الألوان، آخاذاً رائعاً، يفوق ما تستطيع المرأة الآن ارتداءه في الأماكن العامة.

هل يمكن أن يتخيل المرء وضعاً سيئاً بالغ الانحطاط للمرأة في العراق أسوأ من وضعها الآن؟ ألا يكفي لتصوير سوء الوضع أن زمانها وأوضاعها الاجتماعية قبل أكثر من عشرة قرون أفضل منه الآن؟

572-said3ثانياً: إن نظرنا إلى اللوحة الثّانية، فسنرى مجتمعاً متحرراً يحسده عليه مجتمعنا الحالي، هناك ثري أو أمير الخ؟ يحتفل في مناسبة معينة، جلب مجموعة من الرّاقصات، ومغنيةّ وجوقة عازفين على العود والصّنوج والمزمار والدّفوف، وساعة تصوير اللوحة كان الجميع مستمتعاً، المضيف والضيوف والفنانون. أين منه ظلام اليوم السّائد، فبين يوم ويوم تشن عصابات المؤلفة من رجال كهنوت قبيحين، ممسوخين، يقودون أميين حاقدين على المجتمع والبشريةّ والعراق والعراقيين، فيقتلون ويذبحون ويشردون، ويستولون على البيوت، والممتلكات. لا يسلم منهم أحد سوى المقربين من زعمائهم. هاجموا النّوادي بتهمة الخروج على النصوص، وهاجموا الحلاقين بتهمة الخروج على الآداب، وهاجموا النّساء بتهمة الخروج على الفضيلة، وهاجموا العلماء والمثقفين بتهمة الخروج على تعاليم غريبة تافهة لئيمة خالية من كل تفكير أو أحساس أو حضارة.

572-said4ثالثاً: هذه اللوحة تعبر بصورة لا تقبل لشك عن انفتاح هائل عاشته مجتماعاتنا العربية وبخاصة عاصمة الإمبراطورية بغداد فهنا يبرز الاختلاط واضحاً بين الجنسين.هناك شخص تسامره حببته، وخادمة تخدم الإثنين، وراقصة تبدو شبه متبرجة، فهي ترتدي تنورة تكشف السّاقين وقليلاً من فوق الرّكبة. وجوقة أخرى من الموسيقيين، والمغنين. وتشاركها شقيقتها اللوحة الثّانية في تصوير راقصتين عازفتين ترقصان وتحتسيان الخمرة، أو تقدمانها لمن يشربها.

572-said5

 اتمنى لو يشاهد هذه الصّور المعممون ليرجعوا إلى صوابهم وليعيشوا كما يهوون ويتركوا غيرهم يعيش بسلام.

570-GS4من الفنانين البارعين الذين تمتعوا بشعبية عالية خلال حياتهم وبعد مماتهم، التشكيلي الامريكي جان سنگر سرجنت John Singer Sargent الذي ولد في فلورنسا عام 1856 لابوين امريكيين موسرين فضلا ان يقيما في اوربا بين ايطاليا وفرنسا وانكلترا.

570-GS8درس سرجنت الفن في مدرسة الفن الفرنسية العريقة Ecole des Beaux-Arts والتحق باستوديو فنان البورتريه الفرنسي الشاب كارلو دوران Carolus Duran فتتلمذ على يده وتعلم منه رسم البورتريه مباشرة ودون الحاجة الى تخطيط، فاصبح صديقا قريبا لدوران وتأثر باسلوبه فكان الطلب على بورتريتاته عاليا مما مكنه من ان يؤمن لنفسه دخلا معتبرا.

570-GS1ورغم ان رسم البورتريه كان يستنفذ جل وقته وجهوده الا انه لم يتقولب على ذلك فقد برع في رسم مواضيع اخرى استلهمها خلال ترحاله الكثير ليس فقط عبر اوربا وامريكا انما حول الشرق الاوسط وافريقيا. وكان خلال تلك الزيارات شديد الملاحظة يرسم الطبيعة والمشاهد التي تستهويه من المدن والناس والاماكن التي يزورها اضافة الى مشاهد ذات موضوعات تعبيرية.

570-GS2كما انه لم يحدد نفسه بالرسم بالزيت وهو خياره الاول بل برع ايضا باستخدام الالوان المائية والتخطيط بالقلم، فكان فنان غزير الانتاج حيث انجز اكثر من 4000 عمل كان قد باع الكثير منها خلال حياته. كان سرجنت يتقاضى في المتوسط مبلغ 5000 دولار لكل بورتريه آنذاك اي مايعادل 130,000 دولار اليوم. وكان بعض عملائه الاثرياء يسافرون بزوجاتهم او عشيقاتهم من امريكا الى لندن للفوز ببورتريه يحمل توقيعه . وطبيعي ان تكتسبت اعماله شهرة وطلب اكثر بعد وفاته فقد بيعت احدى لوحاته قبل بضع سنين بمبلغ 23,5 مليون دولار. كان سرجنت ايضا ولوعا بالموسيقى وعازفا جيدا على البيانو وكانت له صداقات قوية مع مشاهير الفنانين في وقته امثال الموسيقار فرانز فوريه والرسامين ديكا ومونيه والنحات رودان.

570-GS9

في اواخر حياته ابدى سرجنت اهتماما خاصا بالجداريات خاصة عند عودته لوطنه الام امريكا. من الاعمال التي انجزها جداريات لمكتبة بوسطن العامة ولمتحف بوسطن للفن الحديث ولمكتبة جامعة هارفرد. توفي في لندن عام 1925 اثر مضاعفات قلبية وكان بعمر 69 عاما.

خاص بالمثقف

khadom shamhodكانت المدرسة الايطالية في عصر النهضة قد افرزت اساتذة عظام وآراء ومفاهيم قيمة في مسيرة تاريخ الفن واكتشافات مهمة وتجدبد في الفكر والفلسفة والتعامل مع اللون والخط والمساحة بروحية متطورة قضت على الجمود الذي كان سائدا في العصور المظلمة. ويمكن ان نميز في هذه الحقبة طريقتين في الرسم: الاولى هي استخدام الالوان النقية ومعالجة الظل من خلال اللون نفسه اي اذا كان اللون احمرا فظله احمر غامق، كما نشاهد ايضا هناك قطيعة بين الالوان المتجاورة . كما هو ماثل في اسلوب رافائيل 1483. وهذا الاسلوب النقي ظهر ايضا في المنمنمات الاسلامية ولكن مع الفارق في استخدام الخط والتسطيح .. اما الطريقة الثانية فهي تلامس الالوان بعضها لبعض بتفاعل وانسجام . وتمثلت في اعمال دافنشي 1452. وهو الذي دفع علم الضوء والظل الى اقصاه حيث قال: (... ان الاشياء التي تواجه العين تلمس بعضها بعضا في تتابعها التدريجي وفي اتصال لا ينقطع ...) وبعد قرون ظهرت النزعة الانطباعية 1872 على خط نظرية دافنشي ولكن هذه المرة مستمدة حركتها من علم نظرية الطيف الشمسي والادراكات الحسية بعيدا عن نزعة عصر النهضة المثالية .. كما شهدت المدرسة الوحشيه وزعيمها ماتيس تطورا ملحوظا في استخدام نقاوة اللون ونسبية الدرجات والشدة في الالوان .. هذه التيارات الفنية لعبت دورا هاما في تلك الظواهر الفنية التاريخية منذ العصر الكلاسيكي الى عصرنا الحاضر .. ونحن نذكرها لتكون مدخلا موجزا للتعريف باعمال الفنان العراقي فيصل لعيبي ..

 61-faysallaibi1

اللون عند فيصل:

في اعمال فيصل نشاهد استخدام الالوان بطريقة نقية حارة و قوية وتذكرنا باسلوب عصر النهضة ورافائيل وقد ذكر بعض النقاد ثلاثة طرق لاستخدام الالوان وهي : النقية والرمزية والغنائية .. ويضاف الى ذلك فاننا نجد تأثيرات الفنون الاسلامية من ناحية الالوان والتسطيح والزخرقة ظاهرة ايضا في اسلوب فيصل خاصة في ارضية اللوحة .. وتظهر الالوان في بهجة وراحة مما يجعل اللوحة تنبض بالحياة و الجمال .. فكلما كان اللون ثريا كلما كان العمل متكاملا. ليخلق السمو والراحة النفسية .. ولكننا من جانب آخر نرى الخط غائبا بشكل ملحوظ في اعمال فيصل الاخيرة ونحن نعلم بان الخط له دورا مهما في الايحاء بالكتلة او الشكل .. ولهذا فقد اخذت الالوان دور الخط في عملية التركيب للعمل الفني .. والتصوير الشرقي خاصة الياباني عادة ما يعبر عن الشكل بواسطة الخط الذي يخلق الانغام من خلال اللون المنتشر على المساحات المخصصة له ...

ينطلق فيصل باسلوبه من الواقعية المحورة ويمكن ان نطلق عليها بالتعبيرية ولكن تعبيرية هادئة مستقرة فيها الوجوه منتصبة ناظرة الى الرسام او المشاهد وبصمت مطلق .. وليس تعبيرية انفعالية تظهر فيها الفرشة منطلقة وضربات عفوية قوية كما هو حاصل عند ادوار مونخ 1863 و جماعة الجسر الالمانية 1905 .. وعندما سالنا فيصل عن السبب ان الوجوه اغلبها تنظر الى المشاهد وان بعضها متشابهة .. اجاب بان هناك في التراث السومري نجد مشاهد نحتية من هذا النوع ... كما تذكرنا اعماله الاخيرة بالفنان الفرنسي فرنان ليجيه 1881 . والفنان الكولمبي بوتيرو 1932 من ناحية دائرية شكل الوجوه او بيضويتها او تشابهها .. ولكن هذا النوع من الوجوه كان مألوفا في التراث الفني الاسلامي خاصة في مدرسة بغداد ورسوم الواسطي ...

 

الرومانسية عند فيصل:

61-faysallaibi2الرومانسية ظهرت بعد سقوط الامبراطورية الرومانية وقبل ظهور الفن الغوطي وكانت تمثل فن الاديرة والطبقة الاستقراطية وكان هناك تلاحم وترابط بين الاثنين لمصالح اقتصادية . وقد جاء ذلك في كتاب – الفن والمجتمع عبر التاريخ –لارنولد هاوزر - . واعتقد ان التاريخ يعيد نفسه اليوم حيث نجد ان بعض المعممين من الوعاظ خاصة في العراق قد استغلوا وجودهم في السلطة ليبنوا امبراطورية مشاريع ومؤسسات مبنية على حقوق واموال الضعفاء من الناس بحجج الاخماس والزكوات .....

ثم ظهرت الرومانسية مرة اخرى عام 1820 في فرنسا وانكلترا . ونجد هنا قد برز تياران من الرومانسية . الاول تمثل بمصورين اهتموا بالواقعية الشعرية الساكنة الموجودة في المرئيات والثاني هو تحويل الطبيعة سواء كانت حقيقة او خيال الى حركة مستمرة .. مثل المصور كونستابل 1776 وتيرنر 1775 ثم جاء من بعدهم ديلاكروا 1798 الذي حمل بصدق لواء الحركة الرومانسية .. بعض الاعمال عند فيصل تنتمي الى التيار الاول من الرومانسية حيث نجد فيها شاعرية ساكنة تمثل عالم المرئيات و المحسوسات فنجد هناك دقة متناهية في حركة الفرشاة او القلم تشعرنا بالروح الرومانسية .. اما تخطيطاته في الرسم فينساب فيها الخط برشاقة وجمالية عذبة وتعبيرية تنقلنا الى غنائية شعر عمر الخيام وصوفيته .. فيصل لعيبي متوع التقنيا والاساليب فهناك اسلوب فيه الشكل او الوجه محطم مقهور وممزق .. وهناك اسلوب الواقعية التعبيرية التي تتجسد فيها المواضيع العراقية والبغدادية الشعبية بالذات .. وهناك الاسلوب الاكاديمي الذي يخضع الى قواعد الظل والضوء والنسب الواقعية بمعنى النقل الحرفي .. وهذه الظاهرة نجدها عند عدد من الفنانين مثل بيكاسو حيث كان قد مارس اساليب كثيرة متنوعة حتى انتهى بالتكعيبية ..

 

فيصل الاعلامي:

كان فيصل اعلاميا وقد عمل في الصحافة منذ سنة 1966 الى سنة 1974 . فعمل في مجلة الراصد، طريق الشعب ¸عراق الغد، الثقافة الجديدة، وكان يرسم ايضا في مجلة الف باء وصحيفة الجمهورية .. ثم اشتغل في مجلة مجلتي وصحيفة المزمار في بداية ظهورها عام 1969 .. واشتهر في شخصيته المحببة - نبهان – التي حفرت صورتها في الذاكرة العراقية وقد طرب لها وغنى اجيال من الاطفال والشبان .. وكان لي الشرف ان اعمل معاه في المجلة وكنت كلما ادخل عليه في المرسم اجده يدندن وينشد مع نفسه الاغاني الشعبية ( يا الرايح البغداد كلة وخبره ...)

تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1968 واكمل دراسته في اكاديمية الفنون عام 1971 في بغداد وعندما حط في باريس عام 1974 درس في المدرسة العليا للفنون والسربون وتخرج منهماعام 1981 ثم انتقل الى روما وبقى فيها اربعة سنوات بعدها انتقل الى الجزائر عام 1989 ودرس مادة الفن في احد المدارس الى حد سنة 1991 ثم انتقل الى لندن .. في لندن اسس مع بعض المثقفين مجلة - المجرشة – عام 1992 .. وكان اول معرض له عام 1966 في بغداد ثم تبعه الثاني عام 1972 حمل عنوان – النساء والشاعر-. وفي عام 1971 ساهم في تشكيل جماعة الاكاديميين والتي كانت تتكون من الاستاذ كاظم حيدر وصلاح جياد ونعمان هادي ووليد شيت .. وقد اقام معارض كثيرة في انحاء مختلفة من العالم .. وفي عام 2009 صدر له كتاب عن اعماله وحياته يضم 508 صفحة بالالوان الجميلة والورق البراق آرت ويضم نخبة راقية وجميلة من اعماله المختلفة خلال مسيرته الفنية الطويلة التي زادت على الاربعة عقود ..

 

الموضوع في اعمال فيصل:

61-faysallaibi3فيصل له قدرة عالية وسيطرة كبيرة على التحكم في تخطيط الشكل واللون والانشاء ويعود الفضل الى دراسته الاكاديمية العميقة والطويلة وممارسته المستمرة في عمل الصحافة .. ولوحاته تنطق عن نفسها وهويتها ولا تحتاج الى عنوان . وتتمحور مواضيعه في المقاهي الشعبية والحلاق وبائع الشربة والنساء العراقيات بازيائهن التقليدية والشهداء . كما نجد هناك اعمال ذات طابع سياسي ونضالي تعكس عقود مظلمة مر بها العراق بعد الاطاحة بثورة 14 تموز عام 1958 . ولوحاته توثق ايضا مراحل تاريخية من العراق القديم . حيث نرى في اعماله ملامح من تراث وادي الرافدين تتجسد بالنظرات الثابته والعيون الواسعة والحواجب المعكوفة التي تذكرنا بمنحوتات كهنة سومر وبابل . كما نرى الزخارف الاسلامية تغطي ارضيات اللوحة بالوانها ونجومها البراقة المشرقة .. ونجد توهج في الالوان ونقاوة وطيب على الوجوه، وكأن الفنان يستعين بهذا اللون من المواضيع لاعادة الطمأنينة الى نفسه نتيجة للغربة القاسية .. يضاف الى ذلك فان فيصل واسع الثقافة وله بحوث كثيرة منشورة في مجال الفن والتاريخ . ويشرف على كثير من الندوات الثقافية في لندن وغيرها ... وقد التقيت معه في لندن اثناء اقامة معرضي في المركز الثقافي العراقي وكان لقاء ود واخاء كبير ... نتمنى لفيصل العمر الطويل والعطاء المستمر لانه يشكل بحق دائرة معارف في الفن والثقافة ...

