khadom shamhodهناك اعمال فنية تخلق شعور بالمتعة للمشاهد او المتلقي وهناك اعمال في الطرف الآخر تنتج احساس بعدم الارتياح والنفور احيانا .. فالاول هو الاحساس بالجمال والثاني هو الاحساس المضاد وهو القبح . هذا التحكم في الاستجابة والرفض للعمل الفني هو ما يخص عمل النفس وشغلها .. وحسب بعض الفلاسفة ان النفس تنقسم الى ثلاثة : 1 / النفس الراضية 2/ النفس الامارة 3/ النفس اللوامة .. وقد اشار القرآن الكريم الى هذه الاصناف ... والنفس الراضية عادة ما تبحث عن الجمال والمتعة التي تتجسد في عملية التناسق والتكامل والانسجام في العلاقات الشكلية . ومن الممكن ان بعض الناس غير مدركين مطلقا للعلاقات النسبية في الجانب المادي من الاشياء .. فهناك ناس مصابون بعمى الالوان والذوق . كذلك فان آخرين يكونون عميانا بالنسبة للشكل والسطح واالكتلة ...

  فاذا اخفقت الاشكال في اعطاء المتعة . هنا يأتي دور النفس بالبحث عن الفكرة حيث لابد ان يكون خلف هذه الاشكال قد طرحت فكرة ما . وهنا نقول ان الفن قد نال تعبيرا . وبالتالي فان الفن ليس بالظرورة ان يكون جميلا في تناغم اشكاله . قد يكون مبعثرا ولكن الفكرة جميلة ..

(وكان سقراط 470 -470 ق م – يعد الجميل هو المفيد حتى ان الاشياء القبيحة تكون جميلة اذا كانت مفيدة ...) وهذه النظرية اصبحت ميدانا خصبا للفنون الحديثة التي خرجت على المعايير الكلاسيكية القديمة وحطمتها

 وينقل لنا التاريخ بان الاديب البصري العربي الجاحظ 159-255 هجرية - كان دميما قبيحا جاحظ العينين ولكنه كان من فطاحل العرب في الادب والنثر، ويعد كتابه – البيان والتبيين – واحد من اربعة كتب اشار اليها ابن خلدون والتي تعتبر من المصادر الاساسية للادب العربي). كما ان الشاعر البصري الآخر بشار بن برد كان مفرط الجسم ضخما اعمى .. وقد مرت عليه في يوم من الايام أمرأة فقالت له : انا لا افهم كيف يخافك الناس ؟؟ فرد عليها : امن جمال الاسد يهاب الناس ...؟؟


221-shmhod وقد فرق سقراط بين الجمال والجميل " فالجمال قائم بذاته وهو ليس الاشياء التي تتصف بانها جميلة . فمثلا ان الاشياء التي نراها امامنا من ملابس وعمارة كلها جميلة ولكن يوجد فوقها الجمال نفسه – المطلق- اما الفن فيرى انه تقليد للطبيعة او محاكاتها وان الفنان عليه ان يرسم الانسان روحا وجسدا وبذلك فقد افصح سقراط عن هويته بانه من اصحاب النفس الفاضلة ...

 بعض مفكرينا يذكر بان سقراط ربما هو احد الانبياء الذين لم يذكروا في الكتب المقدسة والذين كان يبلغ عددهم - 24000- نبي ورسول..

والجمال عند - افلاطون 427 ق م - هو الجمال المطلق الذي يوجد في عالم المثل . فالجمال المادي هو صورة عن الجمال الحقيقي، فالموجودات جميلة من جهة الصورة وقبيحة من جهة المادة . اما الفن فيعتبره محاكات للطبيعة كما هو عند استاذه سقراط ولكن هذه المحاكات هي ايضا محاكات لمثالها . اذن الفن عنده تقليد لتقليد ...

اما ارسطو 384 ق م - فانه يختلف عن افلاطون في وجهة نظره عن الفن والجمال . حيث يرى افلاطون العقلانية والمثالية بينما يرى ارسطو العقلانية والواقعية . ويرى ارسطو ان التناسق والانسجام والوضوح هو الجميل . كما يرى ان الفن هي المحاكات وان وظيفة الفنان هي اظهار الانفعالات الانسانية . وتعتبر هذه الظرية هي الممهد الحقيقي للمدرسة الواقعية التي ظهرت على يد الفنان- كوربيه 1819 –

كان الفيلسوف اليوناني – هيراقليطس 576 ق م – هو اول من قال بان الجمال المادي نسبي . حيث يقول ان اجمل قرد يبدو لنا قبيحا اذا ما قورن بأقبح انسان . واجمل انسان يبدو لنا قبيحا اذا ما قورن بأقبح الآلهه ..

