zouher sahebان ما يشكل جزءاً من اليومي، يصبح في الوعي الجمعي نوعاً من الاسطورة، التي تنتمي الى الخيال والى مجال اللا محتمل. ذلك ان (التمثال) في المبدعات السومرية، حدسي متحرر من ضغوط القيود الحسية، ومحمل بطاقة روحية مهيمنة، وبنوع من التضايف بين الذاتي والموضوعي، بحيث ان الخارجي لا يكون مسوغاً لوجودها، الا ان يكون تعبيراً عن الداخلي. فهناك عالم ذاتي ليس اقل واقعية ولا اقل حقيقة من العالم الذي يعتبره الحس المشترك عالماً موضوعياً.

ومقولة التماثيل السومرية هذه، تؤسس مقترباً لها مع اسلوب التعبيرية، حيث عمل الفن على تفعيل فكرة اخضاع الطبيعة، وجعلها طبق الاصل لاستجابة الفنانين الذاتية .. والذين بذلوا جهداً فكرياً وتقنياً لاختراق الظواهر، بغية كشف عما شعروا انه يؤلف الجوهر الاساس في الظواهر".

ذلك ان بنية الفكر بين سومر والتعبيرية، قد بثت الرغبة في الذات، ان تدخل سر الحياة، وان تتعقب دروب الطاقة الخلاقة في الوجود، وان تبتكر ليس ابتداءً من الواقع المنظور، بل اتفاقاً مع حقيقة اكثر عمقاً. وهنا يبرز نوع من القصدية (الوجدانية) لتحطيم نظام الصورة الايقونية كقيم بنائية مادية، متحولة لبنية فكرية تسقط الصورة الذهنية، ولكن كايقونات ذات مغزى كوني، يؤسس الشكل فيها مقترباً له بين التماثيل السومرية ولوحة الزوجين للفنان (مودلياني) وتمثال السيدة (بوكَاني) للنحات برنكوزي.

وبفعل انكماش التعبير في منظومة التماثيل السومرية على الحياة الداخلية للذات، التي تتجاهل العالم الخارجي، فان نظام التماثيل السومرية. يؤسس له مقترباً مع اقنعة (انسور) وموديلات (جورج روو) . فهناك قصدية واعية مستندة الى الخيال والارادة والوجدان، سعت الى تحطيم المنظومة الايقونية لنظام الصور الشكلي، بغية التغلغل بما هو انفعالي، لكشف مشكلات الذات الانسانية. فهنا يمكن (رصد) نوع من النزعة العاطفية حلت محل العقلانية، ترجح خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع . وفي ذلك نوع من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية.انه الفنان نفسه المقدم على هيئة عمل خلاق، يعبر به عن سعادته الداخلية." ذلك ان الوجود كله في التعبيرية امتداد لروح الفنان او نفسيته، فالفنان مركز الكون، والكون كله نابع منه".

هذا هو جوهر التعبيرية بين سومر والفن الحديث، ومصدر قوتها وجمالها وروعتها.وهكذا فان نظام الصورة التشكيلية بين المبدع السومري الاول والمصور التعبيري، ليست تسجيلاً للواقع الخارجي، بقدر ما هي املاء لذات الفنان، بفعل انصهار الوجود في مخيلته، كما لو كان التمثال قطعة من ذاته، لا جزء من الواقع الموضوعي المحيط به. انه نوع من النزعة غير التسجيلية، التي سعت في سلسلة الاشكال بين سومر والتعبيرية، الى اختزال الظواهر المرئية لتاكيد استقلالية الاشكال الخالصة.

انها تفرض نظاماً على الاشكال، وتقصي من بنائيتها، ما هو عرضي وزائل في رؤيا الاشياء، وتسخر الاشكال والمقاييس لا كادوات بل كحلول. متوصلة بذلك الى اسلوب يتيح للفنان مزيداً من الحرية للايفاء بحاجاته الروحية، وتاويل ما لا يحصى من املاءاته الذاتية. ذلك ان التعبيرية بين المبدعات السومرية والفن الحديث، تقوم على اعادة بناء العالم في حالته السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الاشياء من دلالة الا بقدر ما تتحول لتعكس وضعاً انسانياً.

ان دلالة تمثال المتعبد السومري ليست الا فكرة التعبد، اما صورته فتتلخص في تعبيرها الخيالي. وكي يتضايف هذان الوجهان في نظام التمثال الشكلي، يلزم تحول الموضوع الى شكل فني . بحيث لا يكون القصد ان تمثل هذه الاشكال ذاتها بما فيها من خصوصيات فردية، ولا ان تعرض للوعي مباشرة (الميتافيزيقي) المخبىء فيها، بل تكون اشارة وتلميحاً اليه. ذلك ان التجريد يطال كل السمات الواقعية في الصور السومرية والاسلوب التعبيري، ولا يغدو تمثلاً حقاً في بنائية مثل هذه الاشكال الرمزية، الا بعد ان يلغي من عالم المرئي كل ما يؤلف بنية الموضوع الفردية، بفعل تبسيطه واختزاله اياه.

وقد بدت هذه التقابلات الشكلية، مفهومة بين نظام التماثيل السومرية وتمثال السيدة (بوكاني) للنحات برنكوزي ذلك ان الشخصيات مفرغة تماماً من وجودها كايقونة معاشة، ومرحلة بفعل تماثل ضغوط البنية العميقة للفنان، الى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور. نوعاً من الصوفية عصفت بالمتعبد السومري، ومن بعده شخوص (كيرشنر – روتلوف)، لاجتياز حالة البشري وصولاً الى حضور الابدية.

لم ينظر المبدع السومري الى الفن باعتباره تمثيلاً للاشياء المرئية، بل وسيلة للكشف عن حقائقها، ذلك ان المرئي في الذهنية السومرية، لم يكن الا حالة مفردة فقط، ففي (الكوني) هنالك حقائق كامنة اخرى، انه الفن الذي ينفصل بفعل الذات عن الطبيعة كالنار والادوات. فالقيم الثابتة في المبدعات التشكيلية السومرية، هو تاويل دلالات غير متوقعة ولمسة من الجمال يحققها الفنان بالتقارب الشاعري بين اشياء اعتيادية، تنتزع من حالتها التقليدية، لتتحول الى أنظمة شكلية . وهي افاق ابداعية تبدا بوساطة الانسان ذاته، وبتأكيد حقه في ان يتجاوز الطبيعة اعتماداً على مقاييس ومعايير جمالية جديدة. وربما يتصل ذلك بفكرة (بودلير) المشهورة : " أريد حقولاً ملونة بالاحمر واشجار لونت بالازرق، فليس للطبيعة من مخيلة".

ومن هنا يمكن ان يتسامى سقف التعبيرية أعتلاءً، ليقيم سلسلة تاريخية بين التماثيل السومرية ومقابلاتها التعبيرية في متحف الانسانية الخالد. ولكن هذه المرة بدلالة الخامة والتقنية، وهي تقدم خطابها الشكلاني الجمالي على السطوح التصويرية

ان فكرة تجميع الخامات في بنية التماثيل السومرية، تؤسس لها مقترباً مع بنية الشكل في الفن الحديث. ذلك ان (القصدية) السومرية الساعية للتاويل الكيفي الابداعي، في الجمع ما بين القار واحجار البلور الملونة والعاج والقرميد، في بنية الاشكال. تبرز في الذهن فكرة الخشب او الحجر او الصلُب، اكثر مما توحي بفكرة اللحم البشري. حيث عرف الفنان كيف يبعث فيها بريقاً مرتعشاً، يزيل عنها ما علق بها من قيم مادية . فهذه المبدعات غير محددة بزمن او مكان معينيين، بفعل تحررها من قيود التاريخية، انها تخاطب الانسانية بطريقة رمزية شمولية . انها ابلاغ الى اولئك الذين يدركون بوعي رؤية غيبية مماثلة.

هذا الوعي الجمالي بدائرة تجميع الخامات لبناء جسم التمثال، بغية تفعيل تعبيريته، يعقد له مقترباً من التواصل، مع افكار (دوشامب) في الخامات الجاهزة المتنوعة لتكوين نسيج التشكيل، ويقيم تواصلاً ايضاً مع اعمال (بيكاسو) وبالاخص تمثاله (كاس الابسنت)، وبفكرة (براك وبيكاسو) بتقنية (الكولاج) في التكعيبية التركيبية. ليقدم السطح التصويري للتشكيل، خطابه بشكل انساق تعبيرية جمالية، تتعدى واحدية الخامة، باحثة عن تعددها وتنوعها باعتبارها مدلولات جمالية يبثها سطح التشكيل.

 

أ. د. زهير صاحب

كلية الفنون الجميلة – بغداد 

 

khadom shamhodيذكر المستر اوهدى في كتابه – بيكاسو والتقليد الفرنسي – ان بيكاسو لما حط في باريس عام 1903 بقى محافظا على تناسقه القومي ولم تغيره او تهضمه البيئة الجديدة .. ويرى ان هناك تشابها خفيا بين العبقريات الاغريقية والالمانية والاسبانية وان لها اشتياقا كبيرا الى اللانهائي والى العلو السماوي .. اخوان غريس واحد من عبقريات الفن الاسباني الحديث . ويشكل هو وبيكاسو وبراك المثلث الذهبي للمدرسة التكعيبية .. ويعتبر احد اساتذتها العظام . واذا كان المستر اودى نسى الابعاد الحضارية لبيكاسو فنحن نذكره بها . انها الاندلس التي كانت عصارة الحاضرة الشرقية , ومن هنا جاءت عبقريته.. وقد ظهرت المدرسة التكعيبية بين اعوام 1907 و1914 . ويذكر ان اسمها اخذ من الناقد الفرنسي لويس بوكسلي

Louis Vauxcelles عندما علق على اعمال جورج براك (ان السيد براك اختزل كل شئ المواقع والاشخاص والبيوت .. وجعلها تخطيطات هندسية .. فمكعبات) . ومن هنا بدأ يطلق على هذا التيار الجديد بالتكعيبية ..

اخوان غريس –

اسمه الحقيقي هو خوسيه بيكتوريانو غونثالث . درس الرسم في مدرسة الفنون في مدريد كما درس على يد البروفيسور خوسيه مورينو كاربونيرو . بعد ذلك اخذ يرسم في الصحافة الاسبانية مثل blanco y negro -  Madrid comico . يضاف الى ذلك انشغاله في تصميم اغلفة كتب الادب و الشعر و غيرها .. هاجر الى فرنسا عام 1906 وهناك التقى مع ابن بلده بيكاسو وعقد معه علاقات صداقة وعمل كم تعرف على ماتيس وبراك وفرناندو ليجيه ومودلياني .. واستقر في حي مونمارت (مونتمارتر) في مسكن او فندق يدعى – باتيو لوفير Bateau Lavoir ومكث فيه صبرا على الفقر عشرة سنوات . وكانت اعماله التشكيلية الاولى تنحو نحو اسلوب تولزلتريك .

12-ikhoagreesفي بداية حياته الباريسية اشتغل كرسام في بعض الصحف مثل Le Temoin y Charivari . Le Cride Paris و وابتداءا من سنة 1910 اخذ اخوان يبتعد عن عمل الصحافة تدريجيا ويتجه في تجاربه التشكيلية الى التكعيب متأثرا بصديقه بيكاسو . وتذكر المصادر الاسبانية ان هناك عدد من التخطيطات الاولية ذات الاتجاه التكعيبي مؤرخة عام 1911 توجد حاليا في متحف تايسون في مدريد ...

في عام 1912 اشترك اخوان في معرض جماعي في صالو المستقلين في باريس وقدم فيه بشكل واضح وجلي اول اعماله التكعيبية وبصماته عليها مميزة عن براك وبيكاسو . وفي عام 1913 بدأ اخوان يشتغل بطريقة قص قطع الكارتون وورق الصحف ولصقها على قماش اللوحة مكونا منها مع الوان الزيت تركيبة هندسية رائعة (كولاج). وبين اعوام 1910 و1920 رسم اخوان سلسلة من الاعمال الصامتة اعتبرها البعض من اجمل مراحل حياته الفنية حيث ظهرت براعته وجرأته الفائقة ... وهنا شكل تحديا و تنافسا حقيقيا مع بيكاسو وبراك مما خلق حساسية وحسدا من قبل هؤلاء .. ولهذا فقد انقطعت العلاقة والصداقة مع بيكاسو .. وقد كتب احد النقاد الفرنسيين في هذا الصدد وهو جيرترود (ان خوان غريس كان الشخص الوحيد الذي تمنى بيكاسو ان يذهب) .

خصائص اسلوبه-

امتازت اعمال اخوان بالهدوء وبعمقها الوجداني بحثا عن روحية الاشكال ومحاولة استنطاقها فجاء اسلوبه شاعري رقيق , تاركا احينا فراغات وكأنها وجدت للتهوية او التنفيس . وقد بنى عناصر اللوحة على شكل معماري هندسي وفق ذهنية النظام والترتيب .. وتركزت مواضيعه على الطبيعة الصامتة والآلات الموسيقية واطباق الفاكهة وغيرها .. وكانت الوانه تتناغم بينها وبين الاشكال في حوار جدلي اختلاف وخلاف بين الاسود والابيض والازرق والقهوائي الغامق والفاتح يضاف اليها اللون الرمادي . وقد لعبت هذه الالوان دورا كبيرا في تخفيف درجة حدة الخطوط الهندسية وقساوتها .. فكانت اعماله تخضع للمنطق العقلي ولم يترك للصدفة مجالا في عملية التعبير، فكل شئ خاضع للنظام .. عكس مواطنه بيكاسو الذي اطلق العنان الى فرشاته مشرقا ومغربا في حركتها وتعبيريتها .. وهناك قول للفنان الانكليزي بليك حول التنوع في الاسلوب والحركة والتي يعتبرها من صفات العباقره فيقول: (ان الرجل العاقل وحده الذي يصر على بلاهته) وهذا القول خاضع للنقاش وطرح الآراء .. في عام 1922 مرض اخوان واصيب بدا الربو ونصحوه الاطباء من الانتقال الى جنوب باريس حيث الشمس والهواء النقي .. وحتى عام 1924 لم يكن اخوان معروفا ككبار الفنانين مثل بيكاسو وماتيس رغم حركته الدؤبة في اقامة المعارض المشتركة و الشخصية كما في اعوام 1919 و1922 و1924 في باريس .. وبعد مصارعته الطويلة مع المرض توفى اخوان عام 1927 وكان عمره 40 سنة .

اما في اسبانيا فلم يشتهر الا عام 1980 حيث قامت له حملة اعلامية كبيرة من قبل المتاحف وتجار اللوحات والمؤسسات الثقافية وغيرها .. مما ادى الى صعود رقم سمعته وبالتالي احتلت اعماله متاحف العالم كاسبانيا ونيويورك وباريس والمانيا ولندن وغيرها وو صلت اسعارها الى ارقام خيالية مثل لوحة - القيثارة - التي وصل سعرها عام 2010 الى 28,6 مليون دولار –violón et guitare -

 

د. كاظم شمهود

khadom shamhodانتونيو ساورا Antonio Saura    هو احد ابرز فناني ما بعد الحداثة  وعده بعض النقاد من عمالقة الفن الاسباني المعاصر .