60-firyalalaadamiفريال الاعظمي فنانة عراقية مغتربة حملت موروثها الثقافي طيلة ربع قرن وجالت بابداعها مدن الشرق والغرب فمن المتحف البريطاني في لندن عاصمة الضباب الى الولايات المتحدة.ومن دول الشرق الاوسط الى دول الخليج، لتحط الرحال في البحرين، وهذه المره بأستنطاق قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش فتسمي معرضها الثامن: (درويش، كيف أتلوعنك..؟ وأنت بمحراب الشعر امام..!).

60-firyalalaadami1ونحن نحاول ان نغوص في الكشف عن مكنون الابداع في مشروع الفنانة وأشتغالاتها المتميزة في تطويع الحرف العربي، نستذكر ما يرى (جوزيف كوست) من: أن الفن كمفهوم هو مجال تأملي عقلاني ونقدي، فهو بؤرة ﺍﻟﺘﻭﺍﺼل ﺒﻴﻥ ﻋﺩﺓ ﻤﻨﺎﻫﺞ، ﻜﺎﻟﻌﻼﻗﺔ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﺼﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﺭﺌﻴﺔ ﻭﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻤﻜﺘﻭﺒﺔ. لذا فأن الكيان التأملي هو ما تصبو له الفنانة بابداعها كمفهوم يعتمد على الدلالة التوثيقية فكريا لمنطوق ومدلولات الحرف ومجمل الجملة الشعرية عبر معايير جمالية تتوافق مع روح النسق الابداعي في جوهره ،فاشتغلت على بناء الحرف المنفرد كعنصر تشكيلي بنائي تشخيصي يجرد الجملة القولية من كونها مجال للتعبير فقط، الى بناء رمزي تعبيري تصوغها بمدلولاتها المنظورة والمضمرة .

60-firyalalaadami2معبرة عن ذلك في استخدامها للعديد من الخامات غير التقليدية في اللوحة المسندية بغرض الحصول على ملامس غريبة تستفز عين المتلقي، المتعود على القراءة للحروف والكلمات، اوجمل شعرية لها معاني محدده ومثيرة لما في نفسه من مدلولات.وذلك من خلال هذا البروز وانعكاس الظلال والضوء وروح اللون الطاغية بسطوعها، فاستطاعت بناء ابتكار جمالي من رموز اللغة وبناء عالم اقرب ما يكون الى السحر اللوني، الذي ينتمي لقيمة الحرف وقدسيته المتوارثه وروح المعنى.أنها مزجت بين نحت الشكل وتصويره في سلسلة أعمال عبر توظيف المساحات الهندسية الملونه توظيفا مثيرا لعين المتلقي. وبنزعة تبسيطية للشكل الغنائي في اللون،والميتافيزيقية في الفكر المجدد لروح الابداع. على خلفية استيطاق مكامن روح الشعر وتوظيفه جماليا ، ليكون رمزا وعلامة مكونة للغة تشكيلية ذات عصرية تجريبية مدهشه . تجاري ما يعطيه شعر محمود درويش من عذوبة وبساطة ، فهي تحاول جاهدة ان تدخل روح النص في الجملة الشعرية لدرويش في تجليات معاني الحرف. والمعروف أن قصائد الشاعر جمعت بتمكن ثلات ثيم وحولتها الى ابداع لغوي وهي الوطن والحب والام ..وهذا ما تبحث عنه الفنانة ايضا . فكان توالد الابداع بابداع مقابل ليكتمل في أطراف اللوحة .فحضرالوطن والزيتون ورمان حدائق بابل والقمر وحقائب السفر ومنديل الام وغيرها من مفردات درويش، حضرت بعنفوان وجداني عالي اكدت هذا التمازج والشعور المشترك بينهما.

60-firyalalaadami3فالفنانه في كل ذلك تحاول أكتشاف قوى الابداع في جوهر الموروث العربي اللغوي وتطويعه، فهي تشتغل على أن للحرف منفردا صورته الجمالية العينية الظاهرية مقابل صورته المعنوية الباطنية. فالمشخص هنا (وهو الحرف) لا تنحصر صورته بذاته فقط ولا بما ينطق ويؤول من معنى بل هو باطن يضمر روح المعنى . وهكذا نرى أن الاكتفاء بمحاكاة ظاهر الشيء لايقدم للمشاهد سوى الشكل السطحي للوحة تشكيلية غنية بالحروف والالوان و ما ان يقترب حتى تورطه في الغوص بعين المعنى فهي تؤول الدلالات والمعاني لتجعل من الافصاح عن روح المعنى مكنون في عدد الحروف وتقطيعها ككلمات تراكبيه لها مداليل مجتمعه .

فالفن عند (فريال الاعظمي) أذن، ليس فقط فن أغناء لموروث المتراكم المعرفي الذاتي، بل فن يذهب ليغني التراث العالمي بنفس عربي متميز مستمد من تحديث الجذور. ونرى بوضوح أن :المدلول الفني لأعمالها هو تبادل الادوار بين العلاقات التقليدية لفكرة ان الحرف للكتابة فقط وبين قيمته كمفرده في مشروع الحداثة في التعبير.

فتناثرالشكل الحروفي على سطح اللوحة الملونه ومن مختلف المواد المستخدمه من داخل التكوين الابداعي ، يولد لنا فنا آخر يمتلك روح من الخصوصية والمزاوجه بين الشعر والتشكيل، فنا لا يجهل ما ينجز من توافق بين الايدولوجية الجمعية وبين الابداع الفردي . حيث تقيم الفنانة وتركب مفرداتها الابداعية بين سكون ابداعي معاصر لا يخلو من تجريد حداثوي وبين انسجام مع روح الماضي الجمعي الخارج من عباءة المقدس المطلق الى رحابة الابداع الفردي..فالجمال كما يؤكد (أدورنو) (في ترابط ووعي ، بتشييد ما يحدث بطريقة غير متماسكة وغامضة في الاعمال الفنية) لكونها تستبدل مفهوم المقدس ورمزيته وتجعله يومي وقريب من الواقع ،أي تقربه من روح المتلقي البسيط وتغريه في المساهمة في عالم أكتشاف المتعة الجمالية. وخصوصا مع قصائد محمود درويش التي عشقها المتلقي وبقيت في ذاكرته.

تشتغل الفنانة فريال الاعظمي في تكوين لوحاتها على عنصرين غير متباعدين : الاول هو البعد الفراغي لفضاء اللوحة الممتد حتى الاطار، فعملت على الاستفادة من القدرة الجمالية لصراحة الالوان وقوة التضاد اللوني فمزجت الوانها بشكل يحمل روح الابهار الذي لا يبتعد عن روح الشرق بمدلولاته، اما العنصر الثاني فهو الجوهر التكويني للثيمة الحروفية المجسمه لبعد الحرف المنفرد والمتناثر على صدر اللوحة. وفردانية الحرف هنا اعطته قوة تعبيرية ، تضاف الى قوته كجزء من مدلول ثقافي لغوي للجملة التعبيرية التي اختارتها الفنانة مما ترك الشاعر من قصائد.

ويبقى هذا المعرض خطوة مهمه ومتميزة على طريق الحروفية العربية التي تحمل الفنانة همومها سنوات طوال. فهو قصة حب بين درويش والاعظمي شهودها الوطن والغربة ووليدها الحرف .

 

محسن الذهبي

ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا  

سؤال يراودني كما يراود الاخرين كيف جمع الفنان د كلش بين عنوانين متناقضين اي بين الحب والموت اوبين اللقاء والوداع وهل اراد ا الفنان من خلق صدمىة للمتلقي من خلال هذا التناقض قبل ان يشاهد العمل الفني او انة اراد ان يحدثنا عن وحدة الصراع ما بين المتناقضين وصولا الى المعنى الدرامي في الجسم الثابت اي اللوحة وعبر مفهوم المحاكاة للذات البشرية والواقع على حد سواء عبر عملية التامل الرومانسي وطغيان العاطفة وتسخير قوى الادراك العقلي والحسي لخدمة اغراض العاطفة كما اراد شتراوس وشيلي وشوبرام انها محاكاة عبر الانطباع الذهني وما يشعر به الفنان من عواطف هائجة اغلبها مترسخة في العقل اللاواعي واراد ان يتنفس بها ويعلن لجمهورة على انة موجود على الرغم من الوداع او الموت كلغة وتعبير عن التحدي للذات والواقع وكما اراد ديكارت او اندرية ومونية دعونا نتامل ونستقرئ اللوحة في جوانبها الموضوعية والتعبيرية والانطباعية وحتى الرومانسية ضمن مفهوم الشعور والحس

بعدما حدد لنا الدكتور كلش المحتوى اولا من خلال العنوان ثم بعد هذا تاتي الجمايات في اللوحة انطلاقا بان الموضوع الجمالي موضوع تخيلي تشترك في رسمة وتصورة الارادة الواعية والشعور والحس والحدس

عند التامل للوحة وضمن العنوان الذي اختارة الفنان د كلش حول موضوعة الحب القاتل او الوداع الاخير كعنوان ثاني للوحة فانةبالتاكيد سوف يحجم قدرة التخيل لل متذوق في الموضوعة من جانب ويطلق العنان للخيال والمخيلة ومراجعة الذات في نفس الوقت حول موضوعة الحب وكل ما يعترية من اسقاطات او تاملات على مستوى الشعور في عالمة الحسي والعقلي او ما بين العقل النظري والعملي ضمن التجربة الذاتية والمفاهيم الاخلاقية الموضوعية والنسبية وصولا الى حركة ذهنية للمتلقي وصراع ما بين المخيلة والمعرفة والارادة للفصل ما بين جمالية الحب والعشق والوداع الذي وضع بصمتة في الشعور واللاشعور اي في عمق الاجساد الميتة التي فارقها الحب تحت شعار الوداع او القتل وكما ارادة الفنان من تفجيرة لدى المتلقي والتي تبدا بالتنفس ك تنفس الصعداء على الذكريات المختزنة في العقل اللاشعوري اي عبر اللحظات المخزنة للوادع الاخير والذي شكل ويشكل لدى المحب المفارق ك رصاصة تنزف في الشعور واللاشعور لانسمع دويها بقدر ما نشاهد اثارها عند الانفجار او الانطلاق على حد سواء فاذا كانت جمالية المحب بكل معانيها الانسانية ترتبط بالشعور والذات الداخلية للفرد وصراعها اللامنتهي فاين تكمن الجلالة في العاشق التي جسدها د صبيح كلش في لوحتة والتي اطلق عليها بالحب القاتل او الوداع الاخير عبر الوعي الخيالي للفنان والذي قام بترتيب موضوعة بشكل استاطيقي حتى ارتفع به الى درجة اللاواقع عبر المزاوجة ما بين الاخلاق والجمال وصولا الى السلوك الواقعي عبر قيم الاخلاق التي تفرض الوجود في العالم عبر تفاوتها واختلافها ما بين الاجناس البشرية الا ان القاسم المشترك لها هو الفراق او الوداع او الموت كمافي روميو وجوليت وقيس وليلي ووووووووووووووووووووالخ

ولكي نبقى ضمن حدود اللوحة وما اراد الفنان التعبير عنة عبر الفرشاة والخطوط والالوان والكتل الفنية الموزعة ضمن حدود الاطار اذ احتل القلب في اعلى منتصف اللوحة الثيمة الاساسية للموضوعة لانة يمثل رمز الحب كما هو شائع اذ يمثل رمزا وتعبيرا وانطباعا لدى د كلش ومما زاد من قيمتة التعبيرية الجرج الذي كان على هيئة ثقب او دائرة وهو يتطاير في السماء بعد ان خرج من اجساد المحبين وهو ليس خروج نهائي بل هنالك ارتباط مع الجسد من خلال الاطار ا الثانوي الذي حددة الفنان بشكل متقطع وبهذا حدد المعنى لمفهوم الحب والوداع او الموت اي انه ليس خروج نهائي اذ لا يزال متشبت مع الجسد عبر مفهوم الشعور او اللاشعور عبر استخدام التشابة اللوني ما بين القلب والاجساد المتلاصقة للعاشقين على الرغم من وجود حاجز كبير يتجاوز مفهوم الصخرة التي وضعها الفنان في الجانب الايمن ومما زاد منعملية الامل في بقاء هذا الشعور هو استخدام الالوان الزرقاء والمطعمة بالوان اخرى تتناسق مع درجات اللون الازرق للسماء ناهيك عن الامتداد اللوني لظلال المعتمة للاجساد حتى تصل تلك الظلال الى مقدمة اللوحة وبهذة المعاني المتنوعة يصل هو المعنى الحقيقي لمفهوم التحدي عند الفنان د كلش الذي سبق ان اشرنا الية اي بمعنى ان كل الظروف التي يواجها الحب والفراق او الموت الا ان بصماتة تبقى راسخة في الشعور واللاشعور ويمكن ان تتفجر في اي لحظة عندما تتوفر لها الظروف كي تتنفس وتعيد الذكريات عبر المخزون السلبي والايجابي على الرغم من تركيز الفنان على الجوانب السلبية التي تقتل الحب او تضع له عدة حواجز من اجل الفراق او الوداع وبهذا المعنى الانطباعي لدى الفنان فانة يعكس صورة انتقادية عن المجتمع الذي يقتل الحب سواء عند ولادتة او بعدما ينعش الروح والجسد برعشة لا يدركها الا المحب والعاشق

وبهذا اجد بان د كلش قد وضع روحة وعشقة كي نرى تجاربنا المؤلمةعن الفراق والوداع عن لحظة من الزمن لا تزال خالدة في اعماقنا كخلود الفراعنة واعتقادهم ما بعد الموت

اتمنى التامل في اللوحة وبعنوانها لربما ستفجر لدى العاشق والمحب قصص وعناوين مختلفة

 

د طارق المالكي

https://www.facebook.com/tarik.almaliky.5https://www.facebook.com/tarik.almaliky.5https://www.facebook.com/photo.php?fbid=748531188516337&set=a.748686715167451&type=1&theater

 

 

563-orient1خلال القرن التاسع عشر، ونتيجة لشغف عدد من الفنانين والادباء الغربيين بالسفر الى مناطق الشرق الاوسط والاقصى وشمال افريقيا بوصفها مناطق مثيرة لحب الاستطلاع ومواطن لثقافات مختلفة لها تاريخ عريق، شاعت ظاهرة "الاستشراق" في الفن والادب واصبحت صنفا متميزا من صنوفهما.

563-orient5اهتم هذا الصنف بتصوير ووصف ودراسة الحياة الاجتماعية والتقاليد الثقافية والاحداث والمشاهد اليومية في تلك المناطق حتى اصبحت توثيقا وصفيا مباشرا لما يجري في الشرق بالاعتماد على تلك اللمحات السريعة والملاحظات الشخصية التي يسجلها اولئك الزوار اثناء ترحالهم. ولم ير احد في الامر ضيرا طوال قرن واكثرمن الزمن حتى ظهور كتاب "الاستشراق" للبروفسور الامريكي- الفلسطيني ادورد سعيد المنشور عام 1978 الذي كان انتقادا لظاهرة الاستشراق وبشكل خاص في مجال الادب، والادب الفرنسي بالذات.

563-orient2

فتوظيفا لافكار المنظر الماركسي الايطالي انتونيو گرامجي في نظرية الهيمنة الثقافية وطروحات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في المعرفة والنفوذ، ذهب سعيد الى وصف ظاهرة الاستشراق بانها انعكاس لفكر وثقافة السيطرة الاستعمارية الغربية على بلدان الشرق، الامر الذي جعلها تتجسد بمنظار الوصاية والاستعلاء حیث دأب المستشرقون الى وضع مجتمعات الشرق بمرتبة ادنى من خلال النظر الى مواضيعهم من علو. ورغم ان سعيد ركز على نتاجات الاستشراق الادبية لم تكن هناك اعتراضات فكرية بليغة حول نتاجات الاستشراق في الفن اذا استثنينا محاولة استاذة تاريخ الفن الامريكية لندا نوچلن التي اتبعت منهجا محاكيا لمنهج سعيد في معرض تحليلها الفني ولكن من منظار "انثوي".

