قال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يوم الأربعاء إنه يأمل أن يتمكن البرلمان من تشكيل حكومة جديدة في جلسته القادمة بعد أن انتهت الجلسة الأولى دون التوصل لاتفاق.

 

ويكافح المالكي من أجل إنقاذ مستقبله السياسي في الوقت الذي يهدد فيه مسلحون سنة بقيادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وحدة البلاد.

 

ولا تستطيع بغداد تحمل التأجيل لفترة طويلة. وسقطت أجزاء كبيرة من شمال وغرب العراق في أيدي التنظيم الذي أعلن فيما بعد إقامة "خلافة" وتعهد بالزحف الى العاصمة.

 

لكن المخاوف المتزايدة والضغوط من الولايات المتحدة وإيران والأمم المتحدة ورجال الدين الشيعة في العراق لم تسهم بدرجة تذكر في إنهاء الخلافات بين الكتل العرقية والطائفية الرئيسية بالعراق والتي تصيب البلاد بالشلل.

 

وانسحب السنة والأكراد من الجلسة الأولى للبرلمان الجديد بعد أن أخفق الشيعة في طرح مرشح لمنصب رئيس الوزراء. وهم يعتبرون المالكي العقبة الرئيسية في طريق حل الأزمة ويأملون أن يتنحى جانبا.

 

وفي كلمته الأسبوعية التي بثها التلفزيون قال المالكي إنه يأمل أن يتمكن البرلمان يوم الثلاثاء القادم من تجاوز "حالة من الضعف".

 

وأضاف "لقد حصلت حالة من الضعف لكن باذن الله سوف نتجاوزها في الجلسة القادمة بالتعاون والانفتاح والاتفاق باختيار الأفراد والآليات التي ستنتهي إلى عملية سياسية تستند على الوسائل الديمقراطية."

 

ولكن ليس واضحا متى سيتمكن قادة العراق من التوصل لاتفاق. وتعاني كافة الكتل العرقية الرئيسية من خلافات داخلية ولم يتفق أي منها بعد على المرشح الخاص بالمنصب المخصص لها.

 

ويقول السنة والأكراد إنهم يريدون أن يختار الشيعة رئيسا للوزراء قبل أن يعلنوا مرشحيهم بينما يقول الشيعة إن على السنة أن يختاروا رئيس البرلمان أولا.

 

وقال مهند حسام وهو سياسي ومساعد للنائب السني البارز صالح المطلك إن كل كتلة لديها مشاكلها الآن.

 

وأضاف أنه إذا فشلت الكتلة الشيعية في اختيار من يحل محل المالكي فإن هناك خطرا بأن ينسحب النواب السنة من العملية السياسية برمتها. وأضاف أن هذا يهدد مستقبل العراق.

 

وقال سامي العسكري الحليف القديم للمالكي إن تشكيل الحكومة يمكن أن يستغرق حتى نهاية شهر رمضان. لكنه هون من خطر انهيار الدولة قائلا إن حكومة تسيير الأعمال التي يقودها المالكي ستستمر.

 

وأضاف العسكري أن الواقع هو أن هناك حاجة للتحلي بالصبر مشيرا إلى أنه في النهاية ستتشكل حكومة لكن هذا لن يتم قريبا.

 

وتزايد غضب سكان بغداد من تكرار مشهد الخلاف بين المسؤولين بينما تحترق البلاد.

 

وقال ضامي ستار شفيق استاذ الإحصاء بإحدى الجامعات في بغداد وكان يتسوق في حي يسكنه السنة والشيعة "أنا غاضب جدا من كل هؤلاء الساسة.

 

"هذا البلد يتجه إلى كارثة وهؤلاء الرجال لا يعملون إلا من أجل أغراضهم."

 

وبدا نجاء حسن (54 عاما) وهو نجار مستفزا بنفس الدرجة. وقال "الديمقراطية جلبت علينا الكثير من المشاكل التي لا داعي لها."

 

وخارج العاصمة اشتعل القتال مجددا. وقالت مصادر طبية وشهود إن 11 شخصا على الأقل قتلوا بينهم نساء وأطفال حين هاجمت طائرات هليكوبتر عراقية الشرقاط على بعد 300 كيلومتر شمالي بغداد.

 

وقال شهود إن طائرات الهليكوبتر تستهدف مبنى للبلدية يتحصن بداخله متشددون وإن الضربة الجوية أصابت أيضا ثلاثة منازل قريبة.

 

وقال حامد الجميلي وهو طبيب بمستشفى الشرقاط إن المستشفى استقبل 11 جثة و18 مصابا بسبب قصف الطائرات الهليكوبتر. وأضاف أن بعض الأطفال في حالة خطيرة.

 

ولم يذكر المتحدث العسكري باسم رئيس الوزراء اللواء قاسم عطا الحادث لكنه ذكر الشرقاط ضمن عدد من المواقع التي نفذت فيها القوات الجوية عمليات في الساعات الأربع والعشرين الماضية.

 

وتواجه الحكومة خصما عنيدا يتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي اختصر اسمه إلى الدولة الإسلامية هذا الأسبوع وأعلن قائده "خليفة" للمسلمين.

 

وفي أول تصريحاته منذ هذا الإعلان دعا أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم يوم الثلاثاء المسلمين في مختلف أنحاء العالم إلى حمل السلاح والتوافد على دولة الخلافة التي أعلنها في الأراضي التي تقع خارج سيطرة الحكومة في سوريا والعراق.

 

ويعمل تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب عدد من الجماعات السنية بينها ميليشيات إسلامية ورجال عشائر مسلحون وضباط سابقون بالجيش وموالون للرئيس السابق صدام حسين الذين وعلى الرغم من أنهم لا يعتنقون نفس ايديولوجية التنظيم فإن ما يوحدهم هو الشعور بالاضطهاد في ظل حكومة المالكي التي يقودها الشيعة.

 

وعرض المالكي يوم الأربعاء عفوا عن العشائر التي حملت السلاح ضد الحكومة لكنه استبعد من قتلوا وسفكوا الدماء.

 

وقالت الأمم المتحدة يوم الثلاثاء إن أكثر من 2400 عراقي قتلوا في يونيو حزيران وحده ليصبح الشهر الذي سقط فيه أكبر عدد من القتلى منذ ذروة الاقتتال الطائفي خلال الحملة التي قادتها الولايات المتحدة عام 2007.

 

ونجحت حكومة المالكي مدعومة بمتطوعين مدنيين وميليشيات شيعية في وقف تقدم المتشددين حتى العاصمة لكنها لم تستطع استعادة المدن التي انسحبت منها القوات الحكومية. وفشل الجيش الأسبوع الماضي في استعادة تكريت التي تقع على بعد 160 كيلومترا شمالي بغداد.

 

وحتى إذا تنحى المالكي جانبا وهو أمر لم يتأكد بعد فإن قلة في بغداد هي التي تتوقع أن يؤدي هذا إلى حل سريع للأزمة.

 

وقال حيدر جمعة وهو عامل بناء (31 عاما) "رحيله لن يحل المشكلة لأن الخلاف بين السنة والشيعة سيستمر والعداء سيتواصل."

 

وأضاف "مهما بلغت معاناة الناس فإن الساسة لا يكترثون."

 

وقالت المتحدث باسم شرطة كربلاء العقيد أحمد الحسناوي إن قوات الشرطة والجيش حاولت يوم الأربعاء إلقاء القبض على رجل الدين المثير للجدل محمود الصرخي مما أدى إلى اندلاع اشتباكات استمرت لساعات مع أنصاره

majed algarbawiaيتضح من خلال السياق التاريخي لنشأة المصطلح، وما يختزنه من دلالات، ان مفهوم المثقف يتكون من ثلاثة عناصر:

mutham aljanabiإن الخلاف الجوهري بين السلطة والمثقف هو خلاف الزمن والتاريخ، أي حالما تكون السلطة كيانا قائما بحد ذاته خارج تاريخ المعاناة الفعلية للأمم في حل معضلات وجودها الكبرى وإرساء أسس مرجعياتها القومية والثقافية. وهي ظاهرة ليست متناقضة بالضرورة ولكنها شبه ملازمة لوجودهما بوصفهما نتاجا لتباين قوة الروح والجسد، أو العقل والغريزة. من هنا وجودهما وتعايشهما الضروري والمتناقض. إذ لا تعقل السلطة والنظام السياسي دون المثقف، كما يستحيل وجود المثقف دون تاريخ الدولة والصراع الاجتماعي والسياسي منه بالأخص. وضمن هذا السياق يمكن القول، بان المثقف والسلطة كالهواء والنار يلازم كل منهما الآخر زمن الحريق وإطفائه. إنهما يتلازمان في الضرورة والوجود. مما يحكم مواجهتهما الدائمة بوصف الأسلوب الطبيعي لوجود كل منهما. فانسياق المثقف تحت عباءة السلطة أيا كان نوعها يؤدي في نهاية المطاف إلى ابتذال كل ما يقوم به. مع ما يترتب على ذلك بالضرورة من فقدان روحه الحقيقي. حينذاك يكفّ المثقف عن أن يكون روحا. بينما لا يمكن حدّ حقيقة المثقف بدونه. وذلك لان المثقف الحقيقي روح.

وليس المقصود بالمثقف من يحترف الكتابة والمخاطبة أو تعلمهما لسبب ما خارج عن طبيعتهما بوصفهما أدوات بلوغ الحق والحقيقة، أو ما أسمته الثقافة الإسلامية بروح الإخلاص لليقين، أي روح الإخلاص للمطلق. وهو إخلاص لا يمكنه أن يتناهى لعدم تناهي المطلق من حيث الشكل والصورة والمضمون. فالمثقف يبدع المطلق بالقدر الذي يكون المطلق مصدر وغاية وجوده الحق. وهي خاصة تجعل من الممكن وصف المثقف الحقيقي بالشخص الذي يتنقى من رواسب البشرية! ولا يعني النقاء من رواسب البشرية هنا التجرد من المكون الطبيعي والغريزي للإنسان، بقدر ما يعني التجرد من العبودية لأية سلطة باستثناء سلطة الحق والحقيقة. الأمر الذي يجعل منه بالضرورة متمردا على كل الحدود المفروضة من الداخل أو الخارج. بمعنى بلوغه حقيقة الحرية في الهاجس والرؤية العقلية والحدس الإبداعي.

إن مهمة المثقف لا تقوم في صنع الأعداء أو توهمهم أو إخراجهم إلى حيز النور من اجل المبارزة والانتقام. فهي المهمة الخاصة لرجال المباحث والأجهزة القمعية. إن مهمة المثقف تقوم في مواجهة الأعماق الدفينة للنفس الإنسانية الفاعلة بمعايير الجسد والغريزة. وهي مواجهة لا يمكنها السقوط في وحل العداوة والانتقام. على العكس! أنها تنظر إلى الوجود بمعايير الرؤية النقدية المتسامية. بمعنى أنها تنظر إلى الوجود بالشكل الذي يجعل من كل ما فيه مادة لبناء التجانس الإنساني. فهو الأسلوب الذي يجنب المثقف من السقوط في أوهام المواجهة الراديكالية مع الواقع. ومن ثم يحرره من وهم الانتماء الضيق لجهة أو حزب أو طرف ما، ويرفعه في نفس الوقت إلى مصاف الرؤية الإنسانية المتسامية، أي الرؤية التي تعمل أولا وقبل كل شيء على تنقيه روحه المبدع، بوصفه الأسلوب الأمثل لإنتاج الجميل. من هنا يمكن فهم السر القائم وراء المرجعية النظرية المتلاكمة في الثقافة الإسلامية التي جعلت من الابتعاد عن السلطة إحدى الخصائص الجوهرية للمثقف الحقيقي. ولم تقصد بذلك محاربة السلطة أو مواجهتها أو إهمالها، بقدر مال كانت تعني الحفاظ على الحد الضروري للإبداع الحر بوصفه التزاما شخصيا ما في ذلك تجاه السلطة. إنها توصلت إلى أن الدولة لرجل السياسة، والأمة لمرجعياتها الروحية والثقافية، والثقافة لمبدعيها. وهي مكونات مترابطة، إلا أن ما يميز المثقف فيها كونه الوحيد القادر على صنع عوالم خيالها المبدع. فهو الوحيد الذي يتمتع من بينها بخصوصية قادرة على تجاوز حدود الآخرين. فرجل السلطة مقيد برؤية المصالح الآنية والنظر إلى آفاقها. بينما المرجعيات الروحية والثقافية هي الآلية التي تحكم بوعي وبدون وعي المسار العام والخاص لوعي الذات التاريخي للأمة. أما المثقف فهو الوحيد الذي يربط في كيانه وكينونته وحدة الماضي والحاضر والمستقبل بوصفها جزء من إبداع الحرية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان المثقف الحقيقي هو العنصر الجوهري في تاريخ وعي الذات القومي والاجتماعي والسياسي والروحي. فهي المكونات الأربعة الضرورية لتكامل الأمة والثقافة. إذ لا يمكن تصور وعي الذات القومي بدون الدور الذي يلعبه المثقف على حلبة وجودها التاريخي سواء من خلال تأسيس مرجعياتها الروحية والثقافية أو من خلال اجتهاده الحر في كشف فضائلها ورذائلها. وهو ذات الدور الذي يجسده في مواقفه الاجتماعية. فالمثقف الحقيقي هو موقف اجتماعي دائم. وفي هذا يكمن مضمون وظيفته السياسية. فهو يؤثر فيها من خلال إبداعه الحر ومواقفه الاجتماعية. انه يصنع ويؤسس المضمون الاجتماعي للسياسة عبر وضعه الدائم على ميزان الحكم الأخلاقي والجمالي.

ومن كل هذه الحصيلة تتشكل مأثرته الروحية أمام الدولة والأمة والثقافة. وفي هذا تكمن أيضا مخاطرته الحياتية. فهو القوة التي ترهب السلطة، كما انه السلطة التي ترهب القوة. وتصنع هذه الدورة بدورها المثقف الحقيقي والثقافة الحية. بمعنى صنعها المرجعية القائلة بضرورة البقاء ضمن الحيز الاجتماعي الملتهب في السياسة والابتعاد النسبي عن السلطة. ولا تعني هذه المعادلة بالنسبة للمثقف سوى الحفاظ الدائم على حريته التامة في معترك التأسيس الثقافي للإشكاليات التي تواجهها الدولة والأمة. إذ ليس هناك من قوة لا تعترف بالسلطة كالمثقف والثقافة، كما انه ليس هناك من سلطة أقوى من سلطة الثقافة والمثقف. وهي مفارقة تعيها السلطة دوما بينما غالبا ما يجهلها المثقف! وفي هذا تكمن الثغرة التي تتغلغل عبرها السلطة الغاشمة والمثقف المرتزق وأنصاف المتعلمين.

من هنا أهمية وضرورة الاشتراك الفعال للمثقف الحقيقي في التاريخ الفعلي للأمة، أي في صنع وعيها الذاتي السياسي والاجتماعي. وذلك لان الغاية الكبرى للمثقف الحقيقي (على خلاف المزيف والمرتزق) تقوم في بلوغ تمثيل الحقيقة عبر تمثيل الحق. لا بمعنى وضع نفسه محل السلطة، بقدر ما يعني إجبار السلطة على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة. بمعنى إجبارها على رفع المصلحة العليا للأمة إلى مصاف الحق. وهي معادلة ممكنة التحقيق. وذلك لان المضمون الحقيقي للسلطة يقوم في تمثل وتمثيل المصالح العليا للمجتمع والأمة، بينما حقيقة الثقافة تقوم في تمثل الحقيقة نفسها. فإذا كانت حقيقة السلطة تقوم في تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع بمعنى تمثل الحق بمعايير المصلحة، فان حقيقة المثقف تقوم في تمثل المصالح نفسها ولكن بمعايير الحقيقة. وهو المجال الذي يمكن أن تلتقي فيه "مصالح" السلطة والمثقف، والدولة والثقافة.

وفي هذا المجال تبرز القيمة التاريخية الكبرى للمثقف في ظروف العراق الحالية، رغم أنها مهمة أبدية! فالسؤال الجوهري المتعلق بإمكانية وكيفية تحقيق هذه المهمة في ظروف العراق الحالية هو معيار ومحك المثقف. وإذا كان من الصعب الإجابة عليه بصورة جامعة مانعة (قاطعة) بسبب تناقض الواقع الاجتماعي والسياسي والوطني العام، فإن مرجعيته الكبرى جلية للغاية. إنها تقوم كما هو الحال في كل ظرف تاريخي مهما تعقد، في تمثل تاريخ الإخلاص، وتاريخ الحق، وتاريخ الحقيقة. فهو الثالوث الوحيد القادر على صياغة مرجعية المثقف والثقافة الخاصة في وحدة الحق والحقيقة وتجسيدها الدائم في وحدة العلم والعمل. بمعنى أن يكون وجوده وجدانا دائما لما يفتقده المجتمع والدولة والأمة. وإذا كان العراق الحالي يفتقد للدولة الحقيقية والمجتمع الحق والنظام السياسي الاجتماعي، فان مهمة المثقف تقوم في إظهار القوى السياسية المؤهلة في ظروف العراق الحالية لانجاز هذه المهمة. بمعنى العمل من اجل إبراز قيمة وفاعلية وشخصية القوى الفردية والسياسية التي تمتع بالقدر الضروري للقيام بهذه المهام الآن. فالقوى التقليدية (من قبلية وعائلية كالحكيم ومقتدى الصدر والنجيفي والبرزاني وأمثالهم) تتعارض من حيث أصولهم وجذورهم ونياتهم وتربيتهم وشخصيتهم مع فكرة الدولة الحقيقية والمجتمع المدني والفكرة المستقبلية. وينطبق هذا على اغلب النخب السياسية الحالية (أو الحثالة السياسية الحالية) التي مازالت تعمل وتفكر بمعايير الماضي والبنية التقليدية (من جهوية وطائفية ومذهبية وحزبية وما إلى ذلك). لكن العراق ونخبه السياسية الحالية ينتجان في الوقت نفسه "قوى المستقبل" التلقائية، أي النامية في مجرى صراعه السابق ضد الدكتاتورية، وصراعه الحالي من اجل ارساء أسس الدولة الناجحة. والشخصية الأكثر تمثيلا لهذا الصراع والمساعي بين النخب السياسية الحالية هو نوري المالكي وتياره السياسي. وليس في هذا إلزاما على المثقف بالدفاع عنه، بقدر ما هو التزام في ظروف العراق الحالية للاختيار والانتخاب السليم.

***

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

ali saediمابين الثقافة كمصطلح، وبينها كمفهوم، وتجسيدها في الممارسة، هناك فجوات والتواءات، غالباً مايصعب ردمها أو تقويمها، فهي كمصطلح مشتقة من قوّم الرمح، هذبّه وجعله مستقيماً، والتهذيب الاستقامة في الخلق والاعتدال في السلوك، لكن الثقافة كمفهوم، باتت تتسع لمعانٍ حضارية متشبعة، بما فيها التطور الاقتصادي / الاجتماعي، كما في البراعة السياسية وفق أسس معرفية قادرة على قراءة الحدث ووضع الإستراتيجيات .

لكن الثقافة قيد المتناول، تشمل بدرجة أساس الجوانب الفكرية والنتاج الأدبي / الفني بمختلف أصنافها وتفرعاتها، ليشمل المفكّرين والكتاب والأدباء من شعراء وروائيين ونقاد ومسرحيين ورسامين ---الخ من اشتغالات الآداب والفنون .

ولكي يمكن إضفاء بعض التحديد في مجال متسع، فلنقل ان المثقفين بشكل عام، يكونون ضمن مستويات ثلاثة هي:

1: المثقف – يمكن تعريفه بأنه الذي يعرف شيئاً من كلّ شىء، أو (المطّلع) وتقع مادة إشتغاله الأساسية في إطار (الرأي) أو القول

وهذا المستوى ولأنه (يطفو على مساحة شاسعة من المعلومات) على حدّ تعبير د. مصدق الحبيب، فإنه يعتقد في نفسه الكمال ومن ثم فرأيه هو الأكثر قرباً للصواب وعلى الآخرين الاستماع إليه، ولما كانت كثرة الآراء الفردية من دون أن تؤطر برؤية جمعية تتحول إلى فكر حيوي، لذا تخلّف فوضى وتصدعات في المجتمع تبدأ أولاً عند المثقفين، ولما كان هذا النوع من المثقفين هم الأكثر عدداً والأوسع انتشاراً، فإنهم يسهمون بشكل ما، بزيادة التنافر والخصومات سواء فيما بينهم، أو في واقع المجتمع، وإن كان تأثيرهم سيبقى محدوداً قياساً برجل الدين أو السياسي، كما إنهم – في المعظم – ينسجمون مع السلطة وقد يشكلون الكادر الرئيس في الأحزاب والحركات السياسية وجزءاً من (جمهورها).

2: المنظّر- وهو من يمتلك القدرة على فهم الفكرة المعرفية وهضمها ومن ثم شرحها منهجياً، ويمكن تسميته ب(العارف)، أما مادتّه، فتقع في مستوى (الخطاب)، وهؤلاء يكونون في العادة أقلّ عدداً ومحدودية في التواجد الذي يكثر غالباً في الأحزاب الآيديلوجية أو المقربين من السلطة، ومن ثم قد يشغلون مناصب في موقع القرار أو فيما حوله، كما إنهم يؤثرون بواسطة ما ينتهجونه من خطاب، على مجموع من الناس أكثر مما يفعله (المطلع) لأن هؤلاء يروجون خطابهم من خلال منابر قد يستثيرون فيها عاطفة دينية أو إثنية أو ماشابه .

3: المفكّر- ذلك الذي يستطيع إنتاج الفكرة المعرفية وصقلها وتطويرها، أوتجاوزها لإنتاج فكرة أرقى، وهو مايطلق عليه (المعرفي)، وهذا النوع من المثقفين يكون نادراً في أيما مجتمع لأن ماعنده من خصوصية إنتاج الفكر، ينبع أساساً من موهبة ذاتية وقدرة قد تصقل وتتطور، لكنها لاتكتسب .

علاقة المفكر- العراقي خصوصاً - بالدولة، قامت بمعظمها على طرفين حادّين: أما خضوع مستسلم بما يعنيه من انتهاك روحي يؤدي إلى اضطراب يدفعه نحو اليأس والكسل والشعور بعبثية الحياة ولا معقوليتها، أو تمرّد يقوده إلى الهلاك أو التشرّد .

تلك هي المعادلة التي وسمت تاريخ العراق، بدلالة إن أبرز من حاول مقارعة السلطة بتقديم معرفة جديدة أو فكرة بديلة أو نصيحة متقنة خارج ما يرغبه الحاكم، دفع حياته أو حريته أو استقراره ثمناً .

كانت مقارعة الحكمة للقوة تسير وفق تراتيبة على مسار واحد: يقتل الحاكم الحكيم (أو يضطهده) فيأتي حاكم آخر ليقتل الأول، ثم يقوم الحاكم الجديد بقتل أو اضطهاد حكيم آخر، ليأتي بعدها حاكم فيقتله ثم يقتل أو يضطهد بدوره حكيماً، وهكذا يتوالى تصادم الحكمة الذكية، مع القوة الغاشمة، وفيما تُعنى القوّة بنفع الذات وإن بضرّ الآخرين، ترسي الحكمة قاعدة: نفع الذات بنفع الآخرين أو التضحية بالذات لنفع الآخرين وفيما تضعف القوة وتتضاءل بفعل الزمن، تقوى الحكمة وتنتشر وإن بعد زمن.

ولهذا ظلّت إشكالية المثقف (المفكّر) بالسلطة، قائمة على إمتداد الأزمنة في سيرورة الحضارة، ففيما تشكّلت مصادر القوة والقرار من: المال – الدين – السياسة – على التوالي، كانت الثقافة تابعاً لإحد هذه المصادر، وبالتالي لم تخلق يوماً سلطتها الخاصة، رغم أن للثقافة الدور الأبرز في صنع الإنجاز الحضاري، بدءاً من أساطيرالخلق والنشوء الأول للإجتماع البشري، وليس إنتهاء بآخر إكتشاف علمي جسدّته مخيلة الإنسان .

وفي الوقت الذي كانت فيه المؤسسة السياسة تصنع الحروب وتكرّس معنى الهيمنة والتسلط، عملت المؤسسة الدينية على القيام بالدور الأخطر في وضع حدود روحية بين البشر، بدءاً من كهنة المعابد القديمة، مرورا بما لعبه رجال الأكليروس في التاريخ الأوربي، وصولاً الى ما تمثله دور الإفتاء ومراكز الإجتهاد في الإسلام .

في كلّ ذلك، كانت الثقافة تشكّل جسر تواصل وتعاون فاعل بين الحضارات والشعوب، لكنها بقيت مجرد وسيلة إستخدام للطرف الأقوى .

 

المثقف والإعلام

الإعلام بصفة عامة، وكما بات يعرف على نطاق واسع عالمياً، يعتمد بدوره على مرتكزات ثلاث: الإبداع في الإنتاج ـ الفكر في التخطيط ـ المهارة في الأداء.

فالإبداع هو القدرة على إبتكار الجديد وسرعة الإلتقاط والتميز، أما الفكر فيعني أن الإعلام بات علماً له أصوله وقواعده وبالتالي يحتاج إلى وضع الخطط الآنية والمستقبلية وفق أحدث النظريات في هذا المجال، ثم تأتي المهارة في تجسيد تلك الخطط وطريقة تنفيذها لإيصالها من ثم إلى المتلقي.

والإعلام كأي حقل من حقول المعرفة، يتطلب جدولة في كل من فروعه وتأثيراته المختلفة، ان على صعيد النظرية الإعلامية والقواعد العامة التي يمكن الإستناد اليها في وضع الخطط والبرامج قيد التنفيذ، أو لجهة الرسالة الإعلامية وأهدافها متنوعة الإتجاهات، من هنا فان الحديث عن الإعلام عموماً وفي العراق بشكل خاص، بعد الطفرة التي شهدها إبتداء من عام 2003وماتلاها، يمكن عنونته ضمن الخطوط التالية:

 

- الإعلام و" الحقيقة " الإعلامية

لاشك بأن الرسالة الإعلامية، باتت هي الأسرع وصولاً والأكثر تأثيراً في الناس على مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم .

ولما كانت تلك الرسالة تتطلب في جوهرها، نقل الحقيقة إلى المتلقّي وبالتالي المساهمة في تشكّل وعيه وتفاعله مع الحدث، لذا كان من الواجب الإلتزام بصدقية النقل وحسن الوصول، اعتباراً من إن المتلقّي قيمة إنسانية ينبغي احترامها، إذ تعرّف الحقيقة بأنها حدث شغل حيزاّ في الزمن و المكان، إلا أن ذلك قد لا يعني شيئاً إذا تعارضت والهدف الإعلامي لهذه الواسطة الإعلامية أو تلك، إذ بإمكانها صوغ " حقائقها " الخاصة وفق طريقة " الفبركة " أي خلق مزيج متجانس من عناصر الحدث الأولية، ومن ثم إعادة تشكيلها ضمن سياقات معدّة سلفاً لتتلاءم مع إمكانية الإيحاء بأكثر من اتجاه، وفيها قد يتخلص الناقل من تهمة التلفيق ليدخل في مجال إعادة الصياغة ضمن الأسلوب المتبّع في الإعلام، أو ما يسمى بتحرير الخبر، وهو في محمول الحقيقة دون تقديمها، مثال ذلك ما أوردته قناة عراقية أثر سلسلة تفجيرات ضربت بغداد، حيث بدأ الخبر هكذا: في صراع مكشوف على السلطة .. وهي محاولة مسبقة لحرف المتلقي عن الفاعل.

تلك الصياغة مازالت متبّعة في بعض وسائل إعلامنا ـ العراقية والعربية ـ خاصة فيما يتعلق بالحدث العراقي، رغم انكشاف عقمها ولا موضوعيتها المهنية حيث التلاعب بحقيقة الحدث وبالتالي دفع المتلقي نحو زوايا ضيقة مقصودة لذاتها، ذلك ما يمكن إعتباره "حقيقة إعلامية " تبتعد في مضمونها عن الحقيقة الواقعية بنسبة ما ترتئيه هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك.

النظريات الحديثة في الإعلام تذهب الى مستويات ثلاث في إيراد المادة الإعلامية ـ خاصة في مجالها الخبري ـ وهي كالتالي:

1ـ الحدث موضوعياً (ماذا).

2ـ الحدث بخلفيته (لماذا).

3ـ الحدث بصياغته (كيف) .

وبالتالي يمكن إيجاز تلك المستويات بما نراه وما نسمعه وما نقوله.

فما تراه العين ـ أو عدسة الكاميرا مباشرة ـ يكون خبراً، وهو موجود موضوعياً وينبغي نقله بإعتباره حقيقة لايجوز فبركتها أو المساس بها وإلا فقد المورد صدقيته التي هي أهم من المرتكزات الأساسية في الوسيلة الإعلامية.

امّا مانسمعه عن الحدث، فيشكل الخلفية التي يمكن صياغتها بطريقة لاتفقدها جوهرها ولا تبالغ فيها.

فيما يمثل مانقوله رأينا في الحدث، وهنا تكمن حرية الوسيلة الإعلامية في التعليق على الحدث على ان تلتزم بالضوابط العامة لموضوعية الحدث ذاته فلا تحملّ الحدث ماليس موجوداً فيه موضوعياً.

 

- الإعلام والقرار السياسي

في الأنظمة الديمقراطية عموماً، تكون الحرية صنو الإعلام ورئته التي يتنفس منها، فمن طبيعة الإعلام الفاعل أن يكون مستقلاً بإعتباره سلطة رابعة، وعلى ذلك ينبغي ان لا يكون تابعاً بالمعنى المباشرلسلطتي القرار السياسي أو المالي.

في جانب التبعية السياسية، مازلت معظم التشكّلات السياسية العراقية من القوى والأحزاب والحركات، تسلك نهجاً متقادماً في رؤيتها للديمقراطية ضمن بنيتها الداخلية، فهي تنطلق إجمالاً، من قواعد ثابتة أسست دعائم نظرتها السياسية وحددت ثوابتها وإتجاهاتها في مجمل ما تمخض عنها من نتاجات طبعت الكثير من الحركات أو الأحزاب السياسية، وقد يكون لهذا علاقة بما يعانيه الفكر السياسي عموماً، فيما يخصّ مسألة الديمقراطية وحكم المؤسسات، حيث يمكن رصد تلك الظاهرة بقراءة إجمالية في نظم العلاقات واللوائح الداخلية لتلك الأحزاب والحركات.

ومع وجود تمايزات في منطلقات بعض القوى هنا وهناك، إلا أنها إلتقت في متجه واحد إنساقت مجاريه نحو المركزية، لذا فمن النادر أن يلحظ هناك من وضع مسألة اللامركزية هدفاً رئيساً لتوجهاته، بعيداً عن كونه في السلطة أم خارجها، على الرغم من ضخامة الشعارات المرفوعة في الأدبيات والخطاب، فإذا كان فصل السلطات يعتبر المرتكز الأساس في النظم الديمقراطية، فكيف يمكن لقوى سياسية في بلد ديمقراطي ان تنهج نهجاً مغايراً لذلك؟

الملاحظ ان الفصل بين السلطات ـ التشريعية والتنفيذية والقضائية، لايعني ان تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى، بل يقصد بذلك الفصل في التنفيذ والوحدة في الهدف، فالفصل هنا، يأتي في إطار حيوية العمل والأداء العام لخدمة المجتمع، لدى كلّ من هذه السلطات.

أما في القوى السياسية، فما زالت تنظر إلى الإعلام بإعتباره وسيلة دعائية عليه أن ينفّذ ما تقوله القيادات السياسية لهذا التنظيم أو ذاك، من غير ان تتطور الرؤية في ان للإعلام سلطته الخاصة التي تؤهّله لقيام علاقة تكافؤ وتفاعل مع القيادة السياسية، لاعلاقة تبعية وإحتواء، ما يجعل الإعلام مجرّداً من كلّ أسلحته اللازمة لنموه وتطوره، في الإبداع والفكر والمهارة، كما أسلفنا.

 

- الإعلام والمجتمع:

منذ ان كانت القبيلة تحتفل بولادة شاعرها حيث تعتبر أول قصيدة يقولها، هي ولادته الحقيقة التي يعرف بها متقدمة على ولادته البايولوجية، لعب الإعلام دوره المؤثّر في حياة المجتمع وتكوين ذائقته الأدبية.

كان الشاعر هو إعلام القبيلة ولسانها، ثم جاء دور الكلمة المكتوبة خطّاً على رقعة، فتنوع الإعلام بتنوع أغراضه ومراميه، من رسائل الولاة الى الخلفاء، التي تحمل الإخبار عما يدور من تطورات في ولاياتهم، الى تعاليم الخلفاء وأومرهم لولاتهم.

وحينما اكتشفت الطباعة، حدثت نقلة هائلة في وسائل الإعلام مع ظهور الصحافة التي ازدادت تبعاً لها، نسبة الأخبار والتقارير مختلفة الأغراض ومتسّعة المتلقّين.

الطفرة الأكثر حيوية وبعداً تأثيرياً، جاءت مع اكتشاف إمكانية نقل الأصوات عبر الأثير الى مناطق بعيدة تغطي مساحات شاسعة، فكان الراديو الذي اعتبر يومها ثورة حقيقية في الإعلام.

ثم اخترع التلفزيون الذي أتاح للمشاهد ان يتمتع بتلقي الصورة والصوت إضافة الى سرعة النقل، وصولاً الى البثّ الفضائي الذي ساهم بجعل العالم قرية كونية واحدة.

في كلّ ذلك التطور في وسائل الإعلام، كان التأثير الأكثر فاعلية يسلك اتجاهاً واحداً: من المرسل الإعلامي الى المتلقّي المتفاعل.

لكن التطور ذاته في وسائل النقل الإعلامي، ساهم كذلك في تطور وعي المتلقّي، الذي لم يعد مجرد وعاء يملأه المرسل بما يشاء من مادة إعلامية، بل أصبح المتلقّي عنصراً فاعلاً في التأثير بدوره على وسائل الإعلام، التي طورت نوع خطابها تبعاً لذلك، فأصبحت تتقيد بحيثيات يفرضها أحياناً طبيعة التلقّي سلباً أو إيجاباً.

وعلى ذلك تحولت العلاقة الإعلامية، لا بين مرسل ومتلقّ كما كانت في السابق، بل بين قطبين يتبادلان التأثير أحدهما بالآخر، وقد تراجعت الى حدّ كبير، ماكان يسمى بالدعاية الإعلامية التي تهدف الى الترويج بصياغات إعلامية تقدمها للمجتمع كحقائق ثابتة، وحلّ مكانها إعادة تشكيل للرسالة الإعلامية ذاتها، التي تحاول ابتكار وسائل أكثر تطوّراً وذكاءاً.

 

الخلاصة:

المثقف العراقي بصورة عامة، مازال يعيش أزمة كينونة، فهو يرى نفسه مظلوماً مهدور المكانة لم يأخذ مايستحقه كمثقف وسط مجتمع (جاهل) لايقدرّ الثقافة، لذا تزداد الشكاية والتظلم ومفردات القهر التي قد تظهر على شكل نفثات سلبية على بلده وشعبه ومن ثم يقارنه بغيره من البلدان فتكون المقارنات غالباً لصالح بلدان الآخرين.

اما تعاطيه مع الإعلام، فيمتاز بإزوادجية أو استعراضية، فهو يتحدث في مجالسه الخاصة، بشكل مختلف عما ينشره أو يقوله في الإعلام، خوفاً أو مراعاة أو تقديراً لظروفه الخاصة، كما أن جديده في الحديث يقل بكثير عن حرصه على الظهور في الإعلام أو التقرب من وسائله- كاتباً أو محللاً- وبالتالي يظهر التكرار في أقواله مما يجعله بشكل ما، خارج قوة التأثير التي قد يخلقها رأي صائب يتفاعل مع الحدث ويمنحه بعداً تحليلاً لايكتفي بالظاهر منه على السطح، بل يربط الحدث بما حوله وما فيه ليخرج بسبيكة متقنة من (التحليل السياسي).

أمام ماورد أعلاه، يمكن الاستنتاج ان تأثير المثقف العراقي، سيبقى محدوداً حتى أمد قادم، إلى ان تستطيع التجربة صقل أنماطها الثقافية المؤثرة، ولن يغير في الكثير وصول بعض المثقفين إلى مجلس النواب، إذ سرعان مايصبحون جزءاً من الإيقاع العام، ليضيع صوت المخلصين منهم وسط ضجيج (منظّم) أعلى من أصوتهم المنفردة والمبعثرة، لشعور كل منهم بأنه في موقع من يُستشار، لامن يستشير، وإن يؤخذ برأيه دون غيره .

