 مواربات

مواربات: تشويه المرأة خلاصة ابداع الرجل .. بودلير قاطف “ازهار الشر” انموذجاً / ماجدة غضبان

majeda gathban2خاص بالمثقف: تعتذر ادارة الصحيفة سلفا عن الاستجابة لأي ملاحظة حول ما يطرح في هذا الباب، ويبقى الجدل محصورا في حقل التعليقات،

كما يرجى ممن لا يطيق الرأي الآخر، او غير قادر على مناقشة قناعاته الفكرية والعقيدية عدم المشاركة، باعتباره بابا حرا في تناول القضايا الراهنة، لا تحده سوى مبادئ مؤسسة المثقف كما بينت ذلك الاستاذة الدكتورة ماجدة غضبان في المقال الافتتاحي .. مع الشكر الجزيل ... التحرير

 

وجود المرأة - الام، هو القطرة الندية الاولى لفجر الشعور بالامان عند الطفل ان فقدها وقدر له ان يكون ذا احساس مفرط متلمسا هلعه ازاء خطب الفقدان فانه قد يُصيّر مبدعا وقد يصبح سلطانا وفي الحالتين يظل هائما يبحث عن مستقر الارض دون سماء تستقبل جناحيه.

لم تكن أم ?ود??ر سوى ???? ???رة ?را??? حين ?زو?ت أ??ه الشيخ الكبير و??د وفاة والده ارتبطت بر?ل آ?ر أ??ر حقدا واحزانا ?? ??سه كطفل حتى فشل دراسيا وطرد من بيت زوج الام، ليعيش و??دًا ?????ً تتناوشه حياة التمرد مبددا ثروته كلها دونما حساب.

لقد حفر غياب امه هوة لا قرار لها ولا سابر لغورها تدور فيها العواصف لا لتضمحل كزوبعة في فنجان بل لتغير مسيرة الشعر العالمي تماما مثلما احدثت بصمتها الواضحة في عالم الفن التشكيلي.

واقعا لم يعرف بودلير قبل ديوان "ازهار الشر" كشاعر انما اشتهر كناقد فني عقب كتابته حول الصالون الذي اقيم عام 1845 وهو تقليد متبع في فرنسا منذ عام 1743.

و قد استطاع ببصيرته الفنية الثاقبة ان يرصد الحركة الفنية المعاصرة له والسابقة لوجوده حتى انه كتب قصيدة كاملة ضمت اسماء اللامعين من الفنانين مع وصف شعري رائع:

"(ريبنز)

يانهراً للنسيان وبستاناً للكسل ووسادة من لحم غضّ

لا للغزل

ولكن لتزدحم عليها الحياة وتضطرب بغير انقطاع

كما يضطرب الهواء في الفضاء والموج في البحر

(ليونارد دي فنشي)

يا مرآة عميقة فاتحة تلوح فيها فاتنات الملائكة

بابتساماتهن الغامضة من خلال جبال الجليد

وأشجار الصنوبر التي تحاصر بلادهم

(رامبراندت)

أيها المشفى الحزين

المملوء بالهمسات

المزين بصليب ضخم تفوح منه الصلوات

من بين الأقذار ممزوجة بالدموع

لم يظفر من الشتاء إلا بشعاع مفاجئ

 

"ان شخصية بودلير الشاعر شكلت المنطق والارض الخصبة لبودلير الناقد دون شك لانه من النادر ان يصبح الناقد شاعرا بينما في ذات كل شاعر يتوهج ناقد على حد تعبير بودلير نفسه".

يقول في كتابه (الفن الفلسفي)، (ما هو الفن الخالص في المفهوم الحديث):

(هوأن تخلق سحراً متلاحقاً يحتوي الموضوع والعلة معاً والعالم الخارجي للفنان والفنان نفسه, بشكل يستطيع معه إلقاء محاضرة بعنوان ضآلة الحقيقة في العالم الخارجي).

ان الفصام الذي نما عبر خواء قلب الطفل وهو يتسارع بنبضه ملتاعا لهجر اول انثى عرفها تحول الى جدار سميك رغم شفافيته مطيلا المسافة بينه وما بين نفسه وبينه وبين العالم ولكي يحتال على هذه الحواجز المتمثلة بإحساس عظيم بالوحدة انشغل الشاعر والناقد الفني بوضع ذاته امامه لعله يرى من خلالها عالما اخر.

و يقف جان بول سارتر في مقدمة ديوان ازهار الشر كثيرا عند عذاب بودلير:

(لبودلير مسافة جوهرية تفصله عن العالم ليست هي مسافتنا نحن فبينه وبين الأشياء تتدخل دائماُ نصف شفافية لزجة قليلاً معطرة كثيراً كأنها ارتجاف هواء الصيف الحار وهذا الشعور المراقب والذي يشعره بأنه مراقب وهو يقوم بأعماله العادية, يفقد الإنسان عفويته كالطفل الذي يلعب في ظل مراقبة الكبار. هذه العفوية التي كرهها بودلير بقدر ما ندم على حرمانه منها. هو لا يملكها مطلقاً فكل شيء عنده مزيّف لأنه مراقب فأتفه نزوة وأقل رغبة تولد مراقبة وحلولة الرموز).

 

كثيرا ما يجلد نفسه هذا المضمخ بألم الهجران مؤنبا اياها باحثا من خلالها عن كسرة ما من ذاته تزرعه في حجر والدته ودفئها من جديد، بل ويصورها وهي تندب حظها ليلة حملها به:

عندما يظهر الشاعر في هذا العالم الملول

بقرار من القوى العلوية

تلوّح أمه المذعورة بقبضتيها المتشنجتين

في وجه الله الراثي لحالها هائجة

وتقول: ليتني وضعت وكراً من الأفاعي

بدلاً من أن أرضع هذا الطفل التافه

ملعونة هي ليلة المتعة الزائلة التي حملته فيها

ليكن هذا الحمل كفارةً عن كل ما ارتكبته من آثام

 

ثم يعود واصفا اياها بقسوة بأبيات تضاجع صراخها زانية وهو يرى اليها منكوبة به لا سعيدة:

بما أنك يا رب اخترتني من بين النساء جميعاً

لأكون موضع قرفٍ لزوجي البائس.

إنني لا أستطيع أن ألقي بهذا المسخ المخيف

كما تلقى رسالة الحب في اللهب

سأقصف عمر هذه الشجرة

لكي لا تنمو براعمها الوبيلة.

وهكذا تجرَّعَتِ المرأة زَبَدَ حقدها

وهي تجهل أن القدر المحتوم

جعلها تعدّ بنفسها, في قصر الجحيم,

المحرقة المهيأة لجرائم الأمومة

 

هذا الصراع المضني لا ينحيه عن المرأة العشيقة بل يجعله لصيقا بها كخمرة لا يصحو منها ولا يود ان يفعل،و هنا ايضا تتسلل امه عبر مسامات جلد الحسناء المثيرة ليصب عليها لعنته شعرا:

 

أيها الناس الفانون

أنا جميلة جمال حلم من حَجَر

ونهداي اللذان لم يسلم أحد من عذابهما

خلقا ِليُلهما الشاعر حباً خالداً وصمتاً

كصمت المادة الخرساء

إني أجلس على عرش السماء

كأبي هَوْل غامض

وأجمع إلى بياض الإوزة قلباً من جليد

أكره الحركة التي تغيّر مواضع الخطوط

ولا أعرف مطلقاً الضحك ولا البكاء

والشعراء أمام عظمة مواقفي

التي يبدو أني استعرتها من كبرياء أعظم الصروح

ينفقون الايام في دراسات جادة.

 

ان الرجل هنا قد سقط في جب طفولة تمنعه من رؤية اي شيء اخر سوى ثدي ام قد أفل دون عودة، وربما لهذا السبب كانت المرأة في معظم نتاج الفحول وابداعهم الفني والادبي ضبابية الشكل والمضمون، فهي في صباهم مقود نموهم باستقامة نحو السماء، وتربة تخصيب جذورهم حتى تطيب الثمار، ان وردها عذب الماء،لتصبح في وهج فتوتهم موضع استلاب ذكورة مفزعة، وهم ينقادون اليها كمصدر اثارة لا كندٍّ لهم انسانيا، واي اخلال بهذه المعادلة الذكورية يصنع من المرأة هيماء غامضة لا حدود لها مع فقدان الدلائل نحو واحة تطفيء الظمأ المستعر:

 

عندما كانت الطبيعة في ذروة إخصابها

تتمخض كل يوم عن أطفال عمالقة

كنت أحب أنّ أعيش بالقرب من عملاقة شابة

كما تعيش قطة شهوانية عند قدميْ ملكة

كنت أحب أن أرى جسمها يتفتّح مع تفتّح روحها

وينمو طليقاً بالغاً أقصى مداه

فأكشف من خلال الضباب السابح في عينيها

عن الشعلة الكئيبة التي يخفيها قلبها

وأطوف متمهلاً فوق أعضاء جسدها الرائع

وأسلق مُنحدرَيْ ركبتيها العظيمتين

وفي الصيف عندما تسكب الشمس أشعتها المؤذية

وتحملها على التمدّد في جوف الريف مُتعَبة

أحب أن أنام مسترخياً في ظلال نهديها

كما تستريح الخيمة تحت أقدام الجبل

 

ليس هذا كل ما ينطوي عليه وجود المرأة، الا انه اقصى ما يمكن لعيني رجل ان تراه والمخيف في هذا التجسيد القاصر لكيانها مصدره، وليس نظرته المشوهة، فصورتها عبر الشعراء والفنانين تنتقل من عصر لآخر راسمة اجزاء مبتورة لن تكون المرأة ابدا وان حاولنا جمع شتاتها.

و لأنها المخلوق الصامت لم يعد من يشهد الى جانبها مستوعبا امتدادها ارضيا حتى توجهها صوب السماء بفروعها المغرية الثمار.

 

سواء هبطت من أعالي السماء

أم خرجت من أغوار الأرض أيتها الحسناء

إن نظرتك الجهنمية الإلهية

تسكب بغموض, الإحسان والجريمة

وإنك لتشبهين في ذلك, الخمر.

في عينيك الفجر والغروب

تسكبين العطر كمساء عاصف

قبلاتك رحيق وفمك قارورة طيب

تجعل البطل جباناً والطفل شجاعاً

وسواء خرجت من ظلام الهاوية أم هبطت من الكواكب

فإن القدر المفتون يقتفي كالكلب أثر تنانيرك

إنك تزرعين بغير قصد الفرح والكوارث

تحكمين الكل ولا تُسألين عن شيء

تدوسين الجثث وتهزئين بها

فالرعب ليس أقل حُليّك فتنة

والاغتيال من جواهرك الأثيرة لديك

وهو يرقص بافتتان على جسدك المتكبّر

والفاني المبهور يطير إليك أيها الصباح

فازفرْ وتوهّجْ وقل: لنبارك هذه الشعلة

فالعاشق الهيمان ينحني فوق حسنائه

كمحتضر يداعب قبره

سيان عندي من السماء هبطت

أم من جهنم صعدت

يا وحشاً هائلاً مخيفاً بريئاً

لو أن عينيك وابتسامتك وقدميك

لو أنها كلها تفتح لي أبواب اللانهاية

التي أحبها ولم أعرفها مطلقاً

سيان عندي أجئت من شيطان أم جئت من إله

أيها الملاك ـ أيتها المرأة الفاتنة

أيتها الجنية المخملية العينين

أيها الإيقاع ـ والعطر والبريق

يا مليكتي الوحيدة ليت يديك

تجعلان العالم أقل بشاعة

والثواني أقل ثقلاً

 

اغلب الباحثين والمؤرخين وحتى الناس العاديين يعدون المرأة مصدر الهام الرجل ابداعا وهي ليست سوى ضحية تشويه مستمر تتناوب عليها رياش الرسامين واقلام الشعراء والادباء ليجسدوا صورتها داخلهم فنيا وادبيا وتاريخيا وفق ما شهدوه منها في طور نموهم ثم وفق ما سمح لهم العرف الاجتماعي وثقافة شعوبهم باكتشافه.

 

ربما اصبحتم ايها المبدعون من الرجال ابعد ما يمكن عن بوابات المرأة واقرب ما يكون الى مرآتكم الذاتية العاكسة لسبل انشغالكم بها وعمق هذه السبل ومدى موضوعيتها، ستظل المرأة سرا لا يعرفه سواها ولا يذرف دمعه لاحاطتها باسوار الوحدة سوى امرأة شبيهة بها رفيقة لها في زنزانة الجهل والتجاهل وان جاهد الرجال لبلوغ نهايات متاهاتها.

 

 

د. ماجدة غضبان المشلب

صحيفة المثقف

 

.........................

المصادر

ا????ر ا??ر??? ??رل ?ود??ر/ ??? ??د ا????ح

بودلير ناقدا فنيا / د.زينات بيطار

ديوان ازهار الشر لبودلير

ترجمة حنا الطيار/ جورجيت الطيار

مع مقدمة لجان بول سارتر

 

خاص بالمثقف

 

تابع موضوعك على الفيس بوك وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2197 الاربعاء 1/ 08 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2157 المصادف: 2012-08-01 17:15:03