563-orient3من الجدير بالقول هنا بان اغلب اعمال فناني الاستشراق كانت تصف مشاهد من حياة الشرق وكأنها منقولة بعدسات الكامرة. اي انها اعتمدت التوثيق المباشر بحكم 563-orient6اختلاف العملية الابداعية بين الرسم والادب الذي يعتمد على مدخلات الاديب الشخصية في العمل الابداعي كالتصور والخيال والموقف الفلسفي والسياسي ازاء الموضوع الذي يكتب عنه مما يجعل نتاجه اقل موضوعية واكثر ذاتية من عمل الرسام الذي يرسم المشهد كما هو وبموجب ما يرى امامه. وهذا لايعني بالضرورة ان اعمال الرسم الاستشراقية تخلو من رأي وتصور وموقف الفنان لكنها كانت بالمقارنة مع النتاجات الادبية اكثر موضوعية واقرب الى حال الواقع، وبالتالي اقل انطباقا على ما جاء به ادورد سعيد من استنتاجات.  

 563-orient4

خاص بالمثقف

بعيدا عن الاتجاهات الفنية واشكالها المختلفة وتعاقبها الزمني بحكم الزمان والمكان والظروف الموضوعية التي ساعدت على بروز كل الاتجاهات المختلفة كردود افعال على ما قبلها حتى اصبحنا امام اعمال فنية مختلفة باختلاف مبدعيها سواء كانت ضمن الاتجاة او الشكل الفني ناهيك عن تداخل تلك الا تجاهات في اعمال محددة اذ يمكن مشاهدة اكثر من عمل فني يضم عدة اتجاهات مختلفة من اجل ايصال المعنى الدلالي عبر الخطوط والكتل والاحجام والالوان والتي تتجاوز مفهوم الطبيعية والواقعية والفوتوغرافية عبر الرمزية والتعبيرية والسريالبة والتكعيبية ووووالخ وعلى الرغم من هذا وذاك يبقى الزمان والمكان واحدا من اهم اسرار اللوحة عند دراسة الزمنكاني من الناحية الفلسفية والميتافيزيقيا ونظرية المعرفة والفيزياء والسايكلوجية وتحديد تلك المعاني سواء كانت نسبية او مطلقة وحسب طبيعة اللوحة والاتجاة الذي تخضع له عند الدراسة والتحليل فاذا كان المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي للسطح الظاهر من الجسم المحوي ضمن مفهوم الخاص والعام وبهذا يمكن ان نحدد المكان هنا في اللوحةعلى انه الالوان والخطوط والكتل الموضوعة على قطعة القماش لغرض استقرارة في السطح كمفهوم مكاني الا ان الزمان يمكن ان ياخذ مناهج مختلفة عند دراستة منها الزمن الذي يستغرقة الفنان في اكمال اللوحة وكذالك زمن العرض وزمن الموضوع والازياء وهكذا بالنسبة الى مفهوم الزمان الجاري والمتدفق من الناحية الفلسفية او الطبيعية

ومن يتابع النشاط الابداعي للفنان د عاصم فرمان المنفرد في الغاء الزمنكاني في اغلب اعمالة الفنية ولانعني هنا الامكنة الادراكية التي تحدث عنها السايكلوجين الادراك اليصري او السمعي او اللمسي ولا من حيث الهندسة اللااقليدية والابعاد الثلاثة بل من حيث المكان المطلق او المثالي المعير عن الذاتية والموضوعية باعتبارة جزء لا يتجزا من الواقع ومعاناتة المختلفة ضمن المنهج والاسلوب المعير عن ذالك الواقع المرير بكل ابعادة اللاانسانية من حيث القتل والدمار والتهجير والصرخات التي تدوي في كل ركن من اركان ذالك الواقع المؤلم

وبعيدا عن الاراء الفلسفيةكالمذهب الهيولي او اراء الرواقيون او الايليلة وغيرها من النظريات والاراء وكذالك الامر من حيث ماهية الزمان والفاظة المختلفىة اذ ان الزمان والمكان لدى د الفرمان يتجاوز مفهوم الفوتوغراقي بغض النظر عن طبيعتة واسلوبة الا ان يبقى تجسيدا للحظة زمنية محددة لاطار مكاني ضمن حدود العدسة المستخدمة على الرغم من انه فن ذو بعدبن

 

ما هو السر الذي يمتلكة د عاصم فرمان في الغاء الزمنكاني

ان السر الذي يمتلكة د فرمان ليس من الطواطم التي يصعب فك طلاسمها او من الاساطير التي تجمع ما بين الخرافة والواقع او من الالغاز التي تحتاج الى تامل ومعرفة ادراكية بل ان السر يكمن في استخدام الوجوة البشرية او الراس تحديدا كمايقول عنة د فرمان ان الراس هو القيمة الاساسية لاعلب اعمالي كونة خلاصة الانسان بمشاعرة واحاسيسة وهو كذالك مستودع الذكريات والامال والاحباط وصدق ديكارت عندما قال انا افكر انا موجود او كما قال اندرية انا احس اذن انا موجودوانا اتفق مع راي د فرمان بان الراس يمثل العمود الفقري للكائن البشري سواء على مستوى الادراك المعرفي او على مستوى المشاعر والاحاسيس فاذا كان علماء النفس يركزون على لغة العين باعتبارها الباب الحقيقي للكشف عن المكنونان الداخلية عبر الشعور او اللاشعور فقد تجاوز د فرمان هذا المفهوم وجعل من الوجة اوالراس هو الاداة او رمز للتعبير عن الانسانية في زمن فقدت الانسانية شكلها ومضمونها في اغلب الاحيان ناهيك عما يعايشة وبتعايش معه الفنان وبشكل يومي حتى تحول الى بركان هائج من الصراعات المتداخلة وعبر عنها بخطوط ملتهبة تشعرك بحرارتها وصداءها المدوي حتى من كان به صمم او تبلدت مشاعرة الانسانية متجاوزا ومحددا مفهوم الزمان والمكان بشكلة النسبي او المطلق ولهذا نجد من الكتل الصغيرة في الراس ك الانف والفم والعين والاذن تعمق المعنى الدلالي للتعبير عن خلجات الانسان والفنان على حد سواء لهذا اصبحت الخطوط والكتل المتعرجة والمنحية تحمل معاني ودلالات مختلفة في كل وجة بشري ضمن البنى التكوينية للوحة بوجة عام اذ ان كل بنية تحمل معنى ودلالة مختلفة عن غيرها وان مجموع او توافق او تناقض البنى الصغيرة للوجة البشري ينتج عنها معنى ودلالالة جديدة لا تربتبط بالمعاني الصغيرة فحسب بل انها ترتبط بالزمان والمكان المحدد والمطلق لمفهوم الانسان والانسانية اذ ان الزمان هنا قد يكون ادراكي او محسوس شعوريا او لا شعوريا اذ قد يمثل الماضي او الحاضر او المستقبل والمكان كذالك يمكن ان بكون هنا و هنالك او جزء من الذاكرة الانسانية اي في كل بقعة من بقاع الارض الا اننا لا يمكن تحديدة بشكل واضح وصريح اذ انة من باب اللازمن واللامكان او الزمان والمكان الافتراضي الواقعي وليس الخيالي او التخيلي الافتراضي وبهذا تجاوز د فرمان حدود الزمان والمكان في بناء الموضوعة الفنية على الرغم من الذاتية والموضوعية في عملية الادراك والحس والشعور الذي ينتاب الفنان ضمن الواقع الذي يعيشة و ليس عبر جماليات اللون او غيرها من العناصر الجمالية المستخدمة في الفن التشكيلي او عبر المحاكاة المثالية او الواقعية او الرمزية بل هي محاكاة الذات الداخلية للكائن البشري وصولا الى مرحلة التطهير سواء كان هذا التطهير ايجابيا ام سلبيا وفي كلا الحالتين يتخذ الانسان او البشرية عموما موقف وهذا ما سعى الية د فرمان دون ان بقرض رايا او يصادر افكار المتذوق عن غيرة بل انه ينقل حالات انسانية تتجاوز مفهوم اللانسانية في القهر والعبوديى والالم والقهر والاصطهاد وكل ما يمكن ان يقال ولا يقال في مسخ انسانية الانسان في هذا الزمن وبترك المشاهد في حرية مقيدة من الصراعات الداخلية ما بين الشعور واللاشعور او ما بين المكبوت اللاشعوري والادراك المعرفي وبهذا تتحول روح الفنان الى مراة حقيقية يمنحها د فرمان الى المتذوق كي يرى عالمة الداخلي والواقعي على حد سواء وانا بدوري لا احب مصادرة افكار المتذوق عن غيرة واتركة للتامل في اعمال الفنان د عاصم الفرمان ومنها هذه اللوحة التي جمعت في طياتها كل المعاني والدلالات عن مفهوم الانسان المعاصر المستلب بكل انواع الاستلاب وربما يستنتج المتذوق معاني ودلالات اخرى لم يسعفني الادراك المعرفي من استنتاجها عبر تجربة واسلوب جديد يضم مئة راس في معاني ودلالات مختلفة مستلة من الوافع ومعبرة عنه باسلوب فني

 

د. طارق المالكي

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=842310112463661&set=ms.c.eJw1yckJADAMA7CNSk7H3n~_xQmifQqxIExmFBOtwrVoPn0fytGyt3dz3

4d9YN54jegQxL6KaE1M~-.bps.a.842308972463775.1073741881.100000540408179&type=1&theaterhttps://www.facebook.com/photo.php?fbid=842310112463661&set=ms.c.eJw1yckJADAMA7CNSk7H3n~_xQmifQqxIExmFBOtwrVoPn0fytGyt3dz34

d9YN54jegQxL6KaE1M~-.bps.a.842308972463775.1073741881.100000540408179&type=1&theater

 

 

58-jihanmohamadali3المرونة في الأحساس تطور يضيف للعمل الفني جمالاً

من عفرين حيث الطبيعة الساحرة في سوريا الى فضاءات أوربا (النمسا) حيث العوالم الفنية التشكيلية تحاول الفنانة جيهان محمد علي أن تجد لها اسلوبا خاصاً مبتكراً في الفن التشكيلي وهنا نحاول ان نشمل الجزء المهم الذي يسلط بدوره على الأجزاء الأخرى في العمل الفني وهو دور رؤية المرأة، فالمرأة صوت الحياة ولوحة الواقع بكل ألوانه الطيفية وعندما يمتزج اللون بالفصول الأربعة يكون تاريخ أرض ووطن وأنسان مهما يكن مهاجراً، مغترباً رغم أصبحت صورة الهجرة والغربة داخل الوطن أصعب وأقسى من الهجرة والغربة خارج الوطن، الفن بكل معطياته يجسد واقع قد يكون غريباً أو قريباَ منا، فكل الثورات الفنية لها مؤيديها ومعارضيها وثورة الفن قائمة بذاكرة متقدة عبر تحولات زمنية مرتبطة بأبسط المدلولات اليومية بحس مرهف وأدراك واعي، عندما يستفيق الفنان وفي ذهنه الفني رؤية فنية متجلية يقف أمام المساحة البيضاء التي تكون مطيعة لرؤيته وألوانه وفرشاته وأدواته وأسلوبه، يحس أنه أمام عمل فني يحتاج الى أحضار الأيحاء الروحي والأحساس والذاكرة المتقدة وحضور الخبرة الفنية والتقنية العالية في التعامل مع كل هذه الموجودات الذهنية الفنية وهنا بوسع الفنان ان يميز أن يكون أو لايكون كونه يجمع كل خيوط الشمس للعمل الفني، رؤية المراة واحساسها يلعب دوراً مهما في بناء الصورة الفنية بمرونتها الجميلة، فالمرونة في الأحساس تطور فكري يضيف للعمل الفني جمالاَ وبريقاَ .

58-jihanmohamadali2الفنانة سندريلا الخريف جيهان محمد علي أدركت ماتريد برؤيتها وأحساسها المرن بالأشياء ففعلت ماتريد لتسعد القلب والروح حتى لوكان بسرعة البرق، لوحاتها تصرخ بصمت لتقول مالايقال بوجه المجتمع والواقع وتتمرد بقوة بوجه الخطايا، لأن نبع الخطايا من رحم المجتمع كما قال الدكتور أحسان عبد القدوس (الخطايا لا تولد معنا لكن المجتمع يدفعنا إليها ...)، أسلوبها الضمني للألوان للأحساس للفكر هي الروح المغتربة عن الوطن عن أماكن الطفولة والحنين أليها، عن هذا العالم المتناقض، ألوانها أسلوبها يعبر عن رؤيتها عن ما بداخلها، في لوحاتها ترى المرأة حلم، ولادة، سندريلا الخريف، تمرد، صرخة، وهيام في الواقع واللاواقع في الوجود واللاوجود، في أغلب لوحاتها تعلن المرأة أساس الحياة ونورها ودفئها وحنانها رغم التسلط الذكوري ظاهرياَ، فلا يمكن مسح دور عظيم كدور المرأة في الحياة مهما كلف الأمر، كلما نضجت المرأة وازدادت نضجاً أحتوت كل المكونات والمحركات الفعلية للقدرة على التغيير والعطاء، وعطاء المرأة لاينضب مهما كانت قسوة الغربة وألامها وجراحاتها التي تشكل تكوين الفنان وتجعله أكثر أحساساً ورؤية،

58-jihanmohamadaliفمن محراب الغربة يولد الحلم والأمل والعطاء، تحس في لوحات الفنانة المتألقة جيهان ألوان متميزة تسرق النظر وعناصرها منقاة برؤية جمالية عالية وأشكالها تعلن عن وجودها وجزيئاتها المتقدة تنصهر مع الألوان لكنها كالجمرات تبث حرارة ولظاً تشعر المتلقي بالدفء والحنان وكبلورات الثلج الصغيرة تبث البرودة حسب مضمون اللوحة، كالشاعر عندما يصور في قصيدة حالات البركان ولهب النار وفي صور شعرية أخرى الأمطار والثلوج والضباب تذهب التصورات والاحساس الذهني الى هنا وهناك، يتجلى هذا الأيحاء والرؤية والتماثل بين الرسم والشعر هوأيحاء كامل متشابه في كل منهما مع أخذ النظر في الأدوات المستعملة المختلفة لكل منهما وقد يكون نجاحهما تشابه في الفكرة والمضمون وربما يتعلم أحدهما من الآخر أيحاءاً، ويستند ويؤازر بعضهما بعضاً وجوهر الأمر أن الفن واحد والأساليب والأطر مختلفة ولكل فن له عالم خاص به ولايمكن أن يحل محل الفن الآخر، فالرؤية الفنية والتقنية والشكل والمضمون والخبرة تحتاج الى أحساس يقظ ومشاعر راقية وثورة داخلية لكي يتجلى العمل الفني كما يراد له زاهياً منفعلاً مؤثراً، فأختيار الوسائل الفنية يجب ان تكون برؤية صحيحة غير ضبابية وبضوابط وهذا من شأنه أن يعزز العمل الفني المنظم أكثر من الأسراف في الوسائل فالوسائل المثالية المختارة كالخط ودرجة اللون والمزج وقيمتها وتأثيرها واللون نفسه والمساحة وهي غير متحررة من المضمون والرؤية وبناء الشكل الفني يحتاج بالضرورة الى عمق في التعامل مع أدق التفاصيل وهذا الذي أحست به الفنانة المتألقة سندريلا الخريف جيهان في التعامل مع أدواتها ووسائلها الفنية ورؤيتها الجميلة جازماً برأيي أن وجه المرأة وملامحهها ونظرتها وتقاسيم وجهها وشعرها له أثر فني كبير يؤثر مع أجزاء المضمون الفني بأختلاف وجهات المدارس التشكيلية المختلفة، ماتوحيه الفنانة سندريلا الخريف جيهان هو أنقلاب على الذات والمجتمع والواقع لأيجاد منقذ ما حتى لو كان مركوناً في الخيال الفني لإيقاظه من سكونه ووحدته وبعده وظلامه، والخريف هنا ليس وهناً كما يظن البعض بل له عطاءه الروحي والمعنوي والظاهري ومؤثر في الحياة بشكل كبير أكبر مما يتصوره العقل ويحس به القلب وتذوب فيه الروح، والخريف بألوانه وهدوئه له جمال ساحر خاص حتى النسمة فيه حنونة، حلم المرأة وجمالها ورؤيتها وثورتها وتمردها الجسدي والفكري والروحي كأنثى ناضجة تخرج من الواقع، فالخروج من الواقع المؤلم أنقاذ للروح للقلب للأحساس ولو لمدة ولحظات قصيرة، رؤية المرأة بكل مكنوناته وشكلها تصور الوطن الواقع الجبل البحر الغربة الدفء الحنان بفصول السنة كاملة بلا وهن وانكسار، وسندريلا الخريف الفنانة جيهان أيقضت الرؤية الجميلة للفصول الغائبة عن نظر الأنسان بكل جمالها وآلامها فهي واعية بكل الطرق الفنية التي تتطلع فيها الى العالم وتستوعب ماتحس به وتشعر به أن كان قريباً او بعيداً، تأثير لوحاتها مميز في الطبيعة والأماكن والأشخاص والألوان هذا فضلاً عن الواقع المؤثر جمالياً وسوداوياً، فهي من الفنانات المحظوظات الأقوياء صاحبة الأصرار العنيد التي تمكنت من أجتياز مراحل الحياة دون الأرتكاز لمرحلة معينة دون الأخرى بقدر ماهي مرور ذهني فني لها بحيث يدفع بالفنان الى الأمام والفنان لايدثر برداء حب الذات النرجسي لأن عمله الفني بمضمونه هوحالة تحويل لنفسه بهذه الدرجة وتلك ترتفع وتقل أحياناً، الفنانة سندريلا الخريف جيهان تحب عملها برؤيتها الخاصة فتندفع أندفاعاً أبداعياً أصيلاً وتهيمن عليه بهيمنة خلاقة حقيقية وتعلم بموهبتها ورؤيتها كيف تصيغ لوحتها لتحمل العالم على منح فنها ميزة الشرعية والتألق والأبداع والصدارة رغم كل الفصول .