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

abdulelah alsauqاحتراز قبل العرض: المقالة هذه ليست وصفة جاهزة لمنظومة مشكلات البرلمانيين العراقيين فهم الذين خربوا سمعة البرلمان العراقي والعراق البرلماني معا، والمقالة هذه لم تدعي - ي - ولا تدعي ولن تدعي انها تمتلك الحق والصواب معا فيما تطرحه، ومثل ذلك الادعاء لايدعيه سوى دعي، ولكنها اي المقالة هذه تدعي وبملء الفم انها مشاركة في القراءة تمتلك صدقيتي فيها، والمقالة هذه لاتناصب كل رموز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والاعلامية الكراهية،، ولاتطالب بالتجريم (والمقاضاة غير التجريم) والضوء والماء موجودان في احلك الحالات عتمة وفي أيبس المجالات الصخرية، ففي حقيقة كل حجر ماء وفي طبيعة اي نفق ضوء، وان اي موطيء قدم قد يواجه باحتمالات للزلق مهما تضاءلت (،،) . إ . هـ

 

عرض المقالة

المجتمع العراقي ليس منظمة خيرية، حتى نتخيله بإطار غريب عن واقعه، كما انه ليس منظمة إرهابية حتى نغرِّب صورته في الصعيدين المحلي و العالمي،واذا كان الخير سجية فيه فإن التنظيم - بسبب الظروف السياسية التي مرت به - ابعد شيء عن سجيته،، .. وحين اسقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ... سقط التمثال بسرعة عجيبة لكن قاعدة التمثال لم تسقط وقد تشاءم بعض الكتاب المعروفين مثل الدكتور احمد النعمان الحيالي نور الله ثراه، وغب سقوط النظام البعثي 9 ابريل 2003 كتب الحريصون على الديموقراطية في العراق مقالات استباقية حذروا فيها من خوض لعبة الاقتراع،ومسوغ تحذيرهم ان الوعي الجمعي العراقي قد انحدر الى الحضيض ولن يكون في صالح الديموقراطية على اي حال لأن التجهيل حل محل التوعية والاذلال صار بديلا من الكبرياء، كانت حجة اولئك الكتاب ان الديموقراطية ثقافة وان صندوق الاقتراع ان لم تتوفرله أو فيه الاشتراطات الغربية كما في بريطانيا مثلا وفرنسا وامريكا وسويسرا واسكندنافية فان العاقبة ستكون وخيمة ومأساوية معا، اورد للقاريء الكريم حكاية تجعل نبض القلب مضطربا : كنت ضمن ركاب الطائرة التي تقلنا من كازابلانكا الى عمان، كان ذلك صيف 1997 وفي الطريق تعرفت على عائلة مغربية قوامها اب وام في السبعينات من عمريهما ومعهما ابنهما في العشرينات من عمره وكان يبدو عليه المرض الشديد من النحول الزائد الى صفرة الوجه الى سكرات الغيبوبة ومن خلال التعارف والحديث علمت ان العائلة المغربية كانت تقصد العراق، فسألت الاب ان كان لديهم معارف في العراق او عمل قال لا، وحين استغربت همس لي الأب ان ابنه مصاب بكليتيه وهما بحكم التالفتين ولابد من استبدالهما او في الاقل استبدال واحدة، وسمعنا ان هناك في العراق من يبيع كليته بمئتي دولار وهكذا انتعش املنا في ان يبقى ولدنا على قيد الحياة، فاخفيت عن العائلة المغربية ارتباكي وصرخت في سري واذلاه واعراقاه، صدام حسين وطبقته المتنفذة وقتذاك اوصلوا العراق الى هذا الدرك، وعزفت نفسي عن التعاطي مع العائلة المغربية وتناومت حتى وصلنا عمان وتركت الطائرة والمطار وكابوس ان يبيع بعض ابناء جلدتنا من العراقيين كليته بورقتين كان يشوش بالي، ولنعد الى الموضوع فنتساءل اذا كان النظام السابق قد نجح في تجويع العراقيين وتهوينهم وتجهيلهم ثم سقط هذا النظام فجأة بأكف غير عراقية وبدبابات اطلسية وكنا نشهد من شاشة التلفاز عمليات السلب والنهب وربما القتل العشوائي نشهد الفرهود عند جهلة العراقيين وسفلتهم، فهل من الجائز اجراء انتخابات في مجتمع مخرب استطاع صدام وطبقته تخريبه لفترة ثلاثة عقود ؟؟،، ان الدعوة الى انتخابات عاجلة بدت غريبة بالنسبة للعقلاء وكانت مسوغاتها زعما يفتقد الى حذق التسويغ، فكيف نطرد الاطلسيين وهم الذين انقذونا من صدام حسين (كذا) وكيف يحتلون العراق ببساطيل جنودهم ونطردهم نحن بصندوق الاقتراع؟ واين المجتمع الموحد الممنع المحصن كي ينتخب مرشحه دون تزوير وبيع الذمم، كنا نحذر من التعجل في شرعنة مجلس الحكم بزعامة القائد الامريكي بريمر، لكن الاندفاع نحو صناديق الاقتراع كان على اشده فالجماهير عطشى للديموقراطية ولو بصندوق مرتبك، وهو امر دبر بليل ففاز من فاز وفشل من فشل، لكن صندوق الاقتراع لم يقدم لنا الديموقراطية على طبق من ذهب ولا على طبق من طين، فالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والاعلامية لم تكن لتعمل منسجمة، ونحن لانتكلم عن اداء السلطة التنفيذية وحدها فقد عملت جهات كثيرة على تعطيل خارطة الطريق ووضع المعوقات لعمل دولات الرؤساء الدكتور اياد علاوي و الدكتور ابراهيم الجعفري والسيد نوري المالكي، وضع المعوقات من لدو مجلس النواب الى مجلس القضاء الى مجلس رئيس الجمهورية فضلا عن وجود خلل (قيادي) لدى المكون الشيعي والسني والكوردي، ولسوف نقف عند الموت السريري للبرلمان العراقي، وها نحن اولاء مع شطر غير قليل من النواب العراقيين الذين باتوا مثالا في الابتزاز واللامبالاة، المجلس منعقد وبعضهم مثلا مثلا جالس في كافتيريا البرلمان او نائم في بيته او ذاهب الى العمرة للمرة العاشرة او مسافر الى خارج العراق للمرة المئة، نواب يأكلون مع معاوية ويصلون مع الحسن، ولاؤهم لأحزابهم وطوائفهم ومناطقهم بينما ديدنهم كان مصالحهم الشخصية والفئوية، لايلتقون مع جماهيرهم ولا يلتفتون الى الشأن العراقي بجدية،

 

والسؤال هو لماذا هرعنا الى آلية البرلمان الغربية، ونحن نتاج تربية شرقية متخلفة؟

357-saeqومهما يكن فما فات فات وكل ماهو آت آت،ولسوف اعزز وجهة نظري فإن عليَّ ان اقتبس فقرة من مذكرات الاستاذ الدكتور عدنان محمد سلمان الدليمي وهو سياسي معروف ، ففيها دلالات على فساد المروءة في العراق، وانا اقتبس من الجزء الاول بعنوان آخر المطاف سيرة وذكريات طبعة دار المامون في الاردن 2012 ص197 وبعدها، واذا اعترض معترض على اقتباسي قائلا ان الدليمي يمثل تيارا حتى داخل المكون السني فإن الجواب هو ان اقتباسنا سيظهر اتهام الدليمي لبعض الرموز من المكونين الشيعي والسني الذين يتآمرون على بعضهم البعض طمعا في المال والجاه والسلطة، ذكر الدليمي اسماء شيعية فاوضته سرا على ان تتواطأ معه وراء ظهر رفاقهم من الشيعة والحال نفسه منطبق على المكون السني، بل ان حنق الدليمي في اساسه كان على خيانة بعض الرموز السنية لبعضها البعض كما فعل مثلا الدكتور طارق الهاشمي مع رفيقه الدليمي فقد ذكر الدليمي مؤامرة دبرت ضده من الهاشمي استعملت فيها اسلحة قذرة - كذا - قال الدكتور عدنان الدليمي في مذكراته (.. وظهرت النتائج الاولية للانتخابات تشير الى تفوق الجبهة فارسل الى الدكتور ابراهيم الجعفري مندوبين هما الدكتور سعيد اسماعيل حقي والسيد عدنان الكاظمي وعرضا علي التعاون وقدموا تنازلات وكان هناك صراع مكشوف بين الجعفري والمالكي واراد الجعفري ان اقف معه في صراعه مع نده وشريكه في حزب الدعوة وعرض علي ترشيحي لمنصب متقدم في الحكومة المنوي تأليفها وفق المحاصصة الطائفية فرفضت العرض واتصل بي ايضا ممثل عن سماحة السيد عبد العزيز الحكيم وعرض علي التعاون وكنت يومذاك امثل ابناء السنة ولم يكن هناك صوت لأي من قيادات اهل السنة يعلو صوتي وقامت مظاهرة حاشدة تقدر بمليون متظاهر في الشوارع الاربعة من مدينة اليرموك محتجة على نتائج الانتخابات وكانت جميع الاستطلاعات تؤكد فوز جبهة التوافق بمقاعد تفوق العدد الذي اعلنته مفوضية الانتخابات وهو اربعة واربعون مقعدا وكانت الجماهير تهتف باسمي قائدا لهم وقفت في شرفة احد بيوت الحي المطلة على المظاهرة ومعي الاستاذ طارق الهاشمي والشيخ خلف العليان والدكتور ظافر العاني فخاطبت الجماهير وهنأتهم بفوز الجبهة وطلبت منهم الا يهتفوا باسمي ولا باسم اي شخص وانما عليهم ان يهتفوا للعراق ولوحدة العراق وسيادته ولجبهة التوافق ولما انفض التجمع عدت الى منزلي وفي اليوم التالي خرجت مسيرات حاشدة طافت بغداد ووقفوا امام بيتي مبتهجين بالنتائج الاولية للجبهة ثم انصرفوا وتوجهوا الى الحزب الاسلامي وكنا نامل ان نحصد ما يقارب من ثمانين مقعدا ولما ظهرت النتائج كانت مقاعدنا اقل من ذلك فأثير لغط بان هناك تزويرا وقع من قبل الامريكان لان امر الاشراف على الانتخابات كان بيدهم وفازت الجبهة التي يرأسها الدكتور صالح المطلك بـ 11 مقعدا وكان الدكتور صالح المطلك قد رشح نفسه عن بغداد ولم تفز قائمته في بغداد بأي مقعد ثم رشح الى مجلس النواب عن طريق المقاعد التعويضية التي وزعت على المقاعد الفائزة وبدات الكتل السياسية تعقد مشاورات وجلسات تفاوضية لاختيار رئيس مجلس النواب واختيار رئيس الجمهورية ومن ثم اختيار رئيس مجلس الوزراء ونواب هذه المناصب الثلاثة وتم الاتفاق على ان ترشح جبهة التوافق رئيس مجلس النواب ونائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير التعليم العالي ووزير الثقافة ووزير التخطيط ووزيرة المرأة ووزير الشؤون الخارجية وتم الاتفاق بيننا على ان يرشح الاستاذ طارق الهاشمي رئيسا لمجلس النواب وأرشح انا نائبا لرئيس الجمهورية ويرشح الشيخ خلف العليان إما وزيرا للدفاع بكونه ضابطا سابقا احيل على التقاعد ايام حكم الرئيس السابق صدام حسين او يعين نائب رئيس الوزراء وتم الاتفاق بين الكتل السياسية على اختيار مام جلال الطالباني رئيسا للجمهورية واختيار جواد المالكي الذي تبين عندذاك ان اسمه نوري رئيسا للوزارة بعد ان تفوق على الدكتور ابراهيم الجعفري في انتخابات الكتل الشيعية والذي رجح كفته تاييد الصدريين له وفي احد الاجتماعات مع الكتل السياسية في منزل مام جلال وكان السفير الامريكي حاضرا وجميع ممثلي الكتل الشيعية والكوردية حاضرين وكنا انا والاستاذ طارق الهاشمي حاضرينِ قال الاستاذ طارق الهاشمي: إن الكتل الشيعية لم توافق على اسناد منصب رئيس مجلس النواب اليه ولهذا يطلب ان يسند اليه منصب نائب رئيس الجمهورية فالتفت اليَّ مام جلال والحاضرون وطلبوا رأيي لأن الأمر كان محسوماً باتفاق الجميع على ان يسند إليَّ هذا المنصب، فسألت نفسي وقلت لها : نحن امام خصوم واعداء يفرحون اذا اختلفت كلمتنا، فلم اتردد عن الموافقة رغبة مني في وحدة صف الجبهة، فأعجب الجميع بتنازلي دون جدل او غضب، وقلت لهم إذن يجب ان يسند إليّ منصب رئيس مجلس النواب فأبدى الجميع موافقتهم ثم خرجنا لأداء صلاة العصر انا والاستاذ طارق الهاشمي فقال لي ونحن في الطريق انا سأساندك في اسناد رئيس مجلس النواب اليك ونشرت وسائل الاعلام يومذاك اختياري رئيسا لمجلس النواب وبعد يوم او يومين ذهبت الى مقر الحزب الاسلامي فدعاني الدكتور علاء مكي للحضور الى قاعة اجتماع الحزب فاستجبت بعد الحاح شديد منه فلما دخلت القاعة وجدت اجتماعا للجبهة ولم يكن لي علم به ولا ادري لم عقد الاجتماع اذ لم يخبرني احد به اذ جئت الى مقر الحزب صدفة فاذا سبب الاجتماع هو اجراء تصويت على انتخاب رئيس مجلس النواب ونحن في الجبهة لم نعقد اي اجتماع يخص انتخاب توزيع المناصب المسندة للجبهة بل كان يتم ذلك وفق تشاورات بين قادة الجبهة ووزعت الاوراق لاجراء الانتخاب وكان يجلس على يميني الاستاذ طارق الهاشمي فقال انظر الى ورقتي سارشحك فقلت له انا لا انظر الى ورقة اي شخص ثم اعلن عن التصويت وكان المرشح لهذا المنصب انا والدكتورمحمود المشهداني عن مجلس الحوار فاذا الاواراق الاولى كلها لصالح المشهداني فقلت في نفسي لعل ذلك لان هذه الاوراق اوراق اعضاء مجلس الحوار ثم توالى الكشف عن بقية الاوراق وكلها ترشح الدكتور المشهداني الا اوراق قليلة جدا لا تتجاوز اربع او خمس ترشحني فكانت النتيجة ان فاز بالاقتراع المشهداني فقمت وخرجت من القاعة مخذولا وكلي اسف والم على هذا الموقف من نواب الحزب الاسلامي كيف يفضلون شخصا مغمورا انذاك ولا اثر له في الحملة الانتخابية على شخصي الذي اسهم بنجاح الجبهة وبذل جهودا جبارة والناس كلهم يؤمنون ان جهودي وسمعتي في المجتمع السني هي التي اوصلت الجبهة الى ما وصلت اليه وانا وان لم اكن من المشاركين في الحزب الاسلامي لكن كنت من المساندين له والواقفين في وجه خصومه فضلا عن اني اعمل في حقل الدعوة الاسلامية منذ كنت شابا يافعا واسهمت في نشردعوة الاخوان مدة لاتقل عن خمسين سنة وان كنت قد تركت علاقتي التنظيمية في الحركة منذ خروجي من العراق الى الاردن سنة 1994 وكثير من العاملين في الحقل الاسلامي وحتى في حركة الاخوان يظنون اني مسؤول الحركة خاصة اني اسهمت اسهاما عظيما في ادامة الحركة واحيائها بعد ان اوشكت ان تتوقف بعد حل التنظيم سنة 1971 من قبل المراقب العام للاخوان الدكتور عبد الكريم زيدان وكان باستطاعتي ان اكشف عن هذه المؤامرة التي اتفق فيها الحزبان الاسلامي ومجلس الحوار على اقصائي واختيار الدكتور المشهداني ولكنني كظمت غيظي ولم اثر اي زوبعة اعلامية حرصا مني على وحدة الجبهة ووحدة صف اهل السنة وجرى التصويت في البرلمان على ترشيح الدكتور المشهداني دون منافس فتم انتخابه ولا اريد ان اتكلم على فشل الجبهة في هذا الاختيار فالشعب العراقي يقدر مدى فشل الجبهة في ذلك حتى اصبح كثير من الناس يقرنون هذا الاختيار الهزيل بنحكمة المهداوي ابان حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، ولما لم يتم اختياري رئيسا لمجلس النواب الزمت الجبهة بان ارشح احد قادة المؤتمر وترشح لهذا المركز اثنان هما الدكتور سلام الزوبعي والدكتور ظافر العاني فتم اختيار الدكتور سلام الزوبعي وكان بحسب الاتفاق مع الكتل السياسية ان يتولى نائب رئيس الوزراء متابعة الخدمات والملف الامني في مجلس الوزراء ولكن لم ينفذ هذا الاتفاق من قبل رئيس مجلس الوزراء فيما يخص الملف الأمني واقتصر عمله على متابعة الخدمات وهذا مما جعل الحكومة تتمادى في محاربة ابناء السنة وتكثف من حملة الاعتقالات في صفوفهم بحجة محاربة الارهاب استغلالا فضيعا واستطاعت ان تحتوي وزير الدفاع وتبعده عن الذين وافقوا على اختياره وزيرا ممثلا لابناء السنة في حكومة المالكي .. إ. هـ ص 201) لقد اضطرت مقالتي الى التمادي في الاقتباس من مذكرات الدكتور عدنان الدليمي لكي يتضح النفس غير الطبيعي في التنافس على المناصب في الحكومة او البرلمان لكي نتوصل الى ان الهاجس الرئيس ليس خدمة المكون الشيعي او السني بل الهاجس هو الوصول الى رياسة البرلمان او عضويته ولو بالتآمر داخل المكون الواحد، ولهذا بدا اداء المجلس النيابي هزيلا ومدعاة ليأس العراقيين من جدوى المجلس في خدمة مصالح الجماهير بوصف السلطة التشريعية هي الأهم بين السلطات لأنها تشرع وتراقب اداء الحكومة معا، فإذا كانت مذكرات الدكتور الدليمي مبكرة على نحو ما فكيف لنا ان نقيم اداء مجلس النواب الذي اصبح عبئا على الحاكم والمحكوم ؟

 

خلاصة المقالة ومقترحاتها

اولا / ايقاف الانتخابات البرلمانية لمدة مناسبة - عشر سنيهات مثلا - حتى تستقر الاوضاع المرحلية الاجتماعية: الامنية والمعيشية والتربوية .

ثانيا / إحالة النواب العاطلين الذين قفزوا الى كراسيهم في غفلة من الزمكان العراقي والاقليمي والعالمي، ممن تسنموا رواتبهم (الفخمة جدا) وومن تحصلوا على تقاعد (مفرط في النهم) دون مؤهل لهؤلاء المتبرلمين او وجه حق او كفاءة، إحالتهم على القضاء لاستحصال المال السحت الحرام من مدخراتهم المنقولة وغير المنقولة، مهما بيضوا اموالهم وغسلوا، واسترجاع ما غنموه من الحق العراقي وبأثر رجعي ، ومثل هذا القرار يتخذ مع الوزراء العاطلين وما اسبغوء على عاطلين مثلهم خارج العراق من مثل السفارات والقنصليات والملحقيات كافة ومن نحو ممثلي العراق في الامم المتحدة والمؤسسات العالمية .

ثالثا / تطبيق شريعة من اين لك هذا مع المشبوهيهن من السياسيين حكاماً او نوابا او قضاة او مشرفين على وسائل اعلامية مؤثرة ومن يثبت تمويله المالي او اللوجستي او الايديولوجي من السعودية او قطر او ايران او اية جهة دولية مسلمة او غير مسلمة مثلا يحال الى القضاء بتهمة الخيانة العظمى ومن تثبت براءته فعلى الرأس والعين .

رابعا / تشكيل مجلس بديل عن المجلس النيابي قوامه أعيان المجتمع من داخل العراق وخارجه مثل الخبرات العلمية والتكنوقراطية والسياسية ولا يهم الاسم كأن يسمى مجلس الانقاذ او الاعيان او الحكماء ويفضل غير الحزبي على الحزبي، وغير المرتبط مع اي ولاء غير عراقي .

خامسا / تكون اية حكومة مع الاجراءات التي اقترحناها او غبها حكومة تصريف الأعمال .

سادسا / ايقاف الطفح الاجتماعي الذي كان همه سرقة المال العام وتعطيل الحق العام فانضوى تحت مظلات من مرجعيات وشخصيات الاسلام السياسي مع تعزيز وتفعيل دولة المؤسسات المدنية .

سابعا / الغاء المواد المقحمة في المناهج الدراسية من الابتدائية حتى الجامعية وايلاء العلماء والمربين وذوي النظر الهاديء شجون وضع المناهج البديلة .

ثامنا / تطهير الدوائر المدنية الحكومية بما فيها الجيش والأمن والشرطة من الغلاة في التيارات القومية العنصرية والدينية المذهبية والمناطقية التخريبية .

تاسعا / بما ان دولة الدكتور اياد علاوي الذي فازت قائمته على قائمة دولة رئيس الوزراء وكان عليه حين لم يمكن من السلطة التنفيذية ان يشكل معارضة داخل مجلس النواب بما انه تخلى عن حقه كفائز ولم يعمل بمبدأ المعارضة الديموقراطية فيمكن تشكيل مجلس معارضة من الخبراء المشهود لهم بالوطنية والموضوعية من عراقيي الداخل والخارج او من عراقيي الداخل سيان،لتفعيل دور المعارضة لتأسيس ثقافة المعارضة البناءة البعيدة عن الدم والهدم .

عاشرا / فصل الاعلام عن قبضة السلطة التنفيذية والاعتراف بالاعلام سلطة رابعة لكي يسهم في تربية الوعي الوطني والمؤسساتي .

احد عشر / عمل مصالحة بين مكونات الوطنية العراقية مصالحة جادة ولابأس من اشراك جهات من مؤسسات الحق المدني العالمي لرأب الصدوع الوطنية .

اثنا عشر / العمل فورا بتحويل المحافظات العراقية الى ولايات والعمل بخارطة طريق توصلنا الى مشروع الولايات المتحدة العراقية الذي اقترحناه قبل 2003 .

ثلاثة عشر / العمل بمبدأ تقسيم الميزانية العراقية على الولايات العراقية بالتساوي والنظام والكف عن تقسيم الميزانية وفق المحاصصات العنصرية والمذهبية والحزبية فكل العراق لكل العراقيين .

اربعة عشر / وضع دستور عراقي جديد كثمرة لجهود خبراء عراقيين منزهين وخبراء ديموقراطيين معروفين مع انتقاء فقرات من دساتير العالم المتحضر المتمدين نحو سويسرا وبريطانيا وفرنسا تناسب حلمنا الديموقراطي وواقعنا دون الاساءة الى التقاليد العراقية والمواريث العقدية، وليكن حلم الدستور العراقي الجديد ارساء حجر عراق المؤسسات الوطنية الذي يساوي بين العراقيين من حيث الذكورة والانوثة والطفولة والشيخوخة يساوي بين القوميات واللغات والطوائف والمناطق، دستور يشجع الفنون الجميلة والثقافة الراقية لتكوين حضارة الواقع بصرف النظر عما كان وسيكون فالمراد تحديدا ماهو كائن، وينتصر لارادة الحياة والفرح .

ستة عشر / عطفا على مافات الغاء وتجنب اي فقرة دستورية ملتبسة مثل النزاعات غير الانسانية بين الولايات العراقية على مساحات البشر والتراب العراقيين كما الآن، مع التنصيص على ان تهشيم الوطن العراقي لاينسجم مع الحلم الفدرالي الديموقراطي والتنصيص على ان الفدرالية الجيوساسية تشيح وجها عن الكونفدرالية المقيتة، وصناعة حضارة العراق الواحد والشعب الواحد والكف عن التهديد بالانفصال عن العراق الكبير .

سبعة عشر / والتوكيد على ان التطرف لاينطبق فقط على المتأسلمين فهو يشمل المتطرفين ايضا تحت عنوانات العلمانية واللبرالية واليسارية، فنحن ضد التطرف والعمى اينما يكون وتحت اية يافطة يتكردس كما ينبغي التوكيد على فك الارتباط بين العشائر ورؤسائها وبينهما وبين السلطات، فالفكر العشائري كمثل الفكر الصحراوي فكلاهما ظلامي كارثي بمقياس تسعة رايختر .

ثمانية عشر / اي مقترح يضيفه القاري الكريم والعراقي الصميم فليس لأي كاتب ان يتوفر ماكتبه على الكمال .

تسعة عشر / اي مقترح او ديباجة في مقالتنا هذه يمكن ان يمحوهما القاري الكريم والعراقي الصميم دون ان يضير ذلك في النوايا، فليس لأي كاتب ان يتوفر فيما ماكتبه على العصمة من السهو والغلط والمبالغة، ونسب إلى العماد الأصفهاني ت 597 هـ قول جميل : انِّي رَأَيتُ أَنَّهُ لاَ يَكْتُب أَحَدٌ كِتَاباً فِي يَومِهِ إِلاّ قَالَ فِي غَدِهِ، لَو غُيِّرَ هَذَا لَكَانَ أَحْسَن، وَلَو زِيدَ هَذَا لَكَانَ يُسْتَحسَن، وَلَو قُدِّمَ هَذَا لَكَان أَفْضَل، وَلَو تُركَ هَذَا لَكَانَ أَجْمَل، وَهَذَا مِن أَعْظَمِ العِبَرِ.

 

عبد الاله الصائغ / متشيغن المحروسة

السابع والعشرون من مارس آذار 2014

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

adnan oayeedفي المفهوم:

أولاً: في مفهوم المثقف: هل المثقف هو الباحث والمفكر في الشؤون السياسية والاجتماعية والفكر المجرد عموماً؟، أم هو الأديب والفنان والفيلسوف بكل ما تحمل هذه المفردات من دلالات؟، أم هو الأستاذ الأكاديمي المتخصص في أحد العلوم الإنسانية أو العلمية؟، أم هو كل هؤلاء انطلاقاً من موقعه الاجتماعي والسياسي والوظيفي والأكاديمي؟.

يقول غرامشي في مفهوم المثقف قياساً لما جئنا عليه هنا: إن مفهوم المثقف أوسع من ذلك بكثير، فالمثقف عنده، هو كل إنسان يمتلك رؤية معينة تجاه المحيط الذي يعيش أو ينشط فيه، لأن الثقافة في عرفه ليست مهنة، ولا معياراً يقسم المثقفين إلى طبقات وظيفية. وهذا التعريف برأيي صائباً من الناحيتين المنهجية والوظيفية معاً للمثقف العضوي، وأن هناك الكثير من المفكرين والمنظرين ممن يلتقي مع هذا الفهم الذي تقدم به غرامشي للمثقف، مع اعتقادي أيضاً بإمكانية النظر إلى المثقف بشكل عام وظيفياً ومنهجياً من باب التخصص الأكاديمي أيضاً .

عموماً نستطيع القول في هذا الاتجاه: إن المثقف من الناحيتين المنهجية والوظيفية هو من امتلك وعياً اجتماعياً وسياسياً ومهارات إبداعية خلاقة، وقدرة على توظيفها في المجتمع وقضاياه تحليلاً وبناءً، وذلك وفقاً لمصالح قوى اجتماعية محددة. وهذا بالتالي ما يدفع إلى نمذجة المثقف قيمياً من الناحية النظرية والعملية، ما بين مثقف سلبي، يمثله المثقف الانتهازي والوصولي والمتعصب والمهاتر، وكل من يقف ضد مصالح المجتمع، وآخر إيجابي يمثله أنموذج المثقف، الملتزم بتنمية المجتمع وتطويره ويأتي في مقدمته المثقف العضوي.

ثانياً: في مفهوم السلطة: أيضاً تعددت الآراء والمواقف الفكرية حول مفهوم السلطة أو تعريفها، بيد أن جل ما جاء حول هذا المفهوم كان يشير إلى أنها - أي السلطة - الدولة أو الحكومة، أو هي القوة المنتمية إلى النظام الرسمي ألدولاني المؤسساتي، ممثلة بالقوى الحاكمة، التي تستطيع أن تهيمن على حياة ومقدرات الشعب، وتفرض الجزاءات بسلبها وإيجابها على أفراده، عبر مؤسساتها التنفيذية والقضائية والتشريعية .. الخ . أو بتعبير آخر: هي وسائل مادية ومعنوية تمتلك في جوهرها قوة إخضاع للفرد والمجتمع سلباً أو إيجاباً، وفقاً لرغبة ومصالح منتجها وحاملها الاجتماعي، انطلاقاً من الفرد، ومروراً بالطبقة، وصولاً إلى المجتمع ككل.

إذاً، وفقاً لهذا المعطى، نجد للدولة سلطتها، وللمجتمع سلطته، وللطبقة سلطتها، وللفرد سلطته. فسلطة الدولة تتجلى في أيديولوجيتها وفي قوانينها وأنظمتها وشخص الحاكم والطبقة الممثلين لها. ففي المجتمع مثلاً، تتجلى في تقاليده وأعرافه، وكذلك في سلطة عشيرته وقبيلته وطائفته، كما تتجلى السلطة في قوة ومكانة شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة، وفي الثقافة تتجلى السلطة في إبداعات الفنان والأديب والفيلسوف، وفي الإعلام، بما يسوقه هذا الإعلام لهذه القوى الاجتماعية أو تلك من مشاريع فكرية أو أيديولوجية ..الخ .

أمام كل هذه المعطيات، تأتي مسألة دور المثقف وتعقيداته في بِنْيَةِ هذه الدولة (السلطة). وربما الأسئلة التي سنطرحها على أنفسنا أدناه تشير أو تدل على عمق الإشكالية ذاتها:

1- هل كل مثقف يعمل مع السلطة الحاكمة، في إعلامها ومؤسساتها الثقافية بحكم عمله الوظيفي الرسمي الذي تفرضه شهادته العلمي ومهاراته ولقمة عيشه، هو مثقف سلطة بمفهومها السلبي؟. أي هو مثقف انتهازي ووصولي؟.

2- هل كل مثقف من خارج السلطة، ويعمل على تحليل بنية الدولة تحليلاً عقلانياً، ويشير إلى محطات تخلفها وسلبيات عمل حواملها الاجتماعية إيماناً منه بتقدم هذه الدولة والنهوض بها، هو مثقف معارض ويعمل على إسقاط الدولة والتآمر عليها مع الخارج؟ .

3- هل كل مثقف يحمل أو يؤمن بآيديولوجيا تتفق مع سياسة الدولة، أو مخالفة لأيديولوجيتها، هو مثقف سلطة، أو هو معارض متآمر إن كان مخالفاً؟ .

أعتقد أن هذه الأسئلة حيوية ومشروعة، وتتطلب منا الإجابة عليها في الوقت نفسه.

إن مسألة تحديد مَنِ من المثقفين يدخل في خانة التآمر والخيانة على بلده وشعبه، مسألة ليست بحاجة لكثير من العناء حتى ُتحدد، فكل من ينتج أو يتبنى ويسوق بوعي وإرادة قائمتين على معرفة مُسَبَقَةٍ، فكراً معادياً لوطنه قد طرحه عدو بلده، أو يلتقي معه بهذا الشكل أو ذاك في الطرح فهو خائن ومتآمر، وبالتالي من البداهة أن نقول أيضاً في هذا الاتجاه: إن كل من يشجع المستعمر على احتلال بلده أو تجويد صورة المستعمر واعتباره منقذاً لوطنه، فهو خائن ومتآمر. ثم أن كل من ينتج ويسوق لفكر يدعو إلى تفتيت اللحمة الوطنية والقومية، كأن يدعو إلى الطائفية والمذهبية أو العشائرية أو القبليّة، فهو أيضاً متآمر على وطنه. وكذلك كل من ينتج ويسوق لفكر أصولي جمودي (وثوقي) أو امتثالي أو أسطوري أو تغريبي أو استبدادي يساهم في ظلم أفراد المجتمع وتجهيلهم وعدم السماح لتطور المجتمع والدولة، فهو خائن ومتآمر. وأخيراً أن كل مثقف يعمل على محاربة الفكر التنويري والعقلاني ويبخس أي إنجاز تقدمي تفرضه ضرورات الحياة، كتحرير المرأة، وتشجيع الفن، ومحارب القيم والعادات والتقاليد البالية.. الخ، فهو بالضرورة خائن ومتآمر على وطنه ودولته. هذه برأي هي سمات وخصائص المثقف المتآمر والخائن لوطنه وشعبه. بيد أن هناك مثقفون آخرون وضعيون يعملون لخدمة الدولة، وهم يدعون فكرياً إلى العلمانية والليبرالية والتقدمية، مثلما هناك رجال دين ومشايخ وفقهاء يعملون أيضاً تحت خدمة مؤسسات الدولة ويروجون للفكر الديني الذي تتبناه هذه الدولة، قد يدخل هؤلاء جميعاً تحت إسم المثقف الانتهازي والوصولي والمهاتر، على اعتبار أن ما يؤدونه من وظائف ثقافية للدولة أو القوى الحاكمة، حيث لا يهم من تأدية هذا الدور إلا تحقيق مصالحهم الشخصية فقط، إذ تقتصر وظيفتهم هنا على تجويد القوى الحاكمة من خلال مواقع عمل رسمية تكلفهم بها الدولة والسلطة الحاكمة من أجل هذه الغاية، في الوقت الذي تعرف فيه الطبقة الحاكمة أن معظم هؤلاء لا تجد عندهم من الناحية المنهجية والمعرفية أي موقف استراتيجي ثابت سوى التطبيل والتزمير لها ولغيرها. وبالتالي انطلاقاً من إيمان هؤلاء أشباه المثقفين، بأن مسألة التعاطي مع الثقافة ليست أكثر من كونها وظيفة سلطوية، وهي لا تستقيم مع شرف الكلمة، وأن أكثر ما يطمحون إليه في ممارستها غواية مادية ووجاهة ورفاهية، مع معرفتهم المسبقة بأن ما يقومون به سيفاقم من مأساة الواقع وثقل معاناته على المواطنين. هذا مع معرفة السلطة أيضاً بالنتائج الكارثية المترتبة على هذا التناغم بينها وبين هؤلاء أشباه المثقفين، إلا أنها غالباً ما تكون بحاجة في فترات معينة من تاريخها لمثل هؤلاء المثقفين المطبلين المزمرين، الذين تُكسبهم السلطة صفة المعرفة لتبرير سياسات لها، ولكن الخطورة أن الاستمرار في الاعتماد على مثل هؤلاء الانتهازيين من المثقفين، سيشكل ظاهرة ثقافية لا يعود من السهل القضاء عليها أو تجاوزها، وأن القوى الحاكمة ذاتها بسبب شهوة السلطة وممارستها اللاعقلانية تصبح بحاجة ماسة دائمة لمثل هؤلاء المطبلين والمزمرين.

بيد أن المأساة في ذلك، هي أن هؤلاء المطبلين، يصلون بدورهم إلى مرحلة يعتقدون فيها أنهم وحدهم من يحق له أن يقود العملية الثقافية وحتى السياسية والتنظير والتخطيط لها في الدولة والمجتمع.

 

المثقف القدوة:

أخيراً نقول حول المثقف القدوة، أو المثقف العضوي على حد تعبير "غرامشي": إن المثقف القدوة هو المثقف الذي استطاع منهجياً ووظيفياً أن يمتلك القدرة النقدية في التعامل مع الواقع تحليلاً وتركيباً، لمعرفة الكثير من معوقات تقدمه، وعوامل نهضته، والأهم هو ما ينتجه هذا الواقع من تخلف على كافة المستويات. وبالتالي غالباً ما يشكل هذا المثقف جزءاً من التركيبة الثقافية في بلده، حيث يساهم هنا وهناك بنشاطاتها، إن كان من خلال عمله الوظيفي الرسمي، أو من خلال مؤسسات ثقافية أهلية، وذلك إيماناً منه بضرورة التأسيس لوعي وثقافة عقلانية وتنويرية في وطنه، يمكن نشرها عبر ما هو متاح له من وسائل ثقافية تسمح بها ظروف نشاطه الثقافي والفكري، وقد كان من بين هؤلاء المثقفين من شكل أحزباً سياسية لعبت دوراً هاماً في حياة المجتمعات، أو من نظر لخلق أيديولوجيات قومية ووطنية مشبعة بالحس الإنساني، ومنهم أيضاً من ساهم في تطوير الكثير من الأنساق المعرفية والإبداعية في الفلسفة والفن والأدب وكان من المشاركين في السلطة أو أحزابها .

 

كاتب وباحث من سورية

يُشتق مفهوم المثقف من مصطلح الثقافة، والأخير ينتمي إلى ذات الحقل الدلالي الذي ينتمي إليه مفهوم الحضارة، لكن الثقافة مرتبطة بالدور الفردي، في حين أن الحضارة مرتبطة بالدور الجماعي الأممي[1]. فللمثقف وظيفة فردية إبداعية، ومفهومه من المفاهيم الحديثة التي شهدت الكثير من إختلاف الآراء وتباينها. إذ يُقصد به تارة مَن له العمل الفكري في قبال الأعمال اليدوية، وهو بهذا يشمل أهل الإختصاص وغيرهم من ذوي الإهتمام بالقضايا العلمية والمعرفية. كما يُقصد به تارة ثانية ذلك الذي يحمل معارف وعلوماً ذات علاقة بقضايا المجتمع العامة. فالطبيب والمهندس والفيزيائي وغيرهم من ذوي الشهادات العلمية الطبيعية لا يعدون من المثقفين، بينما يعد الفقهاء ومنتجو الآراء والأفكار السياسية ومن على شاكلتهم ضمن هذه القائمة، إذ لهم معارف عامة ذات علاقة بقضايا المجتمع. والبعض يرى أنه لا بد للمثقف من عنصرين تكوينيين: أحدهما الدرجة العلمية العالية، كشهادة الدراسات العليا التي تجعل من الدارس يمتاز بمعرفة مميزة. والثاني المعرفة الحديثة المعتمدة على العلوم والآداب الحديثة، وأُشرط لذلك أن يكون المثقف حاملاً للغات الأجنبية لأهميتها البالغة؛ بإعتبارها لصيقة بتلك المعارف ومدخلاً لها، أو على الأقل ‹‹التعلق بقراءة المترجمات››. وهذا يعني أن الفقيه والعالم الديني لا يعدان من ذوي الثقافة؛ لافتقارهما للعنصر التكويني الثاني عادة[2].

والواقع نحن إزاء ‹‹كائن›› يتصف بمواصفات موضوعية نطلق عليه (المثقف). وما ذُكر سلفاً لا يعد شرطاً ضرورياً في تكوين ما يُفهم من هذا الكائن. نعم لا بد من أن يكون المثقف حاملاً لمعارف متعددة مختلفة، وأن هذه المعارف ليست بمعزل عن قضايا المجتمع العامة، وتمتاز بأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الواقع وكذا العقل بما لهما من دور تكويني، وقد يضاف إليهما مصادر معرفية أخرى كتلك المستمدة من الوحي أو النص. فالثقافة بهذا المعنى ظاهرة واسعة التحقق في عالمنا اليوم، سواء نتج ذلك عن الدراسات الأكاديمية مباشرة أو بفعل الجهود الذاتية للأفراد. لكن المهم هو أن لا تنحصر المعرفة بحدود التخصص، بل تمتد إلى ضروب مختلفة من المعرفة مع القدرة على التفكير والتمييز بكل ما له علاقة بالأفكار ذات الصلة بالمجتمع.