وكان عدد من الفكرين المسلمين نهجوا نفس منهج ارسطو ولكنهم توسعوا وانطلقوا من مفهوم التوحيد في العقيدة ونظرته الى الجمال والفن، مثل ابو حيان التوحيدي 923 م- وابن خلدون -1323 م – وغيرهم . ولازالت آراء علماء المسلمين هي النبع والرافد الذي يعتمد عليه الغرب في مسألة علم الجمال ومفهوم الفن ..

 

zouher sahebحين اعلن (اندريه مالرو) عن متحفه الخيالي، فانه قدم للانسانية والذائقية المعاصرة، فهماً للفن من خلال الفن ذاته. وفي سياقات تفكيره الابداعي هذا، يمكن ان نقيم تقابلاً في العلاقات الشكلية، بين بنية الزقورة السومرية، بخطوطها الافقية والعمودية المتقاطعة. ونظام الصورة التجريدي الهندسي الذي يميز اعمال (موندريان). وبذات الفاعلية،يمكن رصد مجموعة من نظم العلاقات الشكلانية بين الهرم المصري، (وتمثال) طائر في الفضاء للنحات (بزنكوزي)، في السعي نحو اللا محدود والمطلق، وهذه الامثلة وغيرها  الكثير، تستقدم  الابداعات التشكيلية السومرية، الى عالم الفهم المعاصر، شريطة ان تُحرر من آنية احساساتنا، وآنية العالم الشخوصي والمادي معاً.

وحين تُؤسّس منظومة الاشكال السومرية، انظمتها الشكلية، بعيداً عن حكائية المرجعية ومحدودية التاريخية. فانها تقول مقولتها، وتؤكد نوعاً من الرؤية، نُسقط فيها الفهم المعاصر على ما هو قديم وليس العكس. بحيث اننا يمكن ان نؤسس (مقتربات) شكلية، بين نظام الصورة السومرية والفن الحديث داخل بنية الفن.. وهي افاق تبدا بتاكيد الوجود الانساني، بوساطة الانسان نفسه، ويتاكيد حقه في ايجاد حقيقة اخرى، خارج حدود الطبيعة. بل وتجاوزها اعتماداً على قوانين خلق اخرى، وعلى مقاييس جمالية ومعايير حكم جديدة. فالاشكال السومرية تفكر في عقولنا بدلاً من تفكيرنا بها، انه الطابع الانساني الذي جعل من الفن السومري، انشودة يرددها التاريخ . 

فالفنون التشكيلية السومرية (الرليفات) هي صور عظيمة في تاريخ الفن، ذلك انها ترينا شيئاً نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة.وان العبقرية السومرية تنسج الحياة والفن، والتمثيل والتصميم في نسيج واحد. وبهذا الكيف، قدمت العقلية السومرية (الموقرة)، لاشكالات الفكر الانساني، حلولاً ابداعية مهمة في مجالات التشكيل، (فالفوتوغرافيا) لم تكن تعني للسومريين شيئاً ذلك ان محدوديتها التشبيهية، كانت تتعارض مع (ايدلوجيا) الفكر السومري اللازماني واللامكاني. بحيث اصبح (موضوع) الشكل في الرليفات السومرية مَحض وسيلة لابداع علاقات شكلية تجريدية . فالمثير في الموضوع، لا اهمية له، والاشتغال هنا يكمن في القصيدة نفسها، أي بتوافق الكلمات والصور وتناغمها الدائم والثابت. ومن هنا جاء قول (غوته): "ان الهندسة موسيقى الحجر".