 

............

• الفنانة سندريلا الخريف جيهان محمد علي من منطقة عفرين في سوريا عام 1972م

• أقامت أربع معارض في سوريا

• مقيمة في النمسا

• أقامت ثلاث معارض في فيينا

• أقامت معرضان في أقليم كيرنتن

• شاركت في معارض جماعية مع فنانين من دول العالم

• لها أسلوب خاص في الفن التشكيلي

 

521-liberty2"الحرية تقود الشعب" او "الحرية تتقدم الجموع" هو عنوان اللوحة الخالدة التي رسمها عام 1830 شيخ الرومانسيين الفرنسيين يوجين ديلاكروا (1798-1863) تخليدا لانتفاضة الايام الثلاثة الحاسمة بين 27 و29 تموز عام 1830 والتي اعتبرت بمثابة الثورة الفرنسية الثانية بعد الثورة الاولى 1789-1794. كانت هذه الانتفاضة من اجل الحفاظ على الحرية الدستورية التي سوفها چارلز العاشر والتي ادت للاطاحة به بعد ان ثار الشعب وفرض ارادته.

521-liberty

مثـّل ديلاكروا فرنسا عموما والحرية الفرنسية بشكل خاص بأمرأة جميلة ثائرة متحررة عارية الصدر وحافية القدمين تحمل بندقية بيد وعلم الثورة الفرنسية ثلاثي الالوان باليد الاخرى. وقد حرص ان يتشكل انشاء اللوحة هرميا حيث ترفع الحرية في رأس الهرم سيادة الوطن واستقلاله لكنها تنبثق من قاعدة عريضة قوامها التضحيات ممثلة بجثث الشهداء الذين سقطوا من اجل الوطن فيما يؤازرها الثوار من الجانبين بتعددية واضحة بين البسيط والمثقف والفقير والمتمكن والصغير والكبير والعسكري والمدني حيث تذوب كل الفروقات امام الولاء للوطن. ورغم ان ديلاكروا كان عضوا في فصائل المقاومة الوطنية الا انه لم يحمل السلاح في الثورة. وكان قد كتب لاخيه بعدئذ قائلا: ولانني لم اقاتل من اجل وطني فانني ارسم بحماس من اجل وطني".

521-liberty4يرى بعض نقاد الفن ان ديلاكروا وضع نفسه في اللوحة ممثلا القطاع الثقافي وكفاحه من اجل الحرية وهو الرجل ذو القبعة العالية الى يمين المرأة، فيما يرى آخرون ان ديلاكروا عمد فعلا الى تمثيل المثقفين في اللوحة لكن الرجل ذو القبعة العالية لم يكن ديلاكروا نفسه بل المخرج المسرحي أتين أراگو وبعضهم قال انه فريدريك فيلو الذي اصبح بعدذاك امينا لمتحف اللوفر.

521-liberty3مع مرور الزمن اصبحت لوحة ديلاكروا هذه رمزا للثورة الفرنسية بل اصبحت ايقونة عالمية للحرية الهمت العديد من الفنانين والشعراء والكتاب في كل مكان خاصة في قضية الترميز للحرية بالمرأة الجميلة الثائرة. يقول النقاد ان تمثال الحرية الامريكي الذي انجزه النحات الفرنسي بارثولدي عام 1886 كان من وحي هذه اللوحة بتجسيده الحرية بامرأة تحمل مشعلا بيدها اليمنى وترفعه عاليا. كذلك يرى بعض النقاد ان فكتور هيوگو اختلق شخصية الفتى گافرك في رواية البؤساء بوحي من الفتى الثائر في اللوحة الذي يحمل مسدسين. ولاشك فان فناني القرن العشرين خاصة اولئك الذين خلدوا الثورة السوفيتية والصينية وبقية الثورات الاشتراكية استخدموا مفردات المرأة والعلم والمشعل والسلاح والشهيد وتقدم الجموع بشكل انسجم كثيرا مع لغة وترميز ديلاكروا في هذه اللوحة

 

خاص بالمثقف

516-venus2من اشهر لوحات عصر النهضة لوحة "مولد فينوس" The Birth of Venus التي رسمها عام 1486 الفنان الايطالي ساندرو بوچيللي Sandro Botticelli - 1445-1510 بتكليف من لورنزو مديچي Lorenzo Medici احد اعيان عائلة مديچي الفلورنسية الموسرة والمتنفذة آنذاك.

516-venus1

كان لورنزو مديچي يعتبر نفسه سادنا مخلصا للمشهد الثقافي في فلورنسا، وكان من مظاهر رعايته للثقافة ديوانه العامر الذي يلتقي فيه كبار الشعراء والادباء والفنانين ليتداولوا في مختلف شؤون الثقافة. في عام 1486 وجد لورنزو نفسه مفتونا بقصيدة من قصائد الشاعر الرقيق انجلو پوليزيانو Angelo Poliziano التي كانت تصف جمال ورقة فينوس التي خرجت من البحر في يوم خريفي صاف حملت فيه النسائم الناعمة دفقا من اوراق الشجر الذهبية والزهورالملونة، فيما ظهر اله وآلهة الريح زفير Zephyr و أورا Aura لينفخا فينوس وهي عائمة على صدفة سكالوب فيأخذانها الى الشاطئ حيث الحورية التي ستقدم لها الرداء لتغطية مفاتنها.

516-venus3من فرط افتتان لورنزو بالقصيدة الجميلة دعا صديقه بوچيللي لتحويلها الى واقع تراه العين فيكتمل الابداع بين الكلمة والصورة. وهكذا جسد بوچيللي بامانة ومهارة عالية ما كان في القصيدة من وصف عن قدوم فينوس الى الارض ، وهو الامر الذي جاء متوافقا مع الميثولوجيا الرومانية واعمال اشهر الادباء امثال فرجل Virgil وهومر Homer وهيسود Hesiod.

516-venus4يذهب نقاد ومؤرخو الفن الى ان قصيدة پوليزيانو ولوحة بوچيللي جسدتا بامانة فلسفة الحب الافلاطوني التي صورت فينوس كآلهة للحب والجمال في مظهرين: مظهر سماوي ملائكي يبعث الحب الطاهر في القلب والضمير ومظهر دنيوي يثير العاطفة ويشعل الشهوة في الجسد، وهذا مالايبتعد عما قاله افلاطون بان اشباع الرغبة في جمال الجسد يلهم العقل ويبث فيه الحب الروحي. ولاشك فان مغزى تقديم الرداء من قبل الحورية الى فينوس هو ايذانا بقدومها الى الارض حيث يكون من المناسب تغطية مفاتنها انسجاما مع دورها الدنيوي.

zouher sahebيُكتب إسم سومر بالعلامات (ki - en – gi)، والدلالة العلامية للنص، هي أرض سيد القصب، والمهيمن في دلالة الملفوظات هنا، هو الأله (إنكي) إله المياه، ومرجعيات الخطاب هي خاصية بنية البيئة السومرية، إذ ولدت الكلمة الأولى (متخفية) بين أحراش القصب والبردي. ويقترح المرحوم العلاّمّة (طه باقر): "بأن أول النصوص الملحمية التي وردَ فيها إسم السومريين، كان في ألقاب ملوك حضارة بلاد الرافدين، وهو لقب (ملك بلاد سومر وأكد).. إذ إتخذ هذا اللقب الملك السومري (أوتو ـ حيكال) الذي طرد الغزاة الكوتيين وحرر البلاد منهم" (طه باقر، 1973، ص58).

وكتب أحدُ المؤرخين السومريين، إن كتابة (التاريخ) تعني حفظ إبداعات الإنسانية من الضياع. وذلك كشف فكري عظيم في جدلية كتابة التاريخ. فبالأضافة لتوثيق التاريخ بدلالة الفن، كانت لدى السومريين (أثبات) تلخص أسماء الملوك وسني حكمهم. ومن المؤسف أنهم لم يعلنوا عن نهاية زهوهم الحضاري، الذي إفترضنا بدايته تجاوزاً في (3500 ق.م). وربما كان ذلك يحزنهم، فلو سألت أحدهم: مَن الذي أقام هذه الحضارة على أرض الرافدين؟ لأجابك لا أدري، ربما بناها الجميع. ومع ذلك، يمكننا ان نحدد نهاية عصرهم الذهبي وهيمنتهم السياسية في (2370 ق.م)، عندما إعتلى (سرجون) الأكدي عرش الحكم.

ومع ذلك فأن الثراء الفكري السومري، بصدد الكم والكيف، لا توقفه حدود مصطنعة، إنه أقوى من أن يَقف عند حدود، فهو مُلكُ الأنسانية وإرثها الحضاري، الذي مازال حياً ومتحركاً حتى هذه اللحظة.

أقترن ظهور المدن السومرية بفكرة نشوء العمران الحضري، ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا أكدنا القول، أن الحضارة السومرية تفردت بأول ظهور لنظام دويلة المدينة، على أنه أول شكل من أشكال الحكم في التاريخ البشري. لنمو فكرة المواطن والمواطنة والولاء الأعظم لدويلة المدينة.

والمدن السومرية كالوركاء في المثنى، وأور في الناصرية، ونفّر في الديوانية، ولكش في الشطرة، وكيش شمال بابل وغيرها الكثير، إذا قِيست بمدننا اليوم كانت صغيرة، ولم تنقطع الصلة بين سكانها وبين الأرض، بل الأمر بالعكس، كون معظم السكان يسترزقون الحقول المحيطة بهم، وكلهم يعبدون آلهة تمثل قوى الطبيعة، ويساهمون جميعاً في شعائر وطقوس يحيونها عند نقاط التحول في الفصول الزراعية. وعلى هذا المنوال إنتظمت حياة الجماعة بموجب كم متوارث من التقاليد والأعراف، التي أصبحت بعد نجاح تطبيقها مقبولة ومرغوباً بها من قبل الجميع كونها إستهدفت النفع العام.

وبلغ محيط مدينة الوركاء – عاصمة البطل كلكامش – زهاء تسعة كيلو مترات، ومساحتها تجاوزت الستة كيلو مترات مربعة، وعدد سكانها تجاوز مائة ألف نسمة. وقد نُظّمت المدينة حضرياً، لتشمل ثلاثة مراكز رئيسية، أهمها حارة المعابد في مركز المدينة. وتلتف حول مقترباتها الأراضي الزراعية الخصبة، التي تقطّعها أعداداً كبيرة من القنوات المائية إلى أجزاء. أما القسم الثالث فهو ميناء المدينة، الذي تنتظم الفعاليات التجارية فية. وهي بذلك تشبه التخطيط الحضري لأي مدينة عراقية لعهد قريب.

ولنا أن (نتصور) التخطيط الحضري لدويلة المدينة السومرية، التي يقّسّم مساحتها عدد من الشوارع الفسيحة والأزقة الضيقة، وقد بُلّطت إرضياتها ورصفت بخليط من الرمال والحصى الناعم، الذي اكتسب صلابته مع مرور الزمن، ليكون مناسباً لسير العربات السريعة ذات العجلات الخشبية. وقد توزع بانتظام على جانبيها - الشوارع - عدد من الحارات السكنية، حيث نموذج البيت السومري المُشيد من اللِبن، وتتوسطه عادة ساحة مكشوفة تتوزع حولها غرف السكن.

وأجمل أجزاء المدينة السومرية كان مينائها، الذي تتجمع فيه السفن بأشرعتها الملونة، وتتلاقح الثقافات وتختلط. و يهمنا هنا أن نورد قصيدة شعرية سومرية تصف جمالية المدن السومرية وعلى الأخص مدينة (نفـّر):

 

أنظر تماسك السماء والأرض (المدينة)

أنظر الجدار الجيد (المدينة)

أنظر (أيداسالا) نهرها الصافي

أنظر (كراكرونـّا) مرفأها الذي ترسو

عليه السفن

أنظر (بولال) بئر مائها العذب

أنظر (أدنبردو) قناتها النقية

أنظر (إنليل) عريسها الشاب

أنظر (ننليل) عذراءها الفتية.

 

وفي ملحمة (كلكامش) الخالدة، يَرد نصاً يصف بشاعرية جميلة، جمالية دويلة المدينة السومرية:

أنظر يا أنكيدو سور الوركاء الخارجي،

تجد أفاريزه تتألق كالنحاس، أجل يا أنكيدو

تعال إلى أوروك المحصنة، حيث يلبس

الناس أحلى الحِلل، وفي كل يوم تقام

الأفراح في أسواقها كالعيد.

 

وفي بلاد سومر نشأت أول أنظمة الديمقراطية في العالم، ففي دويلة المدينة كانت السلطة السياسية العليا والقضايا التشريعية بيد مجلسين، هما الشباب والشيوخ، وينتخب أعضائهما عادة من الشعب. إلا أن حرية الأفراد لم تكن مطلقة في كل الأحوال، وإنما تسير ضمن حدود النظام، إذ حفظت حقوق المواطنين ضمن سلسلة طويلة من الشرائع القانونية. وحين عزم كلكامش وصديقه أنكيدو القيام بسفرهم البعيد، لقتل (خمبابا) حارس غابة الأرز. خاطب مجلس الشيوخ في مدينة الوركاء قائلاً:

إسمعوا ياشيب (شيوخ) أوروك ذات الاسواق، أُريدُ أنا كلكامش أن أرى مَن يتحدثون عنهُ، ذلك الذي ملأ إسمه البلدان بالرعب، عزمتُ على أن أغلبه في غابات الأرز، وسأسمع البلاد بأنباء إبن أوروك، فتقولوا عني: ما أشجع سليل أوروك وما أقواه.

 

ثم خاطبه شيوخ أوروك قائلين:

عسى أن ينصرك إلهك الحامي، وعسى أن يُرجعك سالماً في طريق عودتك إلى بلدك، ويعيدك سالماً إلى ميناء (أوروك).