ولإيضاح هذا الأمر علينا أن نبحث عن كيفية نشأة هذا الكائن الحديث - كظاهرة عامة - والإنقسامات التي حلّت في أوساطه. فالذي يلاحظ بوضوح أن هذا الكائن بجميع توجهاته وتياراته إنما يعد إفرازاً من إفرازات تطورات الواقع. فهو مدين بوجوده وحضوره إلى الجامعات والمعاهد العلمية الحديثة. فهذه الحواضر تشكل الرافد الرئيس لما يستحضره المثقف من معارف وثقافة، بحيث يمكن القول إن نشأة المثقف وتاريخه يعبّران تعبيراً مطابقاً عن نشأة هذه المؤسسات وتاريخها. الأمر الذي يكشف عن أن البناء المعرفي الذي تتشكل به هذه الهياكل العلمية لا بد من أن تضع بصماتها الشاخصة في البنية العقلية لوعي المثقف الباطن. وبالتالي فلكي نحدد طبيعة هذه البنية لا بد من أن ندرك سلفاً خصائص البناء المعرفي الذي تمتاز به تلك الهياكل. وليس من الصعب تحديد طبيعة هذا البناء، إذ الميزة الرئيسية لوظيفة التشكيلات العلمية الحديثة هي أنها تمارس آلياتها المعرفية بالخوض في القضايا التي يكون فيها ‹‹الواقع›› هو الرافد الرئيس بمختلف أشكاله وصنوفه. لهذا فإن البناء المعرفي لهذه المؤسسات هو بناء ذو طبيعة واقعية ممزوجة بما يناسبها من التحليل العقلي. ويترتب على ذلك أن البنية المعرفية للعقل المثقف تصبح مطبوعة بالطابع الواقعي مع اصطباغها بصبغة التحليل العقلي أو العقلائي.

هذا هو المثقف بصورة عامة، ويلاحظ أن في تركيبته عدة عناصر ضرورية يمكن إجمالها على الشكل التالي:

1ـ يتصف المثقف بأنه ذو قدر واسع من الإطلاع والمعارف الفكرية المتنوعة. وبالتالي فإن مفهوم المثقف يقف في قبال مفهوم المختص نسبياً. فالمختص صاحب علم ذي موضوع محدد، وله منهجية دقيقة وصارمة بفعل الصنعة العلمية، أما المثقف فصاحب معارف لا تتحدد بموضوع معين بالذات، ولا تحمل منهجية دقيقة كتلك التي تفرضها الصنعة العلمية والتخصص. مما يعني أنه بقدر ما يضيق الموضوع لدى المختص؛ بقدر ما يتسع - في القبال - لدى المثقف ليشكل موضوعات متنوعة عديدة. وبعبارة أخرى، إن معارف المثقف تعبّر عن مبادرات فردية لم تتحدد ضمن أُفق علمي تخصصي ذي مناهج وقواعد معرفية معينة. فهي بالتالي ليست كالمعارف التخصصية الناتجة عن الهيئات العلمية العامة.

2ـ إن إطلاع المثقف الواسع يؤهله لأن يمتلك القدرة على الإدراك النظري فهماً وتأسيساً. أيّ أنه يمتلك المقدرة على فهم ما يُطرح من النظريات الفكرية العامة، كما له القابلية على الإبداع النظري من تأسيس المفاهيم والمناهج والمذاهب المعرفية العامة.

3ـ إن معارف المثقف مستمدة في الأساس من النظر والإطلاع على شؤون الواقع وممارسة التحليل العقلي. وبالتالي فإن المثقف ذو مقدرة عالية على النقد والتفكير والتمييز بين الآراء التي لها علاقة بالواقع ومجرى الأحداث العامة.

4ـ ينصب إهتمام المثقف على قضايا المجتمع، بإعتباره كائناً معرفياً فاعلاً يمكنه أن يؤثر في حركة الوسط الذي يتفاعل معه بما يبتكره من أفكار وما يقدّمه من معارف، ومن ثم بما يساهم به في صنع الرأي العام؛ لكونه يوجّه خطابه إلى الجمهور. فهو من هذه الناحية لا يقع ضمن طبقة سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية محددة في قبال نظيراتها في المجتمع، بل يمكن لبعض من أعضاء تلك الطبقات أن يشكلوا فئة ثقافية، كما ويمكن أن ينتموا إلى نفس الرؤى الثقافية رغم وجود الإختلاف الطبقي بينهم. وواقع الأمر أن الشرط المشار إليه حول إهتمام المثقف بالمجتمع إنما يعبّر عن الحالة الطبيعية من إرتباط المثقف المعرفي والمتعدد الوجوه بقضايا الواقع، فمن مقتضيات هذا الإرتباط أن يكون الفرد في تواصل مع القضايا التي هي أكثر إثارة ومساساً وتشويقاً، وأقصد بها قضايا المجتمع العامة، وبالتالي يصح نعته - كما هو معروف – بالداعية الحامل لآيديولوجيا معينة تتضمن تصوراً وموقفاً محددين من الأحداث والأوضاع الخارجية العامة.

على أن هناك درجات متفاوتة من المثقفين يمكن إجمالها بنوعين متميزين؛ أحدهما ذلك الذي تكون له المقدرة التامة على التنظير وابتكار الأفكار وإنشاء المذاهب والمناهج، ويمكن أن نطلق عليه (المفكر). أما النوع الآخر فهو لا يمتلك مثل هذه الخصوصية، إنما له القدرة على التمييز وتبني ما يطرقه النوع الأول من أفكار ومذاهب بحسب ما يرد في نفسه من إقتناع وتصويب. وبين هذين النوعين ثمة درجات متفاوتة غير محددة من الأصناف الوسطى.

إذاً فنحن أمام طبقتين متميزتين من المثقفين، إحداهما نطلق عليها طبقة المفكرين أو المنظّرين، وهم الذين يمثلون الرؤوس العليا من الثقافة، أما الأخرى فهي طبقة المثقفين العاديين.

بهذا يصبح المثقفون في مجتمعنا منقسمين إلى تيارين رئيسيين واسعين، أحدهما يلتزم بمبدأ الإسلام ويعمل على حمل المشروع الديني وهو المثقف الديني. والآخر على خلافه ليس له علاقة بالمشروع الديني، إسلامياً كان أو غيره، وهو المثقف العلماني. فالفارق بين التيارين يتحدد بحسب الموقف من الدين كمشروع يراد له التطبيق على العلاقات الإجتماعية. ويمكن لحاظ هذا الفارق على الصعيدين الآيديولوجي والمعرفي، إذ ما يحرك هؤلاء هو غير ما يحرك أولئك، كما أن توليد المعرفة والقيم المتبناة مختلفة بينهما. مع هذا فهناك إطار مشترك يجمعهما في توليد المعرفة هو الإطار الثقافي ولو بمعناه العام من الإحتكام الرئيس إلى الواقع والعقل الإنساني، بغض النظر عن الإعتراف أو عدم الإعتراف بوجود مصدر آخر غيبي يعمل على رفد المعرفة الإنسانية؛ طالما أن هذه الأخيرة لا تأتي ولا ينبغي أن تأتي على حساب المعرفة الأولى.

وقد تأثر كل من المثقف العلماني والديني بالحضارة الغربية والتحديث الجديد غاية التأثر، بل إن وجودهما يدين إلى عملية التحديث والإحتكاك بالغرب، وما زالا يعملان تأثراً بهذا الإعتبار خلافاً للفقيه الذي غلب عليه التحفظ.وإذا كانت مهمة الفقيه هي الحفاظ على ما كان أمام تيار النهضة والتحديث والتغريب؛ فعلى خلافها كانت مهمة المثقف العلماني، وذلك أما بهجر ما كان من تركة بلا إعادة إحياء، أو بربط التحديث بالتراث ربطاً ضعيفاً؛ إعتماداً على المفاهيم المستوردة من الغرب كالحرية والتقدم والعقلانية وما إليها. فما يفكر به العلماني هو جعل التنمية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية قائمة على مفهوم المواطنة أو القومية كضرورة لا غنى عنها في النهضة المنشودة، وكان أبرز وأقدم من يمثل هذا الإتجاه آنذاك هو مدرسة بطرس البستاني.في حين كانت مهمة المثقف الديني هي التوفيق بين التركة الموروثة وبين الواقع الجديد، مع تغليب هذا الواقع، أو الإلتفاف عليه من منطق أن ما انتجه الغرب من علم وثقافة إنما أخذه عن المسلمين وقام بتطويره ومن ثم تمّ ما أطلقوا عليه النهضة الغربية الحديثة.

لا شك أن التطور الذي لاح تاريخ الإسلام لم يفرز من المشاكل الضخمة مثلما افرزها الواقع الحديث. فما حدث من اهتزاز يوم وصلت قوافل الهجمة الغربية على بلادنا منذ قرنين قد حوّل ما كان ‹‹مهملاً›› في السابق إلى ‹‹ماكنة تشغيل››. فقد أحدث الإستعمار في نفوس المسلمين الوعي الذاتي، إذ كان ذلك الحدث اعظم تطبيق للقاعدة النفسية التي مؤداها: ‹‹لتعي ذاتك عليك النظر إلى الغير››. وهذا ما حصل! وهو ان المسلمين قد أدركوا ذاتهم التي أُهملت لقرون من الإنحطاط عبر النظر إلى ‹‹الآخر››. وبذلك تشكّلَ عصر جديد افتتحه مجموعة من العلماء والمفكرين من أمثال الطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي وغيرهم. إلا أنه لما جاء متأثراً بالحضارة الغربية وكرد فعل عليها فقد اختلف جذراً عما قبله من عصور، فقد تشكلت العصور السابقة معرفياً – في الغالب - بفعل عوامل داخلية صرفة لا علاقة لها بضغط الحضارة الخارجية. لهذا لم تسفر المشاكل القديمة عما نسميه اليوم بإشكالية (التراث والحداثة) رغم الإنفتاح على العالم الغربي (الإغريقي) خلافاً لما حصل في العصر الجديد. فالاتصال الحديث بالعالم الغربي جاء من موقع الضعف والحاجة، وهو ما جعل عصرنا مضطرباً إلى غاية الحدود.

لقد كانت هناك اشياء مهملة قد برزت يوم التصادم مع حضارة الغرب منذ مطلع القرن التاسع عشر فأخذت بناصية التفكير وما زالت تمد يد التوجيه إلى العقل العربي والإسلامي. إذ ظهر على السطح مشاكل في الصميم تندرج ضمن ورقة جامعة هي ‹‹حقوق الإنسان العامة››. وقد تجلت هذه الإشكالية في كثير من الابعاد، كالتعليم والحرية والمرأة والدولة والدستور والقومية والمواطنة والشورى والديمقراطية والمساواة والعدالة وغيرها من الابعاد ذات العلاقة العامة بالإنسان العربي والمسلم. فمن الواضح ان هذه القضايا تعد جديدة ولم يكن لها تاريخ سابق على عصر ما يسمى ‹‹النهضة الحديثة››. إذ كانت المشاكل المتداولة قديماً تتعلق بالصلة التي تربط بين الخالق والمخلوق، عبر ورقة جامعة هي ‹‹نظرية التكليف››، وهي التي استقطبت - في الغالب - النظر إلى (حق الله) أو (حق الطاعة) مثلما استقطبت ‹‹حقوق الإنسان العامة›› النظر إلى (المصلحة الإنسانية). وبحسب إشكالية التكليف كان الهم القديم يتحدد بتعيين الواجبات الشرعية وأصول الديانة والفرقة الناجية وما إلى ذلك مما له علاقة بنظرية التكليف. كما كانت الممارسة العلمية الإسلامية تتخذ سبيل التعالي والنظر إلى فوق منهجاً لتديين الواقع حسب الشعار القائل: ‹‹إنما أُمرنا أن نأخذ العلم من فوق››. في حين أخذ الأمر مع الوعي النهضوي اتجاهاً معاكساً ولو ضمن حدود. إذ ظهرت تيارات عديدة تريد ان تجعل لنفسها سلوكاً معاكساً لسلوك ‹‹تديين الواقع›› ولو بنسب متفاوتة.

لقد واجه الأزهر منذ بداية ما يسمى بالنهضة الحديثة صراعاً حول تجديد الدراسات الإسلامية وعلى رأسها الدراسات الفقهية، إذ شهد هذا الجامع مخاضاً من النزاع الداخلي حول مسألتي التحديث والتقليد، وقد تمثلت الخطوة الأولى للتحديث بمدرسة الشيخ حسن العطار التي استهدفت القضاء على الثنائية التي تجعل القديم على قدمه والحديث على حداثته، أيّ القضاء على الثنائية بين المؤسسات الدينية والمدنية. وهي الثنائية التي خلفتها فترة القرن التاسع عشر على يد محمد علي في مصر، سواء في التعليم أو القضاء أو الإدارة أو القانون أو الإقتصاد أو غيرها. الأمر الذي تبلور بعد قرن من الزمان إلى الإشكالية المعروفة بـ (التراث والحداثة). وجاء بعد مدرسة العطار دور محمد عبده الذي لم يكتفِ بالدعوة إلى إصلاح الأزهر تعليمياً، بل زاد على ذلك الدعوة إلى فتح باب الإجتهاد والإستفادة من العلوم الحديثة، فأفضى الحال إلى نزاع شديد داخل الأزهر وخارجه. إذ كانت علوم الأزهر قاصرة على علوم الدين واللغة وبعض العلوم الأخرى؛ كعلم الكلام والفقه ومصطلح الحديث والتفسير والأخلاق والنحو والصرف والمعاني والبيان والعروض والقافية والمنطق والحساب والجبر. وبفعل حركة الشيخ محمد عبده تمّ ادخال علوم الطبيعة والكيمياء والهندسة والجغرافيا والتاريخ وما إليها. لكن ما لبث أن تخلى الأزهر عن العلوم الحديثة بعد الشيخ المذكور حتى ظهرت حركة الشيخ المراغي التي دعت إلى إصلاح الأزهر وفتح باب الإجتهاد؛ مستفيدة بذلك من علوم العصر. وقد حققت هذه الحركة إعادة تنظيم الأزهر ونقله إلى نظام الجامعات الحديثة، رغم ما لقيته من معارضة شديدة بهذا الصدد. لهذا أعلن المراغي في مذكرته التاريخية (5\8\1928) قائلاً: ‹‹إن العلماء في القرون الأخيرة استكانوا إلى الراحة وظنوا أن لا مطمع لهم في الإجتهاد فأقفلوا أبوابه ورضوا بالتقليد وعكفوا على كتب لا يوجد فيها روح العلم وابتعدوا عن الناس فجهلوا الحياة وجهلهم الناس، وجهلوا طرق التفكير الحديثة وطرق البحث الحديث، وجهلوا ما جدّ في الحياة من علم وما جدّ فيها من مذاهب وآراء. فأعرض الناس عنهم ونقموا على الناس فلم يؤدوا الواجب الديني الذي خصصوا أنفسهم له، وأصبح الإسلام بلا حملة ولا دعاة بالمعنى الذي يتطلبه الدين››. ثم أنه إعتبر مهمة العلماء شاقة تتطلب الكثير من المعارف والتي منها ‹‹معرفة طرق البحث النظري وطرق الإقناع، ويتطلب فهم الإسلام نفسه من ينابيعه الأولى فهماً صحيحاً، ويتطلب معرفة فقهه وآدابه، والتاريخ العام وتاريخ الأديان والمذاهب، وتاريخ التشريع وأطواره، ويتطلب العلم بقواعد الإجتماع››. ولما أُعيد المراغي إلى المشيخة (عام 1935م) بعد استقالته (عام 1930م) أكد في حفل تكريمه على العمل لازالة أو تقليص الفوارق المذهبية وإنهاء الطائفية.

لقد حقق مشروع المراغي إعادة تنظيم الأزهر في هيكلته إلى شكل من أشكال نظام الجامعات الحديثة، فقد قسّم دراساته العليا إلى ثلاثة أقسام، لكل منها كلية خاصة، وهي الشريعة واللغة العربية وأصول الدين، فضلاً عن وجود أقسام أخرى للتخصص. وشمل إصلاحه تنقيح المواد التدريسية، ومن ذلك أنه طالب بدراسة القرآن والسنة دراسة شاملة، وتهذيب العقائد والعبادات ونفي ما استجد فيها من بدع، كما طالب بدراسة الفقه دراسة حرة تخلو من التعصب المذهبي، وضم إلى ذلك الدراسة الخاصة بمقارنة الأديان، وكذا دراسة أصول المذاهب قديماً وحديثاً. وطبقاً لهذا النهج تحوّل الأزهر إلى جامعة كبرى لتخريج أساتذة في علوم اللغة والدين والقضاء. ثم أُضيف إلى ذلك دراسة اللغات الأجنبية (عام 1935م)، وهي الإنجليزية والفرنسية والفارسية واليابانية والصينية[3].

ومع ان الوعي النهضوي حمل إحساساً حول المفارقة الخاصة بالتحديث والتقليد، ومن ثم محاولة القضاء على هذه الثنائية، إلا أنه ولّد شكلين من العلاقة بالواقع كثيراً ما كانا يتداخلان إلى حد يصعب التفريق بينهما، وذلك كالتالي:

1ــ العلاقة التي عبّرت عن المفارقة بين الفهم التقليدي للإسلام ومفرزات الواقع الغربي.

2ــ العلاقة التي عبّرت عن المفارقة بين ذلك الفهم ومتطلبات الواقع الخاص للمجتمعات الإسلامية وحاجاتها الحديثة.

ويلاحظ أن العامل المشترك في شكلي العلاقتين الآنفتي الذكر هو الفهم التقليدي. أما الطرف الآخر من العلاقتين فهو متغير، إذ تارة يعبّر عن افرازات الواقع الغربي، وأخرى عن متطلبات الواقع الخاص للمجتمع الإسلامي. لذلك حصل التداخل والالتباس بين الواقعين، بحيث كثيراً ما اشتبه على الباحثين أمرهما. فقد تكون الحاجة مناطة بالواقع الإسلامي الخاص ويظن أنها مزيفة ومستوردة من الغرب. أو على العكس قد تكون العلاقة نابعة من افرازات الواقع الغربي وخصوصياته الذاتية لكن يظن أنها تشكل حاجة فعلية للواقع الإسلامي. وتتجسد المفارقة لدى بعض النهضويين ممن حاول تشخيص ما عليه واقعنا من تخلف. ولعل المثال البارز بهذا الصدد هو ما انتهجه قاسم أمين في دعوته إلى تحرير المرأة المسلمة. فهو وإن شخّص في الكتاب الذي أصدره بعنوان (تحرير المرأة) عام 1899م ما عليه واقع المرأة من تخلف وإبتعاد عن جوهر ما يريده الشرع لها وما يناسب وضعها الخاص، إلا أنه عاد واستبدل المنظار بنموذج غربي في كتابه اللاحق الذي أصدره بعد عام واحد من الأول، وهو بعنوان (المرأة الجديدة). فقد كان الكتاب الأول يعبّر عن حاجة ملحة لتغيير وجهة النظر السائدة حول طبيعة المرأة وكيفية حجابها وما يترتب عليه من عوائق حضارية. وتعد هذه المشكلة من المشاكل الحقيقية التي واجهها عصر الوعي النهضوي. إذ كان الوضع الإجتماعي متدهوراً داخل مصر وخارجها، وكان هناك اجحاف لحقوق المرأة؛ كما في منعها من التعليم والكتابة بحجج الإعتماد على بعض الاثار من النصوص، وكان أول من بدأ الصراع حول هذه المشكلة هو رفاعة الطهطاوي حتى تُوج أخيراً على يد قاسم أمين. فقد سبق للطهطاوي أن أكد في كتابه (المرشد) على ضرورة تعليم المرأة، وردّ على الشبهة الدينية التي تنهى عن تعليمها بحجة أنه من المكروهات لها، كما ردّ على إعتبار طبعهن المكر والدهاء والمداهنة، وكذا عدم الإعتماد على رأيهن لعدم كمال عقولهن[4]. وقد انساق قاسم أمين في هذا الإتجاه من الدفاع عن الحقوق المهضومة للمرأة وأتم المشروع بالدعوة إلى جملة من الحقوق الشرعية؛ كحقها في جواز الكشف عن الحجاب، ويقصد به كشف الوجه والكفين، وكذلك الطلاق أمام القاضي والمساواة ومنع تعدد الزوجات[5]. وآزره في كل ذلك الشيخ محمد عبده، حتى قيل أنه كتب بعض فصوله ذات العلاقة بالاستدلالات الفقهية، أو على الأقل كان له دور في مراجعتها. وقد واجه قاسم أمين حول كتابه (تحرير المرأة) هجمة من الاعتراضات إعتبرت اليوم غير مبررة بأصل المبحث، وهو الحجاب، إذ لم يقصد فيما طالب به سوى كشف الوجه والكفين؛ معتمداً في دعوته بما لا يخرج عن الطريقة المألوفة في إبراز الأدلة الفقهية لصالح وجهة نظره التي غدت اليوم سائدة فعلاً. إذ قال في هذا الصدد: ‹‹سبق لي البحث في الحجاب بوجه إجمالي في كتاب نشرته باللغة الفرنساوية.. ربما يتوهم ناظر أنني أرى الآن رفع الحجاب بالمرة. لكن الحقيقة غير ذلك، فانني لا أزال أدافع عن الحجاب وإعتبره أصلاً من أصول الآداب التي يلزم التمسك بها. غير أنني أطلب أن يكون منطبقاً على ما جاء في الشريعة الإسلامية.. هو الحجاب الشرعي، وهو الذي ادعو اليه، كشف المرأة وجهها وكفيها. ونحن لا نريد أكثر من ذلك››[6]. لكن لكثرة ما واجهه من ضغط واتهام واعتراض فإنه فاجأ الجميع بما أقبل عليه في كتابه الآخر (المرأة الجديدة)، إذ لم يأتِ على شاكلة ما قصده في الكتاب الأول، كما لم يأتِ للتعبير عن حاجة فعلية لواقع المرأة المسلمة، وإنما رهن إعتبار الحاجة وتشخيصها بالنظر إلى الواقع الغربي، فصرح بالمطالبة بأن تقتدي المرأة المسلمة في سفورها بمثل ما فعلته المرأة الغربية إذا ما اريد لها الإصلاح ومن بعدها المجتمع المسلم، وتمنى ان يتحقق تخفيف الحجاب وذهابه شيئاً فشيئاً إلى التلاشي[7]. وقد فُسّرت هذه المطالبة لدى البعض بأنها جاءت كرد فعل غاضب لإغاضة من وقفوا ضده واتهموه على كتابه الأول، إلا ان ذلك لا يعفي حالة الخلط بين التعبير عن الحاجة الفعلية لواقع المجتمع المسلم، والصورة المستوردة عن الواقع الغربي وخصوصياته.

يظل ان الواقع الغربي لما كان مفعماً بالقوة والتكثر والحيوية؛ فكثيراً ما احتل ان يكون الطرف المقابل لمستلزمات الفهم التقليدي، مع تذويب المتطلبات الخاصة بواقع المجتمعات المسلمة. لذلك كان مدار الخوض في الإشكالية التي سادت بعد منتصف القرن العشرين حول التراث والحداثة؛ مستلهماً من العلاقة بحداثة الغرب دون تمييز بين الخصوصية الغربية والعمومية الإنسانية. إذ جرت محاولات للتوفيق بينهما تعكس الصلة بين التقليد السلفي ومنتجات الحضارة الغربية، ومن ثم أصبحت المتطلبات الإجتماعية لواقعنا منقادة – في كثير من الأحيان – بتلك المنتجات دون مراعاة لإختلاف الخصوصيات والحيثيات بين الواقعين.

وطبقاً لهذه العلاقة وخلال عصر الانبهار؛ أصبحت المفاهيم الغربية تعبّر عن مفاهيم إسلامية أصيلة. فالديمقراطية أخذت تُفهم بالشورى، والإشتراكية أخذت تُفهم بالعدالة الإجتماعية، والرأي العام بالإجماع وهكذا، وقد استمر الحال على ما عليه حتى نهاية الستينات من القرن الماضي، ثم ظهرت خلال الثمانينات فترة ما يسمى بالصحوة الإسلامية، وفيها دعت حركاتها إلى تبني الهوية الإسلامية مع نقد مفاهيم الغرب ومفرزاته، لكن الأمر لم يدم، إذ إضطرت العديد من التيارات الإسلامية إلى العمل على التكيف مع بعض المنجزات الغربية في واقع مفعم بالتوتر، لا سيما ما يتعلق بالديمقراطية على الصعيد السياسي. واليوم نجد لها رواجاً متسعاً لدى الحركات الإسلامية، بعد أن كانت تمثل فكراً منحرفاً لا يتناسب مع الفكر الديني.

يبقى أن أصل التضاد بين الرؤية الغربية والرؤية الإسلامية التقليدية هو ان الرؤية الأولى قامت على إعتبار الواقع، متخذة إياه محوراً للتفكير والتنظير، لكنها في الوقت نفسه أبعدت النظر عن كل ما يتجاوز الواقع من أمور الغيب والميتافيزيقا، وهو ما جعلها تفصل بين الحقين الإنساني والإلهي، فعولت على الأول ولم تتقبل الآخر، وبذلك صنعت إشكالياتها بالنظر إلى ما يتطلبه ذلك الحق، وأفرزت جملة من الحقوق متأطرة بثلاثة أساسية عرفت بالحرية والأخاء والمساواة. وهي وإن تطورت فعلاً عبر النظر للواقع والحق الإنساني، لكن تنصلها عن الحق الإلهي جعلها لا تعير أهمية للمسؤولية الأخلاقية العامة واستعاضت بدل ذلك بفكرتها عن القانون المدني وطريقتها البراجماتية، لذلك فشلت في تجسيد المبادئ التي روجت لها، بل ووظفتها لأجل الهيمنة والإستعمار.

أما الرؤية الإسلامية التقليدية فقد راهنت على النظر إلى فوق ومن ثم تمسكت بنظرية (حق الله) أو (حق الطاعة)، ومع أنه كان من المفترض أن يولد هذا النظر طريقاً لخلق ضمير ديني مليء بالشعور الباطني من حمل المسؤولية إتجاه كل شيء، خلاف الضمير المقنن بلوائح القوانين الخارجية كما هو الحال لدى الغرب لإعتبارات القطيعة التي أحدثها مع الغيب والتزامه بالنظر إلى الواقع فحسب، لكن النتيجة كانت معكوسة، إذ كان المفهوم الخاص بحق الطاعة ضيقاً للغاية، بل إنه جاء خلاف الحق المتعلق بالإنسان ومصالحه، فكان النظر لحق الطاعة هو نظر قائم على التعبد الصرف، وأن هذا التعبد كان يتضمن المفاهيم الخاطئة حول نظرة الدين للواقع والإنسان. وبذلك أصبحت الرؤية التقليدية أسوء بكثير من الرؤية الغربية وأخطر منها. وأقل ما يمكن أن تؤدي به هذه الرؤية هي محاولة استصحاب الماضي بكل نزاعاته الضيقة قسراً وجعله هدفاً للتحقيق بلا مستقبل، وبحسب المثل الصيني فإنها تكون متجهة بظهرها إلى المستقبل. وهنا تأتي مهمة المثقف الديني لإصلاح هذه الرؤية واعادة قراءة الإسلام بما يتناسب مع متطلبات الواقع وحاجاته.

على أن للإنسان روحاً حضارية لا تعبّر عن مجرد ثقافة ما قبال ثقافات مختلفة، بل الأهم من ذلك أنها تولد إحساساً وجدانياً إتجاه جملة من القيم، وهو إحساس مركب تنصهر فيه خلاصة روح العصر برمته. فهو مركب متفاوت النسب من الإحساس إتجاه القيم؛ كالدين والوطنية والقومية والطائفية والحزبية والأخلاق والجمال والعلم والمال والحياة والموت وغير ذلك. فلما كان لكل إنسان إحساسات معينة ازاء تلك المعاني؛ فإن مجموعها يعبّر عن إحساسه الوجداني المجمل وروحه الحضارية العامة. وبهذا التحديد تتفاوت العصور حول خصوصية ذلك الإحساس والروح العامة، فربما يطغى على الإحساس روح القومية أو الدين أو الطائفية أو الحزبية أو هجائن زوجية متفاوتة التركيب. فمثلاً إذا ما كان أغلب عصور ما قبل الوعي النهضوي يشهد الروح المذهبية، وهي إحساس بالإنتماء المذهبي وجعله المثل الأعلى في الحياة؛ إعتماداً على النظر الفوقاني من البحث عن ‹‹الفرقة الناجية›› وسط فرق الضلال والهلاك، فإن الروح التي سادت خلال قرني الوعي النهضوي قد أخذت تنحرف كثيراً عما كان. إذ مرت بأدوار مختلفة، تارة بدور الإحساس بالروح القومية وأخرى الحزبية والوطنية وثالثة بالإسلام مع ضميمة بقاء شيء من الروح المذهبية، أما الروح الإسلامية الصرفة فهي غريبة على واقعنا حتى يومنا هذا.

ويتبين مما سبق ان التحولات التي حدثت في عصر الوعي النهضوي مقارنة بما قبلها هي تحولات جذرية. فهناك تحول من جهة روح العصر، إذ كانت الروح فيما قبل الوعي النهضوي تتجلى بالبحث حول إشكالية (حق الله) أو (حق الطاعة)، بينما في عصر الوعي النهضوي أصبحت تدور حول إشكالية (حق الإنسان) أو (المصلحة). كما كانت الروح الحضارية للإنسان في الأولى روحاً مذهبية تتجلى بأقصى أبعادها في إتباع ‹‹الفرقة الناجية›› وسط فرق الضلال، بينما هي في الثانية متوزعة بين جملة أرواح أبرزها الروح الإسلامية - الممذهبة - والقومية والوطنية. كذلك إن الإشكالية التي كانت تعالجها في الأولى هي إشكالية (العقل والنص)، بينما أخذت في الثانية تتحول بشكل أو بآخر إلى إشكالية (الواقع والنص). وايضاً فإن طريقة السير الفكري في الأولى كانت تنزيلية هدفها ‹‹تديين الواقع›› باضفاء صبغة الدين على الواقع وجعل الدين واقعاً، بينما هي في الثانية تصعيدية هدفها ‹‹توقيع الدين››، بإضفاء صبغة الواقع على الدين أو جعل الواقع ديناً.

***

إن من الطبيعي أن تواجه أيّ نهضة صراعاً وجدلاً بين خط يريد إبقاء كل ما كان على ما كان، وبين رفض مضاد لما كان، وبين محاولة تجديد وإصلاح ما كان لما ينبغي أن يكون. إن مثل هذا الصراع قد حصل منذ ظهرت وتبينت معالم ما يسمى ‹‹النهضة الحديثة›› في بلادنا الإسلامية والعربية. فهذه الخطوط هي ما مثلت اتجاهات كل من الفقيه والمثقف العلماني والديني. وقد شهد محمد عبده على أن جسم الأمة الاسلامية في عصره كان منقسماً بين فئتين عظيمتين هما ‹‹طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم››، لذلك جاءت دعوته مخالفة لكل منهما[8]. وأحياناً يُخيّل للبعض في بعض الفترات أنه لا يجد بين الناس في الغالب إلا صنفين: متدين جاهل أو عاقل متهتك. وكما أنشد أبو العلاء المعري بيتاً من الشعر:

إثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين، وآخر دين لا عقل له

وكأن الحلقة المفقودة هي حلقة المثقف الديني الذي بوسعه أن يشكل وسيطاً بين الطرفين المتضادين، وأن يكون جامعاً لجملة من إعتباراتهما. ومع ذلك فقد أظهر المثقف الديني رواجاً وإتساعاً؛ لا سيما في العقود الأخيرة، تارة بنحو من الإستقلالية الفكرية، وأخرى عبر التنظيمات السياسية وكذلك الحركات الثقافية.

لقد أفرز الواقع الحديث الكثير من المشاكل وجعل الصراع مستعراً بين الإتجاهات الثلاثة الآنفة الذكر، وهو صراع ليس بمستوى واحد. فالصراع بين اتجاهي الفقيه والمثقف العلماني هو صراع خندقين متضادين لا يجمعهما جامع. أما الصراع مع المثقف الديني فهو صراع قابل لأن يتنوع بحدود وسطية لا تتناهى، فقد يقترب هذا المثقف من الفقيه إلى الدرجة التي يصبح فيها ضمن خندق واحد ضد المثقف العلماني، كما قد يقترب من المثقف العلماني إلى الدرجة التي يصير فيها ضمن خندق واحد ضد الفقيه، كما قد يتباعد عن هذا وذاك بلا حدود، وهو كلما اقترب من أحد الخندقين السالفي الذكر كلما تباعد في الوقت ذاته عن الخندق الثاني، والعكس بالعكس. فللمثقف الديني صور وسطية كثيرة، وبالتالي تبرز المشكلة المتعلقة بالنموذج المثالي المطلوب لهذا المثقف، فهل يتحقق المطلوب باقترابه من الأول أم الثاني أم يبقى في الوسط المتعادل وإلى أيّ حد؟

والوسط بهذا الاعتبار قابل لتقمص سلوك المفكر الحر؛ فيحمل قلقاً فكرياً وحرية نسبية قد ينطبق عليه ما يصدق في الفيزياء الجسيمية من مبدأ الإرتياب (عدم اليقين) لهايزنبرغ، حيث لا يمكن تعيين موضع الجسيم واندفاعه معاً، فتحديد أي منهما يكون على حساب الآخر، وكلما كانت محاولتنا للكشف عن ذلك أكبر؛ كلما كان جهلنا به أعظم. وطبقاً لهذا المبدأ يصعب تصنيف المثقف المشار إليه؛ لما له من قابلية على التغير والتذبذب داخل مساحة الوسط التي يتحرك ضمنها، فأي تصنيف له في خانة محددة او قائمة معينة انما تكون على حساب الدقة في قابليته على التغير، كما أن أي تحديد لهذه القابلية انما يكون على حساب الدقة في تصنيفه فعلاً. فهو المفكر الحر!

ومع أن القرن التاسع عشر شهد سطوة الفقيه بإعتباره امتداداً طبيعياً لقرون ما قبل الوعي النهضوي، إلا أن قانون الحياة يميل إلى الوسط الذي يقف برجل يسندها إلى التراث، وأخرى نحو الحاضر والمستقبل. فهو القنطرة التي تعمل على تقليص التباعد بين الإتجاهين المتطرفين.

لقد كانت السمة البارزة في الإتجاه الوسط هي العمل على تطويع التراث والنص الديني إلى ما يخدم مصالح الحاضر، بفعل الضغوط التي فرضتها الحاجات الزمنية وتطورات الواقع. لكن حيث لم تكن هناك قواعد تضبط هذا التطويع وعلاقته بالواقع لذا فالصراع يبقى مستمراً، فما ان يطرأ تحول ظرفي جديد حتى يتحول بعض من الإتجاه الوسط إلى إتجاه قريب من أحد الطرفين المتضادين، وهو ما يستدعي الصراع مع الوضع الجديد. وهنا تضيع حالة الوسطية خلف الصورة الزئبقية للمثقف الديني. فمثلاً أن كلاً من محمد عبده وتلميذه رشيد رضا يمثلان الإتجاه الوسطي للمثقف الديني، لكن بينهما تباعداً واضحاً، وهو أن رشيد رضا أقرب إلى عقلية الفقيه مقارنة باستاذه الشيخ، حتى قيل أنه قد تراجع إلى السلفية بعد وفات شيخه مطلع القرن العشرين. أما الذين تتلمذوا على رشيد رضا وتأثروا به فقد كان الكثير منهم أكثر منه قرباً إلى عقلية الفقيه السلفية وأشد إبتعاداً عن عقلية الشيخ الإمام الإنفتاحية، وعلى رأس هؤلاء محررو مجلة (الهدي النبوي) السلفية. وإلى هذا اليوم ليس من الممكن معرفة حدود الوسطية التي تطلقها الإتجاهات الدينية على نفسها رغم إختلافها وتفاوت حالاتها الزئبقية.

إذاً فالنهضة الحديثة، مضطربة فلا هي تقليدية صرفة ولا هي تجديدية، إذ تارة تتخذ صورة التجديد وأخرى صورة التقليد وبتبريرات مختلفة، قرباً وبعداً من طرفي التضاد. ولا شك أن هذا الإضطراب لا ينتهي ما لم يُتفق على نسق مناسب تتم فيه عملية تقنين وتقعيد العلاقة بين النص والواقع، وذلك بأخذ إعتبار حالة الجدل المتولدة من عملية التوفيق بين هذين العنصرين. فمن افرازات الصراع الدائر بين الإتجاهات الثلاثة ظهور بعض الإشكاليات النظرية التي طبعت فترة النصف الثاني من القرن العشرين. فقد أخذت الإشكالية التي أُطلق عليها (التراث والحداثة) أو (الاصالة والمعاصرة) مكانة من العقل العربي الإسلامي لم تأخذه أيّ إشكالية أخرى خلال قرني الوعي النهضوي. وهي إشكالية تعبّر عن الصراع بين الإتجاه الذي لجأ إلى التراث لاسقاطه على الحاضر، والإتجاه الذي لجأ للحداثة الصرفة ليصبغ الماضي كله بها، أو يتركه وشأنه، وكذا الإتجاه الوسط الذي وقف بين الأمرين ليوفق بينهما. ورغم أن هذه الإشكالية قد طوعت في الغالب نحو ايجاد مخرج وسط لعملية توفيقية بين طرفي التراث والحداثة إلا أنها مع ذلك ظلت دائرة في حلقة مفرغة لا تحرك ساكناً، والمتوقع أنها ستظل كذلك ما لم يتم تجاوزها كلياً. فالأسئلة المطروحة التي تتكرر مثل: كيف نتعامل والى من نلجأ ؟ إلى التراث والأصالة؟ أم إلى الحداثة والمعاصرة؟ أم لا بد من التوفيق أو التلفيق بينهما؟.. فهذه الاسئلة ليس لها عند التحقيق من معنى ما لم تتم دراسة أمرين معاً: فمن جهة لا بد من تحديد الطريقة الصالحة لفهم الإسلام، إحتكاماً إلى علم يعتني بالجانب المنهجي لهذا الفهم. كما لا بد من البحث في الواقع وحيثياته. إذ التراث المقصود به أساساً هو الإسلام ذاته كدين، والحداثة المقصود بها ما نعيشه من حاضر بكل ما يزخر به من منجزات وافرازات. وبالتالي فإن عمليه حياكة غزل خيوط الطرفين التي افرزتها تلك الإشكالية، إنما تعني محاولة التوفيق بين الدين والواقع؛ بين الإسلام الذي نتعبّد به، والواقع الذي نعيشه.

 

..........................

[1] دنيس كوش: مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، مراجعة الطاهر لبيب، منظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2007م، ص19، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[2] برهان غليون: تهميش المثقفين ومسألة بناء النخبة القيادية، دراسة ضمن: المثقف العربي همومه وعطاؤه، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1995م، ص91.

[3] أنور الجندي:الفكر العربي المعاصر، ص 64 و117 و150 وما بعدها.

[4] الفكر العربي المعاصر، ص510 وما بعدها.

[5] قاسم أمين: الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، الطبعة الثانية، 1989م، ص119ـ120.

[6] قاسم أمين: الاعمال الكاملة، ص350ـ355.

[7] المصدر السابق، ص512.

