تكريم القاص د. فرج ياسين

المثقف في حوار مفتوح مع القاص المبدع فرج ياسين (2)

 

farajyaseen3خاص بالمثقف: الحلقة الثانية من الحوار المفتوح مع القاص المبدع فرج ياسين لمناسبة تكريمه، وفيها يجيب على اسئلة الأديبة رشا فاضل.

 

 

 

رشا فاضل: أديبة واعلامية / لبنان

 

س10: رشا فاضل: لقد كنت شاهداً على الكثير من الأحداث السياسية المهمّة وكان الأدب مؤرخاً آخر للأحداث، هل تجد أن التجربة العراقية الأخيرة انصهرت كما يجب في المنجز الإبداعي بكل ألوانه؟

 

ج10: فرج ياسين: في حدود اطلاعي غير المتعايش على نحو استقصائي، أرى أن الأدب العراقي اليوم يشهد تفجّراً واضحاً في خطّين متجاورين، أحدهما يجدُّ في المحافظة على تقاليد المنجز السابق في الرؤى والآفاق، إذ ثمّة نوع من المراوحة المقصودة حول أبراج الرموز الأدبية الكبيرة وعدم التحرّش بتراثها، في حين يحاول الخط الآخر إجراء مراجعة تحريضيّة فيستقي من صدمة الأوضاع الجديدة ليس موضوعاتها فحسب بل معدّاتها الفنيّة أيضاً، وأنا أحيل على صعود وتألق أحدث الفنون السرديّة: (القصة القصيرة جداً) كما أحيل على انتشار وتسيّد قصيدة النثر..

 

لقد وجد كلّ من السارد والشاعر العراقي أن تسارع الأحداث وتواترها فضلاً على حدّتها وعشوائيتها باتت تتطلب لغة أدبية جديدة، تنهض على اللمح والإبراق والمجاز المكثّف والرمزية المناسبة لما هو غامض ومشوش وإشكالي، وعصي على التحديد..وعلى المستوى الآخر، استطاعت بعض النصوص الأدبية أن تقترب من الواقع على نحو فوتوغرافي انتقادي ؛ لكنها بالكاد تستطيع أن تسجّل حضوراً تاريخياً في المشهد الأدبي بزوّادتها المتواضعة من الشعرّية.

 

 

 

س11: رشا فاضل: هل أنت كاتب ملتزم أم أنَّ هناك قيوداً مفروضة عليك؟

 

ج11: فرج ياسين: الالتزام والإلزام مصطلحان لم أفكرّ يهما حين أدخل في المعتركالأجرائي، أي حين اشرع بكتابة قصّة، فلا المرجعيات الإيديولوجيّة ولا الإملاءات الأثنّية ولا الاغواءات من أي نوع بقادرة على أن توقف ذلك التشكل السحري الذي يمهد لكتابة قصة، صحيح أن هذهِ الأقانيم موجودة أصلاً في الخزين الثقافي العام والشخصي لكنها لا تُطلّ برؤوسها أبداً، ولا تتبارى على نحو مباشر في الورشة الخاصة التي أنسج على أرضيتها قصصي القصيرة، ولو لم أكن أعمل في منطقة طافية في بلازما الخيال والسحر، لفكرتُ مليّاً قبل كتابة بعض القصص ونشرها، لأنني أعرف أن قصصي تكتبُ نفسها بالتواطؤ مع بؤر سرّية وغير مرئية في اللاوعي الفردي والجمعيّ، فقد منحتها الثقة الكاملة وباركت بزوغها العلني، وتحملت تبعات إعلانها، إذ بعد نشر قصة(الزوان)و( بيوت الأخوة العرب )، و( ذهاب الجعل إلى بيته )،قيل لي إنك تتحرش بتقاليد القاعة الثقافية، وتسخر من شرف العروبة، وتسفّه التكريس العشائري في مجتمعنا، وأنا ببراءة طفل سألت نفسي: هل أنا من لامس تلك التابوات وتحرّش بها أم قصصي؟

 

 

 

س12: رشا فاضل: كثر الحديث مؤخراً عن احتلال الرواية الصادرة في المحافل الأدبية، بينما تواجه القصّة تهميشاً لا يتماشى مع إيقاع العصر السريع.

 

ج12: فرج ياسين: عند تفكيك الخطاب اللغوي لهذا السؤال نواجه عدّة مؤشرات تؤسس لفهم خاص حول واقع الرواية بإزاء حضور القصّة، أول هذه المؤشرات يتحرك في إطار جملة (كثر الحديث مؤخراُ..) فكأن ثمة تكريس قصديّ بإحلال الرواية موقع الصدارة، وأنا أوافق على ذلك على أن يوجه أصبع الاتهام إلى وسائل الإعلام أوّلاً.

 

والمؤشر الثاني يحيل على تورط صريح للمحافل الأدبية، وهي قوّة جبرية غير مسؤولة لأن الإبداع لا علاقة له بأي واجهة تنظيميّة، ذات فصاءات وقواعد، إذ إن واضع ملحمة كلكامش لم يكن زبوناً في محفل ما، وكذلك المتنبي وشكسبير وبروست وماركيز، والقضيّة الأهم تكمن في طبيعة سؤال التهميش الذي لا يتماشى مع إيقاع العصر، وهذا صحيح، فمن قال أن القصّة القصيرة تفقد مواقعها إذن. انظري إلى (المواقع) العملّية لحضور القصة القصيرة على صعيد الانتشار والتداول، وإذا كان ثمة اعتراف بإيقاع العصر السريع، فأن القصة القصيرة والقصيرة جداً هما المناسبان لهذا الإيقاع. وحين أطل مارد (الفيس بوك) صار انتشار القصة القصيرة وتداولها أمراً لافتاً، أما الرواية فلم تحظ إلا بحصة الإعلان والتنويه و التوثيق، على أن هذا سلاح ذو حدين، ففي حين تظل الرواية سجينة أسوارها الورقية ومواقع النشر الإلكتروني المتخصّصة، فإن القصة القصيرة والقصيرة جداً صارتا مطلباً لكل من هب ودب من اللاهثين وراء المشاركة ولا أقول الشهرة، وسوف يترتب على ذلك مُستقبلاً، تأثّر سوق التداول بالكم المنفلت، ويغدو من العسير فصل الأصيل والحقيقي عن الغث والمبتذل، وعلى وفق هذهِ النظرة_ربما_ ستحظى الرواية بمرتبة (أرستقراطية) لمجرد ندرتها وليس استعصائها.

 

 

 

س13: رشا فاضل: من المعروف أن القاص يكتب القصّة وعينه على الرواية،لكن كيف يمكن أن يتحوّل الشاعر إلى قاص كما حدث معك؟

 

ج13: فرج ياسين: هذا سؤال يتألف من جزأين إشكاليين، أولهما يتخذ طابع التقرير والقطع، فهل_حقاً_أن القاص يكتب القصّة وعينه على الرواية؟ بالنسبة لي لم يكن الأمر كذلك، لأنني حين وجدتُ نفسي مواطناً في مملكة القصّة لم أشأ أن أبرحها، ولم تنفتح شهيتي على مملكة الفن المجاور، لقد كُنت _وأنا أمارس كتابة القصة_أستغرق من الجهد والأرق والزمن ما تتطلبه كتابة الرواية من كاتبها، إذ إن الإحساس الذي ساور جواد سليم وهو يفرغ من صنع نصب الحريّة هو الإحساس ذاته الذي يساور صانع المنمنمات الذهبية التي قد تليق بتاج ملك أو حلية عروس. أمّا كيف يمكن أن يتحول الشاعر إلى قاص كما حدث معي،فذلك لأن في البطانة النفسية والذوقية والثقافية لكل أديب يوجد شاعر كأمنٌ متوثب يمتلك الحق والشرعية في أن ينطلق ويتريث أو يتراجع أو يتحول وأنا تحولت على إنني لم افقد هذه البطانة (الخلفية) و الدليل أن الشعر موجود في قصصي و بمستويات كثيرة موضوعية وفنية تناصّية وبلاغية وأسلوبية وأنتِ تعلمين أن بنيات النصوص الأدبية أخذت تتساقى مكوناتها فلم يعد للنوع المنفرد خصوصية مطلقة في أطار الجنس الذي ينتمي إليه، أو أطار الجنس الجامع أي الفن.

 

 

 

س14: رشا فاضل: ما هي رؤيتك لما يسمّى بالربيع العربي؟

 

ج14: فرج ياسين: الربيع العربي مصطلح أنتجته وسائل الأعلام، ثم جعلوه ينصرف إلى السياسة من دون أن يستشيروا التاريخ أو علم الاجتماع، ولو كانوا قد فعلوا ذلك لوجدوا أن الربيع لا يخرج إلا من خلال سيرورة دورة فصول كاملة، فهل مرّت الدول العربيّة الوالغة بهذا الربيع المزعوم بهذهِ الدورة من داخل تجاربها؟ أم أن هذا الربيع كان صناعة مُعدّة في بؤر تبعد آلاف الأميال عن حدود هذهِ الدول، وكان هذا الربيع سيكون كذلك لو أن العرب نبذوا وإلى الأبد المعوّقات التاريخيّة المعشّشة في كيانهم: تعصبهم ألاثني والطائفي، وانحيازاتهم العشائريّة والأسريّة وتشبثهم بأصنامهم المنصوبة في أرباضهمم وصحاراهم ومعاهدهم ومعابدهم وطرقاتهم وعقولهم الراكدة، ثم من أين سيدخل الربيع وحمّارة الصيف مازالت تشوي الوجوه، وزلازل الشتاء مازالت تجلجل في الأسماع!

 

 

 

س15: رشا فاضل: هل تعتقد أن التغيّرات الجديدة في الوضع العربي ستجد طريقها إلى الحركة الأدبيّة والثقافيّة، وما هو الشكل الذي يجب أن تتخذه لو حصل؟

 

ج15: فرج ياسين: الأدب يواكب الظواهر الجديدة ويعمّقها، هذهِ وضيفة الأدب التي لا يشترط فيها أن تكون مقصودة أي أن سياق التغيير يحتم انبثاق الرؤى المناسبة، وبما أن المستقبل في طيّ الغيب الآن، فأنه من الصعب التكهّن بردود الفعل إن كان على الصعيد الموضوعي أو الفني، لكن الأمر شبه المؤكد أنّ إرهاصاً صراعيّاً بنكهة غير مألوفة سوف يغدو مؤشراً على ولادة وعي جديد، ربما ستكون له آثار إيجابيّة في قابل الأيام.

 

 

 

س16: رشا فاضل: تجارب الطفولة الأولى حاضرة في ذاكرتك وفي كتاباتك، هل القصّة لديك محاولة لاستعادة طفولة هاربة؟

 

ج16: فرج ياسين: ليس لأجل استعادة طفولة هاربة فقط، بل لأجل استلهام طفولة مغدورة ومُنتهكة وسجينة قوانين الأسرة والمجتمع والسياسة، والتمحّلات و الاكراهات بكل أنواعها.

 

إن إلحاحي  إثراء عالم الطفولة سرديّاً، يرمي إلى ترتيب أوراق الإنسانية من جديد والبدء من الطفولة رمزياً، من القيم النظيفة المباشرة.

 

لقد راكمت الإنسانية شرورها وظنّت أنها تصنع الحضارة وتجترح الحداثة في حين أنها في كل خطوة إلى الأمام تقترب من التلوّث، التلوّث بقذارات التعصب والأحاديّة وإعلاء الأنموذج النرجسي.. وفي واحدة من قصصي المتأخرة(هبوط الطيور من الجنّة) يخرج الأطفال بمظاهرة كبرى في مدينة منقرضة اسمها كبريا، ويزحفون إلى دار الحكومة رافعين لافتات وأعلام وعريضة تنصّ على دعوة الكبار إلى الكف عن إشعال الحروب والعمل على توفير الطعام لكل فم، وإحياء شعار(من أين لك هذا!) والتوقف عن تغذية كارثة التلوث والاحتباس الحراري بالمزيد من الزفير المسموم.

 

 

 

س17: رشا فاضل: كتب عنك كثير من النقاد منهم د.مالك المطلبي وياسين النصيّر ود. محمد صابر عبيد ود. صالح هويدي و د. قبس كاظم الجنابي ود. رفقة دودين وجاسم عاصي وعباس عبد جاسم وعبد الجبار البصري وآخرون.. وعلى الرغم من هذا الاهتمام النقدي إلا أنك مُقل في نتاجك .

 

ج17: فرج ياسين: هذان أمران مُختلفان، لأن كتابة النّقاد عن قصصي ينطوي على الاعتراف بها من قبلهم وهذا حَسن طبعاً. أمّا قلة النتاج فهو أمر يتعلق باعترافي أنا بهذهِ القصص، وأقصد(للتوضيح) أن ثمة فرضيّة تقول: قد أقترح على نفسي كتابة قصّة كل أسبوع أو كل شهر، فأجلس في مكان العمل متصنعاً الجد والاستنفار ثم أبدأ بالكتابة! هل كنتُ سأعترف بمثل هذهِ القصّة المصنّعة؟ ربما أدرتْ في رأسي عشرات المرات مثل هذا السيناريو لكن الأمر لم ينجح، ليس لأن القصّة لا تولد لكن لأنها لن تكون قصتي، إنها لا تخرج من مكمن القلق والانصهار والتبكيت والمرح والحب، هذا المكمن ليس مكانه السطح الواعي، إنه في سراديب اللاوعي،والقصّة التي أنشدها تتطلب معاول وأزاميل و جرّافات وسلاسل وزيوت تشغيل فائقة الجودة.

 

مَرّة زرتُ صديقاً مريضاً مقعداً منذ سنين، وكنت آخر صديق دأب على زيارته. هذهِ القصّة بشي بها عنوانها (المغادرة)، وهي مونولوج حزين يكشف عن دفاع الشخصية عن إرادة الامتناع عن عيادة هذا الصديق إنه يقف في الباب ويرسم لوحة خيالية لدخوله وحواره ومشاهداته، لكنه لا يدخل أبداً، ولشدّ ما أحزنتني هذهِ الفضيحة الأخلاقية التي يأبى فرج ياسين الإنسان اقترافها، لكن فرج ياسين القاصّ المتورط بمباذل المشغل الخيالي هو الذي فعل هذا وعقوبته الوحيدة هو نشرها.

 

وفي حديث سابق عن تجربتي أجبت عن سؤال التباطؤ: قُلت (حين فكرّتُ ببناء مشغل خاص بي، فوجئت بأنني أستطيع كتابة قصة قصيرة ولكن على نحو مضجرٍ وكئيب، تصّور أن يكون لديك خزّان ماء كبير وثمّة صنبور يزوده بالماء قطرةً قطرة حتى يمتلأ، وإذا امتلأ فأنت تسكبه دفعة واحدة. وبعد ذلك لا تعرف ماذا تفعل ولمدّة طويلة، أحياناً بعد أشهر تسمع نقراً خفيفاً على قعر الخزّان المعدني الفارغ، فتعرف أن الخزّان أخذ يستقبل قطرات جديدة، هي طلائع القصّة القادمة).

 

 

 

س18: رشا فاضل: ماذا يعني لك فوز الدكتورة سوسن البياتي بجائزة الشارقة للإبداع، عن كتابها (المدوّنة النقديّة في قصص فرج ياسين)؟

 

ج18: فرج ياسين: لقد عنى لي الكثيرْ،لأن جميع كتبي صدرت في العراق عن دار الشؤون الثقافية العامة، وتوزيعها في الوطن العربي والعالم محدود جداً وهذا الكتاب طرح أسمي ولفت النظر إلى مدونتي القصّصية.

 

 

 

س19: رشا فاضل: على الرغم من تخصصك في الأدب الحديث والنقد إلا إنك لم تعط هذا التخصص حقه خارج أسوار الجامعة؟

 

ج19: فرج ياسين: ذكرتُ في مناسبات كثيرة إنني أعمل مُعَلّماً لِمادّة النَقدّ الأدبي الحديث في الجامعة، ولست ناقداً، لقد قَدِمْتُ إلى الدراسة الأكاديميّة وأنا على مشارف الخمسين، وكُنت قد كرّستُ شغفَاَ عارماً لفن القصّة، وأدرجوا لي اسماً متواضعاً انطولوجيا الأدب العراقي، وكان التحاقي بالجامعة لنيل شهادة الماجستير عام 1994 حالة تقترب من الترف الثقافي، وحتى بعد أن حصلت على الدكتوراه لم تتسرّب إلى نفسي أيّة قناعة بالاصطفاف في سلك النُقّاد.

 

لقد كُنتُ أعرف حدودي، فأنا رجل مُكتشف، وأحياناً أجد ما أريدهُ من دون عناء، لكنني لا أعرف على وجه اليقين لماذا وُجد ولماذا أنا وجدته، وحين أشرع بكتابة بحث أكاديمي أواجه مشكلة كبيرة، إذ يجب أن أقوم بترتيب الأفكار والكلام على وفق المقاييس المنطقيّة، فارتكب خيانة فاضحة لمعتركي الخيالي. وكثيراً ما عَبّرت عن طبيعتي هذهِ بتجربة الروائي وليم فوكنر الذي أعتذر عن مقابلة وفد من الاتحاد السوفيتي، كان يزور أمريكا آنذاك برئاسة إيليّا اهرنبرغ. قائلاً: يا إلهي إنهم يريدون مني أن أتحدث معهم عن الأفكار، أنا كاتب قصّة ورواية ولست رجل علم و أدب.

 

 

 

س20: رشا فاضل: قصيدة أنا وليلى لحسن المرواني والمغناة من قبل الفنان كاظم الساهر، لك معها قصّة ماهي؟

 

ج20: فرج ياسين: مرةً كُنت أشاهد برنامجاً ثقافياً على إحدى القنوات الفضائية،فلفت نظري حوار ساخن يغلب عليه الانفعال، كان هناك شخص يدّعي أن قصيدة(انا وليلى) ليست للشاعر حسن المرواني بل لوالد ذلك المدّعي، وهو شاعر عراقي راحل، فأخذني العجب لأنني ممّن شاهدوا حسن المرواني وهو يلقي هذهِ القصيدة في قاعة الإدريسي في كليّة الآداب 1972 يوم كنا طلاباً، وكان حسن المرواني قد أهداني نسخة من القصيدة مطبوعة على الآلة الكاتبة مازلت أحتفظ بها، كتبتُ مقالاً صغيراً _يشبه الرد_ بمثابة شهادة على نسبة القصيدة إلى المرواني. لكنني عرّجت على قضية مهمة تتعلق بأسطرة القصيدة جماهيرياً وعزوت نجاحها وانتشارها إلى إبداع كاظم الساهر وشهرته .. لأنها قصيدة متواضعة فنياً أما عن موضوعها فقد قلت أنها قصيدة نكوصية بطلها سلبي يكتفي بالشكوى والبكاء، وأنموذجها يحاكي قصائد يمتلئ بها ديوان الشعر العربي، والمقال_بتفصيلات أخرى موجود على صفحات أكثر من موقع إلكتروني.

 

 

 

س21: رشا فاضل: هل تعتقد أن الإبداع طاقة تتسرب بتقادم العمر؟

 

ج21: فرج ياسين: لا أعتقد ذلك مطلقاً، لأن الوقائع تكذب أي اعتقاد مغاير خذي سيرة الجاحظ الأدبية، وكذلك طه حسين واحسان عباس والجواهري وماركيز وغيرهم كثير جداً، لكن هذا مشروط بتوافر قدر معقول من السلامة الصحيّة في حالة العمر المتقدم جداً، واذكر أنموذجاً عراقياً مذهلاً هو القاص الموصلي القدير أنور عبد العزيز إذ يبلغ الآن السابعة والسبعين لكنه تعايش مع مرض عجيب نادر منذ ما يزيد على أربعة عقود، إنه طنين متواصل في مسامعه لا يفارقه لحظة واحدة، لكنه لم يتوقف عن الكتابة والإنتاج الأدبي أبداً.

 

وحدود هذا الأمر_في ما أرى_رهينة بقضية التواصل وعدم التراخي، فضلاً على التعاطف والحب الذي يكنه المبدع لمشروعه.

 

 

 

س22: رشا فاضل: كيف ترى التفاف الكتاب والمثقفين حولك، واعتبارك مرجعهم، هل يشعرك هذا بالمسؤولية أم بالزهو أم..؟

 

ج22: فرج ياسين: أظن أنك تقصدين بعض كتاب ومثقفي مدينة تكريت، أولئك الذين أصبحوا قريبين منّي، ونشأت بيننا صداقة وتعايش، وبما أنني أكبرهم سناً تقريباً وأكثرهم حضوراً في المشهد الأدبي في العراق، فقد حظيتُ بنوع من الثقة، ولا سيما عند الشباب إذ أنني لم أتواكل أو أتكاسل أو أعتذر إذا طلب مني أيّة مساعدة إجرائية تخص نصوصهم. وكُنت أقدّم رعاية هؤلاء على بعض الواجبات المنزلية ومن الطريف أن شخصاً من الموصل ليس لي به معرفة سابقة هاتفني يطلب المشورة قبل قرابة الشهر، ويناشدني أن أرى كتاباته، فوافقت فوراً_ولم يسبق لي أن اعتذرت_ وبعد أيام أرسل (كتاباته) وإذا هي طرد كبير الحجم يحتوي على أربعة دفاتر مكتوبة بخط اليد، وبقلم الرصاص، وكانت تحتوي على روايتين ومجموعتين من الخواطر والقصص القصيرة فقرأتها في خلال خمسة أيام بعد أن أرجأتُ التواصل مع واجباتي المهنيّة واليوميّة السياقيّة تصديقاً وتفعيلاً لكلمة الشرف التي أعطيتها للرجل، ثم دوّنتُ ما وجدته ضرورياً ومفيدا وأرسلتها إليه..هذا تحمّل المسؤوليّة الثقافيّة والأخلاقيّة أما إنْ كُنتُ أشعر بالزهو، فليس بالوسع إنكار ذلك لكنّ هذا الزهو يتأتى من كوني أفوز في امتحان التطابق مع روحي المحبّة للخير والفضيلة وإسعاد الآخرين.

 

 

 

س23: رشا فاضل: ألم تفكّر بكتابة مذكراتك الشخصيّة؟

 

ج23: فرج ياسين: لو كُنت تلميذاً مطيعاً لفعلتُ ذلك منذ عام 1972 حين اقترح عليّ صديقي الراحل الكبير يوسف الصائغ، أن اشرع بكتابة يوميات أو مذكرات قائلاً إنها سوف تصبح كنزك الثقافي الشخصي، وإنها سوف تتيح لك المراجعة والتصويب والإضافة،لكنني لم أفعل ذلك أبداً، أما اليوم فإن هاجساً ملحّاً كثيراً ما راودني وهو أن اشرع بكتابة سيرتي الذاتيّة، ولكن على نحو غير مسبوق_على حد علمي_ إذ أقوم بهذهِ الكتابة من خلال قصصي نفسها، على فرض أنّ كل قصّة تتألف من متن حكائي يتمثل بحكاية القصّة، ومبنى حكائي وهو الشكل المتحقق فنيّاً لهذهِ الحكاية ثم اشتغل على المتن الحكائي. بعد تحريره من القصصّية، فعلى سبيل المثال تعتمد قصّة(بريد الأب) على وقائع وأماكن حقيقة وعلى أشخاص معروفين وإن كل ذلك يحفّز الذاكرة على استنفار ما قبل وما بعد، وفي قصص أُخر يوجد الشيء نفسه إذ قد تقترح قصّة (الحجرات) كتابة فصل مهم بعنوان أفتراضي هو(المنازل)؛ وفيه استطيع التعريج على البيوت الثلاثة التي آوتني في مراحل حياتي المختلفة ومع كل مراجعة لنصوصي التي تجاوز عددها المائة الآن، يتأكد لي أن هذا المشروع لا يخلو من الواقعيّة والإثارة أيضاً.

 

 

 

س24: رشا فاضل: كيف هي علاقتك بالسفر؟

 

ج24: فرج ياسين: لا أحد في الدنيا لا يريد أن يخرج ويرى ويعاشر أناساً آخرين، ويتصل بحيوات الأمكنة، وأنا خرجتُ مرّة واحدة في حياتي، وبعد أن شبّ أوار الحرب العراقيّة الإيرانيّة مُنع السفر واستمر كذلك لقرابة ربع قرن، وكنتُ كالآخرين ابتلع رغبتي في كلّ مرّة تطل فيها برأسها حتى اكتظت أعماقي بأشلاء الرغبات المكبوتة، وكان الأوان قد فات، واشتعل القلب شيباً، ولم يعد لروحي من سبيل سوى التسامي بهذه الرغبة المكبوتة واستدراج حلم السفر ومباذلة إلى مَشغلي السردي بتنويعات وأنماط مُختلفة، فكنتُ أخرج إلى العالم عبر تصدير رؤيتي وفلسفتي وذائقتي وأنا جالس في بيتي، ولطالما تعزّيتُ بتجربة السير جيمس فريزر عالم الانثرويولوجيا الشهير الذي تناول كثيراً من الموضوعات في مُختلف الثقافات والمجتمعات والعصور من دون أن يغادر مدينة لندن، أو مكتبة جامعة كامبردج مقارنة بـ (ول ديورانت) مؤلف كتاب قصّة الحضارة؟ الذي أمضى قرابة العقدين طائفاً بين معالم الحضارات التي كتب عنها، لكنّ كتاب (الغصن الذهبي) لجيمس فريزر يوضع بين كُتب الأدب لتميّزه بلغة تنهض على التصوير والتنميق البياني وجماليات الكتابة الأدبيّة وكأنه شاهد عياناً لكل ما كتب عنه، وتفاعل مع عوالمه.

 

 

 

س25: رشا فاضل: إذا طلبتُ منك أن تكتب شيئاً عن مدينتك تكريت ونهرها، كما هما في ذاكرتك وفي أدبك فماذا تقول؟

 

ج25: فرج ياسين: تكريت حاضنتي وحاضنة قصصي، ومن أراد أن يطل على سيرتي الذاتية والأدبية، يتعيّن عليه أن يضع في حسابه أن تكريت ليست شيئاً من دون نهرها ولا أقصد دجلة العظيم المرسوم في الخرائط، والمصعّد من أبراج التاريخ أو الموصوف في قصائد الشعراء أو المعرّف بجدواه الاقتصادية بوصفه شريان حياة، بل دجلة المُخلّق في ذاكرة أجيال وأجيال بوصفه أباً وذراعاً وبيتاً ومرضعة ومعلماً، فمنذ نهاية الثمانينيات أصبح الاقتراب منهُ محرماً، فغضبت تكريت وشدت رحالها متجهة شمالاً وغرباً، أنا مثلاً ابتعدت عن بيتي القديم أكثر من ألفي متر، ومع كرّ السنين أخذت أحيل النهر على الذاكرة، هكذا غدا نهري الخاص مكاناً مفقوداً فنشأت أسطورته في قصصي، إذ خلّقتُ منه شخصية مكانية تستعاد بحس تراجيدي.

 

إن من أراد أن يقرأ قصصي النهرية فأنه سوف يكتشف أن قصة الصرّة تتحدث عن رجل يقدّس النهر لذلك يحمل أمه العجوز العمياء ويخطر بها فوق الجسر المشيّد حديثاً، أراد أن يريها كيف أنهم ألبسوه قبعة فأصبح أكثر جمالاً، وفي قصّة (غداً في الصدى ) يُرى الأب ولده من خلال أسيجة المنع نخلتهم الباقية في البيت القديم، ثم يأخذه إلى النهر لكي يطهّره من درن النسيان، وفي قصّة ( ليلة صيد )، يذهب عجوزان إلى النهر ويحاولان صيد السمكة الذهبية الموعودة، ولكنهما لايحظيان بها. وهي مرادفة رمزياً لمدينة الطفولة والشباب والأيام النظيفة، أما في قصّة (طغراء المدينة) وهي آخر قصصي، فأن المدينة التي أدارت ظهرها للنهر تحضر عبر جسد فتاة، ظلت تتناسخ في صبايا المدينة منذ العهود الغابرة وحتى اليوم، وهي تحمل علامة على خديها، رسمت بقطعة غرينية جافة، هي من عطايا النهر أيضاً، وليس ذلك كل شيء..

 

 

 

س26: رشا فاضل: أنت من مواكبي التطوّر التقني، كيف تنظر إلى هذا التطوّر أدبياً؟

 

ج26: فرج ياسين: ها الانفجار التقني الهائل ولا سيما في وسائل الاتصال عاد على الأدب والأدباء بما لم يكونوا يحلمون به، وسوف أختصر هذا الأمر الجليل بمثال واحد يستعين بحالتي ماقبل وما بعد. إذ كُنتُ في إطار (ماقبل) أكتب المادة التي أبغي نشرها بنسختين وباستخدام ورقة الكاربون فأُبقي على النسخة الثانية وأبعث بالنسخة الأصليّة بالبريد إلى صحيفة أو مجلّة، يتلو ذلك انتظار وترقب وارتياب، قد يتجاوز الأسابيع إلى الأشهر.

 

أما في إطار(المابعد)،فقد أصبح بإمكاني إيصال صوتي إلى أبعد نقطة في العالم بلحظات أو دقائق، وكفى بذلك شهادة وجدوى و على أن التطور التقني قدّم لإنسان العصر الحديث ما لا يمكن الإحاطة به على كل حال.

 

 

 

س27: رشا فاضل: مؤسسة المثقف تحتفي بك وبمنجزك الآن، كيف تجد هذا الاحتفاء؟

 

ج27: فرج ياسين: أن ما شاقني وأثلج صدري يتمثل بهذهِ الحساسية العالية للأستاذ المبدع ماجد الغرباوي ولأسرة المثقف فأنا من أقل الأدباء حضوراً على صعيد النشر والانتشار، وارتياد المؤتمرات والندوات والمهرجانات، كما أنني لم أتقدّم إلى نيل جائزة ولم أصطنع علاقات وأمهّد لها مجازفاً بشرف الكلمة، وليس لي دعاة سوى أصدقائي وتلامذتي، أما علاقتي بالسياسة والسياسيين وماكناتهم الإعلامية المسيسة فهي ضئيلة إلى حد التلاشي، منذ أن وجدت فرداً في هذا المجتمع واسماً بين الأدباء العراقيين، لذلك كلّه حين طرح علي إجراء هذا الملف لم أتردد كثيراً مقدراً هذهِ الحساسية العالية التي لم تعوّل إلا على الصدق والإنصاف المتوجين برؤية الأسرة الراعية له الأستاذ ماجد الغرباوي، وتشجيع الصديق المبدع يحيى السماوي الذي طرح علي هذا المشروع قبل اكثر من عام فضلا على هذا الاستعداد الطافح بالمحبة من قبل الصديقة الموهوبة الروائية والإعلاية رشا فاضل.

 

 

 

 

يمكن توجيه الاسئلة عبر الاميل الاتي

 

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

للاطلاع

 

المقف في حوار مفتوح مع القاص المبدع د. فرج ياسين

 

 

 

خاص بالمثقف

 

.................................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2012-04-16 07:54:15.