 

ويوصف الأقتصاد السومري في كثير من الأحيان، بأنه إقتصادٌ زراعيٌ، إلا إنه كان يقوم من ناحية أخرى على الصناعة. لان القوانين التشريعية السومرية، كانت قد قدّمت لنا وصفاً للعديد من الصناعات والحرف اليدوية، كأعمال الصياغة والتطعيم والطرق على النحاس وإنجاز الأسلحة الحديدية والذهبية، وإبداع أشكال العديد من الأواني الذهبية بأساليب الصب المتنوعة. ويؤيد ذلك خطاب الإلهة (عشتار) إلى كلكامش بعد عودته منتصراً من مغامراتهِ في غابات الأرز:

ستكون أنت زوجي وأكون زوجتك، سأعدّ لك مركبة من حجر اللازورد والذهب، عجلاتها من الذهب، وقرونها من البرونز، وسأربط لجرها (شياطين الصاعقة) بدلاً من البغال الضخمة.

ومن موانئ المدن السومرية، تحركت السفن الشراعية مُحَّملةً بالتمور والحنطة، نحو دَلمون (البحرين حالياً) ومگان (عُمان حالياً) وحتى الهند، لجلب الذهب والنحاس والأحجار الكريمة الملونة، مقايَضةً بما تحمله من بضائع ومواد غذائية. وفي نفس الآن إنطلقت العربات السريعة وقوافل الأفراد نحو أفغانستان وإيران وجنوب تركيا، لإحضار ما تتطلبه المعتقدات الفكرية المرتبطة بعالم ما بعد الموت، وما تحتاجه أبنية المعابد، وكذلك أعمال الفنون التشكيلية من خامات ذات بريق سحري. لعلها تجد حَلاً لأشكالات الفكر السومري الذي أعياه قلقه الوجودي. ولعل ظهور بعض الأختام الأسطوانية السومرية في تلك الأماكن النائية، يمكن أن يجد تعليلاً لهذا النوع من الأتصالات التجارية.

"هو الذي رأى كل شيء، فغني بذكره يابلادي، وهو الذي عَرفَ جميع الأشياء وأفاد من عِبرها، وهو الحكيم العارف بكل شيء". مطلع ملحمة كلكامش، والذي يشّفر كنظام من نسق العلامات في قراءتهِ الأفقية، عن بنية الفكر (الأبستمولوجية) وإهتمامه بالمعرفة. شعب (سومر) أوجد نظام الكتابة الصورية، ثم إختزلها الى رموز معرفية، وأوصلها الى نظامها الصوتي المقطعي، حيث ترتبط دلالة الصوت بوصفه (دالاً) بالمفاهيم الفكرية المتحركة في بنية الفكر السومري كقيمة (مدلول).

شعب سومر الرفيع الثقافة، أوجَد نظام السُّلّم الموسيقي، وإحتفل بتعظيم القوى الماورائية في أول مراحل الفلسفة المثالية. إنسانية الفكر السومري وضعت الأنسان على أنه أعظم قيمة في الوجود، حين دوّنَ أعظم مشرعية: "جئت لأخلص الضعيف من القوي، ولن أدع أحداً ينام وهو جائع". هذا الإبداع الفكري الأصيل، والكشف الإبداعي الأول في تاريخ الفكر الأنساني. يشكّل الجوهر في (ذهبية) المشهد الفكري في سومر العظيمة، بوصفه تعبيراً جاداً عن الزمان والمكان، فهو صورة حية لتألق تلك القيم الثقافية الخالدة، فأنبعثت شرارة الوعي إنعكاساً لهذه الفاعلية المتحركة، بفعل إدراك فكري ذي بنية إجتماعية وروحية شاملة.

إن أول مدرسة في تاريخ الفكر الإنساني، كانت قد أُسست على أرض سومر في بلاد الرافدين، إذ عرفَ السومريون الكتابة لأول مرة في التاريخ. فقد أُكتشف ما يقارب الألف لوح طيني، يحمل بعضها نصوصاً كتمارين مدرسية. فقد كان التفكير منصّباً في طرق التدريس، وإن عدد الذين مارسوا فن الكتابة حينذاك يَزيد على الآلاف، فمنهم مَن كان كاتباً من الدرجة الأولى، والآخرون مساعدون، ويُصَنفون على أنهم كتـّاب حكوميون أو دينيون، وكان بينهم إقتصاديون وإداريون وموظفون بارزون في الدولة.

وأكتشفت (ألواح) تحمل تمارين كتبها الطلاب أنفسهم، كجزء من واجباتهم اليومية، وكانت تترواح بين كتابة المبتدئين و بين الذين أوشكوا على التخرج. وكانت أهداف المدرسة السومرية في البداية، تقتصر على تعلم اللغة وتدريب الموظفين في حقلي الإدارة والاقتصاد، ليعملوا في دواوين الدولة والمعابد. ومن ثَمَ تطورت أهداف المدارس وأصبحت مراكز للعلم والثقافة، فتخرج منها العلماء والباحثون الذين درسوا مختلف فروع المعرفة كاللاهوت وعلم اللغة والنبات والحيوان والجغرافية والتعدين والرياضيات.

وتُفصح الكتابات إلى أن (الطاعة) كانت المبدأ التربوي الأساسي الذي يُسيّر نظام التعليم في المدارس السومرية. وبحوزتنا نشيد يُردده الطلبة في الصباح الباكر، يصف عصرهم بعصر الطاعة ومفاده:

"يوم يحجم المرء عن السفاهة أزاء غيره، ويكرّم الأبن أباه، يوم يبان الأحترام جلّياً في البلاد، ويبجّل صغير القدر الكبير، يومَ يحترم الأخ الصغير أخاه الأكبر، ويُرشد الولد الأكبر الولد الأصغر، ويتمسك الأخير بقراراتهِ. (الكبير)

وكان مدير المدرسة يُسّمى من قبل الطلبة أب المدرسة والطالب إبن المدرسة، أما المدرس فهو الأخ الكبير وواجباتهِ تتعلق بكتابة (ألواح) جديدة كي ينسخها الطلاب، وتصحيح ما نسخوه، وسماع ما حفظوه من واجبات الأمس. وتضم المدرسة أعضاء آخرين، كالمسؤول عن الرسم ومراقب الحضور والمسؤول عن حفظ النظام.

وتفصح الكتابات السومرية، بأن الحرية ضمن حدود النظام، كانت هي الطريقة الأخلاقية المُثلى المتبعة في نظام الفكر الأجتماعي. ومن المؤكد أن تبدو (الطاعة) في حضارة ترى الكون كله على صورة دولة، هي الفضيلة العظمى. لان الدولة قائمة على (الطاعة) والخضوع للسلطة. فقد كانت الحياة الفاضلة السومرية هي الحياة (المُطيعة)، إذ يقف الفرد في مركز دوائر متلاحقة من السلطة تُنظم حرية عمله ونشاطه، وكانت أقرب وأصغر هذه الدوائر تتألف من السلطات التي ضمن أسرتهِ: أبوه وأمه، أخوه الأكبر وأخته الكبرى. فقد أوصى السومريون مراراً بأن: إسمع كلمة أُمَّكَ مثلما تسمع كلمة إلهك، وإحترم أخاك الأكبر، وأسمع كلمة أخيك الأكبر كما تسمع كلمة أبيكَ، ولا تُغضب قلب أُختكَ الكبرى.

ولعل في إكتشاف الكتابة، وتأسيس أول مدرسة، ووضع أنظمة التخطيط الحضري والأقليمي، وعدالة القوانين التشريعية، وحرية الأفراد ضمن حدود النظام، و أنسنة الأسطورة والملحمة، ولبنات الديمقراطية الأولى، وملامح فكرة الحياة الفاضلة. هي فضيلة العقلية السومرية المُبدعة، التي ما زالت (كونية) لا تحدها حدود زمنية و لا مكانية.

إن الإبداع الفني التشكيلي وكما هو (كائن) في التشكيلات السومرية، هو تركيب واع تهيمن به ذهنية الفنان، على آليات تنظيم منظومة العلاقات في المنجزات التشكيلية، مستندة إلى مرجعيات ومفاهيم ترتبط ببنية الفكر السومري بالكم والكيف. فالرسوم والمنحوتات والفخاريات السومرية تتكون من منظومة أشكال، وأيضاً من مغزى دلالي كلي هو الفهم الروحي لدورها الأجتماعي. فهي بمثابة تكثيف للأفكار بخطاب التشكيل المُعلن، إنها قوى مثَقلة بمضامين فكرية، كانت تؤدي فعلها الأسطوري كرموز روحية واجتماعية.

"فقد كان الفن السومري غير منفصل عن التاريخ، ولا يمكن فهم أحدهما فهماً صحيحاً دون فهم الآخر، فغالباً، كان يُقال إن فعل الفن هو أن يوصل (إبلاغاً) لا زمن له، غير أنه لا يمكن تفسيره إلا بوساطة المعرفة العميقة بالأحوال والملابسات التي قادت الى إبداعهِ" (بارو، 1977، ص157). فهذه الرؤية في التحليل، تضع أنظمة الصور في الفنون السومرية، ضمن فكرة تفعيل (المرجع)، ويؤكد جوهرها، بأن أنظمة الأشكال السومرية هي إفراز من إفرازات البنية الثقافية السومرية، فهذه البنية المغلقة على ذاتها والمكتفية بذاتها، كيّفت أنساقاً من النُظم الشكلية، وبفاعلية مغناطيسية مغنطت الأشكال بما هو (ميتافيزيقي) وأسطوري، فقبلتها الذات البشرية الجمعية دون قهر، بوصفها الفضيلة الآمرة ومثالاً للكمال، ونظاماً (إعلائياً) للشكل في مثاليتهِ العُليا الموقرة.

فإِرادة الخلق في الفنون السومرية، هي التركيب المتضايف لعلاقة الفنان بالعالم المحيط بهِ. ذلك أن ضغوط البيئة الطبيعية وهيمنتها على بنية الجمع السايكولوجية، والمعتقدات الدينية وتمثلاتها في أنظمة الصور، والأسطورة ومقولات الأدب. هي نوع من التركيب الفكري الإبداعي المتصف بالوعي والإرادة والقصد قبل كل شيء، إنه الصراع بين تحدٍ ينبعث من الذات من جهة، والظروف الموضوعية من جهة أخرى. فخاصية الفنون السومرية، تكمن في إنها (تُخبّئ) في مكامنها التوتر والتناقض، فهي لا تُبدع عن معاناة هيمنة ضغوط الواقع فحسب، بل لابد لها من عمليات تركيب ذهنية. فهي مجسّدة للوقائع كون مثالها الوحيد التعبير عنها، ورمزية التعبير لأنها تُشّيد الأشكال بتفعيل دلالات الرموز في أنساقها الشكلية. وفي ذلك نوع من إعادة بناء الظواهر في جوهرها وماهيتها، إنها أعمق تجارب لنا مع الفن.

الأمر الذي حَتّمَ علينا أن نهتم بأنارة عتمة الفكر السومري بمفاهيم، مدنية سومر وكتاباتها وخصوصية بيئتها الطبيعية ومعتقداتها الروحية وآدابها. بشيء من التفسير والشرح، وصولاً إلى نوع من الفهم العميق لبنية فنونها وإبداعاتها التشكيلية.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

khadom shamhodاننا احيانا نشعر مع ما بلغنا اليه من نضوج حسي وعقلي بحاجة الى الاستزادة من ذلك المدد التاريخي للفنون التشكيلية عبر مراحلها المتطورة . وتلك الشخصيات الكبيرة التي اغنت واثرت الحركة الفنية العالمية المعاصرة من امثال الفنان الاسباني الكبير خواكين سورويا - Joaquín Sorolla - وهو ما تتوجه اليه عادة الفنون الحديثة حيث تتفاعل خبراتها مع الماضي لتكون مصدرا للعطاء والابداع ..

 

Sorolla :

خواكين سرويا من مدينة بلنسية الاندلسية Valencia – ولد عام 1862 وتوفى عام 1923 في مدريد ونال شهرة عالمية وعرضت اعماله في المتاحف والكالريات والمؤسسات الثقافية في مختلف البلدان الاوربية وامريكا الشمالية والجنوبية .. بعض النقاد اعتبروا اعماله ضمن المدرسة الانطباعية ولكن البعض الآخر يرون انه قد انفرد باسلوب خاص وخلق مدرسة اطلق عليها النقاد اسم – الاعمال المضيئة – iluminada - حيث تميزت اعماله بالالوان الساطعة المضيئة وفرشة طلقة حرة سريعة الحركة حتى تبدو احيانا بعض الاعمال وكانها غير مكتملة ..

كما اخذ سورويا بانتاج الاعمال الكبيرة ذات المواضيع الاسطورية والتاريخية والاجتماعية وعرضها في الخارج مثل باريس وروما وبرلين وغيرها . كما كان يرسم في الهواء الطلق بفرشة طلقة تدل على تمكنه وقدرته الابداعية والسيطرة على التقنية وكانت اغلب اعمله تمثل مناظر للصيادين وشواطئ البحر في بلنسية .. كما تخصص برسم البورتريت وابدع فيه حيث رسم كثير من الشخصيات السياسية والملوك منهم الملك الاسباني الفنسو الثالث عشر ورئيس الولايات المتحدة وليم هوارد تافت وغيرهم..

 513-khadom

بلنسية –Valencia

تقع مدينة بلنسية شرق مدريد على شاطئ البحر المتوسط . وكانت من اعظم القواعد الاندلسية ايام المسلمين وتعتبر ثالث المدن الاندلسية من حيث عدد سكانها الذي بلغ ربع مليون نسمة يومذاك ... كانت اراضيها زراعية فسيحة تخترقها عدة انهار منها نهر توريا Turia . واشتهرت بلنسية بصناعة الفخار كالاواني الخزفية والبلاطات -الكاشاني - ولازالت لحد هذا اليوم ..

وقد ذكرها الحميري في كتابه – الروض المعطار – (هي مدينة سهلية وقاعدة من قواعد الاندلس عامرة القطر كثيرة التجارة، وبها اسواق وحط وقلاع وبينها وبين البحر ثلاثة اميال، وهي على نهر جار ينتفع به ويسقي المزارع ولها علية بساتين وجنات وعمارات متصلة والسفن تدخل نهرها وسورها مبني بالحجر والطوابي، ولها اربعة ابواب ..)

 

السيرة الذاتية:

ولد سورويا عام 1862 في مدينة بلنسية وتوفى والديه وكان عمره حوالي سنتين فتكفلت برعايته وتربيته اخته يوخينيا Eugenia . وقد اشتغل الطفل في بداية حياته مع زوج عمته والذي كان يعمل حدادا وصانعا للاقفال وكانت النية ان يتعلم الحرفة .. ولكن الطفل غادرها رافضا تلك المهنة فتوجه الى مدرسة للهوات وتعليم الرسم . وعندما بلغ 15 سنة من العمر سجل في مدرسة – سان كارلوس للفنون – واشترك في المعارض التي تقام في المدينة ... وفي سنة 1879 سافر الى مدريد وكان عمره 18 سنة . وهناك اشترك في المعرض الوطني للفنون بثلاثة لوحات تمثل مناظر من البحر .. وقد استغل وجوده في مدريد فذهب الى متحف البرادو El Prado واخذ يدرس ويستنسخ اعمال الفنان الاشبيلي - فيلاسكس – 1599-1660 - ... ويبدو ان الفنان فيلاسكس كان نقطة انطلاق وتعلم لكل الفنانين الكبار .. فعندما حط غويا 1748 -1826 في مدريد كان قد توجه الى دراسة اعمال فيلاسكس .. وعندما ظهر بيكاسو قام برسم واستنساخ الكثير من اعمال فيلاسكس منها لوحة – الاميرات – Las Mininas وقد رسمها بيكاسو اكثر من 50 مرة باسلوب تكعيبي حديث وبالوان متنوعة وكان قد اثبت فيها مهارته العالية وعبقريته الفذه .. وهي الآن معروضة في متحف بيكاسو في برشلونة ..

حصل على منحة دراسية الى روما عام 1884 لدراسة الرسم لمدة اربع سنوات . ثم سافر الى باريس عام 1885 واطلع على الحركة الفنية الحديثة .. عاد الى بلنسية وتزوج من كلوتيلد غارثيا عام 1888 وانجب منها ثلاثة اطفال .. ثم استقر في مدريد عاصمة الثقافة والفن وكانت له علاقات فنية واسعة مع عدد من الاساتذة في مدريد منهم البروفسور خوسيه خميتث اراندا حيث استطاع من خلالهم رفع مستواه ووعية الفني، متطرقا الى رسم المواضيع الاجتماعية ...

في عام 1900 استطاع سورويا ان يحصل على مركزا عالميا في المعرض العالمي الذي اقيم في باريس من خلال لوحاته الانطباعية التي تمثل مواضيع البحر والشواطئ والصيادين .. وفي عام 1906 اقام سورويا اول معرض له في باريس في كاليري Georges petit . ثم عرض في مدن اوربية اخرى .. وفي سنة 1911 كلف سورويا برسم 14 جدارية للمعهد الاجتماعي الاسباني الامريكي وبدأ بالعمل سنة 1913 وانتهى منه سنة 1919 وكانت تمثل مشاهد من العادات والتقاليد الاجتماعية الاسبانية ... ومن اشهر اعماله – حزن الوراثة – التي رسمها سنة 1899 وتمثل اطفال معاقين قرب البحر . وقد عرضت اللوحة في المعرض العالمي في باريس عام 1900 ونال الجائزة الاولى . وفي سنة 1981 اقتنيت اللوحة من قبل كنيسة في نيويورك ...

توفى سورويا عام 1923 في مدريد بعد مرض عضال ..

 513-khadom2

متحف سورويا :

انشأ المتحف في مدريد رغبة من زوجة الرسام سورويا - كولتيلد غارثيا - حيث اعلنت بشكل رسمي ترك الورثة الفنية الى الدولة الاسبانية عام 1925 على ان ينشأ لها متحفا خاصا بها .. ثم تقرر ان يكون المتحف هو نفس منزل وورشة الفنان سورويا .. وفعلا تم ذلك وكان اول من شغل مديرا المتحف ابن الرسام خواكين سورويا حتى وفاته سنة 1948 ... لقد زرت المتحف اكثر من مرة وهو غاية في الجمال والسحر ..

نحن اليوم بحاجة الى تكريم رواد الفن العراقي وانشاء متحف خاص باعمالهم الفنية لانهم يمثلون مرحلة متطورة مهمة في تاريخ الحركة الفنية العراقية المعاصرة خاصة اعمال فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي ومحمود صبري وغيرهم ...

 

 

506-romancharity4تنتمي قصة الاحسان او الرحمة الرومانية (Carita’ Romana) للميثولوجيا الرومانية التي يقدسها الرومان. وقد وردت في مجلد الكتب السبعة الموسوم "افعال واقوال رومانية خالدة" الذي الفه المؤرخ الروماني فاليريوس ماكسيموس في الزمن الذي سبق المسيح. ومفاد القصة ان رجلا يدعى "سيمون" كان قد القي في السجن وحكم عليه بقصاص "الجوع حتى الموت".

506-romancharity7

لكن ابنته "پيرو" التي كانت تزوره بعد تفتيشها تفتيشا صارما لم تجد اي وسيلة لانقاذ والدها الذي نال منه الجوع لعدة ايام سوى ان تطعمه من حليب ثدييها.

506-romancharity1

ولكن بعد مدة قصيرة افتضح امرها ووشى بها الحرس للسلطات لكن غرابة الامر وعمق معانيه وصدمة تصديقه حدى بسلطات السجن ان تعطف على المرأة ووالدها وتفرج عنه. فلابد لمثل هذه القصة المثيرة ان تحرك مشاعر الفنانين والكتاب وتطلق خيالاتهم، ولهذا فقد استوحى من اجواءها العديد من الرسامين والكتاب الكبار خاصة في فترة مابين القرن الرابع عشر والسادس عشر، ولايزال البعض يستدعي مشاهد هذه القصة حتى في يومنا هذا.

506-romancharity2

من الفنانين الذي انجزوا لوحات شهيرة في هذا الخصوص بيتر بول روبنز عام 1612، وجان جينيسن 1620، ودرك فان بابيورن 1623، وبرناردينو مي 1660، وكريستوف موشر 1690، وجون بابتيست گروز 1767 ، وآخرون. كما ان الروائي الامريكي جون شتاينبك قد روى مشهدا في نهاية روايته عناقيد الغضب المنشورة عام 1939 وكان من وحي هذه القصة.

506-romancharity3

وفي يومنا هذا اثار الفنان الروسي الشاب ماكس سوكو لغطا كبيرا عندما صور مشهدا فوتوغرافيا يحاكي اللوحات الفنية الكلاسيكية في هذا الخصوص. ومن نافلة القول ان معرفة القصة وراء هذه اللوحات يعد امرا ضروريا من اجل استبعاد اتهام الفنانين بتخديش الحياء او الدعوة الى المحرمات والشذوذ الجنسي.

506-romancharity6

الاطلاع على القصة وزمنها وظروفها الاستثنائية قبل الحكم على اللوحة يتيح فهم وتقدير مغزى اللوحات الفنية النبيل في جعل ثدي المرأة رمزا لديمومة الحياة والرعاية العائلية والحنو والدفء قبل ان يكون رمزا للشهوة الجنسية المنفلتة التي قد تتبادر الى الذهن عند رؤية هذه اللوحات للوهلة الاولى.

59-avinaminفي محاولة للهروب من بهرجة الزينة الزائفة والمفتعلة التي اتسمت بها موجة الفن التجريدي والغوص في الحداثة تشتغل الفنانة التشكيلية العراقية (أفين عز الدين أمين) على ارث الذاكرة، فهي ترسم حلم طفولي ملون يحاول ان يحتفظ بتاثير المكان المحيط به،فمع كل لوحة تحكي لنا الف حكاية تحتمل التأويل. ان اعمالها تشكل حالة تعبيرية من العلاقات الوجودية ما بين الإنسان الغائب تقريبا والمدينة \الحلم على وجه التخصيص، اذ تخلق مواقف بصرية جامعة في تجلياتها اللونية في تشخيص شكلي لرموز إنسانية وأماكن واستحضارها ذهنيا ووجوديا، فينتقل اللون الواحد بتدرج عبر ما يتناسل منه من ألوان متوا لدة في مزاج الفنانة لحظة الابداع لتاتي بصورة مباشرة في بعض اللوحات كأنه حلم قادم من بعيد بشكل ضبابي غائب الملامح او اشتغالات ذهنية لاستيلاد تصويرات تجريدية متجاوزة للمرئي والمحسوس وعلى تبسيط التعبير من حيث المعطي الصوري وتكثيفه،فهي تتخذ من تعريه مظهر المنطقي الواقعي، وتزج به في إطار العجيب والمدهش مما يجعلها تقترح على المشاهد عالما داخليا ساحرا وتوحيشيا الى حد بعيد تتكوم فيه المرئيات والمحسوسات. وتتوسل هذه العوالم العجائبية إلى ذلك باستعمال الألوان المضيئة والمنطفئة فتختارها بعناية دقيقا لكي تعبر عن المذاق خاص لصورة المدينة الحلمية التي تصنعها، فالوحيد الذي يسكن اللوحة هو (الحلم) مع مساحات لونية مألوفة حسيا .. كالترنيمة الموسيقية ان في لوحاتها ملامح انطباعية غلبتها شبحية غير كاملة التكوين . فهي تحاول بجد تجاوز تشخيصية المكان بدراسة والعمل عليه على أساس الحالة الذهنية و مميزات المعمار المكاني و تاريخية الذاكرة، إن المدى الذي يشغله فن الذاكرة في اللوحة غير ممثل في شيء ساكن تمتلكة أو تحتويه، بل الذاكرة في اعمالها عملية تركيب، وإعادة الصياغة. ويبقى المكان باعتباره فضاء اللوحة يعكس الواقع برؤية شاعرية تمتزج في تشكيل عفوي نتلمس فيه ايقاعات موسيقية ونرى فيها جمال التفاصيل وعذوبتها الفائقة وحركة الخطوط التي تدمج الاشكال .

59-avinamin2

فالاقواس المتمركزة في وسط اللوحة احيانا تعكس أول ما تعكس ارث تراثي معاش محفور في ذات الفنانة، فهو عالم متسع ومتوالد وليس شيء جامد بل حلم متدفق. ففي خلفيات اللوحات كحاضنة لونية متممة لتوزع مفرداتها الأساسية في متنها، تبرز متواليات الأشكال التي ترنو إلى جموح التشكيل وإلى خبرة بصرية لمساحة الغواية الشكلية، وإلى إبراز واضح لذاتية الفنانة ومقدرتها على تفريغ انفعالاته بتلقائية الوصف والتشكيل، تعرف عن سابق تصور وتصميم إدراج رمزية بصرية تشير إلى معالم المكان بوصفه وشما وتوشِيَةً لونية تعتمد على ثيمة الذاكرة المثقوبة، فتتحول الى احلام مكنونه وأوهام طفولية تتسم بالسريالية التي تنزاح عن الواقع لترسم عالما يتقاطع فيه الحلم واللاوعي و التذكر والنسيان والشعور واللاشعور. كي تثير الاستفزاز في المتلقي عن ادراك هذا التجريد والإضمار والتغريب كل هذا يعكس الحنين إلى المنابع ووجع الهجرة والارتحال. فالذاكرة عند الفنانة (أفين أمين) هي إعادة بناء مستمر مجدد لماض ما، وليس بالضرورة استعادة أمينة لهذا الماضي وكما يصف ذلك (لويس ميلي) في كتابه: «إدراك خيال وذاكرة» فيعرفها بأنها «استجابة في ظروف غياب بعض الحقائق، ذلك أن فعل الذاكرة هو في الأصل اكتشاف إنساني،هدفه مقاومة هذا الغياب الذي هو من خصائص الذاكرة».فاعمالها ربما يكون حلم نكوصي يعبرعن الارتداد والتذكر كمحاولة للهروب من ثقل الحاضر وتناقضاته الكثيرة كي تستعيد مركزية الحنين والوقوف على أطلال مضت، لكنها تنفتح على آفاق ارحب في العمل التشكيلي .ان استخدام الكتلة والفراغ والسطوح الخشنه في بعض الاعمال مع استخدام الالوان الحارة بكثرة انما هو لأعطاء اللوحة الطابع الشرقي . فبعض الأعمال لها علاقة ملموسة ما بين الواقع والمكان والزمان.. وبعضها الاخر عبارة عن صور ذكريات لا شعورية تجسدت في اللوحات بالاوعي وهي (رسم المدن) ...

59-avinamin3ان المشاهد يقف موقف الاعجاب والتامل لتلك الاعمال، فعلي صعيد اللون والضوء والحركة اللوحة تمتلك تماسك ما واغراء للمشاهدة الطويلة والتحديق والتحليل، ولكن اللوحة رغم تضليلها تحتوي علي امكانيات جمالية فتعتيم الرؤية باعتباره خلفية موازية لمحددات الشكل والمعنى، تأخذ مساحاته اللونية موقعها المتدرج في توليفات اللوحة . إن للتجريب أثرا كبيرا في تمكين الفنانة من إيجاد موقف متميز على مستوى الإبداع، كما ان هناك بعض الاعمال الفنية لها علاقة بحالات إنسانية. والتي تتجلى في رسم الوجوه (البورتريه) في لقطات جمالية قدمت فيها الكثير من الأناقة التصويرية والتشخيص المجازي معتمدة على الذاكرة للدخول في أغوار النفس وهذا دليل الثقافة الواسعة التي تمتلكها فهي سليلة عائلة (أمين) الفنية والتي تعد مدرسة تشكيلية في مدينة كركوك العراقية بمنجزها الفني الذي يعتمد على الحلم والذاكرة البصرية المفتوحة على مقامات السرد. .

 

محسن الذهبي

ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا .

 

zouher sahebمنذ البدء: إذ ولدت الكلمة الاولى بين احراش القصب، أولت حضارة بلاد الرافدين الانسان كل اهتمامها.. فبحثت في اشكالياتهِ المادية والروحية على حد سواء. معتبرة الانسان والقيم الانسانية المتحركة في الفهم الأجتماعي: أعلى قيمة في الوجود، فكانت الديمقراطية وسيلة لتجسيد حرية الأنسان بأبهى صورها إشراقا.. وكان القانون لتحقيق طمأنينة الانسان ورسم جغرافية ماله وما عليه في ملابسات حياتهِ الخاصة والعامة.

وتواصلاً مع هذه الرؤية، شهد العصر البابلي القديم: ظاهرة تعاظم سلطة الملك وإنفصال السلطات التشريعية والتنفيذية المتمثلة بالملك عن السلطة الدينية المتمثلة بالمعبد وطبقة الكهنة. فرغم احتفاظ الملك بصفتهِ الدينية بوصفه ممثلاً للآلهة في حكم البشر، فانه صارَ سيداً مطلقاً على جميع ارجاء مملكتهِ. وبلغت هذه الخاصية في نظام الحكم اوجها أبان حكم الملك حمورابي: إذ تم نقل جميع السلطات من هيمنة المعبد الى القصر، فاصبح صنف القضاة وشؤون المحاكم وطبيعة الحياة في معظم تفاصيلها (علمانية) النزعة.

لذلك يمكننا عَدّ العصر البابلي القديم بمثابة عصر الأنوار في بنية الحضارة الرافدينية. فتمتع الفنان في ربوع هذه (البحبوحة) بشيء من الحرية، التي لم تكن مطلقة، بل محددة بحدود النظام.. بتعاظم سطوة الذاتي على حساب الموضوعي، في خاصية التعبير عن المشاعر والاحاسيس الذاتية في ابداع اعماله الفنية. الأمر الذي يشجعنا على اقامة علاقة مقاربة بينه وبين عصر الأنوار الذي شهده الفكر الاوربي في القرن الثامن عشر الميلادي، الذي ازاحَ الكنيسة بوصفها السلطة المقررة لنظم المعتقدات، والوسيط بين الأنسان وربه.. الى ان تكون العلاقة بين الانسان وبارئهِ علاقة (ذاتية) وخاصة جداً، يقررها نظام المعتقدات الكامن في داخلية كل أنسان.. على حد تعليمات (لوثر) الهامة في تحولات الفكر الانساني.

ورغم ان الاكتشافات العلمية قد اظهرت: اهتمام الفكر البابلي في عهده القديم بمعابد الآلهة، بوصفها معلماً معبراً عن بنية المعتقدات الأجتماعية العامة.. فان هذه الاكتشافات في (ملمح) آخر قد أماطت اللثام عن نوع من العبادات الشعبية.. إذ إنتشرت في أزقة المدن الرافدينية وبيوتها نوع من المزارات الصغيرة المكونة من غرفة صغيرة تتوسطها مصطبة تقديم القرابين، الامر الذي يؤشر شيوع نوع من العبادات الشعبية الجماهيرية، دون تدخل الكهنوت في تفاصيلها.

ويقابل ظاهرة إنكماش سيطرة المعبد على تفاصيل الحياة الاجتماعية في المدن البابلية. توسع هيمنة الملوك في ادارة دويلاتهم.. ويتمثل ذلك من سلسلة القصور الضخمة المكتشفة في التحريات العلمية مثل قصر الملك (بلالاما) في اشنونا، وقصر الملك (سن ـ كاشد) في الوركاء.. واهمها قصر الملك (زمري ـ لم) في مدينة ماري، الذي يعد مدينة متكاملة البنية في سعته الأسطورية المتفردة.

الأمر الذي يُفسّر كثرة الرسائل الملكية الداخلية والخارجية: ونقصد بالرسائل الداخلية هي نوع من الاحكام والقرارات المرسلة من قبل الملك الى حكام الدويلات التابعة لمملكتهِ، التي ترتبط احكامها بادارة الممالك وحل شؤون المواطنين.. اما مثيلاتها الخارجية فانها تختص بالعلاقات الدولية في شؤونها المتنوعة. فقد بلغ عدد الرسائل المكتشفة في قصر ماري للملك (زمري ـ لم) من كلا النوعين ما يربو على 70.000 الف لوح كتابي من الفخار. وبشكل عام.. لم تكن سلطة الملوك وبالأخص الملك (حمورابي) ذلك الرجل المثقف الذي شجع الأدب والفن إيما تشجيع: مطلقة، وانما كانت محددة ضمن مواد دستور البلاد.. الذي نظم سلطة الملك ضمن قواعد منضبطة تَصّب في صالح سعادة المواطن البابلي في كل الأحوال.

