كاظم شمهودالفن الحديث هو عبارة تجديد للفكر وايقاض الضمير الانساني من الركود والجمود الكلاسيكي الذي عاشه الانسان منذ عصر الاغريق الى حد الثورة الانطباعية عام 1874. وهو ثورة وكلمة عالية في التغيير والاصلاح والاتجاه الى مطالب انسانية بظرورة التحرر والتطور.. ولكن ما بالك اذا كان هناك من يدعوا الى غلق باب التطور والعودة الى الفكر القديم الجامد والمتخلف كما يحدث في بلداننا العربية ..؟؟؟

في عام 2000 كتب المفكر والناقد الاسباني مارك خيمينث يتسائل عن معنى فلسفة الجمال او علم الجمال بعدما رأى ان هناك حملة كبيرة بدأت منذ التسعينات للاتجاه الى الفن المفاهيمي، وتسليط الضوء على هذا اللون من الفن من خلال اصدار الكتب والمجلات الفنية وكذلك المقابلات التلفزيونية والاذاعية واقامة المعارض ... وحسب بعض النقاد ان الحملة كان هدفها غير المعلن هو خلق حركة تجارية وتسويق هذا النوع الجديد من الفن تحت شعار الثقافة والفن ؟؟؟ ورغم الازمة الاقتصادية التي اجتاحت اوربا والتي اثرت على سوق الفن الا انه لا زال يتمتع بصحة جيدة بفضل ازدياد ثروات الاغنياء واقتنائهم للاعمال الفنية، هذه الثروات الطائلة جائت على حساب مآسي الشعوب الفقيرة والحروب واثارة الفتن فيها .... (ما جاع فقير الا وهناك رجل متخم) 

تابيس كان متمردا منذ زمن فرانكو ايام كان الظلام يسود البلاد وقد هاجم الفن التجاري السطحي وهاجم المدعين بالثقافة والفن واستغلال الايديولوجيات كمحرك وتسويق له، وقد اشار الى بعض الكالريات وكبار التجار الذين مرتبطين بجهات سياسية . ويعتقد تابيس بان الفن المعاصر الشكلي لا يؤمن بالحركة التاريخية واثرها على الفن وهو بالتالي غير قابل للتطور (حسب رأيه)... ؟؟ وهذا الموقف يحملنا الى مركز المشكلة وهو فن التمرد والذي سبق وان قاده كوربيه ومونيه وشيليه وبيكاسو و دوجامب وباسكيت وغيرهم .. ذلك التمرد الذي نعنيه هو خارج عن السياق العام ودوره الجمالي في عملية التغيير في المجتمع ..

379 تابيس

هذا التصور لمفهوم الفن والجمال عند تابيس نجده في صراع دائم منذ علم الجماليات عند الاغريق الى ظهور المبادئ الفنية الحديثة والادعاء بانفصال علم الجمال عن الفن وبالتالي يقودنا ذلك الى تسائل هل ان كل فن يعني جميل او كل جميل يعني فن وما هو الفرق بينهما ؟؟؟ وكل ذلك محل جدل ونقاش .. وانا في اعتقادي ان العمل الفني لا يخلو من الجمال ابدا، فاما ان يكون جميلا في الشكل او جميلا في الفكرة ولا يمكن الفصل بينهما، مثله كمثل الانسان اما جميلا في شكله او جميلا في طروحاته الفكرية وبهذه الطريقة نستطيع ان نستوعب كل اشكال واساليب الفنون .. الجاحظ كان رجلا قبيحا ولكن فكره لازال يعيش بيننا، وكذلك الحطيئة كان شاعرا مرموقا ولكن شكله قبيحا (ارى لي وجها قبح الله من وجه وقبح حامله) .... تابيس فنان لديه خلفية ثقافية واسعة وعمق فكري وتصوري ينسجم مع ماهو تاريخي وما هو جمالي حتى ظهور الحركة الرومانسية ومن ثم طلائع الفنانين التقدميين ما بعد الحرب العالمية الاولى .. فهو يستمد من هذه المنابع مفاهيمه الفكرية والجمالية، وخاصة مفهوم الجمال عند فلاسفة الاغريق الذين اشاروا بانه يمكن ان نجده في الاشكال الهندسية مثل المثلث والمربع والدائرة والخط ... ومن هنا فقد ثبت لنا تابيس شرعية في التواصل بين الماضي والحاضر . ويسمي البعض هذه الافكار (بالمواضيع الخالدة) . وبالتالي فان تابيس يعكس في بحوثه وافكاره الجمالية، حقيقة غير محدودة في مسيرة الفن وفلسفة الجمال .. ولهذا فان فهم اعمال تابيس تحتاج الى ثقافة تاريخية وفنية، وقد اشار احد النقاد الاسبان وهو بيري خمفرير

380 تابيس

Pere Gimferrer بان اعمال تابيس مجهولة الفهم ومن الصعب حل رموزها ومعرفة مفاهيمها ... ان تلازم الفن وعلم الجمال خلال مراحلهما التاريخية وكذلك خلال التحولات الحضارية للبشرية، كل ذلك كان يسير متوازيا مع ثورة العلوم والتكنولوجيا والتقنيات الفنية الحديثة، لكن هذه المسيرة احيانا تتعرض الى الهدم والتجديد للاشكال الفنية ومفاهيمها او مضامينها ..يقول الاستاذ ماربورغو تيغليابوي Marpurgo Tegliabue ان علم الجمال او الجماليات يمكن ان تصتدم احيانا خلال مسيرتها مع مناهج او طرق مختلفة او تتعرض الى بعض المشاكل والانتقادات، وبالتالي فهي عرضة للهدم وغير ممستقرة وثابتة، وهو ما نلاحظه في آراء تابيس حيث صرح اكثر من مرة في وسائل الاعلام بان اكثر ما يشغله في العمل الفني هو الفكرة او الموضوع، بمعنى ان الفكرة تعلو على الاشكال، وان الجمال يكمن في الفكرة ولهذا فقد اعطى مفهوما واسعا للجمال ويمكن ان يستمده من الجماليات الشرقية الصوفية والتقاليد الاوربية القديمة خاصة من الرهبنة .. ويذكر الاستاذ والمؤرخ مارك خيمينث بان ولادة علم الجمال la estética عام 1750 من قبل العالم باومغرتين Baumagarten تعتبر مرحلة جديدة اخرى لمسيرة طويلة وتجدد مضيئ في حقل الفن يمتد الى عصر الاغريق، وان الفن يمكن ان يكون قوة عظيمة في صراع الانسان مع الحياة .

ومن وجهة نظر تابيس فان فلسفة الجمال في الفن هي تشكل جزءا مهما في حياة الانسان التصاعدية وخلق جمالية متحركة قادرة على التغيير . كما ان تابيس يحاول ان يعمل على تجديد مفهوم الفن المعاصر ولا يقطع الصلة بالماضي الجميل الثري بمعانيه وممفرداته الفنية، خاصة المفاهيم الشرقية .. فصراع تابيس الواعي في المجتمع وكذلك مع مفهوم الفن وجماله،لا يركد، فهو يطمح الى خلق فن متحرك قادر على فعل التغيير والتجديد وان هذا الفن المتحرك ينتمي الى فن عظيم قديم عاش قرونا في الامم السابقة ولازال يعكس نظرياته الجمالية على حركة الفن المعاصر ... ويقول تابيس (بان على المجتمع ان يرتفع الى مستوى الفن في المعرفة والتذوق وليس على الفن ان ينزل او ينحدر الى مستوى المجتمع ..) ..و يعتقد تابيس بان نقد المجتمع ودعم العملية التربيوية الجمالية (الذائقة) وحركة الفنان التصاعدية كلها ستكون كفيلة بخلق مجتمع حر سليم وايجابي

 

د. كاظم شمهود

 

56 Henri Pierre picu1هنري پيير پيكو   (1895-1824)  Henri Pierre Picou، هو الفنان الذي تميز برسم أجمل النساء والذي حرص ان يضع في كل لوحة له امرأة واحدة او اكثر.

 56 Henri Pierre picu2

 بل غالبا ما كانت لوحاته تتضمن النساء الفاتنات اللائي يرسمهن بطريقة رومانسية أخاذة،  يظهرن فيها وكأنهن ملائكة يطوفن في الجنة وينثرن عطر الاثارة والجمال. 

56 Henri Pierre picu3

وهو الرسام الفرنسي الذي كان عضوا بارزا من مؤسسي مدرسة الـ  Neo-Grec التي سادت في عصر نابليون الثالث لتمثل التجسيد الأخير للنيوكلاسيكية، 

56 Henri Pierre picu4

 والتي ضمت أصدقائه الاكاديميين المقربين كـ جان ليون جيروم   Jean Leon Jerome  وگوستاف بولنجر Gustave Boulanger.  

56 Henri Pierre picu5

بدأ عرض أعماله في صالون باريس الشهير عام 1847 أي عندما كان بعمر 23 سنة. 

56 Henri Pierre picu6

 وقد فاز مباشرة بالميدالية الثانية عن لوحته التي صورت الملكة كليوباترا في رحلة نهرية والتي رسمها بالأبيض والأسود. 

56 Henri Pierre picu7

بعد ذلك فاز بجائزة     Prix de Rome المتميزة عام 1853، ثم ميدالية الصالون الأخرى، وتبعها بالفوز بجوائز كثيرة أخرى. 

56 Henri Pierre picu8

 حيث بقي مخلصا للعرض السنوي في الصالون لحين السنة الثانية قبل وفاته عام 1895 عن عمر 71 عاما. 

56 Henri Pierre picu9

مصدق الحبيب

 

372 فاخر محمدفاخر محمد فنان تشكيلي بابلي يهوى التجريب ويخترق عوالمً وعوالمٌ في فضاء التشكيل ليجعل من لوحاته أيقونة للتعبير الوجداني الشاعري عن رؤيته بوصفه فنان حالم يخترق الأطر المتوارثة اجتماعياً وفنياً ليصنع لوحته هو.

درس الماجستير والدكتوراه في جامعة بغداد بكلية الفنون الجميلة.

أقام عدة معارض محلية ودولية فردية ومُشتركة، وشغل منصب عميد كُلية الفنون الجميلة لعدة أعوام.

حاز على عدة جوائز أهمها:

ـ جائزة الاستحقاق الخاصة بمهرجان كان سورمير في فرنسا.

ـ جائزة فائق حسن الفضية للشباب.

لا يعني ذلك أن فاخراً يُميت الأصل، بل أنه يجعل من للأصل حضور بهي بنزع جلبابه القديم ليُزينه بفضل عطايا الموهبة أو بفضل تمرده على الأصل للخلاص من سطوته لصناعة ذات مُستقلة عن قيمومة هذا الأصل.

من محاسن فاخر هيامه في التجريب، وفق قاعدة منهجية تعتمد على (المحاولة والخطأ)، وفي خضم تحولات الفن بين يقينية الحداثة وشموليتها وبين نزوع نقدي لها في تشكيلات فنانيين (ما بعد حداثيين) نجد فاخراً يفخر بنتاجه الذي لا ينتمي لمدرسة وإتجاه تشكيلي بعينه، إنما هو يختط له ويمشي على وهن مُدركاً لما يُلاقيه من نقد، لأنه ينحت تشكيلاته اللونية خارج مُهيمنات سلطة المدارس، لا لأنه يستخف بقيمتها المعرفية وبإضافاتها الجمالية، بل لأنه (واثق الخطوة يمشي ملكاً)، هضم كل عطايا الموروث الجمالي السومري والبابلي وحتى الآشوري، وتمكن من بناء وعي جمالي بناه وفق هضم لموروثه الفني ولمُنجزات الحداثة والحداثة البعدية، ولكنه لم يشأ ولم يرغب أن يُقال عن نتاجه الإبداعي الفني أنه تشكيل على غرار تصميم سبق.

ذاكرته هي ذاكرة أبناء جيله ممن حملوا بُندقية وبعضهم حمل قلم، وآخرون حملوهما معاً، وفاخرٌ يحمل البندقية قسراً ولكنه يحمل في جُعبته أقلام الرصاص، لا رصاص الحرب، بل رصاص زارع الجمال. هي أقلام يرسم بها ملامح جُندي بحرب ظالمة لا ناقة له بها ولا جمل.

51 فاخر محمد

فاخر يفخر تاريخ الأرض ليصنع منها بعد ألم ووجع حُلماً بفرح، ولأنه مُتقن للكيفية التي تُصاغ بها سردية الوجع أو الفرح داخل السطح التشكيلي، فأنك تجده يُصيغ أسئلة الوجود بنزوعها المُتشائم أو نزوعها نحو الفرح في خضم الصراع في الحرب ورسم أشلاء ضحايا أيديولوجيات شمولية عاهرة.

وكل لوحة عنده حتى وإن كان فيها تغليب للرؤية التجريدية إنما هي تعبير عن رفض للحرب ودعوة للسلام، لغة فاخر فيها هي الألوان وتشكيلاتها التعبيرية وتمكننا كمُتلقين من الكشف عن مضامين قوله الفني في الرفض للحرب والدعوة للسلام من خلال فهم تشكيلاته اللونية.

الرسم عنده مُمارسة يومية، ولكنه تجريب كما يقول ويفهم الحياة على أنها حياة مُتحولة، فقد رسم الملك البابلي بتاجه كمنتصر، ورسم الملك كدكتاتور سينهزمم.

في لوحته الكرسي رسم لملامح السطة وزخارف عيشتها الخادعة، وهو يشتغل على أعمال تعبيرية ضد الحرب وضد هيمنة الطاغوت.

لا يقبل بتصنيفه كتعبيري أو تجريدي، ولكنه يقبل بوصفه كتجريبي، لأن في التجريب سعيٌ لتشكيلاته في السطح التصويري بوصفه ينتمي لجيل ينتمي للحرب.

الطير عنده رمز للحرب وتحت هذا الطير وجه ملك وفوقه طيارة سمتية، والطير رمز سلام، فكانت رغبة فاخر هي أن لا يكون الطير رمز السلام يلبس لباس الحرب، فيكوناً نسراً لا حمامة.

جُلَ هم فاخر أن يكون زراعاً للورد بكل ما في الورد من بهاء وتعددية لونية فيها دفق لحُب الجمال.

في كل أعماله التعبيرية أو التجريبية والتجريدية تنحو منحاً إنسانياً.

الطيور من مرموزاته التعبيرية وحتى التجريدية، منها بوجه إنساني ومنها بتشكيل يشي عن تعبير لوني ينتمي لما أسماه "التعبيرية التجريدية"، فالمعنى يُشكل عنده وعند مُتلقيه جسد اللوحة لمن تمكن م إدارك مضامين ومفاهيم فاخر في التعبير أو التجريد.

للوحات بيكاسو حضورها في بدايات وعيه الأكاديمي، ولكنه عاشق للانطباعية، وحتى (بول كلير)، ولم يعشق (مونتريان) رغم أنه يُحطم الأشكال التقليدية.

فائق حسن أستاذه، وجواد سليم مدرسة تأثر بها، وكاظم حيدر ومحمد مهر الدين ورافع الناصري وشاكر حسن آل سعيد من خلال أطروحاته النظرية وتشكيلاته اللونية الإبداعية مدارس يقتدي ويحتفي بها.

52 فاخر محمد

شكل د.فاخر محمد ود.عاصم عبدالأمير والمُبدع حسن عبود ومحمد صبري "مجموعة الأربعة" عام 1980، وهم فنانون تأثروا بأساليب أستاذهم فائق حسن.

لقد حاول د.فاخر ود.بلاسم وشاركهم قاسم سبتي استذكار محمد صبري، وقد أكمل د.كاظم نوير مسيرة هؤلاء، كييكونوا أربع، ولكن وجود نوير لم يُعوض فقدان محمد صبري.

يُحيك فاخر محمد لوحته كما يُحيك فنانوا الفطرة في الجنوب سجَادتهم، فينسج ألوانه وكأنها بساط سحري نسجته أيدي السحرة والجنيات في ألف ليلة وليلة. في لوحته تعدد وبهاء لوني ساحر ولكنه تعدد يكشف لنا سرَ الحكاية. حكاية الألم والحرب في بلاد الرافدين منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا.

لوحة فاخر محمد بساط منسوج من طيف الألوان ليحكي به قصة الموت والحياة، بل وقصة التراث والحداثة، تراث بهي هو الأصل، وحداثة مرجوة ببهاء ما فيها من تعددية مناهجية، ولكن هذه التعددية المناهجية بكل ما فيها من مساحة للتعبير في فضاء من الحُرية إنما هي حداثة تحمل بين طياتها عوامل زوالها وكُرهها لفرط ما فيها من قسوة وحمولة تقنية مادية تُقصي كل نتاجها الجمالي باطلاقة من بُندقية، تلك البُندقية التي حملها فاخر وأبناء جيله عنوةً ليكفوا الشر عنهم، شر سلطة مقيتة جاء تعبير فاخر عنها بتاج ملك كرمز لكل إقصاء لعناصر الجمال، وبنادق محمولة لمُحاربة عدو صيرته أيديولوجيا (الحزب القائد) والأيديولوجيا المُضادة لها، ألا وهي أيديولوجيا العدو، ورغم أنهما طرفان مُتحاربان، ولكنهما في مُعادلة الحرب والقتل مُتساويان.

كُرسي السلطة الذي رسمه فاخر لا زال كُرسياً بهياً بألوانه، ولكن ابن العراق شقيُ، وسيبقى شقياً لأن الصراع على هذا الكُرسي لا زال مُستمراً.

لم تكن لوحة فاخر محمد كلوحة (فان كوخ) حينما رسم كُرسيه البسيط، أو لوحة (غوغان)، فكلاهما يرسمان بؤس حياتهما، وفي المُقابل نجد فاخراً يرسم بؤسنا الذي لا أدلَ عليه سوى كُرسي الحاكم (المُتسلط)!، فكُرسي (فان كوخ) مُتهرء بسيط، هو كرسي من لا سُلطة له، وكُرسينا الذي رسمه فاخر، كرسي فاره، كُرسي من لا كُرسي له. هو كُرسي (الحاكم بأمر الله) واحد أوحد يُميت البشر ويُحييهم. إنه كُرسي السطلة الغاشمة.

يُدرك فاخر محمد قيمة المفاهيم وبُعدها التأثيري في لوحته التعبيرية أو التجريدية، لكن الأهم عنده هو سطح اللوحة التصويري بوصفها ترسيمة جمالية تنبض بالحياة وإن كان في كثير أو بعض منها تعبير أو تجريد لمسكوت عنه يُخبرنا به عن مكمن الجمال الغائر خلف المُعاناة، لأن الحقيقة عنده كما يقول في حوار له مع خضير الزيدي: "ليست في المرئي فقط، بل في اللامرئي على حد تعبير كاندنسكي" مُمهد الطريق لـ "التعبيرية ـ التجريدية)، ليُكمل فاخر رأيه بالقول: "أنا واقعي بالتأكيد، إلَا أن واقعيتي لا تكمن برسمي للخيول والطبيعة الجامدة، إنما أعمل على رسم الحقيقة المُستترة خلف حجاب البصر، فالعين لا ترى الحقيقة فهي في مكان آخر ورؤية بصيرة القلب أشد سطوعاً"، ولو أخذنا نماذجاً من رسومات (كاندنسكي) وقارناها برسومات فاخر لوجدنا كبير صلة لفاخر معه من حيث التشكيل اللوني ونسجهما الفائق لـ "اللون".

كأن فاخراً يُعيد لنا إنتاج رؤى (برجسون) الفلسفية بترسيمات وتشكيل لا يُخبرك عن الظاهر (المُعاش) بقدر ما يُحاول الكشف عن الكامن خلف الظواهر بلغة (هوسيرل) كما فهمها (موريس ميرلو بونتي) في كتابه (المرئي واللامرئي).

ولا أروم الخوض في رؤى هؤلاء الفلاسفة رغم أهميتها في فهم مقاصد فاخر محمد، ولكنني أبحث عن المعنى في رسومات فاخر محمد بلغة مُبسطة من دون تحذلق إصطلاحي أو فلسفي خارج نمط التداول المُجتمعي.

في لوحات فاخر محمد طيور مُهاجرة ونخيل لا تمر فيه ولا عثق، بل سعف هزيل يُحاول فاخر فيه الإبقاء على بعض من تمسكنا برمز عراقي من بقايا تراثنا المجيد، ولكنه رمز في طور الإفول.

لوحة نخلة فيها جمال مُتوارث دلالته بقاء سعفها وعنادها في البقاء رغم أنف كارهي جمال سموها ورمزيتها.

سيبقى فاخر محمد أيقونة جمالية وسط كل هذا الخراب الذي نعيشه، حاملاً مشعله أو مصباحه كما حمل (علاء الدين) من قبل مصباحه السحري ليحلم بخروج مارده من قُمقم لوحاته ليملأ الأرض جمالاً كي يتخلص من قهر من يروم بالعراق شراً ليصبح غنياً بالجمال بعد الخلاص من قُبح ما صنعه كل طُغاة الأرض في أرض الخضرة والسواد.

 

د. علي المرهج

 

كاظم شمهوديقول هيجل ان الفن مر بثلاثة مراحل وهي الرمزية والكلاسيكية والرومانسية .. واعتبر الرمزية عبارة عن ايحاء، بمعنى ان الاشياء المادية المحسوسة التي نراها على سطح اللوحة توحي او تثير التأمل الى اشياء مجردة او اشياء روحية او معنوية .. ويذكر ان الرمزية انطلقت اولا في الشعر الرومانسي عام 1880 ثم سرى ذلك الى الفنون الاخرى بينما يذكر آخرون ان الرمزية قديمة وانها ظهرت عند الانسان القديم والحضارات القديمة مثلا ان الكتابة الصينية رمزية وان حركاتها مأخوذة من حركة السيوف ؟؟؟

استخدم تابيس في اعماله الرمزية بكثرة بحيث ان بعض النقاد قالوا ان فهمها يتوقف على دراسة حياة تابيس وفكره .. فاستخدم الاحرف والارقام وبعض الاشارات او العلامات الدالة على شئ . مثلا استخدم حرف T. . وحرف . A . وترمزان الى اسمه واسم زوجته .. Teres Antonio Tapies كما استخدم حروف M S . . وتعني الموت المحتم muerte، segura وحرف . X . ويعني الرفض، واحيانا نشاهد في باطن كفه مرسوم الصليب او حروف واشكال آخرى مثل النجوم والقمر والصليب والارقام والاشكال الهندسية .. كل هذه الرموز وغيرها لها معاني ومفاهيم شتى تعبر عن ماورا الاشكال.. فهو عندما يرسم الصليب لا يقصد به الصليب المسيحي الديني، فحسب بعض النقاد انه يرمز في تقاطعه الى العالمين العلوي الروحاني (الخط العمودي) والعالم السفي المادي (الخط الافقي) .. ونجد الصليب يتكرر، في اعماله علما ان تابيس يساري وليس له علاقة بالمسيحية ..

الروحانية عند تابيس والتناقض الفكري:

كان والد تابيس مسيحي كاثوليكي وامه مسيحية ارثودوكسية، هذا التعارض والتصادم بين الوالدين جعل تابيس يبحث عن اتجاه آخر بعيدا عن هذه الاجواء العائلية المتأزمة، فاختار الفلسفات والديانات الشرقية خاصة الصوفية البوذية .. فقرأ الفلسفات القديمة والادب والتاريخ والمثيولجيا وقرأ عن الصوفية مثل الناسك الصوفي المسيحي رامون يول Ramon Llull (و هو من جزيرة مايوركا). وبذلك اصبح تابيس يحول ان يزيل الحدود الفاصلة بين المادة والروح ولهذا جاءت بعض اعماله تعبر عن الآلام الجسدية والروحية على حد سوى .. يقول تابيس (يمكن اعتباري علماني مادي ولهذا ابحث عن معرفة المادة وبنائها ونوعيتها وخواصها ..) . ويعلق الناقد خوسيه ميغيل على ذلك فيقول : ان تابيس وقع في تناقضات فيما هو يؤمن ويفكر به وبين ما يعمل من رموز صوفية روحية .. هذا التناقض نجده ايضا اليوم في عالمنا العربي حيث ان الكثير من اليساريين يحملون في جيناتهم تراث الاجداد وهو تراث في عمقه التريخي ديني، منذ فجر الحضارات الاولى ولكن يتظاهرون بان العالم مادي فحسب وغير روحي وهو مع الاسف ما يناقض داخله .. فاين نحن من عظماء عصر النهضة، مايكل ودافنشي وروبنز ورمبرانت .. وفانكوخ وكاندنسكي الارثودوكسي وكتابه الروحانيات 1910 . وحتى بيكاسو كان يقول لزوجته فرانسوا خيلو قل لامك عندما تذهب الى الكنيسة ان تصلي لي ..

363 تابيس

قرأت قبل فترة موضوعا غاية في الاهمية وهو ان علماء الاحياء والدراسات الخاصة بنشاط الخلايا يحاولون اليوم دراسة ردود فعل الفن على المخ . ففي جامعة هاوستن في تكساس نجد احد العلماء وهو خوسيه كونتريراس بيدال José Contreras Vidal يقوم باستخدام تقنية خاصة لتحليل الصور لاجل تسجيل موجات مخ الفنان او الرسام اثنا العمل ... ربما في الايام القادمة سنرى بشكل واضح ان هذا العلم التجريبي لدراسة الخلايا اثناء نشاط الفنان حقيقة علمية قد تعطي تقيما جديدا لكل فنان وقدراته الابداعية والعقلية .. كما يذكر انه قبل فترة طويلة اجريت في اليابان دراسة على عمل الخزاف حيث اخذوا بعض الجرات المعمولة من الطين ودرسوا الانعكاسات الصوتية للخزاف على الطين، فعندما كان يعمل على الدولاب او العجلة كان يدردش او يغني، فقد استطاعوا من تسجيل هذه الاصوات .. ربما في المستقبل ستكون الدراسة على اللوحة بشكل او سع ...

ابو حيان التوحيدي 922 م الفيلسوف والصوفي الناسك عنده كتاب اسمه الامتاع والمؤآنسة ... يذكر فيه ان هناك يحدث حوار وتجاذب روحي بين الصورة والمشاهد بغض النظر عن شكلها فاما ان يتصالحا او يتفارقا، بمعنى ان المتلقي اما ان تجذبه اللوحة او لا . هذا الحديث قيل قبل عدة قرون . اليوم الدراسات العلمية تعتكف على تحليل هذه النظريات .. ولهذا انا اعتقد ان اللوحة هي الفنان نفسه بمشاعره واحاسيسه وفكره سواء كانت شكلية او لاشكلية شخبطة او عفوية فقد تآلف الروحي مع المادي في بناء وانشاء اللوحة ..اما مسألة فهمها فتعتمد على وعي وثقافة المتلقي ..

364 تابيس

تابيس ربما مر على فلسفة ابن عربي الصوفي الاندلسي (مرسية . 1165 /) وقوله المعروف (ما احببتك وحدي ولكن احببتك وحدك) لان الفلسفة الصوفية المسيحية والاسلامية والبوذية تحمل نفس المفاهيم والمعاني الروحية في الزهد والنسك، ولهذا نجد اللوحة عند تابيس ناسكة اي قليلة الاشكال ومختصرة . وهذا يذكرنا بقول احد رواد الحداثة (ان القليل يعني الكثير) وهو اشارة الى معناها ومفهومها الرمزي الكبير .

و كانت اعمال تابيس تجمع مختلف الفنون غربية وشرقية روحية ومادية، وبالتالي فهي خليط من المفاهيم والافكار .. احد النقاد الاسبان يذكر ان تابيس اراد المصالحة بين الصليب واللغز او الغموض الذي يطغي على كثير من اعماله حيث تسجل محل تأزم وتوتر بين المادي والروحي، كما تسجل حضورا عقليا متأملا غائرا في بحر من التأويلات لحل هذه الطلاسم .

ومن مميزات اعماله التي اثرت على الفنانين العرب خاصة الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد هي رسم الجدار وآثاره . ويقول تابيس (الجدار هو صورة عثرت عليه منذ وقت قريب بشكل مفاجئ وبعد مراحل عديدة من الرسم والتي كنت فيها اتصارع مع المواد المستخدمة التي اظيفها لتظهر آثار الشقوق والاخاديد وجدت ان اللوحة قد تغيرت واعطت طفرة نوعية ... كما وجدت نفسي امام صورة جدار له علاقة باسمي ...) علما ان اسم تابيس في اللغة الاسبانية يعني الجدار Tapies متأتية من Tapique .... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

44 Lady Godiva3.fwالليدي گودايڤا Lady Godiva هي زوجة ليوفرك Leofric، نبيل مقاطعة مرسيا الإنگليزية في القرن الحادي عشر. وهي امرأة نبيلة بحق، ليس فقط بمعنى انتمائها لطبقة النبلاء، بل بمعنى نبل قلبها وصدق نواياها وعواطفها.

 45 Lady Godiva1.fw

 كانت گودايڤا تنظر بعين التعاطف والمؤازرة الى مواطني المقاطعة الذين يكدحون ليل نهار ويدفعون الضرائب الباهظة لزوجها ورجالاته، تلك الطبقة التي لا يعرف اعضاؤها معنى الكدح والمعاناة بسبب الملاعق الذهبية التي وصلت الى افواههم بكد الاخرين.

 46 Lady Godiva4.fw

كانت گودايڤا قد اشتكت لزوجها مرارا وتكرارا وتوسلت اليه ان يقلل ما يجبيه رجالاته من المعدمين! لكنه لم يكترث الى ان جاء اليوم الذي وجد نفسه في تحدٍ وقح لمطالبها، فعرض عليها موافقته على تقليل الضرائب بشرط ان تنفذ ما يريد منها! 

48 Lady Godiva12.fw

وما أراد منها هو ان تمتطي جوادها عارية وتجوب في شوارع المدينة، ظناً منه انها سترفض عرضه الرخيص وسيكون قد تخلص من مضايقتها له بالشكوى والاسترحام الدائمين، لكن الزوج "النبيل" كان قد تجمد من دهشته حين قبلت الزوجة شرطه ونفذته في الحال فجهزت جوادها وامتطته عارية تماما لا يغطي مفاتنها إلا شعرها المسترسل الطويل. 

47 Lady Godiva5.fw

وكأغلب القصص المثيرة فقد استهوت هذه القصة العديد من الرسامين والنحاتين لمعانيها ولما في موضوعها من إثارة تشكيلية. ولربما كانت لوحة جون كولييه John Collierالتي رسمها عام 1897 من أشهر ما عرفناه عن الاعمال التي تناولت قصة گودايڤا، حيث تقصد كولييه أن يظهر گودايفا وقد كشفت عن جسدها بخجل لكنها آثرت ان تغطي حصانها بإيزارٍ ملكي أحمر.

 49 Lady Godiva6.fw

هناك روايتان حول رد فعل الناس في مدينة كوفينتري التي جرى فيها الحدث: الرواية الاولى تقول ان سلطة المدينة فرضت منع التجول وغلق الابواب والشبابيك والمحلات اثناء جولة كودايفا لكن مواطنا واحدا اسمه توم اعتقل بسبب استراقه النظر لكودايفا، الامر الذي ادى الى صياغة التعبير المعروف الان "توم المتلصص" peeping Tom.

50 Lady Godiva2.fw

أما الرواية الثانية فانها تؤكد بان مواطني المدينة امتنعوا ذاتيا عن مضايقة الليدي بنظراتهم فأغلقوا ابوابهم وشبابيكهم ومحلاتهم احتراما لها ودعما لقرارها الايثاري.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

356 محمد الكنانيمحمد الكناني أستاذ الفن التشكيلي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، من مواليد بغداد 1970، درس الفن التشكيلي وشُغف به منذ صغره.

ترأس قسم الفنون التشكيلية بكلية الفنون الجميلة لأكثر من مرة.

له أكثر من ١٢٠٠عملاً تشكيلياً في فن الرسم والنحت والكرافيك كما أبلغني هو.

من كُتبه: (النُظم المعرفية بين العلم والمعرفة، و كتاب: (دراسة في تأصيل المفاهيم) وهو دراسة في النقد الفني للرسم العراقي الحديث.

تأثر بأساتذة الفن الكبار أمثال: فائق حسن، وشاكر حسن آل سعيد، وجواد سليم وكاظم حيدر.

صقل موهبته عبر الدراسة والشغف بفن بلاد ما بين النهرين، وأجده في أعماله النحتية أقرب لفنون بلاد ما بين النهرين منه الى فن الرسم الذي بعد إكتسابه للمهارة والدراية والخبرة صار أقرب لفنون ما بعد الحداثة، فهو بعد دراسة جادة لمدارس التشكيل ولأصولها الفلسفية، صار أكثر شغفاً بالفلسفة، حتى طغت على رسوماته وأعماله النحتية تأثره بقراءاة مدارس وإتجاهات فلسفة ما بعد الحداثة، حتى تمكنت منه الفلسفة، فتمكنت منه وتمكن منها، فدخلت بوعي أو من دون وعي لتخترق أعماله، حتى صار طلبته في الدراسات العليا ممن درسهم أو أشرف عليهم كثيروا التأثر بتوجهاته هذه، وقد غلبت في بعض الأحيان على دراساتهم أطر التنظير الفلسفي في رسائلهم وأطاريحهم على فاعليتهم ومقدرتهم التشكيلية، فتجدهم أقرب لنُقاد الفن التشكيل منهم إلى التشكيليين، وإن يكن منهم تشكيليون مُميزون كما هو حال أستاذهم.

54 محمد الكناني

تأثر محمد الكناني بأساتذة عراقيين في الفلسفة منهم مدني صالح، وهو (أي الكناني) من أكثر أساتذة الفلسفة تعلقاً بشخصية مدني صالح على مستوى التأثر به فكرياً وتدريساً، لأن مدني صالح درّسه في الدراسات العُليا فلسفة الفن، وهو الأقرب لدكتور نجم عبد حيدر الذي هو بدوره تجد أن الفلسفة قد تمكنت منه بفعل تأثره أيضاً ببعض أساتذة الفلسفة العراقيين، ومن أهمهم مدني صالح، فضلاً عن قراءته المُستمرة للفلسفة.

تأثر بصاحبه أستاذ الآثار وتاريخ الفن د. زهير صاحب، فكان لنفحاته الآثارية وتطلعاته الفكرية أثرها في ثقافة الكناني وأعماله التشكيلية في الرسم والنحت.

ولم يغب أثر صديقه القريب د. بلاسم محمد بكل تمرده على كل الصيغ والمناهج التقليدية والحداثية الجاهزة.

ويبقى للكناني بصمته الخاصة فقد شارك في العديد من المعارض التشكيلية رسماً ونحتاً المحلية والعربية والدولية، وحصل على العديد من الجوائز أهمها:

ـ جائزة الإبداع العراقي للثقافة والفنون (فن الكرافيك) عام 2000م.

55 محمد الكنانيالفكرة في فضاء عمله التشكيلي يحكمها فعل التحديث بوصفه فعل ديناميكي ينفعل به فضاء التشكيل اللوني للعمل الفني الذي يحدَه المكان (اللوحة)، ولكن الزمن فيه يفلت خارج أطار محدودية المكان (اللوحة)، لأن تصيير زمانها إنما هو فعل تأثير وتلقي يكون للمُتلقي دوره في الديمومة التي يرومه الكناني للوحته لتخرج من أطرها المكانية لتتماهى مع ثقافة المُتلقي الذي يحتاج عُدة مفاهيمية وفلسفية ناضجة لتلقي أعمال الكناني.

لا يسعى الكناني لاختراق أفق اللوحة اللوني، كي لا يجعل من المُتلقي خارج مُقتضيات أعماله التجريدية منها أو القريبة من فهمه المُباشر، فستجد لوحاته على الأعم الأغلب يطغي فيها لون ما يحمل معنى ما يُريد من خلاله الكناني إيصال رسالته في بوصفه صاحب رؤية تستعين بالفلسفة التي تبحث عن المعنى حتى في رؤى فلاسفتاها الحالمين.

رغم أن الكناني في كثير من الحوارات معه يؤكد سومريته، فهو بأصوله ابن هذه الحضارة (حضارة سومر) التي منها بدأت حكاية الإنسان، ومنها بدأ الفن بكل تمظهراته، وكما قال صموئيل كريمر في كتابه ألواح سومر (التاريخ يبدأ من سومر)، لكنه يرسم لأن فيه شغف للرسم، هو يجد في الرسم تعبير عن مكامن الذات وإرهاصاتها، وهو يهيم في فن الكرافيك لأنه يعدَه مكمن التجريب لتعددية الخامات والمواد الداخلة فيه.

الكرافيك عنده هو الذي بمقدور الفنان الفنان أن يكشف عن مهارته فيه خارج مُهيمنات وسلطة تددية اللون.

رغم أن كثير ممن كتب عن الكناني يرى أنه مُغرم بتددية اللون، إلَا أنني أجدَه على العكس من ذلك، فاللون عنده طُغيان لحالة نفسية ووجدانية، ولكل شعور داخلي وجداني في حالة التعبي عنه في الألم أو الفرح، هُناك لون يستبيح اللوحة ويخترق مساحاتها داخل فضائها المؤطر، وكل لون آخر في اللوحة إنما هو ضربة ريشة فنان يحلم بخرق أفق المُعتاد والراكد المُهيمن على شعوره الداخلي.

اللوحة صورة إبهارية، وهي عند الكناني كذلك، ولكنه لم يكن مشغولاً في الإبهار اللوني فقط، رغم أن هذه من المهارات التي ينبغ أن تتوافر عند كل فنان ما بعد حداثي، والكناني أقرب لتوجهات هؤلاء التشكيليين الذين ينهل منهم كثيراً من مُتبنيات وعيهم التشكيلي ليُعيد صبه ببصمة فنان ماهر له القدرة على تحويل ما هو عالمي ليكون أكثر قُرباً للتذوق المحلي، وله في ذات الوقت القُدرة على جعل ما هو محلي وكأنه عمل مُكتنز بمعاني ذات أفق كوني، وتلك من بقايا تأثيرا قراءته الواعية لفلسفة وتاريخ الفن عموماً والتشكيلي على وجه الخصوص.

 

د. علي المرهج

 

في عام 1972، نظم في دمشق، المهرجان الأول للسينمائيين العرب الشباب، والذي أكد خلاله هؤلاء السينمائيون الشباب، على إرادتهم في إحياء وخلق أو تأسيس " السينما البديلة"، كما تشرح سيسل بويكس . فالهدف المنشود هو " صياغة لغة سينمائية جديدة تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي والاجتماعي للمجتمعات التي تتحدث عنها وتكون شاهداً عليها. ولقد غدت " المؤسسة العامة للسينما" مركز استقطاب ومختبر للسينما البديلة والملتزمة" وقامت هذه المؤسسة بإنتاج فيلم " اليازرلي" وهو الفيلم الروائي الطويل الوحيد للمخرج السينمائي قيس الزبيدي. ولقد منع الفيلم من العرض بذريعة " محتواه الجنسي الصريح" وكان هذا الفيلم، مع عمل وإبداع عدد من السينمائيين الآخرين، يندرج على نحو ما في سياق تلك التجربة أو المحاولة لخلق وتقويم سينما عربية بديلة مهمشة ضمن تاريخ عام للسينما لأسباب خارجة عن مستواها الجمالي والإبداعي ونوعيتها الذاتية.

ولد قيس الزبيدي في العراق وتميز بصفته مونتيراً في السينما السورية من خلال عمله وتعاونه مع عدد من المخرجين من أمثال نبيل المالح وعمر أميرالاي ومحمد ملص. كما أثبت مصداقيته الحرفية في مونتاج فيلم " مائة وجه ليوم واحد سنة 1969" و في فيلم " بيروت يا بيروت سنة 1975" للسينمائيين اللبنانيين كريستيان غازي و مارون بغدادي. وكذلك عبر مواضيع أفلامه القصيرة الأولى، وعمله في منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم نشاطه ومشاركته الفعالة في البحث عن الأفلام الضائعة سنة 1982 إثر الغزو الإسرائيلي للبنان وارتبط أسمه بقوة مع السينما الفلسطينية.

مع ارتباطها بالعودة الدائمة للأرشيف وعدم سعيها للأخذ بالاعتبار التوجيهات المقدمة من قبل قيس الزبيدي، أثناء حوارها معه بمناسبة حضوره أثناء مهرجان سينما فلسطين، وبالأخص، البعد أو المدى التاريخي لهذه الدراسة الموجهة بفضل وجهة نظر مخرج فيلم اليازرلي. فإن طموح هذا البحث، المرتكز بوضوح على عمل هذا السينمائي، هو ليس بالضرورة مونوغرافياً، بل يستذكر المسار الذي خطه قيس الزبيدي، والمقصود أكثر من ذلك، هو تحلي أشكال التعبير في اليازرلي بتركيز الاهتمام على دورة المفاهيم في المونتاج باعتبارها تكوينات تنظم إنتاج المعاني وإقامة علاقة جدلية حساسة مع العالم . وبالاستناد إلى تعبيرات وأقوال المخرج والنقد المنشور في مجلة الطريق عن الفيلم، سوف أعرض للطريقة الإبداعية الخلاقة والإبتكار الشكلي لفيلم اليازرلي المندرج ضمن ظرف جمالي وسياسي وطني وإقليمي ودولي. بتنويع مستويات المشاهدة، سأحاول كذلك أن اشرح وأوضح صيرورة أو عملية التهميش للسينما البديلة وتقديم معلومات تسمح بإدراج هذه السينما ( باعتبارها مشروعاً حمله العديد من السينمائيين الذين تشكل أعمالهم وإبداعاتهم وإنتاجاتهم نوعاً من التجمع غير المتجانس وغير المحدد بدقة، أو مدرسة غير محددة الملامح، في تاريخ السينما).

تشكيل لمشروع: التاريخ العابر للوطن والتحولات اللا خطية:

في مقابلة مع قيس الزبيدي صرح مستشهداً بذاكرته بنص كتبه بودوفكين ومترجم للعربية، وبالتحديد جملة تقول" إن المونتاج هو القوة الخالقة لكيان الفيلم" هي التي دفعته لأن يقرر دراسة المونتاج في المعهد العالي للسينما في بابلسبيرغ/ بوتسدام في ألمانيا الديموقراطية.

إن جدلية التفاعل الثقافي بين مختلف الثقافات والتي ينتمي إليها جزء من السينما البديلة، هي التي يجب البحث عنها في تاريخ سينما ألمانيا الديموقراطية سابقاً. وكغيره من مخرجين عرب آخرين، درس قيس الزبيدي بين أعوام 1961 و 1969 السينما في ألمانيا الديموقراطية. وحسب كارولين موان، مؤلفة كتاب مكرس لتاريخ المهرجان الدولي للأفلام التسجيلية وأفلام الصور المتحركة في لايبزيغ، فإن أحد الخصائص والميزات المهمة لهذه المدرسة هي، ومنذ البداية، وجود عدد من الطلاب الأجانب بين ثناياها، والذين تواجهوا مع فكرة التضامن الأممي . فبالنسبة لطلاب مدرسة بابلسبيرغ، كان مهرجان لايبزيغ بمثابة نافذة مفتوحة على العالم. وقد أعلن قيس الزبيدي أنه أكتشف هناك قيمة السينما الوثائقية وهي قيمة ستخدمه كمحرك ودافع للإبداع ولخلق أشكال سردية بديلة. كما اعتبر مخرج عراقي آخر، هو فيصل الياسري الذي عمل لفترة في سوريا أيضاً، هذا المهرجان: " " كأفضل إمكانية" لتبادل خبراتنا وتجاربنا مع سينمائيين تقدميين آخرين في العالم".

من بين البلدان والسينمائيين الممثلين والمشاركين في لايبزيغ. والأشخاص المشاركين في هذه التظاهرة ــ الحدث، الذين توفرت لهم الفرصة لاكتشاف إنتاج سانتياغو آلفاريز السينمائي الكوبي منذ عام 1961، الذي كان عضواً لعدة مرات في لجنة تحكيم المهرجان" وقام بالتعريف بنفسه في أوروبا" .

بعض تجارب قيس الزبيدي في حقل السينما المناضلة يمكن مقارنتها بتجارب سانتياغو آلفاريز . فالميل الشعري والاحتجاجي للمونتاج المجازي لأجزاء غير متجانسة، هو الذي يقرب بين فيلم" الزيارة " 1970 لقيس الزبيدي " مع بعض أفلام السينمائي الكوبي، في حين أن إيقاع تدفق الصور وإطلاق النيران التي دمغت وميزت نهاية فيلم " الآن" 1965 لأفاريز، موجودة في بداية فيلم " بعيداً عن الوطن 1969. قبل أن يكرم،" مثل فيلم بعيدا عن الوطن"، من قبل لجنة تحكيم مهرجان دمشق السينمائي عام 1972. إن هذا الفيلم القصير لقيس الزبيدي حصل على جائزة مهرجان لايبزيغ عام 1969. ومع تصريح قيس الزبيدي بأنه على اطلاع على أفلام سانتياغو أفاريز إلا أنه أوضح بأنه تأثر مباشرة بفيلم أوكتافيو كورتازار ( وهو أيضاً عضو لجنة تحكيم في مهرجان لايبزيغ في بداية سنوات الستينات)، وهو فيلم " للمرة الأولى por primera vez 1961"، الذي اكتشفه في ألمانيا قبل أن يعمل في سوريا. وعلى غراره صور فيلم بعيداً عن الوطن، مع أطفال يشاهدون للمرة الأولى صوراً متحركة، وإذا كان تأثير فيلم للمرة الأولى por primera vez، واضحاً، فإن نغمة بعيداً عن الوطن الحرة تفسر كذاك بالوظيفة أو التوظيف المختلف للتعليق في فيلم بعيداً عن الوطن مقارنة بفيلم أوكتافيو كورتازار (فالتعليقات هي حصراً لأطفال يعبرون بكثير من العفوية عن مشاهدتهم لصور متحركة لأول مرة في حياتهم، تعرض أمامهم بعد أن صورت في مخيم للاجئين، في سوريا الذين يعيشون فيه) انطلاقاً من شرط لقيد تقني مرتبط بمشكلة التزامن الصوتي الذي فرضته المعدات المتوفرة في سوريا في ذلك الوقت.

وبدون الإدعاء بالتغطية الحصرية أو بإعطاء وصف شامل للقراءات الفيلمية التي يتموضع فيها المخرج، فإن مرجعياته النظرية للنظريات السوفيتية في السينما، وللأفلام المعروضة في إطار مهرجان لايبزيغ، تشير إلى أولى الآثار لفهم تهميش أو تميز آثر قيس الزبيدي الفيلمي. مقارنة بأفلام عمر أميرلاي، الذي درس في معهد الدراسات السينمائية العليا الإيديك، وعاش أحداث ثوة الطلاب سنة 1968 وكانت موضوعاً لمقالات مبكرة في مجلة كراسات السينما les Cahiers du cinéma، والتي كثيراً ما عرضت في فرنسا في السنوات الأخيرة المنصرمة في إطار أحداث كرست للسينما السورية، فإن إنتشار الأشكال والأفكار التي تعرض أمام أنظار مراقب يريد أن يفهم ما هي الطريقة أو النهج الذي أنتجت فيه أفلام في سوريا في تلك الفترة، والتي تشارك في طموح خلق سينما بديلة تنطوي على جغرافيا تتجاوز أو تتعدى أي إطار وطني وتطالبنا أن ننتبه لأشكال التداول غير الخطية .

مجلة الطريق: أقوال سينمائيين في العالم العربي في بداية سنوات السبعينات:

هناك حاجة وضرورة لتغيير المستوى من أجل فهم أفضل لصيغ وطرائق هذا التهميش . وهذه في الحقيقة مسألة اللغة والظروف السينمائية والسياسية لهذه المنطقة التي – إلى جانب المسألة المؤثرة والحاسمة بخصوص صعوبة الوصول إلى الأفلام التي أخرجت في تلك الفترة في العالم العربي والتي سنعود إليها – تفسر الجهل بمواقف وآثار قيس الزبيدي . فآراء ووجهات نظر السينمائي وكتاباته النقدية التي جمعت في دمشق، نشرت في عدد خاص من مجلة الطريق اللبنانية ( العدد رقم 8_7-،1972). من خلال عنوان المجلة "الطريق " ومقال لكريم مروة عنوانه : "لا بد من مواجهة صعود الاتجاهات اليمينية في حركات التحرر العربية" وكان موضوع الغلاف لهذا العدد من مجلة الطريق مكرس للسينما العربية البديلة، وهي مجلة ينشرها مثقفو الحزب الشيوعي اللبناني .

وكتغطية للفضاء المهرجاني، فإن هذه الوثيقة تتيح الاستماع لأصوات متناقضة ومتباينة، ورؤية مشروع يختلق أو يبتكر، وتعريف يتبلور ويتشكل ويتم رسمه نظرياً. هنا يوجد تعدد الأصوات واستخدامات لا مبالية أحيانا للشروط ولمفاهيم مثل " سينما بديلة " و " سينما جديدة"، تسمح على نحو أفضل في فهم المشاكل التي تواجه السينمائيين الشباب وتنوع واختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم. السينمائي الفلسطيني مصطفى أبو علي يتطرق أو يذكر على سبيل المثال إلى أنه يستلهم التراث العربي في ابتكار أو خلق سينما بديلة، في حين يعتبر المخرج الكويتي خالد الصديق أن تدمير السينما التجارية التقليدية يتم عن طريق الاتصال بالخارج.

ينتقد قيس الزبيدي في نصه " عالم الأوهام" الذي تصنعه السينما الكلاسيكية. ويطالب بــ "" ممارسة مونتاج إنطلاقاً من الحياة كما هي" ويوضح ذلك قائلاً :" تعاني السينما العربية من أمراض مزمنة ناتجة عن عزلتها التامة تقريباً عن الواقع اليومي للجماهير . وربما من بين الأسباب الحقيقية لتفاقم تلك الأمراض على مر الزمن، يكمن السبب في غياب التجربة لسينما وثائقية عربية لدى السينمائيين العرب أو لدى قطاع واسع من جمهور السينما".

إن الاراء التي نشرتها مجلة الطريق تظهر أن الأشخاص المجتمعين في دمشق يرغبون للاستجابة لظرف خاص بالسينما العربية تهيمن عليه الأفلام المصرية وتقليدها محلياً . كما شددت المخرجة المصرية نبيهة لطفي في مقالتها في الطريق عن تأسيس جماعة السينما الجديدة في مصر، "شددت على ضرورة التوجه للجمهور في المنطقة بخطاب سينمائي لا يحتقر ذكائهم ويستلهم وجودهم بدون الاكتفاء بتقليد السينما الأوروبية". أما حميد مرعي رئيس المؤسسة العامة للسينما وعضو لجنة التحكيم لمهرجان دمشق السينمائي لسنة 1972، والذي كان موجودا في الجزائر على هامش " لقاء السينمائيين العرب والأفارقة" فقد صرح : على مستوى الوزارة، هناك خيار بنيوي يتمثل بإعداد وتأهيل كادر سينمائي سوري مختلف عن كادر القطاع الخاص المعتمد كلياً على الكادر المصري، والحال أنهم ليسوا أفضل السينمائيين المصريين، بل هم من مخرجي الدرجة الثالثة أو الرابعة . فأفلام القطاع الخاص هي أفلام مصرية منتجة في سوريا وليس فيها سورياً سوى منتجها ".

المجلات الفنية اللبنانية التجارية في ذلك الوقت التي تحدثت عن الأفلام المعروضة في الصالات، تتيح لنا التدقيق في الموقع المهم الذي تحتله السينما المصرية على شاشات هذا البلد . كما تعرض في الصالات أفلام إنتاج مشترك سوري لبناني أو أفلام مثل " قيثارة الحب" وهو كوميديا رومانسية من إخراج محمد سلمان، تمثل فيه المغنية اللبنانية الشهيرة صباح كما هو حال عدد من ممثلي تلك الفترة وهو الأمر المبرر من وجهة نظر استهلاكية مع استخدام اللهجة المصرية والذي بقي لوقت طويل يعرض على الشاشات اللبنانية سنة 1974. إلى ذلك يضاف ما من شأنه توثيق المأساة الفلسطينية، التي هي، ليست فقط موضوعاً لعدد من إنتاجات المؤسسة العامة للسينما أو عرضت في دمشق سنة 1972، فحسب، بل وتوضح كذلك تأسيس وحدة الإنتاج السينمائي الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية والبحث عن أشكال سينمائية خاصة لتطرح على نحو مختلف هذه القضية الفلسطينية بعد نكسة حزيران 1967 والتي نددت بالحكومات وأساءت إليها. مع كون حضور السينما البديلة ضعيفاً خارج المهرجانات، فإن بعض الأفلام المنتمية لهذا التيار، من بينها أفلام وثائقية قصيرة لقيس الزبيدي، عرضت في بيروت في إطار النادي السينمائي العربي الذي شارك في تأسيسه المخرج اللبناني برهان علوية وهو مخرج فيلم كفر قاسم الذي يعرض المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل بحق قرية كفر قاسم الفلسطينية.

نوقشت في دمشق خصائص السينما البديلة المنشودة والتي تعرضت للنقد من قبل بعض المراقبين. وبخصوص فيلم " مائة وجه ليوم واحد" ومن إخراج كريستيان غازي والذي قام بمونتاجه قيس الزبيدي وحصد جائزة النقاد للأفلام الطويلة في مهرجان دمشق لسنة 1972، وعبر في المهرجان عن أفكار ومواقف قريبة من أفكار ومواقف مخرج فيلم اليازرلي فيما يتعلق بمسألة العلاقة بين السينما العربية البديلة والجمهور وبهذا الصدد نقل الناقد الفرنسي غي هينيبيل :" يتذكر الموقعون على هذه الخطوط مناقشات متعمقة مع المخرج في المهرجان الأول للسينما العربية الشابة في دمشق في عام 1972، حول أهمية النهج الفني الذي كان، باختصار، يرنو للعثور على نوع من السرد "الثوري أنطولوجياً" إنطلاقاً من بحوث مختبرية لا تأخذ في الاعتبار تلقي وتقبل الجمهور".

في مقال معنون" الضجيج حول السينما البديلة أكبر من واقعها " ندد الناقد السينمائي فريد جبر بالموقع المهم الذي تحتله القضية الفلسطينية، والذي قاد إلى إهمال السينمائيين الشباب للمشاكل الأخرى. واقترح أنه ينبغي الاستناد إلى السينما المصرية في بناء سينما بديلة بدلاً من جعلها كبش فداء".

قيس الزبيدي: مخرج مونتير ملتزم في خلق سينما بديلة.

أعد فيلم اليازرلي عن قصة قصيرة في السيرة الذاتية للكاتب السوري حنا مينه، تندد وبمهارة بتبعات الهجرة الريفية الجماعية وبالفقر، وهي ثيمات مشتركة للسينما الملتزمة في تلك الفترة . في هذا الفيلم، كانت وظيفة النقد لتفكيك الاستمرارية، مضاعفة. فمن جهة، ما كان يهم قيس الزبيدي يكمن كما يبدو بجلاء، في البعد التأملي للتلاعب بالشريط السينمائي باعتباره أداة تعارض الكذب والخداع والتزوير لعالم الوهم الذي صنعته ومازالت تصنعه السينما العربية الكلاسيكية". بتبنيه وجهة نظر طفل، هي كذلك نظرة نقدية، كونها مزاحة عن الخط المألوف، يطرحها الفيلم على عالم البالغين. فالأشكال تتزاوج أو تتبنى التعبيرية الذاتية للطفل، والتي تندرج في استمرارية التجريب للمخرج في مجال الفيلم الوثائقي ( بعيداً عن الوطن، شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب 1972)، تخدم " السردية التجريبية" للفيلم" . وخلال اليوم الأول لعمل الطفل، على سبيل المثال، كان المونتاج المتكرر للقطات ثلاثة صورت في مواقع مختلفة لكنها تقدم تكوين وحركات كاميرا مشابهة لأول لقاء مع من سيصبح رب عمله، تسمح بتقديمها أو تمثيلها على أنها طريقة للمواجهة مع السلطة . وعلى نحو أعم، فإن المونتاج المكرر لنفس الفعل، واللقطات المدرجة،واستخدام العرض البطيء، وتوقف أو تجميد الصور، تبدو كأنها وسائل لمعالجة الزمن كما لو كان مادة تشكيلية لإضفاء قيم أكبر على وجهة نظر الطفل التي يقدمها حول الصعوبات الاقتصادية والعمل اليدوي والجنس وإمكانية التجسد.

كان قيس الزبيدي يحضر فيلمه " اليازرلي"، الذي يعتبره بمثابة بيان للسينما البديلة، للعرض في مهرجان دمشق، وفي نفس الوقت يعمل بالتوازي على مونتاج فيلم " الحياة اليومية في قرية سورية" للمخرج عمر أميرلاي. تجميد الصورة يلعب دوراً مهماً في هذا الفيلم أيضاً. فمنذ بداية الفيلم الوثائقي لعمر أميرلاي، نرى رجلاً بالعرض البطيء يشق أو يمزق ملابسه بغضب قبل أن تتجمد الصورة. ثم تعود هذه الصورة ثلاث مرات في الفيلم قبل المشهد الختامي أو النهائي، الذي ينطلق من هذه اللقطة الثابتة ليحرر أخيراً الصرخة الدفينة المخنوقة للفلاح. يطلقها عدة مرات، نقداً للإقطاع، وعلى نحو غير مباشر لحزب البعث، لتسمع قبل توقف آخر للصورة يتبعها النص التالي:" علينا أن ننخرط بالمعركة من أجل خلاصنا المشترك، لا توجد أيادي نظيفة، ولا بريئة، لا يوجد مشاهدون. علينا أن نغمس أيدينا في طين أرضنا . كل مشاهد إما جبان أو خائن.

مع إن نهاية فيلم اليازرلي و الحياة اليومية في قرية سورية، لا يشرحان بنفس الطريقة، ولكن في الحالتين توجد حركة أو فعل يشتغل على التعارض الجدلي بين التسجيل واللوحة التشكيلية من خلال اقتراح شكل مفتوح في نهاية المطاف . ولو استعدنا نقداً لسيرج داني كتبه عن الفيلم متأخراً، "بعيداً عن أن يكون مجرد " حيلة" مهمتها مشكلة النهاية " فإن المشهد الختامي أو النهائي لفيلم الحياة اليومية في قرية سورية بشكل خاص، هو بجلاء وصراحة عبارة عن إشارة لمشروع أوسع وعلاقة بسينما تجد نفسها أن عليها أن تصيغ مرجعية تعود إلى فرانز فانون، سبق أن عبئها فرناندو سولاناس و أوكتافيو جيتنو، حيث قام عمر أميرلاي بترجمة البيان إلى العربية .

تدمير، سرقة، نسيان، عودة لمشروع جماعي:

تصادف عرض الفيلمين مع نهاية مرحلة الوصول إلى السلطة لنظام حافظ الأسد، الذي صحح من جموح مناهضة الإمبريالية بتصفية خصومه ومنافسيه، ما أدى إلى منع عرضهما في سوريا. وإذا كانت المؤسسة العامة للسينما في سوريا، ممثلة بشخص رئيسها حميد مرعي، الذي ساعد قيس الزبيدي في العمل في سوريا، قد شجعت التجريب الفني والحوارات أو النقاشات حول السينما البديلة، فإن مديرها قد أعفي من منصبه وأزيح سنة 1974 في خطوة استبدال إدارة المؤسسة العامة للسينما. رغم أن هذه العملية قد أثرت بعمق وعلى نحو مستمر في إعادة بعث المشروع، إلى جانب الرقابة وضياع قسم من الأفلام التي نفذت أو أنجزت في تلك الفترة، إلا أن ذلك لم يطمس نهائياً ذاكرة تلك "اليوتوبيا" الطوباوية غير المكتملة. وكمثال على ذلك مقال للناقد اللبناني وليد شميط نشر في مجلة السينما الجزائرية " الشاشتين" عام 1979. فهذا الناقد اللبناني يعتبر أن السينما البديلة بقيت في مرحلة القول ولم تتكرس كحركة حقيقية فعالة... كما هو الحال مع شعار " السينما الثالثة" بل استمر الحديث عنها " كمشروع طموح لم يكتمل ولم تحدد ملامحه النهائية بعد" ويستشهد بأفلام أنجزت " خلال السنوات الأخيرة" تسمح بتأكيد هذا التشخيص بهذا الاتجاه. لقد نجا فيلم "مائة وجه ليوم واحد" من التدمير الذي تعرضت له بعض الأفلام الأخرى كفلم المخرج كريستيان غازي، وعثر عليه مؤخراً في سوريا على يد المخرج اللبناني رامي صباغ. ومثله، قام بعض المخرجين من الجيل الجديد بالبحث عن ذلك الماضي. وفي تعليق رافق فيلمه القصير الأول استعار " تجمع أبو نادرة" الكلمات التي اختتم بها فيلم الحياة اليومية لقرية سورية" وقيس الزبيدي، الذي يعيش حالياً في برلين، هو جزء من هؤلاء الذين يسعون إلى حفر وإنعاش الذاكرة . في فيلم " ملوك وكومبارس" لعزة الحسن 2004" نراه وهو يقود المخرجة في مقبرة، موحياً بفرضية أو إحتمال إخفاء أفلام مؤسسة السينما الفلسطينية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اختفت سنة 1982. وبفضل الاتصال بقيس الزبيدي، تمكنت آن ماري جاسر بتنظيم أول عرض لفيلم " ليس لهم وجود/ 1974" في فلسطين. وقام مصطفى أبو علي بنفس التجربة التي قام بها كريستيان غازي للعثور على فيلمه بعد مرور بضعة عقود . وأخيراً تم العثور على فيلم لقيس الزبيدي من قبل رونا سيلا في أرشيف الجيش الإسرائيلي في وزارة الدفاع وأفلام أخرى صودرت كغنائم حرب عام 1982.

في مرحلة " حوار الثقافات" في إطار الــ" الأورو ــ متوسطية " أصبح الأمر جزءاً من خطاب السلطة، حيث تم تكريم عدد من الآثار السينمائية المنجزة في بعض الدول العربية في مختلف المهرجانات السينمائية الدولية،وطموحات السينمائيين في تلك الفترة تذكرنا بقوة جمالية مشروع التغيير أو التحول السياسي. إن إعادة امتلاك هذه التركة من قبل بعض السينمائيين المعاصرين، هل ستكون بمثابة طريقة للتذكير كما قال كريستيان غازي، في دمشق عام 1972، بأنه لا يمكن التعبير عن قضية معقدة بشكل بسيط أولي أساسي"، وعلى نحو أوسع، استجواب أشكال التعبير الممكنة، والتساؤل عبر الماضي عن الأشكال الممكنة من التعبير التي ترتكز عليها الأصوات والصراعات؟ وبلا كلل، تشهد الأفلام التي أخرجها قيس الزبيدي على أهمية دور المهرجانات في نقل أشكال مخربة فضلا عن الطريقة التي تستمر بها بعض الأسئلة في العمل على أولئك الذين يرغبون في نهاية المطاف التهديم، وتشكل في رأيي شكلا من أشكال المقاومة لظاهرة التأسيس التي تميز المجال المعاصر للثقافة.

 

ترجمة د. جواد بشارة

............................

1- تحرص الكاتبة على تقديم الشكر للمساعدة القيمة والثمينة ( البحث عن الوثائق، المقابلات، الترجمات، وإعادة القراءة والمراجعة،) التي قام بها: بيير جيرار، عمر السعد، قيس الزبيدي، ماريون سلتين، عبودي أبو جودي، هالة عبد الله، وليد شميط، ودانا البوز.

2- نظم من قبل لجنة برئاسة حميد مرعي، مدير عام المؤسسة العامة للسينما في سوريا التي تشرف على مجمل النشاط السينمائي في سورياً ابتداءاً من عام 1964، ومكونة من سينمائيين ونقاد عرب. وليد شميط: " مهرجان الشباب العربي في دمشق : البحث عن السينما البديلة " الأسبوع العربي 1972 ص 57 ترجمة عمر الأسعد وآناييس فارين.

3- دكتوراه في العلوم السياسية سيسل بويكس متخصصة بالسينما السورية نشرت أطروحتها تحت عنوان: " السينما والسياسة في سوريا . الكتابة السينمائية في معارضة النظام التسلطي 1970-2010 دار نشر لارماتان 2014

4- سيسل بويكس : ." الاعتراض الإعلامي في عالم الفن في ظرف تسلطي. التجربة السينمائية في سوريا داخل المؤسسة العامة للسينما بين 1964 و 2010" أطروحة دكتوراه في جامع إكس أون بروفانس 2011 ص 79.

5- فيلمين آخرين ذكرا عموماً هما " المخدوعون لتوفيق صالح 1972، وكفر قاسم لبرهان علوية 1974. على الرغم من أنهم يعتقدون بأن عملهم من حيث بدأوا إن هو إلا امتداد لأول اثنين من الأفلام المذكورة، وبعض من المديرين الذين يهتمون بشكل خاص في هذه المادة يميلون إلى اعتبار أنها لا تعبر تماما عن نفس الرغبة في البديل عبر السينما التي يحاولون تحقيقها. حوار حول السينما البديلة مع فيصل الياسري وقاسم حول وقيس الزبيدي.محمد الجزائري الأقلام عدد 11 بغداد 1975 ص 47 _48 ترجمة بيير جيرار.

6- رشا سلطي مراجعة التنقيحات المتضاربة لتاريخ الفيلم: ملاحظات المنسق. مجلة العوالم الإسلامية والمتوسطية ص: 134_2013، و ص 124.

7- مهرجان أفلام فلسطين باريس

8- قيس الزبيدي يتحدث عن " فن المونتاج" وربما المقصود كتاب "الفن السينمائي" لبودفكين ترجمة المخرج المصري فؤاد التهامي دار الفكر 1957 راديو مونت كارلو الدولية ثقافات أرشيف 2014 مقابلة مع قيس الزبيدي أجرتها معه هدى إبراهيم ترجمة عمر الأسعد وأناييس فارين

9- هامش باللغة الألمانية « Hochschule für Film und Fernsehen Konrad Wolf

10- بخصوص تكوين السينمائيين الفلسطينيين في ألمانيا الشرقية أنظر شهادة موسى ماراغة مقابلة 2012 ترجمة الثورة الفلسطينية 2016 http://learnpalestine.politics.ox.ac.uk/uploads/sources/588d7fa4f141d.pdf

11- من أصل، أفريقي، آسيوي، أوروبي، شرق أوسطي، جاءوا من كل القارات مرسلين من أنظمة قريبة من ألمانيا الشرقية ـ برلين الشرقية. اختياراتهم لا تستجيب لمعايير فنية واضحة بل لاعتبارات سياسية. منذ مرحلة الدراسة في مدرسة السينما المخرجين والتقنيين المبتدئين، يجدون أنفسهم في مواجهة فكرة التضامن الأممي وهو مفهوم في قلب وصلب تجربة ألمانيا الشرقية عبر مهرجان لايبزيغ، سوف نرى بأي شكل كان ذلك التضامن قد تجسد فعلياً أو جزئياً أم كان مجرد شعار . كارولين موان السينما والحرب الباردة تاريخ مهرجان الأفلام الوثائقية في لايبزيغ 1955 ــ 1990. منشورات السوربون 2014 ص 39_ 40، وقد أكدت الكاتبة بعد صفحات بأن الاستقبال المخصص في ألمانيا الشرقية للطلاب الأجانب لم يكن دائماً ترحيبياً.

12- داخل كل فيلم جزء من الذاكرة والهوية. مقابلة مع قيس الزبيدي برلين 2014 وثيقة أرسلها المخرج عبر الإيميل سنة 2016.

13- من مهرجان لآخر. لايبزيغ مقابلة مع المخرج فيصل الياسري . بخصوص إخراج أول أفلامه القصيرة 1969. عمر أميرلاي أوضح كذلك " أراد مهرجان لايبزيغ للأفلام الوثائقية مشارك سوري ومدير التلفزيون سمع بي واقترح علي عمل فيلم وثائقي عن سد الفرات " عن سيسيل بويكس " أن تكون سينمائياً سورياً تجارب ومسارات في الإبداع تحت القسر .

14- على أسئلتنا بخصوص المهرجان قال قيس الزبيدي مستشهداً ببوريس إيفانس وهو وجه رمزي من وجوه مهرجان لايبزيغ منذ بداياته مقابلة مع قيس الزبيدي بالعربية في باريس في 7/6/2017.

15- كارولين موان ملاحظة مذكورة سابقاً

16- من 1964 إلى 1973، سبعة أفلام لسانتياغو الفاريز من بينها فيلم " الآن" حصلت على جوائز في لايبزيغ في مجلة الطريق تم ذكر هذا المخرج بالإسم على لسان سينمائي آخر هو قاسم حول والذي منتج قيس الزبيدي فيلمه " عائد إلى حيفا" سنة 1982 وأعرب عن مواقف قريبة من مخرج اليازرلي : قاسم حول " ملامح وأفكار عن السينما البديلة الطريق عدد 7 و 8 آب وايلول 1972.

17- في دمشق " بعيداً عن الوطن" حصل على شهادة تقدير وحصل فيلم " الزيارة" على جائزة النقاد للفيلم القصير.

18- مقابلة مع قيس الزبيدي

19- أثناء لقاءنا مع قيس الزبيدي ذكر مشهد سلالم الأوديسا في فيلم المدرعة بوتمكين لآيزنشين

20- أنظر سيرج لوبيرون نقد فيلم الحياة اليومية في قرية سورية مجلة كراسات السينما 1977 ص 279 _ 280

21- أحد قيادي الحزب الشيوعي اللبناني لعدة سنوات وهو كاتب أيضاً

22- كريم مروة: لابد من مجابهة صعود الاتجاهات اليمينية في حركة التحرر العربية مجلة الطريق

23- مصطفى أبو علي السينما البديلة يجب أن تكون سينما تؤثر على المجتمع" أو السينما البديلة هي بالضرورة سينما فاعلة في المجتمع ص 77_ 78 و خالد الصديق يجب إسقاط عقبات التوزيع التي تواجه أفلام الشباب. أو يجب كسر حاجز التوزيع أمام أفلام الشباب الطريق ترجمة عمر الأسعد و أناييس فارين

24- قيس الزبيدي: الفيلم الوثائقي . طريق نحو سينما عربية جديدة.

25- ولد في لبنان وعاش وعمل في مصر

26- صعوبة العثور على سينما بديلة وضرورتها: صعوبة إيجاد الفيلم البديل وضرورته . الطريق ترجمة بيير جيرار.

27- السينما السورية أداة تربية وثقافة مقابلة أجراها المدراسي ونشرت في جريدة المجاهد 27/10/1972 الجزائرية وأعيد نشرها في سينما البلدان العربية السينماتيك الفرنسية والسينماتيك الجزائرية.

28- فيلم، مجلة شوبيز، سينما الشرق مثالاً.

29- شخص مهم في تاريخ السينما في لبنان محمد سلمان مر من خلال مصر وكان ممثلاً قبل أن يجلب الوصفة السحرية المصرية ويخرج منذ نهاية الخمسينات أفلام لاقت نجاحاً تجارياً في سوريا ولبنان راجع عبودي أبو جوده : الليلة سينما في لبنان 1929 1979 منشورات الفرات للنشر والتوزيع 2015ديما الحر السينما بعد الحرب الأهلية منشورات لارماتان 2016

30- مع وليد شميط وإبراهيم العريس وجورج راسي في 1973 في إطار نادي السينما اكتشف محمد سويد بعض أفلام السينما البديلة وفي مقابلة مع هذا المخرج والكاتب والناقد اللبناني أعلن بخصوص بعض أفلام تلك الفترة يمكن العثور على أشياء كثيرة في ألمانيا الشرقية

31- أسئلة، مفاهيم ومواقف داخل حلقات نقاشات أثناء المهرجان : قضايا ومفاهيم ومواقف في ندوات النقاش خلال أيام المهرجان الطريق ص 96_- 103 ترجمة بيير جيرار

32- غي هينيبيل: القضية الفلسطينية في الأفلام العربية : الأفلام السياسية، عن" فلسطين في السينما". غي هينيبيل وخميس خياطي نشرت عام 1977

33- فريد جبر الضجيج حول السينما البديلة أكبر من واقعها ترجمة عمر الأسعد وأناييس فارين

34- يرفض استخدام هذا التعبير بخصوص أغلب الأفلام التي شوهدت في دمشق

35- رشا سلطي : مفارقات السينما السورية

36- حول وظيفة المونتاج نراجع " فنسنت دوفيل" أشكال المونتاج في سينما الطليعة بحث ومقابلات مع صانعي الأفلام المعاصرين المطبوعات الجامعية رين 2014.

37- قيس الزبيدي: " الفيلم التسجيلي طريق نحو سينما عربية جديدة"الطريق ص 42-45 ترجمة بيير جيرار

38- نيكول بيرنيز:" سينما الطليعة" كراسات السينما 2006 ص 40

39- راديو مونت كارلو الدولية أرشيف 2014 مقابلة مع قيس الزبيدي أجرتها هدى إبراهيم

40- سيرج داني:" الصورة الأخيرة " طرق الصورة مركز جورج بومبيدو 1990 ص 57

41- " بخصوص الولادة" في باريس مشروع فيلم سعد الله ونوس يشرح:" وضعنا برنامج عمل نرغب بمواصلته : تصوير سلسلة من الوثائقيات التسجيلية طويلة أو متوسطة الطول عن الحياة اليومية في مختلف قطاعات المجتمع السوري . وبعد فيلم الحياة اليومية في قرية سورية نرغب في تصوير الحياة اليومية في حارة شعبية، والحياة اليومية في مخيم للاجئين الخ.. الكاتب الدرامي المسرحي سعد الله ونوس يتحدث عن الحياة اليومية في قرية سورية في كتاب السينما في البلدان العربية السينماتيك الفرنسية والسينماتيك الجزائرية.

42- فرانز فانون" الملعونون في الأرض" منشورات لاديكوفرت وسيروس 2002 ( 1961) ص 189.

43- وفق فريد بوغدير بيان" نحو سينما ثالثة" له ترجمتان عربيتان إحداها قام بها عمر أميرلاي، وبالرغم من بحثي لم أتمكن من تشخيص مكان نشرها ولا تدقيق هذه المعلومة والتأكد من وجودها. ولدي فرضية أو احتمال بأن هذه الترجمة هي جزء من نص فرنسي " في العالم العربي وفي أفريقيا" تطابق واضح . في غي هنيبيل " تأثير السينما الثالثة" العالم الثالث المجلد 20 رقم 79 سنة 1979 وفي الانترنيت http://www.persee.fr/doc/tiers

44- جون بيير فيليوس" العرب مصيرهم ومصيرنا حكاية تحرير منشورات لاديكوفرت 2015 ص 130

45- اليازرلي عرض لأول مرة في مهرجان طقشند في أوزبكستان وحصل على دبلوم اتحاد الصحافيين السوفييت. وفي سوريا، وعلى عكس فيلم الحياة اليومية في قرية سورية، الممنوع عرضه رسمياً فإن فيلم قيس الزبيدي ليس ممنوعاً من العرض لكنه ممنوع ولكن ليس بصورة رسمية " مش ممنوع" مقابلة مع قيس الزبيدي في إذاعة مونت كارلو الدولية برنامج ثقافات أرشيف 2014 مقابلة أجرتها هدى ابراهيم مع قيس الزبيدي والصيغة التي استخدمها قيس الزبيدي تذكرنا بممارسات المنع الشفوي غير الرسمي لمنع عرض وتوزيع الأفلام الذي تحدث عنه كذلك أسامة محمد بخصوص فيلمه نجوم النهار 1988 في " سينما صامتة" لميار الرومي 2001.

46- سيسيل بويكس مصدر سابق أطروحة دكتوراه

47- وليد شميط" السينما العربية البديلة " مجلة شاشتين عدد 19 ديسمبر 1979 ص 6-13

48- الذي خصص بوتريه مصورة لغازي " صوت الذاكرة" 2001

49- سيسيل بويكس" سينما الطواريء مقابلة مع الجماعة السورية " ابو نظارة " حياة الأفكار" على الانترنيت

http://www.laviedesidees.fr/Un-cinema-d-urgence.html

50- 50- بخصوص هذا الفيلم ومن أجل تحليل يتعلق بمصلحة ونظرة سينمائيين من الجيل الجديد عن اليسار الراديكالي لسنوات الستينات والسبعينات نحيل إلى لورا يو ماركس " الشيوعية حلم مؤجل " في حنان السينما منشورات The MIT Press, 2015, pp.97-134.

51- مخرجة فلسطينية آن ماري جاسر استوحت بنفسها أفلام من سينمائيين ثوريين لسنوات الستينات والسبعينات لتحكي قصة طفل ينتقل من مخيم لاجئين إلى معسكر تدريب للفدائيين في " لما شفتك فلسطين" / الأردن الإمارات المتحدة 2012. متحدثة عن مصطفى أبو علي وقيس الزبيدي توضح المخرجة " مرة بعد مرة حاولت أن ألمح على نحو مباشر إلى هؤلاء السينمائيين وطريقة عملهم للأفلام وكيف يصرون ويرون أنفسهم، كليمونص لهيك وإستل سوهير " آن ماري جاسر سيرة سينمائية فلسطينية في المنفى

52- أنظر

 Voir : Annemarie Jacir, http://www.ubu.com/film/ali_exist.html

53- باحثة ومخرجة أفلام " سرقة وتخبئة الأرشيفات الفلسطينية في إسرائيل 2017

54- أوفير آدريت" ماذا تفعل هنا الصور القديمة والأفلام الفلسطينية القديمة في أرشيف الجيش الإسرائيلي ؟ هاآرتز جمعية الجامعيين من أجل احترام الحقوق الدولية في فلسطين حيث عثرت رونا سيلا على فيلم قيس الزبيدي "حصار مضاد /1977" .

55- قضايا ومفاهيم ومواقف في ندوات النقاش خلال أيام المهرجان مجلة الطريق ترجمة بيير جيرار

56- بهذه الصيغة اشير إلى فيلم " ثورة الزنج" 2013 الذي بحث ايضاً عن اشكال ترسخ نضالات الماضي والانبعاث بالرجوع إلى فيلم فاروق بلوفا " نهلة" 1979 الذي اكتشفه المخرج في إطار لقاءات سينمائية في بجايجا وحديث عبر الإيميل مع طارق طغيا حزيران 2015 حول هذا الفيلم واسمح لنفسي بالعودة إلى مقالي عن ثورة الزنج بولونيا نجمة على خلفية متوسطية . في ألعاب جادة: سينما وفن معاصر تعدل البحث بيرتراند باكيه وسيريل نيرات وكلارا شومان وفيرونيك تيرنييه هيمان منشورات متحف الفن الحديث والمعاصر في جنيف المدرسة العليا للتصميم في جنيف 2015 ص 289-299.

 

 

كاظم شمهودقرأت كتابا معتبرا عن حياة الفنان انتونيو تابيس يدعى (الفلسفة الجمالية عند انتونيو تابيس) للمؤلف لويس غونثالث وقد ترجمت هذا الكتاب الى العربي وسانشر منه باذن الله بعض المحاور المهمة فيه مع التعليقات للفائدة .. ويعتبر تابيس واحد من اهم الفنانين العالميين في الفن اللاشكلي في القرن العشرين، وقد سجلت اعماله حضورا مميزا في متاحف وكالريات العالم وكذلك تأثيراته على الفنانين وخاصة الشباب ومنهم الرواد العرب . واليوم تحتفل مؤسسة تابيس بنخبة ممتازة من اعماله في متحف دائم يفده يوميا مئات الزوار من مختلف الاجناس . المؤسسة انشأت عام 1990 في برشلونة وقد زرتها عدة مرات ..

البدايات:

ولد تابيس في برشلونه عام 1923، ويذكر انه لما كان عمره 18 سنة مرض فدخل المستشفى بين اعوام 1942 و 1943، وهناك اخذ يرسم ويخطط ويستنسخ اعمال فان كوخ وبيكاسو ويقرأ كتب عن فلسفة نيتشة وتوماس مان ووابسن وبعض كتب الرهبان الصوفية .. وفي عام 1943 دخل كلية الحقوق لكنه لم يكملها ثم دخل مدرسة الفنون وايضا لم يكملها وحسب قوله انه لا يعجبه تقاليد التدريس فيها خاصة الاسلوب الاكاديمي ويتبرها ضياع للوقت، فتركها عام 1946.

في عام 1948 كان تابيس احد مؤسسي مجلة Dau al Set في برشلونة وهي مجلة ذات خط وفكر سريالي ودادائي ويساري وكان مؤسسها الشاعر الكاتالاني Joan Brossa ولهذا كانت بدايات تابيس الطلائعية هو تأثره بالمدرسة السريالية، ولم يستمر طويلا مع هذه الجماعة والمجلة، حيث سافر الى باريس بمنحة دراسية من الحكومة الفرنسية عام 1950 . ومن ذلك الحين تأثر تابيس بالاجواء الفنية الجديدة في باريس فاصبح بعد ذلك واحد من اهم الفنانين اللاشكليين ..

353 انتونيو تابيس

الحركة اللاشكلية:

يذكر ان الحركة ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل للدمار الذي خلفته الحرب على الانسان، وتعبر عن ذلك باسلوب مفاهيمي تجريدي متشائم ويجعل من الفكرة متعالية على الاسلوب ..، كما تأثرت الحركة بالفلسفة الوجودية وبالمدرسة التجريدية . وانتشرت هذه المدرسة في اوربا ابتداءا من عام 1950، وكان العنصر الرئيسي في تقنياتها هي المادة الحية المستهلكة ، او ما يسمى بالتصوير المادي، وفيها يستخدم مواد حية ومباشرة على سطح اللوحة مثل مادة الخشب والحبال وخرق القماش والصفائح المعدنية والجص ومسحوق المرمر وغيرها .. ويسمي ايضا بعض النقاد هذا الاسلوب بالاسلوب الوحشي .. واشتهر تابيس بهذا الاسلوب وكذلك دوبوفيه وفاوترير وميارس . Dubuffet، Fautrier، Michaux، Riopelle، Mathieu، Millares وغيرهم ويعتبر ميارس الاسباني (كنارياس) من اكثر الفنانين في استخدام هذه التقنية وقد اثر على بعض الفنانين المغاربة خاصة مكية مغارة وقد زرت المغرب في مطلع التسعينات والتقيت مع عدد من الفنانين منهم محمد السرغيني ومكية مغارة واطلعت على اعمالهم ...

يقول المفكر الايطالي Umbert Eco (ان الحركة اللاشكلية تبحث عن نقطة التقاء بين الفن والمتلقي داخل اطار الفكر المفاهيمي..) ويقول تابيس (انا اعتقد ان العمل الفني يجب ان يترك حيرة في المتلقي وان يثير فيه التأمل ..) وهذه الاقوال تنسجم مع رأي زعيم السريالية الشاعر اندريه بريتون عندما اشار الى ان عرض تمثال في وضع طبيعي لا يثير الدهشة بينما لو حفرت حفرة ووضعته بشكل مقلوب، حيتئذ سيثير الدهشة والتأمل ..

في عام 1970 تأثر تابيس بفن البوب أرت حيث بدأ يستخدم مواد مستهلكة بعضها يشكل جزء من اثاث البيت مثل الكوانترات وعلب فارغة وصناديق كارتون وغيرها والتي تعبر عن حالة المجتمع الاستهلاكي . لكن الاختلاف بين تابيس وجماعة البوب آرت هو يتمثل في البعد الفكري المفاهيمي حيث ان تابيس يغرق اعماله بالرموز الغامضة والتي يصعب فهمها فيترك المتلقي في بحر من التأويلات ..بعض النقاد يذكر ان تابيس قد اعاد التقييم والتجديد لحركة البوب ارت بحيث منحها معاني فلسفية وجمالية ابعد من مظاهرها الخارجية ...

يقول تابيس (الفن هو عبارة عن مصدر للمعرفة والفلسفة فاذا الاشكال لم تستطع لمس جرح المجتمع واثارتة وامالته الى التأمل ... فهو ليس بفن) . رغم ان الفنان الفرنسي دوجامب اكد على انه (لا يمكن الثقة بكلمات الفنان) لان الحياة في تقلب وتغير وتطور سريع حيث الاختراعات والاكتشافات على قدم وساق وبالتالي ليس هناك شى ثابت بل كل شى يتغير، و يسري ذلك ايضا على الفن والفنانين ... وهذا يذكرنا بقول لسيزان حيث يخاطب احد اصدقاءه انظر الى الطبيعة (كل ما نراه يتشتت ويختفي ، والطبيعة هي ما هي عليه، ولكن لا شى يتبقى منها، لا شى مما نراه) هذا القول يشعرنا بالفكر والفلسفة الواسعة لسيزان . ..

من اعمال تابيس المفاهيمية . باب دكان حديدي علقت علية آلة موسيقية (كمان) ، فعندما يتحرك الباب اثناء الفتح والاغلاق يبعث اصوات موسيقية لهذا جاء تعليق هذه الالة عليه تعبيرا لهذا المعنى، نفذ العمل عام 1956 . . تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

30 Cleo10.fwمن الاحداث التاريخية الهامة التي نالت اهتماما كبيرا من قبل الفنانين الكلاسيك كان مصرع الملكة المصرية كليوباترا في 10 آب في العام الثلاثين قبل الميلاد.

40 Cleo15.fw

تقول الرواية انه بعد اندحار قوات كليوباترا وزوجها الروماني مارك انتوني امام اسطول أوكتافيان في خليج اليونان، تراجع جيشها الى السواحل المصرية من اجل إعادة التنظيم،

41 Cleo14.fw

لكن اسطول أوكتافيان الأكبر والذي التحقت به اعداد كبيرة ممن خان انتوني من اتباعه، تمكن من اللحاق بسفن كليوباترا الى الإسكندرية وغزو مصر بعد معارك خفيفة.

32 Cleo9.fw

حين أدركت كليوباترا ان لا أمل في النصر وحين بلغها الخبر بأن أوكتافيان عازم على اعتقالها مع انتوني واقتيادهما مقيدين بالسلاسل ليكونا في مقدمة مسيرة الاسرى في شوارع روما، انسحبت الى مخدعها مع وصيفتين من وصيفاتها وبدأت تحضر لموتها ببرودة أعصاب.

33 Cleo5.fw

استحمت وارتدت أفضل فساتينها وأمرت بإحضار سلة من التين لتتناولها وهي مسترخية على السرير!

34 Cleo6.fw

وهكذا فقد سمحت لأفعى الكوبرا التي كانت ملتفة تحت التين، ان تنساب على ذراعها وتلدغها لدغة قاتلة.

35 Cleo7.fw

عندما وصل خبر انتحار كليوباترا الى انتوني الذي كان يقود جيبا من جيوب المقاومة، أمر حارسه الشخصي ان يقتله لكن الحارس فضل ان يطعن نفسه ويموت.

36 Cleo16.fw

عندها اضطر أنتوني ان يرمي بنفسه على السيف ويموت وهو بعمر الثالثة والخمسين.

37 Cleo17.fw

كان عمر كليوباترا عند موتها تسعا وثلاثين عاما.

38 Cleo1.fw

وبموتها كانت نهاية حكم سلالة بطليموس والعصر الهيليني.

39 Cleo2.fw

وعندذاك أصبحت مصر في الحال ولاية تحت الإمبراطورية الرومانية التي توجت اوكتافيان في روما كأول امبراطور باسم أوگستس.

31 Cleo8.fw

مصدق الحبيب

 

 

محمد الشاويتوطئة: يروم هذا المقال بيان خصائص الأسلوب التشكيلي باعتباره نموذجا فنيا يتقاطع مع عدة حقول ومباحث فنية أخرى تشكل بؤرة الجوار والتقارب في الانتماء والامتداد. فما يمتاز به الفنان التشكيلي هو القدرة على السير في طريق بلورة إحساس فني في قالب تشكيلي يرتبط بالمسعى الفني الذي يختاره الفنان.

لذلك فإن حديثنا عن الأسلوب التشكيلي سيتركز بالأساس على سمات هذا الأسلوب وخصائصه لدَى فئتين من المدارس التشكيلية: الفئة الأولى وهي التي جعلت من الواقعية ميزة أسلوبية؛ والثانية تلك التي تنضوي تحت لواء التجريدية متخذة من تكسير البنية الواقعية منهجا لها.

فما هي أهم معالم الأسلوب التشكيلي لدى كل من الواقعيين والتجريديين؟

وهل هناك قطيعة بين الأسلوبين أم استمرارية وامتداد؟

ألا يمكن الحديث عن تداخل وتجاور من داخل الاتجاه وباستحضار علاقة التأثير والاقتباس؟

وإلى أي حد يمكن للأسلوب التشكيلي أن يساهم في تقريب المتلقي من العمل الفني وأن يدفعه للتفكير في تطلعات جديدة لتلقي الأعمال الفنية؛ وللرقي بذوقه الفني وتهذيبه؟

لا شك أن الحديث عن الأسلوب التشكيلي هو حديث بالضرورة عن ما يمتاز به العمل الفني، فنجد للأديب أسلوبه في التعبير والكتابة، وللمطرب أسلوبه خاص الذي يمتاز به عن غيره في الغناء، وللفنان التشكيلي أيضاً أسلوبه الذي يشكل من خلاله أفكاره وأحاسيسه في قالب فني سواء كان لوحة أو نحتا أو تركيبا أو تجهيزا installation أو أشكالاً تعبيريةً أخرى يتوسلها الفنان التشكيلي سيراً مع حركية تطور الفن في صيغته المعاصرة.

لذلك فإننا نجد في الأسلوب التشكيلي الذي يَنْتَحُ من المدرسة الواقعية تعدداً في إبراز معالم الواقع لدى العديد من التيارات التي عملت على إعادة تشكيله في قالب فني يُلبي ذوق المتلقي، وفي الآن نفسه يؤرخ لمراحل تطور الفن. كما يجسد أيضاً إنْ بصيغة أو بأخرى نظرة الفنان لبيئته الإجتماعية كما هي. فنجد فئة كبيرة من الفنانين قاموا بنقل الواقع الإجتماعي ومعالمه سواء كانت طبيعة حية أو ميتة بجزئياتها وأضق تفاصيلها. وعلى العكس من ذلك هناك من قام بتكسير هذا الأسلوب طارحا مسألة نقل الواقع ومعطيات البيئة الاجتماعية لا كما هي؛ وإنَّما كما يراها الفنان ويتخيلها في قوالب تعبيرية تستجيب لمبدإ تكسير البنية الواقعية بأخرى شبه واقعية تتجه نحو عملية ربط المتخيل بالواقع وعدم نقل هذا الأخير بل عن طريق إبراز معامه والاتجاه نحو دفع المتلقي لإعادة بناء مضمون اللوحة وتأثيث الفضاء الجوَّاني بنظرة تكاملية.

هذا النوع من تكسير البنية الواقعية سيتمر بشكل جد متطور مع المدرسة التجريدية التي عملت على خلق قطيعة مع الواقع المرئي نحو واقع آخر ذهني وتأملي يدفع المتلقي للبحث والتفكير في مضون العمل الفني بطرح تأويلات عدة تلامس أحيانا رؤية الفنان، وتتقاطع أحيانا أخرى مع المسعى الذي تنضوي تحته تيارات التجريد التي تختلف باختلاف التوجهات والرؤى التي تنبني عليها معالم الأسلوب سواء كان التجريد بشكل كلي أو جزئي، فإنه يقدم مجاوزة للتعبير الواقعي بتعبير آخر ينقلنا لعالم التخييل واللامرئي.

وعلى هذا الأساس يمكن القول ختاما بأن الأسلوب التشكيلي ليس وليد التقليد أو النسخ على منوال الواقع أو بالاتجاه نحو عملية تجريده إن بصيغة أو بأخرى؛ بل إنَّه يتسم باتساع وشساعة نظرة الفنان وطريقة تعبيره التي تجعله يمتاز عن غيره من الفنانين. فليس التقيد بأسلوب بعينه أو مدرسة دون الأخرى هو عماد الأسلوب التشكيلي، إذ نؤكد أن الفنان التشكيلي المبدع هو الذي نجد عنده أساليب متعددة تتجه به لكي يَنْسُج على غير منوال. ومعنى هذا أن عمله حرٌ ومفتوحٌ على عدة إمكانيات إبداعية تتجه به نحو التميُّز بالسير قُدماً في طريق المُخْتَلف الجمالي ومجاوزة dépassement   المُؤتَلف الفني بتكسير بنيته وخلق بنى أخرى تتسع لمعانقة أسمى المعاني والقيم الإبداعية.

 

بقلم: محمد الشاوي

........................

(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

كاظم شمهودكانت المقاهي في القرن التاسع عشر الميدان المفضل الذي يجتمع فيه الفنانون والادباء والشعراء، وكانت دردشاتهم تستمر الى ساعلات متاخرة من الليل، ولهذا اصبحت هذه الاماكن بمثابة مراكز ثقافية وفنية يتغذى منها الشباب الطلائعي الذي يبحث عن التغيير والتجديد . وقد اشتهرت في ذلك الوقت مقهى weber في حي مونتمارت في باريس ومقهى اربع قطط els quatre gats في برشلونة والذي كان يتردد عليها بيكاسو في بداية حياته، وغيرها .

و يعود الفضل الى هؤلاء الشباب الطلائعيين في تكوين التجمعات وانشاء الجمعيات الفنية حيث كان التفاعل والتقاطع في الافكار والرؤى وما ينطوي عليه من المبادئ النظرية والعلمية و الفنية، دفعت الفن في القرن العشرين الى التحول من الخطاب الكلاسيكي الى خطاب الحداثة، وكذلك ما حدث في الشعر الكلاسيكي وتحوله من الاوزان(فاعل وتفعيلة) الى الاستعاضة عنه بالايقاع و الموسيقى .. روابط الفنانين الحديثين

يذكر البعض ان تطور الفن العربي جاء انعكاسا لحركة الاصلاح التي قام بها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر حيث دعا الى الاصلاح والتجديد في الفكر الديني والخروج من الجمود والتحجر الذي ادى الى تأخر الامة العربية قرون عديدة ايام الاستعمار العثماني .... ثانيا كان للاستعمار الاوربي للدول العربية ايجابيات ومنافع والمثل يقول (رب ضارة نافعة) حيث اخرجوا هذه البلدان من التخلف ونقلوا التكنولوجيا والحداثة اليها، كما حدث لدور العرب سابقا في القرون الوسطى حينما انقذوا اوربا من التخلف والضياع ومدوها بصنوف المعارف والعلوم .. ولهذا اخذ الفنانون العرب يتطلعون الى التجديد والتغيير واتخاذ الفن الغربي كنموذج لهذا التغيير والتحرر فتشكلت الجماعات الفنية ثم الجمعيات وبعدها الروابط الفنية .و اتذكر قول للمفكر والناقد جبرا ابراهيم جبرا يقول لا ظير ان نأخذ من الغرب مظاهر الفن المعاصر ما داموا هم سابقا اخذوا منا ...

يذكر ان مصر كانت السباقة في حركة الفن العربي الحديث وحتى في مجال الصحافة مثل مجلة صباح الخير وروز اليوسف في نهاية القرن التاسع عشر ، وقد تأسست اول جمعية للفنانين التشكيليين عام 1936 تحت عنوان / رابطة الفنانين المصريين / وقبلها تأسس المجمع المصري للفنون عام 1932 .. كما تأسست اول جماعة في مصر تسمى / جماعة الظل / والذي اشرف على رئاستها الفنان محمود مختار عام 1928 .. وفي عام 1908 تاسست اول مدرسة للفنون في مصر . فهذه الصفحة المشرقة الناصعة لحركة الفن المصري تعطينا فكرة واضحة عن بداية الفن العربي الحديث وريادة مصر ..

بداية تأسيس الجمعية:

312 ماهود احمدفي العراق تاسست جمعية الفنانيين التشكيليين عام 1955 بمبادرة من الاستاذ خالد الجادر حيث دعى الفنانين الرواد الى الاجتماع في بيته لدراسة فكرة المشروع ووضع الاسس والنظام الداخلي الذي تبنى عليه وقد لبى الجميع الدعوة وانتخب اول رئيس لها الدكتور المهندس المعماري محمد مكية واكرم شكري نائبا وخالد القصاب سكرتيرا.. وكان بيت خالد القصاب مقرا لها لمدة سنتين .... ثم شيدت بناية الجمعية الحالية وكان الملك قد تبر ع بقطعة ارض في مدخل مدينة المنصور وشيدت بنفقة مؤسسة كولبنكيان البريطانية.. وافتتحت عام 1967 وكان قد صمم عمارتها الاستاذ قحطان المدفعي والتي جاءت بتأثيرات من عمارة دار الاوبرا في سدني ... وبالرغم من التعارض في الاساليب والافكار من يسارية وقومية ودينية ورغم التبعية الى الفن الغربي في المدارس والاساليب والتقنيات الا انهم كان لهم الفضل الكبير في بذر الحبة الاولى في السعي الى خلق فن معاصر في العراق.. فتأسيس الجمعية كان هو محاولة لجمع الاضداد والشتات والتعرف بعضهم على بعض لاثراء واغناء الحركة التشكيلية في العراق . يضاف الى ذلك ان ظهور الجمعية هو بمثابة الاصرار على الوصول الى افضل واسمى الوسائل التي ترفع مشروع التفاعل البعيد والقريب من تراث ومعاصرة، وولادة فنا جديدا في كل صوره وافكاره، وبالتالي هذه الجمعية جاءت كخطوة ظرورية وصورة تفاعلية مع النظريات الفلسفية والعلمية المعاصرة... فالفن هو واحد ومفهومه واحد سواء كان عند الانسان البدائي القديم او الفنان المعاصر فليس له ماضي ولاحاضر انما هو فن وجد منذ الخليقة ويبقى الى الابد مثله كمثل الجمال المطلق يمكن ان تجده في كل زمان ومكان وفي الفكر او الشكل (ان الله جميل يحب الجمال) فالجمال اذن مستمد من الله (او الطبيعة حسب البعض) ولذلك فهو ازلي .. اما التطور فهو يحدث في المظاهر والاشكال والاساليب والتنظيرات الفكرية الفنية ..

و رغم الظروف الصعبة التي مرت بها الجمعية من ضعف في الحركة والنشاط والاغلاق احيانا خاصة ابتداءا من مطلع السبعينات الا انها بقت على خط اللامنتمي ثم دخول البلاد في صراعات حزبية وحروب دولية وحصار عالمي دامت حوالي ثلاثة عقود كل ذلك اضعف البنية التحتية للجمعية وجمد انشطتها الفنية تقريبا مما ادى الى هجرة وغياب مؤسسيها الرواد الى الخارج مثل خالد الجادر الذي عاش ومات في السعودية وغيره ..

الجمعية بعد سقوط النظام:

311 جميل حموديوبعد سقوط النظام البعثي تعرضت الجمعية الى السرقة والعبث والتهديم والاهمال وبقت هكذا سنوات عديدة حتى جاءت ثلة من الشباب الواعي والحريص على وطنة وتاريخه ان ينهض بهذه المؤسسة الفنية العريقة من جديد ويعيد امجاد رواد الفن العراقي الحديث .كما تعرضت كثير من التماثيل الى الاختفاء والسرقة والتشويه وكان آخرها قطع اصابع تمثال ابو نؤاس؟؟... ويذكر ان الفنان قاسم سبتي كان من ضمن هؤلاء الاشراف الذين قاموا باعادة اعمار الجمعية بمساعدة ودعم بعض المؤسسات الاجنبية ومنها منظمة الامم المتحدة... اليوم اصبحت الجمعية قامة من قامات الفن العربي سواء كان في نشاطاتها الثقافية او الفنية او دعم الانشطة الاخرى كالمهرجانات السنوية والمسابقات الدورية وتكريم الباقي من الرواد والمبدعين .. (فما جزاء الاحسان الا الاحسان) كما ازداد عدد اعضائها الى اضعاف ما كان عليه سابقا وقد شاهدت معارضها السنوية الاخيرة تزدحم باعمال الشباب الواعي المثقف حيث ترقى في مستواها الى صف الفن العالمي المعاصر.. واستطاعت بحسن ادارتها والقائمين عليها من دعم مجلتين هما مجلة باليت ومجلة تشكيل واستطاعت ان تعتمد على نفسها في التمويل الذاتي المادي من خلال النادي والمطعم والكراج التابعة لها كما اصبحت لها انشطة ومعارض متحركة وفروع في المحافظات وخارج البلاد .. يضاف الى ذلك ما يأتيها من مساعدات تأتي من منضمات ثقافية انسانية ...و قد حدثني رئيس الجمعية الاخ الفنان قاسم سبتي 2018 ان الجمعية احيانا تساعد بعض المحتاجين المقطوع عليهم السبل من الفنانين والمثقفين ... اما الدولة فيبدو انها غائبة و مشغولة في دعم احزابها والدعاية لها ، بالاضافة الى ذلك جهلها في دور الفن في خلق الثقافة والمتعة والجمال والتجمل والذي حث عليه الدين (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (قل من حرم زينة الحياة الدنيا) .. وحتى هذه الخطابات الدينية والمفاهيم الاخلاقية اهملت وتركت على رفوف الاغبار؟؟ تحياتي .

 

د. كاظم شمهود

هناك اختلاف كبير في المصطلحات المتداولة لتسمية هذا العلم, ولكن السيمياء هي كلمة عربيه وخفيفة الوقع وهي موافقة تماما لمعنى (العلامة) والتي هي محور هذا العلم في صورته المعاصرة كما ورد ذلك في المعاجم العربية والاجنبية, وقد مر علم السيمياء بمراحل عديدة وبدا مختلطا بكثير من العلوم كالسحر والكيمياء والطب..... لكنه تمكن اخيرا من التميز والتفرد بوصفه العلم الذي يبحث عن معنى العلاقات اللغوية وغير اللغوية وسط الحياة الاجتماعية.

وقد استعمل العلماء في هذا المجال عددا من المصطلحات اهمها : العلامة والدال والمدلول والدلالة و والتأويل والمحايثة والمعنى وغيرها. فالعلامة هي محورهذا العلم اذ استفاض في الحديث عنها العلماء فعرفوها ووصفوا انواعها وبينوا علاقاتها وقبلوا تقسيمها على وجوه عدة. واكدوا بأن اللغة وادابها هي أخصب مجالات التطبيق السيميائي, ويرى دي سوسير وتلاميذه ان اللسانيات هي جزءا من السيميائية بينما يرى البعض انها اصل السيميائية.

تعود الاصول الفكرية للسيميائية لأصول الفكر اليوناني والاسلامي والمنطقي التداولي والوضعي والتجريبي واخيرا اللسانيات البنيوية والتحويلية, ولها اتجاهان رئيسان: امريكي وفرنسي. ولها نوعان رئيسان هي: سيمياء التواصل والابلاغ, وسيمياء الدلاله ولكل منهما اشكال عديدة.

للسميائية استخدامات عديدة منها: كشف الكذب والاشهار والاعلان والسينما والقصص المصورة وقراءة اللوحات التشكيلية والكاريكاتير وغيرها. قسم بحثنا الى فصلين: الفصل الاول وهو الجانب النظري الذي عرفنا فيه ماهي السيميائية وماهو اصلها واهدافها.... اما الفصل الثاني وهو الجزء العملي في البحث والذي اوضحنا من خلال الصور المدلول اللغوي والدلالي للكاريكاتير, ويعد الكاريكاتير من أسرع وأبلغ الطرق المعروفة في الصحافة المكتوبة، لنقد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بأسلوب هزلي بسيط يستطيع الوصول إلى جميع القراء بسهولة ويسر، فهو رسم يهدف لنقل رسالة، أو وجهة نظر، عن أشياء أو حوادث أو مواقف تتميزبالمبالغة والرمزية بحيث يكون لها تأثير انفعالي.

من هنا يتنبين لنا ان الموضوعات التي عالجها الكاريكاتير السياسي المنشور في موقع التواصل الاجتماعي (عزيزي عزوز) الاهتمام بكل موضوع، حيث جاءت الموضوعات المتعلقة بالمواقف الدولية تجاه العراق و التدخل بقضايا ه , تلاها موضوعات كاريكاتيرية اعتمد رساموها على شخصيات فاعلة رمزية غير مسماه و شخصيات رمزية مسماه فضلا عن الصفات السلبية في المجتمع العراقي.

وأشارت النتائج إلى أن الكاريكاتير السياسي المنشور في صحف الدراسة، قد اشتمل على العديد من الأساليب الفنية بهدف إظهار سيميائيته، وذلك عبر العديد من الرموز المستخدمة في إظهار المعاني والدلالات.

وفي السياق يعتبر الكاريكاتير السياسي من أهم أنواع الكاريكاتير وأكثرها انتشارافي صفحات الجرائد والصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية، لتناوله للقضايا السياسية والمحلية، والقومية، والدولية وغيرها.

 

م.م. ابتهاج عباس احمد

كلية اللغات، قسم اللغة الاسبانية

 

 

كريم عبد اللهسيبقى الانسان يطمح دائما ان يرى ذاته وما مرّ في حياته من تداعيات واحدث، وسيبقى يلاحظ ملامحه كيف تشيخ بمرور الزمن وكيف تترك اخاديها على مسيرة حياته وكم من الحنين سينتابه كلما رجع الى الماضي بكل ما فيه من الام واحزان وافراح ونكبات تركت بصماتها واضحة في حياته . ربما البعض يمرّ عليه العمر مسرعا وهو لا يلتفت الى محطات حياته وكيف تسارعت فيها الاحداث وغمرها النسيان وتراكمت عليها هموم الايام وتعاقب السنين، ولكن هناك اناس دائما يسترجعون ويراجعون ايامهم ويكتشفون فيها اشياء جديدة ودلالات مستحدثة يراقبونها عن كثب ويحاولون تدوينها وتصحيح ما مرّ فيها من اخطاء ونكبات وهموم وتقييم لكل ما عاشه ويعيشه .

ان استخدام المرآة قديم جدا وان استخدامها جعل الانسان يندهش من صورته وملامحها وهو يتابع ملامحه كيف تتغير بمرور الزمن، فاصبحت المرآة مهمة في حياة الانسان سواء الرجل او المرأة، فهي محاولة يومية او شبه يوميّة تمارس لاكتشاف الذات وقراءة سطوة الاحداث علينا وفي اي اتجاه تسير حياتنا .

مرآيا النفس: هذه اللوحة المحيّرة والمستفزّة لمن يتعمّق في قراءتها بتجرّد والوقوف امامها ليفكّك دلالاتها الابداعية والنفسية، بالرجوع الى دلالتيها اللغوية نجد بان المرآيا هي جمع مرآة والاخيرة عبارة عن سطع عاكس لصورة الاشياء بالامكان ملاحظة انعكاساتها وقراءة ملامح كلما انعكس من خلالها، اما (النفس فتعرّف الروح البشرية بكونها جزءاً لا يتجزّأ من الإنسان، غير ماديّة أو محسوسة، أُطلق عليها مفاهيم عديدة من قبل الأديان المختلفة، ومن هذه المفاهيم: الروح، والعقل، واللاوعي). اذا نحن امام مرآيا عديدة حاولت الفنانة (خيرة مباركي) ان تشاهد من خلالها وتراقب النفس الانسانية بطريقة الرسم . نحن نعلم بان الشاعر عن طريق المفردة يستطيع ان يرسم لنا عوالمه بينما الرسّام عن طريق الالوان يرسم لنا عوالمه الخاصة به ويتركنا نبحث عن الجمال والابداع . الرسم كما الشعر هي محاولة اسقاط الذات على اللوحة يمارسها الفنان كلما داهمته الحياة بكل ما فيها من معانات يومية فيحاول تصوير ذلك ليعكس ما في داخله في محاولة تفريغ نفسي نتيجة الضغوط التي يمرّ فيها .

اللوحة عبارة عن شقّين يفصل بينهما نهر قادم من البعيد، الشقّ الاول اشجارها باسقة رشيقة تتعالى نحو الشمس، الشقّ الثاني اشجارها مائلة الاغصان متشابكة تكاد تلامس سطح الماء، هناك ظلال اشجار تخلّت عن طبيعتها المتشامخة فتركت ظلالها منحنية على سطح الماء وهناك اشجار خجولة مدّت اغصانها من اسفل اللوحة أبت الاّ ان تترك صورتها في اسفل اللوحة . النهر يأتي من بعيد يقسم اللوحة الى نصفين احدهما احتل المساحة الاكبر فيها بينما النصف الاخر كان متردد الحضور وتنزّ اشجاره على استحياء او هي كانت تصرّ الاّ ان تظهر ملامحها داخل اللوحة (نفس الفنانة) او كانت مترددة في حضورها لكنها حضرت بقوّة وشاركت في هذا المهرجان اللوني .

ان الرسم من الفنون القديمة استخدمها الانسان منذ فجر التاريخ ليعبّر عن طريقها على ممارساته اليوميّة ويصوّر انا خلجات نفسه ومايعتريها امام سلطة الكون وما فيه .

لو تأملنا اللوحة جيدا وحاولنا تفكيك دلالاتها الكثيرة فلابدّ من الوقوف امام اشجارها الكثيرة وطريقة رسمها، اشجار تتشامخ عاليا وجذور تمتدّ عميقا في باطن الارض وتقف على ارض صلبة . وبالرجوع الى الدلالات النفسية لألوان هذه الاشجار سنجد الوانا مختلفة تتدرج ما بين اللون الاحمر والاخضر الفاتح والاخضر الغامق والودري والبنفسجي والاصفر، اما اللون الازرق فشغل مساحة تكاد قليلة قياسا لالوان الاشجار . حيث اللون الاحمر يدلّ على الشجاعة والقوة والدفء والطاقة وغريزة البقاء على قيد الحياة هذا ايجابيا اما سلبيا فهو يدلّ على التحدي والعدوانية والتوتر . اما اللون الاخضر فهو يدلّ على التوازن والانسجام والانتعاش ومحبة الكون والراحة والتجديد والطمأنينة والسلام، اما سلبيا فهو يدلّ على الملل والركود والنمطية والضعف . اللون الوردي يدلّ على السكينة وراحة البال والرعاية والدفء والانوثة والحب والجنس وغريزة البقاء، وسلبيا يدلّ على الكبح والرهاب والاحتجاز العاطفي والعجز والضعف البدني . واللون البنفسجي يدلّ على السمو الروحي والاحتواء والرؤية والرفاهية والاصالة والصدق، اما سلبيا فهو يدلّ على الانطواء والكتمان والكبت والدونية . اما اللون الاصفر فهو يدلّ على التفاؤل والثقة وتقدير الذات والانشراح والقوة العاطفية واللطف والابداع، اما سلبيا فهو يدلّ على اللاعقلانية والخوف والضعف العاطفي والاكتئاب والقلق ومحاولة الانتحار . اما اللون الازرق فهو يدلّ على الذكاء والتواصل والثقة والكفاءة والطمانينة والواجب والمنطق والحكمة والتأمل والهدوء، بينما يدلّ سلبيا على البرود والعزلة وقلّة العواطف والجفاء .بينما نجد اللون الابيض دليلا على الصحة والنظافة والوضوح والنقاء والبساطة والحنكة والكفاءة، وسلبيا يدلّ على البرود والحواجز والبُعد والجفاء والتكبّر .

29 خيرة مبارك

التأويل:

بالامكان تأويل النهر على انه الحياة المتدفقة منذ بدايتها حيث بدأ النهر (الحياة) ضيّقا واستمر في جريانه يتوسّع شيئا فشيئا، وكأن الحياة ابتدأت من مرحلة عمرية معينة والدليل ان النهر ابتدأ من مكان معين حدّدته الفنانة اي لم تبدا الحياة الحقيقة عندها من مرحلة الطفولة (من نقطة البداية) واستمرت في جريانها الى اجل غير مسمّى بدليل ان للنهر طريقا اخر لم ترسمه لنا وكأنها تركته للاقدار ترسم ملامحه وترسم نهاياته .ومن خلال اللون الابيض الذي لوّن (النهر – الحياة) نستشفّ كم كانت نقيّة وواضحة وكفوءة رغم ما تعرّضت له من اعتلال في الصحة حيث تراكمت فوق سطحه ظلال الاشجار (مصاعب الحياة) وصبغت مياهه بألوانها . النهر في اللوحة (الحياة) على جانبيه نجد مرحلتين عمريتين، فالجهة اليمني من اللوحة تعبّر عن فترة حياة غير محدد زمنها انتهت الى فترة المراهقة بدليل ان اشجارها لم تكن قوية وباسقة وتتطلع الى السماء ولم تحاول معانقة الشمس وان اغصانها متدلّية ومتشابكة لا تجيد لعبة السمو والارتفاع، ومن استقراءنا للالوان نجد ندرتها وغلبة اللون الاخضر حيث الطمأنينة والانسجام ومحبة الكون والسلام رغم فترة الحرمان وما رافقها . اما الجهة اليسرى (حيث يوجد القلب لدى الانسان مصدر الحب والحنان – ربما هي مقصودة او عفوية ان يكون الجانب الايسر من اللوحة يحمل كل هذه الدلالات والجمالية والرموز) فنجد الاشجار قوية واضحة الملامح سيقانها مستقيمة مستمرة بارتفاعها نحو السماء، ربما هي سنوات العمر حيث النضوج الفكري والمعرفي وربما هي الافكار والاراء حين تستقيم وتصبح أشدّ بأسا تقف صامدة قوية لا تعبأ بالريح تقول لنا: انني هنا باقية وساحاول البقاء، استمع اليّ جيدا ستعرفني اكثر . هناك ارض صلبة تقف عليها الاشجار لونها بنفسجي تمتدّ بشكل مائل تخترق اكثر من نصف اللوحة وترتفع عن النهر دلالة على السمو الروحي والرؤية الواضحة والرفاهية والاصالة والصدق والجودة، تقول لنا الفنانة هكذا انا اقف على هذه الارض وانتمي اليها جذوري تجد راحتها في عمقها البعيد تصارع وتناضل من اجل البقاء .

هذه اللوحة اوحت لي بالكثير من الدلالات والافكار، ومنها محاولة رؤية النفس (الافكار) والبحث عنها بعد هذا العمر ومرجعتها، هي عملية رصد من خلال مخيلة ابداعية والغوص في اعماقها والبوح عن المسكوت عنه من خلال هذه الدلالات الكثيرة والمثيرة في هذه اللوحة . في هذه اللوحة نجد صورا متحركة وموسيقية تشعرنا بالراحة والطمأنينة والاستكانة لهذه الطبيعة نستشفّها من خلال صوت تدفق النهر وحركة الاغصان . او هي محاولة تماهي ما بين النفس والطبيعة وطبعنة الانسان وأنسنة الطبيعة انتصارا لها ولجماليتها والبوح بمكنوناتهما والافصاح عمّا يستشعران به والانصهار والبوح والمكاشفة فيما بينهما واستلهام القوة والجمال والنقاء . انها عالم الفنانة (خيرة مباركي) لايمكننا تخيّل حياتها (الطبيعة – الافكار) من دون الوان، لانها حين ذاك ستكون جامدة باهتة لا حياة فيها ولا نتاج فكري او انساني وجمالي، ولتغيّرت اللوحة (الحياة – الافكار – الطبيعة) الى كابوس مرعب تعطينا شعورا بالخوف والرهبة .

الشيء الجميل حينما عرضت اللوحة على احد المرضى العقليين في مستشفى الامراض النفسية والعقلية التي اعمل فيها (عبد الكريم رشيد – مريض لديه رقود لسنوات طويلة في المستشفى ويكتب الشعر العمودي) قال لي: (هذه اللوحة عبارة عن انثى / ساحرة الجمال / جنّة مبهجة / وعشق دائم ودماثة / وكم هائل من الجمال والاناقة / والشيء الجميل جدا طالبني بمنحه نسخة من هذه اللوحة وتزجيجها وتعليقها في غرفته لانها تبعث على البهجة) .

واخيرا الذي اثارني في هذه اللوحة كمتلقي اربعة رموز / المرآة / النفس / السكّين، واللون الاحمر، لا ادري لماذا تبادر الى ذهني قصة زليخة ونساء مصر منذ ان وقعت عيني على اللوحة وذكرت السكّين في طريقة الرسم و لماذا انتابني شعور غريب من هذا اللون الذي احتل مساحة كبيرة في اللوحة وفي نفسي وفي مخيلتي ..! . وتساءلت بصمت: هل هي عملية جلد النفس او الاحساس بالحزن والخسارة بقصدية او بعفوية ما أوحى للفنانة ان ترسم هذه اللوحة المحيّرة ..؟ . سيبقى هذا السؤال وستبقى اللوحة تحتمل الكثير من التأويلات المختلفة حسب ذائقة المتلقي وصاحب الاختصاص واحساسه بالجمال وتفاعله الايجابي معها .

كانت هذه سياحة ممتعة جدا في رحاب الابداع سافرت معها بعيدا وعدت اليها، ولا ادري هل كنت قريبا ام ابتعدت كثيرا ..؟؟ .

 

بقلم الشاعر : كريم عبدالله

 

 

280 كاظم شمهودعادة ما يكون الانحراف الاخلاقي مرتبطا بحالة الفقر والالم والمآسي، وكان السبب والدافع الحقيقي الذي جعل الكثير من الفتيات الفقيرات الاوربيات يغادرن اهلهن وقراهن ومدنهن والرحيل الى طلب العيش في استوديوهات الفنانين والعمل كموديلات عاريات . ويذكر انه في القرن التاسع عشر كانت اوربا قد مرت في ازمات حروب وصراعات وفقر مما ادى ذلك الى نزوح الكثير من الفتيات الى باريس والتي تعد في ذلك الوقت قبلة لعشاق الفن والادب، والعمل في ورشات الفنانين . وكانت فرناندي اوليفر احدى تلك الفتيات التي كانت تعمل كموديل عاري في حي مونتمارت . تعرفت على بيكاسو عام 1904 واشتغلت عنده كموديل عاري، كما كانت غالا الروسية زوجة سلبادور دالي تشتغل كمود يل عاري في ذلك حي قبل مجيئها الى دالي في مدينة كاداكيس في اسبانيا .. وعادة ما تكون تلك الفتيات ضحية للاغراء وممارسة الجنس مع سيدها الفنان .. وكان بيكاسو مثال لذلك حيث كان يجلب الفتيات بحجة الرسم ليمارس معها المتعة وقد صور لنا ذلك بعدد من لوحاته السريالية فرسم نفسة برأس ثور وحشي ينقض على فريسته .. ويذكر بان الكاتب والمفكر كينيث كلارك قال ان الفن له قدسية وجمالية مجردة فاذا اثار الموديل العاري الفنان جنسيا اثناء الرسم فهو فن كاذب...؟؟؟؟

ان موضوع رسم الموديلات العارية ليس جديدا في تاريخ الفن فقد ابتدعه الفراعنة حيث نجد تماثيل عارية لبنات الفراعنة والملكة نفرتيتي، وقد وجدت ايضا تماثيل تمثل فينوس عارية في الحضارات الرافدية والهندية واليابانية ...

و رسم اليونانيون والرومان الجسم العاري وعدوه رمزا للجمال والصفاء وربطوا ذلك بالآلهة وفي تاريخنا العربي كان العرب قبل الاسلام يطوفون حول البيت الحرام عراة .

وكان التصوير العاري مرتبط بدلالات دينية عند المسيحيين حيث كان المسيح دائما يرسم عاريا وكذلك الملائكة . وصور مايكل انجلو يوم القيامة باشكال عارية ولازالت الصورة ماثلة في الفاتيكان . وصور لادير آدم وحواء يخرجان من الجنة وهما عراة 1533 . وصور بوتشلي مولد فينوس عارية . وفي القرن الثامن عشر رسم غويا 1746 الاميرة لاماخيا عارية على غفلة من اهلها ثم رسمها بملابسها الاميرية خوفا من الفضيحة وردود الافعال الانتقامية . ورسمه توليزلوتريك 1864 الذي كان يشتغل في كابريا الطاحونة الحمراء وقد عرض الزواج على احد العاهرات فرفضت وكاد ان ينتحر . كما انتحر صديق بيكاسو الفنان كاساخيماس عندما رفضت احد عاهرات الكابريهات الزواج منه في باريس . ورسم هذا الموضوع ايضا من قبل روبنز ووظفه في اعماله مستوحي ذلك من الاساطير القديمة، ورسمه تيسيانو 1538 ومانيت في لوحته المعروفة . الغذاء على العشب 1863. والتي احدثت ضجة ورفضا من قبل المجتمع كونها تحمل موضوعا واقعيا وليس اسطوريا وان ذلك مخالف للتقاليد، ورسمه سيزان 1839في لوحته . المستحمات .، كما رسم ذلك زعيم المدرسة الكلاسيكية الحديثة دافيد1748 في القرن الثامن عشر على غرار المدرسة الكلاسيكية اليونانية حيث ظهرت بعض اشكاله عارية في عدد من لوحاته التي تمثل بعض المعارك . ورسم الفنان أنجر 1814تلميذ دافيد الموديل العاري كما هو ماثل في لوحة الحمام التركي وغيرها .

281 كاظم شمهود

كما رسمه ادوارد مونخ وغوستابو كليمنت وماتيس وغيرهم . ولم يبقى رس ام من رسامي القرنين التاسع عشر والعشرين الا وقد تمتع برسم الموديل العاري . وكان الموديل العاري يدرس كمادة اجبارية في الاكاديميات الاوربية ولحد هذا اليوم . وعندما دخلت اكاديمية الفنون الجميلة في مدريد لمعادلة الشهادة عام 1978 وجدت الطلبة يرسمون الموديل العاري . وكانت الاكاديمية تتعاقد مع الفتيات للعمل كموديل مقابل اجور . . واتذكر قصة للاستاذ الفنان العراقي حافظ الدروبي حيث اسس المرسم الحر في الاربعينات من القرن العشرين ودعى اليه اصحابة من الرسامين وقدم فيه موديلا عاريا . وفي عام 1908 تأسست اكاديمية الفنون الجميلة في مصر باشراف اساتذة فرنسيين وايطاليين وكان يدرس فيه مادة الموديل العاري حتى مجيئ الاخوان في زمن السادات ومنعوه عام 1976 .

ورسم بيكاسو لوحة غانيات افنيون عام 1907 وهي تمثل عدد من بنات الدعارة عاريات واللاتي عاش معهن في برشلونة قبل ان يحل في باريس، وقد رسمها باسلوب جديد لم يعرفه ويألفه تاريخ الفن العالمي وهو الذي ادى بالاخير الى ولادة المدرسة التكعيبية والفن الحديث قاطبة . ويذكر المؤرخون بان الفنان الاسباني رامون تورس رسم عام 1906 لوحة بعنوان (تعيش من خلال الحب) تمثل ثلاثة عاهرات على قارعة الطريق. هذه اللوحة رفضت من قبل لجنة التحكيم للمعرض السنوي الوطني في اسبانيا بحجة مخالفتها للاخلاق . وكانت هذه اللوحة قد رسمت قبل ان يرسم بيكاسو غانيات افنيون عام 1907.

وبالتالي فان موضوع رسم العري كان موجودا عند الاقدمين اما استغلال النساء الموديلات للجنس فهو موضوع آخر، ورغم ان الجنس يشكل جزء من حياة وفطرة الانسان الا انه له قيمة قدسية اخلاقية سواء كان في النظم العلمانية او الدينية لان الفطرة الانسانية تفرض ذلك ومنذ الخليقة وعصور ما قبل التاريخ ولحد اليوم وبالتالي فهناك خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها من ناحية انسانية لان الاباحية والانحلال الاخلاقي هي في الواقع ضياع للهوية وهدم للبناء الروحي والمادي للانسان والمجتمع ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

250 نساء في حياة بيكاسوذكرت اوليفر ودماير Olivier Widmaier في كتابها " Picasso، retrato de familia " (ان كل صديقة جديدة في حياة بيكاسو هي عبارة عن مشروع جديد للعمل والابداع حيث ترفده بتجربة جديدة اكثر رفعة ورقي من السابق . تجربه تدفعه الى بلوغ مصدر جديد للالهام والاكتشاف، بعدما كاد ان يشرف على الانتهاء والافلاس الفني . وهكذا اخذ يكرر هذا السيناريو مع كل فتاة جديدة يعقد معها علاقة عاطفية، ثم عندما تنتهي هذه العاطفة ة ودورها في اثارة الالهام والابداع يغادرها بدون اسف او ندم ثم يبدأ مع اخرى ومشروع جديد .) . (انه فنان اسطوري، لاعب دائم الربح، مخادع متقلب، زوج غير وفي، يتلائم مع مزاج واذواق الكل، يسيطر على كثير من احلام الانسان، الحب، الجنس، الشهرة، الاموال، السيطرة، يظاف الى ذلك فانه السيد في الفن ..) وكانت اوليفر هي حفيدة بيكاسو قد تخصصت في تاريخ الفن وكرست كل حياتها في الكتابة عن جدها بعدما اصبح مادة دسمة للتجارة وبعدما احدث انقلابا فنيا في تاريخ الفن العالمي وخلق مدرسة مميزة هي التكعيبية وبحثها في تمثيل البعد الثالث . وقد دافعت اوليفر عن جدها بكل قوة امام من يتهمه بتهم غير اخلاقية وخاصة زوجاته وصديقاته القديمات .

بيكاسو واريني لاغوت Irene Lagot

دائما يعتقد ان بيكاسو هو السيد واللاعب الاول في جذب واغراء النساء والسيطرة عليهن روحا وجسما وهذا ما اكدته حفيدته اوليفر التي ذكرناها سابقا ولكن يبدو ان هناك من هو اكثر منه دهاءا ولعبا ومراوغة . انها لاغوت وهي شابة ذكرها المؤرخون كانت قد اشتهرت بمغامراتها الغرامية مع الفنانين والامراء والكتاب واشتهرت في الوسط الاجتماعي الباريسي وقد الفت حولها عدد من الروايات منها رواية (أمرأة جالسة) للشاعر ابولينير Apollinaire وهو صديق بيكاسو وقد ظهرت الرواية عام 1920 .

لاغوت هي شابة غاية في الجمال والسحر، مرحة وفكاهية، وفي نفس الوقت شاذة مراهقة حرة جنسية، وتعد فتاة الحداثة والمعاصرة في ذلك الوقت كما تعد اسطورة المغامرة والجاذبية .. ولدت في عام 1893 في احدى قرى باريس التي تبعد حوالي 20 كم عنها . تركت المدرسة وعملت في احدى دوائر البريد وهناك تعرفت على شاب طبيب يدعى Roby Kolb هربت معه الى باريس واستقرا هناك . ثم عقدت شبكة من العلاقات الغرامية مع عدد من الفنانين والكتاب، منهم الكاتب Raymon Radiguet والشاعر Apollinaier والاستقراطي الروسي بوغدانوف Bogdanoff ثم تركته، وعقدت مع امير آخر روسي يدعى سرغي فيرات Serge Ferat ثم تركته وعادت الى باريس واخذت تتردت على كابريهات حي مونتمارت في باريس ولياليها الحمراء حيث يوجد هناك بيكاسو واصدقاءه الشعراء البوهيميين وقد تعرفت على بيكاسو ... وفي احدى ليالي اغسطو من عام 1916 خطط بيكاسو مع صديقه الشاعر Apollinare لاختطاف لاغوت حيث اكثرا عليها بالشرب والمخدرات حتى فقدت وعيها ثم حملاها الى استوديو بيكاسو وهناك عملا معها ما يبغيان من المتعة ... وفي هذا الصدد يقول بيكاسو (اذا كنت في الحقيقة تحب امرأة اولا عليك اختطافها ثم حبسها مع مفتاح ثم كرس كل وقتك لها؟) . في الواقع ان بيكاسو له جذور ثقافية رجولية فهو ابن مجتمع اندلسي يحمل عمق تاريخي عربي.. وكثير ما يطلق عليه بعض النقاد بيكاسو المورو el moro (العربي المسلم) ولهذا ليس غريبا ان يتعامل مع المرأة بهذا اللون من التعامل .. وبعدما هجرها صديقها الروسي سرغي تحولت لاغوت الى بيكاسو فجلست امامه كموديل عاري واخذت تتردد عليه فعلمها الرسم واخذت ترسم باسلوب حديث طلائعي ... ويذكر انها اشتركت باعمالها مع بيكاسو عندما عرض لوحته الشهيرة . غانيات افنيون . عام 1916 في احدى صالات العرض في باريس، كما اقامت معرضا شخصيا عام 1917، وقد كتب عنها الشاعر ابوليناير (هي واحدة فريدة عفريتة في عالم الفن حيث ترشح بدون شك الى صف روائع عصرنا) .. وفي الحقيقة لم تكن علاقتها مع بيكاسو سوى عابر بحسب طبيعة تقلباتها المستمرة وكان بيكاسو يعرفها جيدا ولكن اراد الاستفادة من هذه الظاهرة الغريبة . وكان بيكاسو قد اتفق معها للزواج وتم كل شئ واثناء التحضيرات للعرس هربت الى صديقها القديم الروسي الامير سرغي Serge . وكتبت الى احد اصدقائها (ان بيكاسو مغرم بي واستخدم كل الوسائل الخسيسة والدنيئة لابعادي عن سرغي ولكنها لم تنجح) .

251 نساء في حياة بيكاسو

لاغوت رفضت ان تكون ضحية لبيكاسو والدور الذي رسمه لعشيقاته الخاضعة لاراداته واهوائه وقابلته بالمثل لاعبة ضد لاعب بل تفوقت عليه، وعدها البعض اسطورة حقيقية للعشق والمغامرات، مع ذلك فقد رسمها بيكاسو في عدة لوحات منها (امرأة جالسة) وهو عنوان اتخذه الشاعر ابولينير لروايته التي ذكرناها سابقا .. عاشت لاغوت عمرا طويلا حيث توفت في 4/10/ 1994 ما يقارب المائة عام ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

محمد البندوريتتسم الحركة الحروفية الإماراتية الآنية بطابع التطور وارتياد المكانة اللائقة بها عالميا، حيث استطاعت أن تصنع أسلوبا فنيا متميزا، استثار بالاهتمام معظم المتتبعين والنقاد في الحقل الحروفي العالمي، فهناك نضج كبير ووعي جاد بارتياد المبادرة، خاصة بمراكز الخط العربي بالامارات التي استطاعت أن تسهم في صنع أساليب خطية قويمة وجديرة بالاهتمام، ومدارس حروفية عربية صرفة، من خلال مجموعة من الملتقيات الخطية الهادفة، وكل تلك الجهود تظل تمتح من الثقافة المحلية والعربية مكوناتها الأساسية، ومن الموروث الحضاري الإماراتي مكنوناته العميقة، مما يعطي صورة بديلة تنبذ التقليد وتتمرد على الجاهز لتحدث للفن الحروفي والخط العربي الإماراتي حيزا إبداعيا متطورا يضاهي الفن العالمي، بروح معرفية وفكرية وثقافية، وأيضا بتقنيات عالية ودراية وتجربة وخبرة. فالحركة الحروفية الإماراتية قد سادت في كل الأقطار وازدهر عهدها، وأصبحت لها أسس وقواعد وضوابط ومكانة عالية الشأن بتأطير مجموعة كبيرة من الخطاطين وذوي الاختصاص والمتتبعين والمثقفين المرموقين، وأيضا بمساهمة ثلة من الباحثين المميزين، لتنحت أساليب راقية في الخط العربي متعددة الدلالات والمناحي، تستوعب الموروث الفني الإماراتي في شموليته، على أنه نسيج في وجدان الأمة العربية والإسلامية، وتتخذ منه أداة للتحديث والعصرنة بأدوات وتقنيات معاصرة، لتشكيل أساليب خطية وحروفية غاية في التعبير، تستحضر القيم الفنية والجمالية، وفق تقنيات ووسائل عالية الجودة، وبطرق ممنهجة ومنظمة ومحكمة وحديثة، في انطلاق سليم إلى الآفاق السليمة.

ولقد ساهم حضور الوعي النقدي في الثقافة الخطية الإماراتية في دفع قاطرة الإنتاج والإبداع بخطى مضبوطة ودقيقة، مما خصب المعرفة والتجارب والخبرات، ودعم الأسس الفنية والجمالية الإماراتية، ومما أرسى أيضا قواعد العمل الفني للخط العربي الفاعل على جميع المستويات. ولقد تفاعل الخطاطون الإماراتيون والخطاطون من كل الدول العربية مع مختلف الأنماط التعبيرية المحلية والعربية والعالمية الجديدة من خلال مراكز الخط العربي بمختلف المناطق بالإمارات العربية المتحدة، فأضحى الخط العربي يشتمل على أساليب تعبيرية رائقة، مستمدا مادته من مرجعيات ثقافية وفنية خصبة، ومن سيميولوجية محلية. وبذلك أصبحت الحركة الخطية تتخذ من التحديث والعصرنة أداة لتأسيس الفضاء الحروفي بروح معرفية وفنية، تضخ الحياة في شرايين الخط العربي، وهو ما يضفي عليه أبعادا عميقة المضامين، تمتح من التطور استعمالاته الفنية والجمالية، وتمنح الوسط المحلي الاماراتي تشكلات خطية إضافية تغذي المشهد الحروفي والفني والثقافي بحرفية وخبرة وتجربة تضمن له التألق على المستوى العالمي.

إن تمتع الخطاطين الاماراتيين - الأوائل الرواد - بقدرة هائلة من الإصرار على الإبداع والابتكار، قد عجل بظهور مجموعة لاحقة فتية من الخطاطين القادرين على تجاوز الجاهز وتغيير بلاغة الخطاب الحروفي والمساهمة في تواجد ونمو حركة خطية فريدة وهادفة في المشهد الثقافي العربي والعالمي. لقد قويت هذه المادة وتقوى معها المجال النقدي، وذلك لخصوصية التطور السريع الذي يشهده المجال الخطي الإماراتي بفضل الخطاطين المشرفين على مجال الخط ورعايته. فكل ذلك شكّل مدرسة خطية إماراتية فاعلة على المستوى العربي والعالمي، تسبح في فضاء إبداعي ممنهج يحافظ على الثوابت والمكتسبات، وينتهل من التجديد والعصرنة كل المقومات الضرورية، في انسجام تام مع مقومات الحضارة الإماراتية الراهنة.

ولقد شكل معجم الرموز والعلامات والأشكال الخطية في المنجزات الفنية بالإمارات العربية المتحدة خزانا من الأدوات الجمالية التي تغذي يوميا المشهد الحروفي الإماراتي والعربي، بل إن التوظيف المتقن لهذا المعجم الخطي بكل آلياته، والزرع المحكم لمقومات الثقافة الإماراتية في الفضاء الحروفي، وصناعة نسق دلالي ملائم ومطاوع ومخترق لكل المفاهيم، قد منح الأعمال الخطية الإماراتية جماليات متعددة الأنساق والمرامي، وسما بها إلى مصاف الفن الحروفي المعاصر الراقي. فأكد الخطاط الإماراتي بذلك حضوره القوي في الساحة العالمية، ومركزيته ضمن الفنون المعاصرة الراقية، ولنا إسوة في مجموعة من الأسماء. كما أن خاصية التعدد في النسيج الخطي من حيث أنواع الخطوط ونوع الشكل قد وفر في المحيط المحلي إنتاجا يروم التربية الخطية المتنوعة الفارقة، إذ يمكن من خلاله أن نتحدث عن وجود مدرسة عربية أو مركزا عربيا رائدا في مجال الخط العربي. ولعل المتتبع لشأن الخط العربي بالإمارات العربية المتحدة يعي جيدا أن الخط العربي يشكل قاعدة رائدة ذات أبعاد دلالية وإيحاءات جمالية وفنية فريدة، قادرة على بلورة العمليات الخطية الإبداعية إلى أسلوب تعبيري غير مسبوق، كما أن التعمق في البحث في الخط العربي من الوجهة الحضارية، يضع القدرة الخطية الإماراتية في موضع القوة الباطنية، ويصنع أفقا غير متناهي. كما أن الصيغ الجمالية بكل أشكالها وأنماطها المتنوعة وأساليبها المتعددة، تضفي قيمة دلالية وجمالية في المشهد الحروفي الإماراتي، إذ يتم توظيفها كلية بحمولتها المعرفية والثقافية بتقنيات جديدة تتلاءم وغرض العمل الإبداعي. فهذا أيضا يشكل نسيجا جديدا وقيمة مضافة ليس في الساحة الثقافية الاماراتية فحسب، وإنما في المشهد الفني العالمي.

 

د. محمد البندوري

 

 

محمد البندوريلقد شكل الاهتمام بضوابط الكتابة وجمالياتها أحد أهم الأسس التي صنعت اللبنات الأولى للتحول إلى البلاغة البصرية، وقد أدى هذا الاهتمام إلى ظهور تصورات وآراء وأعمالا ذات قيمة كبيرة. منها ما جاء به أبو علي ابن مقلة المتوفى سنة 328هـ - حسب ما تواتر في كتب الأولين- فجود الخط حتى تميز بالحسن والجودة حيث أدخل عليه تحسينات رائقة، حملته إلى الشكل الجميل الذي انتهى إليه، ثم فتح من خلال مشروعه الجمالي باب الإبداع ونهج الدقة في التجويد وبسط الأساليب الجمالية التي أخضعها لمقاييس محددة. وبذلك كان ابن مقلة منطلقا فاصلا بين ما سبق وبين العهد الجديد للخط، حيث كانت فلسفته الخطية قائمة على أسس عقلية ومنطقية ومعرفية ومنهجية وعلمية وهندسية، " ثم انتهت جودة الخط وتحريره على رأس الثلاثمائة إلى الوزير أبي علي محمد بن مقلة وعن ابن مقلة انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها." لكن صاحب التحفة أورد رأيا مخالفا لذلك، فيقول:" قال بعضهم: وكثير يزعمون أن الوزير أبا علي ابن مقلة هو أول من ابتدع ذلك، وهذا غلط، فقد وجد من الكتب بخط الأولين فيما قبل المائتين ما ليس على صورة الكوفي، بل يتغير عنه إلى بعض هذه الأوضاع المستقرة الآن."

وقد تنوع الخط العربي بعد ذلك إلى عـدة أقلام مختلفة ذكر منها ابن الصايغ :" الطومار والجليل والمجموع والرياشي والثلثين والنصف والثلث والحولجي وخفيف الثلث واللؤلؤ والديباج ، والتوقيع والرقاع والمحقق والغبار وهو أدقها. ومنها قلم السجلات والقصص ومنها أيضا: "الثلث المعتاد والجليل وجليل الثلث وقلم المصاحف والمسلسل والمنثور والنسخ والمنثور وجليل المحقق والريحاني والرياسي والمرصع والحواشي والأشعار والمقترن ." واللؤلؤي وخفيف الثلث وفضاح النسخ والعهود. ومنها كذلك: ماهو محقق ومعلق ومخفف ومبسوط ومقور وممزوج ومعماة. ومنها المفتاح والمنسوب والموزون والمدجن والمدمج والمدور والمرسل والمسلسل.

وقد اختصر ابن مقلة أنواع الخطوط العربية في ستة من خلال رسالته في علم الخط والقلم وهي:

" الثلث والنسخ والتعليق والريحان والمحقق والرقاع. ونجده يجعلها اثنا عشر خطا في رسالته في علم الكتابة.

ومن الخطوط أيضا: الخط الديواني والخط المغربي وخط الطغراء .

ومن مظاهر الابتكار في الأقلام في ارتباطها بالشعر العمودي وبجمالية الخط العربي، تم تخصيص قلم خاص لكتابة الشعر يوافق نمط القصيدة العمودية التي يتكرر نفس الحرف في قافيتها مما يتطلب تصفيفا محكما، فظهر القلم المدور الصغير، ثم القلم المؤنق.

لقد استطاع ابن مقلة أن يبسط رؤاه الفنية بنظرة تكاملية بجملة من الآليات المستقاة من فلسفته الخطية التي رامت التنسيق والتنظيم وفق إنجازات تطبيقية إجرائية في منطلقاتها وفي طبيعتها وفي كل مراحلها، فهي راوحت بين النظرية والتطبيق مما سهل عملية التطبيق، وجعل رؤاه النقدية ترقى في مدارج الابتكار وتحقق إنجازا فنيا كبيرا.

وبذلك أسهمت تجربة ابن مقلة الإبداعية وتصوراته النقدية وتصميماته الهندسية في معالجة كل عمليات الخط من منظور هندسي مغاير لامس جوهر الخط، وساهم في التطور الجمالي للخط العربي، حيث كان للأقلام المحدثة وتنوعها فضل في إبداع أشكال من الحروف الجديدة التي ولدت جماليات تجلى بريقها في مختلف النصوص الأدبية، واستوطنت الجماليات التي اكتسبتها أشكال الحروف الجديدة من خلال رسمها كل التراث العربي الإسلامي في المشرق العربي، في نطاق ممارسة نقدية بلورت العمل الإبداعي للخط العربي بشكل منسجم ومتكامل وفي نطاق منظومة من العلاقات ضمها التراث العربي الإسلامي.

 

د. محمد البندوري

 

 

194 باسم العسماوييعد التشكيلي (د. باسم العسماوي) تولد البصرة 1951 استاذ فلسفة الفن في أكاديمية الفنون في بابل واحدا من الفنانين الذي اشتغلوا بأساليب فنية متعددة ، وجرب الواقعية والرمزية والتكعيبية، ونراه اليوم يتخذ من المذهب التجريدي والتجريدي التعبيري اسلوبا طغى على جل أعماله الأخيرة .

(الفن التجريدي هو نوع من الفنون التي ظهرت في القرن العشرين، خاصةً عام 1910م ، ويعتمد هذا الفن على رسم النماذج المجردة أو الرسم بالأشكال، حيث يبتعد عن التشابه بين المرئيات والشخصيات بأنواعها عن شكلها الطبيعي والواقعي، ويتميز الفن التجريدي بأنّه يختزل الأفكار، ثمّ يشكلها من جديد بألوان دون توضيح الخطوط بها، ويتميز هذا الفن بقدرة الفنان على رسم الأشكال التي يتخيلها سواء من الخيال، أم الواقع في شكل جديد لا يتشابه مع الشكل الأصلي في الرسم النهائي.

إنّ كلمة التجريد تعني التخلص من كلّ أثر للحقيقة أو الواقع).

والتجريد هو قوة داخليه تتغلب على ذاتية الفنان ليطلقها على الاشياء المجسمة في ملامحها كأشياء وليست تجسيد عيني لها ، فيضيف الفنان حالاته النفسية والفكرية والرؤيوية على مرئياته ومجسماته .

(يستخدم التجريد إستراتيجية التبسيط ، التي يتم من خلالها ترك التفاصيل التي كانت مادية سابقًا غامضة أو مبهمة أو غير معروفة؛ وبالتالي يتطلب الاتصال الفعال حول الأشياء المجردة تجربة بديهية أو مشتركة بين المتصل ومتلقي الاتصال. وينطبق هذا على جميع الاتصالات الشفهية / المجردة.)

26 باسم العسماوي

في لوحات (العسماوي) ترى شخوصا تشظوا الى شخوص أخر ورؤوس تولد رؤوس حتى اصبحت جسدا واحدا متشظ من جراء حدث جم لا يبعث على القلق فحسب وانما انهيار في فكر ونفسية وروح هذه الشخوص الصفر والحمر والسود وكل الدواكن والألوان الموظفة لهذه الثيمة على السطح التصويري انها تداعيات العصر على الانسان واضطراباته ومجهولية مستقبله وغده جسدها الفنان بحرفية ومهنية حاذقتين وبألوان تشد المتلقي الرائي .. ولكن ما يلفت النظر في هذا البعد الواحد للوحة وكأنك تشاهد أناس اجتمعوا في حفل راقص تحت ظلال الأشجار في جو خريفي .. هنا الخريف وظفه الفنان (د. باسم) بذكاء ليدلل على خريفية الوقت والعمر وتلاشي الأحلام والمخاطر التي تحدق بالإنسان .. هذا الانسان الذي جبل تحت وطأة الحروب والحصارات والعبث الثقافي والوجودي وكان اراد التخلص من غبار علق على جسده ومن ملوثاته واخلاقيات زمنه برقص صوفي جمعي .

الفنان هنا (العسماوي باسم) تعمد ان يوظف قلق مخلوقاته التشكيلية ومجسماته بشكل جمعي لا فردي أي أراد الافصاح أو الاعلان عن مشكل حقيقي يصيب الانسان والمجتمع بتجريداته المعبرة في هذه لوحاته (تتميز التعبيرية التجريدية بـ «قوة الانفعال» وبـ « الحركة التلقائية». وقد يعرف هذا المذهب أحيانا بـ«التجريد الغنائي» أو بـ«الآلية » نسبة لتخليه عن مبدأ المراقبة العقلانية ؛وأحيانا أخرى يعرف بـ «البقعية» إشارة إلى التقنية التي تظهر الألوان على سطح اللوحة على شكل بقع ، ومن هنا يصبح عالم اللوحة عالما خاصا، ينطلق من الصلة المباشرة بالمادة وتحويلها إلى نتاج فنى ؛ فتصبح التقنية والتجريب على المادة مقياسا لقيم «العمل الفني» ولإتمام الصورة بل أبرز ما تمثله اللوحة) .

المتلقي يرى وجها أم افكارا متمثلة بوجوه شبحية جسدها التشكيلي (العسماوي) في أغلب لوحاته وتجريداته وبأساليب مختلفة ، مفيدا من الفن التجريدي التعبيري فتجد تلاحقا فكريا وفنيا في جل اعماله ولايغيب عن المتلقي اسلوبه الاكاديمي الصرف في تجسيد لوحاته هذه ، و(للعسماوي) روح الابتكار والتجدد من خلال تسخير الماديات من كؤوس وزجاجيات وتحفيات ليرسم عليها وجوها واجسادا ومرئيات عدة .

 

رياض الدليمي

 

 

190 فاخر محمدوأنت تنظر الى لوحات التشكيلي الدكتور (فاخر محمد) تشعر وكأنك داخل جرة سومرية ضاقت عليك وتعتقت معها ومع نبيذ سكرات موتانا السومريين فأرواحهم تلامس أرواحنا في عمق جراره المعتمة البالية .

وفي أخرى من لوحاته ومن أعماله الأخيرة وأسلوبه الذي لم نكن نعتاده في باقي معارضه السابقة تشعر وانك محبوس داخل القفص الصدري وتسمع أنين ونبض تاريخ سحيق وقلوب نابضة ما ان يرتفع الحجاب الحاجز حتى تدوي شهقات الموتى والمحرومين والمعوزين والمسحوقين، يبدو الرائي في حيرة عندما ينظر للوجوه يكاد لا يفرق بين وجوه الأمس واليوم فكثير من هذه الوجوه والشخصيات يخيل لك قد شاهدتها في سوق الحلة العتيق أو في ازقة (حي كوكة والاكراد) وفي لمحة أخرى مبصرة تبدو عليها الكدمات وكأنها عادت للتو من حرب مشتعلة مضى فيها (نبوخذ نصر) وهو يجوب الشام ليحرق ويهتك وينتقم من الذين خرجوا على بساط سلطته .

المساحات الصغيرة التي يجسدها (فاخر محمد) في لوحاته وفي ألوان مشعة بين القاتم والواضح وكأنها حصيرة بابلية او سجادة اِله (سومري أو رجل دين حلّي أو محاويلي أو قاسمي) تخدعك لتتيه في جمالياتها وتنسى ما اِختبأ ورائها من معان ورسائل فكرية وجودية وأسى حاضر وترقب وحيرة من غد قادم .

25 فاخر محمد

يوظف (فاخر محمد) الألوان الجريئة في مظهرها ومعانيها بين (البنفسج والزهري والابيض والارجوان) هي ليست حديقة من حدائق روما بل هي تشكيل من تشكيلات مخيلة الفنان رسمها وفق معايير هندسية وبأبعاد قد تتلاشى للرائي في نظرته الاولى أي المتلقي وتتحقق لحظة اندماج المسافات والرؤى بين اللوحة والمشاهد فيغدو جزأ من اللوحة ، وأحد أبعادها، وفي لحظة اخرى تجد ان اللوحة قد أقصته ويحدث تنافر بينهما ويبدوان هما من عوالم أخر عالم المخيلة وعالم التقويض الفكري والنفسي الذي يعيشه الفنان وعالم واقعي سحري يمكث فيه المشاهد، وعالم التشكيلي قد اختزله بمجسمات لا يفقها الا هو، للوهلة الاولى نعتقد انه اقصاء مقصود مجرد في طقوس صوفية سيمائية من تخليق (فاخر محمد) لا يدخله الا ذا ريشة تكسر حواجز الابداع وتهشم أساليب الفن التشكيلي لآخر مبتكر ومخلق من صنعه وابتكاره .

 

رياض الدليمي

 

 

161 عصام الشرقاويتكاد تخلو الساحة الثقافية من مساحات نقدية لفن التصوير أو تحديدا للصورة الفوتوغرافية التي لا تقل تقنيتها عن تقنيات الأقصوصة أو الومضة النثرية أو فيما أُستحدث من تعابير نقدية في هذا المجال الذي تُهلل له الأوساط الثقافية عبر الوسائط الصحفية. وقلما نجد نقدا بلغة بسيطة يُحلل ويقرأ مفردات الصورة، ويضعها في مكانها الصحيح كفن إنساني على اعتبار أن مؤلفها" المصور" لا يقل في قيمته الإبداعية عن المبدع الروائي، فكلاهما لديه رؤية للأشياء وللكون وللمجتمع، وإن اختلفا في الوسيلة الإنشائية لهذه الرؤية سواء أكانت عدسة أم قلما.

وعلى صعيد متصل للإبداع تأتي الجودة التي تميز عملا عن آخر، وهنا بالطبع أضع الصورة الفوتوغرافية تحت معيار الجودة جنبا إلى جنب مع النص الروائي، والنظر إليها كعمل مكتمل الأركان له عتباته السيمائية التي تخضع للتأويل والتفكيك. ومن ثم الوصول لمغزى الضوء والفراغ والكتلة واللون، وبذلك يمكن الوصول لفكر المصور، وتبيان رؤيته للمنظر الذي التقطته عدسته.

وفي ضوء ذلك، سيتراكم أمام الذائقة فن جديد مختلف في لغته، بل ما يميز تلك اللغة العالمية التي يفهمها الجميع بمستويات الحس الإنساني، لتضع البشرية أمام لغة الصورة وسردياتها، مما يخلق لدينا ارتقاء ما لو أُحسِن تذوقه؛ لوصلنا إلى حالة العرفان الأعلى من السمو.

إن العرفان المقصود به هنا هو اتجاه حضاري لا ترتقي أية حضارة إنسانية إلا به. وهو المعرفة التي يُحدِثها المنظر أيا كان، سواء منظر طبيعي أو بشري. وبالتالي يأتي عليه المبدع ( الأديب- الشاعر- المصور) ويقيم إبداعه بعد مشاهدة هذا المنظر الذي يفجر طاقته القلبية والعقلية والحسية، فيعيد لنا هذا المنظر حسبما اتجهت بوصلة مشاهدته لهذا المنظر، وهنا تغلب طاقة على أخرى، لذلك نرى إنتاج المبدع يغلب على منظره تارة الصورة القلبية وتارة أخرى العقلية أو الصورة الحسية. وهنا يتفاوت كل مبدع عن الآخر في تلقيه عرفانية المنظر الأم.

وعند تطبيق ما سبق على الصور الفوتوغرافية، يأتي على سبيل الانتقاء لبعض الصور للمصور المصري"عصام الشرقاوي" في صورته المسماة بـ"الانتظار"، والتي يتحقق فيها البعد العرفاني الذي انبثق منظره من تجانس الطبيعي والبشري، وفاضت طاقته القلبية على ملامح الصورة اللونية، وعكست مسألة الكتلة والفراغ في الحيز الكوني لذلك الإنسان المنتظر لشيء ما، يقاوم به كتلة الظلام الدامس خلفه، والتي تحتل المساحة الأكبر من تكوين الإطار المشهدي للصورة، فالمشهد الخلفي كله غارق في كميات من السواد الذي يوحي بلا شيء غير العتمة المجهولة، وكأننا أمام العتمة الكونية الأكبر. وعلى الجانب الأيمن من هذه الإطارية تحتل أحد مكونات الطبيعة في جوهرها النباتي والمُصنَّع على هيئة"ضلفة خشبية طويلة تجسد مرحلة غابرة من الفن المعماري المصري في تصميماته الضخمة لمساحات النوافذ لاستقطاب أكبر كمية من الهواء والشمس كي تقاوم عتمة الداخل وتجدد متنفس الكائن العائش بالداخل.

وفي نفس السياق، تأتي صورة الشرقاوي بمفردات الكائن البشري كأنه ظل من ظلال الفضاء الطبيعي وفراغاته اللا متناهية، حيث تتجه نظرة عينيه صوب اليمين غير المرئي. وهنا تتأزم حالة" شَاف الرّجل" أي صعد مكانًا عاليًا ونظر، وهي المكانة المعلومة بالنافذة كما حددها إطار الصورة، لكن مسألة الشوف هنا يشوبها بعض من عطب كما توضحها تلك النظارة الطبيبة فوق أعين الرجل(بطل الصورة)، والنظارة هنا بمثابة معالج موضوعي لمساحات الخلل في الرؤية الإنسانية التي قد انحرفت عن مسارها الكوني لذلك جاءت كتلة الكائن البشري أقل من كتل المكون الطبيعي، وهذا العطب يعكسه أيضا استناد الرجل بمرفقيه على حجر النافذة الصلد جامعا كفية أمام ذقنه، كنوع من تحد أكبر لهذا الخلل الصامت الذي يتجلى في طريقة فمه المطبق وكأنه بشكله الآني وملبسه الأبيض المحايد (والملبس هنا هو نقطة الضوء الوحيد في إطارية الصورة ككل) يتحدى الصمت بصمته.

إن المشهدية العرفانية لصورة الشرقاوي، قد فككت فضاءاتها العامة بالمشاهدة القلبية، ولم تتحيز للمكون الطبيعي أو البشري، بل جاءت راصدة لحالة الونس والألفة الكونية بين المكونين. وبالتالي تعطلت وظيفة اللون المراوغ هنا في الصورة التي لم تنحز في توزيع الكتل البيضاء والسوداء حسبما طبيعة الفراغ المفروض على المشهد ككل. وهذا قد برز جمالية التصوير بالأبيض والأسود ومنح المصداقية للمشهد الذي اتسم بالواقعية.

 

د. محمد طلعت الجندي