وان الفن (العظيم) يتضمن بالذات تخلصاً من التشخيصية ومن حالة البشرية، ليتمتع بصفة الابدية،وحين (تُبلّور) الاشكال في الرليفات السومرية، الميتافيزيقي المتضمن فيها، بالبحث عن الجوهري المُتخفي تحت (زوائد) البشري. فانها (لَخصّت) الشكل الى قوانين هندسية (شكل مثلث يقوم على شكل مخروط). فالفن في سومر، حجاب اكثر منه مرآة . وهي بذلك تعقد نظاماً من الاقتراب مع افكار (سيزان) في العملية الابداعية في التحليل والتركيب والتشكيل، والذي يرى بوجوب تكثيف الاشكال الطبيعية الى انظمة هندسية ترتبط ببنائية الكرة والمخروط والاسطوانة. 

فقد أدخَلت  العقلية السومرية المُبدعة، مفاهيم الطبيعة ضمن قواعد الضبط والدقة، وينوع من (الثيوصوفية الموندريانية) والتي انتزعت من الشجرة كل شيء، عدا الصورة التي يُفترض ان توقظها في الوعي، ليس بكونها شجرة، وانما على انها شكل شجرة. وكان المشهد اشبه بالتمرد على الظواهر الخارجية، واختراقها وتحطيمها من جديد، عوداً الى اللب، حيث اللون وحده، والحرية لوحدها. فحين (اراد) الانسان تقليد فكرة (المشي) اخترع العجلة التي لا تشبه الساق في شيء.

ان الكون متشابه في نظرنا كلنا، ومتباين في نظر كل منا على حدة. فهو ليس كوناً واحداً، بل ملايين . على عدد ما فيه من (خوخ) وعقول بشرية تستيقظ كل صباح. هذا (الاختلاف) في الرؤية، والتّولد، الجديد في اليات التفكير، هو نوع من الازاحة في دراسة الفن، تُزيح والى الابد، تلك القطيعة (الابستملوجية) بين بنية الفنون  السومرية  باعتبارها انظمة شكلانية، ومقارباتها في الفن الحديث. شريطة اقصاء المدلول الميتافيزيقي من بنائية الصور السومرية . فَجُلّ الاهتمام هنا، ينصب على تحليل بنية الصور (كدوال) تركيبية، وتَمظهرها المتشابه مع بنية الاشكال في الفن الحديث. وهذه (الرؤية) تَدعونا، الى (تاطير) سلسلة الاشكال (السومرية – والفن الحديث) في مفاهيم النظام او النسق. نوعاً من سلسلة تعقد تراصف (الدوال) الى بعضها كوحدة كلية، بدلاً من تفكيك مفهومياتها التي طالما تُقررها حكائية المدلولات.

ان حفراً عميقاً في بنية النصوص السومرية (الرليفات)، يُظهر  ان نظام الصورة السومرية، يمكن ان يؤسس له مقترباً  مع شكلانية الاشكال التكعيبية. فنظام الصور السومرية باعتبارها انظمة شكلية، ليس لها مماثلات في الوجود الشيئي المتعين. انها نماذج معدلة، ترتقي على المحاكاتية، باعتبارها كشوفاً (حدسية) متحررة من محدودية القيود الحسية. فالشكل لا يجد تحققه بالفعل ذاته، بل عليه ان يُعلن ويوسع شكلاً (شعرياً) من اشكال الحقيقة.

فعلينا هنا  ان (نغيبّ) عمل المراقبة البصرية، نحو تَفعيل دور التاويل والكشف عن البنية الهندسية الخالصة في تركيب الاشكال. وان انتصار الشكل في التشكيلات السومرية (الرليفات)، كونه الوسيط بين فيزيائية الظواهر وجواهرها . فهي قبل ان تكون اشكالاً طبيعية، فانها صور رمزية مستخلصة من الطبيعة، انه نوع من اعادة (صياغة) الطبيعة في جوهرها وماهيتها، كونها تعود الى نسق التشكيل وليس الى الواقع المادي.

وقد لا نضيف شيئاً جديداً في تحري تاريخ التكعيبية وخصوصياتها كاسلوب اساسي من اساليب الفن الحديث. الا ان اهتمامنا يقع في كشف الجوهري في نظام الشكل التكعيبي، مع (رجاء) الى التاريخية في ان تُرخي قيودها، كي تتخذ الاشكال سلسلتها المترابطة، وتقدم مقولتها على انها انظمة شكلية، وليست مدلولات (اخلاقية).

وهنا تبرز صورة جديدة للعيان، تؤسس مقترباً لها، بين نظام الصورة السومرية في الالواح النذرية، ومماثلها في لوحة بيكاسو (فتاة امام المراة). فكلاهما يشتركان في الية عمل الصورة الذهنية، والتي تسعى الى تمثيل ما تعرفه وتدركه عن الشيء، وما ينبغي ان يكون عليه، بدلاً من محاكاة ما تراه. واضعة بذلك التجربة الحسية، تحت سيطرة ومراقبة  العقل . 

585-salimفالفنان في سومر والتكعيبية، يسعى الى بناء حقيقة صورية، ومن هنا كان التوجه نحو المظاهر التجريدية، والتوقف عند الصور الذهنية غير المادية، والقائمة على التنظيم البنيوي (المتناغم) في الأشكال الهندسية . ذلك ان الفنانين في سومر والتكعيبية، لم يروا باعينهم ما في الطبيعة بل بافكارهم، وهم لم ينسخوا الموضوع كما في الواقع، بل يؤولونه نحو الجوهر، وهذا ما تؤكده مقولة (ماليرانش): "ان الحقيقة  ليست في حواسنا بل في فكرنا".

ان الموضوع (الشيء) في (عندية) الفنان السومري والتكعيبي، لا شكل له في المطلق، بل له عدة اشكال، على عدد ما في مقاطع التاويل من زوايا النظر، وعلى عدد نظر العيون التي يمكنها النظر الى الشيء. وبتمثيلهم الشكل الواحد من مختلف وجوهه في ان واحد، فانهم حاولوا التعبير عن الحقيقة المطلقة، مُدعين تقديم صورة للشيء، اكثر موضوعية من مجرد التوقف عند مظاهره الخارجية.

فقد واجهت المُبدع السومري، ومن بعده بيكاسو وبراك، ذات المشكلة، وهي (الكيفية) في تمثيل الاشكال الابعاد الثلاثة، على سطح ذي بُعدين، فكانت الحلول في بنيتها الشكلانية متشابهة . وتقضي بتمثيل الشكل باكثر من زاوية نظر في لحظة زمنية واحدة، بحيث تكون رؤية الشكل اشبه بمسرح الحلية الذي يلتف حوله الجمهور في فحص الاشكال. فالصور تصبح هنا، مجرد انعكاس للتساؤلات التي تطرح حول الوجود، وذلك بالانتقال بالشكل الطبيعي، من صورته العرضية، الى بنائيته الشكلانية الخالدة.

وبدراسة تحليلية  تَتحّرى  احالة (الموضوع) الى انظمة شكلية، في (الرليفات) السومرية والصورة التكعيبية. تُظهر  ان آليات  الاداء (العقل واليد) تُفعّل نوعاً من الكشف التجريدي في تركيب الهيئة، وذلك (بتقشير) اغلفة الشكل المتتالية وصولاً للبنية الشكلية المحَضة  مدركة ان قيمة الشكل في هيكله العظمي، وان وجوده في ذاته، لا في تماثله مع الواقع.

فالهندسية في الاشكال السومرية والتكعيبية، مثل القواعد في الكتابة نتيجة ارقام او (نسب) تُشكل توازناً بالتوازنات . فاوجدتا قراءة رياضية للنص، يهيمن فيها انفتاح (الدال) على محدودية حكائية المدلول. فاسست الاشكال انزياحها في سلسلتها التاريخية، متحولة من صور مماثلة لفيزيقية الاشياء، الى بنايات شكلية مُعبرة عنها، فاسست الاشكال وجودها، بدلاً من صناعة التاريخية لها.

ابدعت العقلية الانسانية، في سومر والتكعيبية، نظاماً للاشكال، مُثلت بموجبه معزولة عن العوالم المرئية. فالتشكيلات لا تستند الى الزمان والمكان، الا بمقدار العلاقة التي يقيمها (الاخيران) مع المُتخيل او مع اللاواقع. فالكهنوت السومري  وبفعل الوعي والقصد والارادة، مثل بيكاسو وبراك، لا يريدون ان يعرفوا سوى افكارهم وحدوسهم عن البناء الشكلي للمثل الاعلى في التعبير، ويزعمون تطبيقه حتى درجة المطلق. ومن هنا كانت تجزئة الشكل، الى مساحات هندسية مُسطحة ومتداخلة، وتمثيله من مُختلف وجوهه في زمن واحد، لتقديم صورة عن (الشيء) اكثر موضوعية من مُجرد التوقف عند مظاهره الخارجية.

وبنفس نظام صورة (البورتريت) في الفنون السومرية عمد التكعيبيون الى رسم انف كما يرى من الجانب على وجه منظور من امام، اوعينا  بوضع امامي على وجه جانبي المنظر. وقد اوضح (بيكاسو) فكرة هذه التركيبات: " بان الراس عبارة  عن عينين وانف وفم، وهي اشكال يمكن ان توزع باي طريقة، ويبقى الراس راساً، وهذا الاسلوب في التفكير يماثل منهج التاليف في الموسيقى". انه التنقيب في منطقة النص، وصولاً الى الشكل الجوهري الكامن، وراء المظهر الخارجي، وتحليله واعادة تنظيمه، بتركيب وانشاء نظام جديد. انهم جعلوا من الشيء الحقيقي شيئاً فنياً.

وهذه الوظيفة الجمالية للصور التشكيلية، وهي تعقد سلسلتها عبر التاريخ. كانت كشفاً للامرئيات بقوالب المرئيات. وهي بذات القراءة، نظاماً منضبطاً او وسيلة لتبسيط الاشكال وتقوية التكوينات. لا لتاكيد الخط فحسب، بل الحجم ايضا. فكان كل شيء فيها، جسماً صلداً مختزلاً الى تشييدات هندسية. لم يعد فيها التركيز على الشيء ذاته بل على الترتيب  الشكلي المستقل لهذا الشيء. انه التعبير عن القوة الشاملة في الانسانية، المعبرة عن (دلالة) النقاء الروحي والكوني للمطلق .

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

zouher sahebان ما يشكل جزءاً من اليومي، يصبح في الوعي الجمعي نوعاً من الاسطورة، التي تنتمي الى الخيال والى مجال اللا محتمل. ذلك ان (التمثال) في المبدعات السومرية، حدسي متحرر من ضغوط القيود الحسية، ومحمل بطاقة روحية مهيمنة، وبنوع من التضايف بين الذاتي والموضوعي، بحيث ان الخارجي لا يكون مسوغاً لوجودها، الا ان يكون تعبيراً عن الداخلي. فهناك عالم ذاتي ليس اقل واقعية ولا اقل حقيقة من العالم الذي يعتبره الحس المشترك عالماً موضوعياً.

ومقولة التماثيل السومرية هذه، تؤسس مقترباً لها مع اسلوب التعبيرية، حيث عمل الفن على تفعيل فكرة اخضاع الطبيعة، وجعلها طبق الاصل لاستجابة الفنانين الذاتية .. والذين بذلوا جهداً فكرياً وتقنياً لاختراق الظواهر، بغية كشف عما شعروا انه يؤلف الجوهر الاساس في الظواهر".

ذلك ان بنية الفكر بين سومر والتعبيرية، قد بثت الرغبة في الذات، ان تدخل سر الحياة، وان تتعقب دروب الطاقة الخلاقة في الوجود، وان تبتكر ليس ابتداءً من الواقع المنظور، بل اتفاقاً مع حقيقة اكثر عمقاً. وهنا يبرز نوع من القصدية (الوجدانية) لتحطيم نظام الصورة الايقونية كقيم بنائية مادية، متحولة لبنية فكرية تسقط الصورة الذهنية، ولكن كايقونات ذات مغزى كوني، يؤسس الشكل فيها مقترباً له بين التماثيل السومرية ولوحة الزوجين للفنان (مودلياني) وتمثال السيدة (بوكَاني) للنحات برنكوزي.

وبفعل انكماش التعبير في منظومة التماثيل السومرية على الحياة الداخلية للذات، التي تتجاهل العالم الخارجي، فان نظام التماثيل السومرية. يؤسس له مقترباً مع اقنعة (انسور) وموديلات (جورج روو) . فهناك قصدية واعية مستندة الى الخيال والارادة والوجدان، سعت الى تحطيم المنظومة الايقونية لنظام الصور الشكلي، بغية التغلغل بما هو انفعالي، لكشف مشكلات الذات الانسانية. فهنا يمكن (رصد) نوع من النزعة العاطفية حلت محل العقلانية، ترجح خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع . وفي ذلك نوع من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية.انه الفنان نفسه المقدم على هيئة عمل خلاق، يعبر به عن سعادته الداخلية." ذلك ان الوجود كله في التعبيرية امتداد لروح الفنان او نفسيته، فالفنان مركز الكون، والكون كله نابع منه".

هذا هو جوهر التعبيرية بين سومر والفن الحديث، ومصدر قوتها وجمالها وروعتها.وهكذا فان نظام الصورة التشكيلية بين المبدع السومري الاول والمصور التعبيري، ليست تسجيلاً للواقع الخارجي، بقدر ما هي املاء لذات الفنان، بفعل انصهار الوجود في مخيلته، كما لو كان التمثال قطعة من ذاته، لا جزء من الواقع الموضوعي المحيط به. انه نوع من النزعة غير التسجيلية، التي سعت في سلسلة الاشكال بين سومر والتعبيرية، الى اختزال الظواهر المرئية لتاكيد استقلالية الاشكال الخالصة.

انها تفرض نظاماً على الاشكال، وتقصي من بنائيتها، ما هو عرضي وزائل في رؤيا الاشياء، وتسخر الاشكال والمقاييس لا كادوات بل كحلول. متوصلة بذلك الى اسلوب يتيح للفنان مزيداً من الحرية للايفاء بحاجاته الروحية، وتاويل ما لا يحصى من املاءاته الذاتية. ذلك ان التعبيرية بين المبدعات السومرية والفن الحديث، تقوم على اعادة بناء العالم في حالته السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الاشياء من دلالة الا بقدر ما تتحول لتعكس وضعاً انسانياً.

ان دلالة تمثال المتعبد السومري ليست الا فكرة التعبد، اما صورته فتتلخص في تعبيرها الخيالي. وكي يتضايف هذان الوجهان في نظام التمثال الشكلي، يلزم تحول الموضوع الى شكل فني . بحيث لا يكون القصد ان تمثل هذه الاشكال ذاتها بما فيها من خصوصيات فردية، ولا ان تعرض للوعي مباشرة (الميتافيزيقي) المخبىء فيها، بل تكون اشارة وتلميحاً اليه. ذلك ان التجريد يطال كل السمات الواقعية في الصور السومرية والاسلوب التعبيري، ولا يغدو تمثلاً حقاً في بنائية مثل هذه الاشكال الرمزية، الا بعد ان يلغي من عالم المرئي كل ما يؤلف بنية الموضوع الفردية، بفعل تبسيطه واختزاله اياه.

وقد بدت هذه التقابلات الشكلية، مفهومة بين نظام التماثيل السومرية وتمثال السيدة (بوكاني) للنحات برنكوزي ذلك ان الشخصيات مفرغة تماماً من وجودها كايقونة معاشة، ومرحلة بفعل تماثل ضغوط البنية العميقة للفنان، الى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور. نوعاً من الصوفية عصفت بالمتعبد السومري، ومن بعده شخوص (كيرشنر – روتلوف)، لاجتياز حالة البشري وصولاً الى حضور الابدية.

لم ينظر المبدع السومري الى الفن باعتباره تمثيلاً للاشياء المرئية، بل وسيلة للكشف عن حقائقها، ذلك ان المرئي في الذهنية السومرية، لم يكن الا حالة مفردة فقط، ففي (الكوني) هنالك حقائق كامنة اخرى، انه الفن الذي ينفصل بفعل الذات عن الطبيعة كالنار والادوات. فالقيم الثابتة في المبدعات التشكيلية السومرية، هو تاويل دلالات غير متوقعة ولمسة من الجمال يحققها الفنان بالتقارب الشاعري بين اشياء اعتيادية، تنتزع من حالتها التقليدية، لتتحول الى أنظمة شكلية . وهي افاق ابداعية تبدا بوساطة الانسان ذاته، وبتأكيد حقه في ان يتجاوز الطبيعة اعتماداً على مقاييس ومعايير جمالية جديدة. وربما يتصل ذلك بفكرة (بودلير) المشهورة : " أريد حقولاً ملونة بالاحمر واشجار لونت بالازرق، فليس للطبيعة من مخيلة".

ومن هنا يمكن ان يتسامى سقف التعبيرية أعتلاءً، ليقيم سلسلة تاريخية بين التماثيل السومرية ومقابلاتها التعبيرية في متحف الانسانية الخالد. ولكن هذه المرة بدلالة الخامة والتقنية، وهي تقدم خطابها الشكلاني الجمالي على السطوح التصويرية

ان فكرة تجميع الخامات في بنية التماثيل السومرية، تؤسس لها مقترباً مع بنية الشكل في الفن الحديث. ذلك ان (القصدية) السومرية الساعية للتاويل الكيفي الابداعي، في الجمع ما بين القار واحجار البلور الملونة والعاج والقرميد، في بنية الاشكال. تبرز في الذهن فكرة الخشب او الحجر او الصلُب، اكثر مما توحي بفكرة اللحم البشري. حيث عرف الفنان كيف يبعث فيها بريقاً مرتعشاً، يزيل عنها ما علق بها من قيم مادية . فهذه المبدعات غير محددة بزمن او مكان معينيين، بفعل تحررها من قيود التاريخية، انها تخاطب الانسانية بطريقة رمزية شمولية . انها ابلاغ الى اولئك الذين يدركون بوعي رؤية غيبية مماثلة.

هذا الوعي الجمالي بدائرة تجميع الخامات لبناء جسم التمثال، بغية تفعيل تعبيريته، يعقد له مقترباً من التواصل، مع افكار (دوشامب) في الخامات الجاهزة المتنوعة لتكوين نسيج التشكيل، ويقيم تواصلاً ايضاً مع اعمال (بيكاسو) وبالاخص تمثاله (كاس الابسنت)، وبفكرة (براك وبيكاسو) بتقنية (الكولاج) في التكعيبية التركيبية. ليقدم السطح التصويري للتشكيل، خطابه بشكل انساق تعبيرية جمالية، تتعدى واحدية الخامة، باحثة عن تعددها وتنوعها باعتبارها مدلولات جمالية يبثها سطح التشكيل.

 

أ. د. زهير صاحب

كلية الفنون الجميلة – بغداد 

 

khadom shamhodيذكر المستر اوهدى في كتابه – بيكاسو والتقليد الفرنسي – ان بيكاسو لما حط في باريس عام 1903 بقى محافظا على تناسقه القومي ولم تغيره او تهضمه البيئة الجديدة .. ويرى ان هناك تشابها خفيا بين العبقريات الاغريقية والالمانية والاسبانية وان لها اشتياقا كبيرا الى اللانهائي والى العلو السماوي .. اخوان غريس واحد من عبقريات الفن الاسباني الحديث . ويشكل هو وبيكاسو وبراك المثلث الذهبي للمدرسة التكعيبية .. ويعتبر احد اساتذتها العظام . واذا كان المستر اودى نسى الابعاد الحضارية لبيكاسو فنحن نذكره بها . انها الاندلس التي كانت عصارة الحاضرة الشرقية , ومن هنا جاءت عبقريته.. وقد ظهرت المدرسة التكعيبية بين اعوام 1907 و1914 . ويذكر ان اسمها اخذ من الناقد الفرنسي لويس بوكسلي

Louis Vauxcelles عندما علق على اعمال جورج براك (ان السيد براك اختزل كل شئ المواقع والاشخاص والبيوت .. وجعلها تخطيطات هندسية .. فمكعبات) . ومن هنا بدأ يطلق على هذا التيار الجديد بالتكعيبية ..

اخوان غريس –

اسمه الحقيقي هو خوسيه بيكتوريانو غونثالث . درس الرسم في مدرسة الفنون في مدريد كما درس على يد البروفيسور خوسيه مورينو كاربونيرو . بعد ذلك اخذ يرسم في الصحافة الاسبانية مثل blanco y negro -  Madrid comico . يضاف الى ذلك انشغاله في تصميم اغلفة كتب الادب و الشعر و غيرها .. هاجر الى فرنسا عام 1906 وهناك التقى مع ابن بلده بيكاسو وعقد معه علاقات صداقة وعمل كم تعرف على ماتيس وبراك وفرناندو ليجيه ومودلياني .. واستقر في حي مونمارت (مونتمارتر) في مسكن او فندق يدعى – باتيو لوفير Bateau Lavoir ومكث فيه صبرا على الفقر عشرة سنوات . وكانت اعماله التشكيلية الاولى تنحو نحو اسلوب تولزلتريك .

12-ikhoagreesفي بداية حياته الباريسية اشتغل كرسام في بعض الصحف مثل Le Temoin y Charivari . Le Cride Paris و وابتداءا من سنة 1910 اخذ اخوان يبتعد عن عمل الصحافة تدريجيا ويتجه في تجاربه التشكيلية الى التكعيب متأثرا بصديقه بيكاسو . وتذكر المصادر الاسبانية ان هناك عدد من التخطيطات الاولية ذات الاتجاه التكعيبي مؤرخة عام 1911 توجد حاليا في متحف تايسون في مدريد ...

في عام 1912 اشترك اخوان في معرض جماعي في صالو المستقلين في باريس وقدم فيه بشكل واضح وجلي اول اعماله التكعيبية وبصماته عليها مميزة عن براك وبيكاسو . وفي عام 1913 بدأ اخوان يشتغل بطريقة قص قطع الكارتون وورق الصحف ولصقها على قماش اللوحة مكونا منها مع الوان الزيت تركيبة هندسية رائعة (كولاج). وبين اعوام 1910 و1920 رسم اخوان سلسلة من الاعمال الصامتة اعتبرها البعض من اجمل مراحل حياته الفنية حيث ظهرت براعته وجرأته الفائقة ... وهنا شكل تحديا و تنافسا حقيقيا مع بيكاسو وبراك مما خلق حساسية وحسدا من قبل هؤلاء .. ولهذا فقد انقطعت العلاقة والصداقة مع بيكاسو .. وقد كتب احد النقاد الفرنسيين في هذا الصدد وهو جيرترود (ان خوان غريس كان الشخص الوحيد الذي تمنى بيكاسو ان يذهب) .

خصائص اسلوبه-

امتازت اعمال اخوان بالهدوء وبعمقها الوجداني بحثا عن روحية الاشكال ومحاولة استنطاقها فجاء اسلوبه شاعري رقيق , تاركا احينا فراغات وكأنها وجدت للتهوية او التنفيس . وقد بنى عناصر اللوحة على شكل معماري هندسي وفق ذهنية النظام والترتيب .. وتركزت مواضيعه على الطبيعة الصامتة والآلات الموسيقية واطباق الفاكهة وغيرها .. وكانت الوانه تتناغم بينها وبين الاشكال في حوار جدلي اختلاف وخلاف بين الاسود والابيض والازرق والقهوائي الغامق والفاتح يضاف اليها اللون الرمادي . وقد لعبت هذه الالوان دورا كبيرا في تخفيف درجة حدة الخطوط الهندسية وقساوتها .. فكانت اعماله تخضع للمنطق العقلي ولم يترك للصدفة مجالا في عملية التعبير، فكل شئ خاضع للنظام .. عكس مواطنه بيكاسو الذي اطلق العنان الى فرشاته مشرقا ومغربا في حركتها وتعبيريتها .. وهناك قول للفنان الانكليزي بليك حول التنوع في الاسلوب والحركة والتي يعتبرها من صفات العباقره فيقول: (ان الرجل العاقل وحده الذي يصر على بلاهته) وهذا القول خاضع للنقاش وطرح الآراء .. في عام 1922 مرض اخوان واصيب بدا الربو ونصحوه الاطباء من الانتقال الى جنوب باريس حيث الشمس والهواء النقي .. وحتى عام 1924 لم يكن اخوان معروفا ككبار الفنانين مثل بيكاسو وماتيس رغم حركته الدؤبة في اقامة المعارض المشتركة و الشخصية كما في اعوام 1919 و1922 و1924 في باريس .. وبعد مصارعته الطويلة مع المرض توفى اخوان عام 1927 وكان عمره 40 سنة .

اما في اسبانيا فلم يشتهر الا عام 1980 حيث قامت له حملة اعلامية كبيرة من قبل المتاحف وتجار اللوحات والمؤسسات الثقافية وغيرها .. مما ادى الى صعود رقم سمعته وبالتالي احتلت اعماله متاحف العالم كاسبانيا ونيويورك وباريس والمانيا ولندن وغيرها وو صلت اسعارها الى ارقام خيالية مثل لوحة - القيثارة - التي وصل سعرها عام 2010 الى 28,6 مليون دولار –violón et guitare -

 

د. كاظم شمهود

khadom shamhodانتونيو ساورا Antonio Saura    هو احد ابرز فناني ما بعد الحداثة  وعده بعض النقاد من عمالقة الفن الاسباني المعاصر .