كانت رسائل المواطنين تكتب على الواح الطين، وتُسطّر تسطيراً جمالياً خاصاً. وبعدها تفخر وتغلّف باغلفة فخارية.. حفاظاً على سريتها، واحتراماً لشخصية المواطنين. لتوزع بالنهاية من قبل موزعين خاصين.. ومحتوى هذه الرسائل لم يغادر أبداً مشاكل رسائلنا المعاصرة المرسلة بالتلفون النقال او جهاز الحاسوب.. ففي العام 1978م حينما كنا نواصل الاكتشاف في احدى العواصم البابلية في منطقة جلولاء.. قدَّم الدكتور (فاروق الراوي) قراءة موقعية لاحدى هذه الرسائل التي أرسلت في حينهِ من قبل مواطن في خانقين الى صديقهِ في جلولاء، وخلاصة الرسالة مفاده: (في العام الماضي (إدايّنت) مني (كونية) تمر.. بسبب تلف محصول التمر في بستانك، اثر سقوط الأمطار بشكل مبكر وغير متوقع.. وفي هذا العام جَنيتَ تمورك بشكل طبيعي.. ولم ترسل لي دَيني من التمر.. هو هذا جميل المعروف؟). ترى ما اشبه اليوم بالبارحة؟ اليست حضارة بلاد الرافدين من أنقى حضارات العالم.. إذ لم يشب صفائها وتواصلها أي افكار دخيلة، رغم كثرة الغزوات الخارجية التي تعرضت لها البلاد.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

khadom shamhodبعد عصر النهضة ظهر في فرنسا فن يدعى فن- الركوكو- في بداية القرن الثامن عشر وكان يمثل الاسلوب الاخير الذي شاع فيه مصطلحا – جميل - و– فني – وكان يعبر عن التحرر المطلق للذوق والزينة .. وحسب المؤرخين فان هذا الاسلوب قد ارتبط بالطبقة الوسطى .. وكان الممهد الحقيقي للعصر الحديث وبداية للمرحلة التي انتشرت فيها الافكار الديمقراطية والنزعة الذاتية ..

و يمتاز اسلوب الركوكو بالزخرفة الداخلية وتحويل المواد الخارجية الى الداخل، وقد انتشر هذا الاسلوب في المانيا واصبح نوع من الثورة، وثورة مقدسة وكان اكثر الاساليب محلية وقومية .. وتأثر فن الركوكو بالفن الاسلامي خاصة قصور الحمراء في الاندلس حيث كانت تمتاز بالثراء الزخرفي الذي يزين جدران البلاط من الداخل بينما الخارج نشاهده كأنه قلعة ضخمة محاطة بالاسوار ..غير ان هذا الفن اختفى بعد الثورة الفرنسية عام 1789 .

503-khadom2وقد بدا بالانتشار عام 1715 حيث كانت اوربا تعيش مرحلة من الرخاء والرفاهية. وقد فضل اصحاب الطبقة الارستقراطية (اصحاب السلطة والمال والجاه) وكذلك الطبقة الوسطى (البرجوازية الغنية) من النبلاء والامراء وكبار الاغنياء، فضلوا العيش في المدينة بدلا من العيش في القصور الضخمة المشيدة في الريف .. لهذا فقد شيدوا القصور والمنازل الراقية واهتموا بزخرفتها وزينتها من الداخل .. وكان هذا الاتجاه ذو طابع دنوي ابتعد عن المقدسلت واتجه الى الاساطير القديمة .. يضاف الى ذلك فان هذا الفن نجده قد زين القبور مما اعطى حياة للموتى ...

و يذكر المؤرخون ان مبتدع هذا النوع من الفن هو انطون واتوا 1684-1721 وهو فنان فرنسي امتازت اعماله بالرقة والدقة والحساسية المرهفة وكان الممهد للرومانسية في الادب والفن . واعتبره البعض رسام ومصور من الدرجة الاولى .. وكان متأثرا بروبنز والمدرسة الفينيسية (البندقية) .. وعاش فترة الرخاء الذي عاشه المجتمع الفرنسي واهتم بتزيين المنازل من الداخل مستخدما مناظر الرعاة ومشاهد المسرح و الحفلات الراقية ... ومن اعماله الشهيرة هو زخارف فندق بوليري الشهير في باريس ...

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو هل ان هذا النوع من الفن يخدم مجتمعاتنا الشرقية وسط هذه الفوضى من الحروب والمعتقدات والتطرف والتخلف والتحجر والدكتاتورية ؟؟؟؟ ... انا اعتقد ان الفن اليوم يعيش في عالم تسيطر عليه قوى جبارة تصنع الحياة او تدمرها؟؟؟؟؟ واقع ظهرت فيه المتناقضات بارزة على السطح . وكذلك تغيير طرق الاستعمارو اساليبه في السيطرة و التفتيش عن المواد الاولية والاسواق ... ؟؟؟؟ كما ان هموم الشخصية الغربية تختلف عن هموم الشخصية الشرقية بحكم التراث الثقافي والديني والفني وغيره ...

اتذكر يوما عندما حطيت في مدريد عام 1977 وكنت هاربا كغيري من الشباب العراقي الجميل من ظلم وتعاسة البعث وطاغيته صدام .. فقمت معرضا فنيا في مدريد . وكانت لوحاتي تحمل بين طياتها الهم والغم والحزن العراقي .. وكان الزوار قلائل وفي احدى المرات رأيت امرأة تدخل المعرض وتخرج منه بخفة وبسرعة ؟؟؟ فسارعت اليها لاسألها عما اذا قد ازعجها شئ من المعرض ؟؟ قالت: حزين معرض حزين كله حزن ..؟؟ . نعم ان المجتمعات الغربية اليوم تنعم بالرفاه والاستقرار (على الاغلب خاصة قبل الازمة الاقتصادية العالمية) وبالتالي تبحث عن فن زخرفي تزيني يثير المتعة والراحة النفسية يتناسب مع وضعها المستقر .. وبالتالي فان فن المتعة والرفاه والزينة ليس محرما ولا ممنوعا ولكنه له ظروفه الخاصة والمناسبة، وفي المكان والزمان المعين والمحدد . وهناك اولويات ..

503-khadom

.. وكان الفنان كوكان 1848-1903 قد هرب من الحضارة البرجوازية وذهب الى جزر تاهيتي يبحث عن نفسه .. فعندما رسم لوحاته في تاهيتي، كان في الواقع يعبر لا عن الواقع المرئي انما يرسم واقعه الذاتي، فهو يحث على الابداع والخلق .. فيقول (اردت ان اؤسس الحق في ان اجرب كل شئ) والحق في نظر الفنانين التجريديين الحديثين هو الماهية او الذاتية التي تكمن وراء ظواهر الاشياء ..

وكان بعض الفنانين يضع في عمله رؤية الذهن قبل رؤية العين كما فعل بيكاسو فحينما ساله احدهم كيف يجعل هذه الاشكال ممزقة ومفككه اجاب (الاسطورة هي التي تعيش) وكان يشير الى الفكر العقلي . لان الاساطير هي عبارة عن تفاعل الانسان مع المحيط .. وبالتالي اصبح الوعي للفنان وعي اجتماعي ...

ان الوعي يعتبر قمة الادراكات العقلية للواقع والتاريخ وفقدانه يتيح للبرجوازية خلق الحروب العامة والموضعية او خلق الاختناقات الاقتصادية وتعميق التناقضات الاجتماعية خدمة لمصالحها

.. وهو ما يحدث اليوم في عالمنا لعربي .. ولهذا فان الفن الذي يعتمد الوعي الاجتماعي ويعبر عن واقعه المعاش يكون من الاسباب التي تصوغ هدفا تقدميا عمرانيا للنفس والبلاد والعباد ...

- اذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب

khadom shamhodمنذ نشات الخليقة وعلى طول امتداد التاريخ الانساني نجد هناك معسكران، الاول هو الاتجاه المادي المتمثل بالعقائد المادية من راسمالية وشيوعية وقومية وعنصرية ووجودية وغيرها وهناك خط آخر روحي يتمثل في الرسالات السماوية والعقائد الدينية والفلسفية والفكرية وغيرها .. (انما هما نجدان نجد خير ونجد شر)

و قد يكون الجهل في مكان وزمان ما يعم المعسكرين فنجد جاهلا متدينا - مثلا ميت الضمير والوجدان، وبموته يموت الحس ويغيب الشعور الانساني، فيتحول الى كتله مدمرة يسفك الدماء ويفسد في الارض، ومن هنا تبرز على السطح الانانية والمنفعة الشخصية او الفئوية، فيصبح الوعي بليدا وتظهر الازمات وتثار الحروب .. وامتازت الجاهلية الحديثة اليوم بالدمار الشامل لامتلاكها آلات الحرب المتطورة والمتفوقة، كما حدث في حرب فيتنام عندما القت امريكا القنبلة الذرية على هيروشيما ونازاكي وراح ضحيتها مئات الالوف من البشر ..

 492-khadom

الانكسار:

بعد الحرب العالمية الاولى والتي ادت الى الدمار والخراب و وذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر، اصابة الحركة الفنية في اوربا انكسارا واحباطا وظهرت افكار وتصورات متطرفة ادت الى التشتت والانحراف والدعوة الى هدم كل المعايير والمبادئ والنظم المتعارف عليها في ذلك الوقت كرد فعل على ما خلفته تلك الحرب . مثل ظهور الحركة الدادائية والمستقبلية والسريالية وغيرها .. ورغم تطرف هذه التيارات واختفائها الا انها اعطت انطباعا بالتمرد و رفض الحروب التي يكون وقودها الناس الابرياء وليس الحكام ..

في نهاية القرن التاسع عشر ظهر احد المفكرين الاوربيين – ماكس نوردو – ولعله الماني الاصل ابتدع نظرية تقول على ان الحياة عبارة عن هدم وانحلال فحسب .. ولعل هذا الرائ يتفق مع النظرية الوجودية (العبثية) التي تقول ان الانسان يحمل في طبيعته الشر ولهذا ليس من المنطق ان نحاسبه على ما يرتكبه من خطايا .. ونجد هذا المعنى في رواية – الغريب – للبير كامو .

هذا المفهوم اصبح ظاهرة نجدها اليوم عند الجماعات المتطرفة التي تدعي الاسلام حيث تمارس اسلوب القتل وسفك الدماء والهدم لكل الرموز الحضارية والمدنية وتحطيم الآثار والمعابد الدينية من مساجد وكنائس وصروح ثقافية وهدم قبور الانبياء والمفكرين و مسح هوية الشعوب وتاريخها و تقاليدها وعادتها . واستبدالها بافكار قادمة من العصور المظلمة ..

وعندما نذهب الى التاريخ نجده يعيد نفسه اليوم في عصر يفترض به ان يكون اكثر انسانية وعدلا من العصور السابقة .. كان معاوية قد شن حملة ابادة على كل من يوالي الامام علي –ع- بل امر بسبه على المنابر ولم يكتفي بذلك انما ذهب وحفر قبور شهدا احد .. وجاء يزيد فقتل الحسين –ع- ثم قام بحملة على المدينة (وقعة الحرة سنة 63 هجرية ) فقتل عشرة آلاف من الصحابة والتابعين واغتصبت الف أمرأة وحملت من اب مجهول، وهدمت الكعبة وابيحت المدينة ثلاثة ايام ... وكل هذه المعلومات وغيرها مدونة في كتب المؤرخين العرب ...

 

الفن والمعركة:

492-khadom2قرات في كتاب حسن محمد حسن – الاسس التاريخية للفن التشكيلي – عن نظرية للفيلسوف – يونج – وهي نظرية تبحث في سيكولوجية الفن تتحدث عن ظهور تقلقل في اللاشعور الجماعي ابان الازمات الاجتماعية مما يحدث اضطرابا في التوازن النفسي الذي يصدر عنه حالة قلقة لدى الفنان تدفعه للبحث والتنقيب للوصول الى ضالته الفنية المنشودة التي تعيد حالة التوازن اليه من جديد ..

نحن اليوم نمر في مرحلة صعبة يغربل فيها الفن الطيب من الرديئ و الاصيل من المزيف (فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) .. اليوم نحتاج الى فنانين يتفاعلون مع هذه الاحداث المصيرية والمأساوية التي تمر بها البلدان والمجتمعات العربية .. فنانون عامرون بالنشاط الفكري والسياسي والاجتماعي و يحملون الهم الوطني والانساني .. لكن مع الاسف لم نرى اليوم الفنان العربي والعراقي خاصة (الا القليل) بمستوى التحديات في مواجهة الهجمة الارهابية الشرسة والمدعومة والمخطط لها من الخارج وبمساعدة الداخل والتي تعصف بالمجتمعات العربية ظلما وجورا . .

ولم يكن الفنان الفرنسي كوربيه –1877- الا نموذجا للفنان الثوري العنيد . وبسبب مواقفه الوطنية والثورية نفي الى خارج البلاد ومات هناك في المنفى . وكان قد ثار على - الفن الناعم - السائد يومذاك والذي يعتمد على - الادراك الحسي – بينما كان كوربيه يقود الوعي الاجتماعي وبهذا فقد خلد .. وبالتالي ان وعي الفنان يظل فارغا مالم يحتك ويعيش العالم الواقعي . والفن يفقد كل معنى له عندما ينفصل عن هذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم ..

وبما ان الفن واجهة حضارية كبرى وواسعة وعميقة فقد كان اكثر الفنانين يجهلونه الا القليل منهم مثل كوربه وفان كوخ وكوكان وجورج رووه الذي تمتع باصالة تعبيرية هائلة ..

قد تكون هذه الاحداث المؤلمة التي يمر بها العالم العربي وخاصة العراق من هدم وتخريب للمجتمع من قبل المنظمات الارهابية المتطرفة التي ترفع راية الاسلام ظلما ونفاقا (كلمة حق اريد بها باطل) . قد تكون عاملا مساعدا لاستنهاض اهل العقول والحل والعقد والضمير الحي والافكار النيرة لاعادة النظر في الفكر الديني وتصحيح التاريخ والفقه المنحرف الذي لا يتماشى مع العقل والمنطق الانساني وبالتالي فهي محاولة للعودة الى التوازن الطبيعي للبشرية ... (الناس صنفان اما اخوك في الدين او نظيرك في الانسانية) .. هذا الفقه العفن المتحجر المنحرف لا يمكن ان يستوطن في قلب الانسان ويستعمره . فالقلب هو مستودع حب الله ونور الحكمة ولايمكن ان يدخله غير ذلك . هذه الجماعات الشاذة لا تملك من المقومات والمبادئ الانسانية غير ثقافة القتل والهدم وخلق الفوضى في المجتمعات والتشويش على الفكر الانساني والديني السماوي . وهي تيارات فكرية منحرفة عدوة للانسان وعدوة للحضارة والتحضر ...

musadaq alhabibمن اللوحات التي حظيت باهتمام وحب استطلاع كبيرين من قبل الناس ونقاد ومؤرخي الفن والتي اثارت جدلا واختلافا لاكثر من 400 سنة هي لوحة "گبرييلا واحدى شقيقاتها". ومما زاد الكلام عن هذه اللوحة اضافة الى موضوعها الغریب والجرئ هو ان الرسام لم يفصح عن نفسه ولم يحصل التعرف عليه الى يومنا هذا لكن مؤرخي الفن استنتجوا بانه احد رسامي مدرسة الفونتينبلو الفرنسية في اواخر عصر النهضة، وانه رسم اللوحة عام 1595. اللوحة الان من ممتلكات متحف اللوفر

489-Gabriella

گبرييلا هي احدى عشيقات ملك فرنسا هنري الرابع (1553-1610) المعروفات والتي كانت تصغره بـ 20 سنة وتحظى بحبه واهتمامه الاستثنائي. يؤكد نقاد ومؤرخو الفن بان مشهد الاختين في الحمام والاخت التي تقرص حلمة اختها لايحمل اي نوايا جنسية كما يبدو للناظر، انما يشير الى السر الذي اباحت به گبرييلا لاختها في خلوة الحمام بانها حامل بأمير البلاد وان هنري اراد له منها ابنا یخلفه مما دعى اختها ان تتأكد من الحمل بتحسس حلمة ثدي اختها. يضيف المؤرخون بان جو اللوحة وستائرها الحمراء ومشاهد خلفيتها تؤكد موضوعها. ففي الخلف تظهر الخادمة وهي تخيط ملابس الوليد القادم وهناك موقد النار المستعر كرمز للحمل بطفل قادم تناغما مع التعبير الشعبي "هناك رغيف في الفرن" الذي یقال لملاطفة المرأة الحامل، اضافة الى ما يظهر من اللوحة على الجدار من جزء يصور رجلا في حالة استرخاء وكأنه في بيته المريح. على ان اقوى رموز اللوحة هو خاتم التتويج الذي تمسك به گبرييلا بيدها اليسرى وتريه لاختها وهي تخبرها بان الملك لم يكن يهديها خاتمه مالم يكن جادا من الزواج منها. لكن گبرييلا في النهاية لم تنل وعد هنري بالزواج رغم انها انجبت له ثلاثة اطفال وتفارق الحياة عند ولادتها للطفل الرابع، مما حمل هنري على الحزن بشكل لم يسبق للملوك ان يحزنوا بمثله.

عن الغربة والتغريب يقدم لنا الدكتور صبيح كلش موسوعة تاريخية عن الشعب العراقي تلك الموسوعة التي تحمل في طياتها كل المعاني والدلالات عن مفهوم الغربة والتغريب على حد سواء فاذا كانت الغربة كما يفسرها البعض هو ابتعاد الجسد عن الموقع الجغرافي للمغترب فما هو التغريب اذن هل هو المعنى الذي يرتبط بالجسد الملاصق للموقع الجغرافي ولم يفارقة ولم نطلق علية اذن بالتغريب اذن هل هو غربة الروج عن الجسد ام غربة الجس عن الوجود ام غربة الامل عن النكوص الشعوري ام غربة العقل عن الحرية والفكر اي ان ا لموضوع هنا وكما ارادة الفنان كلش لا يتعلق بالجسد وانتفالة بل يرتبط بمعاني ودلالات متنوعة والتي تحرك هذا الجسد حتى في سكونة وثباتة وهذا ما اراد ايصالة عبر لوحة الغربة للفنان كلش عبر التناقض و الصراع في المضمون اي ما بين الجسد المنطلق والسكون الداخلي او ما بين السكون المتحرك والجسد الذي شلت حركتة عبر دلالة الجناح المنفرد والمكسور او المعطوب والذي شل الحركة القدرة على التحلق والانطلاق بالروح ولجسد من زنزاتة المحكمة والتي غلفت ذالك الجسد كما غلفت روحة حتى اصبح الجسد ممسوخا في شكلة لانساني ولتي عبر عنهاا لفنان بالشكل الموميائي وهو تعبير يحمل في طياتة الكثير من المعاني والدلالات عبر تعريف اامومياء وابسط تعريف لها هو ايقاف الزمن وهروب الروح من الحسد ولهذا يصبح الجسد هنا لاقيمة لة لانه قابل للتفسخ كغيرة من الاجساد الاخرى ولهذا تالق الفنان بايصال هذه المعاني عبر شخصياتة التي انتقاءها بشكل ابداعي ومثير ففي مقدمة اللوحة ومن الجانب الايسر منها قدم لنا صورة جسدية وعلى شكل مؤمياء اي جسد قد فارقتة الروح وينتظر التفسخ وهذا ما اراد تاكيدة الفنان حول مفهوم التغريب عند الانسان عوما والعراقي بشكل خاص بحكم الظروف المتنوعة التي عاشها المجتمع العراقي عموما وبشكل خاص الفنان والاديب ذو الحاس المرهف والفكر الذي لا ينضب اما الشخصية الثانية التي سيطرت على كل اللوحة تقريبا والتي تمثل الصراع ما بين الجسد الروح وما تبقى منها كي تحلق الى ارض وعالم اخر وتحت شعار الغربة اذ ان هذه الشخصية المؤمنة بالتحلق لغرض الخلاص فهي ايضا مجكومة في طل تلك الظروف ولا تمتلك سوى جناح واحد للتحلق وحتى هذا الجناح كان ينزف دما وكسر لغرض عدم التحلق ناهيك عن الزنزانة التي تحيط به من قمة راسة لى اخمصة ومن جمالية اللوحة وفكرها وتصويرها لهذا لانسان الساعي للتحلق فانة لم يترك روحة تفارقة كزميلة المنكسر بل كان متمسك بها كتمسك المؤمن في الكتاب المقدس ولهذا صورة الفنان كالعداء المقتول العضلات والذي ينطلق حتى يكسب الرهان ويحافظ على ما تبقى من روحة وينتقل بها الى فضاءات وعالم اخر لربما غير عالمة وتاريخة وارضة وناسة ووووووووووووالخ كي تبقى الروح ملاصقة للجسد على الرغم من كل الالام التي تتعرض لها الروح في هذا التحلق وصدق الفنان كلش في هذا المعنى كما صدق افلاطون عندما قال كي يكتمل الجمال والكمال اذ لابد ان تنسجم الروج مع الجسد وصولا الى الهدف او كما قال التربوي سيمون لابد ان يكون القلب ولعقل حرا في خدمة البدن والروح

55-sabihkalash

واذا ما اردنا اخضاع اللون في هذه اللوحة لى الدراسة والتحليل ومدى انسجامها مع وحدة الموضوع عبر توالي البنى التكوينة وتناميها ادراميا وايقاعيا عبر درجات اللون المختلفة فاننا بلتاكيد سنثني على قدرة الفنان في توطيف اللون عبر دلالاتة المنسجمة مع الايقاع البنيوي للوحة بكل المعاني التي سبق لاشارة لها سواء باستخدام الالون الحارةا والباردة على حد سواء فاذا كانت الضربات اللونية الحمراء تمثل الجراح فان اللون الازرق كان يمثل الامل واذا كانت عتمة الالوان الغامقة تمثل الباس فان الالوان الباردة والزقاء تمثل الانطلاق وهكذا نجد لانسجام والتناقض في توظيف دلالة للون عبر البنى المختلفة التي شكلت قطعة موسيقية بالوانها الصارخة تارة والوانها الباهتة تارة اخرى والتي قادها الموستور صبيح كلش عبر فرشاتة التي عزفت لنا قطعة موسيقة عن لوعة الغربة والتغريب

 

د طارق المالكي

zouher sahebمنذ فجر الحضارة الرافدينية، وفي منتصف الالف الثالث ق.م أصدر المصلح السومري (ارو ـ كاجينا) حاكم مدينة (لكش) السومرية بالشطرة قرب الناصرية .. اقدم نصوص قانونية في تاريخ الفكر الإنساني، أزالت الحيف والظلم عن الطبقات الفقيرة، وأحلّت العدل بالبلاد. بمثل هذا الجانب المشرق في بنية الفكر الحضاري، حققت بلاد الرافدين قصب السبق في ايداع اقدم خارطة قانونية تنظم حياة المجتمع والأفراد .. التي كتبت بلغة قانونية دقيقة وباسلوب علمي .. قبل قوانين (صولون) الاغريقية، والألواح الرومانية الأثني عشر، وشرائع (مانو) الهندية .. بزمن طويل.

فالقانون والفن هما وجها الحضارة المتقدمة .. ويدخلان في بنية الفكر الحضاري، بتفاعل جدلي من نوع خاص، إذ ان نضج القانون الذي يحكم البلاد وخاصيته الانسانية، من شأنه ان يُفعّل آليات ازدهار الفنون وتطورها بشكل متسارع، والعكس صحيح. فشعور الفنانين بالحرية المحمية بقوة النظم القانونية التي تحكم حركة الفكر الاجتماعي، من شأنه ان يعمل على تحرير ذات الفنان من قيودها، لتعمل بفاعلية على كسر السياقات المتهالكة، مؤسسة تحديثاً له، في بنيتهِ المتحولة بفعل (حِراك) الأساليب الفنية عِبرَ التاريخ.

ورغم ان البحث في القوانين والشرائع التي نظمت حركة الحياة في المجتمع الرافديني، ليس من إختصاص هذا الكتاب، إلا اننا في ملمح آخر: نبغي من خلال الأستعراض المقتضب لهذه القوانين من تسليط الأضواء على رقي حضارة بلاد الرافدين، في زحام الحوار الحضاري الذي يشهده زمننا المعاصر.

إذ يبرز الجانب المشرق لحضارة بلاد الرافدين: بقانون (أور ـ نمو) .. احد ملوك عصر النهضة السومرية، الذي اكتشف في مدينة (نفرّ) في محافظة القادسية، وكتب على عدد من الالواح الفخارية باللغة السومرية .. ويسبق تاريخهِ قانون حمورابي بثلاثة قرون. واعقبه قانون (لبث ـ عشتار) احد ملوك سلالة (ايسن) من العصر البابلي القديم .. الذي سُطَّر كذلك باللغة السومرية على الواح الطين. أما قانون الملك (بلالاما) من سلالة اشنونا .. احدى ممالك العصر البابلي القديم الهامة، فقد كتب بالخط المسماري ايضاً وباللغة البابلية القديمة، واكتشف في تل (حرمل) الواقع في احدى ضواحي مدينة بغداد.

قُسّمت هذه القوانين الى ثلاثة اقسام هي: المقدمة والمواد القانونية والخاتمة، اذ تشرح المقدمة في معظم الاحيان التفويض (الألهي) للملك باصدار القانون وتوضيح الغاية من اصداره .. ويعقب ذلك تسطير منتظم ومتتالي بشكل تراتبي ممتاز لمواد القانون التي تتوالى حسب اهميتها، ويختتم القانون عادة بخاتمة يعلن فيها المُشرّع لعنات الآلهة على مَن يتلاعب في نص ذلك القانون.

ويُعّد قانون (حمورابي بن سن موبلط بن آبل سن بن سابيؤم بن سومولائيل، من عشيرة أمنانوم احدى عشائر قبيلة بني اليمين). من أنضج سلسلة القوانين في بلاد الرافدين، لتميزه بالرقي التنظيمي والنضج الفكري، إذ كتب بلغة قانونية دقيقة، وباسلوب علمي وتشريعي لتنظيم مختلف شؤون الحياة. واكتشفت مسلة هذا الملك العظيم في مدينة (سوسا) الشوش، من قبل بعثة الاكتشافات الفرنسية عام (1901-1902م) .. إذ نهبها الملك العيلامي (شوترك ـ ناخنتي) في القرن الثاني عشر قبل الميلاد .. من مكان عرضها في مدينة اليوسفية شمال بابل .. في مشروع غزوه لبلاد الرافدين .. واسقاطه للدولة (الكشية). ولم يكتفي هذا الملك الغازي بنهب اعظم مسلة قانونية في تاريخ الفكر الحضاري، وانما نهب اروع الاعمال الفنية الرافدينية مثل مسلة النصر للملك الاكدي (نرام ـ سن).

وجدت المسلة وهي مكسورة الى ثلاث قطع .. أمكن ربطها وضمها الى بعضها في متحف اللوفر، ويظهر في الجزء الاسفل من وجه المسلة، ان عدداً من الاعمدة الكتابية التي تحتوي بحدود (33) مادة قانونية (المواد66-99) قد أزيلت بتعمد واضح" (الاعظمي، 1990، ص 137). ويعتقد المرحوم الاستاذ (طه باقر): "ان ذلك قد جرى من قبل المغتصب الملك (ناخنتي) سارق المسلة: بقصد كتابة اسمهِ والقابه عليها، كما فعل ذلك في اعمال رافدينية اخرى، إلا إنه عَدَل عن رأيهِ، لخوفهِ من اللعنات الشديدة المكتوبة في خاتمة المسلة" (طه باقر، 1973، ص 292-293).

ويميل معظم الباحثين، الى ان حمورابي قد كتب شريعتهِ على اكثر من مسلة، ولعل مسلتهُ القانونية التي عرضت في معبد (إيساكلا) في بابل، كانت تحمل صورتهِ امام الاله (مردوخ). كما يُرجح الى انه قد كتب شريعتهَ القانونية باللغة السومرية على مسلة أخرى.

كتبَ حمورابي مقدمة شريعتهِ باسلوب شعري، مؤكد على تفويض إله بابل (مردوخ) له باصدار الشريعة ومؤكداً: عندما ارسلني الأله (مردوخ) لقيادة سكان البلاد في الطريق السَويّ .. ولأدارة البلاد وضعتُ القانون ودستور العدالة .. بلسان البلاد، لتحقيق خير البشر: ولكي لا يضطهد القوي الضعيف، ولكي ترعى العدالة اليتيم والأرملة .. لأحكم البلاد بالعدالة .. ولأوّطد النظام في البلاد، ولكي امنح العدالة للمظلوم. "واصفاً نفسه بالعابد التقي الورع، الذي يُصلّي للآلهة العظام بخشوع، ويعمل على ارضائها بتجديد معابدها وتقديم النذور إليها .. بوصفه المخلّص لسكان بلاد الرافدين من الظلم والأضطهاد .. وإنه جاء لينشر الحق والخير لهم، ويرسل النور الى بلاد سومر واكد" (الاعظمي، 1990، ص 140).

قسمَّ المختصون المواد القانونية للشريعة وعددها (282) مادة قانونية، الى عدد من الابواب، التي تفرعت بدورها الى عدة أقسام .. تناولت شتى شؤون الحياة .. واهمها الباب الذي يهتم بالاحوال الشخصية .. الذي تميزت قوانينه بنزعة إنسانية عظيمة في معالجة اشكالات المشاكل الشخصية للأفراد.

أما خاتمة المسلة فقد كتبت باسلوب شبيه باسلوب سرد المواد القانونية .. واشارَ الملك حمورابي فيها: الى قوانينهِ العادلة التي وضعها للناس .. وصفاتهِ النبيلة ومؤهلاتهِ في توحيد البلاد، لجعل سكان بلاد الرافدين ينعمون بالصفاء والهناء.

في مثل هذا الزمن السعيد، الذي سادته العدالة والقيم الأجتماعية النبيلة، الأمر الذي فعّلَ خاصية ازدهار الثقافة، والأهتمام بالفن بوصفه الظاهرة الأكثر تقديراً في حركة الفهم الأجتماعي. إذ ان الجهود الفائقة التي بذلها الفنانون البابليون، والتشجيع والمشاركة الاجتماعية التي ابداها شعب (حمورابي) تقديراً لاعمالهم. ففي ذلك كامل التعبير عن موقف من التكيف والتوافق بين الفنانين ومجتمعهم، لتجسيد قيم وافكار: تتفق مع الطابع الانساني المتقدم للقوانين التي حكمت البلاد.

ولعل ذلك يبرر أزدهار الفنون التشكيلية، ونشاط حركة واسعة في التدوين والتأليف والنقل والترجمة .. وفي مقدمتها تدوين العلوم والمعارف التي كانت في طور نضجها، فبفعل رُقي الثقافة البابلية اتجه المختصون الى تدوين المآثر الأدبية السومرية العظيمة واهمها ملحمة كلكامش، بسبب شعورهم بسير الأدب السومري الى الأنقراض.

وبغية تعريف المصطلحات السومرية .. ووضع مرادفات لها باللغة البابلية .. اهتم ادباء وكتبة العصر البابلي القديم: بتأليف نصوص لغوية، بعضها على هيئة معاجم لشرح (العلامات) من ناحية قيمها الصوتية .. وايراد مرادفاتها البابلية .. كما شرحوا قواعد مهمة في (نحو) اللغة السومرية وما يضاهيها من التراكيب اللغوية البابلية. وامتدت حركة التأليف الناشطة بتأليف معاجم عن اسماء الحيوانات والنباتات والاشياء الأخرى. فقد كان عصر الملك العظيم (حمورابي) هو العصر المميز في ازدهار حضارة بلاد الرافدين، التي اضاء نورها الوهاج عتمة التاريخ الانساني، بالمزيد من الابداعات الحضارية.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد