ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

المثقف والسلطة وفكرة الانتخاب العراقي

mutham aljanabiإن الخلاف الجوهري بين السلطة والمثقف هو خلاف الزمن والتاريخ، أي حالما تكون السلطة كيانا قائما بحد ذاته خارج تاريخ المعاناة الفعلية للأمم في حل معضلات وجودها الكبرى وإرساء أسس مرجعياتها القومية والثقافية. وهي ظاهرة ليست متناقضة بالضرورة ولكنها شبه ملازمة لوجودهما بوصفهما نتاجا لتباين قوة الروح والجسد، أو العقل والغريزة. من هنا وجودهما وتعايشهما الضروري والمتناقض. إذ لا تعقل السلطة والنظام السياسي دون المثقف، كما يستحيل وجود المثقف دون تاريخ الدولة والصراع الاجتماعي والسياسي منه بالأخص. وضمن هذا السياق يمكن القول، بان المثقف والسلطة كالهواء والنار يلازم كل منهما الآخر زمن الحريق وإطفائه. إنهما يتلازمان في الضرورة والوجود. مما يحكم مواجهتهما الدائمة بوصف الأسلوب الطبيعي لوجود كل منهما. فانسياق المثقف تحت عباءة السلطة أيا كان نوعها يؤدي في نهاية المطاف إلى ابتذال كل ما يقوم به. مع ما يترتب على ذلك بالضرورة من فقدان روحه الحقيقي. حينذاك يكفّ المثقف عن أن يكون روحا. بينما لا يمكن حدّ حقيقة المثقف بدونه. وذلك لان المثقف الحقيقي روح.

وليس المقصود بالمثقف من يحترف الكتابة والمخاطبة أو تعلمهما لسبب ما خارج عن طبيعتهما بوصفهما أدوات بلوغ الحق والحقيقة، أو ما أسمته الثقافة الإسلامية بروح الإخلاص لليقين، أي روح الإخلاص للمطلق. وهو إخلاص لا يمكنه أن يتناهى لعدم تناهي المطلق من حيث الشكل والصورة والمضمون. فالمثقف يبدع المطلق بالقدر الذي يكون المطلق مصدر وغاية وجوده الحق. وهي خاصة تجعل من الممكن وصف المثقف الحقيقي بالشخص الذي يتنقى من رواسب البشرية! ولا يعني النقاء من رواسب البشرية هنا التجرد من المكون الطبيعي والغريزي للإنسان، بقدر ما يعني التجرد من العبودية لأية سلطة باستثناء سلطة الحق والحقيقة. الأمر الذي يجعل منه بالضرورة متمردا على كل الحدود المفروضة من الداخل أو الخارج. بمعنى بلوغه حقيقة الحرية في الهاجس والرؤية العقلية والحدس الإبداعي.

إن مهمة المثقف لا تقوم في صنع الأعداء أو توهمهم أو إخراجهم إلى حيز النور من اجل المبارزة والانتقام. فهي المهمة الخاصة لرجال المباحث والأجهزة القمعية. إن مهمة المثقف تقوم في مواجهة الأعماق الدفينة للنفس الإنسانية الفاعلة بمعايير الجسد والغريزة. وهي مواجهة لا يمكنها السقوط في وحل العداوة والانتقام. على العكس! أنها تنظر إلى الوجود بمعايير الرؤية النقدية المتسامية. بمعنى أنها تنظر إلى الوجود بالشكل الذي يجعل من كل ما فيه مادة لبناء التجانس الإنساني. فهو الأسلوب الذي يجنب المثقف من السقوط في أوهام المواجهة الراديكالية مع الواقع. ومن ثم يحرره من وهم الانتماء الضيق لجهة أو حزب أو طرف ما، ويرفعه في نفس الوقت إلى مصاف الرؤية الإنسانية المتسامية، أي الرؤية التي تعمل أولا وقبل كل شيء على تنقيه روحه المبدع، بوصفه الأسلوب الأمثل لإنتاج الجميل. من هنا يمكن فهم السر القائم وراء المرجعية النظرية المتلاكمة في الثقافة الإسلامية التي جعلت من الابتعاد عن السلطة إحدى الخصائص الجوهرية للمثقف الحقيقي. ولم تقصد بذلك محاربة السلطة أو مواجهتها أو إهمالها، بقدر مال كانت تعني الحفاظ على الحد الضروري للإبداع الحر بوصفه التزاما شخصيا ما في ذلك تجاه السلطة. إنها توصلت إلى أن الدولة لرجل السياسة، والأمة لمرجعياتها الروحية والثقافية، والثقافة لمبدعيها. وهي مكونات مترابطة، إلا أن ما يميز المثقف فيها كونه الوحيد القادر على صنع عوالم خيالها المبدع. فهو الوحيد الذي يتمتع من بينها بخصوصية قادرة على تجاوز حدود الآخرين. فرجل السلطة مقيد برؤية المصالح الآنية والنظر إلى آفاقها. بينما المرجعيات الروحية والثقافية هي الآلية التي تحكم بوعي وبدون وعي المسار العام والخاص لوعي الذات التاريخي للأمة. أما المثقف فهو الوحيد الذي يربط في كيانه وكينونته وحدة الماضي والحاضر والمستقبل بوصفها جزء من إبداع الحرية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان المثقف الحقيقي هو العنصر الجوهري في تاريخ وعي الذات القومي والاجتماعي والسياسي والروحي. فهي المكونات الأربعة الضرورية لتكامل الأمة والثقافة. إذ لا يمكن تصور وعي الذات القومي بدون الدور الذي يلعبه المثقف على حلبة وجودها التاريخي سواء من خلال تأسيس مرجعياتها الروحية والثقافية أو من خلال اجتهاده الحر في كشف فضائلها ورذائلها. وهو ذات الدور الذي يجسده في مواقفه الاجتماعية. فالمثقف الحقيقي هو موقف اجتماعي دائم. وفي هذا يكمن مضمون وظيفته السياسية. فهو يؤثر فيها من خلال إبداعه الحر ومواقفه الاجتماعية. انه يصنع ويؤسس المضمون الاجتماعي للسياسة عبر وضعه الدائم على ميزان الحكم الأخلاقي والجمالي.

ومن كل هذه الحصيلة تتشكل مأثرته الروحية أمام الدولة والأمة والثقافة. وفي هذا تكمن أيضا مخاطرته الحياتية. فهو القوة التي ترهب السلطة، كما انه السلطة التي ترهب القوة. وتصنع هذه الدورة بدورها المثقف الحقيقي والثقافة الحية. بمعنى صنعها المرجعية القائلة بضرورة البقاء ضمن الحيز الاجتماعي الملتهب في السياسة والابتعاد النسبي عن السلطة. ولا تعني هذه المعادلة بالنسبة للمثقف سوى الحفاظ الدائم على حريته التامة في معترك التأسيس الثقافي للإشكاليات التي تواجهها الدولة والأمة. إذ ليس هناك من قوة لا تعترف بالسلطة كالمثقف والثقافة، كما انه ليس هناك من سلطة أقوى من سلطة الثقافة والمثقف. وهي مفارقة تعيها السلطة دوما بينما غالبا ما يجهلها المثقف! وفي هذا تكمن الثغرة التي تتغلغل عبرها السلطة الغاشمة والمثقف المرتزق وأنصاف المتعلمين.

من هنا أهمية وضرورة الاشتراك الفعال للمثقف الحقيقي في التاريخ الفعلي للأمة، أي في صنع وعيها الذاتي السياسي والاجتماعي. وذلك لان الغاية الكبرى للمثقف الحقيقي (على خلاف المزيف والمرتزق) تقوم في بلوغ تمثيل الحقيقة عبر تمثيل الحق. لا بمعنى وضع نفسه محل السلطة، بقدر ما يعني إجبار السلطة على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة. بمعنى إجبارها على رفع المصلحة العليا للأمة إلى مصاف الحق. وهي معادلة ممكنة التحقيق. وذلك لان المضمون الحقيقي للسلطة يقوم في تمثل وتمثيل المصالح العليا للمجتمع والأمة، بينما حقيقة الثقافة تقوم في تمثل الحقيقة نفسها. فإذا كانت حقيقة السلطة تقوم في تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع بمعنى تمثل الحق بمعايير المصلحة، فان حقيقة المثقف تقوم في تمثل المصالح نفسها ولكن بمعايير الحقيقة. وهو المجال الذي يمكن أن تلتقي فيه "مصالح" السلطة والمثقف، والدولة والثقافة.

وفي هذا المجال تبرز القيمة التاريخية الكبرى للمثقف في ظروف العراق الحالية، رغم أنها مهمة أبدية! فالسؤال الجوهري المتعلق بإمكانية وكيفية تحقيق هذه المهمة في ظروف العراق الحالية هو معيار ومحك المثقف. وإذا كان من الصعب الإجابة عليه بصورة جامعة مانعة (قاطعة) بسبب تناقض الواقع الاجتماعي والسياسي والوطني العام، فإن مرجعيته الكبرى جلية للغاية. إنها تقوم كما هو الحال في كل ظرف تاريخي مهما تعقد، في تمثل تاريخ الإخلاص، وتاريخ الحق، وتاريخ الحقيقة. فهو الثالوث الوحيد القادر على صياغة مرجعية المثقف والثقافة الخاصة في وحدة الحق والحقيقة وتجسيدها الدائم في وحدة العلم والعمل. بمعنى أن يكون وجوده وجدانا دائما لما يفتقده المجتمع والدولة والأمة. وإذا كان العراق الحالي يفتقد للدولة الحقيقية والمجتمع الحق والنظام السياسي الاجتماعي، فان مهمة المثقف تقوم في إظهار القوى السياسية المؤهلة في ظروف العراق الحالية لانجاز هذه المهمة. بمعنى العمل من اجل إبراز قيمة وفاعلية وشخصية القوى الفردية والسياسية التي تمتع بالقدر الضروري للقيام بهذه المهام الآن. فالقوى التقليدية (من قبلية وعائلية كالحكيم ومقتدى الصدر والنجيفي والبرزاني وأمثالهم) تتعارض من حيث أصولهم وجذورهم ونياتهم وتربيتهم وشخصيتهم مع فكرة الدولة الحقيقية والمجتمع المدني والفكرة المستقبلية. وينطبق هذا على اغلب النخب السياسية الحالية (أو الحثالة السياسية الحالية) التي مازالت تعمل وتفكر بمعايير الماضي والبنية التقليدية (من جهوية وطائفية ومذهبية وحزبية وما إلى ذلك). لكن العراق ونخبه السياسية الحالية ينتجان في الوقت نفسه "قوى المستقبل" التلقائية، أي النامية في مجرى صراعه السابق ضد الدكتاتورية، وصراعه الحالي من اجل ارساء أسس الدولة الناجحة. والشخصية الأكثر تمثيلا لهذا الصراع والمساعي بين النخب السياسية الحالية هو نوري المالكي وتياره السياسي. وليس في هذا إلزاما على المثقف بالدفاع عنه، بقدر ما هو التزام في ظروف العراق الحالية للاختيار والانتخاب السليم.

***

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

تعليقات (5)

الكاتب والباحث القدير
مقالة في خطها العام تحليل موضوعي وتشخيص دقيق , بما يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمثقف . ودور المثقف ومهامه في المجتمع , وماهي الاعباء الجسيمة التي يتحملها في خلق الثقافة التي تسهم بتطور البلاد , والتشخيص الرائع للمثقف المزيف والمرتزق ( فانسياق المثقف تحت عباءة السلطة أيا كان نوعها يؤدي في نهاية المطاف إلى ابتذال كل ما يقوم به. مع ما يترتب على ذلك بالضرورة من فقدان روحه الحقيقي ) ولكن هناك بعض الحثيثات البسيطة التي لااتفق معها حسب رأيي , اراها تضرب مصداقية هذه المقالة الموضوعية والحيوية في خطها العام

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

عزيزي جمعة عبد الله
بعد التحية
حبذا لو تشير بصورة ملموسة الى ما لا تتفق معه وما يضرب مصداقية هذا المقال لكي تتضح الصورة ويغتني الحوار لما فيه مصلحة البحث والحقيقة
مع خالص الود
الجنابي

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

الكاتب والباحث القدير
لقد ذكرت اعجابي وتقديري بهذه المقالة , ولاسيما وان مكانتكم الادبية والفكرية القديرة , ليس محل نقاش او جدل , وان تشخيصكم الرائع مع الاسف لايخلو من هفوة بسيطة , او كما ذكرت حثيثات بسيطة وهي هذه ( لكن العراق ونخبه السياسية الحالية ينتجان في الوقت نفسه "قوى المستقبل" التلقائية، أي النامية في مجرى صراعه السابق ضد الدكتاتورية، وصراعه الحالي من اجل ارساء أسس الدولة الناجحة. والشخصية الأكثر تمثيلا لهذا الصراع والمساعي بين النخب السياسية الحالية هو نوري المالكي وتياره السياسي. وليس في هذا إلزاما على المثقف بالدفاع عنه، بقدر ما هو التزام في ظروف العراق الحالية للاختيار والانتخاب السليم ) ولكن من اجل ان اثبت حجتي وادعمها بالبراهين يحتاج الى شرح طويل , لا بتعليق بسيط عابر , ولكن اسكتفي باخر تصريح السيد نوري المالكي الى وسائل الاعلام ( الدم بالدم , وانا ولي الدم ) ألا ترى يا استاذي القدير , بانها تمثل قمة الثقافة العشائرية والقبلية , التي تعيق تطور العراق , وتجعله اسير المشاكل والازمات , ام انا على خطأ ؟ مع تحياتي وتقديري الى عطائكم الادبي والفكري

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

عزيزي جمعة عبد الله
بعد التحية
لم يكن المقصود من استفساري البحث عن مواطن الضعف في المقال أو أيما شيء من هذا القبيل، بقدر ما كنت ارغب في إثارة النقاش حول قضية غاية في الأهمية بالنسبة للفكرة المجردة وتطبيقها الملموس. وفي الحالة المعنية اتخذت صيغة الموقف من المالكي وتياره السياسي. وملاحظتك دقيقة وغاية في الأهمية وأنا اتفق معها من حيث صيغتها المجردة. بل إنني اعتقد بان النخبة السياسية العراقية الحالية هي أما فاسدة أو أكثر فسادا، جاهلة أو غبية، رعناء أو صفراء، واغلبها كما يقال لا يملأ العين ولا الأظافر. إلا أن هذه قضية أخرى تحتاج بدورها إلى تحليل ونقد ملموس من اجل رؤية مقدماتها وإمكانياتها ونتائجها. وقد كتبت عنها فيما مضى الكثير من الأبحاث. وفيما لو توفرت لي الفرصة فإنني سأتناولها في كتاب خاص.
إن النخبة السياسية العراقية الحالية هي نتاج ماض خرب. وبالتالي، فهي جزء من حالة انحطاط شبه شامل. والنخب هي الوجه الآخر للمجتمع. والمجتمع العراقي بدائي وتقليدي في كل شيء. وبالتالي لا المالكي ولا غيره قادر على تجاوز هذه الحالة وصورها المقنعة للجمهور. والعبارة التي توردها عما قاله هي مجرد إشارة لا دلالة. فالسياسي اقرب إلى التغرير والتبرير والمراوغة والديماغوجية. وهذه صفات لا يخلو منها رجل السياسية. وهي ظاهرة عامة منذ أن تبلورت السياسة بوصفها فنا من فنون وأدوات الصراع. بمعنى أن هذه العبارة المنسوبة للمالكي هي أما هفوة أو كبوة أو تعبير طبيعي أو توظيف في ظل ظروف سياسية تتسم بصراع محكوم في اغلب بواعثه بحالة التحلل والانحطاط. بعبارة أخرى، إن القضية هي أوسع واعقد من مجرد عبارة أو عبارات أو موقف ومواقف.
إن كل النخب السياسية العراقية الحالية بالنسبة لي هي جزء من الماضي. بمعنى أنها ليست مستقبلية. لكن صعودها واندثارها يمثل الحالة الطبيعية لتحولها إلى سماد الظهور الملازم للنخب الجديدة. ولا يمكن لهذه العملية أن تكون نظيفة ولطيفة. بل أنها لا تستقيم ما لم يستقم المجتمع ومنظومة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتطور العلمي والتكنولوجي والثقافة الإنسانية والتربية والتعليم. بمعنى أنها بحاجة إلى معاناة تاريخية طبيعية وتلقائية لعدة أجيال. وهذه بدورها ليست ضمانة كافية بحد ذاتها! وضمن هذا السياق ينبغي فهم موقفي من المالكي وتياره. انه الأفضل بين ما هو موجود. ولا يعني ذلك انه فاضل بذاته. لهذا شددت على التفريق بين موقف المثقف الحقيقي، أي المحكوم بفكرة الحق والحقيقة، من الدولة والسلطة. إننا بحاجة للوقوف في الظروف الحالية إلى من يمثل فكرة الدولة، مع الابتعاد الكبير أو النسبي عن السلطة. وذلك لان حقيقة المثقف من الحقيقة، وحقيقة السياسي من السلطة. وهي نوعيات متباينة ومختلفة. والموقف السياسي ليس حقيقة (وذلك لأننا لا نتعامل مع المواقف بمعايير النفري وغاياته)، بل اختيار. وبالتالي، إن الدعوة لانتخاب شخصية سياسية ليست جزء من معاناة الحقيقة، بل من معاناة توظيفها بالقدر الذي يستجيب لتنمية ما هو قادر على الحياة في ظروف الموت.
مع خالص الود

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

عزيزي جمعة عبد الله
بعد التحية
لم يكن المقصود من استفساري البحث عن مواطن الضعف في المقال أو أيما شيء من هذا القبيل، بقدر ما كنت ارغب في إثارة النقاش حول قضية غاية في الأهمية بالنسبة للفكرة المجردة وتطبيقها الملموس. وفي الحالة المعنية اتخذت صيغة الموقف من المالكي وتياره السياسي. وملاحظتك دقيقة وغاية في الأهمية وأنا اتفق معها من حيث صيغتها المجردة. بل إنني اعتقد بان النخبة السياسية العراقية الحالية هي أما فاسدة أو أكثر فسادا، جاهلة أو غبية، رعناء أو صفراء، واغلبها كما يقال لا يملأ العين ولا الأظافر. إلا أن هذه قضية أخرى تحتاج بدورها إلى تحليل ونقد ملموس من اجل رؤية مقدماتها وإمكانياتها ونتائجها. وقد كتبت عنها فيما مضى الكثير من الأبحاث. وفيما لو توفرت لي الفرصة فإنني سأتناولها في كتاب خاص.
إن النخبة السياسية العراقية الحالية هي نتاج ماض خرب. وبالتالي، فهي جزء من حالة انحطاط شبه شامل. والنخب هي الوجه الآخر للمجتمع. والمجتمع العراقي بدائي وتقليدي في كل شيء. وبالتالي لا المالكي ولا غيره قادر على تجاوز هذه الحالة وصورها المقنعة للجمهور. والعبارة التي توردها عما قاله هي مجرد إشارة لا دلالة. فالسياسي اقرب إلى التغرير والتبرير والمراوغة والديماغوجية. وهذه صفات لا يخلو منها رجل السياسية. وهي ظاهرة عامة منذ أن تبلورت السياسة بوصفها فنا من فنون وأدوات الصراع. بمعنى أن هذه العبارة المنسوبة للمالكي هي أما هفوة أو كبوة أو تعبير طبيعي أو توظيف في ظل ظروف سياسية تتسم بصراع محكوم في اغلب بواعثه بحالة التحلل والانحطاط. بعبارة أخرى، إن القضية هي أوسع واعقد من مجرد عبارة أو عبارات أو موقف ومواقف.
إن كل النخب السياسية العراقية الحالية بالنسبة لي هي جزء من الماضي. بمعنى أنها ليست مستقبلية. لكن صعودها واندثارها يمثل الحالة الطبيعية لتحولها إلى سماد الظهور الملازم للنخب الجديدة. ولا يمكن لهذه العملية أن تكون نظيفة ولطيفة. بل أنها لا تستقيم ما لم يستقم المجتمع ومنظومة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتطور العلمي والتكنولوجي والثقافة الإنسانية والتربية والتعليم. بمعنى أنها بحاجة إلى معاناة تاريخية طبيعية وتلقائية لعدة أجيال. وهذه بدورها ليست ضمانة كافية بحد ذاتها! وضمن هذا السياق ينبغي فهم موقفي من المالكي وتياره. انه الأفضل بين ما هو موجود. ولا يعني ذلك انه فاضل بذاته. لهذا شددت على التفريق بين موقف المثقف الحقيقي، أي المحكوم بفكرة الحق والحقيقة، من الدولة والسلطة. إننا بحاجة للوقوف في الظروف الحالية إلى من يمثل فكرة الدولة، مع الابتعاد الكبير أو النسبي عن السلطة. وذلك لان حقيقة المثقف من الحقيقة، وحقيقة السياسي من السلطة. وهي نوعيات متباينة ومختلفة. والموقف السياسي ليس حقيقة (وذلك لأننا لا نتعامل مع المواقف بمعايير النفري وغاياته)، بل اختيار. وبالتالي، إن الدعوة لانتخاب شخصية سياسية ليست جزء من معاناة الحقيقة، بل من معاناة توظيفها بالقدر الذي يستجيب لتنمية ما هو قادر على الحياة في ظروف الموت.
مع خالص الود

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2014-03-30 10:47:00.