[8] الأعمال الكاملة للامام محمد عبده، حققها وقدم لها د. محمد عمارة، المؤسسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1980م، ج2، ص318.

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

qassim salihyيتعرض الناخب العراقي الى هجمات مباشرة واخرى غير مباشرة من ثلاث جبهات مؤثرة تستهدف تيئيسه بأن التغيير غير ممكن وايصاله الى حالة العجز التام بقبول سوء الحال.فاحزاب السلطة عمدت منذ زمن الى ان تجعل المواطن يقتنع بقولهم بانه (ماكو غيرنا) .. واستخدمت آلية التكرار في ترديد هذه المقولة على السنة قادة الاحزاب الاسلامية لتوصله الى جعله يرى نفسه انه حيثما ولّى وجهه فأنه ملاقيهم.

ومع الأسف، فانه وقع في هذه (المصيدة) محللون سياسيون ومثقفون يعتمد عليهم، راحوا يتحدثون عبر وسائل الاعلام بما يجعل المواطن العادي يخرج بنتيجة أن العراق ليس فيه سوى الكتل الكبرى .. وجعلوه يحصر التنافس الانتخابي بين رموز الحكومة والبرلمان وكأن البلد قد خلا من اهله مع ان هنالك اكثر من 270 كيانا سياسيا بينهم اصحاب كفاءات وخبرات .. ومن المحروقة قلوبهم على الوطن وأهله.

والجبهة الثالثة هي القوى المناوئة للسلطة التي اخذت تشيع بين الناس بأن الانتخابات سوف لن تكون نزيهة، وراحت تستنجد بالأمين العام للأمم المتحدة وكأنه الحامي الناصر لهم فيما يراه العراقي بأنه (لا يحل ولا يربط).

وما يؤلم اننا تحدثنا مع اشخاص بسطاء فوجدنا ان تأثير هذه الجبهات قد فعل فعله في اضعاف الروح المعنوية للناخبين العراقيين، وصاروا يتبادلون فيما بينهم عبارات تيئيسية من قبيل:(يمعود شتنتخب .. وعيونك العراق انباع وخلص)، واخرى تقعد من يعيش حالة التردد على شاكلة:( لا اتعّب نفسك .. وداعتك النتائج محسومة مقدّما ان رحت او ما رحت)، (وشراح يفيد صوتك وصوتي والبطاقات الانتخابية انباعت بالالاف)، وأخرى تعميمات خاطئة: (وشحصلنه من اللي يكولون نخاف الله حتى نجرّب غيرهم، )وأخرى تخديرية: (شين التعرفه احسن من زين الما تعرفه، والعراق من يومه ما تصيرله جاره، وهذا قدرنه وأمرنا لله) .. وحتى الذين كانوا يعشقون رموزا وطنية صاروا، من خيبتهم فيهم، يرددون مع انفسهم:(ياريل طلعوا دغش والوطن جذابي!).

لقد اشرنا سابقا الى ان الناخبين العراقين يتوزعون على ثلاثة مواقف:

الأول: المنتمون الى احزاب السلطة والمنتفعون منها،

الثاني: المنتمون الى القوى المدنية والديمقراطية والدينية المعتدلة والمتعاطفون معها،

والثالث: الجماهير الموزعة بين العازفين عن المشاركة في الانتخابات، والمترددين، والمنتظرين ظهور بديل جديد.

وفي ضوء مؤشرات انتخابية سابقة فأن الذي يحسم نتائج انتخابات نيسان 2014هو حجم مشاركة اللامنتمين، لأنهم يشكلون النسبة الأكبر مقايسة بعدد المنتمين الى الأحزاب السياسية.

والمشكلة ان الغالبية من هؤلاء واقعون تحت تأثيرين من جبهتين متضادتين يحققان هدفا واحدا هو تيئيس الناخب العراقي من حصول التغيير. فأحزاب السلطة ستمارس دعايات انتخابية ضخمة .. وستملأ الشوارع بصور مرشحيها، وتوزع الهدايا وتمنح الوعود لوجوه اجتماعية بتولّي مسؤوليات مرموقة، وتغري كبار رجال الاعمال بمقاولات دسمة .. وستعمد الى توظيف مواعظ دينية واخرى اخلاقية تحذّر من فساد اخلاق ان هم ذهبوا، واخرى تخويفية بأنه (تصير دمايات) ان استلمها غيرهم .. وكل ما يجعل الناخب يقتنع بأنه (ماكو غيرهم). والمفارقة ان قوى التغيير تعزز لدي المواطن هذا الرأي(الاعتقاد) لكونها تبدو له غير قادرة على التغيير بسبب ممارستها دور المستضعف، المستنجد، الشاكي الباكي الذي يستصرخ هذا وذاك لنصرته. وهكذا بات الناخب العراقي يتلقى (السطرات) من كل الجهات لتيئيسه من امكانية التغيير، مع انه ليس من المنطق ولا هو بالمعقول ان يستمر الحال اربع سنوات اخرى شبع فيها المواطن قهرا وتأخر الوطن دهرا.

 

ما المطلوب اذن؟

المطلوب هو، ان على قوى التغيير(مدنية، تقدمية، ديمقراطية، دينية معتدلة) ان تغير موقفها (360) درجة، بأن تتحول من موقف: المستضعف، المغلوب على أمره، الشاكي الباكي الذي يشيع بين الناس ان الانتخابات لن تكون نزيهة، وأن الأمور منفلتة وفوضى، وأنه لا اجراءات فنية وقانونية لدى مفوضية الانتخابات ولا ولا .. .الى دور الواثق من نفسه، القوي بالحق وللحق، القادر على كشف عمليات التزوير في الانتخابات، والمتوعد بكشف المزورين، والفاضح للفاسدين من رموز السلطة، بصيغة كشف الناهب لقوت الناخب، والفاشل في ادارة امور البلاد والعباد لا بصيغة التسقيط والتشهير الشخصي .. المجيد لفن الاقناع بتوظيف حقائق موضوعية في خطابه للناس من قبيل: ان الملايين التي يصرفها رموز السلطة على الدعايات الانتخابية هي من اموالكم ايها العراقيون، لأنهم حين جاءوا الى العراق كانوا لا يملكون ثمن تذكرة الطائرة، وان مئة وعشرين مليار دولار نهبها مسؤولون كانت تكفي لأن لا يبقى فقير في العراق .. وعلى مثل هذا الايقاع القوي المقنع ينبغي ان يكون صوت قوى التغيير .. يجهر به اعلاميون ومتحدثون يجيدون فن الاقناع.

وأسف مرة أخرى ان قوى التغيير تفرّط بمواقف لقوى اخرى لها تاثيرها الجماهيري الكبير ولا توظفها لما يخدم قضيتها .. مع ان كليهما يستهدفات التغيير. فلقد دعت المرجعية، التي ما كانت راضية أصلا على أداء الحكومة، جميع العراقيين الى المشاركة في الانتخابات، واوصتهم باختيار الاصلح الذي يمتاز بثلاث صفات: الكفاءة والخبرة والنزاهة، وانها لا تريد (دولة اشخاص او كيانات بل دولة مؤسسات)، وأن لا يكون التنافس قائما على العنف بل على التعديل والتغيير، وتأكيدها على محاربة الفساد وتصريحها العلني في خطب الجمعة ان في الحكومة والبرلمان "لصوص وحيتان" .. وهو وصف دقيق يدعمه تصريح للسيد رئيس مجلس الوزراء قال فيه ان لديه " ملفات عن فاسدين لو كشفناها لانقلب عاليها سافلها " .. الى غير ذلك من حقائق واحداث لو احسنت قوى التغيير استخدامها لشكلت ضربات موجعة للخصم (القوي الفاشل) في حلبة التنافس الانتخابي.

هل ستتحول قوى التغيير من القطب السالب الى القطب الموجب وتغير موقفها وخطابها 360 درجة .. من موقف المستضعف، المستنجد، الشاكي الباكي .. الى موقف القوي الواثق من انتصار الكفاءة على الجهل والنزاهة على الخيانة والوعد الحق بالخلاص من الجزع والنكد والخوف وتوقع الشر .. وكأن العراقيين ليسوا من البشر برغم انهم اذكى شعوب المنطقة ويعيشون في وطن ينفرد بامتلاكه ثلاث ثروات لتحقيق الرفاهية لأهله:تحت الأرض وفوقها وفي العقول .. هل سيتغير؟

نأمل ذلك .. مع خالص تمنياتنا بالموفقية لكل قلب مسكون بحب العراق وأهله.

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

 

 

abduljabar alobaydiالدستور: هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الاساسية لشكل الدولة. اما القانون: فهو قاعدة العمل الملزمة في التطبيق . والمؤسس: هي الأدارة العمومية، والمؤسسة العمومية، والأدارة المركزية، والمصالح غير الممركزة التابعة لها. والمؤسسة الحكومية هي ذات الطابع السياسي والاداري والعلمي والثقافي والتشريعي، وكل مؤسسة يمكن ان يخضع مستخدميها لاحكام الدستور والقوانين النافذة في الدولة. لذا بين عمل الدستور والقانون والمؤسسة علاقة عضوية متشابكة عند التنفيذ لا يجوز أختراقها، فالخلل في احداها يؤثر في الأخرى والعكس صحيح.هذه الحالة غابت على مجلس النواب العراقي المنتخب فتركها دون تقنين...؟ وهو تقصير اساسي في التنفيذ.

يحتوي الدستور العراقي على أكثر من 140 مادة صيغت بشكل متسرع ومن غير المتخصصين في الفقه الدستوري وكتابة الدساتير، لذا جاءت غالبية المواد المدونة فيه خالية من الوضوح والشفافية ومملوءة بالهفوات والعثرات، مما سببت للدولة والمواطن جملة اشكاليات في التطبيق، كان المفروض ان لا تقع في دولة حديثة التغيير.لأن التغيير في العراق الذي جاء بعد 2003 المفروض فيه ان يكون شاملا وواضحاً في القانون والحقوق والتفكير. والدساتير لا تكتب بتسرع خوفا من الأنزلاق القانوني في مستقبل الحقوق والواجبات والثوابت الوطنية التي يجب ان لا تمس. لقد أستغرقت كتابة الدستور الأمريكي أكثر من عشرين سنة واعيدت قراءة مواده اكثر من خمسين مرة، من قبل أكفأ الفقهاء الدستوريين (من أمثال المستشارالقانوني جفرسن) حتى ثُبت واقُر من قبل الكونكرس والامة الأمريكية باستفتاء عام بعد ان اأتيحت الفرصة لكل مواطن أمريكي من الأطلاع عليه، وتدوين الاعتراضات . بينما الدستور العراقي كتب في بحر ستة أشهر- وتحت الأحتلال الأجنبي ومن غير المتخصصين في الفقه الدستوري - ولم تتم مراجعته بشكل صحيح ومضبوط، ولم يمنح الشعب فرصة الاطلاع عليه والاعتراض على بعض مواده القاتلة وخاصة المواد المزدوجة التفسير، ووافق عليه الشعب استغفالا. لذا كان الدستور الامريكي هوالقاعدة الأساس في بناء هذه الدولة العملاقة اليوم.ودستورنا هو السبب الاساس في كل هذه الاشكاليات التي تعاني منها الدولة المفككة اليوم .

ولم يقم مجلس النواب خلال ثمان سنوات من التغيير من اصلاح المواد الناقصة في الدستور، او تحقيق الفقه الدستوري المطلوب منه بنفس العناية التي بذلوها لمسائل القانون الخاص بهم. وان حقوق المواطنين تناولوها بطريقة استطرادية، دون ان يضعوا نظريات عامة او خاصة تناسب اهميتها العملية، ودراستها وكتابتها تدخل ضمن نظام سلطة التشريع. فظلت حقوق الافراد والمجتمع ناقصة دون تطبيق. ومما زاد الطين بله أنهم شرعوا القوانين المزدوجة في معاملة المواطنين كما في قوانين التقاعد والتعيين.وانا اقول رغم الجعجعة الاعلامية على مجلس النواب لكنه في (العراق الجديد) بقي بلا تعريف علمي له.، لذا ترك الموضوع بلا تحديد بين سلطاته وحقوق الناس، وسياسته بلا عنوان، والمجلس ظل بلا بيان . ومن اين يأتيه البيان وهو يضم كل أمعات التاريخ بين جناحية الذين جاء بهم المقسم الانتخابي الباطل والتعيين والتعويض المحاصصية الخارجة على الدستور.

ولا ندري كيف ان الحكومة ومجلس النواب والرئاسة العليا تطبق قوانين خارج الدستور، وتتهم الأخرين بالخروج عليه ؟. يأمرون بالمعروف وينسون أنفسهم،

ونعود للدستور فنقول:

نصت المادة الاولى من الدستور على ان : جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي(برلماني) ديمقراطي أتحادي .

لكن النص جاء مبهماً، هل ان الدولة العراقية الأتحادية دولة فدرالية أم كونفدرالية - لم يذكر النص- وما هو نوع المؤسسات الذي يطبق فيها اليوم؟. الأصطلاحان يعبران عن معنىً مختلف في القصد، فأذا طبقت الفدرالية فليس من حق أقليم الشمال ان يطبق الدستور بأزدواجية المعاييروان يكون له دستوره المستقل بأعتباره جزء من وحدة الدستور العام، واذا طبقت الكونفدرالية فعلى الحكومة ان تشمل بها كل الأقاليم. لكن المادة 113 من الدستور تقر ان اقليم الشمال وسلطاته القائمة أقليما أتحاديا دون تحديد.وهذا نقص في التشريع أغفله النص الدستوري، وأهمله مجلس النواب قصداً، والنقص لا يعالج الا بأعادة مراجعة الدستور. واصدار قانون جديد للانتخابات لتمثيل الشعب من قبل ممثليه الحقيقيين لا من قبل المعينيين بالمقسم الانتخابي الباطل والتعيين البديل.فمجلس النواب لم ينل الشرعية الدستورية حسب القانون.

وتنص المادة (التاسعة) من الدستورالعراقي الفقرة (ب) على ان: (يُحظر تكوين مليشيات عسكريةخارج أطار القوات المسلحة الا بقانون) ولم يستثني الدستور ميليشيات البشمركة الكردية، ولا اي مليشيات اخرى، لكن الدستور منح اقليم الشمال حق تكوين حرس الحدود ضمن القوات المسلحة الوطنية وليست مليشيات مستقلة كما هي اليوم، ومع هذا فهي متواجدة بكل اسلحتها العسكرية التي غنمتها من جيش العراق السابق دون حسيب او رقيب وبسكوت الحكومات المركزية المتعاقبة، وقوانينها المستقلة عن الجيش العراقي الاتحادي في الاقليم رغم ان رئيس اركان الجيش الاتحادي كردي بشمركي، ومرتباتها من وزارة الدفاع المركزية ويطالب الاقليم الدول الصديقة بتجهيزها بالطائرات والمعدات العسكرية الحديثة خلافا للقانون، - انظر محاضر الزيارة الاخيرة لرئيس الاقليم للولايات المتحدة الامريكية – مكتبة الكونكرس الامريكية .وتطالب هذه المؤسسة العسكرية المستقلة والمتكاملة بالرواتب والامتيازات من ميزانية الدفاع الاتحادي، ومع هذا النص الدستوري الواضح فأن الحكومة المركزية قبلت أجراء مفاوضات حول رواتب البشمركة دون الأعلان عنها كجزء معترف به من القوات المسلحة العراقية، كسبا لاصوات النواب الاكراد في مجلس النواب، هذا النص بحاجة الى توضيح كي لا يحصل التداخل في التفسير، فالدولة هي ملك الشعب وليست ملكاً للمسئولين. لقد بيعت الدولة كلها من اجل كسب مصالح المسئولين الشخصية لا العامة وقد ساهم الاقليم في تدمير المركز ولا زال، ووضع في كل مؤسسات الدولة ركيزة مهمة له دون ان يكون للمركز فراشاً في أربيل . لكن اصحاب المصالح الشخصية الذين لم يدر الوطن في خلدهم ابداً قد وافقوا الخطأ دون أعتراض منهم خوفا على المصير.

ونصت (المادة 137) من الدستور: (على استمرار العمل في اقليم كردستان بالقوانين التي تم تشريعها منذ عام 1992، وتبقى نافذة المفعول ).لكن هذه المادة أنتهت بمجرد تكوين الجمهورية الجديدة في 2003 وكتابة الدستور الجديد الذي أنهى كل متعلقات القانون القديم (انظر المادة 138 من الدستور) .هذا التقصير في توضيح شفافية النص هو الذي اوجد كل هذه الاشكاليات اليوم بين المركز والأقليم والتي نرجو لها ان لا تستمر، فالتجربة السياسية في أقليم كردستان تجربة جديدة بحاجة للاستفادة منها في عراق التغييرلكن ضمن مصلحة الوطن ككل وليس ضمن مصلحة الاقليم حسب..

ونصت المادة (21) من الدستور على : ان (لا يمنح حق اللجوء السياسي الى المتهم بأرتكاب جرائم دولية أو ارهابية أو كل من ألحقَ الضرر بالعراق) .هذه المادة الدستورية لم تطبق بقانونيتها من قبل مؤسسة الرئاسة، ومؤسسة ادارة اقليم الشمال لقبولهم المتهمين بجرائم ألحقت الضرر بالعراق كما يدعي القضاء المركزي في بغداد، فليس من حق احد التستر عليهم – بغض النظر عن صدق الحقيقة من عدمها - .فلماذا تعاملت مؤسسة الرئاسة ورئيس اقليم الشمال مع النص بأزدواجية المعايير في القانون، وتسترت على الخارجين على القانون قضية الهاشمي مثالا،   فالقضاء يجب ان يكون مستقلا في التطبيق .فالأشكاليات الداخلية والشخصية بين المركز والاقليم، يجب ان تُنحى جانبا في التعامل مع الدستور .لا سيما وان أقليم الشمال يؤكد دوما على احترام وتطبيق الدستور. فعلى من تقع المسئولية في التقصير ؟

ونصت المادة (109) من الدستور على مايلي: (تقوم الحكومة الاتحادية بأدارة النفط والغاز مع حكومات الأقاليم باعتباره ملكا لكل الشعب العراقي ولا يحق لأي أقليم التصرف بالموارد النفطية والغازية دون الرجوع للمركز، وتوزيع الثروة لا يتم الا بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع محافظات العراق. ولازال قانون النفط والغاز طريح الفراش في مجلس النواب الهارب من مسئولية الوطن والشعب الى اليوم .هذا التداخل وقع على عاتق التطبيق المزدوج للقانون، فمحافظات الوسط والجنوب ظلت بعيدة عنه رغم كونها هي المنتج الاساس للنفط والغاز، لكن أقليم الشمال انفرد بالقانون وبدأ يعقد الاتفاقيات النفطية مع الدول الخارجية خلافا للدستور، وقام بتصدير النفط فعلا خلافا للقانون، علما بأن الاقليم يتقاضى 17% من واردات العراق من اول يوم التغيير ويستلمها عداً ونقداً مع واردات منافذ الحدود، ناهيك عن النفط المهرب بعلم الحكومة، بينما البصرة المُنتج الرئيسي للنفط فقيرة بشعبها، ومدمرة وخربة في بنيتها التحتية وهي بحاجة للمال العام. ان حجتهم في ذلك هوعدم اجراء أحصاء سكاني خلال العشر سنوات الماضية- وهذا صحيح - فالتقصير تتحملة وزارة التخطيط والمؤسسة التنفيذية المركزية المسئولة دون تفريق.فهل حدث هذا تغطية لتوافقات مصلحية غير مكشوفة بين الطرفين، أم انه نقصٍ في المعالجة والتنفيذ. في الدول المتقدمة تجرى الاحصائيات السكانية كل خمس سنوات لمراقبة التطور وحقوق المواطنين.

ونصت المادة (15) من الدستور على حق الفرد العراقي في الحياة والامن والحرية ولا يجوز حرمانه من هذه الحقوق أوتقييدها الا وفقا للقانون، وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة.واليوم نرى الألاف من المحتجزين حجزا أحتياطيا خلافاً للقانون.ان الألحاح في تشريع قانون العفو العام لهو خطأ كبير بحق الوطن والمواطنين، فالمفروض اخلاء سبيل المحتجزين فورا دون سبب قانوني معين مع التعويض لهم عن فترة الاحتجاز اذا ثبتت البراءة للمحتجز، ومحاكمة المقصرين حتى لا يتساوى المذنب مع البريء في تطبيق القانون، فالعدل اساس الملك بين المواطنين.

وكنا نأمل ان يصاغ الدستوربحيث يتماشى مع حالة التغييرمن قبل العلماء الدستوريين لأجتثاث كل هفوة او عثرة في تفسير المواد الدستورية السابقة لتُبنى على الشفافية والصحيح.، فالدستور هو روح الأمة، في تطبيق القوانين التي تحفظ حقوق المواطنين دون تمييز او تفريق بموجب عقيدة التشريع وليس في مبادئها فقط. هذا التوجه لم ينتج عنه اي تنظيم يحفظ حقوق المواطنين والدولة معاً بموجب مساواة القانون - كل مؤسسة تطبق القانون على هواها -، فظلت قوانين المؤسسات السياسية والجامعية والصحية والاجتماعية والثقافية والفنية في فوضى الأزدواجية في التطبيق مما مكن المستغلين والمزورين للشهادات العلمية من التسرب للمؤسسات العلمية والأدارية ووزارت الدولة وممثلية العراق في الامم المتحدة، وافسادها عن عمد وهذا تقصير متعمد يحاسب عليه القانون وغير مقبول.فالمفروض ان يكون التغيير قائما على اساس الحريات وشعور الأمان، وتحديد سلطة الدولة عن حقوق الناس، لينتقل مركز الثقل الى ابناء المجتمع ككل ليعم الازدهار الدولة والمجتمع معا. وهذا نقص في التشريع والتنفيذ.

وكنا نأمل ان تتحول الرئاسات الثلاث من مؤسسات فردية تتمحور حول شخص الرئيس كما كان متبعا في السابق (القائد الضرورة) الى منضومة مؤسسية منسحبة ومتعاونة مع كل مؤسسات الدولة دون تفريق.هذه المؤسسات يقع على عاتقها حماية الامن الداخلي والخارجي والمال العام للدولة وحقوق المواطنين لتبيان شخصيتها المستقلة عند المواطنين المادة (123) من الدستور، ترافقها القوانين الصارمة في حفظ حقوق الدولة والناس ومنع الرئاسات الثلاث من استغلال النفوذ والتصرف بحقوق المواطنين.فقانون (الدولة أنا) قد ولى مع التغييرفي 2003، فلا احد فوق القانون . لكن هذا النداء لم يلقَ تجاوبا من المسئولين، فظلت المؤسسات الرئاسية والمستقلة - البنك المركزي مثالا- ولا زالت في فوضى التحكم الفردي والاجتهادات الشخصية دون قانون ومجلس النواب هنا مسئول عن التقصير .والأ كيف منحت الرئاسات الثلاث هذه المنافع المالية الباهضة التكاليف، والامتيازات الأخرى بقوانين لم تنشر على الجماهير خلافا للدستور والقانون .ومنحت امتيازات الحماية الباهضة التكاليف وترك الشعب وحده يواجه الأرهاب الاسود في كل يوم وحين؟

لقد جرى انتخاب الرئاسات الثلاث وفق توافقات مفاهيم الطائفية والمحاصصية بين الكتل التي لم يقرها الدستور، علماً أنه (لا توجد في الدستور وبكل مواده جميعها مادة او فقرة من فقراته تشير للمحاصصة والمكونات الطائفية او الكتل الحزبية دون قانون للاحزاب مقر من قبل مجلس النواب). وهذا التطبيق السياسي جاء متناقضاً مع ( المادة 2 فقرة أ) من الدستورالجديد والتي تنص على عدم سن قانون يتعارض مع مبادىء الديمقراطية، فالمحاصصة والطائفية والكتلية التي طبقت قد جاءت لخدمة المصالح الشخصية دون قانون وتجاوزا على الدستور ومتناقضة مع مبدأ الديمقراطية. فهل يجوز ان نسمي الرئاسات الثلاث رئاسات منتخبة شرعا وقانونا وتستحق ممارسة سلطة القانون وحكم الناس؟ وهل يحق للمسئولين تعيين النواب خارج رأي الجماهيربقوانين لا تنطبق عليها صفة الانتخاب المقرر بالدستور أنظر المادة 47 من الدستور .

وللتغطية على هذا التجاوز القانوني الخطيرفي المؤسسات الثلاث منذ البداية سخرت بعض المؤسسات لرفع شعار تطبيق الشريعة الاسلامية في الحكم كما في الأحزاب الأسلامية - القرآن دستور الدولة -، والقرآن لم يكن دستورا لدولة الاسلام بل هو كتاب عقيدة وهداية، على ضوء احكامه تشرع القوانين – انظر نص الوثيقة الدستورية لدولة المدينة، المودع في مكتبة المتحف البريطاني في لندن. فكيف قبل فقهاء الشريعة من كل المذاهب صياغة القوانين على الحدس والتخمين، وكأننا عدنا الى طالبان لا الى عهد التحررالديمقراطي الجديد . ولو كان لهم هذا الحق شرعا وقانوناً لستقوا القوانين من العقيدة الاسلامية وليس من الشريعة، لان مبادىء التشريع قد تخضع لتفسيرات شخصية شتى بينما العقيدة ثابتة دون تغيير. في هذا البحر الهائج المتلاطم الأمواج من المذهبية والطائفية والمصالح الشخصية والاختلاف في تفسير النص الديني، رغم ان النص الديني لم يعد يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي في التطبيق في دولة ضاعت فيها معايير القانون والدين معاً.حتى اصبحت الشريعة تسمح بشرب الاموال والدماء على رأي المتخصصين دون حسيب او رقيب.

أنظر اعداد المسئواين الهاربين بتهمة السرقة خارج الحدود؟ واعداد المقتولين ظلما دون تحقيق؟.

هناك تفسيرات للمحكمة الدستورية تقول : بأن مبادىء الشريعة الاسلامية تعني (قطعية الدلالة وقطعية الثبوت- أنظر الموسوعة القضائية). وهو امر عند اهل الاختصاص خطير للغاية، لانها تلغي الاحكام السابقة وقد تتدخل في الغاء النص الثبت وكل جديد .لذا يجب الغاء كل نص مائع، بل يجب ان يكون الوضوح والشفافية في النص والتأويل له يؤدي الى المعنى الثابت دون تغييرالا بما يتوافق والقانون والشرع وحركة التغيير، وهذا لم يحدث ابداً، بل راحوا يبتكرون لنا نصوصا في التقديس والمغالات في الشعائر الدينية فتجمد العقل العراقي،   وبعثرت الاموال العامة دون توقير، بحجة احترام الشعائر الدينية التي جاوزت كل تصوروكأنها أصبحت قانون، فتحققت الانغلاقية الفكرية عند الناس وحجز القانون، وبعد ان جعلوا التوافق اللا شرعي واللاقانوني قانونا في التطبيق .أنظر موارد العتبات المقدسة واين تذهب بلا حسيب اورقيب؟ .وهي تعادل موارد مكة التي بنيت على احسن طراز ومدن العتبات المقدسة عندنا في العراق لازالت من خرائب السنين؟

وتبقى مسألة تعيين المستشارين والوكلاء والمدراء العامين في مؤسسات الدولة التي دخلت في فوضى التعيين دون معاييردستورية او قانونية، وكاننا لسنا في دولة بل في مشيخة، فعين من عين وأحيل للتقاعد من أحيل دون قانون، لأنهم هم أصلا غير مخولين بتطبيق القانون - فاقد الشيء لا يعطيه – فكيف جرى التعيين ؟وخاصة في عهد مجلس اعمار العراق سيء الصيت، الذي شكل في عهد بريمر واستغلها خونة التاريخ. ان القصد قد تحقق بمنح المعينين رواتبا خيالية لا تقل عن (8 ألاف دولار) سواءً كان عاملا أم محالأ للتقاعد، ومنح (رئيس مجلس النواب السابق محمودالمشهداني 40 الف دولار شهريا تجاوزا على القانون)، فهل يسمح القانون لمجلس النواب صياغة قوانين خارج مبادىء الدستور؟وهل محمود المشهداني متميزا عن المواطنين؟، فهل من يخترق القانون يصلح لادارته وان يكون ممثلا لمجلس النواب؟ . فشمل التعيين الاقارب والأصدقاء والمقربين والمنافقين وهي فرصة للفساد والاستغلال والتقاعد – انظر كل مدراء المكاتب الرئيسة في المؤسسات الرئاسية الثلاث من ابناء الرؤساء والمقربين؟ فكانت نكبة قصمت ظهر المال العام في التدمير خلافا للقوانين وكأن الميزانية لهم لا للمواطنين، والدولة وبعد أكثر من عشر سنين أصبحت أشبه بخرابة المتخلفين.واليوم لدينا المئات من المتقاعدين بهذه الرواتب الضخمة وهم لم يعملوا يوما واحد في العراق، ويسكنون هم وعوائلهم خارج الوطن، .بينما الاساتذة والاكاديميين والخبراء والسياسيين الذين لم يوافقوا هواهم ظلوا على تقاعدهم القديم معوزين، وبعد ان سنت القوانين بتمييزالمعايير بين المتقاعدين وبعلم الرئاسات الثلاث دون تمييز.

أنظر قوانين الخدمة الجامعية لسنة 2008.

ونصت (المادة 103) من الدستورالتحقق من عدالة توزيع المستحقات المالية بين الأقاليم، والتحقق من استخدام الأمثل للموارد المالية الأتحادية وأقتسامها بين المحافظات او الأقاليم. فلا أدري كيف استطاعوا تحقيق نص المادة وهم لم يستطيعوا أجراء تعداد سكاني عام في البلاد خلال أكثر من عشر سنين لتقدير حصص الأقاليم، فكيف جاز لهم تخصيص 17% من ميزانية الدولة لأقليم كردستان دون معايير التقسيم؟ - انظر مقررات مؤتمر لندن عام 2002 - بينما بقي الجنوب تنخر فيه البطالة والأمية ونقص المباني المدرسية والمستشفيات ومراكز البحوث والتعليم والتخلف ونقص الموارد في التعمير. وظل مجلس اعمار العراق للوطن المزيف برئيسه السارق الهارب يسرق ويعين المحاسيب باعلى الرواتب ويحيلهم على التقاعد دون خدمة فعلية ودون معايير قانونية او دستورية وبلا حسيب او رقيب.الا يستحق هذا اللارجل محاسبة القانون ؟

وظلت بقية المحافظات بعيدة عن التطبيق، ألم يكن هذا تجاوزا على الدستور وغبنا للاقاليم الأخرى دون تقدير. ومنح أقليم الشمال أستثناءات في التعيين للوزراء والوكلاء والمستشارين والسفراء ومؤسسة رئاسة اركان الجيش والاشراف على مؤسسات المركز دون تحديد، مما مكن الأقليم من الظهور بمظهر القائد والموجه دون توقير للمركز والأقاليم الاخرى، حتى اصبحت الحكومة لا تشكل الا بموافقة اتفاقيات أربيل . وقيادات المركز ورؤساء الكتل السياسية تهرول خلف اربيل، والقاعدة السياسية في حكم الدولة تقول : (ان الرئيس يُزار ولا يزور)، فأين الخطأ؟ ومع هذا التجاوز القانوني فأن الغالبية من القيادات بأستثناء دولة القانون يصرون على تنفيذ اتفاقيات اربيل التي حلت محل المركز في التقييم.ألم يكن هذا تجاوزاً على الدستور؟.

واليوم تعقد الاتفاقيات بين اقليم الشمال والدول الخارجية والسيد رئيس الاقليم يُستَقبل في العالم باحترام وتقدير يفوق احترام رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب دون الاكتراث بقوانين الدستور، ولا علم للمركز على ماذا يتفاوض، ولا احد يعترض، ولكن من الناحية الاخرى تتدافع القيادات العراقية المختلفة نحو السليمانية وأربيل لكسب ولاء الرئيس والرئيس الاخر – يا مكثرهم عندنا - بعد عودته من رحلته العلاجية المحتملة التي دامت اكثر من سنة غائبا في المانيا دون ان يعلم الشعب مصير الرئيس، علما ان غيابه عن الوظيفة شهرا واحد يستحق التغيير بالبديل (انظر المادة 69 الفقرة ج ) ولا احد يستيطع ان يعلم الشعب علم اليقين ولاز الت التصريحات تترى على الخالي والمليان دون تأكيد، وهذه مسئولية الجميع القانونية والاخلاقية دون تمييز، فاين السيد رئيس الوزراء مسئول السلطة التنفيذية في مكاشفة الشعب عن كل خطأ مقصود ؟.، في وقت يتواجد رئيس الاقليم في ايطاليا اليوم للتفاوض دون استشارة المركز وليتخلص من هلمة التزاحم خلف السليمانية .فهل نحن في دولة فدرالية أم كونفدرالية ؟ وهل ان العاصمة بغداد أم السليمانية؟ فهل عدنا الى دولة المتوكل العباسي (ت232للهجرة).الى هذه الدرجة هان الوطن على قياداته دون توقير. والحقيقة ما كنا نتوقع من السيد رئيس الوزراء السكوت في عاصمة العراقيين ولا تستبدل بغيرها، فكيف تريد ان تصبح زعيما لكل العراقيين، فاين خبرة حصاد السنين ......؟.

.ونصت (المادة 104) من الدستور على انشاء مجلسا للخدمة المدنية يختص بتعيين الموظفين وفق مبادى العدل والمساواة لانصاف المواطنين.، لماذا ظلت هذه المادة مجمدة دون تفعيل؟ من اجل ان يكون التعيين للكيانات الطائفية البغيضة وحرمان بقية المواطنين، حتى غصت المدارس والمؤسسات الجامعية والصناعية بالأميين والأميات ممن ملكوا شهادات التزوير- اعترف السيد رئيس الوزراء بوجود (10ألاف شهادة دراسية مزورة) من ضمنها الوزراء والنواب، وممثلي العراق في الأمم المتحدة، ألم يكونوا كلهم من العراقيين ؟ فأين مؤسسات الرقابة والديمقراطية والمفتش العام كما نص عليه الدستور؟. وما هو السبب في التعطيل ؟ انظروا الى مؤسسات الدولة كيف تدار ومن هم موظفيها في التعيين.وجامعة بغداد على عهد الدكتور محمد الموسوي مثالاً .

ان كل ما يكتب في الصحف والمجلات المستقلة اليوم يذهب أدراج الرياح بعد ان ملكت السلطة شبكة الاعلام العراقية الموجهة لخدمتها ورؤساء التحرير كلهم دون تمييز، وهي بكل أمكانياتها المادية الكبيرة التي يجب ان توظف للصالح العام، وكأن جريدة الصباح بروؤسائها قد عادت الينا اليوم بثوب مجلة الف باء سيئة الصيت التي ابتكرت لصدام حسين الف لقب جديد حتى غدا يشعر بأنه أصبح فوق الناس والقانون، لكنها عجزت عن كتابة مقالة واحدة تدافع عن العراق وحكومته حينما تعرض الوطن لحملات التشهير من صحف المجاورين. كما سكتت المواقع الالكترونية الممولة من الدولة في لندن وباريس وواشنطن التي تمدها السلطة من المال العام من الدفاع عن ارض ونفط ومياه وكرامة العراقيين المغتصبة عند المجاورين.ولكن مع من تتكلم حينما أصبح المسئول مقيدا برأي الكتلة الضيق وبمحاصصة قانون المحاصصين .

ان الاجراءات البطيئة في ملاحقة المقصرين والتعتيم على المخالفات واستخدامها سلاحا في التهديد، والتبذير في المال العام على غير هدىً في المؤسسات والوزارات والسفارات ومراكز الثقافة قد ادت الى اهدار المال العام بتقصد وهو مخالف للدستور ويحاسب عليه القا نون، والتسويفات المتبعة اليوم بعد ان اصبحت وزارة الثقافة لا تدري سوى احتفالياتها السنوية والمئوية دون تحديد من توجهاتها وفائدتها للوطن والمواطنين ولا تخدم العدالة واصدار الاحكام المناسبة، بل الدولة مطالبة امام الشعب بأن تعرض كل ما يدور في اجهزة الدولة مخالفا للقانون .ففي الدول الديمقراطية - والعراق منها بحسب الدستور- يستفتى الشعب حتى على تبليط الشوارع في المدن وتحقيق الأمن والاستقرار السياسي والعدالة للمواطنين، وهي مفقودة اليوم في بلادنا وستُفقد أكثر اذا استمرت مؤسساتكم تعتمد على المحاصصين .واليوم تباع العملة الصعبة باوراق الدنانير ولا احد يدري ما فلسفة المنفذين، في وقت تحرص الدول على الاحتفاظ بالعملة الصعبة لتغيير البنية التحتية التي هدمتها حروب السنين، وهكذا ضاعت اموال الاجيال ومؤسسات المواطنين .

أمن أجل هذا جاء التغيير...؟

كنا نأمل ممن تزعموا الىتغيير، تغيير المفاهيم المتوارثة في اكثر من ميدان من ميادين المعرفة وان يشتركوامعا في صنع رؤية جديدة لمستقبل الانسان العراقي قائمة على العقل والعلم والحرية.

وكنا نامل ان تحدد سلطة الدولة عن حقوق الناس ولم يعد الحاكم يسجن ويقتل ويشرد المواطن دون محاكمة او محاكمة صورية، وان لاتهون عليه دماء المواطنين، فأين من قتلوا منذ2003 ولحد اليوم لم نعرف عنهم شيئاً.؟

وكنا نأمل ان تنهض الحركة العلمية لتحرك التاريخ والحضارة وتدفعهما بالخط المستقيم بدلا من الدوران في الدائرة المفرغة بعد ان يطلعوا على نظريات تجارب الامم في التقدم والتطوير.

وكنا نأمل بعد ان قدمنا الدم والمال ان نتخلص من الفلسفة المثالية التي تقودها مرجعيات ورجال الدين وننتقل الى الفلسفة الواقعية في التطبيق، كما فعلت دول التحضر كما في ماليزيا وجنوب افريقيا مثلا.

كنا نأمل ان يعملوا على تحويل المبادىء الى تشريعات نافذة، ونتخلص من الذين يؤمنون ان فكرهم خلاصة العلم ونهاية التجارب، وان يكون توفيق المواطن على اساس المواهب والقدرات للمواطنين، ولا تمييز بين العلماء وطلاب البعثات واماكن ارسالهم الا بماهم فيه متقدمون.

فهل تحول العقل عندنا الى الى عدالة القانون، فالميزان الاخلاقي والقانوني لا يعرف في التعامل الا ما يمكن عمله قانونا ولا شيء بينهما. فنحن نطالب بأن تحكمنا قواعد الشرف والنبل لنضطر الى التعفف والتسامي في معاملة المواطنين.

وتبقى العبرة في كل هذه القواعد الخلقية في التاريخ بالتنفيذ، وهي تحتاج الى جرأة وبسالة وأيمان واستعداد للتضحية من قبل المسئول والمواطن، فهل نحن من المضحين؟ليبقى تاريخنا قائما على عقل المتدبرين؟

فالدولة ليست ملكا لاحد، والارض نفسها ليست ملكا لاحد، هكذا قالها قرآن المسلمين ...؟ ولو دامت لغير الحاكم السابق لما وصلت الى الجديد؟.

فهل يتفكرون ...؟

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

saieb khalil...زعلت المفوضية العليا لأن البعض أزعجها وهي تمارس اجتثاث المرشحين الذي سيسبق مهمتها في تزوير الإنتخابات كما فعلت نفس المفوضية بتغير بعض الأسماء، حين فضحناها في المرة السابقة وفضحتها النائب حنان الفتلاوي في أمور أخرى خطيرة لاحقاً. سنتعرض للظروف المهيئة لتزوير الإنتخابات أكثر من اية انتخابات سابقة في مقالة أخرى، أما اليوم فسنبحث في موضوع استبعاد النواب "لسوء سيرتهم وسلوكهم" وهي مسخرة لم أسمع بمثلها في اي بلد ديمقراطي، رغم أني تابعت عدداً لا بأس به من الديمقراطيات، ولم يمر علي أنه قد تم استبعاد أي برلماني في أوروبا أو أميركا بمثل هذه الحجة، رغم أن جميع برلماناتهم بلا استثناء تعج بـ "سيئي السلوك والسمعة" من نازيين جدد وشوفينيين وعنصريين من أقبح النماذج البشرية (إن تمكنا من تجاوز تأثير القاط والرباط الذي تلبسه هذه الشخصيات، علينا).

سننظر في هذه المقالة إلى مدى معقولية مثل ذلك القانون أو النص الدستوري وتطبيقه، وقبل ذلك أود أن أشير إلى أنه لا يوجد بين النواب المستبعدين نائب واحد يهمني شخصياً أو سياسياً، وقد كتبت بشكل سلبي عن بعضهم ولم أكتب إيجابياً عن أي منهم، ولذا فيجب أن أكون سعيداً بهذا الإجتثاث وبالتالي فالمفروض وفق التراث السياسي والإجتماعي في العراق، أن أكتب مؤيداً للإجراء أو أصمت على الأقل، لكني رغم ذلك أقول بوضوح: إنها مهزلة أخرى! واليكم الأسباب..

كلنا نعلم أن للنائب، باعتباره شخصاً منتخباً من الشعب وحائز على ثقتهم، مكانة خاصة تضعه فوق الناس العاديين الآخرين فيما يتعلق بسلطة السلطتين التنفيذية والقضائية عليه. فمحاكمة النائب تعني في حقيقة الأمر محاكمة عشرات الآلاف أو مئات الآلاف أو ربما الملايين التي انتخبته، وإصدار حكم يؤثر على حريتها في اختيار من يمثلها، وبالتالي في ثقتها بالعملية الديمقراطية كلها، وهذه قضية ليست هينة. ومن ناحية أخرى فأن هذا الأمر يتعلق بروح الدستور الأساسية المسماة "فصل السلطات" حيث لا يجب أن تكون هناك سلطة مباشرة لإحدى السلطات على الأخرى تتيح للأولى أن تبتز الثانية أو تؤثر عليها، وإلا فقدت السلطة التي يقع عليها التأثير، حريتها وقدرتها على ممارسة عملها باستقلال، وانهار أحد أعمدة الديمقراطية.

ومن هاتين النقطتين، ومن خلال التجارب العملية التي أكدت دائماً صعوبة تطبيق القانون بأمانة تامة، وأن السلطتين التنفيذية والقضائية يمكن أن تؤثر عليه بشكل كبير إن فسدت أي منهما، نبعت فكرة الحصانة البرلمانية للنواب (وكل من ينتخب من قبل الشعب).

لكن تلك الحصانة من الناحية الأخرى لا يمكن أن تكون كاملة، لأنها عندذاك تتناقض أيضاً مع الدستور الذي يؤكد أنه يجب أن لا يكون أي فرد فوق القانون. وليس من المنطقي أن يترك النائب مطلق الحرية من المحاسبة ليفعل ما يشاء بضمنها ارتكاب الجرائم.

ومن موازنة عوامل هذا التناقض وقع الخيار لدى المفكرين الدستوريين على إعطاء النائب حصانة جزئية تتمثل بضرورة موافقة السلطة التشريعية (مجلس النواب الذي ينتمي إليه) على محاكمته بعد نزع الحصانة منه بشكل مؤقت، في حالة اتهامه بجريمة كبيرة (جناية)، حتى تتم المحاكمة وفق الأصول.

ما الذي يحصل في العراق؟ المادة 8 ثالثاً في قانون الإنتخابات لعام 2013(*)، تشترط أن يكون المرشح "حسن السيرة والسلوك"! وهي عبارة مطاطة للغاية ولا تنتمي لعلم القانون أو الدستور الذي يتطلب تطبيقه السليم كلمات معرفة بشكل واضح وموضوعي (مقابل "ذاتي" يعتمد على رأي الشخص وليس النص القانوني). فعندما لا يمكن تعريف "الجريمة" أو الحالة بشكل واضح، فلا يمكن وضع الحكم وفقها. لكن ما تتسبب به عبارة "حسن السيرة والسلوك"، هو حكم في غاية الأهمية يتعلق بهيكل نظام الديمقراطية في البلاد، ويؤثر كما قلنا على موقف ومصالح ألاف وربما ملايين الناس، وفي موضوع تتضارب فيه مصالح كبيرة جداً بشكل شديد، وكل هذا يجعل منه عرضة للمؤامرات والدسائس والرشاوي لاستغلال أي ثغرة في أي قانون، ولذلك توجب أن تكون العبارة معرفة بشكل محدد تماماً يكاد يستحيل استغلالها من قبل القاضي أو الجهة المخولة بالحكم.

من الواضح لنا على الأقل أن مفهوم "حسن السيرة والسلوك" مفهوم أخلاقي إجتماعي يستحيل تعريفه تقنياً، وهو يتعلق لذلك بالضرورة برأي الغالبية من مواطني ذلك المجتمع أو شريحة كبيرة منهم، في الموقف الأخلاقي لشخص أو جهة ما. فما هو "سلوك حسن" في مجتمع يمكن أن يكون سيئاً في مجتمع آخر.. أن "الحكم الأخلاقي" للعلاقة بين الرجل والمرأة، أو طريقة لبسهما وتصرفهما تختلف تماماً بين الريف والبداوة والمدينة. وكذلك الغزو والنهب الذي كان (وربما ما يزال) من صفاة البداوة المحترمة لكنه ليس كذلك بالنسبة للمدينة. ويتعلق الأمر بطريقة عيش الناس في المناطق المختلفة وطبيعتها وتاريخها. وحتى الفوارق بين المدن مؤثرة في هذا المجال، فكيف سنضع قانوناً عاماً لكل البلد، يعتمد على عبارة أخلاقية تعرفها مناطقه المختلفة بأشكال مختلفة بل ومتعاكسة أحياناً؟

وحتى لو افترضنا مجتمعاً متجانساً ينظر الناس فيه بشكل متقارب إلى "السيرة والسلوك"، وأنه بالإمكان القيام بإحصاء شعبي على عينة من الناس وسؤالها عن رأيها بشخص ما، إن كانت ترى سلوكه حسناً أم لا، فأننا نعلم جيداً بأن هذا الإجراء غير الواقعي أساساً، وفي كل الأحوال لم يتم اتخاذه من قبل الهيئة القضائية التي حكمت على سلوك النواب في العراق، ولم يقم أحد بأي بحث حول رأي الناس بأي من الذين اتهموا بسوء السيرة والسلوك، فمن الذي قرر ذلك وكيف؟

ألذي قرر ذلك هو مجموعة أشخاص لهم سلطة قضائية. هذا كل ما نعرفه (حتى أسماءهم غير معلنة لنا!). ولكن الخلل هو أن السلطة القضائية ليست معدة لإصدار قرار بمثل هذا الأمر. فتلك السلطة معدة لتنظر فقط فيما إذا كان متهم ما قد خالف النصوص القانونية أم لا، وما هو الحكم الذي يفرضه القانون جراء ذلك. إن ميزة هؤلاء عن الناس الآخرين والتي تعطيهم الحق في الحكم على الناس (بموجب القانون)، ليس في ذكائهم أو أخلاقهم الخاصة أو نسبهم المشرف، بل هي معرفتهم بذلك القانون ودراستهم له، وقدرتهم بالتالي على تحديد من قام بمخالفة ذلك القانون ممن لم يخالفه، ثم تحديد العقوبة التي فرضها القانون على تلك المخالفة إن وجدت. إن هذا لا يجعل منهم أفضل من بقية الناس حكماً على الأخلاق، وبالتأكيد ليس على موقف الرأي العام من أخلاق شخص ما، مثلما لا تعطي دراسة الهندسة المهندس افضلية في تشخيص مرض مريض. وهكذا فأن اعطاء لجنة قضائية مثل هذه الصلاحية يعتبر خلطاً خطيراً ينم عن سوء الفهم. ولعل الخطأ أتى من اعتيادنا على أن "القضاء يحكم"، فعندما أحتجنا إلى من "يحكم" في الأخلاق، قفز إلى فكرنا أن نسأل القضاء، فيما هو بعيد عنه. لكن الحقيقة أن إعطاء السلطة القضائية الصلاحية لتقرر فيما إذا كان شخص ما "حسن السيرة والسلوك"، لا يختلف عن إعطائها صلاحية أن تقرر فيما إذا كانت إمرأة ما جميلة أم لا! إن كنا سنضحك من الحالة الثانية، فلماذا لا نضحك من الأولى؟

كيف قام القضاة بالحكم إذن؟ كما يبدو فأنهم قاموا ببساطة بالعودة إلى ما يعرفون: التعامل مع القانون. فنظروا فيما إذا كان المتهم قد حكم بحكم قانوني ما في ماضيه، واعتبروا أن الحكم على شخص بمخالفة أو جريمة قد يمثل "سوء سيرة وسلوك"! وربما حاول هؤلاء أن يربطوا بين "سوء السيرة" والجرائم المخلة بالشرف، وهذا سهل فهي جرائم محددة في القانون ولا تقبل الإجتهاد. هذا الربط منطقي لكنه للأسف لا يحل المشكلة لأن نص المادة ممشكل للغاية، فالمادة تقول بالضبط: “أن يكون حسن السيرة والسلوك وغير محكوم بجريمة مخلة بالشرف”. أي أنها فصلت القضيتين فافترضت بالضرورة أن "حسن السيرة والسلوك" لا يرتبط بالضرورة بارتكاب جرائم مخلة بالشرف (وحدها). وهنا يجد هؤلاء القضاة المطالبين بـ "الحكم" أنفسهم امام حالة شخص لم يرتكب جريمة مخلة بالشرف، ويجب الحكم عليه إن كان "حسن السيرة والسلوك" أم لا، وعليهم أن يقرروا أمراً خطيراً لا يتعلق بمستقبل وحياة النائب وحده، بل الآلاف أو الملايين من ناخبيه أيضاً، ويؤثر على العملية الديمقراطية في البلاد ومستقبلها دون أن يتوفر لديهم نص درسوه يساعدهم على مثل هذا الحكم!

ولننظر فيمن حكم عليه ومن تهددته الأحكام في هذه القضية لنرى إشكالات تطبيقها العملية.

لنبدأ بالنائب مثال الآلوسي الذي تم استبعاده من قبل قضاة المفوضية، ثم نقض القرار بالتمييز. ونرى في قضيته في شطريها – الإستبعاد والنقض، الخلل الواضح في هذا الإجراء. فإذا نظرنا إلى مفهوم "السيرة والسلوك" وبعدهما الإجتماعي، فأن مثال الآلوسي قد يكون أكثر نائب يعتبر إجتماعياً وأخلاقياً، سيء السيرة والسلوك، لفعلته المستهجنة من قبل المجتمع العراقي بزيارة إسرائيل والإجتماع مع كبار ضباط الجيش والأمن فيها، وبمبادرة شخصية منه. بل أن تلك المبادرة تعتبر "جناية" وفق القانون حيث أنها إتصال مشبوه بالعدو، قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، لو توفر في عراق ما بعد الإحتلال الأمريكي، من يتجرأ على اتهام من يتصل بالأمن الإسرائيلي بتلك التهمة ويحاسبه عليها! نتيجة سوء سلوكه هذا، فقد قامت عائلته بالتبرؤ منه، وفشل حزبه في الحصول على مقعد واحد في الإنتخابات السابقة رغم كل الجهد الإعلامي من المؤسسات الإعلامية الأمريكية في العراق. ويلاحق أينما ذهب بالسؤال عن زيارته تلك لإسرائيل، وهو يعترف بشكل غير مباشر بأن تلك الزيارة ربما تكون قد كلفته حياته السياسية. وكل هذا لا يعني سوى أن المجتمع يستنكر ذلك السلوك ويعتبره سيئاً. وعلينا أما أن نقول أننا لا نتعامل مع "الحكم الإجتماعي" وبالتالي لا مفر من إلغاء عبارة "حسن السيرة والسلوك" من النص القانوني، أو أن نتعامل معها على حقيقتها إن أردنا الإحتفاظ بها. فكيف تم نقض حكم قضاء المفوضية بشأنه؟

وإذا صدقنا ما صرح به النائب السابق نفسه عن محاكمته بهذه التهمة، فأن السبب هو "انتقاده للمالكي". ليس في تاريخ الرجل ما يشجع على تصديقه، لكننا أمام الظلام الدامس لغرف المفوضية التي لا يرى من خلالها شيء، ولعدم توفر أية معلومات أخرى ولعدم نفي المفوضية أو أية جهة أخرى لما قاله الآلوسي، فليس لنا سوى أن نصدقه حتى يثبت العكس. كما أننا نشجع على تصديق هذا الإدعاء بملاحظة قائمة من تم استبعادهم في نهاية الأمر، وعلاقتهم بالمالكي.

في هذه الحالة فأننا نرى أن الآلوسي لم يحاكم على سلوكه المشين من وجهة نظر المجتمع، بل على سلوك مشين وفق منظور السلطة التنفيذية التي تخضع بعض السلطات القضائية لتأثيرها كما يبدو وكما تدل عليه قضايا أخرى عديدة!

ولو التزمنا رأي المجتمع حقاً، فلعل أكثر شخص يجب أن يحاكم بتهمة سوء السيرة والسلوك هو أياد علاوي الذي اعترف بنفسه بعلاقات أمنية أجنبية يستهجنها المجتمع أشد الإستهجان، وقام بأعمال كثيرة أثناء فترة حكمه (كتبنا عنها كثيراً) يمكن اعتبارها من أسوأ ما يمكن من سلوك، وكلها مثبتة رسمياً. أما غير المثبتة رسمياً فتصل إلى تهم عليها دلائل قوية جداً، بالتعذيب في زمن البعث، وبالقتل في زمن الأمريكان! هذه كلها لم يجرؤ أحد على محاكمة رجل اميركا في العراق عليها، لكنها بقيت في ضمير المجتمع لتمثل حكماً قوياً بسوء السيرة والسلوك. وطبيعي أن ليس كل المجتمع من هذا الرأي، فلعلاوي ناخبيه الكثيرين، والحكم بإقصائه، يمثل شئنا أم أبينا، أستبعاداً لشريحة كبيرة من الناس من العملية الديمقراطية.

ونفس الشيء ينطبق على رئيس الحكومة الحالية نوري المالكي نفسه! فهذا الرجل، وإن لم يكن متهماً بالتهم الخطيرة لأياد علاوي، فإنه يعتبر "سيء السلوك" لدى شرائح كبيرة جداً من الناس تمثل ناخبي التيارين الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى وغيرها بين الشيعة، إضافة إلى غالبية السنة والعلمانيين في العراق. ولكنه من الجهة الأخرى يحظى بتأييد شرائح كبيرة جداً أيضاً ولا تراه سيء السلوك، بل يراه الكثيرون "بطلاً"! أياد علاوي والمالكي، رئيسي أكبر كتلتين انتخابيتين، لم يحاول القضاء في المفوضية النظر في اتهامهما بمثل تلك التهمة. ولو فعلت لخسرت الديمقراطية ثقة الكثير من الناس أيضاً.

ولنأخذ أخيراً النائب عالية نصيف. في الأمثلة السابقة كان هناك وجهة نظر واختلاف حول حسن السيرة والسلوك لللشخصيات التي ذكرناها، أما إن أخذنا رأي المواطن العراقي والموقف الإجتماعي فإنه من المثير للسخرية بمكان مجرد التفكير أن عالية نصيف "سيئة السيرة والسلوك". صحيح أنها أفلتت من التهمة بواسطة التمييز، لكن كان يمكن أن لا تفلت وأن تحكم التمييز على نفس الأساس الذي حكمت به الهيئة القضائية، وتخرج نصيف على اساس أن "سيرتها سيئة"! وهذا مناقض تماماً لأنطباع الناس عنها، ولا يمكن إقناعهم، وخاصة ناخبيها، بأن مرشحتهم "سيئة السيرة والسلوك"، وبالتالي لا مفر من أن تخسر الديمقراطية ثقة هؤلاء الناس، وتتآكل قيمتها في البلد. وما قيل عن نصيف يقال عن كل مرشح آخر يقصى على أسس غير محددة، وغير قادرة أن تجبر ناخبيه على الإعتراف بعدالة ذلك الإقصاء.

إن محكمة التمييز التي أنقذت نصيف من الحكم شبه العشوائي بالإستبعاد، ليست بحال أفضل من المحكمة الأولى التي حكمت به، ولا قرارها بنقض الإستبعاد بأقل عشوائية من قرار الأولى. فمحكمة التمييز التي نسقط عليها أحتراماً خاصة في قضايا أخرى (خبرة قانونية كبيرة) لنطبقه على قضية بعيدة تتعلق بالأخلاق الإجتماعية، والتي ليس لها أية علاقة بالخبرة أو القانون، لا تمتلك هي الأخرى أية أسس موضوعية يمكن أن تستند إليها لقبول أو رفض الحكم الأولي. فما هو ذلك الأساس الذي حكمت به الهيئة القضائية بالإستبعاد، وما هو الأساس الذي قامت بموجبه محكمة التمييز بالنقض؟ عندما يحكم القاضي بحكم ما، فإنه يتلو علناً على أي نص أستند ووفق أية مواد اصدر حكمه. إنني أتمنى أن أرى نص الحكم ونص التمييز وأسبابهما وما استندا إليه.

أتصور أن هذا هو السبب في أن أي من تلك الأحكام لم يعلن وينشر أمام الجمهور وإنما اكتفي بنشر الأخبار عن صدور ذلك الحكم، وهي مختصرة إلى حد مذهل، فلم أعرف ولم يعرف الناس على خلفية اية أسباب بالضبط تم استبعاد كل ممن تم استبعادهم من الترشيح! وهنا نجد أنفسنا أمام مهزلة أخرى، وهي أن النائب، الذي يفترض أن يتمتع بحصانة أقوى من حصانة المواطن القانونية، لا يحصل على ما يحصل عليه المواطن العادي من توضيح حين يحكم عليه. وإن حصل وبقي الحكم بين المرشح والمحكمة كما يبدو، فليس من المعقول أن تحرم جماهير من حقها في انتخاب مرشحها دون ان تعلم سبب ذلك الحكم و أن تقبل بذلك الحكم بدون المطالبة بأية معلومات وتسكت، وهي التي يفترض أنها "تحكم" البلد من خلال الديمقراطية. هذا السلوك السلبي من جانب الجماهير مؤشر خطير آخر مثير للقلق.

 

إن اعتمدنا على ما هو شائع، فأن السبب الذي تم إقصاء النائب نصيف من الترشيح في البداية هو ما قالته حول الكويت ورشاويها لزيباري والتي خسرت بسببها دعوى تشهير أكسبتها تعاطفاً شعبياً وليس العكس! وهنا علينا أن نفهم أن خسارة دعوى التشهير لا يعني أكثر من أن المدعى عليه، لم يستطيع إقناع القاضي بأن أدلته كافية لما اتهم به الطرف الآخر (المشتكي). وهناك منطقة رمادية واسعة جداً، ويمكن تماماً أن قاض آخر كان سوف يعتبر الأدلة كافية. وفي كل الأحوال فأن حكم التشهير يقتصر في العادة على تعويض المتضرر منه بشكل غرامة تفرض على المتهم وتنتهي القضية.

وهناك قضية أخرى مهمة يبدو لي أن أحداً لم يتطرق إليها في هذه القضية وكل قضايا التشهير المقامة ضد أي نائب. فواضع الدستور قد وضع ضمن نص حصانة النائب شرطاً إضافياً لحمايته من احتمال تعسف السلطة التنفيذية أو القضائية، وهي اشتراط أن يكون متهماً بـ "جناية" لكي يسمح حتى للبرلمان برفع حصانته بالأغلبية المطلقة، وثم محاكمته! والجناية هي فقط أشد أنواع الجرائم "فالجريمة بشكل عام تقسم إلى ثلاثة أقسام بحسب جسامتها وخطورتها : الجناية و الجنحة والمخالفة . فالجناية تعد أشد وأقسى أنواع الجرائم .. ولذلك فعقوبتها تصل إلى الإعدام". ومن الواضح أن جريمة التشهير ليست من هذا النوع من الجرائم، وبالتالي فأن الدستور لا يتيح حتى للبرلمان أن يرفع الحصانة لمحاكمة النائب المتهم بها!

إضافة إلى ذلك فهناك نص دستوري صريح يمنع (!) مقاضاة عضو مجلس النواب عن جرائم المتعلقة بما "يدلي به من آراء"، وهو يشمل بوضوح لا جدال فيه، "ألتشهير"! والنص هو المادة (63)، ثانياً – أ- والتي تنص على: "يتمتع عضو مجلس النواب بالحصانة عما يدلي به من آراء في اثناء دورة الانعقاد، ولا يتعرض للمقاضاة امام المحاكم بشأن ذلك". وبما أن التشهير هو بالضرورة "رأي" من آراء النائب، فأنه لا يجوز وفق الدستور تعريضه للمقاضاة أمام المحاكم بشأنه! فعندما أبدت نصيف رأيها بأن زيباري قد حصل على رشوة من الكويت، فإنها ليست مضطرة حسب الدستور أن توضح أمام محكمة سبب رايها هذا ومن أين اقتبسته. ومن حقها إذن أن تحتفظ بسرية مصادرها ومعلوماتها. إنه لمن الغريب أن تتم محاكمة عدة نواب بتهمة التشهير، رغم ذينك النصين الصريحين في الدستور، ولا يقف النائب المتهم بوجه ذلك ولا محاميه!

ربما يقال أن هذا يتيح للنائب أن يقوم بالتشهير دون خشية عقاب، وأن هذا قد يجعل الحال أكثر فوضى، ولكن بالمقابل فأن ذلك يتيح للنائب أن يتكلم دون خشية الزلل والملاحقة القانونية، وهذا ضروري لممارسة عمله. وفي كل الأحوال، فأن المتضرر من التشهير بإمكانه أن يطالب النائب ببراهينه أمام الناس، فإن لم يقدم الأخير أية براهين، فإنه يضع علامة استفهام على مصداقيته وسيكتب الإعلام عنه. وإن تكرر الحال مع آخرين فقد يخسر ثقة ناخبيه وعمله وهذه هي العقوبة الفعلية على ذلك. اما تعويض المتضرر، فإنه بحصوله على تركيز الأضواء وفرصته في نفي التهمة ومطالبة المقابل بإثباتها، فإنه يخرج رابحاً أكثر مما خسر.

وعلى أية حال، فسواء اتفقنا مع هذا الإستنتاج أم اختلفنا، فالنص الدستوري واضح، وإن أردنا غير ما ينص عليه فيتوجب علينا أن نسعى لتغيير النص الدستوري بطرقه الأصولية. وحتى ذلك الحين فأن محاكمة النائب بتهمة التشهير بسبب ما قاله وعبر به عن رأيه، عمل غير دستوري، ومن رأيي أن من حق نصيف وكل نائب اتهم بالتشهير أن يشكو عدم دستورية المحكمة التي حاكمته، ومن حق النواب مستقبلاً رفض الحضور أمام مثل تلك المحكمة.

وكما أشرنا أعلاه، نلاحظ هنا عدم جواز محاكمة النائب في مثل هذه التهم حتى في حالة رفع الحصانة عنه من قبل البرلمان، فموضوع رفع الحصانة يتعلق حسب ب، وجـ من نفس المادة، في حالة الإتهام بجناية فقط، ولا علاقة له بتهمة تتعلق بما يبدي من آراء أثناء انعقاد الدورة، والتي حرمت أ، من تلك المادة بوضوح محاكمته عليها بدون استثناءات.

إذن فعمليات الإستبعاد التي قامت بها المفوضية، عمليات غير قانونية وتستند إلى نص قانوني فضفاض يجب الغاؤه (وهو ليس نص دستوري)، كما أن محاسبة المرشحين كانت على أسس غير معلنة وغير واضحة وفي كثير من الأحيان على مجرد تهم لم تثبت بعد كما يبدو، وأهم من كل ذلك ان الجماهير لم تعط فرصة لمعرفة ما يجري وتحت أية حجج أو أسباب تم استبعاد مرشحيها، وأن رد فعلها السلبي دليل خطير على انعدام ثقتها بالمؤسسة الديمقراطية ويأسها منها ومن مؤسسات الدولة القانونية والتنفيذية.

كذلك يزيد الطين بلة أن تكون الأحكام المثبتة تخص الجهات المعادية للحكومة بشكل عام وهو ما لا يوحي بالثقة أبداً، خاصة إن جمعنا المشكلة الأولى والثانية والخلفية المستقطبة وانعدام الثقة العام في البلاد. أما من الناحية الأخرى فأن هذه الأحكام لم توجه رسالة إلى النواب سوى أن حصانتهم ليست سوى وهم، وأنه إن كانوا يتمتعون بدفاع كتلهم وبرلمانهم عنهم وقت انعقاد الدورة فأن هناك كمين يتربص بهم في نهايتها، قادر على إقصائهم بدون سبب محدد، أو لأي سبب بسيط يصلح كحجة، وأن ناخبيهم لن يرفعوا أصبعاً في الدفاع عنهم.

من ناحية أخرى علينا أن ننبه الجهات المستفيدة من مثل هذه الإجراءات والتي اعتبرتها انتصاراً وفرحت بها وأصرت على تطبيقها على المزيد من خصومها، بأنها واهمة جداً بأن تسعى للإنتصار بهذه الطريقة. فهذا الإتلاف لروح الدستور والديمقراطية بحجج هلامية ونزع احترام الناس لها قد ينقلب عليها يوماً، وتجد نفسها تحت ظرف آخر في الجانب الآخر من القضية، تجد نفسها ضحية متضررة وليس جهة مستفيدة، وعندها لن يكون الإعتراض سهلاً على نظام سبق أن استفادوا منه. وفي الحالتين فأن المتضرر الأساسي والحقيقي هو الشعب العراقي وديمقراطيته المتآكلة المتراجعة الثقة بين الجمهور.

إن أقوى دليل على بعد الجمهور عن هذه المؤسسات هو أن عملية الإتهام ثم النقض اعتبرت دعاية مجانية للنواب الذين مورست عليهم مثل عالية نصيف ومثال الآلوسي. فلا أحد يتعاطف مع مواقف المفوضية ويثق بها إذن، بل أبعد من ذلك أن تعتبر اتهاماتها دعاية إيجابية لمن تتهمهم!

إن المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات كما برهن الماضي القريب تستحق عدم الثقة هذا وهي بالتأكيد ليست فوق الشبهات ولم تتغير خلال هذه الفترة كثيراً ومازالت الثعالب التي غرسها الإحتلال الغاماً فيها، تعمل بنشاط. وفي كل الأحوال فلا يجوز أن تكون لها مثل هذه الصلاحيات خاصة على نواب سابقين تم انتخابهم وليس فقط مرشحين جدد، ولا يمكن تركها تلعب دور الكمين المهدد القابع عند نهاية الدورة، والذي يجب على النائب أن يحسب له الف حساب حين يمارس عمله ويدلي بآراءه ويضطر إلى تعديلها لإتقاء شره. كذلك يجب الإنتباه لهذا التداخل بين سلطات القضاء والبرلمان وإتلافه لمبدأ الفصل بين السلطات واتخاذ القرارات اللازمة بتعديل ذلك الخلل، فالعملية الدستورية في العراق شديدة الخلل ومنخورة في كل مكان، ولم يكن ذلك عفواً أو عن طريق الخطأ.

 

صائب خليل

30 آذار 2014

.......................

(*) قانون انتخابات مجلس النواب العراقي

مادة (8)

يشترط في المرشح لعضوية مجلس النواب أضافة للشروط الواجب توفرها في الناخب ما يلي :-

اولاً- ان لايقل عمره عن (30) ثلاثين سنة عند الترشيح.

ثانيا - ان لايكون مشمولاً بقانون هيئة المساءلة والعدالة او اي قانون اخر يحل محله .

ثالثاً- أن يكون حسن السيرة والسلوك وغير محكوم بجريمة مخلة بالشرف.

استبعاد 442 مرشحاً من الانتخابات بقرارات من "المساءلة" وشعلان الكريم احد ابرز المبعدين

http://www.qanon302.net/news/2014/02/13/12098

صدور امر القاء قبض بحق النائب حيدر الملا

http://iraqchurch.com/forum/showthread.php?t=40773

اصدرت المحكمة اليوم الخميس امر القاء قبض بحق النائب عن القائمة العراقية حيدر الملا بتهمة التزوير.

وقال النائب الاول لرئيس مجلس النواب قصي السهيل في تصريح صحفي اليوم"ان امر القاء قبض بحق النائب حيدر الملا صدر لتزويره تواقيع استجواب وزير التعليم العالي والبحث العلمي علي الاديب.

الدستور العراقي: حصانة النائب عما يدلي به من آراء

http://ar.parliament.iq/LiveWebsites/Arabic/Container.aspx?ChapterID=3

المادة (63): ثانياً :ـ

أـ يتمتع عضو مجلس النواب بالحصانة عما يدلي به من آراء في اثناء دورة الانعقاد، ولا يتعرض للمقاضاة امام المحاكم بشأن ذلك.

ب ـ لا يجوز القاء القبض على العضو خلال مدة الفصل التشريعي الا اذا كان متهماً بجناية، وبموافقة الاعضاء بالاغلبية المطلقة على رفع الحصانة عنه، او اذا ضبط متلبساً بالجرم المشهود في جناية.

ج ـ لا يجوز القاء القبض على العضو خارج مدة الفصل التشريعي الا اذا كان متهماً بجناية، وبموافقة رئيس مجلس النواب على رفع الحصانة عنه، او اذا ضبط متلبساً بالجرم المشهود في جناية.

جناية - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D9%86%D8%A7%D9%8A%D8%A9

القضاء يقرر الغاء استبعاد عالية نصيف من الترشح للانتخابات

http://www.qanon302.net/news/2014/03/02/13466

المفوضية تستبعد نصيف و العسكري و الشبلي و صباح الساعدي من الانتخابات

http://www.qanon302.net/news/2014/02/25/13086

مفوضية الانتخابات: قرار استبعاد النواب الأربعة اتخذ بناءً على رأي هيئة قضائية

http://www.qanon302.net/news/2014/02/26/13139

قال مدير إعلام المفوضية عزيز الخيكاني في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن “القرار الذي اتخذه مجلس المفوضين في مفوضية الانتخابات بشان استبعاد النواب عالية نصيف وعمار الشبلي وصباح الساعدي وسامي العسكري من المشاركة في الانتخابات المقبلة جاء بالإجماع على خلفية الآراء التي جاءت بها الهيئة القضائية الخاصة بالنظر بشكاوى القضايا الانتخابية”.

وأكد الخيكاني أن “القرار اتخذ بإجماع أعضاء مجلس المفوضين واستنادا للقرار الخاص بالمحكمة القضائية”، لافتا إلى أن “لهم الحق بالطعن بالقرار”.

هيئة التمييز تنقض قرار استبعاد النائب سامي العسكري من الترشيح للانتخابات

http://www.qanon302.net/news/2014/03/02/13463

اعلن النائب عن ائتلاف دولة القانون سامي العسكري، الاحد، ان هيئة التمييز نقضت قرار استبعاده من الترشيح للانتخابات البرلمانية المقبلة.

الشبلي: سأطعن قرار استبعادي

http://www.qanon302.net/news/2014/02/25/13118

علن النائب عن ائتلاف دولة القانون عمار الشبلي، الثلاثاء، انه سيلجأ للقضاء العراقي للطعن في قرار المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، المتضمن استبعاده من خوض الانتخابات البرلمانية لعام 2014″.

واضاف الشبلي أن “القرار جاء وفق دعاوئ قضائية تتعلق بالنشر والاعلام، وليس جنائية او غير ذلك”.

خبير قانوني: قرار استبعاد الملا من الانتخابات حاسم وغير قابل للطعن

http://www.qanon302.net/news/2014/02/17/12434

كشف الخبير القانوني طارق حرب، اليوم الاثنين، ان قرار الهيئة القضائية في مفوضية الانتخابات القاضي باستبعاد النائب عن كتلة متحدون حيدر الملا من الترشيح للانتخابات البرلمانية المقبلة، “نهائي وحاسم وغير قابل للطعن”.

و كانت الهيئة القضائية الانتخابية قد استبعدت اليوم الاثنين النائب حيدر الملا من الانتخابات البرلمانية المقبلة بسبب شموله باجراءات المساءلة و العدالة .

الملا: قرار استبعادي من الانتخابات لن يسكتني عن قول الحق!

http://www.qanon302.net/news/2014/02/23/12929

وتابع قائلا ان “القضاء بقراره هذا رسالة موجهة بان كل من يرفع صوته سيكون هذا مصيره “، داعياً كل السياسيين ان” يكونوا الصوت العالي المعبر عن حقوق الناس وطموحاتهم بواقع افضل بدل سوء الادارة السائد “.

متحدون: استبعاد الملا قرار سياسي و لن نسكت

http://www.qanon302.net/news/2014/02/18/12544

وأضاف البيان ان “النائب حيدر الملا أبعد على خلفية شكاوى قدمها علي الأديب وكمال الساعدي [القياديين في ائتلاف دولة القانون]، وهي مبنية على آراء وتعليقات ومواقف اتخذها الملا كجزء من مهامه وواجباته كنائب في مجلس النواب”.

وذكر بيان للسلطة القضائية ان “النائب حيدر الملا مطلوب للقضاء بثلاث قضايا، الاولى من المشتكي علي الاديب وزير التعليم العالي والبحث العلمي [تهمة التزوير]، والثانية من المشتكي النائب كمال الساعدي [تهمة القذف والسب]، والثالثة من المشتكي القاضي سعد خزعل جاسم [تهمة القذف والسب] “. وأضاف ان “الهيئة رأت ان النائب حيدر الملا فاقد شروط [حسن السيرة والسلوك]، المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة 8 من قانون انتخابات مجلس النواب لعام 2014، وبالتالي تم استبعاده من الترشح للإنتخابات

مجلس القضاء الأعلى يدرس طلبا لمنع النواب من السفر

http://www.qanon302.net/news/2014/01/08/9284

أعلن مجلس القضاء الاعلى، الأربعاء، أنه يدرس موضوع منع أعضاء مجلس النواب من السفر، مشيراً إلى أنه كلّف مجموعة من القضاة بهذا الشأن.

الشهيلي: مذكرة الاعتقال لن تُنفذ ضدي لانني املك حصانة برلمانية!!

http://www.qanon302.net/news/2013/12/04/5793

ذكر النائب عن كتلة الاحرار جواد الشهيلي لـ(بلادي اليوم): إن اوامر قبض صدرت بحقي ومذكرة استقدام بحق النائب بهاء الاعرجي ومذكرة قبض بحق النائب جواد الحسناوي، مبينا ان صدور هذه المذكرات بحقنا هو استهداف سياسي لكتلة الاحرار بحسب تعبيره، كاشفا بان التصعيد بين دولة القانون والتيار الصدري قد يؤدي الى اعتقال كل قيادات التيار الصدري.

واضاف: إن التهم الموجهة الي هي اختلاس اموال الدولة وفق المادة 216 التي لا تنطبق علي كنائب انما على المحاسبين فقط، موضحا ان مذكرة الاستقدام بحق بهاء الاعرجي هي قديمة، وتم اعادة فتحها من جديد، اما جواد الحسناوي فاصدرت بحقه مذكرة منذ ان كان رئيس مجلس محافظة كربلاء وذلك بتهمة التورط في احداث الزيارة الشعبانية التي وقعت انذاك في المحافظة في عام 2008 والتي قاده الصدريون في كربلاء .واشار الشهيلي الى ان مذكرة الاعتقال لن تفعل لان الحصانة موجودة، لكن بعد انتهاء عمل مجلس النواب ستفعل هذه المذكرات مئة بالمئة.

القضاء العراقي يلغي منع ترشح مقربين للمالكي ويحظر معارضين

http://www.elaph.com/Web/News/2014/3/882242.html#sthash.tFVhk8Pb.dpuf

نقضت هيئة التمييز في مجلس القضاء العراقي الأحد، حظرًا كانت فرضته الثلاثاء الماضي المفوضية العليا للانتخابات على ترشح النائبين سامي العسكري وعمار الشبلي اللذين ينتميان الى ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، كما رفعت الحظر عن النائبة عالية نصيف، القيادية في العراقية الحرة المنشقة عن القائمة العراقية، حيث عرف عن هؤلاء موالاتهم لرئيس الوزراء.

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

هذا مقترح نأمل في تأييده من قبل المثقفين والمثقفات لدعم العملية الانتخابية في العراق.

يخطئ من يظن ان المثقف لا يستطيع ان يعمل شيئا لأنه لا يملك الا القلم، والقلم لا يمكنه ان يواجه الرصاصة او ا لدولار.

كما يخطئ من يظن ان المواطن العادي لا يستطيع ان يعمل شيئا لأنه لا يملك الا صوته والصوت لا يمكنه ان يواجه السياسيين التجار.

اذا وضع المثقف ثقافته في خدمة المواطن، استطاع المواطن ان يبطل سحر القوة والمال لكي يهزم اشباه الرجال الذين ينصبون له الحبال؛ ليصطادوا صوته في الانتخابات ثم يتركونه بلا أمن ولاخدمات، وينشغلون عنه بالمصالح والملذات.

المثقف يستطيع باستعمال قوة التفكير ان يجد آلية لتفعيل دور المواطن بعد تحليل:

1. عناصر القوة في الديمقراطية

2. وعناصر الضعف في مدّعيها

3. وعناصر القدرة الكامنة في تلاحم المثقف مع المواطن .

 

1- عناصر القوة في الديمقراطية:

بالرغم من كل عيوبها؛ تفسح الديمقراطية لأي مواطن أن يتكلم ويعبر، وأن يجهر بما يعتقد، وأن يطالب بالشفافية، وأن يناقش السياسيين، وأن يلتقي بالنواب والمرشحين، وأن يحتج بالوسائل السلمية، وأن يطلع على المعلومات ذات العلاقة بالشأن العام، وينشرها ايضاً، ويطلع على خطط الدولة في مختلف الجوانب، وبرنامج الحكومة والوزارات في شتى المجالات، وينشرها ايضاً وينتقدها ....الخ.

ومن خلال الاطلاع والنشر يستطيع المثقف والمواطن متعاونين أن يخلقا رأياً عامّاً يضع السياسي في زاوية حرجة قد تسقطه، او تجعله لقمة سائغة بيد خصومه (وهم في في حالة العراق غالبية الشعب)، أو تحوله الى ابتسامةً على شفاه الناس ومادة دسمة للاعلام الشعبي قبل الاعلام المهني.

ولا يجوز أن يقول أحد: وما قيمة هذا التسقيط وسياسييونا فقدوا قطرة الحياء ولم يعد يهمهم ما قيل فيهم وما قيل عنهم؟

لاشك ان قطرة الحياء سقطت ولا يجادل في بقائها الا الذين فقدوها، لكن لو كان التسقيط عديم الأثر لما اختفى او انكمش سياسيون لشيوع حكايات عنهم – صحت ام لم تصح- اقترن اسمهم باسم مصرفٍ، او صخرةٍ، أو صفقة سلاحٍ، او جهاز كشف متفجراتٍ، أو حصة تموينية، أو تهميشٍ، أو يدٍ تتوضأ، او رعشةٍ هزازة، او بطولة ابنٍ، اووراثة أبٍ، أو ...الخ، ولم يبق منهم الا من يعتمد على فضلات اصوات رئيس القائمة يحتمي به من شبح الهزيمة كما يحتمي الطفل بأمه خوفا من السعلاة.

الرأي العام هو السلاح الابيض الذي يعمل حين تشتبك الايدي بعد أن تنفذ الذخيرة في جيش السياسين، والرأي العام هو الذي يهزم المدربين على الحرب النظامية بأسلحة متطورة تكنولوجياً، والذين لا يحسنون القتال في حرب الشوارع، تلك الحرب التي يخوضها المواطن اذا اضطر اليها مستعينا بالسلاح الابيض؛ مدفوعا بغريزة البقاء في وطنه -الذي لا يملك غيره- ضدَّ السياسي الذي بنى مستقبله خارج الوطن، حيث وضع ارصدته (عادةً) وعائلته ( غالباً).

الخلاصة: الرأي العام هو ابسط عناصر القوة في الديمقراطية، والاعلام هو والمرصد والمنصة والمقتل للسياسي الضعيف وسنرى كيف يمكن استعماله

 

2- عناصر الضعف في مدّعي الديمقراطية

يتمتع 99و99% من سياسيينا بنقاط ضعف عديدة بعضها مشترك بينهم، وبعضها الآخر خاص بقسم منهم.

نقطة الضعف المشتركة هي: خطورة كشف نقاط الضعف للرأي العام، وضررها على السياسي اذا تسربت الى الاعلام.

اما باقي نقاط الضعف -والتي يتوفر كل واحد منهم على واحدة او اكثر منها- فهي :

• ماضي ملوث بعضوية في حزب البعث او احد اجهزته القمعية، أو ماضي شخصي ملوث بقضية اخلاقية او جنائية، أو ماضي يخلو من اية كفاءة مهنية او خبرة فنية او دراسة اكاديمية.

• تجربة سياسية او ادارية فاشلة في العقد الماضي لم يحقق فيها أي انجاز.

• ملف فساد مستور ساهم في ستره الاتفاقية غير المعلنة بين القوى السياسية في عدم فضح أحدهم للآخر؛ لأن هذا الفضح يسقطهم جميعاً

• شهادة مزورة تزويرا اصلعاً (عدم وجود أصل للشهادة في سجلات المعهد الذي اصدرها) او تزويرا يرتدي باروكه (شهادة عليا تتطلب تفرغاً كاملاً لأربع سنوات؛ لكن السياسي نالها وهو يمارس مسؤولياته في الدولة دون أن يحضر فصلاً أو يقرا كتابا؛ اللهم الا اذا خان امانة المسؤولية المناطة به وصرف وقته للدوام والدراسة).

• اثراء غير مشروع بسبب العمل السياسي، مصدره خزينة الدولة العراقية أو جهاز دولة اجنبية، او كلاهما، أو العقود الفاسدة، أو الاستيلاء على املاك الدولة أواملاك المواطنين، أو - في احسن الأحوال- استغلال المنصب في العمل التجاري الموازي. هذه الحقيقة واضحة وضوح الشمس ولا يناقش فيها الا من تجادل في عذريتها وهي في الشهر التاسع من الحمل.

• الجهل شبه التام بطريقة ادارة الدولة او وضع البرامج او التخطيط للتنمية او الاعمار، مع العجز او الاعراض المتعمّد عن الاستعانة بالخبرات التخصصية (خوفاً منها، او حسداً لها).

• مسافة شاسعة بين الشعارات المرفوعة والممارسات الموضوعة. فالذي رفع شعار مقاومة الاحتلال وضع السلاح حين عرضت عليه وظيفة، والذي خاف على عروبة العراق من دولة فارسية مدَّ الجسور مع دولة تركية، والذي رفع عقيرته بالتنديد بالاحتلال دعى المحتل الى عدم الانسحاب، والذي سوّق الوطنية اطاراً جامعا للعراقيين تحوّل الى مدافع عن طائفة واحدة منهم، والذي لبس مسوح الزهد والدين سـَكـَنَ القصور وركب عربةً ذهبية يجرها المتدينون -الذين دعاهم الى الزهد- ليوصلوه الى نعيم الدنيا واعداً الفقراء بنعيم الآخرة، والذي دعا الى دولة يتساوى فيها الجميع امام القانون استثنى من يحتاجهم من تطبيق القانون، والذي ادعى انه جزء من العراق اخذ قسما من الميزانية لانه جزء واستقل بعوائد النفط لانه اقليم، والذي اوهم العوام بالتبعية للمرجعية اعرض عنها حين لم يستطع ان يحولها الى حصان يجر عربته...وهكذا لا تجد سياسياً الغى المسافة بين القول والعمل فكلهم يقولون ما لا يفعلون.

• واخيراً - وليس آخراً- تعشعش الدكتاتورية في عقولهم وهم يدّعون الديمقراطية، ولا يؤمنون بها الا بمقدار الترشيح والانتخاب، فاذا وصلوا الى المنصب اختفت قيمة المواطن وانتهت الشفافية وسحق القانون ونسي مبدأ تداول السلطة واصبحت السلطة وسيلة للحفاظ على السلطة، وآلة لسحق المواطن الذي يطالب بحقه، وتحول بيت المال الى مال البيت، وتحول الاعلام الى بوق يطبل باسم الحاكم ويسبح بحمده، وتحولت الوظائف العامة الى غنائم للاقربين أو مكافئات للموالين.

• انهم كذابون وجياع للمال بصورة تفوق التصور، وما تصويتهم على قانون التقاعد الا الجزء الطافي من جبل الجليد الذي كشف كذبهم حين انكروا التصويت عليه، وفضح دناءتهم حين لم يتراجعوا عنه.

الخلاصة: ان للقسم الاعظم من السياسيين نقاط ضعف خطيرة وقاتلة، وانهم يحذرون من تسربها للاعلام خشية تاثيرها على الراي العام

 

3- عناصر القوة في تلاحم المثقف مع المواطن

المثقف اليوم غير مثقف الامس فيما يتعلق بالصلة مع الناس.

بالامس كان المثقف يكتب مقالا او كتابا فلا يقرأه الا بضع عشرات او مئات من القراء وقت فراغهم دون ان يكون بمقدورهم التواصل مع الكاتب.

اما مثقف اليوم فاذا كتب شيئا قرأه بعد ساعات اعداد هائلة وتفاعلوا معه وناقشوه وربما اخذوا بما كتب اذا وجدوه مفيدا.

يرجع الفضل في تلاحم المثقف مع المواطن الى تقنية المعلوماتية التي جعلت الناس تطاع مباشرة من الفضائيات والانترنت على ما يدور، وتوفـّر قنوات التواصل والتفاعلي بين المثقف والمواطن من جهة، وبينهما وبين الحدث من جهة اخرى.

من هذه الخاصية ننطلق لنطرح مشروعا للتأثير الايجابي على الانتخابات يجعل وصول اللصوص الخائفين من الناس ينسحبون قليلا تاركين المرشحين الشرفاء يتقدمون بكل ثقة ليفوزوا في اكثر من دورة انتخابية.

الخلاصة هي ان تعاون المواطن مع المثقف يمكن ان يغير مجرى الانتخابات بشيء من التفكي والتخطيط

التغيير يتم عن طريق مشروع :

 

انتخب من يوقع ورقتين

اخطر مرضين يصيبان النائب: اللصوصية والاحتجاب.

بعد فوزهم بالمعقد يحتجب أكثر النواب عن الناخب الذي اوصلهم الى منصبهم ويتفرغون للصوصية.

لضمان عدم فساد المرشح مالياً، ولضمان عدم احتجابه عن ناخبيه بعد الفوز؛ هناك آلية سهلة وميسورة في كل مدينة وفي كل منطقة انتخابية مهما كانت صغيرة تتمثل في مطالبة المرشح - اثناء الدعاية الانتخابية - بتوقيع ورقتين يحملهما عدد من المواطنين فيهم محامٍ يمثلهم:

 

الورقة الاولى: تفويض الناخب كشف اموال المرشح

وكالة قانونية يفوّض فيها المرشح شخصا من الناخبين (كأن يكون هو المحامي مثلاً) بالحق في الاطلاع على امواله المنقولة وغير المنقوله (أي الحق في كشف حسابات المرشح في سائر المصارف وكشف السجل العقاري للمرشح في جميع دوائر التسجيل العقاري، وكشف ملكية او حصص المرشح في كافة دوائر التسجيل التجاري وسجلات الشركات. مدة التفويض اربع سنوات وهو صالح للعمل به في العراق وخارجه).

كما يشمل التفويض حق توكيل الغير (لكي يمكن تكليف اشخاص آخرين خارج العراق لفحص اموال المرشح المنقولة وغير المنقوله بموجب هذا التفويض في بلدان اخرى).

ان مطالبة المواطن بحق الوكالة عن النائب في كشف امواله هو حق طبيعي ومنطقي، لأن المواطن سوف يعطي للنائب وكالة في التصرف بأمواله – وليس مجرد الاطلاع عليها- وذلك من خلال ايصاله بالانتخاب الى موقع التصرف بالخزينة العامة بكاملها...فكيف يمتنع النائب عن توكيل المواطن بحق الاطلاع –مجرد الاطلاع- على امواله(اي اموال المرشح) ويطالبه بحق التصرف المطلق في امواله (اي اموال المواطن)؟

هل النظر الى جيب شخص اخطر من مدّ اليد اليه؟

التفويض (بالحق في الاطلاع على اموال المرشح المنقولة وغير المنقوله) ينضّمه المحامي قبل مدة كافية ليضمن قانونيته ودرجة الالزام به، ويسد كل الثغرات التي قد يفلت منها المرشح، ويتم تصديقة اصوليا ليكون نافذا في العراق وفي كل دول العالم.

من يوقع هذا التفويض من المرشحين يعطي المواطنون صوتهم له، ومن يرفض لا يعطى له صوت.

النائب الشريف لا يهمه ان يطلع الناس على حساباته وعقاراته (اذا كان قد كسبها بطريق مشروع)، بل ان من واجبه ان يكشف عن ذمته المالية للجهات الرسمية فلماذا يأنف من كشفها لمن يجعلونه وكيلا عنهم في التصرف باموالهم ومصائرهم في البرلمان؟

ويقوم الناخبون لاحقاً بالاعلان عن اسماء الذين وافقوا على التفويض بكشف حساباتهم وسجلاتهم العقارية والتجارية.

 

الورقة الثانية: وثيقة عدم الاحتجاب

وهي تعهد قانوني بالتزام المرشح بلقاء ناخبيه دوريا واستثنائياَ.

في اللقاءات الدورية (شهرية مثلاً) يناقش معهم مشاكل الوطن والدولة ووهموم الشعب وما يدور في البرلمان وفي كواليس السياسيين ويستمع الى ارائهم وشكاواهم ومطالبهم، فهذه ابسط حقوق الناخب واول واجبات النائب.

اما اللقاء الاستثنائي فيتم بطلب منهم اذا شعروا بحاجة طارئة للقائه، او بطلب منه اذا واجَهَ قضية محورية في البرلمان يشعر من باب الامانة ان يطلع عليها ناخبيه لكي يكون موقفه انعكاسا لموقفهم باعتباره نائبا عنهم يمثلهم تمثيلا صادقا في قراراته وتصويته.

هذا التعهد يضمن عدم اختفاء النائب وراء الحواجز الكونكريتية وفي دهاليز المكاتب وعدم رؤيته الا على الشاشات او في المنامات.

التعهد القانوني بلقائه دوريا واستثنائيا يشمل ضمانات مناسبة لعدم التنصل منه قد تنتهي بتعريض نيابته للخطر، او تلزمه بغرامات مالية ثقيلة تنفق في مشاريع خيرية للمنطقة التي فاز عنها (والطبقة السياسية العراقية شديدة الحرص على المال خصوصاً مستحدثو النعمة).

اقل ما تفعله وثيقة عدم الاحتجاب هو احراجه اعلاميا بوصمه بالخيانة وبالخوف من لقاء ناخبيه، وهي تصلح اداة ضغط تُخرجه من مخبئه المظلم في المنطقة الخضراء الى ضوء الشمس في المنطقة الحمراء.

                                     ***

ان اعداد هاتين الورقتين عمل سهل على اي محامي ومثقف، ويمكن العمل بهذه المبادرة في جميع انحاء العراق، وتعاون المواطنين معهم في تفعيلها مضمون، لان الناس ذاقوا مرارة المرضين الخطيرين اللذين يصيبان النائب: اللصوصية والاحتجاب.

التعهد الاول يمنع اللصوصية الى حد بعيد

والتعهد الثاني يمنع الاحتجاب الى حدّ ما

 

طبعا لن تصلح العملية السياسية بهاتين الورقتين لكنهما اجراءان سهلان يساهمان في جعل اللصوصية والاحتجاب أصعب من السابق، ويسهلان على المواطن والمثقف ملاحقة الفاسد المحتجب بوثائق قانونية تحرجه بالتاكيد وقد تثمر في اسقاطه ليكون عبرة لغيره ممن يوقعون هاتين الورقتين دون خوف لانهم واثقون من عدم لصوصيتهم (لانهم ليسوا جياع مال) ومتأكدون من عدم احتجابهم (لانهم غير خائفين من الناس)

                         ****

آليات العمل بمبادرة انتخب من يوقع ورقتين

يمكن تطبيق هذه المبادرة باشكال مختلفة وحسب الظروف والامكانيات المتيسرة.

يشكل التثقيف عليها اهم ركن فيها، حيث يمارس المثقف ايصال الفكرة الى المواطنين عن طريق الكتابة والنشر والخطابة والاذاعة والتلفزيون في مناسبات مختلفة

كما يعتبر الانترنت المجال الاوسع لانتشارها

يرافق النشر توضيح لفوائدها وسهولة تطبيقها من خلال الاشارة الى نماذج التطبيق المبرمج (من خلال تشكيل مجموعات منظمة لتطبيقها في كل منطقة انتخابية) او حتى بدون تشكيل منظم.

في كل الاحوال يمكن طباعة منشورات بسيطة توزع على الناس في المقاهي والنوادي وعند التقاطعات التي تمر منها مواكب المرشحين فتوفر للموزع فرصة كافية للتوزيع بسبب الاختناق المروري الذي يتفضل به المسؤول على الناس.

هذه المنشورات لاتكلف كثيرا ويمكن اعداهها في اي مقهى انترنت بسهولة وسرعة.

عبارات المنشور قصيرة وواضحة ومؤدبة، على سبيل المثال لا الحصر:

• انا انتخب من يوقع ورقتين: تعهد بالامانة وتعهد بعدم الاحتجاب

• تعهد الامانة يعني اطلاع المواطن على اموال الناخب

• تعهد عدم الاحتجاب يعني امكانية لقاء النائب اذا فاز

• لا انتخب من يستر عني ما يملك

• لا انتخب من لا اراه بعد فوزه

• اذارفض النائب توكيلي في الاطلاع على امواله فيكيف اوكله في التصرف باموالي؟

• من لا ينوي سرقة الخزينة لا يخشى من اطلاع النائب على امواله

• من لا ينوى الاختفاء في المنطقة الخضراء لا يأنف من توقع تعهد بعدم الاحتجاب

• ايها النائب وقع على ورقتين لانتخبك، والا فلن انتخبك

• مبادرة " انتخب من يوقع ورقتين" تضمن عدم وصول اللصوص والمحتجبين الى البرلمان

• من لا يوقع تعهدا بكشف امواله للناخب لا يؤتمن على المال العام

• من لا يوقع وكالة للناخبين بالاطلاع على امواله ينوي سرقة المال العام ويخشى من اطلاع النائب عليه

• من لا يسرق لا يخاف من اطلاع الناخب على امواله

 

يمكن توزيع هذه المنشورات بكثافية في المنطقة التي يريد المرشح ان يقوم فيها بحملة دعاية

كما يمكن توزيعها بهدوء قبل وصوله واثناء القاء كلمته في الدعاية لنفسه

كما يمكن ان يقوم شخص ليسأله مباشرة عن رأيه في هذه المبادرة ويناقش مخاوفه من توقيعها ليفندها

ويمكن ان توجه اسئلة للمرشحين في القنوات الفضائية لمعرفة موقفهم منها....الخ من اجراءات سهلة وسريعة وخالية من الخطورة على المواطن او على المثقف.

****

من المفترض ان يوافق بعض المرشحين على التوقيع على الورقتين، وعندها سوف ينشر اسم كل من وقع وتتم دعوة الناس الى انتخابهم لانهم ملتزمون بمباردة "انتخب من يوقع ورقتين"، وهذا الاحتمال وارد بالنسبة للمرشحين الجدد والقليل القليل من الرشحين السابقين النزيهين، كما قد يوافق على مبادرة "انتخب من يوقع ورقتين" مرشحون فاسدون حتى النخاع وذلك في عملية خداع يحاولون بها كسب الاصوات ثم الافلات ...لابأس، فمجرد التوقيع على وثيقتي المبادرة "انتخب من يوقع ورقتين" هو بحد ذاته مكسب، وسيعمل وعي الجمهور عمله وجهد المثقفين فعله لكشف الفاسدين من ارباب السوابق فلا يستفيدوا من التوقيع المزيف على المبادرة

ربما تؤدي المبادرة الى بروز طبقة جديدة اقل ما فيها انهم لم يتلوثوا بالفساد وانهم خائفون من اثار التوقيع على الورقتين. وهذا بحد ذاته مكسب في بلد لا يخاف النائب فيه من الله ولا يستحي من الناس ولا يلاحقه القضاء.

البديل الاخر هو السلبية الكاملة، اي عدم المشا ركة في الانتخابات لان المرشحين فاسدون ولا امل في الاصلاح ولا فائدة في المشاركة. هذا البديل السلبي هو تقديم البرلمان على طبق من ذهب للفاسدين لكي يربحوا اللعبة بطريق قانوني تماما.

ان اخذنا بمبادرة "انتخب من يوقع ورقتين" فربما نحقق شيئا ايجابيا، وان أعرضنا عنها الى السلبية فمن المؤكد انه سوف تكون فتنة في العراق وفساد كبير.

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى:

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

amira-albaldawiيانساء العراق هل تعلمن اننا مقبلون على الأنتخابات البرلمانية الفاصلة، التي ربما سيكون فيما بعدها كلام وسؤال وتقييم واعادة نظر بـ (كوتا النساء)، فيما بعدها لن تكون هناك مقاعد مجانية تهبها القوائم لمن تشاء، وعليه فمن الأن عليكن الاختيار الصحيح والأصعب .. وانا اسألكن واحملكن المسؤولية لأننا وصلنا الى نهاية الطريق .. طالبنا بالدعم وجاء الدعم بالدستور والقوانين، طالبنا بالانصاف وتحققت الكوتا في مجالس المحافظات برغم ان الدستور لم يخصص حصة للنساء في مقاعدها كما هو الحال في مقاعد البرلمان .. فأنتن كناخبات عليكن مسؤوليات ان تصوتن للنساء وان تكنّ للدعم لهن اقرب منكن للخصومة .. فمن يصوت للمرأة ان لم تصوتن لها ؟واذا ستمنحن اصواتكن لرجل تذكرن ان كوتا النساء على المحك وهي عند اواخر الاختبارات ولا نريد ان تسقط التجربة من عين جمهورها النسوي الذي سعى سعيا حثيثا لأرسائها وتطبيقها، ولدينا مطالب اخرى لتوسيع مشاركة النساء ولكن لنبدأ اولا بدعم بعضنا بعضا ونعلن اننا سنصوت للمرأة .. فأذا اتفقنا انكن ستصوتن للنساء فتعالين لنسأل، لمن تصوتن ؟ لاتقولي سأصوت لأبنة عشيرتي وجيراني وصديقتي فالأختيار والتصويت لابد ان يضمن حسن الأداء !! اختاري من المرشحات من لديها افضل القدرات من التعليم والتواصل والتصدي للقضايا والنفس الطويل والايمان بقضايا الشرائح المهمشة من النساء والسعي الجاد لتحقيق افضل النتائج فيها ..اختاري من تكون رسول سلام ومحبة وتكون سببا لحل النزاعات والازمات سياسية كانت او أمنية ولاتختاري من تحولت الى آلة للتأجيج وافتعال الازمات مهما كانت كفوءة وقدراتها عالية وجرأتها مشهود لها .. أختاري التي تنحاز الى مجموعة النساء في داخل وخارج البرلمان وتنظم معهن البرامج المشتركة لأنجاز قوانين تكون المرأة اول المستفيدين منها. أختاري التي ستراقب تنفيذ البرامج الموجهة للنساء (القروض، مشاريع الفقراء، التعليم، الصحة، السكن، والأمن من وجهة نظر تحقيق السلام للمرأة واسرتها) تلك مسؤوليتك فلا تغيبي عنها،فأذا حصلت مرشحات بهذه الصفات على مقعد البرلمان سيكون ذلك بفضل وعيك ووفاءك ورغبتك بتوفير طبقة سياسية من النساء نفتخر بها وبأدائها وسنكون نحن النساء قد غيرنا بأيدينا تلك النظرة السالبة على اداء المرأة وصوت الرفض لمواقفها الخافتة الذي يزداد علواً .

1/4/2014

 

بعد أن استمرت ولعقود طويلة فظاعة معاناة شعبنا وبكل المقاييس، ليسجل فيها اليأس والقنوط والاحباط انتصارات مذهلة على حساب المشاعرالانسانية من خلال ضياع الأمل وفقدان الامان والحياة المتفائلة، الى درجة، أن الانسان العراقي استنزف خلالها جميع سبل ووسائل دفاعه المحض عن وجوده ضد واقع الظلم والقهر والهوان، استمرار بذلك النهج البائس حتى بزوغ فجر الحرية في 2003، الذي أحيا فيه الامال وبعث في ذاته نوعا من تفاؤل، ليبدأ من خلاله جمع شتات ما بقي له من ايامه المرعوبة تحت ظروف القهر والبؤس وظلام السنين. إلا أن تلك الامال، والتي تم نقشها في ذاكرة شعبنا كمهرجان لميلاد جماعي جديد لملايين العراقيين، لم تكن سوى حفنة من أيام مسرعات، سرعان ما هوت الى قاع يأس اكثر ظلاما. فبين عشية وضحاها، أصبحت شوارع المدن العراقية تتعمد بالدم العراقي المراق، واتضح أن ألاماني ألمرجوة لحياة حرة كريمة، مجرد أوهام وأحلام عابرة، بعد ان تجلى موقف الفشل الذريع في انتكاسة التجربة الديمقراطية الجديدة وتدشين شعبنا لارادته في الانتخابات البرلمانية لاول مرة في تأريخه الصاخب. فلدورتين على التوالي، عاد الظلم والهوان واليأس محتفيا بنصره من جديد على الحياة، ولكن، بتحد أكثر قسوة في هذه المرة.  

فمنذ سقوط الصنم في 2003 والى هذه اللحظة، لم يتمكن النظام الجديد من القضاء على معانات العراقيين كما كان مأمولا لينعم شعبنا بالحياة الكريمة التي انتظرها طويلا. الامر الذي اضطرت معه الجماهير وفي حيرة من أمرها، للانسحاب والنأي بنفسها عن كل ما يمكن ان يسجل لها موقفا وطنيا امام ما يجري من فوضى سياسية واجتماعية في المجتمع العراقي . ومع استمرار صمت الجماهير، كانت النتيجة، أن تم الطلاق بينها وبين مسؤولياتها ازاء النظام الجديد. وكانت من نتائج ذلك الطلاق مردودات كبيرة النفع لتلك الكتل المارقة في داخل البرلمان والحكومة على الرغم من عدم تطابق الايدولوجيات فيما بينها، ولكن تحالفاتها الشريرة مع بعضها ظلت تمثل مواقف تحدي علنية لدعم كل ما من شأنه الابقاء على حيادية شعبنا وصمته على ما كان يجري. وهكذا، استمراستفرادها بالاوضاع الشاذة وفرضها اراداتها على ما كانت تعتبره فوزا ساحقا على النظام الجديد.

فباعتقادنا، أن الانتخابات البرلمانية القادمة هي ربما الفرصة الاخيرة أمام شعبنا لوقف تداعيات الفوضى السائدة في الوطن العراقي، ومن يعترض على هذا الطرح من الاخوة الكتاب، ويحاول المغالطة ليبدوا أكثر (تفاؤلا)، انما باعتقادنا، هو الاكثر تشائما وسلبية . فلا ندري ان كانت ثماني سنوات ليست بكافية لهؤلاء، ازاء ما نراه من هذا الانفلات الرهيب في الدعم الذي تمارسه كتل برلمانية للارهاب والفساد وتخريب الذات العراقية، لكي يأمل هؤلاء بدورات انتخابية اخرى في المستقبل" ربما" ستكون قادرة على تحقيق الحياة الكريمة لشعبنا ؟! ولا ندري أيضا، هل ذلك يعني بالنسبة لهم، أننا لسنا على "عجلة" للبدأ بتغيير الواقع المزري لكي نجدهم يحاولون (التثقيف) على فرص (اخرى) في المستقبل إن فشلنا هذه المرة أيضا؟! فلكم تمنينا أن هؤلاء اخوتنا الكتاب قد قدموا لشعبنا شرحا وافيا عن أرائهم تلك لكي ندرك متى وكيف ستتوفر هذه الفرص بنظرهم، إذا كانت ظروف ثمان سنوات مضت غير قادرة على توفير وعيا كافيا لشعبنا لمحاربة الظلم والهوان المستشري؟

فلقد برهنت الانتخابات بدورتيها على انها كانت وبالا على شعبنا بعد ان جلبت معها واقعا خطرا لقوى مهووسة من نماذج من ساسة لا انتماء لهم مع شعبنا والوطن. حيث سعت هذه الكتل السياسية من خلال نظام المحاصصات وفي عملية سياسية ولدت ميته، الى تعميق النعرات الطائفية والفساد الاداري واللصوصية وتفجير الازمات السياسية وامعنت في تشجيع ارهاب القتل وتدمير الممتلكات وبث الرعب والقلق وعدم الاستقرار، بهدف الاجهاز على القيم الاخلاقية والدينية والاسائة الى العدالة السماوية ومحاولات القضاء على تطلعات نحو التحضر والحداثة وقيم العدل والمساوات بين فئات شعبنا. كما وحاولت هذه الكتل السياسية وبدعم خارجي من نشر ايديولوجية الفكر الارهابي بهدف تمزيق المجتمع من خلال ارتباطاتها باجندات خارجية لدعم الارهاب وفي تحالفاتها مع فلول البعثيين وارهابي القاعدة وداعش وزمر الوهابيين والسلفيين لخلق أوضاع تدميرية ونشرالرعب والفساد والفوضى في البلاد، ليصبح الاطاحة بالنظام الجديد، هو الهدف الاوحد لهم من اجل اعادة النظام البعثي المقبور .

إن الانتخابات القادمة باعتقادنا، سوف لن تستطيع ان تحل هذه المشاكل الكبيرة والتي عاشها شعبنا على مدى اكثرمن عشر سنوات ماضية من هيمنة كتل سياسية منحرفة، ان لم يكن بوسع الناخب من التصدي لها وعدم اعادة انتخاب المجرمين والمفسدين. فالغالبية من الكتل السياسية البعثية وكتل الاسلام السياسي والكثير من الوجوه الانتهازية والسياسية، تمتلك القدرة على التخفي والتلون، وربما لديها القدرة على العودة ثانية لاحتلال المشهد السياسي ان لم يكن لشعبنا النباهة والحزم المطلوبين.

والمهمة المطلوبة في هذه الانتخابات تحتم على كل من الناخب والمرشح معا تطابقا في الاهداف الوطنية، وتعاملا بموضوعية مع الواقع القائم . فعلى كل منها تقع المسؤولية المباشرة في التغيير المطلوب لواقع شديد الفساد. فامتلاك الناخب الوعي السياسي المطلوب من خلال فهمه لطبيعة أسباب سلبيات تجربة عشر سنوات اوصلت شعبنا الى طريق مسدود، وبما ينبغي عليه الوقوف بوجه استمرارتلك التحديات من خلال المبادرة الى دعم الخيرين من الساسة ممن أثبتوا سعيهم وتفانيهم من اجل استقرارالواقع العراقي، ورفض اعادة انتخاب ممن كانوا سببا في تفاقم المصائب والمشاكل والازمات والادمان على امتهان شعبنا .

أما ما يخص الرسالة المطلوبة التي على المرشح حملها في مسيرة صحيحة لخدمة شعبنا والوطن العراقي وتحقيق النجاح المأمول، فينبغي عليه امتلاك خصائص وسمات ايجابية تتسم بالحماس من اجل اصلاح المجتمع والتفاني في توفير الخدمات المطلوبة وتعزيز مواقف التغيير الايجابي والابتعاد في الاهداف تماما عن مسيرة من سبقوه. ونعني بهذا الاختلاف، التأكيد في البرامج الانتخابية على طرح السبل والوسائل بصيغها العملية والواقعية لمواجهة ما يعانيه شعبنا والوطن العراقي من مشاكل وازمات قائمة، من شأنها اعطاء كشفا ملخصا لما يمكن ان يتوقعه شعبنا على مستوى النتائج العملية للمرشح الجديد في المستقبل المنظور.

فالتأكيد على طرح صيغ التعامل وطنيا مع الاحداث من قبل المرشح، كعراقي حقيقي في التفكير والسلوك والانتماء والتطلع الوطني والاخلاص في اداء المسؤوليات النيابية من اجل الجميع، بغض النظر عن الدين والمذهب والجنس والعرق واللون والمعتقد السياسي، يمكن ان تمثل نهجا للارادة الحرة الجديدة لتساهم في تعميق الانتماء الوطني المطلوب والتأثير على تراجعات المواقف في التعامل مع مفهوم المواطنة والانتماء الوطني وبعيدا عن التجربة اللاأخلاقية للاسلاف من كتل برلمانية.

كما وعلى المرشح أيضا ألتأكيد على وضع قضية خدمة شعبنا والوطن العراقي في اولويات مسؤولياته من خلال تعهده امام شعبنا، في السعي لتبني جميع الفرص الممكنة لبناء عراق حر مستقر.

والمرشح للانتخابات القادمة ينبغي ان يتمتع بخلفية أخلاقية عالية وسمعة حسنة تتسم بالنزاهة والوطنية وحسن السيرة والماضي المشرف والقدرة على التفاني الصميمي المخلص لخدمة عراقنا، فضلا عن مواقفه السياسية والوطنية والاجتماعية والاخلاقية، والتي من شأنها ان تعكس صورة لضمير نقي نشأ على مخافة الله تعالى وتقواه، ورضع من در زكي مبارك لامهاتنا العراقيات النجيبات . والتأكيد في الحملة الانتخابية على احتفائه بقيم التراث العراقي والشعبي، وامتلاكه نزعة وتعاطفا تلقائيا مع خدمة المصلحة العامة مع قدركبيرمن الاحترام والتقدير لشعبنا والوطن.

كما ينبغي ان يقدم المرشح ما من شأنه التأكيد على خبراته الوظيفية والحياتية، والكشف عن مؤهلاته وسيرته العلمية ونشاطاته الاجتماعية وكل ما يخص ماضيه السياسي وانتمائه الحالي . كما وعليه التأكيد على توضيح برنامج اهدافه السياسية بصورة واقعية وجلية وبصدق وثقة وارادة وتعامل موضوعي وتفكيرسليم مع المسؤوليات لمواجهة نتائج التجارب الكارثية لعشر سنوات مضت، والتعامل معها بحكمة وموضوعية بعيدا عن المزايدات السياسية. وبعكسه، فان التأكيد على المزايدات والمبالغات في الطروحات وتبني صيغ التهريج والعواطف، والتأكيد على اهداف برنامج طوباوي لحل المشاكل القائمة، أواطلاق العنان للاوهام والاحلام المستحيلة، وطرح المرشح نفسه كبديل "أفضل" من سواه، أوكمن يمتلك عصا سحرية لتغيير الواقع ومشاكله الكبيرة بين ليلة وضحاها، انما هو افتراء على النفس والشعب وجريمة أخلاقية وضحك على الذقون.

كما ما ينبغي تأكيد المرشح في اهداف منهجه الانتخابي، التركيز على فهم، ان السلطة ليست استحقاقا ثابتا لمن يستطع الوصول اليها وبأي طريقة ممكنة، بل عليه محاولة الغاء صورة ذلك المفهوم الهدام، والاجهازعلى الواقع الخطير والمتنافي مع اهداف الخدمة العامة والتي يجب ان تكون مصدرا لشعورالنائب بالفخر والشرف الكبير تجاه شعبه. فالمرشح يجب ان يعمل ومن خلال اهدافه المعلنة، على تغيير هذه المفاهيم الشريرة وغيرها وخصوصا، أن تجارب الماضي أوضحت، تبجح النائب بفوزه حتى من خلال تحالفات رخيصة مع أعداء شعبنا ممن أثبتوا ارتباطهم بالانظمة الخارجية . وبعد ان وجدنا أن النائب لا يبالي وبشكل علني، بحزم حقائبه متنقلا في دول الجوار ومستجيرا بهم لاسقاط النظام المنتخب، وحاطا من سمعته وقيمه وشرفه الوطني كسياسي عراقي!!

فامتلاك المرشح وعيا مسؤولا لما تعنيه نتائج وتداعيات الغضب والرفض الشعبي عند خيانة النائب لمبادئه الوطنية أوالسياسية أو الاخلاقية، وتعامله مع خيانة العهد كأمر محرم أمام الله تعالى والشرائع والقوانين والمباديئ وقيم الضمير الانساني، من شأنه أن يوضح منطلقات المرشح الوطنية والتزامه الاخلاقي أمام شعبه.

وتأكيد المرشح في منهجه الدعائي على ادراكه لمهمته واعترافه بالصعوبات المتوقعة، ولكن، ومع ذلك، فهو على استعداد تام وتفاني لمهام مسؤولياته القادمة من اجل تغير الواقع العراقي نحو الافضل، وخلق حياة كريمة لشعبه، يجب أن يكون أيضا من بين اولوياته.

الموقف الاخلاقي والمبدئي من الانتخابات القادمة يفرض على الوطنيين من شعبنا وقوفهم، وباقصى قدرممكن، مع الخيرين ممن يعيشون صراعا مريرا في دفاعهم عن المواقف الوطنية ضد ممارسات كتل سياسية من شتى صنوف الابتذال والاسفاف والهوان . إذ لا يزال أمامنا الكثير من التحديات ولا ندري ما يمكن ان يكون عليه الواقع السياسي والاجتماعي والاخلاقي بعد الانتخابات القادمة، مع اننا نأمل خيرا إن شاء الله تعالى.

وفي الختام، أمام الواقع المؤلم لما تم فرضه على شعبنا ليعيش صاغرا، لا حل سوى الاحتكام الى شعبنا لاعادة تأكيد دوره ومسؤولياته في الانتخابات القادمة وقدرته على الفرزالسياسي والوطني للمواقف والسلوكيات التي تتسم بالخيانة من قبل كتل سياسية باغية، وبما يؤشر حرصه على بناء مستقبل عراق حر ديمقراطي جديد، بشرط عدم استمرار شعبنا بلامبالاته وصمته ازاء ما يعيشه المجتمع العراقي من انهيار اخلاقي وافتراق مع الوطن والمواطنة في رفضه تحمل مسؤولياته امام الواقع الجديد.

كما وأننا نعتقد بضرورة مساهمة الكتاب والمثقفون في المشاركة لتعميق الوعي لدى الناخب من خلال توفير صورة عملية من البحث والتقصي عن تأريخ المرشحين للانتخابات . وليكن الشعارهو "تحشيد الاحاسيس الوطنية والمبادئ والاخلاق" لمنح الناخب العراقي صورة واقعية لانتخاب الشخصيات التي تتسم بالنزاهة والوطنية وحسن السيرة والماضي المشرف والقدرة على التفاني لخدمة عراقنا.

ومن المهم ان نؤكد هنا، ان ليس لدينا ذرة شك أو ريبة أبدا في ان عراقنا الغالي مكتظ بالكثيرين من الاخيارالوطنيين ممن لا يزالوا يمتلكون الاستعداد والتفاني لتغيير الواقع المزري، ووضع المصالح العليا فوق المصالح الشخصية من اجل عراق جديد. عراق يسود فيه الامن والامان والاستقرار واستعادة الكرامة والحقوق المضيعة. وفي عراقنا الكثير من هؤلاء الشرفاء ممن يحيون من اجل قيمهم العليا، والتفاني لخلق علاقات من الثقة والمحبة بين شعبنا، من اجل عودة الخير والوئام لتعود الابتسامة والفرح على الوجوه العراقية التي صبرت طويلا.

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

hashem mosawiمنْ يُتابع السجالات والجدالات وإختلاف الأولويات لدى مرشحي إنتخاباتنا البرلمانية القادمة، من خلال الإعلام والمنتديات، سيكشف بسهولة أن الأمور لدينا أشبه بالمثل العراقي القديم والشائع "عرب وين .. طنبورة وين"، إذ تدور الحلقة المفرغة، وتتكرر وتجتر الموضوعات والخلافات نفسها , كأن الجميع لا يدري بأن عليه قبل أن يعرض صوره المكبرة في الساحات والشوارع يجب عليه قبل كل شئ أن يمتلك جدول أعمال وطني يحدد لنا الأولويات الحقيقية التي يريد أن يحققها لناخبيه، ثم يبرمج التحديات، ومصادر التهديد، والخيارات العقلانية الواقعية في التعامل معها

ومثلما هو واضح للعيان، فأن الأمور مختلطة على كثير من الناس، وبهذا فإن الفرصة تتحول الى تحدي والتحدي يصبح تهديدا ، والكلمة الوطنية تغدو مصدرا للإحتراب والإستقطاب والصراع الداخلي . ويتحول الإصلاح السياسي المعلن كشفرة وإسما حركيا لمحاصصة على القاعدة الأقليمية الطائفية ذاتها، والهوية تدورحول الذات تقوقعا ونكوصا، بدلا من أن تكون تطورا وإنفتاحا وإعترافا بالآخرين. لم يفقه المتنافسون، ولا أعتقد بأن الكثير منهم سيفهمون، بأننا جميعا أصبحنا هدفا لمؤامرة كبيرة مرسومة ومعدة منذ زمن بعيد للقضاء على بلد مهم له بعدا تاريخيا وثقافيا وإقتصاديا .

الكثير من المرشحين، وقد سال لعابهم، طمعا بالحصول عل الميزات المالية السخية، لا يعرفون حقا أين نحن نقف اليوم، وهم حتي لا يتمكنوا من الإتفاق على الأساسيات في تقييم أوضاعنا وأحوالنا الحالية . وهل نحن اليوم، بعد مرور عشر سنوات على التغير في بلدنا، أصبحنا أفضل من الأمس، أم العكس صحيح؟، وهل نسير الى الأمام أو الى الوراء؟ وهل الأزمة التي تواجهنا سياسية أم إقتصادية؟ وهل أولوياتنا تقتضي منا الحفاظ عل الوضع الراهن، رغم (الأستقرار الهش حد التهشم )؟ أم أن المطلوب هو النظر للأمام والتطلع الى الأفضل؟ هل يستطيع مرشحونا أن يحددوا لنا بشكل واضح ما هو دور الدولة وما هو دور المواطن في المعادلة الإقتصادية؟، وفيما إذا ترسخت لدينا الرغبة في أن نعيش في دولة مواطنة وقانون ومؤسسات؟ أم ستبقى دولة جاهات ومحاصصات؟

وما زال الكثيرمنا من ينظر من زوايا حادة للملفات كافة والأوضاع بصورة عامة، إما أسود أو أبيض . بينما الرؤية النسبية الموضوعية الواقعية، التي تستطيع أن تعرّف نقاط القوة والضعف والمسارات الصحيحة من الخاطئة، هي الوحيد التي تكفل لنا ترشيد السجالات والحوارات غير المجدية الحالية ، والتي تستنزف أوقاتنا وأعصابنا وجهونا، وفي مثل ظرفنا الآني الحرج .

لا شك وأن الغموض وغياب الرؤية التوافقية الوطنية، وإنعدام الرؤية التي تتأسس على فلسفة أو على الأقل جدول أعمال وطني واضح، هي من التحديات الكبيرة الاتي تواجهنا .

والكثيرون بلا وعي لا يأبهون لبحور الدماء والتشريد والإنهيار والقتال الداخلي . هذه مظاهر الأخطار الكبيرة التي بدأت تبرز داخل بيتنا العراقي الداخلي . فعلى النخب والأحزاب والتجمعات التي تتصارع على المناصب أن تعي بأن حماية هذا البيت لا يمكن أن تأتي من الخارج .. وأن "الشروخ" قد إزدادت كثيرا بما يهدد أن ينهار على رؤوس ساكنيه هذا البيت الذي آوانا عبر قرون، وقرون ..

وقد وصلت الحالة التي يعيشها المواطن اليوم تتلخص في إعتقاده بأنه لا يستطيع ان يعمل شيئا، لأنه لا يملك شيئا. فما دام لا يملك سلطة ولا حزبا ولا مالا كثيرا ولا دعما إقليميا او دوليا فماذا يستطيع ان يعمل؟

وبهذا نستطيع أن نشخص بأن المواطنين وصلوا حد اليأس وحتى قرار مقاطعة كل شئ، بما في ذلك الإنتخابات التي تقف على الأبواب .

ولكن رغم حجم الإحباط الذي أصاب عموم الشعب العراقي، بعد ثلاث دورات للمجالس النيابية الفاشلة، أرى بأنه لا يجوز أن نقع في فخ المقاطعة وألاّ يقاطع المواطنُ الإنتخابات وبتنازل طوعيا أمام الفاسدين، ويترك حقه للذين لا يمثلون الا انفسَهم وأكثرهم شريحةً ضيقةً من المستفيدين والإنتهازيين فيفوزون بشكل قانوني.

وبهذا فأن مقاطعة الانتخابات هو في الواقع إنهزام مدمر وقاتل لكل الآمال، فاذا انسحب الأخيار لم يبق في الساحة غيرالأشرار .

إذا ما الذي يجب أن نفعله؟

علينا أولا أن نطلب من المرشح الكريم أن يوضح ، ويجيب في دعاياته الإنتخابية، (كي نتأكد من صدق ونزاهة أهدافه وتوجهاته) ،على أسئلتنا الآتية: :

 

1• ما هو البرنامج الذي يتبناه لمكافحة الفساد؟ وإذا كان من ضمن المنتخَبين في الدورة السابقة فعليه أن يجيب عن موقفه من ملفات الفساد في الدورة السابقة؟ ولماذا سكت عن فساد الكبار؟ واذا لم يسكت فماذا كان قد فعل؟.

2• ما هو برنامجه لإنقاذ وتطوير الصناعة، والزراعة، والتعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، وكيف يفكر لإيجاد حلول سريعة للبنية التحتية، .....؟

3• ما هي مصادر معلوماته في برامجه التي يعرضها علينا؟ ومن هم مستشاروه من العلماء والتكنوقراط العراقيين الوطنيين أو من الخبراء الأجانب؟ وما هي مؤهلاتهم؟

4• ما مقدار ثروته الحالية الفعلية، المنقولة وغير المنقولة وفي اي البنوك مودعة وأي الدول؟ وذلك قبل أن يصيبه عمى الثراء الذي يحلم فيه؟

5• ما مقدار ثروة أفراد عائلته الفعلية، المنقولة وغير المنقولة؟ وفي اي البنوك مودعة وفي أي الدول؟

6• كيف يمكننا ان نتصل به بعد فوزه؟ ومن يضمن لنا ألاّ يختفي بعيدا عن جماهيره ومناصريه ولا يستطيعوا أن يروه إلا على شاشة التلفزيون؟

• وما هي الضمانات التي يقدمها لتحقيق وعوده الانتخابية؟ وماذا يمكن

للمواطنين أن يفعلوه إذا ما نكث بتلك الوعود؟ وخصوصا مسألة سهولة وإمكانية اللقاء به بعد فوزه.

هذه الأسئلة والإجابة عليها يجب تسجيلها وتوثيقها (وإذا أمكن صوتا وصورة) لتثبيت إجاباته ووعوده كي لا يتنصل المرشح عنها بعد الفوز .

و هذه التساؤلات .. حسبما أعتقد بأنها من أهم ما يجب التأكيد عليها في الدعاية الإنتخابية .. والله الموفق .

 

د.هاشم عبود الموسوي

hamoda ismaeliفي المجتمع الليبيرالي أو نيوليبيرالي الذي نعيش فيه، حيث الغلبة لنظام السوق: أي سلطة الشركات العملاقة على القرارات السياسية. لم يعد للمثقف من دور إلا بالتصدي "ليس بنقد نظام السوق السياسي" بل بنقد أفكاره ومعايتنها مبدئيا، فكما يقول الكاتب الأمريكي روبرت واترمان ماكشنسي فإنه و"من خلال مجموعة متنوعة من الآليات المؤسساتية يجري إرسال إشارات إلى المثقفين والمتبحرين في العلم والصحفيين تحملهم على رؤية الوضع السائد على أنه أفضل العوالم الممكنة، وتبعدهم عن تحدي أولئك المستفيدين من الوضع القائم"(1). لذلك فإنه يدعو جميع "الذين يعلنون التزامهم بالديموقراطية كي يلقوا نظرة طويلة فاحصة على أنفسهم في المرآة، ويسألوا أنفسهم لصالح من ومن أجل أي قيم يعملون"(2). طالما أن "وسائل الإعلام التابعة للشركات الكبرى وصناعة العلاقات العامة والأيديولوجيون من الأكاديميين والثقافة الرسمية كلها تلعب دورا مركزيا في توفير ـ الوهم الضروري ـ لجعل الوضع الذي لا يطاق يبدو منطقيا وكريما وضروريا"(3). مؤكِّداً إلى أن الأمر قد يحدث دون وعي هذه الأقطاب، وليس عن طريق مؤامرة محبوكة كما يحب أن يفسر البعض.

من هنا ينكشف الدور الكبير الذي يلعبه المثقف (والمبدع بصفة عامة) بتطبيق النقد الذاتي على فكره وإسقاطه (المنهج) على المؤسسات التشريعية لتمحيص الدساتير والقوانين والمشاريع السياسية للأحزاب، وتحفيز الأفراد على القيام بنفس الدور: فالسلطة شراكة وليست وظيفة محتكرة من قبل ممثلين سياسييين أو قلة (من رجال أعمال). ومنه يجب كما بتعبير الصحافي البريطاني بول كوخرن: على "الفنانين والكتاب والمعلمين والمثقفين من عامة الشعب واجب الوقوف وقول الحقيقة في الشرق الأوسط، كما في أي مكان آخر على هذا الكوكب. وكما كتب "زن" بحق عن واجب الناس في التعبير والمشاركة في اتخاد القرار سواء كان ضد الحرب، أو في صنع السياسة بشكل عام : "شأن من إذن؟ المؤرخ يقول إنه ليس من شأني، والمحامي يقول إنه ليس من شأني، والمبدع يقول ليس إنه ليس من شأني، إذا شأن من هذا الأمر؟! وهل يعني هذا أنكم ستتركون أمر حسم أهم القضايا في العالم إلى أولئك الذين يتولون حكم هذا البلد ؟"(4). والمثقف يعتبر هنا المحرك والدينامو الذي يشجع الآخرين على المشاركة السياسية وصنع القرار ومراقبة حكوماتهم : لأنه وكما يقول عنه المؤرخ والناشط السياسي هوارد زن يسمو بحقل اشتغاله ليصبح "بمثابة حكمة عامة للناس ويتجاوز المؤسسات المسيطرة ويخاتل ويذهب إلى الماوراء ليخالف ويفر من ما تفرضه السلطات أو ما يقوله الإعلام السائد"(5). وحسب هوارد زن فإن دور المثقف هو من أعظم الأدوار، طالما أنه يرى أن "نقد الحكومة هو أعظم عمل وطني" : معتمدا في ذلك على مبدأ الصحافي الأمريكي آي إف ستون "الحكومات تكذب".

تكذب الحكومات لأنه وحسب ماكشينسي تدرك هذه الحكومات أن أنظمتها نشأت لتتلاءم "وحاجة الأقلية لا الأكثرية، وبالتالي لا يسمح أبدا للأكثرية بالتشكيك في حكم الشركات الكبرى وتغييره. وحتى في الديموقراطيات المقيدة القائمة، تعمل مجموعة الشركات الكبرى بلا هوادة كي لا تجري مناقشة القضايا الهامة مثل الاتفاقية المتعددة الأطراف الخاصة بالاستثمار علانية"(6). أما النظام الاستبدادي للحاكم الواحد : فالديكتاتور ليس أكثر من شركة حاكمة ترى المواطنين كزبناء وليس كمشاركين.

وبه فإن الشعب مجبر بمختلف أطيافه أن يقف وقفة رجل وامرأة أمام الأحزاب الممثلة للحكومة ومراجعة برامجها السياسية وقراراتها التشريعية حتى تلائم مصالح الأفراد وليس مصالح الشركات الكبرى؛ لأن هذه الأخيرة توظف قواها "للحيلولة دون قيام ديموقراطية سياسية حقيقية" بشراء الإنتخابات ووضع البرامج والقوانين الضامنة لاستمرار إمبرياليتها الإنتاجية. وحينما يسود مفهوم السوق في ركائز المجتمع : فإن العلاقة بين المؤسسات والمواطن تُبنى على الزبونية (المُقابل / التمييز/ الرشوة / التواطؤ) وليس على حقوق المواطنة.

 

.........................

هوامش:

1 و2 و3: روبرت واترمان ماكشنسي ـ تقديم لكتاب الربح فوق الشعب لتشومسكي، ترجمة مازن الحسيني | التنوير.

4: بول كوخرن ـ تقديم لهورد زن، مقالات لهورد زن مترجمة من حمد العيسى | منتدى المعارف.

5: هورد زن ـ المبدعون في أوقات الحرب، المصدر السابق.

6: ماكشنسي ـ المصدر السابق.

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

abdulrazaq alghalibiعذرا ..!! .. لنواجه انفسنا هذه المرة ونعترف بالخطأ والاعتراف بالخطأ فضيلة .. ومن لا يخطئ لا يصيب ..!؟

اصبعك ايها العراقي من جعل جرذ من داعش يفجر بيتك ويقتل طفلك ..!؟ اصبعك ايها العراقي جعل افغانيا اشعث يذبح عائلتك ..!؟ اصبعك بعاع وطنك ..!؟ اصبعك هو من اختار الجهلة الذين باعوا وطنهم وشعبهم من اجل حفنة من الدولارات ..!؟ هل تعلم ان راسك دخل المزاد في اسواق العملة في السعودية وقطر .. !

نحن شعب نتكلم اكثر مما نفعل، نعتقد ان الكلام والتصريحات ونقد وتسقيط بعضنا البعض هو الطريق الامثل لبناء الوطن ، وهذه حالة جديدة لم تكن فينا من قبل ، شعب يؤمن بالغيبيات ولا يلمس الحقائق، منحنا الله ديمقراطية مطلقة يحسدنا عليها شعوب المنطقة والعالم وهي من فتحت بوابات الجحيم علينا واثارت حفيظتهم لمعاداتنا والتدخل في شؤوننا عن طريق هش ، الامية السياسية لممثليتا و خوف دول الجوار من اقتداء شعوبهم بتجربتنا الديمقراطية الجديدة ، لقد سبقناهم اليها وتقدمنا عليهم بخطوات كبيرة نحو الفهم السياسي الحقيقي للديمقراطية حين خرجنا من عنق الزجاجة و نفق الدكتاتورية المظلم والى الابد نحو الحرية المطلقة والتحرر الانساني ، وادركنا المفهوم الحقيقي والمبسط للديمقراطية ، حكم الشعب وتقرير مصيره بنفسة وفصل السلطات الثلاث ووضعها تحت سيطرته وهذا ما حدث في العراق فعلا تمثيلا ، لكن العلة الحقيقية تكمن في التطبيق ، شعبنا يمتلك السلطات الثلاث، السلطة التشريعية وهي صوت الشعب ولسانه، التنفيذية اي الحكومة وهي تعمل بقوانين التي يشرعها ممثليه والقضائية التي تحكم بتلك القوانين .. وهذه الآن تفعل فعلها في اثير العراق السياسي لكن محنتنا الحقيقية تكمن في التطبيق الاهوج لهذا المفهوم السياسي البحت .. !!

ان الربيع العربي الحقيقي حل في العراق وليس في دول المنطقة التي خضعت لحكم السيف وفشلت واصبح ربيعها خريفا جافا لكن الجميل لا يكتمل ، ان للديمقراطية مساوئ احيانا تشوه معالم المحاسن فيها ، وتتمثل في: الامية السياسية المفرطة والالتصاق الديني والسعي واللهاث نحو السلطة والمصالح الشخصية ، وهذا الثلاثي المقيت سلب اللقمة من افواه الفقراء والفرحة من عيون الاطفال والارواح من اجساد الابرياء ، حين داب مجلس النواب الذي يفترض ان يمثل الشعب الذي انتخبه ووضعه تحت قبة البرلمان ، على تمثيل رؤساء الكتل وهم افراد بعدد الاصابع ويعملون بأجندات دول الجوار المعادية للشعب العراقي فصار النائب العراقي قناة او ببغاء تنقل ما يمليه رئيس الكتلة الى قبة البرلمان والذي يذكي اوار الخلافات ويشق عصا الوطنية ويمسح مصالح الشعب العراقي من اذهانهم وصار الكل ادوات للنهب والسلب والانتفاع ثم اتجهت خلافاتهم نحو التدمير حتى طالت البنى التحتية للوطن وصار هدفهم ازهاق ارواح الابرياء من الشعب العراقي الذي انتخبهم ووضعهم تحت قبة البرلمان، وتحولت الديمقراطية الى محنة سياسية وطامة سوداوية كبرى رزأت فوق صدر الشعب العراقي وصار النواب اعداء للشعب الذي بات يمقتهم وينتظر رحيلهم بفارغ الصبر ..!؟

سؤال بسيط يطرح نفسه .. من المسؤول عن هذا الدمار والفرقة والفتنة التي حلت فينا ..؟؟ .. الجواب على هذا السؤال بسيط جدا .. المسؤول الاول والاخير عن كل ذلك هو الشعب العراقي لكونه لم يحسن اختيار ممثليه بشكل صحيح فتصرف كمن يختار قاتله بنفسه .. !!؟ لا ننكر ان الشعب العراقي بوغت بالحرية والديمقراطية التي حلت بشكل سريع ومفاجئ بعد ظلم وكم افواه غير طبيعي وقتل جماعي دام اربعة عقود ، سبب هذا التغيير المفاجئ ردة فعل غير طبيعية من الفوضى السياسية وهذا شيء مالوف من المنظور السياسي فقد حدث نظيره في معظم البلدان التي هبت عليها رياح التغيير والتحول السياسي السريع من الدكتاتورية نحو الديمقراطية ..!؟ لو كان الشعب العراقي مستعدا لهذا التغيير المفاجئ ويمتلك الادراك السياسي الكامل للديمقراطية لما اعطى صوته لخدمة غيره من رؤساء الكتل والذين ينفذون اجندات الجوار وبذلك فتح المواطن العراقي بوابات الارهاب على مصراعيها باتجاه وطنه دون ان يحس ..!؟

اليوم، وعيك اكتمل وعرفت من لك ومن عليك واشرت باصبعك لمن هدم وطنك وعاث فسادا فيه .. ! جاءتك الفرصة ان تنتقم بصوتك ممن باعك ومن ذبح اهلك .. بصوتك ستبني ما هدمه اصبعك .. اجعل من صوتك رصاصة في صدر من استغفلك واستغل طيبتك .. ليكن صوتك مدويا يرعب خونة الدم ..!؟ صوتك هو شرفك ، وطنك ، عرضك .. بصوتك تحمي ارواح شعبك .. قاتل بصوتك فهو امضى سلاح يرهب من اثملوا بدمك من اعداء الدين والحياة والانسانية .. اصبعك جعل الفأر اسدا وبصوتك الآن سترجعه الى حجمه الطبيعي وتجعله فارا من جديد .. !!ّ .. لقد ادركت خطأك الآن وعليك تصحيحه بنفسك .. انت ليس اول الخطائين وليس آخرهم .. ابني وطنك بصوتك وخير الناس من عرف قدر نفسه ..!؟

 

adil amirالتنافس حق مشروع ومكفول ولكن هناك اشتراطات تقتضيها اللعبة الديمقراطية الحقيقية ومن ضمنها الا يدخل هذا التنافس في اطار التسقيط السياسي كجزء من الدعاية الانتخابية وان تراعى المصلحة الوطنية العليا والحفاظ على العملية السياسية وعدم خلق الازمات التي من شانها ان تعكر الاجواء في البلاد وتلحق ضررا بالعباد .. التنافس الشريف هو ان يعكس كل طرف وتظهر كل كتلة سياسية احترامها للقيم والمعايير الاخلاقية، فالوطنية الحقة ان تحترم الآخرين مثلما تريد لهم ان يحترموك .. وما نريده ان يعكس المتنافسون في الانتخابات قدراً من الشعور بالمسؤولية والحفاظ على الوحدة الوطنية من التصدع أو الخراب وليعلم الجميع: اذا ضاع الوطن في مهب الريح فلا قيمة او وجود للجميع .. وفي كلمته الاسبوعية ليوم أمس الاربعاء دعا السيد رئيس الوزراء نوري المالكي الى الابتعاد عن التسقيط السياسي أو التلاعب بالمال العام في ممارسة الدعاية الانتخابية لأن الانتخابات كما يؤكد السيد المالكي هي الضمانة الاكيدة لسلامة العملية السياسية وتداول السلطة سلميا وللاسف الشديد يجعلها البعض مجالا ومساحة للحرب . وكأننا لسنا مقبلين على الاصابع البنفسجية وانما على معركة وكل يضع يده على خنجره .. ويمضي السيد المالكي قائلا: ادعو الجميع الى ممارسة حقهم في الدعاية الانتخابية ولكن يجب الا يكون هناك تلاعب بالمال العام ولا بقرارات الدولة ولا بالاساءة للآخرين ولا بتسقيطهم ولا بنبش القضايا التي لا تؤدي الى الوحدة والتعاون والتكاتف . إذن مانريد التأكيد عليه ونحن نعيش مرحلة سياسية حساسة ان يرتقي الكل الى مستوى المسؤولية الوطنية وان يدركوا ان الخطر لا ينال من فلان دون علان وانما يطال الجميع من دون استثناء وتلك هي الحكمة التي يجب الايمان بها . بعد تسليط الضوء على الدعاية الانتخابية تنتقل الان إلى تسليط الضوء على الدعاية السياسية والتي تهدف الى التأثير المستمر على الجماهير لتبني وجهات نظر مؤيدة وتكوين رأي عام متقبل للحزب والكيان ،ولكن قبل البدء في الحديث عن الدعاية السياسية سنلقى نظرة على الجماهير وعقليتها وكيفية التأثير في اللاوعي الخاص بها فكما يقول (جوستاف لوبون)**[ان الجماهير لا تعقل ,فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلا واحدا من دون ان تتحمل مناقشتها ،وما يقال لها يغزو عقلها سريعا ،فهي لا تعرف غير العنف الحاد شعورا ،فتعاطفهالا يلبث ان يصير عبادة، ولا تكاد تنفر من أمر ما حتى تسارع الى كرهه، وفي الحالة الجماهيرية تنخفض الطاقة على التفكير ويذوب المغاير في المتجانس بينما تطغى الخصائص التي تصدر عن اللاوعي] وبالتالى فإن قدرة الدعاية السياسية على التأثير في اللاوعي الجماهيري هي المعيار الأول والأخير في الحكم على فاعلية تلك الدعاية،فالدعاية السياسية تتعامل مع الفرد كجزء من جمهور ،فمن الصعب توجيه الدعاية للفرد وهو في عزلة بعيدا عن الجمهور ،فهي لا تتعامل مع الفرد كفرد ولكن تتعامل معه على أساس الأمور المشتركة بينه وبين الاخرين أي تتعامل مع دوافعه ومشاعره والامور الأخرى التي يؤمن بها ,فالفرد الذي يشكل عنصرا في حشد أو جمهور تضعف دفاعاته النفسية ويسهل إثارة ردود افعاله وهذا ما تهدف إليه الدعاية السياسية ومع ذلك لا ينبغي للدعاية ان تتجاهل رغبة الفرد في تأكيد الذات وهذه هي المعادلة المتزنة في الدعاية السياسية و يجب ان تكون الدعاية مألوفة للتيارات الاجتماعية والايديولوجيات العميقة والقواعد السيكولوجية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع كله فلا يمكن للدعاية ان تنجح اذا انفصلت عن العناصر البنائية للمجتمع فليس الغرض من الدعاية السياسية تغيير الايدولوجيات ولا تغيير الشخصية الكامنة للعرق فذلك مستحيل ولكن غرضها تكوين رأى عام مؤيد وخلق قابلية لتلقى افكار بعينها تجاه حزب وكيان معين لذلك فهى تركز دائما على الشعور والعواطف واللاوعى مع عدم اهمال العقلانية فى اوقات معينة لمراعاة الذات الفردية للاشخاص● ■وسائل الأحزاب في الدعاية السياسية: (ا) التمثيل النيابي: -وهو وجود ممثلين للحزب فى البرلمان وتبنيهم لقضايا تهم المواطن العادي وهذا يتيح الفرصة امام الحزب لتنفيذ مبادئه وسياساته بواسطة اعضائه مما يكسبه المزيد من المؤيدين○ (٢) الدبلوماسية الاعلامية (٣) الحوار والنقاش داخل الحزب (٤) استخدم وسائل الاعلام (٥) رفع شعارات تهم المواطن وتتعلق بقضاياه واختيار رموز دعائية ورسائل واضحة ومعبرة (٦) اثارة مشاعر الأفراد والجماعات لكسب التأييد الشعبى (٧) استخدام التجمعات الجماهيرية والعمل المستمر فى الشارع

غير أن مجرد الإلحاح في التعريف بالمرشح لا يكون دائما كافيا للفوز بالأصوات الأقل تأثرا بمراكز الثقل الانتخابية التقليدية، فترديد اسم المرشح يجب أن يرتبط برسالة ترسم صورة معينة عن المرشح بحيث تكون أكثر تأثيرا في فئة محددة من الفئات التي تم التعرض لها سابقا أو غيرها من الفئات التي يقرر فريق إدارة الحملة الانتخابية التركيز عليها، وهو ما يجب أن ينعكس في الشعارات التي يتم كتابتها على اللافتات والملصقات وترديدها في المسيرات والمؤتمرات.

وبالنسبة لكافة الفئات المشار إليها سابقا فإنه قد يكون من المفيد للمرشح أن يقدم نفسه في صورة رب الأسرة المسئول والناجح في تربية أبنائه. ويمكن للمرشح أن يستدعي بعضا من حياته الخاصة، بلا ترخص، في أحاديثه، وأن يصحب معه أبنائه، خاصة من الذكور، للمشاركة في حملته الانتخابية، للتأكيد على وضعه كرب أسرة ناجح، وهو نفس ما يمكن للمرشحة من النساء أن تقوم بها، وإن كان لها بالإضافة إلى ذلك أن تستعين ببناتها من الإناث في الحملة الانتخابية. وفي كل الأحوال، فإنه يجب على أبناء وبنات المرشحين أن يتجنبوا استفزاز الناخبين من الفقراء بمظهرهم أو ملبسهم، فالقاعدة الذهبية هي أن الناخب من هذه الفئات يميل للتصويت "لواحد ناجح منا"، وليس لمرشح ينتمي في مستوى معيشته وثقافته ومظهره لفئة اجتماعية شديدة الثراء ومعزولة.

ويحتل التعرض المتكرر لصورة المرشح حتى الوصول إلى مستوى التعرف على الصورة وربطها باسم صاحبها، أهمية أقل من التعرض للاسم وتذكره. فالأهمية التي تحتلها صورة المرشح في الدعاية الانتخابية هي ظاهرة حديثة نسبيا، وترجع أساسا إلى شيوع التليفزيون كأداة للإعلام الجماهيري. أما قبل ذلك، فإن الصورة الفوتوغرافية لم تكن لها القيمة نفسها، أو حتى قيمة قريبة منها في التأثير على اتجاهات التصويت. وبالتالي فإن أثر الصورة في الحملة الانتخابية يرتبط أساسا بالصورة المتحركة، ونظرا للطريقة التي تجري بها انتخابات مجلس الشعب في مصر، ونظرا لمستوى تطور وسائل الإعلام الجماهيري فيها، بما لا يسمح لوسائل الإعلام المرئي سوى بدور محدود جدا في الحملات الانتخابية، فإن التعرف على اسم المرشح يمثل أهمية تزيد كثيرا على أهمية التعرف على صورته.

ومع هذا فإن الصورة الفوتوغرافية يظل لها أثرا مهما لا يجب تجاهله، فكلما ارتبط الاسم بصورة تجسده، كلما ساعد ذلك على تثبيت الاسم في الذاكرة، فالصورة تعطي الاسم أبعادا إضافية تساهم في تثبيته. وفي مجتمع الإعلام الجماهيري، خاصة التليفزيوني، الذي نعيش فيه، قلت قدرة الفرد على التعامل مع ظواهر مجردة، وزادت حاجته لربط معارفه واتجاهاته بصورة محددة، وهو ما توفره له صورة المرشح. فمشاهدة صورة المرشح تعطي للناخب فرصة الشعور بالألفة تجاهه، كما تساعده على نقل إحساسه بالمرشح من مرحلة التجريد، التي يصلها من التعرف على الاسم والشعارات السياسية، إلى مرحلة العياني المحدد المرتبط بالصورة.

ومن المهم أن تُقدم للمرشح صورة تخاطب تفضيلات وميول أغلب الناخبين. وكلما بدا المرشح في صورته في متوسط العمر، عليه علامات الحيوية والصحة، بلا مبالغة أو تزيد، وكذلك علامات الوقار والاحترام، كلما زاد ذلك من فرصة التأثير الإيجابي للصورة على الناخبين. ولتعويض أثر غياب الصورة المتحركة القادرة على تحقيق التفاعل مع الجمهور بدرجة أعلى، فإنه من المهم إضفاء بعض سمات الحركة على الصورة المعتمدة لنشرها في الدائرة للمرشح، فالصورة الجانبية أو شبه الجانبية تترك تأثيرا أفضل من الصورة بالمواجهة، كما أنها تساعد على إخفاء بعض عيوب الوجه، التي يمكن أن يكون لها أثرا سلبيا على اتجاهات الناخبين. وكقاعدة عامة فإنه من المفضل اختيار صورة المرشح التي تظهر فيها عيوب الوجه بأقل قدر ممكن.

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

naheda altamimiهنالك حلقة مفقودة في سلسلة التغيير الذي حصل في العراق وهي في غاية الاهمية .. تلك الحلقة التي اضاعها الاحتلال عمدا حين فرض قواعد ناشزة في حماية الارهابيين وبقايا النظام التالف وكللها بمشروع المصالحة الوطنية والمحاصصة الباهت الذكر .. لحقها موقف المرجعية بتكبيل ايدي المكلومين والمثكولين في احبائهم في الانتصاف من قاتليهم .. مما اطال ولم يزل في عمر اللعبة القذرة في استهداف المدنيين طائفيا وبقاء الفاسدين والمفسدين في البرلمان والحكومة ومفاصل الدولة الامنية والعسكرية المهمة مما ترتب عليه تعطيل القرارات المهمة وشل حركة التغيير بما يفيد المجتمع ويصب في صالحه ويحسن وضعه.

تلك الحلقة المفقودة كانت بمثابة تسونامي طبيعي كان يجب ان يأخذ دوره حتى يرحض كل وساخات العهد المظلم ومهما تبلغ التضحيات ..قد تكون عدة الاف ولكنها لاشيء امام الاف الضحايا الذين يتساقطون يوميا وشهريا الذين يستهدفهم الارهاب وبسبب وجود رعاة الارهاب وعرابيه في المؤسسة التشريعية والتنفيذية والعسكرية والامنية .. واستمرار الارهاب بهذا الشكل المخيف يدفع من حيث لايشعر باتجاه عودة التسونامي لتكتمل دورة التغيير في الطبيعة والناموس الالهي

فتغلغل الارهابيين والبعثيين في مفاصل الدولة واجهزتها الحيوية وفي البرلمان هو من يعيق تجهيز وتفعيل الجهد الاستحباري في مكافحة الارهاب وتسليح الجيش واستقرار الامور .. لان هؤلاء اصبحوا هم الواجهة السياسية في البلد والرؤوس المدبرة للارهاب بأموالهم وباجاتهم وبنوتهم لابائهم الاقليميين الطائفيين .. فهنالك شريحة معلومة من سليلي الطغيان ورواد الديكتاتورية والقمع والطائفية من التشريعيين والتنفيذيين ورجالات الدولة التي لايؤمنون بها اصلا هم من يسهل حركة الارهاب والموت اليومي للشعب العراقي المغلوب على امره، وهؤلاء التغيير لم يجتثهم مما شكّل حلقة مفقودة بدونها لن يكتمل هذا التغيير المزعوم...

الحلقة المفقودة الاخرى هي فوضى الاحزاب والبرلمانيين حتى دخلنا موسوعة غينيس لكثرتها وتشرذمها وعدم جدواها .. ومن ثم جَهِدَ المحتل في تسليط كل نطيحة ومتردية على مقدرات العراق وثرواته ومفاصله المهمة كي لاتقوم له قائمة . والمشكلة الكبرى ان هؤلاء يشكلون صلب الدولة وهم غير مؤمنين بوجودها .. فوضى عارمة في التصريحات والتهديدات بالانقسام والاقاليم وتوعد بعضهم البعض في الابادة والمحو من على على خريطة الوطن ان لم يكن بالسيف والذبح والقصف والتفخيخ .. فبالتعطيش .. مع ان المادة خمسين من الدستور العراقي تنص على القسم على وحدة العراق وسلامة اراضيه

اذاً نحن امام مشهد غريب وضاج سياسيا لايشببهه شيء في عالم السياسة، أُناس على هرم السلطة ونواب ورؤساء لايؤمنون بوجود الدولة اصلا وهي بالنسبة لهم مؤسسة ربحية توفر لهم رواتب وامتيازات ومناصب اكثر من ممتازة اما عذا ذلك فهم كل يعمل لقوميته او طائفته او حزبه ولايؤمن بالاخر،، وهؤلاء هم من اضاع علينا فرصة الانعتاق الفعلي من زمن البعث وتبعاته الكارثية

الحل يكمن في موقف واعي يرفض تصانيف عرب واكراد وتركمان ومسيحيين وسنة وشيعة، ولابد من تطهير الدولة من اقطاب التحالف الطائفي والقومي وورثة الاقطاع والاغوات والمعممين والبيوتات المتنفذة والتي تعيد انتاجها وتلونها حسب الظروف .. والحل في رفض كل اشكال الهيمنة دينيا او اقليميا او دوليا .. فلن تقوم للعراق قائمة الا بكنس هؤلاء الذين يشكلون عقبة في طريق انعتاقه وشرارة للتنافر بين مكوناته،، رفض هؤلاء السياسيين واختيار الوطنيين ذوي التاريخ المشرف هو الحل لانه لارجاء منهم ..

د. ناهدة التميمي

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

khadom almosawiما هي امكانية المثقف على التغيير في التحولات العراقية؟ وما هو المطلوب منه في هذه المرحلة، مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال؟ ماذا قدم المثقف وكيف تعامل فيها؟. هل هناك مثقف عضوي؟ من وكيف يحدد اداءه؟. وما هي اهميته في الواقع اليوم؟

اسئلة كثيرة يمكن اطلاقها، والأجوبة عليها تختصر في/ حسب زمانها ومكانها. اكثر من عقد من الزمان مر والمثقفون او اغلبية منهم في العراق مازالوا محاصرين بين ضفتي الداخل والخارج، بين السياسي والإداري، بين الهامش وخارج الهامش، بين الموظف والمتفرج، بين المصالح والمبادئ. لم يستطع في الاغلب الاعم ان ينتج المثقف دوره ويبين موقعه ويرسم او يؤشر لأهميته في الساحة الثقافية والمشهد السياسي العام في العراق.

بعيدا عن الخوض في التعاريف وحصر الموضوع في عقد من الزمان، من الاحتلال الاجنبي، من الخراب والدمار وما سبقه في كل المفاصل والجهات وما اورثه منها فيما تلاه من عصف وتشوه وخلط اوراق يمكن القول ان الثقافة والمثقف في ازمة وربما في وضع لا يحسد عليه..

التفاتة سريعة لا تفي الغرض ولا تجيب بإقناع ولكن حيز المقال يشفع للقول بما يعوض عن التفاصيل. ان ما بعد الغزو والاحتلال افرز بقسوته ادوارا للمثقف المعني بهذا التعريف. وشريحة المثقف التي اطرها حكم الدكتاتور الفرد والحزب الواحد واللون القائد بكل ما تعنيه المفردات لم تخرج مثقفا عضويا يعول عليه لما بعد ذلك العهد ولمواجهة عهد امتداد الدكتاتورية بملابس اخرى وعينات ملتبسة شكلا ومضمونا. فنقل القلم من جيب الى اخر عمق في المأساة التي عاشها مثقف العراق بعد الاحتلال. وطبيعته المعروفة بالغلو، تشي بتقمصه دور "الملكي اكثر من الملك نفسه" ولا تؤشر الى عميق وعي بحصيلة الموقف والدور والمسؤولية. خصوصا بعد ان خط حذاء المارينز والسفير/ المندوب السامي الامريكي اشارة عهده الجديد ورسم الملامح التي ادخلت القلم في حفلة انكار فوهة البندقية ومسدس الاغتيال وظلال الاباتشي وجدران العزل. اما المثقف القادم معها فاكتفى في ترجمة البريد الالكتروني لموظفي البنتاغون في المنطقة الخضراء او الاشراف على مؤسسات الثقافة المجردة من عناصرها. وقام اخر باستمرار دوره فيما عهد اليه من مهام في التفتيت والتقسيم وتكريس مفاهيم الاحتلال في حذف هوية الشعب والبلاد والعزف على مكونات مطلوب منه ان تكون بشكل طائفي او عرقي. وانتقل بعضه سريعا من خنادق المعارضة الى فنادق السلطة او قصورها والتفرغ الى مهرجانات التلفيق والإرضاء للمسؤول الجديد والحاكم المتنفذ، او القفز من الحداثة الى التطييف والتخادم مع مستجدات مرفوضة ووقائع مستنكرة. متناسيا مكانته الفعلية وقاعدته الشعبية. انتقل المثقف في هذه المرحلة او اكثريته من سلطة الثقافة الى ثقافة السلطة، كما كان قبل الاحتلال وكما اصبح باختيار او بإذلال. وتسلم مواقعه المحروم منها، مديرا او نقيبا او عميدا او مستشارا او مهرجا...، راضيا ومتنكرا لمهمته ودوره وفاعليته.

تحول صراع الثقافة بين متضرر من تغير الاحوال ومنتفع منها وغاب الوضوح والوعي النقدي واختبار العقل وانتشر الحفاظ على البقاء بأي شكل ودون أي اعتبار للوظيفة الثقافية وللموقف الوطني ولحمل صليب الكلمة والرأي الشجاع. وصار المثقف حائرا بين المكان والزمان، بين تحمل بغض محيطه وخداع صورته، متقلبا بين لوني الزيتوني والمرقط، او بين اغراء الثروة واقتناص الفرصة واغتنام المكاسب على حساب الثقافة ومهماتها ومتطلباتها. فمنهم من تجاذب مع صيغة الاحتلال والاختلال مع تماه مبطن او تعال معلن على رافضي الاحتلال ومقاومي وجوده العلني وامتداده الاخطبوطي. في وقت اعلن الاحتلال نفسه شرعا ضد خيارات الشعب وإرادته الوطنية، رافعا شعارات مخادعة. انعكست مباشرة في صف المثقف مثل غيره وتفاعلت مع الحدث كغيرها من الافعال. وفي العموم غاب المثقف المبدع وراج المثقف الموظف. ابتعد المثقف الشعبي وصعد المثقف الطائفي او الاثني او المتخادم من بينهما مع ثقافة السلطة المتحكمة بقوة السلاح الاجنبي.

عقد من الزمان ليس عمرا طويلا ولكن حصيلته كبيرة. كشفت كثيرا من المساحات وغيبت ما بينها من رمادية منكرة. هي سنوات عجاف في المحصلة ولكنها غامرة بما يتطلب من مثقف اليوم ان يعطي ويقدم ويقسم من جديد قسم البناء لوطن جديد فعلا بعد كل ما حصل ومر. مثقف من الخارج وصف يوما اقرانه بمثقفي المكاتب الجديدة التي نصبها المحتل، مستذكرا تسمية عراقية مترجمة من التركية للكتبة في ادارات بداية القرن الماضي في العراق. ومثقف من الداخل وزع زميله في الخارج، بين قادم على دبابة القوة المحتلة او متفرج بطران. وكلاهما لهما من الاسباب ما يكفي وما يدفع الى الصمت اعتبارا او الغضب ردا. وبين هذه الاصناف وتلك ضاع مؤشر الثقافة وحاملها في عقد من الزمن. الحصيلة المتبناة ان كل ما جرى ويجري دفاع بأي شكل عن حق الحياة واغتنام فرصته بما ينفع يومه ويقضي نهاره ويتنكر لشهادته وثوابت الثقافة الوطنية.

دور المثقف في هذه المرحلة خطير وحساس وأشبه بالواقف على حبل وسط جبلين. او هو حامل الجمر بيديه، من اجل ايقاد شعلة النور التي يحملها في ظلام الواقع وأركانه وظروفه ومسبباته. والتي تعرفه وتميزه وتفتح افاق الدور والمكانة والموقف منها.

واكتفي بذكر هذه السمات دون تفاصيل في وقائع كثيرة وخطيرة تفضح الادوار المعاكسة وتكشف احوال من رفعوا الاسم تباهيا وتظاهروا كذبا او مثلوا الدور دون عقبى ضمير.

الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان.. مفاهيم الثقافة الحديثة ومصطلحات الصراع الثقافي والسياسي قبل وبعد الغزو والاحتلال.. كانت شعارا ووظيفة معارضة وصارت اشارة وتعبيرا عن صفة المثقف الذي تبناها حداثة ولغة للتغيير والتجديد والتحولات. هي المحك الان في زمن العقد الثاني بعد الاحتلال وهي معيار المثقف المبدع النقدي الذي يريد رد الاعتبار للثقافة وجدوى الموقف وفاعلية الرأي وحجة العقل.

المثقف وإمكانية التغيير، ليس سؤالا وحسب وإنما مسار عمل وخط واضح بالدرس والعبرة. وكشف وظيفة المثقف الرئيسية ودوره في المجتمع، لاسيما في تأصيل الوعي وتطوير القدرات وتجديد الامكانات واثبات قدرة على المواجهة والمكاشفة والنقد البناء. بلا شك ان المهمة غالبة ومطلوبة والأساس فيها الوعي والضمير ويبقى الدليل في الممارسة والتطبيق وفي الثمار الجنية في اخضرار الحياة.

 

كاظم الموسوي

لندن 24/3/2014

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

مقدمة:يتساءل البعض ان كان العراق قادراً على الانتقال السلس من الديكتاتورية الى الديمقراطية. كبار المسؤولين الامريكيين يشعرون بالاحباط من نتائج الجهود التي بذلوها لتأسيس ديمقراطية ليبرالية مستقرة في العراق او اي بلد غالبيته السكانية من المسلمين او العرب على الاقل في المدى القصير او المتوسط. عملياً، يُعتبر الدعم الشعبي للديمقراطية شرطاً ضرورياً، لكنه غير كاف لبروز مؤسسات ديمقراطية. هناك عوامل اخرى ضرورية. غياب الدعم الملموس للقيم والافكار السياسية الليبرالية وعدم وجود اساس للمجتمع المدني التعددي، ووجود تأييد افتراضي او غير حقيقي لحكومة ممثلة، سوف يجعل من الصعب تهيئة الحوافز الضرورية لترسيخ دعائم الديمقراطية. هذه الحقيقة تأكدت في العديد من البلدان خلال العقود الماضية بعد استبدال انظمتها السلطوية باخرى ديمقراطية لكن عملية الدمقرطة فشلت بسبب هشاشة وضحالة الاسس القائمة.

ان بناء أساس لثقافة سياسية ديمقراطية حديثة هو بطبيعته ليس عملاً مؤسسياً. بناء الاساس هو ليس بالانتخابات او الاحزاب او بالتشريعات. وانما بالقيم الثقافية الساندة، لأن البقاء الطويل الأجل للمؤسسات الديمقراطية يتطلب ثقافة سياسية معينة.

هناك اربعة عوامل ثقافية اساسية تلعب دوراً اساسيا وجمعياً في تحفيز وتعزيز نظام سياسي ديمقراطي مستقر. هذه العوامل هي:

1- الثقة السياسية (وتعني ان المعارضة تقبل قواعد العملية الديمقراطية وتسلم السلطة حين تخسر الانتخابات)

2- التسامح الاجتماعي مع الفئات او الجماعات الاثنية التي ليس لها ثقل تقليدي حيث يجب احترام حقوق جميع فئات الشعب بلا استثناء.

3- الاعتراف الواسع باهمية الحريات السياسية الاساسية مثل حرية الكلام والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات.

4- اخيراً الدعم الشعبي للمساواة بين الجنسين وهي المسألة الاكثر اشكاليةً في المجتمعات الشرقية.

 

الثقافة السياسية في العراق

لسوء الحظ، في العراق، كما في العديد من جيرانه، معظم المتطلبات الاساسية لنشوء مجتمع مدني، مثل الديمقراطية، السوق، ومؤسسات تعددية، هي اما غائبة كلياً او انحسرت عبر عقود طويلة من القمع والتجاهل المتعمد. ترى الايكونومست البريطانية ان "العراقيين وقادتهم سيأخذون وقتا طويلاً ليتعلموا التسامح المتبادل والانضباط الذاتي للحكومة الديمقراطية (1)، اما (Diamond) فيرى ان "العراق يفتقر عمليا لكل الشروط المسبقة الممكنة للديمقراطية" (2). المجتمع العراقي عانى من فترات الحكم الاستعماري، الملكي، القومية العربية، والانظمة الفاشية. في مجتمع كهذا تكون فيه المستويات السائدة من الثقة السياسية والتسامح الاجتماعي والدعم المطلوب للحريات السياسية ومساواة الجنسين متدنية جدا قياسا بما موجود في جميع ديمقراطيات العالم. الاحزاب السياسية العراقية ليست مستعدة لقبول الهزيمة في النقاشات السياسية. وبشكل عام، دمقرطة العراق سوف تُشل بالعوامل الثقافية والدينية التي لا تحفز ولا تسرّع السير نحو الحرية السياسية. هذه العوامل ستجعل العملية التطورية للدمقرطة بطيئة جدا. وهي مسألة لن تقتصر على العراق وحده.

ومع استمرارية نماذج التفكير المميزة للمجتمعات القبلية التي تهيمن فيها التصورات الاسطورية عن العالم، فان خصائص ثقافية معينة ستجعل عملية دمقرطة العراق اكثر صعوبة. على سبيل المثال، اكثر من 75% من العراقيين ينتمون الى 150 قبيلة ويمارسون ما يسميه المؤرخ عباس الكليدار بـ "الولاءات البدائية" (3). فمثلا معظم العراقيين يعتبرون المحاباة السياسية للاقارب واجبا اخلاقيا وليست مشكلة مدنية. الروابط العائلية القوية جدا وشيوع زواج الاقارب يشكلان عقبة رئيسية امام الديمقراطية الليبرالية. (4) وطبقا للانثربولوجي روبن فوكس مؤلف كتاب Kinship and Marriage" الامريكيون لا يفهمون اي عالم يعيش فيه العراقيون بسبب نماذج زواج الاقارب الشديدة الغرابة". يذكر فوكس ان "الديمقراطية الليبرالية ترتكز على الفكرة الغربية للافراد المستقلين الملتزمين بالصالح العام، وهذا يختلف عن الطريقة التي ينظر بها افراد الجماعات المترابطة بالنسب للعالم. عالمهم منقسم الى مجموعتين : الاقارب والغرباء" (5).

الثقافة السياسية العراقية تبقى خاضعة لـ "سياسة الهوية" المتمثلة بتقديس وتمجيد التضامن الديني والاثني فوق جميع القيم والاعتبارات الاخرى، بما في ذلك الحرية الفردية. في هذه الثقافة السياسية الابوية العميقة، عادة يُنظر للقادة السياسيين كشخصيات بطولية قادرة على انقاذ الجماهير من الخطر واليأس. في بيئة كهذه، معظم الناس يتبنّون السلبية والانفعالية السياسية التي تعمل ككوابح امام تطوير المبادئ – مثل المسؤولية الشخصية ومساعدة الذات – والتي هي اساسية لتطوير الحريات السياسية والاقتصادية. وعليه فان الحرية السياسية هي مفهوم غريب لمعظم العراقيين (6).

من المفارقة، ان العراق الأكثر ديمقراطية هو ربما ايضا عراق قمعي (7). يذكر العالم السياسي Michael McFaul "في حالة التحولات الديمقراطية الفاشلة، تؤدي الانتخابات السابقة لآوانها الى زعزعة استقرار النظام السياسي الهش سلفا وتوفر للراديكاليين الفرصة للتوغل في مفاصل الدولة، حيث سيقومون بتحطيم الممارسات الديمقراطية" (8) . في الديموقراطيات الجديدة، الجماهير تكون عادة متقلبة، والاحزاب السياسية هي ايضا متقلبة وقدرتها على بناء الرأي العام تكون محدودة ... وهذا يعني ان السياسين لديهم حوافز قوية للّعب على مشاعر الناس، خاصة مع عدم وجود عوائق امام دخول احزاب جديدة. وفي ضوء عدم الوضوح في تحول النظام، ستؤدي النواقص في المجتمع المدني ورأس المال الاجتماعي الى توفير بيئة خصبة لبروز الحركات الشعبية. ان تبنّي ديمقراطية شكلية شيء وتحقيق ديمقراطية مستقرة شيء آخر. الديمقراطية الناجحة لا تأتي عبر تشريع القوانين. البيت الابيض راهن كثيرا على ان تكوين مؤسسات ديمقراطية في العراق سيشجع بناء ثقافة سياسية ديمقراطية. على عكس ذلك، الثقافة السياسية هي التي تحدد الديمقراطية وليس العكس. الديمقراطية هي تنمية تطورية بدلاً من ان تكون ظاهرة مفاجئة بين يوم وليلة.

يمكن للعراق ان يكون ديمقراطيا في المدى البعيد حين تتمكن الحداثة من إحداث التحول المطلوب في المجتمع العراقي، ولكن من المستبعد ان يتم ذلك في المدى القصير او المتوسط. العالم السياسي Jason M. Wells يؤكد "البلد يمكن اعتباره بلداً ديمقراطياً حقيقياً فقط عندما يدعم المواطنون الممارسات الديمقراطية ويقبلون بشرعية الحكومة المنتخبة ديمقراطيا"(9).

 

صورة الانتخابات العراقية

ولو جئنا للانتخابات العراقية التي جرت في الاعوام 2004 و2009 يمكن القول انها ناجحة وفق الظروف التي جرت في ظلها. لم تجر اية انتخابات في مثل هذه الظروف الصعبة، حيث العنف يجبر الدولة لإغلاق وتعطيل بعض الخدمات لعدة ايام لكي يجري التصويت. الانتخابات كانت انتصاراً للخدمات اللوجستية للامم المتحدة، ولمفوضية الانتخابات العراقية ولقوات الأمن والشرطة. لكن تلك الانتخابات لم تكن نصراً للديمقراطية.

نعم، العراقيون صوتوا في الانتخابات الماضية وما قبلها وتحملوا المخاطر للوصول الى صناديق الاقتراع. ولكن دائما اولى الانتخابات التي تأتي بعد فترة من القمع ستحقق مستوى عالي من المشاركة بالتصويت، وبعدها سيكون التصويت امراً روتينياً لدى الناس. وبصرف النظر عن المقدار الذي يرغب به الافراد في بناء عملية سياسية هادئة، نجد في الدول التي ترزح تحت العنف يكون صوت الرصاص أعلى من صناديق الاقتراع، ونتائج الانتخابات يمكن ان تُهمل جانبا، كما في هاييتي بعد انتخابات عام 1990، وانغولا عام 1992، وكمبوديا عام 1993. او ان نتائج الانتخابات تصبح ليست لها علاقة ابداً بالسياق السياسي الأوسع، كما في جنوب فيتنام عام 1967 حين شارك المواطنون بأعداد كبيرة في الانتخابات الرئاسية، دفعت ادارة الرئيس جونسون للاستنتاج ان الحكومة الجديدة ستكون لديها الشرعية الكاملة لتغيير مسار الحرب.

لسوء الحظ ان امكانية ان تكون نتائج الانتخابات ليست مرتبطةً بسياق سياسي واسع هي متحققة في العراق اليوم. الارهابيون المسلحون لم يُهزموا بعد والعنف مستمر، لكن هذه لن تكون هي المشكلة الخطيرة في المدى البعيد، رغم انها ماثلة للعيان وبشكل دراماتيكي في الوقت الحاضر. ان التحدي الاكبر لتوحيد العملية السياسية الديمقراطية التي ابتدأت بها الانتخابات هو طبيعة التصويت. المواطنون العراقيون صوتوا على هويتهم في هذه الانتخابات . الكرد صوتوا للاحزاب الكردية، والشيعة للاحزاب الشيعية، والسنة صوتوا قليلا في الدورة الاولى ثم كثيراً في الدورة الثانية. وهناك قلة صوتوا للاحزاب المنفتحة غير المقيدة بخلفيات دينية . يجب ان لا نندهش لو صوّت العراقيون بهذه الطريقة. هذا يحدث بانتظام في البلدان المنقسمة وحيث تصبح الهويات الاثنية مسيسة بدرجة عالية، فتزيد من حدة التوترات وربما تُضعف الدولة. ان تفكك يوغسلافيا السابقة بدأ بانتخابات ناجحة في سلوفانيا وكرواتيا حيث تمكنت الاحزاب القومية من الوصول الى السلطة، فرفضت الانتماء الى يوغسلافيا القديمة المتعددة ثقافيا مفضلةً دولاً جديدة تحمل طابع جماعة معينة. الانتخابات التي جرت تحت إشراف دولي في البوسنة عام 1996 اكدت قوة الاحزاب القومية المتعصبة، التي اعاقت جميع محاولات وضع البلاد مجدداً كدولة موحدة . يجب عدم التقليل من قوة التصويت العام وامكاناته المدمرة، انه يعمّق الصراعات ويمزق الدول . إعادة بناء الدول التي اضعفتها الصراعات الطائفية تبقى ملتبسةً حتى عندما تخصص المجموعة الدولية موارد كبيرة لها، كما فعلت في البوسنة. ليس فقط يوغسلافيا والاتحاد السوفيتي اختفيا الى الابد، وانما العديد من الدول الجديدة التي قامت على أنقاضهما لا تزال تصارع وتغرق في انقساماتها المستمرة.

 

الدولة هي المشكلة

التحدي المباشر الكبير للعراق اذاً هو كيفية ايجاد الوسائل لإستيعاب تنوعه السكاني، المركّب من هويات جرى دمجها وتسييسها اعتباطاً وبدرجة عالية في الدولة الجديدة . السنة، الشيعة، الكرد، والعديد من الجماعات الصغيرة الاخرى لها مختلف المطالب والمخاوف والاجندة. في الدولة القديمة، منذ تاسيس العراق من جانب بريطانيا عام 1920 وحتى الاطاحة بصدام حسين بالغزو الامريكي، كانت جماعات سكان العراق ببساطة مجبره للبقاء مع بعضها. اولاً، كانت هناك بريطانيا العظمى التي اوجدت العراق الجديد بسرعة ودون تأني لأنه جاء منسجماً مع تصميمها للشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الاولى وتفكك الدولة العثمانية. بعد ذلك جاءت سلسلة من الانظمة السلطوية القوية، كان آخرها نظام صدام حسين القمعي. وحتى وقت قريب (عام 2011) كان هناك ما يقرب من 150 ألف جندي من القوات الامريكية هم الذين يمسكون بالبلاد .

ان الخيار في توحيد العراق بالقوة لم يعد قائما، لكنه من غير المؤكد ان الدولة يمكن ان تبقى متماسكة، بشكل ديمقراطي وهادئ. الولايات المتحدة ربما تنجح لو كانت السياستان الامريكية والعراقية سمحتا للاحتلال بالاستمرار بما يكفي، لبناء قوات أمن عراقية جديدة قادرة على مقاتلة العصابات والجماعات المسلحة . لكن الولايات المتحدة سوف لن ترغب وهي ليست قادرة على بناء قوات عراقية تستطيع ابقاء كل الجماعات السكانية في العراق موحدة ضد رغباتهم، فالبلاد ممتلئة بمختلف الجماعات المسلحة المتباينة بالقوة. وما لم ينجح العراقيون في خلق دولة جديدة على اساس من الإجماع بدلاً من الإكراه، سوف لن يكون هناك سبب للحديث عن الديمقراطية. ان إعادة بناء الدول المنقسمة بعمق على طول الخطوط المشتركة ثبت انه مشروع مضلل في كل انحاء العالم. ومن المحزن، ان تجربة العديد من الدول تبيّن ان الديمقراطية ليست دائما هي الحل الامثل وقد تصبح جزءاً من المشكلة.

ان عملية اعادة بناء دولة عراقية مرتكزة على الإجماع لم يبدأ حتى الان وبعد مرورعدة سنوات على الاطاحة بالنظام السابق. الادارة الامريكية وبالذات مسؤولو سلطة التحالف المؤقت (CPA) تعاملت مع انقسامات الشعب العراقي بمحاولة، اختيار مرشح مقبول وفق الطراز الامريكي في جميع الهيئات الحكومية التي أسستها. مجلس الحكم العراقي، الحكومة المؤقتة، والمجالس المحلية ومجالس المحافظات ( خارج كردستان) ضمت ممثلين عن جميع المكونات السكانية ومن ضمنها المرأة. كان هذا اكبر عرض رغب مسؤولو الادارة الامريكية تقديمه لبلد منقسم، غير انهم أساءوا كثيراً تقدير عمق المشكلة . الدستور المؤقت الذي سُن من قبل الخبراء الامريكيين والعراقيين تحت اشراف الولايات المتحدة، والذي بُني على افتراض انه يوفر حماية قوية لحقوق الافراد، واقتسام السلطة، والفصل بين السلطات داخل المؤسسات، والذي تكلل باضافة الفيدرالية وفق الاسلوب الامريكي، سوف يناسب حاجات العراق، كما يناسب حاجات اي بلد اخر. وبإلحاح من الاعضاء الاكراد في مجلس الحكم بانهم سوف لن يوقعوا على الدستور المؤقت، ما لم يتم ادراج فقرة تسمح لأي ثلاث محافظات لرفض الدستور الدائم اذا رُفض من ثلثي المصوتين في تلك المحافظات، مع ذلك لم تجر اي محاولة اخرى لمعالجة واقع الانقسامات في البلاد.

وهكذا يكون الدستور قد تجاهل اكثر القضايا صعوبةً التي تحبط محاولات جلب الديمقراطية للبلدان المتعددة اثنياً: حماية حقوق الفرد لا تحقق رغبات الجماعات بالحماية والاحتفاظ بالسلطة وبهوية منفصلة. حماية حقوق الفرد لم تستطع اقناع الصرب والكروات والمسلمين للتعايش في البوسنة بدون البناء المعقد للدولة الفيدرالية المنطوية على فيدرالية اخرى ضمن ذاتها. حتى مع ذلك البناء المعقد، وبعد تسع سنوات من الجهود الدولية لبناء الدولة، مختلف الجماعات لا تزال غير متأكدة انها تريد ان تكون جزءاً من نفس البلد. الجماعات السكانية في العراق لم تكن منقسمة بفعل الأعمال الوحشية للحرب الاهلية كتلك التي وقعت في البوسنة. مع ذلك، حماية حقوق الافراد هي من غير المحتمل ان تشبع رغبة الاكراد في الاستقلال، او تُرضي الشيعة الذين يرون انفسهم الآن مؤهلين لادارة البلاد، او تطمئن السنة من التهميش. ويجب ان لا يكون هناك وهماً بان تكوين مجلس وزراء تُمثل فيه جميع الجماعات سيكون كافيا لردم الاختلافات في المصالح والرؤى بين الجماعات. الحرب الاهلية الامريكية ما كان بالامكان منعها لو لم يختر الرئيس لنكولن نائبه من ولاية جنوبية بدلاً من ولاية في الشمال الشرقي للولايات المتحدة.

 

غياب العملية السياسية

ولهذا من المهم ان لا يجري التعويل كثيرا على نتائج الانتخابات في العراق. هناك مشاكل كبيرة تلوح في الافق. التصويت لم يأت كذروة لعملية سياسية في توحيد الدولة العراقية وصياغة نظام سياسي جديد. تلك العملية وُضعت في حالة من عدم الوضوح من قبل الادارة الامريكية المسيطرة على العراق، مدعومةً بالافتقار للرغبة لدى كل من الشيعة والاكراد في التفاوض الاّ بعد ان تكشف الانتخابات عن حجم قوتهم . العملية السياسية بدأت الان ولكن من غير المؤكد الاستنتاج بان العراقيين سينجحون بصياغة طريقة لا قسرية لإبقاء بلدهم موحداً. الولايات المتحدة والمجموعة الدولية لا تستطيع تقديم المزيد من المساعدة كونها جوبهت بنجاح محدود في محاولة إعادة بناء الدول المجزئة الاخرى. نبقى بحاجة لنرى ما اذا كان العراقيون سيلتقون وبنجاح كبير، ولكن حتى ذلك الوقت لا معنى لمناقشة مستقبل الديمقراطية.

بعد سقوط نظام صدام حسين وحتى انسحاب القوات الامريكية عام 2011، كانت الاحداث في العراق خاضعة لسيطرة القوات العسكرية والسلطة السياسية للولايات المتحدة، مع لعب دور ثانوي للعراقيين. لا توجد هناك عملية سياسية بقيادة عراقية. العراقيون لم يشاركوا في اسقاط صدام حسين. الوحدات العسكرية لم تنقلب ضده. الشعب لم ينتفض. المسؤولون الكبار في النظام اختفوا. وهذا خلق فراغ في السلطة، والذي تفاقم بقرار الـ CPA بحل قوات الامن واجتثاث الموظفين من اعضاء حزب البعث. سلطة التحالف المؤقت ملأت فراغ السلطة وقررت من سيدخل ضمن مجلس الحكم العراقي. انها تفاوضت مع معارضيها على عملية التحول واختارت الخبراء لكتابة الدستور المؤقت (سابقا قانون الادارة الانتقالية)، ومن ثم ناقشوها فقط مع اعضاء من مجلس الحكم العراقي – وهي عملية ضيقة غير مالوفة في صنع الدساتير حتى بمستويات الشرق الاوسط. مجالس المحافظات والمجالس المحلية اُسست للمساعدة في ادارة البلاد، لكن اعضائها اختيروا تحت اشراف صارم من الولايات المتحدة.

وحتى بعد تأسيس الحكومة المؤقتة، فشلت سلطة التحالف المؤقت في تشجيع عملية سياسية واسعة من المشاورات والمفاوضات بين العراقيين. المؤتمر الوطني الذي اقترحه الممثل الخاص للجمعية العامة للامم المتحدة (لاقدار براهيمي) كوسيلة لتوسيع العملية السياسية، اختُزل الى اجتماع سطحي ونسي بسرعة بعد ان عُقد لثلاثة ايام فيه لم يستطع المفاوضون انتخاب اعضاء المجلس الاستشاري لقانون الادارة الانتقالية. تركيز النشاط السياسي منذ ذلك الاجتماع كان منصباً على الإعداد للانتخابات، والذي يعني بناء تكتل انتخابي منافس بدلاً من بناء إجماع حول مستقبل العراق.

وبالمقارنة مع افغانستان، الافغان التقوا في بون في ديسمبر 2001، حتى قبل هزيمة طالبان، ليقرروا كيفية التحرك الى الامام. هم نظموا اللويا جرغا وهما تجمعان كبيران واستشاروا كثيرا حول الدستور قبل اجراء الانتخابات. لا يجب للمرء ان يكون رومانسيا كثيرا او يُضلل حول مستقبل الديمقراطية هناك. هذه ليست عملية ديمقراطية نموذجية. هم كانوا يجتمعون مع الفصائل السياسية وامراء الحرب والحكام المحليين – الذين يسيطر العديد منهم على مسلحيهم، والعديد منخرطون بعمق في تجارة المخدرات. لكن الاجتماعات كانت جزءاً من عملية تسوية سياسية فيها أخذ اللاعبون الرئيسيون بمخاوف ومعايير بعضهم الآخر وتعلموا ان يعيشوا مع بعضهم قبل وقت طويل من عقد الانتخابات.

ان غياب عملية سياسية حقيقية خلق موقفا شاذاً في العراق في ظل رفض ادارة بوش الافصاح عن نواياها البعيدة، وكوسيلة للبدأ بتغيير العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق وللاشارة الى ان الاحتلال يقترب من نهايته، اُعلن عن موعد الانتخابات التي اصبح تاريخها هو العلامة المرئية الوحيدة للتقدم. ومن وجهة نظر المواطنين العراقيين، الانتخابات كانت شيئا سابقا لأوانه. انها عُقدت قبل ان يصل اللاعبون الرئيسيون لمناقشة أي اتفاقية حول المبادئ التي يجب ان ترسم مستقبل النظام السياسي في العراق. وحين تجري الانتخابات دون اتفاقية واسعة حول القضايا الاساسية، كما تبيّن التجارب، ستكون نتائجها خطيرة. انها تعمق الصدع وتخلق رابحين وخاسرين، تجعل الرابحين اكثر تغطرسا والخاسرين اكثر استياءاً. وبهذا فانها تخلق بيئة يصعب فيها إجراء مفاوضات لأجل الوصول لحلول وتسوية سياسية.

 

إعادة تعريف الدولة العراقية

ان مشكلة إعادة تعريف الدولة العراقية برزت في كتابة الدستور. هذه العملية هي التي طغت فيها المطالب المتضادة لمختلف شرائح الشعب والتي يجب تسويتها. وبالتالي، فان تكوين الدستور في العراق هو اكثر شبهاً بالمفاوضات التي قادت الى اتفاقية دايتون في البوسنة عام 1995 منه الى عملية كتابة الدستور في الولايات المتحدة. وبينما الكثير من الخبرة قُدمت للدستور الذي يحتاجه العراق، لكن الدستور سيكون له معنى فقط اذا كان يمثل حلا مقبولاً، للمكونات الرئيسية الثلاثة.

الكرد يريدون درجة عالية من الحرية الاقليمية، والعديد منهم يريد الاستقلال والسيطرة على حقول نفط كركوك. الاستفتاء اللارسمي على استقلال كردستان الذي اجري خلال انتخابات 30 كانون الثاني 2005 أزال كل الشكوك حول هذه المسألة. الكرد نصبوا صناديق الاقتراع خارج الصناديق الرسمية للاستفتاء على الاستقلال. هم متفقون بقوة بانهم يريدون درجة عالية من الحكم الذاتي بما في ذلك حقول نفط كركوك، او انهم سيختارون الاستقلال. مقترحاتهم الدستورية – دستور لكردستان واخر للعراق – يوضح حقيقة ان الديمقراطية كشكل لحماية الحقوق السياسية والمدنية للفرد وللفصل بين السلطات هي ليست الجواب لمطالب الاكراد. ولن تكون الفيدرالية كذلك ما لم ترتكز على الاثنية، ضمن عراق منقسم الى اقليمين، اقليم كردي واقليم عربي منفصلان جيدا عن بعضهما.

نظرياً، الحكم الذاتي ربما يخفف من مخاوف السنة ايضا. ولكن من الناحية العملية، هناك عدة مشاكل تلوح في الافق. الاولى هي توزيع عوائد النفط – لا توجد هناك حقول نفط في المناطق السنية. الثانية هي الافتقار الى القيادة المنسجمة والى التنظيم بعد حل حزب البعث، والذي يجعل من الصعب عليهم الاستفادة القصوى من مزايا الحكم الذاتي. الثالثة، والاكثر اهمية هي ان السنة، باعتبارهم المجموعة المسيطرة سابقا، هم عراقيين بدلاً من ان يكونوا سنة. كما في حالة الصرب بيوغسلافيا، الذين هم ايضا كانوا اقلية مسيطرة، جرى ربط هويتهم تقليديا بكامل البلد. وبالتالي، من الصعب معرفة اي نوع من الدولة يقبله السنة. من السهل معرفة ان ما يرفضونه هو ان لا يصبحوا اقلية مقهورة بعد ان كانوا هم المهيمنين. والسنة يرون ايضا، الديمقراطية مفيدة لهم اذا كانت تشكل حماية للحقوق الفردية وللرقابة على الحكومة، لكنها لا توفر الجواب الكافي. 20% من السكان هم من الاقلية السنية بما يجعل من غير المحتمل ان يكون صوتهم عاليا كجماعة.

اما الشيعة، وبفضل اكثريتهم العددية سيكون لهم حضور كبير في اي حكومة منتخبة ديمقراطيا في العراق. الحكم الاقليمي ليست له جاذبية كبيرة لديهم، ورجال الدين الشيعة عبّروا باستمرار عن رفضهم لفقرة في الدستور المؤقت التي تعطي سلطة رفض الدستور الدائم لاي من المحافظات الثلاث – عمليا، لكل من الكرد والسنة. الشيعة يرغبون في النهاية السيطرة على البلاد حيث انهم الغالبية وبهذا يحكمون بالضد من رغبات الكرد ومخاوف السنة . علاوة على ذلك، الشيعة العلمانيون ربما مقتنعون بنظام ديمقراطي يعطيهم السيطرة على معظم مقاعد البرلمان، لكن الشيعة الاسلاميين ايضا لديهم هوية مشتركة تتطلب الحماية الامر الذي يتطلب ليس فقط غالبية الاصوات وانما ايضا فرض نظام سياسي فيه يلعب الاسلام دورا رئيسيا. وهذا يخيف العناصر العلمانية من كل المجموعات بالاضافة الى الكرد والعرب السنة. وعلى الرغم من عمق الانقسامات، فان العوامل التي تجلب المجموعات الى بعضها هي الان ضعيفة. في الماضي، أثبت العراقيون درجة من الانسجام القومي حينما يتهددهم خطر خارجي. وخلال الحرب العراقية الايرانية، لم ينقسم البلد، والعراقيون الشيعة لم يخلقوا قضية مشتركة مع الايرانيين الشيعة او العراقيين الكرد مع الكرد الايرانيين. لكن ذلك حصل حينما كان صدام حسين قويا والدولة كانت مركزية. انه كان ايضا قبل ان يمارس الكرد الحكم الذاتي وقبل ان يرى الشيعة امكانية رفع مزاياهم العددية الى سيطرة على الدولة. كذلك، لا يوجد حاليا عدو مشترك يمثل تهديداً لكل الجماعات في العراق. ايران – واكثر تحديدا امكانية العلاقة القوية بين الاحزاب الدينية الشيعية في العراق وايران – يُنظر اليها كتهديد من جانب السنة، ولكن ليس من جانب جميع الشيعة. بالنسبة لبعض السنة، يرون ان دول مثل الاردن والسعودية وسوريا هي ثقل موازن لايران. اما تركيا فهي تشكل تهديداً للكرد، ولكن ليس للجماعات الاخرى. بمعنى اخر، ان اللاعبين الخارجيين في هذه المسألة هم ليسوا تهديد مشترك يقف جميع العراقيون ضده، وانما هو عامل اخر يلعب دوره في سياسة الانقسامات والتجاذبات داخل البلاد.

 

مواجهة المشكلة

ان الانتخابات العراقية اكّدت عمق الانقسامات في البلاد. هناك جماعتان خرجتا منتصرتان – هما الشيعة بسبب العدد الكلي للمصوتين والكرد بسبب قبضتهم الحديدية على اقليمهم. استفتاء موازي غير رسمي اجري في كردستان اوضح ان السكان هناك يؤيدون باغلبية ساحقة الاستقلال عن العراق. النتائج كانت متوقعة سلفا . قادة الاكراد دائماً يصدرون التصريحات على انهم يسيطرون على ميزان القوى في العراق وانهم سوف يساعدون الحكومة الجديدة فقط اذا اعترفت بان العراق مكون من قومية عربية وقومية كردية اخرى منفصلة، وان الكرد يجب ان يتمتعوا باستقلال تام، وسيطرة على كركوك وحقول النفط المجاورة ولديهم قوة الفيتو على الدستور الدائم. قادة الشيعة في الاحزاب الدينية حاولوا طمأنة الاخرين بانهم لن يشرعوا الثيوقراطية، لكنهم ايضا اوضحوا علنا انهم يريدون حكم البلاد. كذلك، اصدرت السلطة الدينية بياناً يتعارض بشكل واضح مع رسائل الاطمئنان. حيث اعلنت فيه ان الشريعة يجب ان تكون المصدر الوحيد للدستور ولجميع القوانين في العراق وحذرت من "خطر تغيير هوية العراق بفصل الدين عن السياسة، وهي الفكرة التي رُفضت من جانب الجماهير وجميع علماء الدين". المستشارون حذّروا معلنين ان "الجماهير القت بصوتها، ولذلك لم يعد قانون الادارة الانتقالية ملزما.

و لكي يتحرك العراق الى الامام، لا خيار امامه في النهاية الا مواجهة تلك الخلافات الداخلية. المناورات السياسية لإخفاء المشكلة خلف واجهة العملية الديمقراطية سوف تنجح فقط لفترة قصيرة، لتنفجر لاحقا وبقوة اكبر. مثل هذه المناورات السياسية بدأت مباشرة بعد انتخابات عام 2005 وهي الان مستمرة، مع محاولة الاحزاب العلمانية ايجاد طرق لتقليل دور الاحزاب الدينية رغم نصرها الانتخابي.

ان تكوين حكومة علمانية هي بالتاكيد اكثر طمئنةً للولايات المتحدة من حكومة تسيطر عليها الاحزاب الشيعية الدينية. وكذلك عملية كتابة الدستور التي تأثرت بقوة بالمستشارين الاجانب كانت مرتكزة على افتراض ان العملية الديمقراطية يمكنها تسوية جميع الخلافات. اي من ذلك سوف لن يعالج مشكلة العراق الجوهرية. الخلافات التي كشفت عنها الانتخابات هي حقيقية ولا يمكن طمسها بالحسابات البرلمانية العددية او ببناء تحالفات بناءة. العراقيون يحتاجون الى مواجهة تلك الانقسامات مباشرة. هم ربما قادرين على وضع حل، كأن يكون عبر بناء فيدرالية اثنية، او باعتماد ترتيبات اخرى معقدة. او انهم سيفشلون، حين تتصلب كل الاطراف في مواقفها.

 

للاطلاع

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

......................................

المصادر:

   Uncharted journey: promoting democracy in the Middle -East, Thomas Carothers and Marina Ottaway, eds. (Washingon, D.C Carnegie Endowment, 2005).

- المهمة الخطيرة: مقالة في تعزيز الديمقراطية، توماس كارذر (واشنطن، Carnegie Endowment, 2004).

- الاصلاح السياسي في الشرق الاوسط: هل بإمكان الولايات المتحدة واوربا العمل المشترك؟مارينا اوتاي وعامر حمزاوي، المشهد السياسي (Carnegie Endowment, December 2004).

- فرص التحول الديمقراطي في العراق، باتريك باشام، نشرة تحليل السياسة، عدد جنوري 2004.

...................

الهوامش

(1) سؤال واجوبة، وول ستريت جيرنول، ابريل، 2003، صفحة 14.

(2) إعادة بناء العراق، الايكونوميست ابريل 19- 2003، صفحة 9.

(3) مقتبس من جيمي سترينغولد، "حماقة خطط الديمقراطية في العراق"، سان فرانسيسكو شرونكل، عدد ابريل 2003.

(4) Joh Tiernely,، "روابط العائلة في العراق تعقّد الجهود الامريكية في التغيير"، نيويورك تايمز، سبتمبر28، 2003، صفحة 1.

(5) عباس كليدار، "يجب ان لا يُسمح للعراق بالانفصال وفق خطوط الشيعة والسنة"، ديلي تلغراف، شهر مايو 2003.

(6) مقتبس من Tierney, p. 1.

(7) Gunes Murat Tezcur، "التصويت من وسط الجوع: وصف لآخر الانتخابات التركية"، مجلة المعهد الدولي، عدد 10، 2003.

(8) Wells and Krieckhaus,p.4.

(9) Kristof,’cover your hair’, p. A31.

(10) Michael McFaul, ‘Tinderbox’, Hoover Digest, no 2 (2003)

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات