- (إن الرسم شعر صامت.. والشعر تصوير ناطق..) .. الشاعر اليوناني سيمونيدس"

- قال "هوراس":" القصيدة مثل اللوحة".

- ويقول نزار قباني في قصيدة (الرسم بالكلمات):

(كل الدروب امامنا مسدودة .. وخلاصنا .. بالرسم بالكلمات).

ان دراسات من هذا النوع التي تجمع بين الادب و الفن التشكيلي تأت لبيان وتوضيح مساحات اللقاء بين الفن التشكيلي والأدب، وقد كان هذا اللقاء منذ القدم، منذ قبل يحيى الواسطي كرسام قام بوضع رسوم لمقامات الحريري ، الا ان الدارسين والباحثين لم يقدموا شيئا عنه سوى النزر القليل، فظلت مكتبتنا العربية فقيرة  الى حد ما لمثل هذه الدراسات .

وهي كذلك تأت لرسم الحدود الفاصلة والموصلة في نفس الوقت بين الفنين، ودراسة الارضية المشتركة بينهما، إذ انها تكون مفتوحة على الجانبين، وهذه الارضية تسمح بتداخل وتثاقف المفاهيم والادوات بينهما، لان الفنين شريكان في التاريخ الذي يحملانه، ويربط بينهما العديد من الروابط ذات العلاقات النوعية .

وقد استقبل الشعراء أعمال الفنانين التشكيلين، وكذلك استقبل الفـنـانون الشعر، لوجود علاقة بين الاثنين، و نجد من نتائج هذه العلاقة رسومـات ولـوحـات فـنـيـة كثيرة تصنف على انها قصائد شعرية مصورة أو مجسمة، منذ " امرؤ القيس" حتى يومنا هذا.

في قصيدة لرامبو يتحدث فيها عن لوحة (فينوس) يقول :

("والرقبة بعد ذلك مكتنزة بالشحم وداكنة

والكتفان العريضان بارزان والظهر معوج

والدهن يلمع تحت الجلد، كالأوراق الملساء

والاستدارة أسفل الظهر تبدو شديدة الانتفاخ").

ويقول الشاعر صلاح عبد الصبور في احدى قصائده :

لون رمادي سماء جامدة

كأنها رسم على بطاقة

مساحة أخرى من التراب والضباب

تنبض فيها بضعة من الغصون المتعبة

كأنها مخدر في غفوة الإفاقة

وصفرة بينهما كالموت كالمحال

منثورة في غاية الإهمال

(نوافذ المدينة العذبة. ...)

كذلك قصيدة الشاعر حميد سعيد (المرور في شوارع سلفادور دالي... الخلفية) وقصيدته (محاولة إعادة رسم الجيرنيكـا)(من ديوانه الأغاني الغجرية) وغير ذلك من قصائد الشعراء .

في دراسة سابقة تحدثت عن العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي من خلال دراسة المنجز الابداعي للفنانة "عاليا الوهاب " وكانت الدراسة بعنوان (المرأة البدينة بين الشعر والفن التشكيلي.. الخطاب التشكيلي لجمال المرأة البدينة.. الفنانة عالية الوهاب إنموذجا) حيث وجدت ان هناك علاقة بين الشعرمنذ اقدم العصور،والفن التشكيلي، وقد نشرت على صفحة (اشكال والوان) لصحيفة " الحقيقة".

هذه العلاقة محكومة بما يسمى التناص، التناص بين ماهو فني وما هو شعري، اذ انها تأتي في حالة تبادل نصي (قصيدة / لوحة) وتتصف بتأثر كبير بين الاثنين، فتخلق عند ذاك تناص نوعي وكمي بينهما، وفي هذه الحال يكون تبادل الادوار مسموح به، اذ يمكن للقصيدة ان تسبق اللوحة زمنيا، ويمكن للفن التشكيلي (اللوحة) ان يسبق القصيدة .

امامنا الان تجربة الفنان العراقي فيصل لعيبي التشكيلية التي تحمل خطابه التشكيلي، ورؤيته الفنية عن بعض الشعر العربي الذي قيل، وفي هذه التجربة سنقترب كثيرا من عالمه التشكيلي المجسد لما تمنحه القصيدة من رؤى وتصورات للفنان التشكيلي .

فمنذ عام 1972 كنت اتابع انجازات الفنان فيصل التشكيلية، اذ في هذا العام - كما اذكر- اقام معرضة التشكيلي الذي قدم فيه لوحات تشكيلية معتمدة على قصائد للشاعر امريء القيس، وفي هذه الدراسة سنقدم منجزه التشكيلي عن مجموعة من القصائد المختارة التي جسدها حسب رؤيته في لوحات تشكيلية تخطيطيا.

في هذه اللوحات قدم الفنان ليس رؤيته لقراة القصيدة، وانما قدم قوة قلمه التخطيطي في انجاز لوحة تشكيلية معبرة دون الوان سوى الضئيل منها، وهذا الضئيل لا يعدو الاكسسوارات المؤثثة بها اللوحة والتي وضع فيها شيفرته التي حاول توصيلها للمتلقي، وقد كان حريصا في استخدام الالوان، ومبدعا في المكان الذي يستخدمها فيه.

تتصف شخوص الفنان النسوية بأنها جميعا عارية، او شبه عارية، وهذا الاسلوب اتاحه له عيشه في اوربا المنفتحة على كل شيء، ومنها رسوم فناننا التشكيلي، وايضا هي تجسيد للقصيدة التي تناصت معها، فهي تكون عارية كما قال الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني في قصيدته (سقط النصي (:

(سَقَطَ النّصيفُ، ولم تُرِدْ إسقاطَهُ ... فتناولتهُ، واتقتنا باليدِ)

ثم يصف الجسد الانثوي وكل شيء فيه وكأنها عارية تماما، او شبه عارية كما في قصيدة لامرئ القيس التي يقول فيها :

(جِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا ... لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ)

ولبسة المتفضل هو ما تبقى على جسدها من ثياب قليلة جدا تستر المرغوب فيه.

من هذا البيت، والقصيدة ايضا، راح الفنان لعيبي يتناص مع القصيدة، فهو على الرغم من انه يحاورها في فنه التخطيطي، الا انه راح يجسد رؤياه لما في البيت – والقصيدة – من فكر خلاق، وكنوز تخيلية .

قسم الفنان لوحته الى ثلاثة اقسام افقية، في القسم العلوي حيث الخيمة اظهر شابا وسيما ينظر من باب الخيمة متلصصا، وقد بانت على محياه علامات الدهشة لما يرى، وفي القسم الوسطي وهو الاهم والذي يأخذ من الفنان جهدا كبيرا في تخطيطه، يظهر الفنان الثيمة الرئيسية للوحة، وهي الفتاة المستلقية على جنبها الايمن (في الموروث الشعبي هذا استلقاء الملوك) وقد نضت ثيابها الا (لبسة المتفضل) أي انها غطت وسط جسمها بقطعة قماش.

اما القسم الثالث فقد اثثه الفنان باناء مليء بالفاكهة، وقد لونه بالوان الفاكهة، ووضع تفاحة حمراء (في الموروث الشعبي وبعض الادبيات الدينية هو ثمر الجنة الذي اكل منه ادم وحواء وسقطوا في الغواية) على الارض لتدل على الغواية، اذ ان موضوع القصيدة واللوحة التشكيلية هو (الغواية) التي اتت من خطيئة جدنا ادم حسب الاسطورة التوراتية (تكوين 3 7:6)

ان اكتناز جسد المراة باللحم يذكرنا بالمجاز اللغوي الذي يقول (خرساء الاساور او الحجول) لامتلاء جسمها باللحم، وعيشة الترف التي تمنع الاساور او الحجول من ان تخرج صوتا (ترن).

في لوحة اخرى يتناص الفنان لعيبي مع معلقة امرؤ القيس التي يقول فيها :

فَـلَمـَّا أجَـزْنَـا سَـاحَـةَ الـحَـيِّ وانْتَحَى ... بِـنَـا بَـطْـنُ خَـبـْتٍ ذِي حِقَـافٍ عَقَـنْقَـلِ

هَـصَـرْتُ بِفَـوْدَيْ رَأْسِـهَـا فَـتَـمَـايَـلَـتْ...عَـلـيَّ هَـضِـيْـمَ الـكَـشْـحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

إذا التـفتـت نحـوي تضــوّع ريـحُـهــا... نـسـيـمَ الـصَّـبـا جـاءت بـريـا القرنفُلِ

مُـهَـفْـهَـفَـةٌ بَـيْـضَـاءُ غَـيْـرُ مُـفَـاضَـــةٍ ... تَـرَائِـبُـهَـا مَـصْـقُـولَـةٌ كَـالـسَّـجَـنْـجَــلِ

كَـبِـكْـرِ الـمُـقَـانَـاةِ الـبَـيَـاضَ بِـصُـفْرَةٍ ... غَـذَاهَــا نَـمِـيْـرُ الـمَـاءِ غَـيْـرُ مُـحَـلَّــلِ

تَـصُـدُّ وتُـبْـدِي عَــنْ أسِـيْـلٍ وَتَـتَّــقــي ... بِـنَـاظِـرَةٍ مِـنْ وَحْـشِ وَجْــرَةَ مُـطْـفِـلِ

وجِـيْـدٍ كَـجِـيْـدِ الـرِّيـمِ لَـيْـسَ بِـفَـاحِـشٍ ... إِذَا هِـــيَ نَــصَّـــتْــهُ وَلاَ بِــمُــعَــطَّــلِ

وفَـرْعٍ يَـزِيْـنُ الـمَــتْـنَ أسْـوَدَ فَــاحِــمٍ... أثِــيْــثٍ كَــقِــنْــوِ الـنَّــخْـلَـةِ المُتَـعَـثْكِلِ

غَـدَاثِــرُهُ مُـسْـتَـشْـزِرَاتٌ إلَــى الـعُـلا ... تَـضِـلُّ الـعِـقَـاصُ فِـي مُثَـنَّى وَمُرْسَـلِ

وكَـشْــحٍ لَـطِـيـفٍ كَـالـجَـدِيْـلِ مُخَـصَّرٍ ... وسَــاقٍ كَـأُنْــبُــوبِ الـسَّـقِـيِّ الـمُـذَلَّــلِ

وتَـعْـطُـو بِـرَخْـصٍ غَـيْـرَ شَـثْـنٍ كَـأَنَّهُ ...أَسَـارِيْـعُ ظَـبْـيٍ أَوْ مَـسَـاويْـكُ إِسْـحِلِ

تُــضِــيءُ الــظَّــلامَ بِـالـعِـشَـاءِ كَـأَنَّـهَا ... مَـنَـارَةُ مُــمْــسَـى رَاهِــبٍ مُــتَــبَــتِّــلِ

وَتُضْـحِي فَتِـيْتُ المِسْكِ فَـوْقَ فِراشِـهَا ... نَـؤُومُ الضَّـحَى لَمْ تَنْتَــطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ

إِلَـى مِـثْـلِـهَـا يَـرْنُـو الـحَـلِـيْـمُ صَـبَـابَـةً ... إِذَا مَـا اسْـبَـكَـرَّتْ بَـيْـنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ

يقسم الفنان لوحته افقيا الى قسمين، الاعلى يتركه فقيرا من الالوان الا ما كان من اناء الفاكهة والوردة الحمراء ذات الدلالة الحسية المعروفة عند المتلقي.

اما القسم الثاني فيلونه بالوان مكررة، انه نقش البلاط الارضي.

ان العلاقة بين الرجل وامراة هي علاقة تحكمها اشواق وهيام وتمنيات باللقاء ووردة حمراء .

وفي اللوحة امراة اخرى تحمل الفراش بين يديها تقدمه لسيدتها استعدادا لما ستنتجه الوردة الحمراء من افعال حسية، والفراش كناية عن مخدع النوم.

***

ويرسم الفنان لوحة تمثل امرأة شبه عارية الا ما يستر وسطها، ورجل مختبئ تحت السرير،وامراة اخرى تتلصص من خلف الستارة، وفي مقدمة اللوحة اناء مليء بالفاكهة، وخاصة التفاح (فاكهة الغواية) .

ان تركيز الفنان على اناء الفاكهة بتلوينه، وعلى وضع هالة صفراء على المرأة المتلصصة، هو تأكيد على ان المراة شبه العارية كانت في وضع سابق غير مريح للاخرين مع الرجل.

وقد تناصت اللوحة مع قصيدة الشاعر الأعشى أبو بصير ميمون بن قيس:

غرّاءُ فرعاءُ مصقول عوارِضَها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوجلُ

كأن مشيتها من بيتِ جارتها ... مرُّ الســــــــــــحابةِ لاريث ولا عَجـــَــــــلُ

***

ويتناص الفنان مع قصيدة (فلا تسألي) التي غنتها ام كلثوم تشكيليا، وهي من شعر بكر بن نطاح الحنفي، فيرسم رجل وامراة في وضع خاص، حيث تبان ملامح الاكتناز على المراة التي ادارت وجهها الى المتلقي، وقد وضعت لفافات غطاء على وسطها ووسط الرجل الذي بان راسه الحليق وقدميه فقط، وهذا تركيز من الفنان على المرأة المكتنزة باللحم، ودورها في المضاجعة.

***

وعن قصيد احمد شوقي (ياجارة الوادي) التي يقول فيها:

(لم أدر ما طيب العناق على الهوى ... والروض أسكره الصبا بشذاكِ

لم أدر والأشواق تصرخ في دمي .......... حتى ترفق ساعدي فطواك

وتأودت أعطاف بانكِ في يدي ....... ..  واحمر من خديهما خداكِ)

تناص الفنان فيصل لعيبي مع موضوعة هذه القصيدة، فرسم لوحة تشكلية تفوح بعطر الاشواق للاخر الذي هو في عناق مستمر، وبالالوان راح يلون ما في النصف الوسطي من اللوحة ليبرز جسد المراة المتعانقة في وضع شبقي معروف، وجسمها اكثر اكتنازا باللحم .

ان وجه الرجل المعانق في اللوحة يعكس وجه الفنان فيصل لعيبي، هل هذه اللوحة تجسيد لحلم الفنان في ان يعيش في حالة عناق دائمي؟ اترك الاجابة للمتلقين .

ومن القصيدة ذاتها تناص الفنان لعيبي معها وانجز لوحة تفوح بعطر المنجز الاسلامي في فن العمارة .

فقد احاط الشابين المتعانقين، وهم في وضع ما، ببناء على الطراز الاسلامي، واحاطه بآيات قرانية تبدأ بالاية (بسم الله الرحمن الرحيم) ليؤكد الفنان ان ما يمارسونه من عمل هو محمي من القران والاسلام.

***

وقد تناص الفنان مع قصيدة للشاعر عزيزي اباظة (همسة حائرة) ولحنها الفنان محمد عبد الوهاب، في لوحة تفيض رقصا، تقول القصيدة:

"لم نعتنق والهوى يغري جوانحنا ... وقد تعانق روحـــــــانا وقلبـــانا"

***

ومن الشعر الشعبي تناص الفنان لعيبي مع كلمات اغنية كتبها الشاعر رياض النعماني بعنوان (بساتين البنفسج) في لوحة رسمها لعشيقان، وقد اثثها بوسائل التواصل (السلم) و برسول المحبين (حمامة)، وبالاجواء الرومانسية في ليل يظهر فيه هلال ونجمة، وعلامة العشاق الحسية (الوردة)، يقول فيها :

"بساتين البنفسج غفت بعيونج

وطاير بالشعر سرب الحمام

أنا مجنون .. أنا مجنون

انا مجنون وخذاني الهوى

واطوّح غرام ........ "

***

الفنان فيصل لعيبي استعار من الشعر ما يوصله الى رسم لوحة تشكيلية رائعة تقول اشياء واشياء للمتلقي، وتعيد نفسها وتولد دلالاتها ومعانيها مجددا كلما قرأها متلق اخر.

ويكرر الفنان الكثير من اثاث لوحاته فيما بينها جميعا، الا ان التكرار هذا ينضح ابداعا ودلالات ومعان متعددة، فاناء الفاكهة يتكرر في اغلب لوحاته وهو يحوي التفاح، ليكون موتيفة اساسية لها دلالتها الرمزية في اعطاء معنى الغواية، والوردة وما تمنحه من دلالات، والفراش – او ما يدل على الفراش – هو الاخر يتكرر بصورة ابداعية مثمرة، والسرير الخشبي الدال على ارستقراطية المرأة وترفها،وجسد المرأة المكتنز باللحم والعري ايضا يتكرر بوضعيات تبرز حالة الابداع التي تقدمها تخطيطات الفنان لعيبي .

وقد تناص الفنان في لوحات كثيرة مع قصائد عربية قديمة، وقصائد مغناة، وشعر عامي، فكان خطابه التشكيلي يعكس رؤيته لما يقرأه او يسمعه من شعر واغان، وقد قدمه في لوحات لم تكن الالوان من صفاتها الا القليل القليل لما يريد التركيز عليه.

واخيرا يقول بيكاسو: " بعد كل شيء، والفنون كلها واحدة، يمكن أن نكتب لوحة بالكلمات كما يمكن أن نرسم المشاعر في قصيدة ".

 

قراءة : داود سلمان الشويلي

 

 

 اسمها الحقيقي فاطمة محمد سليم علي الموصلي ولدت في استنبول عام 1927 وتوفت في بغداد عام 2008 عن عمر بلغ 81 سنة . وهي من عائلة كلها تمتهن الفن ابتداءا من والدها الحاج سليم الذي يعتبر من رواد الفن العراقي الحديث الى اخوتها جواد سليم ونزارسليم وسعاد سليم الذين ساهموا بشكل فعال في بناء الصرح الفني العراقي المعاصر .
كان لي الشرف ان اكون احد طلابها في معهد الفنون الجميلة عام 1968 حيث كانت تدرس مادة التصميم . وكانت رائعة ومثقفة ولديها طاقة عملية وفكرية واسعة، وكانت انيقة في حديثها وملبسها، وصوتها يكاد لا يسمع، ودائمة الابتسامة وبشوشة، وعندما تأتي الى الصف نراها تحمل على صدرها عددا من الكتب الفنية، ونتيجه لقصر قامتها فانها تلبس الكعب العالي وتمشي الهوينا ولهذا فبصرها دائما محدقا الى الارض خوفا من العثرة الغير متوقعة .. وهذا المشهد يذكرني ببيت من الشعر :

(الهوينا كان يمشي - - كان يمشي فوق رمشي) 

كانت اول امرأة عراقية جريئة تسافر الى اوربا لدراسة الفن في وقت كان المجتمع العراقي يوم ذاك منغلقا جدا على نفسه ولولا عائلتها الفنية المنفتحة لما استطاعت السفر وحدها الى الخارج .. ولم يكن الحظ يحالفها في الزواج طيلة حياتها . مما اعطاها فرصة كبيرة للعمل الفني والتدريس والقاء المحاظرات وحضور المؤتمرات والسفر الى الخارج . وكان جواد سليم استاذها ومعلمها في الرسم .    وقد درست في باريس في مدرسة البوزار على يد الفنان المعروف- فرناند ليجيه –Fernand Léger 1881- 1955 وقد عرف هذا الفنان باتجاهه التكعيبي حيث تأثر باعمال بيكاسو واخذ يستخدم الاشكال الهندسية وظهرت وجوه اشكاله دائرية ومسطحة احيانا وقد عملت له الحكومة الفرنسية متحفا خاصا يضم مجموعة ممتازة من اعماله في مدينة Biot . افتتح عام 1960.

 تخرجت نزيهه سليم عام 1951 وعادت الى العراق وعينت في معهد الفنون الجميلة . وكانت من اوائل الفنانات اللاتي ساهمن في الحركة التشكيلية العراقية التي بدأت تزدهر في الاربعينات والخمسينات ..

التقنية :

تأثرت باعمال جواد سليم من حيث التبسيط والحرية في الخط واللون والفرشة الطلقة والالوان الحارة وعدم الاهتمام بالتفاصيل .. وتذكرنا بحرية الفنان النرويجي مونخ في رسم اشكاله والوانة مع الفارق الكبير بينه وبينها، اي بين مؤسس المدرسة التعبيرية وتلميذ يتعلم ويقلد .

واحيانا نجد تلقائية وتبسيط وطفولة في اعمالها ولعل ذلك متأتي من دراستها وتخصصها في رسوم وتصميم الكتب ومسرح الاطفال في المانيا ..

والملاحظ ان عائلة محمد سليم قد حضيت برعاية خاصة من قبل العائلة الملكية حيث يذكر ان هناك اواصر صداقة ومصاهرة .. ولهذا نرى الزمالات الدراسية تغدق عليهم بكرم وسخاء دون تردد، فجواد سليم بعث مرتين الى الخارج وكذلك نزيهة ونزار سليم واحتلوا مناصب متقدمة في الفن والدولة .. ؟؟ اما الفنانين الذين عاشروا اواسط الستينات وما بعدها فقد عاشوا مأساة الاقصاء والحرمان نتيجة للنظام الحزبي والطائفي والاستبدادي مما اضطر البعص منهم الهجرة الى الخارج وهناك استطاعوا من تكوين انفسهم باصرار وتحدي ودموع غربة وبالتالي صنعوا من انفسهم فنانين ومثقفين احتلوا مراكز متقدمة في الخارج ..

اما مواضيع نزيهه سليم الفنية فقد تناولت الحياة اليومية العراقية من اعراس ومآتم والقرية والمدينة والفلاحين والقباب والمنائر البغدادية وكذلك رسمت المراة العراقية في الاهوار والحارات وغيرها من التقاليد الفلكلورية ... وكانت تجربتها الفنية مرتبطة بالفنانين العراقيين الرواد خاصة جواد سليم وكانت عضوا في جماعة بغداد للفن الحديث . ويذكر ان اعمالها كلها سرقت ولم يبقى منها سواى حوالي ستت اعمال .

ومن الفنانات العراقيات اللاتي عاصرن نزيهه سليم وبرزن وساهمن في حركة الفن العراقي نذكر بعضا منهن : وداد الاورفلي 1929، سعاد العطار 1942، ليلى العطار 1944، راجحة القدسي 1946، نهى الراضي 1941، سماء الاغا 1954، وغيرهن .. . الله يرحم الاموات ويسعد الاحياء .

 

د. كاظم شمهود

 

 

 

ملاحم الابداع الفني شهادة وذاكرة لكل العصورعبر تالقها وسط النجوم ومع كل اشراقة شمس حتى الزوال او الدهر اذ انها الذاكرة الحقيقية للاجيال وتاريخ لا يمكن التلاعب به او التشكك في حيثياتة لان بصماتة ليس فقط مطرزة بالالوان والخطوط والكتل والاحجام بل انها بصمات ضمير ومشاعر واحاسيس لايدركها الا الفنان ذاتة التي يجسدها عبر كل نبض من نبضاتة الشعورية واللاشعورية ولهذا لا يستطيع الناقد الفني من تفكيك تلك المشاعر والاحاسيس والافكار عبر خطوطة والوانة وكتلة المتناثرة على قطعة القماش الا انها محاولات من قبل هذا او ذاك من اجل الوصول الى تلك المشاعر الطوطمية وفك بعض رموزها الفنية وصولا الى المعاني والدلالات عبر الدال والمدلول والذي غالبا لا  يمكن التوافق على  دلالالتها المعرفية بقدر التقارب على مفاهيم  بسيطة لمفهوم الدلالة العامة والتي تحجم غالبا المكنون الذاتي للفنان كشرنقة النحل- كالالوان الحارة او الباردة او والخطوط المستقيمة او المتعرجة -او او او الخ ولهذا نجد الكثير من المبدعين يحاولون تمزيق تلك الشرنقةلغرض التنفيس عن تلك الثورة الهائجة للشعور واللاشعور والغاء المعاني والدلالات الضيقة للالوان والخطوط والكتل والاحجام وووووالخ

واذا ما اردنا التعرج على عنوان اللوحة للفنان المبدع حسام محسن فاننا نبقى عاجزين في التفسير والتحليل الضيق كعجز علماء النفس في تحليل الذات الداخلية للانسان عبر كل نظرياتهم المختلفة والتي لم تتوصل الى توافق في الرؤيا على الرغم من كل الابحاث التجريبة لتلك الذات المتغيرة بتغير ظروفها بدءا بتجارب فرويد وسكنر وبافلوف ووووالخ اذ كيف يمكننا هنا - ان نتوصل رؤيا نفسية او اجنماعية في تحليل - ضوء النفس- وهي ااضاءة نفسيةعن الراحل كاظم حيدر وكيف كان يصارع ويتحدى الموت القادم عاجلا وليس اجلا وكيف كان الفنان حسام محسن الذي يتعايش مع استاذة وهو يسمع صرخات الموت القادم ويسمع فيها دقات ونبضات القلب وهي تعزف لحنها الاخير حتى اصبح كقائد الاوكسترا يشعر ويقود تلك المعزوفة عبر كل نغم يتاتى صداة  من شهقة الموت للاستاذة وملهمة حتى تقاربت الارواح وانسجمت او تداخلت مع بعضها البعض كتناغم اصوات العصافير عند غروب الشمس ولهذا نقول نحن امام محاولة في -ضوء النفس- قد تعجز فيها الكلمات من التعبير عن تلك الارواح التي تجسدت عبر اللون والخط والكتلة  الا انها تبقى بصمات  فنية  تتجاوز فيها  ادوات الفن التشكيلي او الرسم ادواتة التعبيرية الى ادوات تجريدية موسيقية مفعمة  بالتناغم  الميلودي وصولا الى الروح ولهذانجد الالوان والخطوط والكتل المستخدمة في اللوحة تتراقص على الالحان والانغام لشهقات الموت ولهذا تقف الكلمات عاجزة كما تعجز الموسيقى من الوصول الى الروح وتطهيرها عبر انغامها التجريدية الاانها تصل في النهاية عبر التذوق الفني  ولهذا نحن امام محاولة  لجيل من المبدعين ومنهم- المتالق  الفنان حسام محسن-  الذي استمد من روح استاذة بصماتة الروحية قبل الفنية ولهذا  يخاطب جمهورة عن روح استاذة عبر شهقة الموت وباسلوب فني.

من بقف امام لوحة - ضوء النفس - وهو العنوان الذي اختارة الفنان في ذكرى رحيل استاذة  كاظم حيدر كانة يقف امام بركان ثائر من المشاعر والاحاسيس والافكار ولا يرى من ضوء النفس سوى تلك الخفقات النابضة التي يسمع صداها كنبضات القلب النازف بالجراح حتى تمتزج فيها المشاعر بالاحاسيس كامتزاج صوت الانين بالامل او السواد بالضياء اوالشروق بالغروب اذ انها عتمة الشتاء وانيين الالم واشراقة شمس مؤجلة، اذ انه الموت والامل والحياة وكل ما تحملة هذه الكلمات من معاني ودلالات عن صراع الروح مع الجسد  ولهذا كان اللون الاسود هو العنوان الرئيسي للوحة والذي حولة الفنان حسام الى اشكال هلامية مجردة نستطيع من خلالها ان ندرك كمية المعاناة التي كان يعيشها الفنان الراحل وصراعاتة مع الموت والتي شكلها الفنان حسام بشكل ابداعي عبر اشكال هلامية سوداء او زوقاء كادنة في مقدمة اللوحة او الواجهة الحقيقية لتلك الصراعات التي كانت تسيطر في حياة الراحل الكبير اذ انه جريان الدم المتدفق عبر صرخات وانيين نسمع صداه عبر اللون الاحمر المتدفق والتي ترجمها الفنان بشكل فني  وابداعي عبر جريانة من تلك الاشكال الهلامية ويستمر ذالك الجريان حتى يلامس الارض او نهاية اللوحة عند منتصها وبنفس الوقت ان الراحل لم يستسلم لهذا النزيف المتدفق بل كان يواجهة بكل قوة وشراسة عبر تعبير جميل من الفنان حسام الذي ر مز له بالون الابيض مع بعض الضربات لدرجات اللون الاصفر فتارة نجدها مواجهة قوية وشرسة كتلك المواجهة ما بين النهر المتدفق بالجراح واذرع الفارس المنفتض والمواجهة الشرسة لايقاف ذالك النزف بعد ان انهكتة تلك المواجهة عبر تلك الضربات اللونية لدرجات اللون الاصفر كدلالالة تعبيرية عن الجراح التي تنزف من الديناصور الكبير الذي كان يتحدى تلك الجراح وهو واقفا او متحديا او مخاطبا لروحة ولم يكتفي الفنان حسام بذالك التعبير للون الابيض فحسب بل جعلة الخلفية عبر ضرباتة التي  لكل تلك العتمة التي تسيطر على اللوحة مضيفا لها ضربات من اللون الاخضر والازرق لتعزيز قوة المواجهة للراحل وعدم الاستسلام لشهقة الموت عبر تلك الاشكال الهلامية المختلفة والتي تحمل في مضمونها ودلالاتها الكثير من المعاني والدلالات للمتذوق الفني

اذ قدم  الفنان حسام محسن ملحمة تراجيدية عبرنغمات اللون والكتلة والخطوط ليضعنا امام دراسة وتحليل للذات الانسانية للراحل الكبير كاظم حيدر ومعاناتة مع المرض تلك المعاناة التي لا يدركها الا من تشبع بروح الراحل فكراومنهجا وابداعا وتالقا او تمازج الارواح او روح فارقت الجسد واخرى تستذكره بابداع فني عبر لوحة فنية نختلف في عنوانها ولا نصل الى معانيها الدقيقة لانها ابداع من الروح وليس من الجسد والمشاعر والافكار فقط ومن هنا يكمن السر او الاسرار التي تحملها لوحة- ضوء النفس-

شكرا للمبدع حسام مجسن وشكرا لاستذكار معلمة وملهمة  الراحل حيدر كاظم

 

     د. طارق المالكي

 

 

 

 

khadom shamhodمن المعروف ان رواية دون كيخوته للمؤلف ميغيل ثربانتس 1547-1616 تعتبر محط انظار واعجاب العالم وهي من الروايات العالمية والتي نالت شهرة في اواسط القرن السابع عشر والى اليوم . وكانت عظمة ثربانتس تتجسد في فلسفة هذه الرواية التي لم يعرفها ويحللها الاقدمون وانما اتخذوها رواية للضحك والتسلية . حيث ان الشخصيتين في الرواية وهما دون كيخوته وصديقه سانجو، هما في حقيقة الامر تمثلان شخصية واحدة بمعنى ان في داخل كل انسان هاتان الشخصيتان معا اي الانسان الحالم والخيالي والمتهور احيانا ثم الشخصية الواقعية التي تنظر للامور بمنظور عقلاني ..

 تتألف الرواية من جزئين الاول ظهر سنة 1605 والثاني سنة 1615و قد ترجمت الى اللغات الاوربية بعد حوالي 35 سنة من ظهورها واما العالم العربي فقد جائت ترجمتها لاول مرة في اواسط القرن العشرين وبالتحديد عام 1947 .

 

الرسامون الاوائل:

كان الرسامون الفرنسيون هم اول من بدأ في تزويق الكيخوته . ففي سنة 1650-1652 ظهرت لاول مرة الرواية مترجمة الى الفرنسية ومزوقة بمجموعة من رسوم الحفر –كرافيك-. وهي اول محاولة لتجسيد شخصيات الرواية ونقلها من عالم الخيال الى عالم المحسوس بعد ما كان القارئ يعيش في تصورات خيالية مبهمة، اما رسام الرواية فهو مجهول . وفي سنة 1657 ظهرت الرواية مترجمة الى اللغة الهولندية ومزوقة ب 24 تصويرة منفذة بطريقة الحفر، ويعتقد ان الرسام هو خاكوب سافري Jacob Savry (ربما يعقوب صبري) . كما ظهرت الرواية في انكلترا مترجمة الى الانكليزية عام 1687 مع 16 تصويرة حفر مع غلافها ولم يذكر احد من المؤرخين عن صاحب الرسوم . . وفي اسبانيا ظهر رسامان من اصل ايطالي كانا يرسمان خصيصا للبلاط الملكي وهما دومينغو مارية ساني، وآندري بروكاكثيني Andre Procaccini 1671-1734، Doménico María Sani 1690-1772 وقد رسما مجموعة من مشاهد الرواية على السجاد والبسط والكارتون والتي تعلق على الجدران .. اما الرسام الاسباني خوسيه خيمينث الراندا .

José Jiménez 1837- 1903 فيعتبر من اعظم الرسامين الذين تخصصوا في رسم وتزويق الرواية، حيث يذكر انه كان يرسم فيها منذ شبابه الى شيخوخته وقد نفذ 689 تصويرة بالمائيات بمناسبة مرور 300 سنة على ظهور الرواية.

اما الذين نالوا شهرة عالمية من رسامي الرواية فهم : كارلوس كوبيل 1694-1752 Chales Coybel . هونوري فراكونارد 1732-1806 Honoré Fragonard . غوستابو دوري 1832- 1883 Gustavo Dore . هونوري دومير 1808-1879 Honoré Daumier .

و كل هؤلاء من عظماء الفنانين الفرنسيين .. كما رسم الرواية غويا ودالي وبيكاسو وغيرهم ..

 

لماذا تأخرت ترجمة الرواية الى العربية ؟؟ :

1 - يذكر بعض المحللين ان شخصية دون كيخوتة والتي تمثل الفروسية المجنونة هي في حقيقة الامر موجودة في التراث الادبي العربي منذ قرون سبقت رواية ثربانتس حيث نجدها مجسدة بشخصيات الصعاليك والبهاليل وذكر الدكتور شوقي ضيف في كتابه (العصر الجاهلي) نبذه تاريخية عن حياة الصعاليك المتمردين على قبائلهم وكانوا منهم الشعراء والشجعان وكان شعرهم يردد صيحات الجوع والحرمان وكانوا ضد الاغنياء ومناصرة الفقراء .. واشتهر منهم تأبط شرا، وحاجز الازدي وقيس الحدادية .. وفي العصر العباسي كان هناك بعض البهاليل منهم ابو وهب البهلول بن عمر الصيرفي الكوفي 197هج /- 810 مي – وهو من مشاهير عقلاء المجانين حيث له اخبار ونوادر وشعر ويقال ان الرشيد استقدمه ليسمع كلامه . كما يقال انه كان من صحابة الامام موسى الكاظم –ع- وانه تظاهرة بالجنون لينقذ نفسه من اوامر صدرت بقتله من قبل هارون الرشيد .. ولهذا فان رواية دون كيخوته ليس جديدة على الادب العربي .

2 – يذكر ان اول ترجمة ظهرت كاملة لرواية الكيخوتة كانت سنة 1947 ثم عملت ترجمة اخرى بين سنوات 1951و 1966 في المغرب من قبل الكاتب تهامي الوزاني ولكنها لم تطبع لظروف لا نعرفها وقد نشرت بعض فصولها في جريدة- الريف- التي يشرف عليها الوزاني. وفي عام 1956 صدرت ترجمة اخرى في القاهرة . وفي سنة 1965 ترجمت اخرى من قبل الاستاذ عبد الرحمن بدوي . وكان آخر الترجمات عام 2002 من قبل الاستاذين المغتربين الاسبانيين الثقافة والدراسة هما سلمان العطار ورأفت عطفي .

 

تأثيرات الثقافة العربية على رواية كيخوته:

احد الاخوة الادباء العراقيين عمل اطروحته الدكتوراه حول رواية دون كيخوته وهو الاخ محسن الرملي وذكر ان الراوي هو شخصية عربية وهو سيدي حامد كما هناك 220 كلمة من اصل عربي و35 شخصية ذات خلفية ثقافية اسلامية وعشرات الامثال العربية . وكان ثربانتس قبل كتابة الرواية مسجونا في الجزائر لمدة حوالي 5 سنوات كان لها الاثر الكبير في ثقافته وحياته . من ناحية اخرى ان شخصية دون كيخوت تشبه بصفاتها الفروسية العربية من حيث مساعد الفقراء والدفاع عن المظلومين والمحرومين بينما الفروسية في الغرب خلقت للدفاع عن سلطة الملك والاغنياء . كما كتب تربانتس عدد من المسرحيات لها اسماء عربية منها - حمامات الجزائر- و-السلطانة الكبيرة - وغيرها . ولهذا نجد ان بصمات الثقافة العربية ظاهرة على ادب ثربانتس .

  

mohamad husanaldaghstaniشهد منتصف القرن الماضي تغييرات حاسمة هزّت البنى الحضارية للمجتمع العراقي وأشعلت حماس الشعراء والأدباء والفنانين الشباب بإتجاه ترجمة تطلعاتهم الحداثية وإزالة العوائق الفكرية، وتخطي التراكمات الثقيلة للكلاسكية المهيمنة على المشهد الإبداعي، الآفلة شمسها، والسعي لتغيير الأدوات والأساليب البالية في الفنون والثقافة للحاق بركب التغيير وإحلال بدائل حديثة تمتزج فيها المنجزات الغربية مع الخصوصيات القومية والوطنية العراقية المحلية .

في خضم هذا الطقس المشحون بالعواصف طرح الراحل محمود العبيدي الفنان التشكيلي والنحات نفسه مع زميليه سنان سعيد وصديق أحمد على الساحة الفنية عبر تأسيس جماعة فناني كركوك عام 1952 وذلك بهدف التصدي لمهمة حضارية كبيرة في ظل تحفظ التقليديين ومعارضتهم الشديدة التفاعل مع المتغييرات القادمة .

لقد كان المنطق يفرض أن يتسلح الفنان او المثقف بعمق فكري يؤهله قيادة الإتجاهات أو على الأقل تحييده، وإستقطاب رضا المتلقي وضمان تفاعله مع الأفكار الجديدة والأطر غير المعهودة في الرسم والنحت وحتى الشعر، وتلك كانت المعضلة الحقيقية التي أقحم الراحل الكبير العبيدي نفسه ورفيقيه في أتونها عندما بادروا الى تأسيس الجماعة والتي لا يمكن لأي دارس أو ناقد تجاهل الإنعكاسات المباشرة لتشكيل (جماعة بغداد للفن الحديث) التي كان الفنان القدير الراحل جواد سليم عرابها قبل تأسيس جماعة كركوك بسنة واحدة فقط .

ولعل التحدي الكبير الذي واجه العبيدي بل وجماعة كركوك كان يكمن في غياب المنظور الفكري الذي كان يجب أن يؤطر أعمالهم الإبداعية والذي بدا أنه غير واضح بما فيه الكفاية، وهذه حقيقة يؤكدها أحد أقطاب الجماعة المتمثل بالدكتور سنان سعيد الذي أشار في حديث له إلى أنها (إندفعت نحو إنشاء حركة فنية تتجاوز المحلية الرتيبة لكن دون الإرتباط بوثيقة نظرية وبرنامج عمل مدون، إلاَ أنهم إلتقوا وإتفقوا في الموقف من العمل الفني وإنتهجوا الواقعية بالإتجاه الى الحياة والطبيعة والعناية بالعالم المرئي وإستلهام المواضيع من واقع المجتمع، ونبذ محاكاة الطبيعة والأشخاص بصيغة النقل الفوتوغرافي الجامد، الذي كان متبعاً في العراق لفترة طويلة من الزمن ) وهذا ما جسده نتاج محمود العبيدي في المعرض الأول الذي أقيم عام 1954 في كركوك بإسم (معرض أصدقاء الفن) . لكن السمات الغالبة على لوحات المعرض أوحت أيضاً بالتأثير المباشر للبيان الأول الذي أصدره جماعة بغداد للفن الحديث والذي كتب نصه الراحل جواد سليم، مؤكدا ً فيه على حرية التعبير لدى الفنان والعمل على فهم العمل الفني على أساس كونه (وحدة متكاملة) ما بين الفنان والجمهور، وتجسيد فكرته عن الجمع بين الأسلوب الفني الحديث وبين إستلهام الفن العراقي القديم والفن الإسلامي)، من هذا المنطلق فقد يكون محمود العبيدي قد وجد مبتغاه في هذا البيان وفي معطيات الحركة النهضوية لفناني بغداد بإعتبار الساحة الإبداعية الفنية للمحافظات كانت تشكل إمتدادا ًطبيعياً لبغداد العاصمة، إنطلاقاً من مبدأ وحدة المشهد الفني الوطني العراقي ككل .

وبنظرة فاحصة الى نتاجات محمود العبيدي سواء في الرسم او النحت فإننا نلمس بوضوح البصمات التي تركها أساتذته في الفن على أعماله الفنية، عندما كان طالبا في دار المعلمين في بغداد أربعينيات القرن الماضي، حافظ الدروبي، جواد سليم، وخالد الرحال، هذا التأثير الذي يبدو جليـّا ً في توهج روح التمرد لديه على الأساليب القديمة، والنزوع الى التغيير، والتغلغل في أعماق المدينة وحياة ناسها دون تجاهل الغنى الحضاري للجذور الذي أسبغ الحيوية على هذه النتاجات، لقد أضفت هذه المفاهيم على نتاجاته واعماله الفنية طابعا ً مميزاً لعطائه الثر، عليه فإنه يمكن الجزم بأنه هيأ مساراً مستقبلياً واعداً، وقوة دفع ذات تقنية حية مع ميلٍ شديد بالفطرة الى إستخدام محددات المدرسة الواقعية في طرح إنحيازه الأكاديمي، وحسه الشعبي المترع بالبساطة والصرامة معاً و التي كان دفق الحياة تطل بين فجواتها، وهذا ما كان يؤكد نهجه حتى في مؤلفاته أو مع طلبته أو زملائه الفنانين .

ومثلما لم تكن بعض لوحات العبيدي بعيدة عن التوظيف التركيبي أو الهندسي وخاصة في لوحات (الحمالون) و(بائع الملح) و(منظر من القرية ) وغيرها إلاَ أنها كانت تشي بتوتر داخلي ينمو بإتجاه تركيز الإنتباه البصري إليها، لقد كانت قدرة هذا الفنان الرائد الذي إحتلّ بجدارة مكانة بارزة في الحياة الفنية لمدينة كركوك على إمتداد النصف الثاني من القرن الماضي، فذ ّة ومعبـّرة وجديرة بالمتابعة والتسجيل .وهذا يدلل على نزوعه الى الطبيعة عبر لوحاته، هذا النزوع الذي جاء نتيجة طبيعية للتأثيرات التي أحاطت به ففجرت فيه رؤواه الإبداعية الكامنة وعواطفه الفائضة ومشاعره الذاتية وتجاربه في حس حاد وعناق حميم بين حاستي البصر واللمس ليمارس تأثيره في الصورة وتحقيق الصدمة الحضارية في أوساط الفلاحين والمزارعين البسطاء من خلال أعماله التشكيلية في معرض له في قرية بشير عام 1948 .

إذا ً لقد إستخدم العبيدي ملامح الحياة في القر ية في عملية التجريب المستمرة، وكما يقول الكاتب الصحفي أحمد محمد كركوكلي في مقالته الموسومة (محمود العبيدي في ذاكرة الفن العراقي) بهذا الصدد ( إنه إستلهم الطبيعة الخلابة وحركة الناس في الحقول ومواقع العمل، جسدها بفرشاته في لوحات جميلة بألوان هادئة وضعها في أطر إنطباعية وواقعية وتعبيرية ) أي إنه إنحاز تماماً الى جذوره الأصيلة والى الناس الذين إنحدر منهم وأحبهم فحاول أن يجسد واقعهم وتطلعاتهم وآمالهم بالفرشاة واللون .

وفي النحت فقد أفلح العبيدي أن يروض الحجر والموزائيك في كم ٍ كبير من الأعمال المميزة بإتجاه مزج دلالات التأريخ العريق للفكر العربي والإسلامي مع معطيات الحاضر النابض بروح التغيير والتطلع الى الحداثة، فكانت تماثيل الشاعر أبو علاء المعري والفيلسوف الكندي وفيما بعد تمثال الجندي والجداريات الضخمة التي زينت معالم مدينة كركوك الأثرية والحضارية والساحات في عدد من المحافظات العراقية، تعبير عملي عن فيض من الموهبة التلقائية التي كان العبيدي يتحلى بها والتي كانت مبعث جدلية متواصلة بينها وبين المدلولات والمفاهيم التقنية والإنتاجية القصدية التي يرنو الى ترجمته عبر الفرشاة او الأزميل .

إن الناقد يلحظ تماماً حرص العبيدي على تقليص المساحات الفسيحة بين المقاييس الطبيعية في أعماله النحتية وبين الرؤية الفنية التي لم تكن أحياناً تتطابق مع المفاهيم السائدة للمتلقي المعتاد على أسلوب النقل المتماثل والصيغ الجاهزة، مع أنه كان يطالب طلابه وزملائه الآخرين بإحترام هذه الضوابط الحرفية سواء ً في الرسم أو النحت، ويمكن العودة بهذا الصدد الى مؤلفاته التعليمية المطبوعة (فن الرسم)، (كيف تصنع المجسمات؟)، (الأشغال اليدوية)، (الحفر على الخشب ..) في الوقت الذي كان فيه ينأى بنفسه أحيانا ًعن التقيد بها، وهذا المعنى بالضبط كان قد قصده من قبله الفنان بيكاسو عندما أشار الى حرية الفنان في التعبير والإبداع بعيداً عن العوائق والقيود المسبقة فقال : أنه ليس ثمة فن أكاديمي قوي وقادر على تهديم العوائق، فرفع العوائق لا تكفي ولا يخدم غرضاً سوى جعل الأشياء عديمة الشخصية، عديمة العمود الفقري، عديمة الشكل، عديمة المعنى، صفرا ً !، إلاّ أن هذه الملاحظة التي قد تبدو مجحفة نوعاً ما يجب أن لا تقلل من القيم الجمالية والفنية، ولا تمس بفرادة النماذج التي أنتجها أنامل هذا الفنان الرصين والمتألق .

لقد نجح العبيدي في فرض وإقامة توتر ٍ نفسي مشحون بطاقة تعبيرية في غاية النضوج بحيث حّول الفكرة المجردة والأشكال النابعة من المنحنيات والمستقيمات الى شئ ٍ أشبه بالمفردة الشعرية المبهرة، مفردة إستجابت ليد ٍ فنان بعثر دواخله الكامنة على الحجر الأصم فأحاله الى ميدان حياة مفعمة بالمعاني الغنية .

وفي المراحل اللاحقة لحياته الفنية الحافلة، خاض العبيدي في تسعينيات القرن الماضي، معترك الإحتراف الفعلي لإسلوب الرسم على السيراميك بعد أن طـّور ادواته الفنية ووسائله التصنيعية والإنتاجية في مرسمه الذي إحتل جزءاً كبيرا من منزله، وقد هيأ هذا النزوع لفرص إنتاج كم ٍ كبير من اللوحات والجداريات، والتي كنت آنذاك أشعر أن بعضها قد تفتقر الى حد ٍ ما الى المنظور الجمالي والفني، وقد دافع عن ذلك في نقاش مباشر لي معه عن ذلك، وفسّر ملاحظتي بالتأكيد على أن الفنان يجب أن لا يطمئن الى مستوى إنجازاته اليومية لكي لا يراوح ويقف في مكانه، وأنه لا يتفق معي في ملاحظتي ذلك لأنه يرى أن وظيفة الفنان لا تقتصر على نقل مظاهر الحياة من حوله بالشكل الذي يتماثل مع عدسة المصور الفوتوغرافي وإلاّ فأنه يفقد شخصيته الفنية، ويضّيع ديناميكية أسلوبه الخاص !

لقد كان محمود العبيدي مخلصاً لفنه وأدواته التعبيرية ومدرسته، وكان طيلة حياته التي توقفت في العام 2008، منجماً دافقاً لسيل من التراكمات الفنية ذات الإستجابات المتباينة، منجماً أضاف الى رصيده الكثير، وصنع من لوحاته ومنحوتاته وجدارياته إرثاً يجمع بحميمية بين القصد المسبق وبين التلقائية والعفوية الفائقة، النابضة بعبق الماضي والمتطلعة الى المستقبل المفعم بالأمل، فأغنى بأعماله الحركة الفنية الوطنية والمحلية الى يومنا هذا .

 

صرخة وطن ام صرخة فنان- د صبيح كلش يخاطب الضمير الانساني بفرشاتة: انه يوم دامي جديد

 المدخل

اتفرد الفنان المتالق د صبيح كلش على الصرخات المدوية لشلالات الدم في العراق حتى جفت فرشاتة المعطرة بدماء الشهداء ليرسم لتا عالم دموي يتجاوز فية عالم الفنتازيا والخيال والتخيل وكل الاساطير المسموعة والمكتوبة عن مفهوم حكاية الموت والدمار والابادة الجماعية بفعل الرجس لذي حل في بلاد الرافدين بلد الحضارة والرقي والتطور وبلد ادم والانبياء والصالحين - لا يختلف عن رجس اسطورة اوديب ومدينة طيبة الا في طبيعة الاسطورة وبنائها التراجيدي -لهذا كانت ملاحمة الفنية مستلة من الواقع اليومي وخكايات الموت والتي خطها بهياكل بشرية مطرزة بالوان الدم العراقي حتى اختقت فية حرارة الدم وصبغتة عبر الشلالات المتدفقة ومسارها اللامتناهي حتى تكاد ان تعانق صبغة السماء و تفتح فية بابا من ابواب الفردوس الابدي بعد ان اغلقت امامها كل ابواب الارض انطلاقا من ان موضوعة الفن هي الحياة بكل اشكالها المختلفة التي تسيطر على الفنان باعتبارة حاملا وناقلا للعلاقات الجمالية عبر مفهوم التاؤم بين الفن والجمال ولهذا ياتي مانسمية بالقبح او البشاعة او الموت وووووالخ اي بكل ما تحملة االمعاني والدلالات لهذه الكلمات عبر تصوير جمالي قد يصل الى مفهوم الجليل وليس الجمال لان الجمال ياتي من الشعور بالحب اما الجليل فانة ياتي من الشعور بالخوف عبر توافق العقل مع المخيلة- انة يوم دامي جديد- هكذا هو العنوان الذي اختارة الفنان د كلش ليصف لنا فيها يوما من تلك االملحمة الدموية او الملاحم التي مرت وتمر في بلد السواد حتى بكت فيها الاموات قبل الاحياء والايتام قبل الارامل والمشاعر قبل الدموع بعدما اختلطت وامتزجت فيها الهايكل بالحوم البشرية واحترقت فيها الجماجم وامتزجت بها الارواح بالاجناس ولم يبقى منها سوى رائحة ودخان الموت االذي اخذ يسري في الاجساد الحية التي تنتظر لحظة الفناء عبر حزام ناسف او مفخخة او نحر او اي وسيلة من وسائل ملحمة الموت الجماعي وحكايات الموت القادم اذ انها حكايات تتجاوز فيها لذة الجمال بلذة الجليل والشعور بالحب كالشعور بالخوف اذ

اذ انها صرخة ولوعة وبكاء فنان يعبر فيها عن صرخة وطن ياءن فية الاحياء والاموات على حد سواء ولا يسمع لهذا الانيين والصراخ منذ اكثرمن عقد من الزمن وكاءن العالم الانساني عالم من الصم والبكم ماتت في الضمائر والانسانية واصبحت فيها المصالح تجارة بالاعضاء ومزايدات في الاسعارعن فصيلة الدم النقي عن غيرة عبر اساليب القتل والنحر وفنون والدمار وتحت شعار اسلاموي ل غرض ابادة الجنس السومري والاكدي واحفاد حضارة قبل اكثر من6000 ق م والا لم تم تدمير هذا الارث التاريخي وكبف تم سرقة ما تبقى منة ومن هي تلك الجهات وما هي شعاراتها المعروفة للقاصي والداني اذ انها دراكولا العصر الجديد او دراكولا العصر وبثوب اسلاموي

 135-sabihkhalash

 الفنان د صبيح كلش وادواتة التعبيرية

بعيدا عن الاهداف الاساسية لكافة الاتجاهات والمدارس الفنية المختلفة الا ان الفنان يبقى جزء من الواقع يؤثر ويتاثر به والا كيف يمكن ان يكون رسولا للجمال والوعي والادراك هو بعيدا عن ابناء جنسة لان الفن حسب راي سارتر - هو الكشف عن الحرية - حيث تلعب فية الارادة الواعية دورا مهما ولهذا يكون الموضوع الجمالي غير تلقائي في الابداع ولا واقعي بالمعنى الحرفي للواقع ولهذا تكون الموضوعة الفنية وجماليتها تنطلق من مبدا الارضاء دون سابق فكرة او صورة ذهنية كما يراها الفيلسوف كانط اي بمعنى ان الفنان قد اعارنا عينية للنظر للعالم وما يدور حولنا حسب راي الفيلسوف شوبنهور ما كيف يوظف هذه الاتجاهات في خدمة الجمال والوعي والادراك فهذا ما عودنا علية الفنان د كلش عبر لوحاتة الفنية المختلفة التي مزج فيها بين الجميل والجليل حتى اصبحت تلك اللوحات اجناس مقدسة نتاملها كما نتامل اي جنس مقدس في التفسير والتحليل والاجتهاد وقد يختلف معنا الراي الاخر في التعبير والاجتهاد عن مفهوم الجمال والجليل والابداع الا انه لا يختلف معنا في مفهوم التقديس لتلك الملاحم الفنية التي جسدها د كلش عبر الفرشاة والالوان حتى اصبحت مدارس واتجاهات في مفهوم جديد ومتطورلايختلف عن الاجتهاد والتحليل في اي جنس مقدس بعيدا عن الخطوط الحمراء الكلاسيكية التي حجمت دور الفنان وادواتة التعبيرية بفعل هذا الاتجاة او تلك المدرسة وخطوطها الحمراء- اذ المتامل والمتذوق وغير المتذوق للفن التشكيلي عندما يقف امام لوحة-يوم دامي جديد -د صبيح كلش ينتابة الخوف والهلع والالم والسؤال والتساءل وكانة امام ملحمة لابادة جماعية او حكاية من حكايات الموت عبر تفجير هائل لا يختلف عن قمبرة هيروشيما الا انها بثوب جديد حيث تختلط فيها الاسماء بالمسميات والاعمار بالاجناس ولم نرى من هذا الجنس البشري سوى حكاية رومانسية سوداء نعيشها ونتعايش معها ونتحدث عن جماليتها وباسلوب دراماتيكي وهي جمالية الموت والابادة البشرية حتى تختلط فيها مشاعر المشاهد ما بين الالم والفجيعة والصرخة والاستنكار والبحث بين الموحودات عن الهياكل والجماحم المتبقية والتي لم تتفحم بعد -اذ ان اول ما يجلب المشاهد هي الكتلة الوسطية للوحة والتي قسمها الفنان عبر خط الوسط الى كتلتين متداخلتين احدهما تنزل الى اعماق الارض بينما الاخرى تحاول الوصول الى السماء حتى ان بعض اجزاءها تلامس السماء ومن هنا تكمن القيمة الاساسية في التعبير اذ اراد الفنان هنا ان يقول للمشاهد ان قوة التفجير والجريمة اللاانسانية قد جعلت الاشلاء البشرية تتطاير في السماء او تغوص في الارض اي انه الفناء بل ان الاجساد المحترقة التي غاصت في الارض لم يبقى منها سوى فحمها وليس رمادها كما هو معروف عند حرق الجثث وهنا استطاع الفنان التميز ما بين رماد الجثث وفناءها المتفحم ومما زاد من قوة هذا التعبير هو اختيار الفنان اللون الاسود اذ ان اللون هنا يحمل معنى ودلالالة واضحة بعيدا عن المعاني والدلالات الخاصة باللون الاسود بل انها صرخة انسانية ومعنى ودلالالة فنية عن تحول تلك المتفحمةالاشلاء البشرية الى عتمة بصرية لاتستطيع من خلالها التميز بين الاشلاء لانها احترقت ولم يبقى منها سوى دخانها الذي يحفر بين طبقات الارض للهروب من هذا العالم المتوحش بعد انصهرت اشكالها كما تنصهر المعادن وتتحول من شكل الى شكل اخر ومما زاد من قوة التعبير في عملية الانصهار لهذه الكتل البشرية طبيعة الالوان المستخدمة والتي لا تختلف عن الالوان التي تبرز عند عملية الانصهار في المعادن- الالوان الصفراء المحمرة-مع بعض الضربات لدرجات اللون الازوق لغرض التاكيد على ان عملية الانصهار لا تعتمد على عنصر واحد فقط- اي جنس بشري واحد بل نختلف الاجناس والاعمار ومما زاد من قيمة هذه الدلالالة شكل الطفلة التي يذوب جسدها بيت احضان اسرتها الذائبة وينصهر جسدها كي يلامس الارض بحراوتهاالمتدفقة واشلالها الذائبة

اما الجزء العلوي لتلك الكتلة الوسطية التي تشكل عنوان اللوحة فانها مقسمة الى عدة طبقات اذ ان الطبقة المرتبطة بالطبقة السفلى فانها تمثل اشكال بشرية هلامية لا تختلف عن اشكال الفراعنة بعد الموت الا انها لاتزال تنصهر بحكم فعل عامل الانصار- وتعبيرية اللون الاحمر-الذي يحيط بها اما الجزء الاخرعلى يمين ويسار اللوحة فقد انصهر ولم يبقى منه سوى اثار الاحتراق والانصهار الا ان بعضة يهبط الى الارض والبعض الاخر يتصاعد بلهيبة الى السماء حتى ان بعض الاشلاء تتطاير كتطاير بقايا الاوراق المحترقة اثناء عملية الاحتراق- وومما يزيد من ابداع الفنان وتالقة في تجسيد هذه الملحمة الرومانسية السوداء - حكاية الموت -هي حمامة السلام البيضاء التي وضعها الفنان فوق الجثث وهي تنوح بانينها وحزنها بعدما فقدت بعض من ريشاتها من شدة الالم والحزن من هذه الحكاية المؤلمة- وهي رسالة يوجها الفنان الى الضمير العالمي

-انقذوا حمامة السلام من الاسلام المزيف ومن يدعون الاسلام زورا وبهتان داعش واخواتهااذ ان اليوم حمامة السلام تنوح في هديلها وغدا ستفقد صوتها وتصبح كالغراب الذي يحكي قصة الموت لقابيل وهابيل

 

د. طارق المالكي

 

khadom shamhodيذكر الاستاذ الفنان العراقي اسماعيل الشيخلي في مجلة المثقف العربي 1971 (اننا نمر في فترة فيض، كثر فيها التشتت وكثرة الاسماء والاعمال والاجتهادات والتناقضات ...) ويقول جبرا ابراهيم جبرا- 1971- (العمل الرديئ لا يمكن ان يحتمل ويجب ان يقال لصاحبه عملك رديئ، عليك ان تجهد كثيرا وتدرس طويلا، وتنظر مليا وتحاسب نفسك، حسابا عسيرا، وقبل ان تعرض علينا اعمالك ...)

اليوم نشهد ظاهرة غير مسبوقة في كثرة الفنانين والادباء؟ وهي ظاهرة نجدها في بعض الدول من عالمنا العربي وخاصة في العراق .. وقد عاشتها الدول الغربية في اواسط القرن التاسع عشر عندما ظهرت الرومانسية في الادب والفن ثم توجتها المدرسة التأثيرية سنة 1874 .. ويبدو ان عالمنا العربي شعر اليوم بانه متأخرا اكثر من قرن عن الغرب (صح النوم) فاخذ الادباء يقلدون بكتاباتهم بودلير 1821 واخذ الرسامون يقلدون ديلاكروا 1798 ومونيه 1840 ثم جاءت الحداثة وهرع اليها من هب ودب تحت معطف بيكاسو وميرو وتابيس؟

(لما رأيت الجهل في الناس فاشيا - تجاهلت حتى قيل اني جاهل) المعري /

1138-khadom1

ظاهرة الانا:

يذكر النقاد ان التذوق له مسارين، تذوق خاص فطري ينفرد به الانسان في عمله ويحكم به على ما يراه او يقرأه، وهناك تذوق ثقافي يعتمد على ثقافة الانسان المشاهد وتجربته وعمقه ومعرفته بتاريخ التيارات والمذاهب الفنية والادبية .. ولكن الذي نراه اليوم ان هناك حملة تسخيف ومج متعمد للذوق والتذوق الفني.. ويبدو ان مفهوم الديمقراطية انعكس سلبا على الفن كما هو في السياسة، وقد ترجمت في عالمنا بالغلط .. فكل من ملك ورقة وقلم وفرشاة ادعى انه اديب او فنان – الانا -

(يجب ان يقال لصاحبه عملك رديئ عليك ان تجهد كثيرا وتدرس طويلا ..)

واصبح من السهل اليوم عرض الاعمال في مواقع التواصل الاجتماعي وعمل مقابلات في محطات التلفزة ومواقع الفيدوهات والافلام . وبالتالي اصبح كل من لديه رغبة وحب للفن ان يشرع بالرسم ويعرض . وهذا ايضا انساق الى الادب والشعر . فنشاهد اليوم ظاهرة كتابة الجمل القصيرة المبعثرة (بودليرية) واحيانا يتكرم علينا صاحبها بكلمتين خالية من المعنى والايقاع ؟؟ وتنشر هذه في مواقع التواصل الاجتماعي، ويريد من المشاهد او القارئ ان يزكيها ويضع له كلمة – لايك- ؟؟؟(ما شاء الله)

(اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ....)  ونتيجة للسرقة الغير مشروعة لاموال الدولة والناس، اصبح من السهل انشاء الصحف والمحطات التفزيونية والفضائية والمواقع الالكترونية وشراء الذمم والاخلاق وحتى الدين ؟؟؟ واصبح هناك تكتلات في الفن وتكتلات في الادب ويعتبرون انفسهم واجهة البلد . لهذا انا اعتقد ان على الجميع ان يقيموا انفسهم ويحاسبوها .(رحم الله أمرأء عرف قدر نفسه) وان يقارنوا انفسهم بالرواد اصحاب المدارس الفنية والمخترعين والمستكشفين والعلماء الذين خدموا الانسانية (فاين الثرى من الثرية) ..

 

عودة قليلة الى التاريخ:

1138-khadom2الفن الاسلامي كان ظاهرة فريدة في العالم امتدت اكثر من عشرة قرون فكان فن عام غير شخصي اشتركت في تكوينه امم وشعوب مختلفة الثقافات والقوميات واللغات والعادات والتقاليد.، ولها موروثها الحضاري والفني العريق . كالامة العربية والامة الفارسية والهندية والتركية والمغولية والمغربية الاندلسية وغيرها .. فالفنان المسلم في أي بلد من بلدان العالم الاسلامي لا يعمل على ان يعبر تعبيراً خاصاً يميزه عن غيره من الفنانين . وانما نراه في كثير من الاحيان يتبع الطرق القديمة ويسير على الاساليب الفنية الموروثة . فالفنان الماهر يومذاك هو الذي يفوق غيره في عملية أتقان الرسوم او الزخرفة الفنية،. لهذا لم يهتم الفنانون المسلمون الاوائل كثيرا في وضع أسمائهم على أعمالهم .

وفي الادب نجد اخوان الصفا كتبوا حوالي 50 رسالة (يعني50 كتابا) في شتى حقول المعرفة من فلسفة وادب وفن وشعر ودين واجتماع وكيمياء وفيزياء وفلك وطب وغير ذلك . لكنهم لم يضعوا اسمائهم على نتاجاتهم العلمية حيث ضربوا- الانا –(الذات) وسحقوها تحت الاقدام؟ وبقى الباحثون قرونا يبحثون عن اسمائهم . علما ان ظهورهم كان في البصرة في القرن الثالث الهجري / العاشر الميلادي؟

 

اعلام الفن الاسلامي:

و من المفيد ان نستعرض اسماء اعلام الفن الاسلامي الذين طبعت اسمائهم في الذاكرة الانسانية وقد تخلوا عن – الانا- ورسموا باخلاص وتذوق عالي ، وهم :

1 – ابن الرازي الجزري -1206 م – مصور كتاب الحيل الميكانيكية .

2 – عبد الله بن الفضل – 1222 م- مصور كتاب خواص العقاقير .

3 – علي بن حسن بن هبة الله – 1209 م – مصور كتاب البيطرة .

4 – يحيى بن محمود الواسطي – 1227 م – مصور كتاب مقامات الحريري وصاحب مدرسة بغداد .

5 – كمال الدين بهزاد – الذي اشتهر في اواخر القرن الخامس عشر - 1450 م- حيث يعتبره بعض النقاد من اعظم الفنانين المسلمين وهو مزوق كتاب – البستان- للشاعر سعدي وبعض من كتاب - المنظومات الخمسة- للشاعر نظامي . وشارك في تزويق الشهنامة للفردوسي . ويعتبر بهزاد مؤسس المدرسة الصفوية للفن .

6 – رضا عباس 1565-1635 الذي برز واشتهر في النصف الثاني من القرن السادس عشر ويعتبر رائد المدرسة الاصفهانية في زمن الاسرة الصفوية .

7 - عبد الجبار بن علي –الذي ظهر توقيعه على المخطوطات التي ترجع الى عام 1229 م لديوسقوريدس والتي انجزت في سوريا.

8 – ابن عزيز العراقي وقصير المصري– في اواسط القرن الحادي عشر– وقد اشتركا الاثنان في مسابقة للرسم امام الوزير الفاطمي اليازودي الذي كان مولعا بجمع الصور. والقصة مشهورة ينقلها معظم المؤرخين العرب .

9 – احمد الخراط البصري وهو من اقدم المصورين المسلمين حيث ظهر في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي – في مدينة البصرة، وقد اشتهر برسم الاشخاص وكذلك رسم الكاريكاتير .

 

khadom shamhodنوري الراوي واحد من رموز الفن العراقي الحديث وهو آخر من تبقى من تلك النخبة الريحانية التي ارست قواعد واسس الفن العراقي المعاصر فعندما ننظر الى سيرته الفنية وما قدمه للحركة الفنية العراقية والعربية نشعر بالصغر واللاشيئية .. ولد عام 1925 في مدينة راوة وتوفى سنة 2014 في بغداد عن عمر 89 سنة كانت حافلة وزاخرة بالعطاء المميز والفريد .. كان ناقدا فنيا له اسلوبا جميلا يذكرنا باسلوب الروائيين المصرين، الف الكثير من الكتب الفنية واشرف على عدد من الصحف كسكرتير تحرير، وهو اول من احدث الصفحة الفنية في الصحافة العراقية وكان يدير برنامجا تلفزيونيا – للفن التشكيلي - لمدة ثلاثين سنة 1957 الى 1987، كما اسس المتحف الوطني للفن الحديث وكان اول مديرا له،- وغيرها من الاعمال ... .

 1136-rawi1

مدينة راوة:

تقع راوة غرب العراق على ضفاف نهر الفرات على بعد حوالي 320 كم وهي تابعة لمحافظة الانبار وكانت تسمى – الرحبة – ثم سميت راوة كون القبائل العربية البدوية تأتي اليها لتروي من مياهها المتدفقة عبر نواعيرها المنصوبة على ضفاف نهر الفرات وتسقي ماشيتها .. ويذكر بعض المؤرخين منهم اليعقوبي والاصفهاني  ان راوة سكنتها قبائل عربية حسينية سادة من سلالة الامام موسى الكاظم بن جعفر الصادق –ع- ولكن السؤال هو كيف اصبح اهل راوة سنة وهم علويون؟؟ . والجواب هو ان بعض العشائر العراقية العربية والتي كانت من مذهب واحد انقسمت الى شيعة وسنة وتعايشت بسلام وامان .. واتمنى ان يعي هؤلاء الذين يلعبون على الوتر الطائفي بانهم مخطؤن وانهم لا يستطيعون التفرقة بين الارحام .. وما الحشد الشعبي المقدس الا صورة ناصعة تمثل التلاحم الصادق والوحدة والمحبة بين ابناء العراق . 

1136-rawi2

التقنية:

غادر نوري الراوي مدينته وهو شاب ولكن بقت راوة عائشة في عمق مشاعرة وجوارحه حتى مماته . فقد عاش طيلة حياته يرسم مدينته بطريقة شاعرية سيمفونية مليئة بالتغني بحب القرية . ورغم انه درس في الخارج واطلع على مختلف الطرز الفنية والفكرية الحديثة ولكنه لم يخرج من فردوسه راوة .. فكانت مدينته مصدر الهام وانعتاق لمشاعره الدفينة  طيلة حياته الفنية . وكان يعمل دون كلل او ملل، ورغم تشابه لوحاته لكن كل مرحلة نراها مصحوبة بنضوج حسي وفكري ..

تنفذ اعماله بشكل تمثيلي وتجريدي ويطغي احيانا عليها الطابع الهندسي والبناء المتراكب، منائر، قباب، اقواس، نواعير، منازل صاعدة نازلة، ازقة . مشاهد كأنها في وقت الغسق حيث ان اجمل ما يرى من الالوان الحالمة والرومانسية هو وقت الغسق..

(جاءت معذبتي في غيهب الغسق ... كأنها الكوكب الدري في الافق) ابن الخطيب الاندلسي

وكان الراوي يفضل رسم القباب البيضاء التي شيدها البنائون الشعبيون لما تنطوي عليه من مشاعر واحاسيس فطرية جميلة فقد اكتشف اسرار اللون والضياء الساطع في تلك المدينة النائية والمرمية في اطراف الصحراء على ضفة نهر الفرات . كما اكتشف قيمة التراث المحلي وجماليته يضاف الى ذلك العاطفة والطفولة والتي كان لها دورا في الحنين الى راوة .

 

آخر حياته:

عاش الراوي طيلة حياته في العراق ولم يتعرض للنظام السابق بنقد او او تعارض حيث بقى مهادنا ساكتا ... وعندما سقط النظام الصدامي عام 2003 سافر مرتين مع مجموعة من المثقفين الى دمشق والتقوا مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام واعلنوا الولاء له وان يكون هو راعي الثقافة والفن للعراقيين، ثم تغيرت الامور .. وفي آخر ايامه كان حائرا في تراثه الفني الى اين سيصبح مصيره .. فيقول انه حزينا لان بيته يحتوي على ارشيف ضخم ونادر لتاريخ الفن العراقي وهو يطالب المسؤولين بالحفاظ عليه ولكن لم يرد عليه احد .. (وارتحل الى عالم الصمت الابدي وانا اردد ملقى على طرفات راوة ... استجير ولا اجار) .. وكان يفكر ان يترك تراثه الفني بيد منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة فاتصل بمكاتبها في بغداد وعمان وبيروت ودمشق ولا نعرف بعد ذلك كيف انتهت تلك الحوارات الا اننا (سمعنا) ان وزارة الثقافة قد حصلت على مجموعة من اعماله .. توفى نوري الراوي عام 2014 في بغداد ولكن بقت اعماله كمدرسة ومؤشر لمرحلة مهمة من تاريخ الفن العراقي الحديث .

 

khadom shamhodيقول الكاتب شيلر (ان تطور الاحساس الجمالي هو الاساس الجوهري في تطور العقل والاخلاق). اما هيجل فيقول (الجمال هو الحقيقة والحقيقة هي الجمال)

 ويذكر ان الشئ الثابت في الانسان الذي يتجاوب مع عنصر الشكل في الفن هو- الحساسية الجمالية – وهي ثابتة ومخلوقة في الفطرة الانسانية، ولهذا فلا يختلف فنان الكهوف عن الفنان المعاصر وانما الشئ المتغير هو - الفهم -الذي يقيمه الانسان حول الاشياء المادية او الاشياء الفكرية، ويكون ذلك الفهم او الحكم خاضعا للتقاليد والثقافات والاماكن والعصور .

وكان الفن الشرقي يختلف عن الفن الغربي فالاول يعتمد في فنونة على ايقاعات الخط وحساسيته الجمالية اما الثاني فيعتمد على ايقاعات الظل والضوء، والفن الشرقي اكثر روحانية والفن الغربي اكثر مادية وارتباطا بالجمال المادي وحسب النظريات الجمالية والاخلاقية عند الاغريق . وكان الفنان الشرقي له علم ودراية جيدة بالضوء والظل ولكن كان يفضل الايقاع الخطي ويعتقد ان هذا الايقاع هو اكثر جوهرية وثباتا من التأثيرات العرضية التي تتبدل وتزول بسرعة حسب اشعة الشمس او غيابها . ويعتقد انه كلما كان الخط بارزا في تحديد الاشكال ازداد كمال العمل الفني وجماله كما هو عند الفنانين الصيني والاسلامي .. ولهذا فان مفهوم الجمال في الفن عند الشرقي يختلف عن الغربي .

1128-khadom

 

ومنذ القرن التاسع عشر وبعد الثورة الفرنسية بدأ النقاش يدور حول الاداء الفني حيث طرحت اسألة كثيرة حول دور النقد في الفن وهل يحق للناقد ان ينقد ويمدح او يذم اما ان حقه لا يتعدى طرح وجهات نظر شخصية .. وعما اذا كان الجمال يعني الفن ام ان الجمال شئ والفن شئ آخر؟؟ وهل ان الفن هو صورة محاكات للطبيعة ام يكون شيئا آخر؟ كل تلك النقاشات والنظريات افرزت اليوم واقعا ملموسا تجسد بظهور مذاهب ومدارس فكرية وتشكيلية عديدة ومختلفة عمت العالم كله .

اليوم انا وانت وغيرنا من الناس لكل منا خصائصه الفردية ودرجة حساسيته في التذوق التي يختلف او يتميز بها عن غيره سواء كان في الشرق او الغرب ولكن هناك صفات عامة يشترك فيها الجميع وهي الصفات الانسانية منها غريزة حب الجمال. وفي قول الشاعر (خلقت الجمال فتنة لنا وقلت يا عباد اتقون - وانت جميل تحب الجمال فكيف بعبادك لا يعشقون)

1128-khadom2

 

كما رفض اليوم اساتذة الفن الحديث المبدأين الجمالي والاخلاقي واحتفظوا بالمبدأ الميتافيزيقي . حيث عملوا على الغاء هذين المبدأين وكانوا يعتقدون بان وراء كل هذه المظاهر المتعددة للطبيعة حقيقة خالدة واحدة وان هذه الحقيقة هي الجمال، حسب تعبير هيجل . ولهذا تغير مفهوم الجمال في الفن الحديث عن النظريات الكلاسيكية السابقة ..

هناك نظرية للفيلسوف –يونج- تتحدث عن ظهو تقلقل في اللاشعور الجماعي ابان الازمات الاجتماعية مما يحدث اضطرابا في التوازن النفسي ... وقد يكون ظهور التيارات المتطرفة عاملا هداما للفن والمجتمع لانها تحمل مفاهيم خطيرة وشاذة كالحركات الدينية المتطرفة، ولكن سرعان ما تنكشف هذه التناقضات وتختفي لانها ولدت وهي لا تحمل مقومات الحياة ...

 ولعل الفكرة التي طرحها المفكر – ماكس نوردو- في اواخر القن التاسع عشر على ان الحياة عبارة عن - هدم وانحلال فحسب -. تبنتها هذه الجماعات المتطرفة من قتل وهدم لكل الرموز الحضارية وعبث وهلوسة في كل شئ . فعندما ظهرت الدادائية في الفن نادت بحرق المتاحف وكل ماهو ماضي، وعندما ظهرت جماعتي طالبان وداعش ذهبتا الى المتاحف والآثار القديمة فهدمتها وحولتها الى ركام وخراب ..

ويذكر الدكتور والمؤرخ حسن محمد حسن بانه ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر بعض الجماعات الفنية والادبية اطلق عليها اسم - الانحدارية – سواء كان في الشعر او الادب او الفن وقد اتخذ هؤلاء الشباب شعار التصادم مع الكنيسة والطبقة البرجوازية وكان على رأسهم تيوفيل جوتييه وشارل بودلير وكذلك بول فرلين ورامبو . وكان من مظاهر هذه الاحتجاجات هو استعمال المخدرات والحشيش والافيون والخمور وسلكوا ايضا مسالك الشذوذ والانهيار الاخلاقي .. ويذكر الكاتب الاستاذ الدكتور عفيف البهنسي ان نهاية القرن التسع عشر اتصفت بالتمرد على التقاليد الفنية القديمة والاخلاق السائدة يومذاك (ويقول جون كاسو: لقد اخذ الفنان موقف المتمرد والفوضوي والهوائي) .. كما ان جماعة الدادائية وقفوا في الحانات والملاهي الليلية والشوارع يعلنون تمردهم وسخطهم على الحياة وزيفها وقد عبروا عن ذلك عن طريق التصوير والخطاب والادب ... وهكذا فان تلك النهضة التحررية التمردية ادت بالاخير الى ظهور مفاهيم جديدة وتيارات حديثة في الادب والفن ..

 

khadom shamhod1- كان ضياء ولازال من ابرز الفنانين العراقيين وكان مبدعا ونشطا لا يكل ولا يمل من العمل وقد ساهمت اعماله الاولى في التعبير عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فكانت لوحاته الزخرفية ذات ابعاد ثورية قد تركزت على مأساة فلسطين منها (مأساة تل الزعتر 1979، صبرا وشاتيلا 1980 )، ثم (الروح الجريحة 2010، ومدينتي المحاصرة 2011.) .. وكان ضياء ذو اتجاها قوميا وكانت اعماله ترجمة لهذا التيار الثوري .. وهو غزيرالانتاج سواء كان في التزويق او الرسم او الكرافيك، حيث نجد لوحاته معلقة في كثير من المتاحف والاماكن الراقية والمؤسسات الحكومية.. كما الف الكثير من الكتب والتي طبعتها وزارة الاعلام في مرحلة الستينات . (عملي ينخرط ضمن حركة نهضة الفن العربي) .. اما اليوم فنحن لا نعرف هل ان ضياء قد تخلى عن ذلك النهج القومي السياسي ام لازال متعلقا به بعدما انكشفت لعبة الحكام القوميين العرب وفسادهم ؟؟؟؟ وقد سمعته يتحدث في معرضه الاخير في الدوحة عن المه وحزنة عما يجري في العراق من محاصصة وطائفية؟؟ ولكن لم نجد له ذكرا للارهاب والدواعش والوهابية وازلام النظام السابق ؟؟؟

134-diaa1

ولد ضياء في بغداد عام 1939، دخل معهد الفنون الجميلة للدراسة المسائية وتخرج منه عام 1962 – ثم درس في كلية الآداب قسم الآثار وتخرج منها عام 1962. بعدها عين مديرا لمديرية الآثار. انتمى الى جماعة الانطباعية التي يشرف عليها حافظ الدروبي ثم انظم الى جماعة الرؤية الجديدة عام 1969، بعدها الى جماعة البعد الواحد عام1971 التي اسسها شاكر حسن آل سعيد ...

 

2 - ضياء في لندن:

وفي عام 1976 سافر الى لندن واستقر فيها ثم عين رئيسا للمركز الثقافي العراقي في لندن ... وهناك استغل ضياء مركزه هذا فعمل على تكوين شبكة من العلاقات مع المراكز الثقافية العربية والاجنبية ورجال الفن والادب والثقافة والسياسة وخاصة مع الدبلوماسيين الخليجيين العرب مما زاد من سمعته واقتناء لوحاته وبالتالي ارتفاع اسعارها ..

وقد اخبرني بعض الاصدقاء في لندن بان ضياء كان يرفض زيارة كالري الكوفة في لندن والذي يشرف عليه المهندس المعماري الدكتور محمد مكية حيث كان هذا المكان مركزا للمعارضة العراقية ايام النظام البعثي المقبور ... ومهما اختلف الآخرون مع ضياء في مواقفه واتجاهاته الفكرية لكن لم يختلف احد من انه من ابرز الفنانين العراقيين المبدعين والمعروفين في الساحة العربية واليوم اعماله تزين متاحف العالم العربي والعالمي ومنها لوحته المشهورة –صبرا وشاتيلا- الموجودة الآن في تيت كالري في لندن ..

 134-diaa2

معرض الدوحة:

3– يقام حاليا معرضا للفنان ضياء في الدوحة –قطر – يحمل عنوان (انا الصرخة ...) ويستمر الى شهر ابريل 2017 ويحتوي على حوالي 550 لوحة تجمع ما بين الماضي والحاضر من اعماله المتنوعة في تقنياتها واساليبها - (معرض استعادي) والعنوان - انا الصرخة – يذكرنا بلوحة - الصرخة- لادوارد مونخ 1863 – والتي تعكس السأم من الحياة وعذاباتها وحالة التشرد والغربة التي كان يعيشها الفنان ؟؟ كما يذكرنا برواية - الصرخة – للكاتبة المصرية رضوى عاشور، حيث تحمل الرواية مقاطع موجعة ورسائل تشائم.. ثم نذكر رواية اخرى للكاتب الياباني كينزابورو وتسمى- الصرخة الصامتة – وهي تحكي عن حياة اليابان بعد مأساة هيروشيما ونجازاكي عام 1945، وفد قدمت الرواية ثقافة اليأس الوجودي في اليابان المعاصر.(الرواية حصلت على جائزة نوبل) .. وهناك ايضا رواية اخرى تسمى- الصرخة- للكاتب المصري محمد امين وهي تشير الى موميا وجدت في المقبرة الملكية تصرخ منذ ثلاثة آلاف سنة ولا يسمع احد بصراخها ..

و بالتالي نحن امام صرخة الم واوجاع يطلقها الفنان من خلال اعمال بصرية تعبر عن فترة يمر بها العراق تعتبر من احرج واسوأ الفترات التي مربها الشعب العراقي .. حيث الهجمة الشرسة للارهب الذي يتمثل في الدواعش والوهابية وبقايا النظام المقبور .

 

4 – التقنيات:

كان ضياء في بداية حياته الفنية يرسم باسلوب واقعي للحياة الاجتماعية العراقية بتقاليدها وعاداتها الشعبية ومتأثرا بالرواد والتراث الاسلامي الفني والاساطير الرافدية القديمة .. استخدم الحرف العربي- الحروفية – في مرحلة الستينات وكتب قصائد من الشعر الجاهلي في اعماله واصبحت تشكل احد العناصر الفنية في لوحاته حيث اخذ يتفنن في استخدامها مرة كحرف تشكيلي ومرة اخرى كحرف اعلامي . ثم انتقل الى التجريد ولكن بقت التأثيرات السابقة عالقة في اعماله مع رفدها بالتقنيات الاوربية ..ثم اخذ يتنقل من مدرسة الى اخرى ومن اسلوب الى آخر .

(عملي ينخرط ضمن حركة نهضة الفن العربي) . قد يختلف البعض عن رؤية ضياء في التطلع الى قيام فن عربي، ولا يدل بالظرورة استخدام الحرف العربي في التشكيل الى قيام مدرسة عربية فهناك فنانين اجانب استخدموا الحرف العربي في لوحاتهم مثل بول كلي .. يقول الكاتب والناقد المصري زكي محمد حسن (يكاد يتعذر وجود فن عربي انما هناك فن اسلامي) .

 

khadom shamhodآل سليم – من النادر ان نجد عائلة عراقية كل افرادها يمتهنون صنعة الفن وانهم سجلوا حضورا رياديا في تاريخ حركة الفن العراقي المعاصر . وكانت هذه الشجرة السليمية قد اثمرت رواد الحركة الفنية في العراق وهم جواد سليم، سعاد سليم، رشاد سليم، نزيهة سليم، ونزار سليم . (واسمائهم الحقيقية المركبة هي : احمد جواد، علي سعاد، محمد رشاد، فاطمة نزيهة، مصطفى نزار) – وقد وصفهم احد الكتاب (.. جميعهم يتشابهون في السحنة ... اما انوفهم فضخامتها مشهود بها، بل هي نسخة طبق الاصل مما كان يتباهى به والدهم بقوله –شم الانوف- اما اصواتهم المتدهجة المتلعثمة احيانا والضاحكة كثيرا فهي تمنح المصغين رقة وتقربا) . هؤلاء كلهم اصبحوا فنانين ومنهم درسوا في الخارج ثم عادوا ودرسوا الفن في معهد الفنون الجميلة او مدارس التربية ثم شكلوا الجمعيات الفنية واصدروا المجلات والكتب واقاموا المعارض في خارج البلاد وداخلها . وبالتالي فقد تركوا بصماتهم على حركة الفن والثقافة العراقية المعاصرة . وسجل ثلاثة من هؤلاء لهم حضورا مميزا وكبيرا في الساحة الفنية العراقيه وهم (جواد ونزار ونزيهة) . كان والدهم الحاج محمد سليم من مواليد الموصل لعام - 1883 – وهو من رواد الفن العراقي الى جانب عبد القادر الرسام .. وكان ضابطا في الجيش العثماني ثم عين مدرسا لمادة الرسم في عدد من المدراس، ورئيسا للملاحظين في وزارة الداخلية كما كان المدرس الخاص للملك غازي في تعليمه الرسم .. وكانت هناك علاقة بين عائلة سليم وعائلة الملك فيصل الاول علاقة مصاهرة عن طريق النساء . ولهذا فقد حضوا برعاية خاصة في المناصب الحكومية والبعثات الدراسية ... كما كان يلتقي بالشاعرين الزهاوي والرصافي ويزوق اشعارهم بالرسوم . كان سليم يعلم اولاده الرسم فغذاهم تذوق الفن وتعلمه وهم في نعومة اظفارهم . فاصبحت هذه الشجره يانعة الثقافة والفن وقد ساهمت بشكل مباشر في تنشيط حركة الفن العراقي المعاصر .

 

نزار سليم طاقة من العطاء:

– ولد في انقرة عام 1925، وكان نزار متنوع المواهب والقدرات وتتوزع على حقول شتى من المعرفة، فهو رسام وخطاط وكاريكاتيري وقصصاص وكاتب مسرحي ومترجم ومصمم للكتب والبوسترات . اصدر عدة كتب في مجال الفن منها الفن العراقي المعاصر بجزئيه التصوير والنحت وعدد من المجاميع القصصية والمسرحية والشعرية كما اصدر مجلة الامل ثم الصبا عام 1937. وانتخب رئيسا لاول جماعة كاريكاتيرية في العراق . اشتغل في وزارة الخارجية 1971 وعين في عدد من السفارات العراقية في الخارج . ثم عين مديرا للفنون في وزارة الاعلام .. وقد اشترك في مؤتمرات ومنظمات فنية وتشكيل اللجان الوطنية ..

– كان احد طلاب فائق حسن عند فتح معهد الفنون الجميلة عام 1939 . واحد اعضاء جماعة اصدقاء الفن عام 1941 . درس في كلية الحقوق وتخرج منها عام 1931 . اقام معرضين شخصين في بغداد اعوام 1956 و1971 . يضاف الى ذلك اشتراكه في معارض جماعة اصدقاء الفن وجمعية الفنانين العراقيين وجماعة بغداد للفن الحديث .

 

التقنيات:

كان نزار قد تأثر في اول الامر باعمال الرواد الذين تاثروا بمدرسة بغداد الواسطية وتناولوا التراث ولكن بملامح محلية ومعالجات حديثة مبسطة ومختزلة مثل لوحته – بائع الفرارات – وطيور في الحديقة – و–شاربات الشاي – اما لوحته – الفنان والمعركة – فقد جائت تقليدا للفن الحديث الاوربي من ناحية طريقة الكولاج، حيث نشاهد عدة مشاهد في اللوحة متراكبة ومتداخلة تجمع بين الاشكال التشخيصية والهندسية والزخارف وبعض الرموز والكتابات العربية، كما نرى هناك طفولة في الاعمال حيث لا تخضع الى النسب الاكاديمية . اما الالوان فنراها معتمة احيانا ويسيطر عليها اللونين القهوائي والاسود . ولم يلتزم نزار باسلوب واحد معين حيث نجد انه كثير الطرز والاساليب، وربما انشغاله في القضايا الادارية والدبلوماسية وادارة المؤتمرات واللجان الفنية جعله متغير الاساليب وقليل الانتاج مقارنة بالفنانين الرواد . علما ان غالبية الفنانين العراقيين الرواد لا يجيدون الرسم الاكاديمي، وقد حاول كاظم حيدر من اعادة الاعتبار للاكاديميات فشكل تجمعا اسماه - الاكاديميون –عام 1971 ضم كل من صلاح جياد، فيصل لعيبي، نعمان هادي، وليد شيت . ولم يدم طويى ثم انفرط .

 

بوهيمية نزار:

نزار سليم كان في بداية حياته بوهيميا متمردا وقد شكل تجمعا من الشباب اطلق عليه –- الوقت الضائع – وهم مجموعة من الشباب يجمعهم التمرد والفوضى ثم انفرط التجمع .. بعد ذلك فكر نزار بفتح مقهى في الاعظمية في ساحة عنتر عام 1948 اطلق عليها اسم – واق واق – حيث كان يلتقي مع اصحابة ويتحدثون عن الفن والشعر والادب .

 والبوهيمي هي منطقة في تشيك كان قد استوطنها او مر فيها الغجر البؤساء من الرومان . ثم دخل المصطلح الى الادب والشعر والفن في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، واتخذها بعض الفنانين والادباء كرمز للفكر الحر المتمرد الغير ملتزم بالتقاليد والاعراف، واشتهر منهم هنري موجيه حيث اصدر مجموعة قصصية اطلق عليها – مشاهد من حياة البوهيمية – عام 1845 – وفكتور هيجو وروايته المعروفة – البؤساء – الذي اصدرها عام 1862 . وكان يتحدث فيها عن الشباب الفرنسي وحياتهم البوهيمية الضائعة والفوضوية. في هذه الفترة اصدر نزار اول مجموعة قصصية له وهي – اشيا تافهة – ثم اخذ يصدر بعد ذلك عدد من الكتب في المسرح والفن والشعر . ولازال له الكثير من المؤلفات غير مطبوعة .. توفى نزار عام 1982 في بغداد اثر نوبة قلبية ودفن الى جوار اخيه جواد 

 

khadom shamhodاللون الاسود من الالوان الاساسية في الفنون التشكيلية ويعبر عنه بانه ملك الالوان والسبب في ذلك لانه حصيلة امتصاص جميع الالوان الاساسية وبالتالي فالاسود ليس لونا .. ولهذا فان الدارسين لعلم الفيزياء يذكرون بان الاسود لا وجود له في الطبيعة .. فالوان الطيف الشمسي هي سبعة معروفة (الاحمر، الاصفر، الازرق، الاخضر، البرتقالي، البنفسجي، النيلي) وبالتالي لم نجد بينها اللون الاسود مستقلا .. وقد استخدم اللون الاسود في الفنون التشكيلية الى جانب الالوان القوية الحارة لانه لا يقبل الالوان الباهته . كما هو عند ماتيس صاحب المدرسة الوحشية او عند تكوينات موندرياني التجريدية ..

سالم الدباغ واحد من الفنانين الذين استخدموا اللون الاسود بشكل واسع حيث شكلت المربعات والمستطيلات والمثلثات عناصرا رئيسية في سطح لوحاته الى جانب الفضاء الواسع الابيض. ولم نجد فيها بارزا غير اللونين الاسود والابيض . مع بعض الاشكال الرمزية الغامضة وكأنها اشكال انسان معلق مثل لوحتيه – سقوط في الفضاء و– شخصان داخل مربع - كذلك استخدم الدباغ في تقنياته الكولاج ومواد اخرى متنوعة ومختلفة .. وتشعر عند النظر اليها بالحدية واليبوس والحزن . فاللون الاسود في نظر البعض هو الظلام والموت والمأساة .. وقد استثمر الدباغ طاقة اللون الاسود ووظفها بتقشف واختزال صوفي رمزي .. فاللون الاسود له طاقة مدمرة وله تفسيرات شتى على مر العصور واذا قرأنا (مثيولوجيا) الشعوب القديمة نجد له معاني وتأويلات كثيرة .. مثلا اعتبروا الغراب الاسود رمزا للشؤم بسبب قصة الغراب عندما قتل صاحبه ودفنه، امام حادثة قتل هابيل لقابيل المعروفة ..

1127-salim1

 

و قد اتخذت بعض الحركات الثورية اللون الاسود شعارا لها، فعندما قامت الحركة السرية العباسية امر ابو مسلم الخرساني اتباعة بلباس اللون الاسود ثم اتخذه الخلفاء العباسيون شعارا لهم فتزين به الحكام والقضاة والامراء والعسكر وغيرهم، وقيل انهم اتخذوه شعارا للثأر من مقتل الحسين –ع- وبالتالي اصبح الذوق العام في المجتمع هو اللون الاسود ..

(قل للمليحة ذات الخمار الاسود - ماذا فعلت بزاهد متعبد)

كما ورد ذكر اللون الاسود في القرآن الكريم (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (ظل وجهه مسود وهو كظيم) وفي كل ذلك اشارات الى الكآبة والحزن ..

 ومن جانب آخر وجدت في بعض المجتمعات المعاصرة ان العريس وعروسته يوم الزفاف يرتديان الزي الاسود كما هو في منطقة اكستريمادورا في بلاد الاندلس .. كما وجدت ان النساء الكبار في العمر (العجائز) يفضلن ارتداء الملابس السوداء ربما يوحي ذلك بالوقار والهيبة والاحترام . واحيانا نرى المراسيم الرسمية والملكية سوداء رمزا للقوة والثقة . وهي تقاليد عبرت الينا من بني العباس وبني هاشم ولا زالت بعضها تمارس . وهكذا نجد انفسنا امام لون له معاني ورموز كثيرة وحسب تقاليد الشعوب وثقافاتها .

 1127-salim2

التجريد عند الدباغ

منذ سنة 1958 عندما كان يدرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد كان الدباغ ميالا للفن الاوربي الحديث وكان معجبا بالفنان الايطالي مودلياني 1884 حيث كان يختزل شخوصه ومفردات لوحاته ويعمل على التسطيح . وفي مرحلة الستينات انتقل الدباغ الى فن التجريد عندما كان طالبا في اكاديمية الفنون الجميلة وبرزت اعماله التجريدية من خلال مشاركاته في معارض جماعة المجددين عام 1965 وكان احد اعضائها ..

اعمال الدباغ ذات اشكال هندسية رياضية معمارية تذكرنا بنظرية فيثاغورس حيث يقول ان الجمال هو عنصر رياضي، فهي اعمال ذهنية . كما تذكرنا باعمال الفنان، والنحات الاسباني جييداChillida 1924 حيث يرسم سلسلة من المربعات المترابطة ذات اللون الاسود ..

في عام 1969 حصل الدباغ على منحة دراسية من مؤسسة كولبنكيان لدراسة الحفر في لشبونة – البرتغال – وعادة ما يستخدم اللون الاسود في الحفر بشكل رئيسي مثل حفريات غويا السوداء التي تسمى – النزوات - وهنا وجد الدباغ ضالته وما كان يبحث عنه في بلاد الغرب فعمق تجربته ونورها برؤية فلسفية على اعتبار ان العالم من وجهة نظره في اصله مادة سوداء ثم سلط عليه الضوء فاصبح مرئيا ..

(تسجيل الاحداث ليس مهمتي، لم ارسم مقتل انسان ولم ارسم بناية تحترق ..) (شخصيا اعتبر كل الموروث الانساني ملك لي ولا اقصد به الموروث الوطني او القومي .. استعمل الكثير من الفنانين التراث كطوق نجاة .) . (في الحفر اعتمد على الخطوط القوية المتداخلة والمتقاطعة التي تملئ مربع الورقة تماما وهذا التداخل يبدأ من الداخل وينتهي بحافة المربع مع الاعتماد على الابيض والاسود .. في الحفر لدي خبرة جيدة فيه.. واستطعت ان احقق من خلاله ما لم احققه في اللوحة ولكن اللوحة اغنتني عن الكرافيك ..)

سالم الدباغ ولد في الموصل عام 1941، تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1961 واكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1965 . قام بعدة معارض شخصية وجماعية واشترك مع معارض جماعة المجددين وكان عضوا فيها، وكذلك مع معارض جمعية الفنانين العراقيين .. حصل على زمالة دراسية الى لشبونة لدراسة الحفر . .

يعتبر سالم الدباغ وفرج عبو من اوائل الفنانين العراقيين الذين طرقوا باب التجريد، علما ان الاثنين من مواليد مدينة الموصل الحدباء .

 

د. كاظم شمهود

 

khadom shamhodان المتتبع لانتاج الافلام السينمائية الروائية حول حياة بعض الفنانين المشهورين والمعروفين عالميا يجد بعض منها متفقا مع حقيقة حياتهم والآخر مبالغا او مزينا لها، ومنها قويا وفاعلا ومؤثرا خاصة حينما يمتزج الخيال والابداع السينمائي مع التصوير الفني حيث يفسحان المجال امام الوجدان للتعبير عن الانفعالات النفسية والعاطفية .. فالمواقف التي يظهرها الممثلون في الافلام، تشبه الى حد ما المواقف التعبيرية التي يرسمها الفنان في لوحاته، وصاحب الكامرة الذي يصور الممثلين في الوانهم وحركاتهم الانفعالية، نجدها ايضا عند الفنان عندما يرسم الانسان او الطبيعة بحركتها والوانها وجمالها وعذوبتها، وبالتالي فاننا نجد انفسنا امام لحمة فنية ولغة مشتركة بين التصوير والسينما ..

قبل فترة شاهدت فلما عن حياة الفنان الاسباني فرانثيسكو غويا Goya حيث يتحدث عن الفترة المظلمة الاخيرة من حياته والتي تنحصر بين اعوام 1792 و1809، كما يتحدث عن آخر ايام محاكم التفتيش المرعبة في اسبانيا وكذلك الاحتلال الفرنسي لاسبانيا عام 1808 . الفلم يحمل عنوان – اشباح غويا –Los fantasmas de Goya - وهو انتاج اسباني امريكي مشترك ظهر عام 2006 .

 1120-khadom1

 1- غويا وموديلاته .. يبدأ الفلم بعرض بعض اعمال غويا امام اعضاء محكمة التفتيش والتي كانت تمثل نقدا لاذعا عن حياة رجال الدين وفسادهم المالي والاخلاقي وهي لوحات خيالية سريالية يطغي عليها عالم الاشباح والسخرية .. هذه الاعمال عبارة عن حفريات (كرافيك) اطلق عليها اسم – النزوات – وكان احد القساوسة صديقا لغويا استطاع من الدفاع عنه امام محكمة التفتيش وتبرئته .. وفي نفس الوقت كانت هناك فتاة جميلة انيقة تتردد على غويا باستمرار كموديل، فيرسسمها برومانسية حالمة وعاشق ولهان، وقد اعتبرها احد آلهات الحب والشعر التي توحي اليه بالخيال والجمال . وفي يوم من الايام تختفي هذه الفتاة، حيث تقع في يد محاكم التفتيش بتهمة انها يهودية لانها لا تأكل لحم الخنزير . ويحكم عليها بالسجن 15 سنة .. غويا يصاب بالجنون فيبحث عنها في كل مكان، واخيرا يتوسل بصديقه القس لمعرفة مصير الفتاة .. القس يزور الفتاة في السجن ويطلب منها ان تصلي معه ثم يغويها ويعمل معها الفاحشة ...

 

2 - محاكم التفتيش

1120-khadom2كان دخول الفرنسيين الى اسبانيا عام 1808 نهاية محاكم التفتيش، حيث أمر جوزيف بونابرت اخو نابليون بالغاء محاكم التفتيش ومصادرة املاكها وسجلاتها وخلع ملك اسبانيا فرناندو السابع ثم ذهب نابليون فاعتقل البابا بيوس السابع وصادر السجلات البابوية وحبسه في فونتبلو ثم اطلق سراحه عام 1814 . . وبذلك اغلق التاريخ دفتره على واحد من اسوء الحقب التي عرفها العالم وقد احرقت واضطهدت في تاريخها الطويل مئات الالوف من الضحايا من بينهم اشهر المفكرين والعلماء . وكانت محاكم التفتيش تطارد المسلمين واليهود والبروتستانت وتتهمهم بالهرطقة اي الالحاد وتحرقهم في الساحات العامة . وقد بدأت عملها عام 1480 وانتهت بمجيئ الثورة الفرنسية ودخول جيوش نابليون الى اسبانيا عام 1808 ..

بعض التقارير الفرنسية تعطي وصفا دقيقا لقصر محكمة التفتيش في مدريد حيث سمعوا انينا تحت البلاط ولما نزلوا وجدوا بعض الضحايا احياء يعيشون على لحم زملائهم الموتى ..

اليوم نحن نرى تشابها كبيرا بين الجماعات التكفيرية من وهابية وداعشية وسلفية متحجرة وبين ذلك التاريخ الاسود لمحاكم التفتيش . فتلك الجماعات هي نفسها اليوم تعود بلحمها وجلدها وفكرها من جديد لتحرق وتذبح وتبيع وتغتصب النساء وتشرد الملايين من الناس باسم الدين والدين براء منهم ..

 

3- غويا الاطرش

عاش غويا احداث مأساوية مرعبة في آخر حياته ومن خلالها فقد سمعه فاصبح يخاطب الآخرين بالاشارات .. حيث عاش فترة محاكم التفتيش وعبثها وتفرعنها وحبسها لانفاس الناس، وشاهد بام عينيه كيف تحرق الناس في الساحات العامة وكيف يساق المذنبين الى المحاكم بحجة عدم اكل لحم الخنزير او ما شاكل ذلك .. ثم شاهد دخول الفرنسيين حاملين معهم شعارات العلمانية وفصل الدين عن السياسة وعبثهم في البلاد واعدامهم للقسيسين وحرق الكنائس .. كل هذه الاحداث رسمها غويا في لوحات كبيرة منها لوحة- 3 دي مايو 1808- و- 2 دي مايو 1808– كما رسم مجموعة – النزوات - التي ذكرناها سابقا والتي تهاجم رجال الدين وتفضح فسادهم . وكادت هذه المجموعة تحمله الى مقصلة محاكم التفتيش. وكانت احداث الفلم تنتهي بالقضاء على محاكم التفتيش واطلاق سراح السجناء ومنهم الفتاة التي قضت 15 سنة في السجن وكان غويا يعشقها ويحبها ولكنها خرجت هذه المرة نحيفة مشوهة ذابلة لم يرى منها غير الهيكل العظمي وقد اصيبت بالجنون . فوقف غويا ينظر اليها بألم وحسرة دون ان ينطق بشئ، والى الفوضى العارمة التي حلت في اسبانيا، ثم يقرر الهجرة الى فرنسا، وبقى هناك حتى وفاته عام 1828... (لقد قرأت عن حياة غويا وكتبت عنها الكثير ولكني لم اجد ان في حياته يصادق فتاة من اصول يهودية وانها تسجن بسبب رفضها اكل لحم الخنزير . فاعتقد ان هذه القصة مختلقة ومن اظافات صاحب السيناريو) .

 

jamil hamdaouiتمهيـد: حققت السينما الأمازيغية المغربية تراكما ملحوظا كما وكيفا. وقد انطلقت في سنوات التسعين بتقنيات بسيطة لاتتعدى أفلام الفيديو، لتفرض نفسها - فيما بعد- في الساحة الإعلامية والسينمائية، ولاسيما بعد خطاب أجدير التاريخي في17 أكتوبر 2001م الذي أعطى الشرعية  والانطلاقة الأولى للخطاب الأمازيغي ذي البعد الهوياتي. كما تقوت هذه السينما، بشكل فعلي، بعد تدشين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي ساهم، بدوره، بشكل من الأشكال، في انطلاق هذه السينما لكي تحقق تراكمها الفني والجمالي.

وقد غزت الأفلام الأمازيغية الأسواق الوطنية والدولية، وأصبح لها جمهورها الخاص، بعد تدشين القناة الثامنة التي تعنى بعرض الأفلام الأمازيغية في مختلف لهجاتها الثلاث. وقد حققت الفيلموغرافيا الأمازيغية أكثر من (200) فيلم في مختلف أنواعه: الفيديو (الفيسيدي VCD والديفيدي DVD)، والأفلام التلفزية، والمسلسلات، والأفلام السينمائية القصيرة والطويلة، والأفلام الوثائقية...

وقد عرفت السينما الأمازيغية أيضا مجموعة من المخرجين الذين أخرجوا مجموعة من الأفلام، سواء في منطقة الريف، أم في منطقة سوس، أم في منطقة الأطلس المتوسط، ومن هؤلاء:  الحسين بيزكارن، ومصطفى الشعبي، وأكسل فوزي، ومحمد أمين بنعمراوي، وحميد عزيز، ومحمد مرنيش أوطالب، ومحمد العبازي، وفاطمة بوبكدي، وحمد بايدو، ورشيد الهزمير، ومحمد بوزكو...

هذا، ويعد مصطفى الشعبي المؤسس الحقيقي للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية، وقد استطاع أن يبلور سينما تتخذ من منطقة الريف بيئة للتصوير السينمائي، أو موضوعا جديرا بالتخييل والحكي والمعالجة الدرامية.

إذاً، ما أهم الإنجازات التي حققها مصطفى الشعبي في مجال السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية؟

 

المبحث الأول:  التعريف بمصطفى الشعبي

ولد مصطفى الشعبي في مدينة العرائش في 24 مارس 1961م، وهو من جذور أمازيغية ريفية. ويعتبر مصورا ومخرجا سينمائيا، وصاحب شركة (أسماء فيلم) التي أسسها مع زوجته أسماء الغلبزوري في مدينة تطوان بغية إنتاج أفلام الفيديو والسينما، مع توزيعها في الداخل والخارج، ولاسيما أن هذه الأفلام تجد إقبالا لانظير له من قبل الجالية المغربية خارج الوطن .

وقد أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام التلفزية والوثائقية والسينمائية التي كانت لها صدى كبير محليا ووطنيا ودوليا، مثل:  الفيلم الوثائقي عن عبد الكريم الخطابي، والفيلم الوثائقي عن المهاجرين الأفارقة الذين يتطلعون إلى الضفة الأخرى عبر الحدود  كما في فيلم (الحلم الوحيد)....

وقد شارك في تصوير مجموعة من الأفلام الوطنية والدولية، مثل: فيلم (وبعد) لمحمد إسماعيل، وفيلم (شاي في الصحراء) للمخرج برناندو بيرتولوشي(Bernando Bertolutchi)، والفيلم الأمريكي (الكنز)، وفيلم ( أسرار الصحراء) للمخرج ألبرتو نيكرين (Alberto Negrine)، وفيلم ( لماذا أفغانستان؟). علاوة على أفلام أخرى إسبانية وأمريكية...

كما شارك بأفلامه في مهرجانات سينمائية متميزة، مثل: مهرجان تطوان، ومهرجان طنجة، ومهرجان أكادير، ومهرجان كارفينو بإيطاليا، ومهرجان مالمو السوسيدية، ومهرجان سيرفينيا الإيطالي الذي فاز فيه فيلمه الوثائقي ( الحلم الوحيد) بالجائزة الكبرى... ويعد مصطفى الشعبي كذلك  رئيس جمعية (الورشة السينمائية) بتطوان.

وعليه، يعتبر  مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية منذ 1996م، حينما أخرج فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)، بعد ست سنوات من ظهور أول فيلم أمازيغي  سوسي سنة1990م بعنوان (تامغارت ن- وورغ/امرأة من ذهب)، ومن إخراج الحسين بيزكارن. ولم يوزع هذا الفيلم  السوسي و يسوق داخليا إلا في سنة 1991م. ويعني هذا أن السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية هي سينما حديثة العهد، وقد بدأت بأفلام الفيديو  أو أقراص الفيسيدي(VCD) التي انتشرت كثيرا في سنوات التسعين من القرن الماضي لتصبح صناعة تقنية وإلكترونية معقدة، بعد مرحلة الهواية والتجريب والبحث عن الهوية والذات .

ولم يكتف مصطفى الشعبي بإخراج الأفلام الأمازيغية فقط، بل أخرج مجموعة من الأفلام باللغات الأخرى، كالاعتماد على الدارجة المغربية كما في فيلم (القدس...أبنادم !)، وفيلم (زينب)، وفيلم (الحلم الوحيد)، وفيلم (أصدقاء الجنرال فرانكو- ريكولاريس...)، وفيلم (دائرة الطمع)...

 وأكثر من هذا فقد قام بدبلجة فيلم (كنوز الأطلس) للمخرج الكبير محمد العبازي بأمازيغية الريف.

وقد فاز المخرج بعدة جوائز، مثل : الجائزة الكبرى عن فيلمه الوثائقي (الحلم الوحيد) في مهرجان سيرفينيا الإيطالي، وكذلك عن فيلمه التربوي القصير (زينب) الذي نظمته جمعية التواصل الثقافي للمسرح والسينما بالدار البيضاء ما بين 12 و14  ماي 2006م، بشعار (السينما والتربية المدرسية). ويتحدث ذلك الفيلم التربوي عن تلميذة مجدة في العاشرة من عمرها، تغيبت عن المدرسة فجأة، فتفقدها مدرسوها وزملاؤها. والسبب في ذلك هو الحجاب الذي فرض عليها من قبل أخيها ...

 

المبحث الثاني:  فيلموغرافيا مصطفى الشعبي

أنتج مصطفى الشعبي أكثر من اثني وعشرين فيلما، سواء أكان ريبورتاجا تسجيليا، أم فيلما وثائقيا، أم فيلما دراميا...وما يهمنا في هذه اللائحة الفيلموغرافية الطويلة التوقف فقط عند الأفلام الأمازيغية  على النحو التالي:

 

المطلب الأول: فيلم (موش ذي رميزان/ القط في الميزان)

يعد أول فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرجه مصطفى الشعبي سنة 1992م، وقد مثل فيه كل من الصحافي والإذاعي أحمد التعتمانتي، والممثلة الحسيمية أسماء الغلبزوري التي تعد أول ممثلة سينمائية في منطقة الريف. والفيلم من إنتاج أسماء فيلم، وقد وزع هذا الفيلم الدرامي في الداخل والخارج، وبالضبط من قبل شركة (كونفوريستا/ Conforesta ) الإسبانية. ويتحدث هذا الفيلم عن الخرافة في المجتمع الريفي.

 

المطلب الثاني:  فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)

يعد هذا العمل ثاني فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرج هذا الفيلم مصطفى الشعبي سنة 1993م، كما تولى بنفسه كتابة السيناريو. وقد ورد هذا الفيلم في شكل شريط فيديو (VCD) . و يتحدث الفيلم عن الهجرة السرية إلى الضفة الأخرى، ولم تكن تلك الهجرة سوى سراب زائف، وحلم واهم؛ لأن كثيرا من القوارب قد انتهت بالغرق والموت وخداع المهاجرين السريين. ويعني هذا أن هذا الفيلم الدرامي عبارة عن مقاربة اجتماعية ودرامية لأوضاع المنسيين والمهمشين في منطقة الريف. وبالتالي، فهو تصوير صادق للمعاناة الإنسانية التي يمر بها المهاجر السري، ويستعرض مختلف المكائد التي يتعرض لها.

وهذا الفيلم من بطولة عمر فهمي وأسماء الغلبزوري، وقد التقطت مشاهد هذا الفيلم في منطقة الريف وضواحي الشمال المغربي. أما الموسيقا التصويرية، فهي للفنان الأمازيغي الريفي وليد ميمون.

 

المطلب الثالث:  فيلم (ءاشعاب ذ-  ءوشان/ الذئب والثعلب)

يعد هذا الفيلم الكوميدي الفيلم الثالث الذي أنتجه المخرج مصطفى الشعبي، بحوار الحسن عفيف، وقصة أسماء الغلبزوري . وهو بمثابة تمثيلية، أو سكيتش فيديو، وقد أخرجه صاحبه سنة 1998م. وقد أشر عليه المركز السينمائي المغربي  بالرباط سنة 1997م، برقم:54. والفيلم من بطولة أسماء الغلبزوري، وعفيف الحسن، ومحمد بنعماري. وهو كذلك من إنتاج شركة أسماء فيلم.

 

المطلب الرابع:  فيلــــــــم (حمادي)

أخرج هذا الفيلم الأمازيغي الريفي مصطفى الشعبي سنة 1996م. وهو عبارة عن فيلم فيديو درامي، يتحدث عن قضية اجتماعية تعكس الواقع المغربي، تتمثل في طالب شاب عاطل ومجاز، يبحث عن العمل الذي يصون آدميته، فيتجه إلى الشركات لعله يجد عملا يحفظ كرامة وجهه. لكنه يعود بخفي حنين.وأكثر من هذا فقد توفي أبوه، وتزوجت أخته، وبقي وحيدا، فضاقت عليه السبل، فاختار الهجرة السرية حلا للتخلص من الورطة التي يعيش فيها. ويلاحظ أن هذا الفيلم عبارة عن شريط فيديو (VCD). وقد كتبت زوجته أسماء الغلبزوري سيناريو العمل.

 

المطلب الخامس: أفلام سينمائية متفرقة

أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام  الكوميدية والوثائقية المتنوعة منها:  فيلم (أمازيغ) سنة 1999م، في شكل فيلم فيديو درامي. وأنجز أيضا أول فيلم وثائقي تاريخي عن أسد الريف بعنوان (محمد بن عبد الكريم الخطابي)، وهو من إنتاج التلفزة الهولندية سنة 1994م. كما أخرج فيلم  (إمطاون / الدموع ) سنة 1995م. وأخرج كذلك الفيلم الكوميدي(أغندف توذارث)، إلى جانب أفلام أخرى كفيلم (الرايس أوشن)، و فيلم (الدكتور بوسحاسح)، و فيلم (بوليس ميغيس) الذي تعود بطولته إلى الممثل الريفي فريد أمغار، و حسن عفيف، و أسماء الغلبزوري، وآخرين... وقد وزعت هذه الأفلام كلها وطنيا و خارجيا.

ومن المعلوم، الآن، أن مصطفى الشعبي بصدد إخراج فيلم بعنوان (إيزري ن - تمورث /أنشودة الأرض) الذي يعد أول شريط سينمائي ناطق بالريفية . أما كتابة الحوار والسيناريو،  فهو للسيناريست الأمازيغي الريفي الدكتور جمال أبرنوص. والفيلم عبارة عن دراما اجتماعية في قالب حكائي مأساوي، يرصد العلاقة المتينة بين الإنسان وأرضه، واستجلاء مختلف التحولات التي طرأت على هذه العلاقة الارتباطية إيجابا وسلبا، ولاسيما بعد الانتقال من البادية إلى المدينة.

ويستعرض الفيلم أيضا حكاية طفل ريفي يتيم ورث عن أبيه ضيعات فلاحية كثيرة، غير أن عمه سلبه إياها بغية استغلالها لمصلحته الشخصية. وفي هذه اللحظة بالذات، سيكون الطفل مجبرا على الهجرة إلى المدينة ليستغل مجددا من قبل رب العمل.

وسيعهد تشخيص الأدوار السينمائية في هذا الفيلم إلى مجموعة من الطاقات المسرحية الواعدة بالمنطقة الشمالية. إضافة إلى أسماء وازنة أخرى معروفة في الساحة الفنية على الصعيد الوطني.

وخلاصة القول، يعد مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية بمنطقة الريف منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بكل جدارة واستحقاق. وقد ركز كثيرا على المواضيع الدرامية الاجتماعية، مثل: الأرض، والتاريخ، والتربية، والهجرة السرية، والاستغلال، والظلم الاجتماعي، والسحر، والخرافة، والشعوذة... كما تناول قضايا واقعية شائكة في قالب كوميدي ساخر. دون أن ينسى هذا المخرج قضايا الأمة الجديرة بالتناول كقضية القدس على سبيل التمثيل ليس إلا.

وقد وظف كذلك مجموعة من اللغات على مستوى الحوار، مثل: الأمازيغية، والدارجة، ومزيج من اللغات الأجنبية...

 

mohamad-alshawiلكل عمل فني متلق عام وآخر خاص؛ لا سيما أن الفنان يبتغي من وراء عمله التعبير عن إحساسه اتجاه قضية من القضايا التي تخالج فكره .

والفنان التشكيلي العربي هو جزء لا يتجزأ من بنية عامة وهي الثقافة العربية، وخصوصا في شقها الإسلامي الذي ارتبط بالحلال والحرام، وما أعقب ذلك من تسليط للضوء على قضايا رسم الإنسان والأعضاء التي دعا إلى تحريمها الفقهاء بدريعة بعض الأحاديث الضعيفة التي تتخذ كحجة من الحجج الواهية. وهذا أكبر عائق ابستيمولوجي حال بين المعرفة العالمة في شقها الفني، والمعرفة الدينية المنمطة في شقها الفقهي الذي لم يتأسس على نصوص صريحة لمنع الإبداع البشري . فهل استطاع الفنان العربي التعبير عن ثقافته بغض النظر عن تاريخ تطور الفن عند العرب في شقه الديني المانع للرسم والتصوير ..؟ وهل استطاع أيضا الفنان العربي خلق فن تشكيلي يراعي مقومات الهوية والبنى الإجتماعية المكونة للثقافة العربية ؟ أم إنه سجين تصورات غربية تؤطر فكره وأفق تصور الفني كمحاولات لاستنساخ ما أنتجه الغرب وعكسه بمسلاط نحو الذات العربية للمجتمع العربي معتمدا على معيار المماثلة لخلق أشباه ونظائر ؟

ما هو معيار الحكم الجمالي عند المواطن العربي في تلقيه للعمل التشكيلي؟  وهل استطاع أن يرقى بذوق هذا المواطن نحو فهم حقيقة الفن وجوهره؟

في تقديرنا لا وجود لعمل فني يرتبط بجهة معينة، سواء تعلق الأمر بالشرق أوالغرب، ما دام هذا العمل من إنتاج الذات الواعية المبدعة، فهو عمل يحتفظ بصفته الكونية وبالتعبير عن المشترك الإنساني .

وثاني عائق إبستيمولوجي - بالمعنى البشلاري - يعوق سيرورة تلقي العمل الفني مسألة الذوق الجمالي، وهي وليدة ركام وخبرة كبيرة في الاطلاع على الثقافة البشرية ومعرفة خباياها، هذه الثقافة التي تعبر عن الإنسان والعالم .

وللأسف ما زال المواطن العربي يذعن للأعمال التشكيلية المحاكاتية لنماذج من الطبيعة كزرقة المياه والزهور والأشجار والجبال ...

وبنماذج أخرى تتجذر في عمق الهوية العربية كالتعبير عن المرأة البدوية في صيغ مختلفة على حسب البلدان التي ينتمي إليها الفنان، أو التعبير أيضاً عن أجواء احتفالية لمناسبة من المناسبات كالدينية والوطنية أو لموسم من المواسم التي تمتاز بها منطقة من المناطق أو جهة متجهات الوطن العربي والنماذج هنا مختلفة ...

والملاحظ أيضاً أن هذا العائق الإبستيمولوجي ظل لسنوات من الزمن يهيمن على جل الأعمال التشكيلية لدى الفنانين العرب، ولا سيما تلك الفئة التي باعت منتوجاتها " الإبداعية " بثمن بخس خدمة للبورجوازية التي صارت تقدم لهم موضوعات وتيمات أعمالهم الفنية، حيث اقتصرت وظيفة هؤلاء على النسخ والتصوير وكأنّهم آلة فوتوغرافية ...

وظل السؤال على مرور أزمان طوال لماذا لم نرقى بذوق المواطن العربي نحو عتبة مقبولة - لا أقول حسنة أو جيدة - لفهم الفن ومحاولة للصعود به في سلم التذوق؟

1117-tashkilما زال هذا السؤال يسكن أدمغة المبدعين من التشكيليين العرب وغيرهم من الذين ساروا على درب الإبداع بخطى ثابتة بهاجس أساس مؤداه هدم بادئ الرأي التشكيلي الذي ارتبط بتلك النماذج التي ذكرناها آنفا والتي ظلت للأسف لصيقة بوعي المواطن العربي حتى ظن أنها جوهر الفن التشكيلي .

وثالث هذه العوائق يرتبط بالفنان التشكيلي في حد ذاته من خلال مشكلة اللغة التعبيرية التي ينبغي أن يتوفر عليها في تذليل الصعوبات ورفع اللبس لتقريب المتلقي من عمله، فكيف يعقل أن يتعذر على فنان أبدع لوحة تشكيلية أن يوضح فكرتها لجمهوره في قاعة العرض وأن يعمل على تفسير مكوناتها ؟

لست أدري هل المسألة ترتبط بافتقار الفنان التشكيلي العربي للمعلومات النظرية وللتعابير الدالة على إبداعه ..!!

 للأسف الشديد لقد اقتصرت المعارض العربية على عرض اللوحات بطريقة نمطية وشرب العصائر وأكل الفطائر والحلويات ...

دون تحليل نقدي أو قراءات في اللوحات يقدمها نقاد الفن الذين اقتصر عملهم على الكتابة الصحفية التعريفية بالفنان وبمنجزه التشكيلي الذي وسم مرحلة تكوينه وأماكن عرضه ...

فضلا عن كتابة الإطراءات والمجاملات والكلمات المعسولة في دفتر زوار المعرض .

أما العائق الإبستيمولوجي الرابع فمرده إلى راهنية الخطاب التشكيلي المعبر عن روح العصر، عبر تقديم منجزات تشكيلية تستدمج هذه الروح للمتلقي العربي. فإنه في نظرنا مازال الفن التشكيلي لم يستجب لقضايا المواطن العربي وللفن العالمي على وجه التحديد، لكون راهنية التعبيرالتشكيلي هي جزء لا يتجزأ من الإسمنت الثاوي لبنى الفكر البشري على مر العصور، فهي هموم وأحاسيس الفنان التي يعبر عنها بأشكاله وألوانه وتصوراته الذهنية les notions cognitives لا سيما تلك التي تتطلب تحليل وتأويل الأشياء الكامنة داخل بواطن الخطاب الفني، باعتباره خطابا من الخطابات، إذ يبتغي وراءه الفنان أن يحاجج على قضية من القضايا والتعبير عنها .

فالمعارض الدولية التي تنال فيها جوائز ليست وليدة محاكاة فوتوغرافية بل إنها جهد وعمل منهجي وتقني يشكل الفن ذاته . كما أن الفنان مطالب بأن يدافع عن عمله التشكيلي ويقوم بشرحه منهجيا وتقنيا حتى يقنع اللجنة بصدق الدعوى التي يتبناها في عمله التشكيلي .

كما تجدر الإشارة هاهنا إلى الصراع الذي يجد أرضا خصبة وسط الفنانين التشكيليين العرب ما زال قائما وعلى أشده، ليس بين بلد وآخر فحسب، بل إنه داخل البلد الواحد، بين من يدعي الأكاديمية والدراسة العالية والتكوين الغربي وبين من درس في معاهد الفنون العربية على قلة التخصصات العليا في هذه البلدان ما عدا مصر التي تواكب حركة التعليم العالي للفنون . أضف إلى ذلك تعالي الأنا لدى من ينعتون أنفسهم بالأكاديميين بين الفنانين العصاميين الذين لا يقلون شأنا عنهم، وليأتي بعد ذلك في الدرك الأسفل الفنانين الشعبيين من الفولكلوريين الذين لم يطوروا أعمالهم بل ظلوا تجاريين يحذون حذو النعل بالنعل .

إن هؤلاء يشكلون كثرة في المشهد الثقافي وقد دعا الفنان التشكيلي المغربي الراحل محمد شبعة إلى استقطابهم بدور الفنون وبالمعاهد من أجل أن يطوروا فنهم نحو الخروج من الشعباوية نحو العلمية والإبداعية الخلاقة يقول: "لقد كنت على حق – وكان ذلك ضروريا- أن أناهض ذلك، ولكننا لم نكن نناهض الفنانين..كنا نناهض التوجيه والتأطير والتحريف الذي كانت تقوم به جهات معروفة للأسف. إن هذه السياسة أجهضت ما كان يمكن أن نقوم به نحن في ظروف أخرى، من استقطاب لبعض التعابير الشعبية وحمايتها وتطويرها، ولكن في إطارها الشعبي: أي أنه لا يمكن أن تحول فنانا فطريا، وأقصد بالفطرة الأمية الأدبية، بحيث يفكر بشكل منهجي في عمله ويعبر عنه وينشئ خطابا حول أعماله. هذا النموذج من الفنانين، هو الذي كنا نريد أن نحتضنه ونؤطره. فليس لأنه فنان شعبي تلغى عنه هذه الضرورة. إنما نريد أن يكون الفنان الشعبي قادرا على الانتقال إلى مرحلة محترمة وهذا لم يتم"، لكن للأسف فقد رفض بعض الفنانين من الأكاديميين ذلك بذريعة التساوي مع من هم أقل منهم ولأنهم استطعموا حياة الترف والصالونات والحوارات الصحفية المحاباتية ...

وهي نفس الدعوة التي دعا إليها الفنانون الرواد من المصر أمثال فؤاد كامل ورمسيس يونان وجورج حنين في جماعة " الفن والحرية ".  ومحمد الناجي وراغب عياد في جماعة " أتلييه القاهرة " ...

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن هذه العوائق الإبستيمولوجية في نظرنا، قضية إشكالية رئيسة من القضايا التي يطرحها تلقي الفن التشكيلي داخل الوطن العربي، ونحن ها هنا لا ندعي الإحاطة بها ككل، بل إننا نقدم في هذه الورقة بوصفها أرضية التفكير والتحليل والمناقشة محتمين بلواء الفلسفة التي توجه أفق تفكيرنا وتنير بضوئها جميع العقول المبدعة .

لكن هل استطعنا بالفعل خلخلة العقل العربي ونقده من داخل بنيته لقبول الفنون والإبداعات البشرية من أجل الرقي به من التفكير العامي الشعبي نحو التفكير العلمي المنهجي؟ فإلى أي حد استطاع الفنان العربي من خلال عمله الإبداعي أن يدعو المتلقي لفنه ولا سيما من بني وطنه نحو طلوع أدراج الفن وثقافة الذوق من أجل تقديم تحليل ومناقشة له ولم لا أن ينتقده علميا؟

 

khadom shamhod1 - نرى اليوم ظاهرة انتشار المعارض الفنية التشكيلية في العاصمة مدريد وفي غيرها من المدن الاسبانية الكبيرة مثل برشلونة ، وهي ذات اتجاهات قائمة على فنون المطابقة للطبيعة في صورها العديدة من الكلاسيكية والاكاديمية و الرومانسية والواقعية الى المدرسة التأثيرية ..   وكأن فيها دعوة الى احياء التراث الفني القديم والى اولئك المبدعين من الرواده .. وهذا يذكرنا بعصر الافلاس الفكري الذي ساد اوربا في العصور الوسطى (العصور المظلمة) حتى قيام عصر النهضة الذي نادى بالعودة الى ثقافة الاغريق وعلومها وفلسفاتها وروادها بعدما طغت ثقافة التخلف والخرافات الدينية على شعوبها وحبس اهل العلم والتنوير واحرق البعض منهم وعم التصوف والزهد وعبادة الصور . وفي هذه العصور حدثت حرب الايقونات (ايكونوكلاستا) بين الاباطرة البيزنطينيين ليون الثالث وليون الخامس وبين كنيسة روما وغيرها ودامت حوالي 120 سنة . والتي بدأت منذ عام  726 م الى 843 م   .

 1115-khadom1وكان الاباطرة قد حاربوا عبادة الصور من اجل الايمان القويم ، وعدوها كرواسب وثنية ...

كذلك انتشرت الامراض الفتاكة نتيجة لعدم النظافة والايمان بالطب العلمي . وعندما طرد المسيحون المسلمين من اسبانيا عام 1610 كان اول عمل قاموا به هو تهديم الحمامات العامة والخاصة وعدوها من عمل الشيطان . وفي احد الندوات الثقافية التلفزيونية تحدث الكاتب والاديب الاسباني المعروف انتونيو غالا وكان يشغل رئيس جمعية الادباء ، ومن ضمن ما قال " ان الملكة ايزابيل الكاثوليكية -1451- كانت لا تستحم وان ريحتها نتنة  (وهذه من المعتقدات المسيحية القديمة) .. . وفي عام 1347 انتشر مرض الطاعون الاسود في اوربا وحصد الملايين من الناس وقضى على ثلث سكانها وقيل نصفها . .. كل ذلك وغيره  دعى المفكرين والادباء والفنانين الى النهوض والخروج من هذا المستنقع القاتل ونزع الفكر المتحجر والمتخلف . وبالتالي بدأ قيام عصر النهضة واصبحت الفنون والآداب تستمد روحانياتها وفلسفاتها واساليبها و فكرها من فنون الاغريق والرومان وكذلك من الفكر العربي الاسلامي وفنونه الذي كان مشعا في الاندلس ، وايضا  فنون عمارة المدجنين التي بقت مؤثرة في البناء الاوربي حتى اكتشاف الحديد واستعماله في البناء في القرن التاسع عشر ..

 1115-khadom2

المعارض المقامة حاليا في مدريد

2– قمنا اليوم بزيارة الى عدد من المتاحف والكالريات الفنية المنتشره في العاصمة مدريد للاطلاع الى ما وصل اليه الفن الحديث من تطورات واختراعات . وقد وجدت  ان اكثر المتاحف نشاطا وحركة والتي تعج بالزوار والسواح الاجانب هي متحف . 1- Thyssen والذي يعرض اليوم اعمال الفنان الانطباعي رينوار 1840 الذي يعد من ابرز عظماء فن القرن التاسع عشر حيث ارسى قواعد المدرسة التأثيرية بالتعاون مع مونيه . وامتازت الوانه بالاضاءة والصقاء والجمال . 2 - متحف Caixa Forum ويعرض اعمال الفنانين الايطاليين من القرن الثامن عشر . 3 - متحف مافري Mafri ويعرض اعمال المدرسة الوحشية التي ظهرت في عام 1905 وتزعمها ماتيس 1869 واشتهرت في بداية القرن العشرين وانهالت عليه الدعوات من المعجبين باسلوبه فدعي الى انكلترا وامريكا والسويد والنرويج وغيرها حيث كان له الاثر الكبير على الفن الحديث . وكان لزيارته الى المغرب عام 1911  تاثيرا كبيرا على اعماله ، حيث ظهر على لوحاته السجاد والبسط والنساء العربيات والزخارف الاسلامية . . - 4 - متحف دي البرادو El Prado. ويعرض فيه اعمال الفنان الافلامنكو بوش El Bosco  1450 وامتازت اعماله بالسريالية والفنتازية والخيالات الخارقة ، واعتبر البعض يوم ذاك ان بوش له صلة بالجن .. 5 - متحف الملكة صوفيا Reina Sofía ، ويعرض حاليا عدد من المعارض المتوزعة على قاعاته الكثيرة وتنحصر بين عرض الصور الفوتوغرافية القديمة واعمال عدد من الرسامين الاسبان من عقد الخمسينات وبين الاعمال الهندسية والاشياء الجاهزة من الفن الشعبي البوب آرت وغيرها ..

1115-khadom33 - هذه المعارض الفنية تعطينا انطباعا بالعودة الى الاهتمام  بالفن والفنانين القداما خاصة الرواد وان الفن الحديث قد وصل الى مرحلة الاشباع ، ولو انه من الخطأ الفصل بين المضي والحاضر فكلها عبارة عن حلقات متطورة ادت بالنهاية الى ظهور الفنون المعاصرة . واصبح الفنانون المعاصرون اليوم يستنسخون من الرواد والمدارس الفنية الحديثة والتي عاشت عصرها الذهبي منذ بداية القرن العشرين الى مرحلة الستينات .... 

 

khadom shamhodفرج عبو واحد من كبار الفنانين العراقيين المنسيين. ولد في الموصل عام 1921، درس الرسم في كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1950 . رحل الى روما ودرس الرسم وتخرج منها عام 1954 . عين استاذا لتدريس مادة الرسم في معهد الفنون الجميلة في بغداد بين اعوام 1954 و1967، ثم استاذا في كلية الفنون الجميلة في بغداد . وكان واحدا من مؤسسي جماعة بغداد للفن الحديث . كان لي الشرف ان اكون احد طلابه في كلية الفنون الجميلة عام 1972 . وكان عبو ينحو في اعماله نحو التجريد على غرار المدرسة التجريدية التعبيرية التي قادها الفنان الروسي كاندنسكي ..

 133-Faraabbo1

مفهوم التجريدة:

التجريد مفهوم قديم ظهر عند الاغريق حيث اعتبر جماعة فيثاغورس ان الجمال يقوم في الطبيعة على اسس تجريدية رياضية هندسية وعددية وهي اشارة الى ان الاشكال الهندسية كالمربع والمثلث والمستطيل والنقطة والخط وغيرها هي جميلة بحد ذاتها جمال مطلق .. من هنا خرج الفن التجريدي الذي اتخذ منزعا صوفيا .. ويمكن لنا ان نشاهد نوعين من التجريد الاول هو التجريد الهندسي والثاني هو التجريد التعبيري . الاول ظهر عند الفنان الهولندي موندريان الذي عمل على انتاج لوحات ذات اشكال هندسية متنوعة محددة بخط اسود .. والثاني نجده عند الفنان الروسي كاندنسكي . حيث اتجه الى الروحانيات واخذ اشكاله من الطبيعة وجردها، اصدر كتابا اسماه – الروحانيات – عام 1910 .

 133-Faraabbo2

البدايات:

كانت بدايات فرج عبو في الرسم مرتبطة بالاسلوب الواقعي التبسيطي ومستفيدا من التراث الشعبي البغدادي والمناطق الريفية بسحرها وزخارفها وجمال الوانها الحارة الفطرية التي نلمسها ظاهرة في الاثاث كالبسط والخيام والفخاريات وغيرها . ثم تحول الى التجريد متأثرا بمدرسة كاندنسكي الصوفية . كما استفاد من الزخارف الاسلامية – الارابسك – باشكالها الهندسية والنباتية المتداخله والمتقاطعة مع تداخل الضوء والضلال وتكرارها الساحر في الزخرفة، محورا لها ومعطيا صيغا ولغة جديدة جميلة .

فرجو عبو يطرع اشكال بصرية تجريدية واحيانا صوفية روحانية بطريقة الاختزال واصبحت الاشكال محورة لتعميق التعبيرية والفكرة واصبح سطح اللوحة عنده ميدانا للتجريب . وكما يقول بيكاسو (ان مهمة الرسام ان يرسم باستمرار) . ويعني ذلك ان حقول الفن والادب هي على الدوام عبارة عن حقول تجريب مستمرة بالتجديد والعطاء . ( وفوق كل ذي علم عليم)

 133-Faraabbo3

ذكريات الدراسة:

كان الاستاذ فرج عبو يدرسنا مادة نظرية تدعى - علم عناصر اللون - وكان قد الف كتابا بهذا الخصوص قبل فترة طويلة ومنذ ذلك الوقت بقى الكتاب مخطوطا على ورق ولم يستطع من طبعه هو او احد يطبعه له ربما لكلفته الغالية او كون المادة ليس لها شأنا كبيرا وسط الجمهور . وكثير ما كان يشتكي لنا من تلك المشكلة والمعانات التي جناها من وراء ذلك الكتاب . ويبدو انه لم يكن متعاونا مع السلطة في ذلك الوقت وقد اهمل .. ولكنني قرأت في الفترة الاخيرة بان الكتاب قد طبع بجزئين ويحمل عنوان – علم عناصر اللون - .. وفي عام 1975 قام طلاب الصف الرابع بشعبتيه الاولى والثانية برحلة فنية الى مدينة البصرة وكان الاستاذ فرجو عبو مشرفا عليها وكانت رحلة غاية في الجمال والمتعة . فقد تجولنا باحياء البصر العتيقة وازقتها وشناشيلها التاريخية الرائعة وكذلك على ضفاف شط العرب وسفنه الخشبية الواردة من الهند وشارع الكورنيش والخورة .. وخلال هذه الجولات كانت معدات الرسم معنا حاملينها على الاكتاف ، نرسم اينما حلينا وقعدنا .. وقد ختمنا تلك الرحلة بدعوة الجميع الى الغذاء في بيتنا في منطقة الجنينة . وقد هرعت الوالدة الى نساء الجيران تطلب المساعدة في التحضير والطبخ لان الاعداد كانت كبيرة .. وكان ذلك اليوم بمثابة احتفالية عرس للاهل والجيران .. (يرحم ذلك الزمان واهله) . وبعد العودة الى بغداد عملنا معرضا جماعيا للاعمال التي رسمناها في مدينة البصرة الفيحاء . وفي عام 1984 توفى الاستاذ فرج عبو فترك اعمالا رائعة وذكريات جميلة لا تنسى في قلوب طلابة ومحبيه .

 

manal albustaniيقول الفنان الروسي فاسيلي كاندانسكي أن نخلق عملا فنياً يعني أن نخلق العالم La création d'une œuvre , c'est la création du monde: ها هي  الفنانة العراقية التشكيلية رنا علي في لوحتها  الموسومة " لقاء أنكيدو جلجامش " قد وسمت اللوحة برؤية هندسية ذات مقصدية: وخلقت عالماً يشعُّ بالصداقة والألفة والضياء مستخدمة كل الأنساق الدلالية والألوان الدافئة البنفسجية والأرجوانية والخضراء والصفراء والبرتقالية في انزياح شعري يملأ المتأمل بفيض من المشاعر  الممزوجة بالاغتراب النفسي والحضاري  الذي يرمز إلى  واقعٍ دموي مؤلم . إن اللوحة مصقولة بقيم جمالية تطفح  بمشاعر الود الحار ذي المغزى الأسطوري: ومثقلة بمعاني التلاحم والشوق والحنين الذي تحرص الأنوثة على بثه في تمام الماهية: والتماثل بين الـ أنا والآخر من جهة الخصائص الإنسانية : جسدان متلاحمان:  يضم كل منهما صدره للآخر وعناق حار ينبض بالحب الدائم الخضرة من خلال نبتة الخلود  التي تتوسط قلباً واحداً هو قلب جلجامش الملك السومري الذي يرمز للسلطة وصديقه أنكيدو الذي يرمز للشعب: وقد جاءت النبتة رمزاً للعراق مهد الحضارات وأرض الحياة .

تعكس اللوحة معانيَ سامية غابت في حياة الإنسان المعاصر الذي ألغت فكره السياسة المليئة بالذوق الفاسد: الخالية من الأخلاق  لأنها أضاعت قيمة الإنسان في الحياة: فالوشم الذي نقشته الفنانة على يدي الصديقين جاء رمزاً للأمانة والوفاء والولاء: تأخذنا اللوحة مع الوشم إلى العصر البدائي: فالوشم في قاموس الرموز الفرنسي Dictionnaire Des Symboles , p.929 هو رمز للحياة البسيطة والحكمة السياسية والأمانة والتآزر والتماسك . إنّ رنا علي  تفسح للإنسان مجال التواصل الاجتماعي الرحيم مع أخيه الإنسان كالنسيج القوي المتماسك  الذي لا يتبدل : رمزت بالوشم إلى العصبية السياسية التي توشّم بها سياسيو الوقت الراهن  فقضوا على فكرة الترابط  الإنساني:  لتقول إنّ الإنسان هو الأساس: وإن تلاحم الإنسان مع الإنسان في ساحة الحياة هو الأمومة الحاضنة في زمن غابت فيه الحكمة واللغة المتراصة .

 اللون البنفسجي  في تدرجه واللون الأرجواني حضرا بنغمية انسيابية مليئين  بطاقة سحرية ولغة بيانية تفيض بالنشاط والحيوية  والعاطفة والسمو في الإبداع الفني: وهما يعبران عن القرابة الروحية ذات الطقوس الأصيلة الدافئة  التي تناقض عاطفة الكراهية والشعور بالنكد والحقد والنفور والتعالي . تؤكد الفنانة رنا علي على عاطفة الخير التي يرى فيها الفيلسوف الانكليزي  ديفيد هيوم الرغبة الطيبة: وأن العاطفة أساس الأحكام الأخلاقية: وأنّ الصداقة هي غذاء الروح مماثلة لغذاء الجسد . ربطت الفنانة الصداقة بشجرة اليقطين التي أنبتها الله على النبي يونس عليه السلام  وورد ذكرها في القرآن الكريم " وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ": فاليقظين ثمر ذو  ملمس ناعم وشكل مضلع  ولون برتقالي أبدعته الفنانة بدفء عميق : فالصداقة تحيل الروح من حالة التوتر والسوداوية والعزلة إلى حالة التوازن والعمق المضيء  لما لها من فضائل كريمة ومذاق حلو يزيل الحزن والاكتئاب  ويطرد الذباب الطائفي  وجراثيم أمريكا التي ولّدت  الحروب وأمراض السرطان وارتفاع ضغط الدم وأشعلت نار الفتنة بين الإنسان وأخيه الإنسان :  انزاحت باللون الأصفر انزياحا بيانياً   وألغت رداء يهوذا الأصفر المسموم بالخيانة لتجعل منه سوراً يحمي المحبة مبنياً على أسس حضارية: اللون الأزرق  الذي يربطه كاندانسكي بالتصوف: جعلته رنا علي لوناً يطفح برؤى تفسح المجال للقيم التي تحترم القوانين وتبني الأوطان وتنهى عن التسيب والعبث بالبنيان والإنسان لذا نراه  ينساب إلى أبعاد غيبية لما للصداقة من معانٍ روحية تقود إلى الإيمان والهداية  وتُبعد عنّا الحيرة  قال تعالى " حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ": تنفي الفنانة الأنانية المادية التي تُبنى على الطابع النفعي: تشير إلى محنة الإنسان في عصر الهزال والعراء والإعياء والسقام: فالصداقة هي همزة الوصل بين الأرض والسماء والماضي والمستقبل:  تنأى عن الارتباك الذي سببته فلسفة ما بعد الحداثة : وانحرفت نحو التيه وعدم معرفة وجه الاهتداء وخلقت الاختلاط والتشويش  بدلا من أن تكون  الأم الحاضنة للإنسان تنتشله من الظلم: فإنسان اليوم هو يونس عليه السلام وهو في العراء منبوذ وسقيم .

إنّ جماليات العمل الفني تزداد سمواً حين تهزُّ الروح بمضامينها الإنسانية فهذه اللوحة رسالة فنية أصيلة تعكس مأساوية الظروف التي يعيشها العالم  وقد ساد الاضطراب والعنف والفساد السياسي والتعصب الطائفي والغموض  الذي يجعل الإنسان في حيرة من المصير الذي يتربص به: لهذا تؤكد الفنانة على الصداقة وتربطها بالإدراك الحسي والروحي والنوايا الواضحة : تُعمِّق من خلال الفن فكرة التصالح والإيمان بالقيم العليا  والوعي  بوجود الآخر والتحرر من مركزية الذات من أجل الانفتاح على الآخر والتعامل معه بسلوك إنساني . إنّ الفن يحثنا على التواصل السلمي  ويلتحم بصميم الفلسفة  فالاتصال الحقيقي يتمثل برؤية ماكس شيلر في التعاطف فلا غنى للأنا عن الغير.

رسمت الفنانة رنا علي التو اشج الإنساني كتواشج أغصان الأشجار وتداخل الشرايين والأوعية الدموية في الجسد بفاعلية تبث الحياة في الجسد الاجتماعي في عصر توا شجت فيه الهموم في القلب: فالتواصل الأصيل يساعدنا على تجاوز المآسي والكوارث التي حلت بنا: فحياة الإنسان كما يقول توماس هوبس حياة استفزازية قذرة مُضرة  ذات طابع وحشي . الفنانة تدرك بوعي عميق أننا نعيش في الوضع الحالي حالة من الهمجية قائمة على الشر والتطاحن والنزاع ألسلاحي الشرس لذا تنزع إلى الميول العاطفية وتدعو للسلام واستخدام العقل الذي يسمو على الشر بالقوة الأخلاقية: فالحياة الإنسانية قائمة على التشابه والتماثل و ليست مجالاً للبطش والتحايل والمكر والتبختر الذي تمارسه القوى الشريرة التي تدور حول نفسها وتعيش بغرائزها التدميرية النزّاعة للميول التخريبية للإنسان وللبنية المحيطة به: تلك القوى التي جعلت من العالم حرباً لا هوادة فيها وغمرت العالم بأجواء مكفهرة ليل نهار.

تدعو اللوحة إلى التحرر من الانطوائية والاندماج مع الآخر بنقاء وصفاء وثقة وسلام في حياة يسودها النور والنظافة . تدعونا إلى لغة متماسكة حسنة الالتحام: والعودة إلى الحالة الصافية والطبيعة السليمة التي لم تُشَب بعيب: وإلى السلامة والاستقامة في واقع بعيد عن الطغيان والآفات والنقائض لذا تجلت اللوحة بمضامين وجدانية ودلالات تسبح في فضاء كوني تدعونا إلى الرفق ببعضنا والتوحد في الكينونة . غمرت الفنانة اليد بهيمنة إنسانية طافحة بالحنان والاحتواء: تفضح غياب العدالة والمساواة وبحضورهما يزول الشعور بالغبن والخوف: رسمت رنا علي رباطة الجأش والرصانة والشجاعة في التآلف  مؤكدة وظيفة اليد التي تبني ولا تقتل ولا تهدم ولا تُلهب النيران . فهي تجسد لغة الحضارة العراقية : حضارة ما بين النهرين السومرية والأكادية والآشورية والبابلية من خلال الرموز  والخطوط الزرقاء والبيضاء التي فاضت بلغة القيثارة: لغة الموسيقى السماوية الملائكية التي توحي بلغة الأسرار ذات  الخطاب الروحي الذي يلغي الفوضى والضجيج وغبار التعصب والتمسك بالقيم البالية  .

إنّ لغة الجسد لغة عميقة في معانيها الروحية جسدتها الفنانة بلغة الفن: لغة التواصل والرموز والإشارات: وراحت تحثنا فيها على الخُلق الجمعي في عصر  اتسعت فيه مساحات العنف والسلوك العدواني: إنها تعبر  عن حاجات جوهرية غابت في حياتنا من أهمها الحماية . فقد نثرت الفنانة  على الأرض أوراق الزيتون رمزا للسلام:  بنسق تعبيري وظلال ومعانٍ  مثقلة بالجمل اللونية  المُثبتة: وجعلت من الماضي البعيد حاضرا نفت فيه العداوة والحقد لتجعل الفعل الأساسي التجدد المستمر، مزجت اللونين البرتقالي والصحراوي  بصورة من الألفة ألغت الفردية لتجعل من المجتمعات الإنسانية متآزرة المشاعر،  في عناق يملأ الحياة بالبهجة والصفاء فبدت اللوحة كأنها رقصة هادئة في فردوس أرضي متناسق خالٍ من التشابك يخفف من توتر الحياة والغضب .

 تجلت الساعة اليدوية في المعصم رمزا للزمن وللصداقة التي تنشط ضربات القلب وتساعد الإنسان على الانفلات من عجلة الزمن الأصفر المكفهر والرمادي الأسود الكئيب إلى زمن أكثر رأفة بالإنسان.

إنّ الفن في رؤيتها قلب يناضل من أجل الخروج من السلطوية: ومن أجل  الحرية التي تطفح بنور الصداقة الفطري الذي يحررنا من القلق والوحدة: وجعلت  الغلبة للقلب الذي هو منبع العاطفة والوجدان: ألغت الرأس الذي يحوي العقل الذي ينزع نحو الهيمنة والسلطة والسيطرة والتقنية والمنطق الضيق في هذا العصر الأناني: الذي هو في رؤية هيدجر الفلسفية  عصر الذاتية التي هي أرضية المشروع الحداثي: من أجل أن تنأى رنا علي بالإنسان المعاصر عن السيوف المسلطة فوق رأسه وتنتشل العالم من الدم لتتجه صوب الفكر الحر الذي يلغي الفوارق ويزيح الحواجز بين السلطة والإنسان ويجعلهما في حالة وئام .

تؤكد الفنانة على الصداقة من خلال العنوان " لقاء أنكيدو جلجامش " الصديقان اللذان يجسدان عبر التاريخ صورة الألفة الإنسانية بمعناها الجوهري: و تبسطها بهذا العناق الحميم: لا تبقيها حبيسة في حدود بل تغمرها بنور عفوي حدّ أنّ اللوحة بدت ذات رمزية عميقة للمتأمل كأنها أم تشدُّ بقوة طفلها إليها: تعبيراً عن الحاجة إلى قيادة ذات طابع يحمل سمات الأمومة  وهي أقوى رابطة إنسانية لذا توهجت بالحماس والطاقة الذين ينزعان نحو محو لغة  الشر وكل آلياته المتمثلة اليوم بالطائفية والنزاعات العرقية ذات الحدة والخشونة فأبرزت الفنانة العصب الإنساني الذي يُؤمّن إدارة وظيفة الإنسان الكونية  للسير في الحياة العارمة بالسلام والعافية  .

ازدانت اللوحة بالحنين إلى الإنسان الفطري من خلال الزخرفة التي لازمت الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ فتجلت بتكوين فني تشكيلي تعبيري متكامل وانسجمت الألوان في علاقات متناغمة  رغبة من الفنانة رنا علي في استحضار مبادئ الجمال الإنساني فتكشّفت  الملامح الميتافيزيقية للوحة ذات طابع  اغترابي نمسك من خلاله بالحنين للازدهار الحضاري  والفكري والمعرفي لحضارة وادي الرافدين التي تصارع الوجه القبيح لأمريكا السلطوية التي تحكم بتعسف ولا تسمح بمعارضة أو اعتراض وصديقتها الطائفية وهما مقطوعتا الرأس. 

 

د. منال البستاني

 

 133-ranaali

 

khadom shamhodيعتبر الفن الحديث عصارة الفنون والثقافات والمفاهيم القديمة وحصيلة ضخمة لظهور شتى المذاهب والمدارس الحديثة التي سطعت بافكار ونظريات فنية جديدة، حيث انطلق الى آفاق لم تكن معهودة من قبل وقد تحرر من القيود التي كبلته في الماضي وجعلته اسيرا لاوضاع المطابقة من اكاديمية وكلاسيكية، ورغم تضارب الافكار والاساليسب الا ان الفنان اليوم استفاد من التطور التكنولوجي ووظفه بشكل رائع ومبدع في منتجه الفني .. كما حدثت مراجعة للنظريات الجمالية اليونانية القديمة والعمل على ايجاد نظريات اخرى جديدة في الفن حتى يستطيع التحرر من قيود الماضي والاعتماد على براءة التعبير وتلقائيته واستحداث اساليب مبتكرة ... ومن زعماء فن الحداثة هم .

1106-KHADOM1

 

 1- Crist Gabravo – 1935 –بلغاريا - وهو فنان حداثي ذو ذهنية واسعة مبتكرة وجريئة. سافر الى باريس في نهاية الخمسينات وتعرف على الفنانة- Jeanne Claude 1935- عام 1958 وقد قررا الاثنان العمل سوية في مجال الفن وان يأتيان بما لم يأتي به السابقون .. وقد استخدما قطع القماش الكبيرة التي تمتد مئات الامتار من اجل تكوين اشكال بصرية غير مألوفة وجديدة . حيث عمدا الى تغطية الجسور والبنايات والجزر وغيرها بقطع القماش .. وكان كل مشروع يستغرق عدة اشهر لتنفيذه ويشترك فيه عشرات العمال وادوات التنفيذ، ويتم العمل في الهواء الطلق وامام الجمهور مباشرة .. ولكن هذه الاعمال لا تستمر طويلا حيث يعتبر عرضها موقتا ثم تزال نهائيا ..

1106-KHADOM2

 

2 - Matta Clark 1943 وهو فنان امريكي من اصل شيلي، جمع بين الرسم والعمارة والتصوير الفوتوغرافي . وكان يذهب الى البنايات القديمة التي تخلى عنها اهلها او التي شملها قانون الهدم والازالة، فينفذ فيها افكاره الخيالية، منها القيام بعمل شق عريض في العمارة، عمودي الاتجاه كما لو كان قد قصه بمنشار . فيميل الجزئان من العمارة الى جانبيهما ويسندهما بمساند قوية اعدها مسبقا لذلك .. او انه يقوم بفتح ثغرة عريضة في البناية تمتد الى ثلاثة طوابق حيث يظهر ما في داخلها من اثاث .. وهذا النوع من العمل الفني يطلق عليه - بالفن الحركي –

Arte de acción ويعني ذلك ان اللوحة الفنية هي حركة العمل والتنفيذ او النشاط الذي قام به الفنان . هذه الاعمال قد تستمر لمدة طويلة ولكن حسب مقاومة العمارة وقانون الهدم والازالة .

3 – في عقد الستينات ظهرت جماعة في فينا استخدمت جسم الانسان كمادة في العمل الفني حيث وصلت الى مرحلة تعبيرية قوية استخدمتها في نقد الواقع السياسي وتقاليد المجتمع .. وكان ابرز هؤلاء الفنانين هو Hermann Nitsh 1938 - حيث استخدم الدم في تغطية اشكال الاجسام تعبيرا عن الموت ونهاية الانسان او الاعتداء على النفس المحترمة .. والفنان الآخر هو Gunter Brus 1938 الذي استخدم مواضيع وطقوس دينية قديمة كمآتم الصلب والتعذيب الجسدي والاحتفالات الجنائزية والتشيع .. وكل هذه المشاهد والاعمال تنفذ على شكل مسرحي يشترك فيها عدد من الاشخاص .. والفنان الآخر من هذه الجماعة هو Rudolf Schunarzkogler 1941، هذا الفنان استطاع من تحطيم الحدود الفاصلة بين الفن والحياة والجنون وقد عمد الى القيام بحركات واعمال مغامراتية ادت بالاخير الى فقدان حياته . وكان قد استخدم طريقة التعذيب الجسدي كغرس المسامير او الاشواك في جسم الانسان او يترك الجسم ان تزحف عليه الديدان، وقد اخذ افكاره من الثقافات و التقاليد البدائية القديمة التي كانت تمارسها بعض القبائل في مناطق افريقيا وامريكا الجنوبية او في مناطق آسيا، من حيث تقديم القرابين الى الآلهة او طرد الشرور حسب معتقداتهم .. كما ان الصوفية المسيحية القديمة كانت تنحو هذا النحو .. وتقول الفنانة الايطالية Gine Pane 1939 – ان هذا اللون من الممارسة الفنية يعكس لنا صورة ضعف جسم الانسان وشعورة بالالم و منه نكتش ايضا فلسفة الوجود الانساني وفنائه ..

 

حملت أوراقي وكاميرتي لأجري تحقيقا صحفيا عن مسارح وسينمات بغداد أيام زمان، وبخبرتي المتواضعة في هذا المضمار بدأت رحلتي سيرا على الأقدام إنطلاقا من ساحة حافظ القاضي،وما هي سوى أمتار قليلة حتى صعقت، أين سينما الوطني؟ بح، أين أورزدي باك، سينما الرشيد، المقهى البرازيلي، مكتبة مكنزي؟ بح، سينما الشعب، روكسي، دنيا، بدالة السنك العملاقة؟ بح، اين سينما الخيام، غرناطة، السندباد، النجوم، أطلس، سميراميس، النصر، ..بح؟! أين السلالم الكهربائية في ساحة التحرير، كانت هنا نسرح ونمرح فوقها صعودا ونزولا أيام الصبا، أين محال نفق التحرير الجميلة؟ أين الهواتف العمومية في شارع السعدون بغرفها الأنيقة، كنا نهاتف بها بعضنا بعضا ذات سلام قبل ان تقرع الحروب المتعاقبة أبوابنا وأجراسنا وتحرق أخضرنا ويابسنا كل عقد من الزمان وآت؟

لا أكتمكم سرا أصابني الإحباط، وأخذ اليأس مني كل مأخذ وانا أتساءل كيف السبيل الى إصلاح كل هذا الدمار والخراب، كيف؟! جلست القرفصاء على جانب الطريق مقابل أطلال بابل – سينما بابل بعد تحولها الى محال مخصصة لبيع قطع الغيار – وأخذت أعبث بهاتفي النقال وأتصفح الفيس بوك واذا بصفحة صبية عراقية جميلة لا تفارق البسمة البريئة محياها، فتاة إسمها "جنات الرسامة " أخذني الفضول مدفوعا بنظرتها الواثقة لأواصل تصفح صورها ولوحاتها ونشاطاتها واذا بها تعاني من ضمور العضلات وتكلس العظام وتقوس العمود الفقري، بنسبة عجز تبلغ 100 % !!

1105-JANAT

واذا بها فنانة ترسم بقدمها اليمنى مذ كان عمرها خمس سنين لتواصل إصرارها وترسم بقدمها مستخدمة برنامجpaint ومن ثم طورت مهاراتها لترسم على الحاسوب تارة وعلى الورق تارة أخرى بأقلام الماجك والرصاص والخشبي والمائي والزيتي والاكريليك، وبدأت بتصمم الأزياء لتحقق حلمها في ذلك، لم يقف طموحها عند هذا الحد بل تعداه الى إقامة معارض وحضور مؤتمرات عدة مكنتها من الحصول على شهادات تقديرية ودروع تشجيعية وميداليات ملونة لتتوج تألقها بمعرض شخصي حظي بإعجاب الحضور واستدر دموعهم وألهب حماسهم فوقفوا لها مصفقين على هامش مؤتمر "تيداكس بغداد "، هنا لم أتمالك نفسي بعد شحنة أمل منحتني إياها تلكم الصبية ذات الـ 15 ربيعا "جنات الرسامة " وكأنني نشطت من عقال .

سألني أحدهم وكان يرقبني عن كثب من دون ان انتبه اليه، أراك ابتهجت بعد طول قنوط؟

قلت، كيف لا أنشط وتسري في جسدي النحيل شحنات الأمل وتجتاح أعماقي رغبة الجد والعمل والمثابرة وهؤلاء الخارقون الذين يرفعون شعار "impossible is nothing" قد أعلوا فينا الهمم، يعد تسلقهم بعناد سفوح المستحيل نحو القمم برغم اعاقاتهم فلقنوا البشرية عبر التأريخ دروسا في قوة الإرادة الفولاذية التي لاتلين، الألمان يفتخرون ببيتهوفن وسيمفونياته التسع التي ألف أروعها وهو أصم لا يسمع ! محمد بن سيرين المعروف بتأويل الرؤى وتفسير الأحلام كان مصابا بالصمم ايضا إلا انه بلغ من العلم ما دفع الشعبي ليقول فيه (عليكم بذلك الأصم)! مصطفى الرافعي الملقب بمعجزة الأدب العربي كان اصما، العداء الأفريقي أوسكار بيستوريوس، كان مبتور القدمين حين شارك في دورة الألعاب الأولمبية لأول مرة، السباح تيرينس باركين، الحاصل على الميدالية الفضية في دورة الألعاب الاولمبية 2000 لا يسمع منذ ولادته، الأمريكية، مارلا رانيان، فازت بـخمس ميداليات ذهبية في دورة ألعاب المعاقين ودورة أثينا 2004، وهي كفيفة !، البولندية ناتاليا بارتيكا، التي نافست بقوة في دورة ألعاب بكين بكرة المنضدة 2008 برغم اعاقتها الولادية بدون يد ولا ذراع يمنى ! النجم المصري إبراهيم حمدتو، الذي أذهل العالم بقدراته في منافسات دورة الألعاب البارالمبية 2016 في العاصمة البرازيلية ريودي جانيرو وهو يلعب تنس الطاولة بفمه وقدمه، بعد فقدانه كلا ذراعيه بحادث قطار فيما حقق الفيديو الذي أظهر طريقة لعبه المذهلة على اليوتيوب أكثر من مليوني مشاهدة !

 ابداعات جنات دفعتني لأعيد النظر في عشرات البرامج الانتخابية التي طرحها مرشحو الكتل والائتلافات خلال الحملات الانتخابية المتتالية فلم أجد من بينها برنامجا واحدا يعد الناخبين برفع الحيف والظلم الذي وقع على شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، وعددهم يربو على 2,5 مليون من الذكور والإناث في بلد مزقت أوصاله الحروب المتتابعة وشوه أجنته التلوث البيئي والإشعاعي، فضلا عن 25 مليون لغم ارضي تقتل وتعيق سنويا بين 13- 16الفا فهل هؤلاء خارج نطاق التغطية، أم ماذا؟

لم اسمع ببرنامج انتخابي واحد يتعهد بتأهيل ذوي الإعاقة البدنية وتشمل بتر الأطراف وتشوهها، والشلل النصفي او الرباعي، ولا اصحاب الإعاقات الحسية وتشمل الصم والبكم والمكفوفين، ولا اصحاب الإعاقات الذهنية وتشمل الشلل الدماغي، والأمراض العقلية، ومتلازمة داون (المنغول)، ولا اصحاب الإعاقات النفسية وتشمل الأمراض العصبية والذهانية بكل أشكالها والتوحد ولا شديدي العوق وهؤلاء يجمعون بين الإعاقات البدنية والإعاقات الذهنية، مع ان المادة 32 من الدستور العراقي تنص على، ان " الدولة ترعى المعاقين وتكفل تأهيلهم بغية دمجهم في المجتمع" .

شكرا جنات فلقد ألهمتني بإصرارك وتألقك وإبتسامتك اصرارا مماثلا لأجراء تحقيقات صحفية متواصلة بمعية زملائي في مهنة المتاعب والسلطة الرابعة عن معاهد الرجاء المتخصصة برعاية المعاقين ذهنيا وعددها 17 معهدا في عموم العراق، ومعاهد الأمل المتخصصة برعاية الصم والبكم وعددها 22 معهدا، ومعاهد النور وعددها 5 معاهد لرعاية المكفوفين إضافة الى معهدي السعادة والمنار لرعاية الأطفال المعاقين حركيا، ومعهدي الحنان التي تتولى رعاية الأطفال شديدي العوق، احدهما في بغداد والآخر في كربلاء عسى ان يتحرك الخيرون وذوو الضمائر الحية لتوفير المستلزمات الطبية الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة مجانا أو بأسعار رمزية (كراسي المشلولين، العكازات الابطية والمرفقية، سماعات خلف الأذن، الأطراف الصناعية، الوسائد المضادة للتقرحات) فضلا عن بناء ورش لتأهيل المعاقين كورش النجارة والسيراميك والرسم والخط والزخرفة والخياطة وتصليح الأجهزة الكهربائية والموبايل وشمولهم بمخصصات الرعاية الاجتماعية اسوة باقرانهم، اضافة الى أنشاء النوادي والمراكز الرياضية لتأهيلهم وزجهم في البطولات العربية والمحلية والبارالمبية .

 

nawaf abdulazizيمثل  الفنان العراقي نزار يحيى تمظهرات ما بعد الحداثة وفق ما جاءت بقصديه ازاء الواقعية المباشرة والتي  صورت ملخص الصراعات، ما ان تصبح ذيل لاحد او ان تدور بدوامة حرب لن تنهي. وهي معطيات تنسجم مع العمى الثقافي للسياسين. معاصر حداثوي كما اسماه الناقد الأدبي (تيدي ايغلتون)، بتعريف ما بعد الحداثي ” هناك قدراً من الإجماع على أن العمل الفني هو عمل لعوب ساخر حتى من الذات فعل محاكاتي حسي مباشر، مرتبط بتصورات ذهنية تنبثق من إحساسات وجدانية تسمو عن الصور المادية وتستقدم خلاصات صورية لتظهر طبيعة الأنساق الكلية التي تتجسد في النمط الإيقاعي من خلال الفعل الدرامي والحركة آلالية، العمل ذو متن حكائي تشكل العلامة محور مهم من معطيات الحسية وإن جذورها تشكل أثراً مهماً في صياغة فكرة وهذا ما اكدة (ديكارت) في إمكانية معرفة كل شيء في الطبيعة إذا ما استخدمنا الوسيلة المناسبة مع وجود الأفكار الفطرية في الذهن واستنباط القوانين والمبادئ العلمية من تلك الأفكار التي تقودنا إلى المعرفة الحقة في الانتاج وبالخبرة التي توصلنا الى مبتغى ناجح. الخطاب النسقي للصورة الجاهزة

1099-nawaf

بدا الفنان نزار باستعارة قوية من الفنان احمد البحراني متاثر باسلوبه كنحات  من عمله (حلبة صراع) التي مال أسلوب تنفيذها إلى التشخيص (التجسيم الاكاديمي الواقعي)، وبرمزية في التعبير ناهيك عن الصياغة ببوصلة دائرية لم تستقر على شخص محدد، حيث اعطى مديات باحتضان مدهش للقضية وضمن مجموعاته الاخيرة لا للحرب و ماذا لو كان ..رده فعلة الفنان الاجرائي ازاء الواقعية صورت ملخص الصراعات ما ان تصبح ذيل لاحد او ان تدور بدوامة حرب لن تنهي .وهي معطيات تنسجم مع العمى الثقافي لساسة الوطن العربي ككل بلا استثناء. معاصر حداثوي كما اسماه الناقد الأدبي (تيدي ايغلتون)، بتعريف مابعد الحداثي ” هناك قدراً من الإجماع على أن العمل الفني هو عمل لعوب ساخر حتى من الذات، بل انفصامي ومضاد لمزاعم الاستقلالية في المظاهر العليا للحداثة. تبصيرات مخيالية واسعة لدى الفنان موضوعة اضفت العلامة وسط العمل ايقونة كشاهد وقد ساهمت في التنظيم الشكلي وبالتعبير عن المضمون بشكل مندمج مع الواقع وهي نوع من أنواع المحاكاة للواقع بشيء من الاحساسات المباشرة التي يريد الفنان أن ينقلها إلى المتلقي بأمانة، كما يراها ويدركها المتلقي ولكنها لا تخلو من مظاهر ماورائية للظاهرة الآنية والتي تتحدى ظواهرها الخارجية والتي تحاول عما هو أساسي وجوهري وإعادة الموضوع إلى المحتوى العقلاني، وربما محاول للتعبير عن أفكار من خلال الشكل أو آليات الأفكار أشكالاً معروفة واضحة وملموسة ووسيلة لتحقيق العلامة. الا ان الاستعارة قد قدمها نزار يحيى باسلوبه الخاص عن طريق الفن الرقمي الذي يعمل عليه. صورة وهو إحساس بصري بصيرورة التعبير من إيحاء دينامي للعناصر تتجلى بعنصر الحركة التي تحول صورة المشهد إلى توصيف انفعالي، ينفتح لفك مغاليق الخيال، ويطلق العنان له، محققا له إستدراكاً وظيفياً لمعالجة المنحى الفلسفي للمضمون، وهو بالحقيقة تفعيل لنوع الصياغة الجديدة، عبر إثراء المخيلة بنوازع وجدانية تستقطب المستوى الدرامي لخصوصية الإظهار والمبالغة في تصوير والخروج عن النمط الكلاسيكي الذي استمر به اقرأنه من الفنانين جيل الثمانينات.

ينتبه نزار يحيى لما قدمه محمود العبيدي ويشرع في التقاط فكرة الوسام  هذه المرة تجربة محمود العبيدي التي قدمها والتي تمثل انواط الشجاعة وصور الرؤساء والبوسترات السياسية.جاءى على يد الفنان نزار يحيى كنوع من التكافل .والتي قدمها مؤخرا في كاليري البارح في البحرين. تجربته الإبداعية، تحرص على تقديم ما هو إشكالي ومفارق، في مستويي الشّكل والمضمون اضافة الى صفة جديدة وهي اشراك المتلقي باستخدام العمل وتصفحه وهذه ميزة جديدة اضافها الفنان. اذا ان بحثة يسعى إلى الكشف عن براعة النص في تطويع المادّة كنموذج روائي لإمكاناته التعبيريّة الخلاقة، في تعريته أبعاد الحكم ممثّلة بسلطة الدّين، الكرسي،الفساد، والاجتراء عليها، كمحظورات تعمل على تقزيم الإنسان، وعلى منعه أخذ دوره الصّحيح في الحياة.

 

 

يعمل الان هذا الفنان الدؤؤب على اعادة انتاج الانسان وفق تجربة (كويش) والتي عرفت في الفن بالشخص المنحني وسجلت لدى الجميع بالتجربة الخاصة بالفنان صادق كويش. ينتج يحيى مدركات البصر بطريقة الاختزال في ما تُسجّله العين استناداً إلى الصورة الفوتوغرافية والشكل المطبوع عدّ العمل حركة ضد التجريد وضد العقلنة في انتاج الشكل الثابت، حيث عبر بازدرائه بالقيم الجمالية، بإسرافه المتزايّد على النصّ البصري، وإبطائه للحدث وتوثيقة بجزئيين ويتضح لنا ام يحيى مزدحم بأصوات و عذابات فهو يخترق الزمن المفعم بدوائر أسطورية بوصفه موثق حدثي اول .ليشير من خلالها إلى شعريّة الحدث التي تعمل بالمقابل على خلق المسافة الجدلية بين الواقع والفنّ، رغم ما قد توحيه القراءة الأولى للنّماذج المختارة من المصادقة على الواقع، سواء أكان ذلك عبر المنطوق الظاهر المشاهد او المخفي تحت اعماله!!. علاوة على ذلك نجده يؤسس وفق تنظيم عقلي لعلاقة تصميمية بفعل الإزاحة بكلية الإحساس أكثر من اتصالها بما هو جزئي بدلالة التنظيم الجمالي (كلوحة معلقة) حيث استبصر بفكرة قرائية للزمان وفكرة قراءة الكتابة الإنسانية نفسها، فهي نص للقراءة والتمعن في معانيه المختلفة، وجعل الصورة تعبر عن معاني ما ورائية غير معلنة ذات دلالات حسية مجردة والتي لا تعتمد / الدلالة فقط / على معطيات المعرفة الحسية المحضة بل المعرفة الذهنية الذاتية.

ان تلك الالتفاتات لم تكن فقط من حصة ذكاء نزار يحيى فقد تاثر الفنان سيروان  باران كثيرا بتجربة محمود شبر،كما تاثرصدام الجميلي بتجربة كريم رسن ومحمود شبر.فضلا عن تاثر الفنان سلام عمر بتجربة الفنان ايمن بعلبكي. وهو امر علينا ان نتقبلi بوصف الفن نوعا من التاثر واعادة انتاج الجمال.

 

نواف عبد العزيز - ناقد فني

جدة

 

khadom shamhodيذكر بعض النقاد بان الحركة الرومانسية في الفن والادب نهجت منهجا هروبيا من قسوة الحياة و وطئتها الثقيلة ومتاعبها التي لا تركد ولا تنقضي، ولهذا فان اصحاب هذا المذهب خرجوامن استوديوهاتهم الى الطبيعة و ارادوا في مسلكهم هذا اخراج النفس الى الصفاء والنقاء والتغني بالحب وجمال الطبيعة .

يقول الفيلسوف ارين ادمان (لماذا نرى ان الفنانين والجماليين يهرعون الى الفنون الجميلة ؟؟؟ (ولماذا ينظر الى الفن في احيان كثيرة على انه هروب من الحياة ؟؟) .

1094-khadom1

ويقول ايضا ان الحركة الرومانسية انطلقت كثورة عاطفية لسكينة النفس وسلامتها وتحقيق رؤى حالمة وحساسة حيث لا تستطيع ان تعيش في الواقع بتناقضاته الاخلاقية وخصوماته المستمرة مما يدفعها للهروب منه . ولهذا فان هروب الحركة الرومانسية من الواقع الى الطبيعة كان قد تكرر في الفنون الحديثة حيث هربت من الواقع الظاهري الى عالم الميتافيزيق الى الروح الخالدة والغير فانية، الى المستتر ما وراء الاشكال ..

وقد اطلق الرومانسيون العنان للنفس واهوائها بعيدا عن مراقبة العقل وكان لها ارتباطا وثيقا مع الليبرالية والراديكالية، وفضلوا الليل على النهار حيث ان الليل يرفع الستار عن الاسرار ويكشفها وسط اجواء حالمة تهدأ بها النفس وتستكين .. وفضلوا رسم امواج البحار وهيجانها فهي قريبة من النفس وتلاطم افكارها وثورة العواطف في الالم والحزن او الافراح .. وكان الفنان الانكليزي ترنير 1775 من زعماء الرومانسية قد رسم الامواج العارمة بحيث لم تر في اللوحة غير مركب صغير وسط عاصفة من الامواج الثائرة ..

و الرومانسيون سواء كانوا في الفن او الادب خرجوا الى الطبيعة وتغنوا بها و بثوا فيها آلامهم واحزانهم وقارنوا بينها وبين مشاعرهم وحرارة وجدانهم وعواطفهم وبين مناظرها الخلابة (الصامتة) وكانوا يعتقدون بان الطبيعة هي مخلوقات لها ارواح تحس وتشعر مثلهم، فشرعوا يرسمونها ويستسلموا لمشاعرهم وخيالاتهم .. وهذا الاعتقاد يعرج بنا الى القرآن الكريم حيث يذكر بان ما من شئ في الكون من مخلوقات من دابة او جماد الا وفيها روح وحياة سواء كان حجر او شجر او ماء او غيره . ولكن نتيجة لقصور معارفنا ومحدودية علومنا فاننا لا ندرك ذلك .

1094-khadom2

(تسبح له السماوات والارض ومن فيهن وان من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) . (الم تر ان الله يسبح له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب.. )

و يذكر ان دواد –ع- قد اعطاه الله صوتا حسنا جميلا شجيا يطرب له كل من يسمعه وكان اذا رجع التسبيح والتهليل بذلك الصوت الرخيم الشجي طرب له الانس والجن و الطيور والجبال ..

 لهذا هرب الرومانسيون الى الطبيعة ومناجاتها واستشراق عالم الخيال منها والشكوى اليها من ظلم الواقع، وبث احزانهم ومشاعرهم العاطفية لعلهم يجدون في ذلك ضالتهم لطمأنينة النفس واستقرارها وراحتها ..

كانت الحركة الرومانسية قد ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر حيث بدأ الرسامون لاول مرة يخرجون من الاستوديو وقيوده الى الطبيعة وجمالها . وكلمة رومانسية هي فرنسية الاصل وتعني - الرواية – وقيل غير ذلك .. وكان اول الرسامين الجريئين هو الرسام الانكليزي جون كونستابل 1776 – وكانت الرومانسية ثورة على عقلانية القرون الوسطى وقيودها الجبارة وعلى تقاليدها الجامدة والمتحجرة . وكانت الطبيعة بالنسبة لهؤلاء الفنانين والادباء ملجئا يهربون اليه من الحياة وقساوتها .. وكانوا يعتقدون ان المصدر الحقيقي للجمال هو المشاعر والعواطف الانسانية من خوف والم وفرح والخيال الجامح وغيره ..

و كانت الرومانسية تؤكد على التعبير النفسي والعاطفي كاسلوب جديد بعيدا عن الموروث الفني الكلاسيكي القديم وقد انتشرت بين ابناء الطبقة الوسطى – البرجوازية – وشملت الادب والمسرح والفن، فظهر في الادب في فرنسا فكتور هيجو وديموسيه وشاتوبريان وفي انكلترا شيل وبايرون وفي المانيا جوتيه وشيلر وفي روسيا بوشكين .. وفي الرسم ظهر ديلاكروا وجيريكو وزارا انكلترا وتأثرا بالمدرسة الرومانسية الانكليزية واعجبا باعمال كونستابل وترنير ..

ومن خصائص الرومانسية ايضا التأكيد على الحركة الانفعالية وابراز العواطف والمشاركة في الاحداث المأساوية او المفرحة وبحركة فرشاة قوية والوان ساطعة مضيئة جميلة .. وقد وصلت الى عصرها الذهبي في انكلترا والمانيا واسبانيا ...

 

ibtesam yousifaltahirلكل مشاهد رؤيته للعمل الفني خاصة التشكيلي، وفق ثقافته وسعة اطلاعه على مختلف المدارس الفنية. كذلك تذوقه للفن التشكيلي ومزاجه ايضا. لكن لايختلف اثنان ان الفنان العراقي في كل المنافي وموانيء الغربة وداخل الوطن استطاع ان يواكب تطور عجلة الفن التشكيلي بشكل خاص وتطوير ادوات الرسم، وبالرغم من كل الظروف التي تضيق عليه حركته وحريته في الابداع. وبالرغم من تجاهل المسؤول العراقي لاهمية الفن وتأثيره في المجتمع والسياسة ايضا، صمد الفنان العراقي وواجه اقسى الظروف من حروب وحصار وغربة وبقي يقاوم ماكنة الموت واليأس بريشته والوانه لكي يبعث الامل لدى المتلقي.

1091-Ali1

في معرضه الاخير (Orient Harmony) الذي اقامه في غاليري (ASC) في لندن، قدم لنا الفنان علي الموسوي حوالي 56 عملا، تنوعت بين النحت والرسم وباحجام مختلفة بين الكبيرة جدا الى الصغيرة. تميزت اعماله النحتية بما يسمى بالتشخيصية فكل مواضيعه تتعلق بالانسان ومستلهمة من التراث العراقي. بينما اللوحات يلاحظ المتلقي او من شاهد معارضه السابقة ان الفنان استخدم الوانا واساليب مختلفة بعض الشيء عن ما قدمه من اعمال من قبل "يبقى الفنان يجرب كل ما هو جديد حتى يصل لاسلوبه الخاص..وحتى حينها ربما يسعى لتطوير اسلوبه ذلك" قال الموسوي في حديث جانبي معه.

1091-Ali2تنوعت المواد التي استخدمها الفنان في النحت بين الخشب والحجر والجبس. وحسب رأي الفنان فيصل لعيبي ان النحات علي الموسوي متأثر باتجاه او اسلوب الفنان الرائد محمد غني والذي هو امتداد لجماعة بغداد للفن الحديث. وفي اعماله محاولات لربط الماضي بالحاضر. بين كلكامش وانكيدو والشهيد والمقاتل والمرأة العراقية.

وفي حواري معه القى الموسوي بعض الضوء على لوحاته قائلا"في معرضي السابق ركزت على موضوع الاهوار فيما يخص الرسم بينما في معرضي هذا حاولت ان احدث اسلوبي باستخدام اللون وفي موضوع اللوحة. فرسمت لندن باضواءها وشوارعها باسلوب ورؤية جديدة. اضافة الى لوحات رسمتها لبغداد وقببها وما تخزنه الذاكرة من مشاهد لشوارعها واحياءها..".

فيما يتعلق بوجوده في لندن ومدى تأثير ذلك على عمله اضاف "وجودي في لندن والتعرف على الحركة الفنية هنا من خلال متابعة المعارض الكثيرة، افادني باتساع رؤيتي الفنية وحريتي في التجريب. كما ان الجمهور الانكليزي لاحظت انه يحب البساطة، وانا لا احب التعقيد.. لذا احاول قدر الامكان اجعل من مواضيع لوحاتي سهلة الفهم للمتلقي".

كتب عنه "اعمال علي الموسوي تثير في المشاهد صورا لحالات انسانية وافكار صادقة لخلجات داخلية مبنية عن تجربة. ويتميز من خلال اعماله بحساسية عالية ولديه وعي بطبيعة المادة الخام لتحويلها لعمل حي نابض بالحركة".

 

لندن – ابتسام يوسف الطاهر

 

haseeb shahadaمدينة سانت بطرسبورغ، على اسم مؤسّسها، القيصر بطرس الأكبر/ بطرس الأوّل، ابن القيصر ألكسي الأول، ابن القيصر ميخائيل رومانوف (موسكو ١٦٧٢- سانت بطرسبورغ ١٧٢٥)، أُسّست عام ١٧٠٣، كانت عاصمة روسيا منذ العام ١٧١٢ وحتّى العام ١٩١٨. عُرفت باسم بتروغراد منذ العام ١٩١٤ وفي العام ١٩٢٤ سمّيت لينينغراد حتى ١٩٩١ لتدعى ثانية باسم سانت بطرسبورغ. يسكنها زُهاء الخمسة ملايين نسمة، وتُعرف بمدينة القياصرة والليالي البيضاء على نهر نيفا، وهي نافذة روسيا على أوروبا. تمدّدت المدينة على مائة جزيرة ونيّف، تربطها مع بعضها البعض سبعمائة جسر. إنّها موطن الكثيرين من المفكّرين والأدباء والموسيقيين، وصفوة المجتمع الروسي.

في المدينة كاتدرئيات أرثوذكسية كثيرة بُنيت في أوج عظمة وثراء الإمبراطورية الروسية، مثل كاتدرائية القدّيسين بطرس وبولس، وفيها أضرحة معظم قياصرة رومانوف؛ كاتدرائية نيقولا، بنيت بين ١٧٥٣ و ١٧٦٢؛ كاتدرائية الثالوث الأقدس، بنيت بين ١٧٧٦-١٧٩٠؛ كاتدرائية إسحق، أكبر كنيسة في المدينة، استمرّ بناؤها أربعين سنة ويبلغ علوها ١٢٢،٥م؛ كنيسة قيامة يسوع المسيح أو المخلّص على الدم، وفيها من الفسيفساء أكثر ممّا في أيّة كنيسة أخرى في العالم ؛ كاتدرائية سمولني، إحدى أجمل الكنائس في المدينة؛ كاتدرائية الأمير فلاديمير؛ كاتدرائية القدّيس اندراوس التي بُنيت في السنوات الأولى لتأسيس المدينة وتقع على جزيرة فاسيليفسكي.

هناك أيضًا كاتدرائية قازان (قازان تعني: المرجل، أنظر: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=368968)

الأمّ في مركز نيفسكي بروسبكت، الشارع الرئيسي في المدينة. اتّخذت اسمها بعد أعجوبة أيقونة سيّدة قازان، أمّ الإله وهي أعظم أيقونة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. يبلغ علوّ قُبّة الكاتدرائية المعدنية ٧٦ مترًا وفيها ٩٦ عامودا. يعجّ المكان على الدوام بالمجموعات السياحية من جميع أرجاء روسيا ومن خارجها. صُمّمت على منوال بازيلكة القدّيس بطرس في الفاتيكان، وشيّدت في السنوات ١٨٠١-١٨١١ بتصميم المهندس المعماري أندريه فورونيخن (Andrei Voronikhin)، بتكلفة أربعة ملايين روبل، وهي على شكل صليب بطول ٢٣٦ قدمًا وعرض ١٨٠ قدما. كان الهدف من بنائها إيواء أيقونة سيّدتنا من قازان المعروفة أيضًا باسم ثيوطوكس (Θεοτόκος) قازان، أي حاملة الإله/والدة الإله. عند غزو نابليون لروسيا عام ١٨١٢، رفع قائد القوّات الروسية المارشال/المشير ميخائيل كوطوزوف دعاء طالبًا العون من السيّدة من قازان. وأصبحت الكاتدرائية بعد الحرب تذكارًا للانتصار الروسي.

دُفن كوطوزوف فيها عام ١٨١٣، والكلمات المنحوته على شاهده من تأليف الكاتب الشهير إلكسندر بوشكين (١٧٩٩-١٨٣٧). وبالقرب من قبره علّقت مفاتيح قِلاع فرنسية كثيرة. وهناك خارج الكاتدرائية تمثال لكوطوزوف.

يذكر أنّ أوّل مظاهرة سياسية قد جرت في السادس من كانون الأول عام ١٨٧٦ مقابل الكاتدرائية. في أعقاب الثورة الروسية لعام ١٩١٧ أُقفلت الكاتدرائية، إلا أنّها فتحت أبوابها عام ١٩٣٢ كمتحف، وفي العام ١٩٩٢ عادت لتكون كنيسة. ضلّت الكاتدرائية أكبر معبد أرثوذكسي في سانت بطرسبورغ لغاية العام ١٨٥٨ حين بناء كاتدرائية القدّيس إسحق، وهي أكبر كنيسة أرثوذكسية في العالم، إذ أنّها تتسع لأربعة عشر ألف شخص. من ذلك العام فصاعدًا استعملتها العائلة الملكية للاحتفال بأشهر الأحداث والمناسبات.

تاريخ الأيقونة، حامية وشفيعة مدينة قازان عاصمة التترستان وشفيعة كلّ روسيا، مدهش ويكتنفه الكثير من الغموض. هناك أسطورة تقول إنّ الأيقونة ابتيعت في الأصل من القسطنطينية، وفقدت في العام ١٤٣٨. يعود ظهور الأيقونة العجائبي إلى أواخر القرن السادس عشر، وبالتحديد عام ١٥٧٩، عندما احتلّ القيصر إيڤان الرابع/الرهيب (١٥٣٠-١٥٨٤) مدينة قازان. في العام ١٥٧٩ اندلع حريق مهول أتى على كنائس المدينة وأديرتها وحوّل نصف كريملين قازان إلى رماد. وكانت البنت ماترون (Matrone) ابنة العشر سنوات قد حلمت عن مريم العذراء وهي تدلّها على الموضع، الذي خبّأ فيه المسيحيون الأيقونة أيّام السيادة الإسلامية. وجدت البنت مع أمّها الأيقونة ثم نقلت إلى كاتدرائية البشارة في بلاچوڤشنسكي سوبور (Blagoveschensky sobor)، أوّل دير أرتوذكسي في قازان. وفي أثناء الرحلة شفي أعميان، إيوسيف ونيكيتا وآخرون فيما بعد. وأصبح الثامن من تموز يوم الظهور العجائبي للأيقونة عيدًا ارتوذوكسيًا عظيمًا يحتفل به أوّلًا في قازان، ومن ثم في سائر روسيا. ثمة صور عديدة للأيقونة طبق الأصل صنعت فيما بعد. ويذكر أنّه منذ القيصر ألكسي ميخايلوفيتش أصبحت الأيقونة شفيعة روسيا، سيدتنا من قازان، حامية عائلة رومانوف وفي عهد بطرس الأول نقلت الأيقونة إلى سانت بطرسبورغ. كاتدرئيتان عظميان الواحدة في سانت بطرسبورغ والثانية في موسكو مكرّستان لسيّدتنا من قازان وفيهما كما في كنائسَ كثيرة جدًّا في روسيا، نسخ من الأيقونة. يبدو أن الأيقونة الأصلية في قازان التي كانت محفوظة هناك مدّة قرون من الزمان، قد سرقت وربّما دُمّرت سنة ١٩٠٤. في سنة ٢٠٠٤ أعاد البابا يوحنا بولس الثاني أيقونة لسيّدة قازان كانت بحوزته منذ عام ١٩٩٣ إلى مقرّها الأصلي في قازان عاصمة تترستان ذات الأغلبية المسلمة. والسؤال الجوهري هو هل الأيقونة نسخة أم الأصل؟

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

65-kama2.fwظهرت الكاماسوترا Kama Sutra  كلون من الوان الادب السنسكريتي في الهند القديمة، حيث تعود بداياتها الى ماكتبه الفيلسوف والاديب الهندي فاتسياينا Vatsyayana الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد.

 65-kama9.fw

والمصطلح مركب من كلمتين ويعني عموما "أصول المتعة". والفكرة الأولية تنطلق من صلب الفلسفة الهندية القديمة التي طرحت الأهداف الإنسانية الأساسية التي يتسامى بها الانسان ويعيش من خلالها بعز وكرامة واستمتاع بالحياة، وحددتها بأربعة اهداف، وهي الفضيلة Dharma والرخاء Prosperity والرغبة/ اللذة Desire والحرية  Liberty.

 65-kama6.fw

 وقد كان كتاب فاتسياينا  الأصلي طويلا ومفصلا في ستة وثلاثين فصلا تناولت مختلف جوانب السلوك الإنساني الذي يقود الى او يحرف المرء عن تلك الأهداف الأساسية عبر النشاطات والحقول المختلفة كالحب والعائلة والعمل والأمان والنقاء والإخلاص والحرية.

 65-kama4.fw

وقد خصص هذا الفيلسوف مايقارب ثلث الكتاب لموضوع الحب والرغبة واللذات العاطفية والجنسية وتناول مايحكم الرغبات الجنسية بين الجنسين وبين افراد الجنس الواحد وحتى بين الانسان والحيوان وذلك بتفصيل دقيق لميكانيكية العملية الجنسية ومحفزاتها الفيزياوية والنفسية مبينا في ذلك الأوضاع الجنسية المختلفة وتأثيرها في تعظيم اللذة والمتعة.

 65-kama7.fw

ولان هذا الجزء فيه مايثير الفضول ولأنه جاء مفصلا، أصبحت الكاماسوترا معرفة بهذا الجزء خصوصا وذاع صيتها تحت هذا الباب فيما تراجعت الأجزاء الأخرى من هذا العمل بالنسبة لدائرة الاهتمام العام.

 65-kama8.fw

وهكذا فقد ترجمت عبر الزمن الأوضاع الجنسية الموصوفة في هذا العمل الى رسوم وتماثيل لاتزال تمثل صلب فلسفة الكاماسوترا، بل انها تحولت الى مايشبه الدليل العملي او القاموس الاولي للأوضاع الجنسية.

 65-kama5.fw

 ولهذا فان الكاماسوترا تعتبر اول عمل فلسفي ادبي تشكيلي ايروتيكي، تفصيلي ومتكامل في تاريخ الإنسانية .

 65-kama3.fw

ومن الجدير بالذكر انه لم يكن عرض ونشر هذا الصنف من النشاط الإنساني عيبا في الحضارة الهندية القديمة بل كانت رسوم وتماثيل الكاماسوترا من مقدسات الابداع الإنساني التي زينت المعابد والأماكن العامة ونشرت فيما بعد ولاتزال تنشر لحد اليوم في آلاف الكتب والبحوث.

 65-kama2.fw

adil merdanيتأمل الرضيع وجه الأم، والسقف العالي للبناء القديم، ويركّز طويلا ً على جدار شاخص وملغـّز، يوجد خلفه العالم .. إذ يكثـّفه اللون الأبيض، أمام براءة العينين . بعد مغادرة المهد يُسنـَد الطفل بنمارق من ريش، فتضج في رأسه الأسئلة . تنمو الأصوات الخافتة، ويبدأ بالضحك الأعتباطي، لأن الذبذبات تدغدغ طبلة الأذن ... كذلك يتساوق البكاء، وكأن الوحوش تئن خلف غرفته البيضاء . بهذا الفضول البصري، تُكتشف العمارة تدريجيا ً- حيث يلحُ إستطلاع العين، لمعرفة مكونات البيت، مع تعلـّم الألفاظ المتناغمة، فأستطلاع الجدران درس النفس الأول، بعدها يخف الأرتباك، من مسافة الفراغ الى السقف .

1068-adil

 

أتذكّر في (الشعيبة)، المحطة ما قبل الأخيرة، التي يقطعها القطار جنوبا ً، الى محطة (المعقل)، ذلك الليل الجاثم بكائناته، خلف الجدار الملاصق للسرير . أنام قرب أمي، بينما يأتي الزئير، من قلاع كثيرة التعقيد، ولا ينقطع إلا عند سماعي صوت (الماكنة البخارية)، تدخل المحطة، وهي تجر قطار (الأحمال) ببطء .

بدأت أكبر، وأنا أراقب العربات الرجراجة، تمازج بمشهدها الأثير مشاعري المتناقضة .

عندها توضّحت لي ألغاز البيت – حوش سقفه السماء، وثلاث غرف جاثمة بأستقامة،

أعلاها سقيفة عرضها متران ... ينتهي الممر بمطبخ صغير، يلاصقه حمام واسع، الأول مشغل أمي الدائم، تقشّر، تقطـّع، وتعجن، والثاني حددت أرضيته، بسور منخفض أشبه بحوض .. أغلق الفتحة، وأملؤه بالماء، لنطرطش أنا وأخي – ذلك الولع القديم، بلاغة حنين الى النهر . في بيوت (السكك)، ذات الطراز الأنكليزي، يُبنى وعاء كبير من الكونكريت، لغرض الأستحمام، حيث الفتحة خارج التكوين، كافية لأدخال (البريمز) .

أما في الأخير المخادد، فسحب سلسلة (السيفون)، متعة تسحر الأطفال ... كانت الغرفة الوسطى مربّعة، مثل كائن يقدم وظائفه المعمارية. في شتاءٍ قارس، كنا نتكدس في جوفها الدافيء، إذ تخط الرعود، في ذاكرة الفتى موسيقى الخوف – وسط الجدار (رازونة)، كم أشرَفت عليها، وأنا أتوازن على الكرسي، لأخبيء سيكارة (كريفن أبو البزون)، لذتها مازالت في فمي . الأولى دَخنتها في نهاية الدرج، الذي يصر مستعذباً بلحنه . عندها يطل أبي، بقامته على مشهد التجويف، عاثراً على سيكارتي المفضّلة .

السطح تكوين مدهش، عند صباح صيفي، تحط حمامة عيني على (المحجّر)، وتفعل أناقة الطابوق، فعل المعشوق بالعاشق . كانت بناية المحطة، ذات الطابق الواحد، تلتصق بالبيت – حيث تفتح الغرفة الأولى، الى ممر المحطة، ذي الغرف الأربع . الأبواب بظلفة واحدة، والباب ذو ظلفتين، عايشته في مكان آخر ... لا تغيب عن ذاكرتي (ثلاجة الخشب)

المبطـّن أعلاها(بالفافون)، حين ألتقط تفاحة من أسفل .

أجلس هنا قرب نافذة (العربة السياحية)، بعد ثلاثين سنة، لأشاهد بيتنا، الملاصق، الذي تأملته طويلاً، عند عودتي من المدرسة، كأنه عملاق أخرس، يتربع على الأرض، فإذا البناية تشملها نظرة خاطفة . صار البيت متواضعاً والأبنية التي إضطجعنا في ظلالها، إنكمشت على نفسها، تلك هي تحفيزات أولى، للكتابة عن العِمارة .. عمارة تعيش مع الانسان، فلنا جميعاً تعالق لا شعوري مع كائناتها الصامتة .

ما يُغني فكر العِمارة في المشرق، مجاورة الصحراء والنهر . في بلادنا صُممّت المدن السومرية، على شكل رقعة شطرنج، وهذه حال مدننا الآن . يكتب مؤرخ غابر : (العمران ينتج المدينة)، فالحروب تخرّب ما يُبنى بمشقـّة .. هنا زقاق يلتف على نفسه، لا تخرج من شَرَكه، إلا بالتعوّد والخبرة، تتعرج كالأفعى، وصولاً إلى سكن خفيض . أكثر الأحيان

تنتهي (الدربونة) ببيت، لتعود أدراجك الى شارع (الشناشيل)، وقد شحبت واجهاته المزخرفة ... (الدربونة) ضيقة، حيث تتقابل أبوابها،على بعد متر، وهي مرصوفة أحياناً بالقاشاني .

الخمرة تزيد العمارة بهاءً . أحب السقف القرميدي، وبيت الطابق الواحد، ويسحرني الموقد الذي نسيت ذكره، في الغرفة الوسطى، حيث حكايات جدتي، تنساب مع الروح ...

يزيدني تأمّلا ً سياج الحديقة الخشبي، محددا ً صورة البيت ... (الأشجار صغيرة لا تلغي إستراحة الفضاء – يمكن زراعة ليمونة، عند كل زاوية في العمق) أما البيوت العملاقة، المطهمة بالزجاج والساج والزخارف، فإن حضورها الفقير، ينعكس على فضاءات الداخل، إذ يشرد النظر، مِن إسراف التخارج .

إنطبع مبنى (المحطة العالمية)، في وجداني لكثرة تسفاري بالقطار . كنت أتفحص ثيمات المبنى الفضائية، بأندهاشة الثَمل، فتحاورني سرودها باللاوعي، قلت لنفسي حينها :

ما فضائل العِمارة في الشعر . أجيب متمتما ً قرب نافذة التذاكر الخضراء،: الإنشغالات الأولى تتحفز بلا وعي، (البيت - الجدار – النافذة – الباب – السطح - السلّم - الممر- الزقاق ... إلخ) .

يتعزّز توقي الى الموسيقى، إذ تترك نسقا ً سمفونيا ً، في معمار القصيدة الخاص . ما زلت أتأمل، مجاورة العمارة للموسيقى، مجاورة الجلال للروح . يقول معماري ذائع الصيت :

للبناية أساليب مبهمة، كي تعيش مع الأوركسترا، عندما يواجه، الفضاء الداخلي صعوبات نفسية للتفاعل مع الإيقاعات، وبعد جهد جهيد تنسجم معها، فبناية موسيقى

 (بتهوفن)، غيرها لمجدد الأوبرا (فاكنر)، غيرها  لساحر الباليه (سترافنسكي) ...

مزايا شيّقة للعِمارة، وهي تعيش معنا، دون أن ننتبه .

ينسجم فن الحضارة هذا، مع خاصية فريدة في الشعر، تمعّن فيها (باشيلار) عميقا ً، وهي لفتة معمارية منه، تركّز على (الكبير والصغير)، لحجوم الأشياء عِند الشعراء،فمنهم مَن يكبّر أشياءه ومنهم مَن يصـغـّرها، ومرجع هذا- الأنطباع الطفولي في   أرواحهم ... يتركز الحس البدائي للعمارة الطبيعة بالجبال، وكل ما يتعلق بالصخر، فللأحجار تناغم شكلي، يعطي الأصول الفطرية لذلك ... وأنا في السيارة، بينما نفترب من مدينة (العمارة)، تشغل الناظر كائنات ممشوقة، من الطابوق تُدعى(الكورات)، بينما يرطن مجاوري، كنت منسجما ً مع (كورة)، تنفث دخانها الأسود في الأفق .

نوعية المواد سبب فعّال، لصفات الجسد المجبولة بكيمياء العناصر، فالأسمنت غير الطين، والطابوق غير الحصى، والكراسي المصنوعة من ألمنيوم، تختلف بالوظيفة عن مثيلاتها، من حديد أو خشب، فهي تشابه أجسادنا، بالمجالات الثلاثة (حرارة- كهرباء- مغناطيس) . في أجنحة الطائرات مثال شائق، إذ تصنع من سبيكة (الديور ألومين)، المانحة صفات مرغوبة (الصلادة والخِفة) .

في شعرية العمارة ضمانة، للأحاطة بعوالم فن التشييد، الذي يخاطب البشر، بلغة بَصريّة واحدة، فروحها تقاوم الزمن، لقد كَتَبتها لغة الرياضيات، التي حافظت على ماء وجهها (ميشيل فوكو) .

المسجد بعمارته، المصرف المحروق مع تخطيطات الرسام، المحفورة على الخشب، وتلك مشاهد من المدينة ... يسعل باص (الآباتشي)، في شوارع مهملة، لا تنسجم (الشفرليت) مع وحدات الكونكريت،  التي تكبّل النهر(ذوق التصنيع العسكري) ...

الفكر الظلامي يخلق عِمارة فاشيّة، والمستنير يخلقها شفـّافة، تتروحن مع الناس .

قفزة إلى الفضاء الداخلي، (البيتونة) حارسة البيت، و(البادكير) يذكّرنا بحكايات الصحراء ... السجادة والثريّات والنمارق – غرفة(السرداب) والنوافذ المشبّكة والكوّات، التي تسمح للهواء، والضوء بالنفاذ، الكراسي والدواليب(فلسفة الأثاث)، الأرائك والشمعدانات، إكسسوارات تلائم فكر العِمارة .

عمارة تظلـّل الشوارع، عند طابقها الأول قاعة الرسم، تُعلـّق اللوحات على الجدران، لتبدأ حكاية التجاور . أنظر من نافذة الفندق، المقابل إلى الحديقة، حيث تتوزع التماثيل مثل أبناء، يستظلون بفيء أمهم، الساحرة سيدة الطوابق .

العِمارة في الرواية، (كيف نسيت) – يعبر من هنا السيد(بلوم) في (عوليس)، أصبح العبور إحتفالا ً، ذكرى لرواية معمارية حديثة، أو في (1984) الأخ الأكبر، عندما يُخرج البطل طابوقة من الجدار، هناك يخبّيء دفتر مذكراته، من عيون لا ترحم، كذلك تتداخل الأمكنة عند رواية (جن) .

الألوان تُعطي تأثيرها نوعا ً ودرجة، عندما صَبغتُ بعض الاُصص، لاحظتُ تأثير اللون الترابي . أيضا ً في الأجسام العملاقة، فناطحات السحاب البيضاء، والسوداء، والحمراء، تُعطي مشاعر مختلفة ... في مدينتنا المُحزنة، التي لا تطاق، تحيا عقول معمارية، ستضع تصاميم المدينة المُتخَيلة . تمنيت أن أسألك صديقي المعمار، يُخيّل لي إن بعض الأغاني، تمتص من أضرع، حقل العمارة الباذخ، ما تستطيع، لتنفرد (بميلودية)  مؤثـّرة، حصرا ً، (الغناء الأوبرالي) . كذلك أسألك، لماذا أأول فضاء(الكعكة الفرنسية) لشعر المرأة، إلى عمارة بسيطة للمتن الدائري، يطعّمها النحت بالضفيرة .

(كعكة عيد الميلاد، عِمارة لذيذة، تنحني لسكين إبنتي البيضاء) ... في الحمّام نزاول أبسط عادات العِمارة، (تأخذ الحجر الأسود بيّد، وتجلف باطن القدم) .

السوق يشبه البازار، ينحرف المتجوّل مع طقس العمارة، الذي يوجهه الخشب، والسقف الكبير يظلل الملابس المعلّقة . (سوق المغايز) نكهة معمارية موحية . أما (سوق العطارة)، فتمنح فضاءاته الرضا والسكينة، لعباءات تَمد الأيادي إلى دكاكين، إحتشدت على رفوفها، مباهج الصيدلة الشعبية .

بناية السينما في الصيف، إيحاء يختلف عن بناية الشتاء، كذلك عِمارة السجون، الأكثر تحسسا ًبسيكولوجية النزلاء - خاصة الثقيلة- تآزرت العمارة معنا أيام المحن، فأصابها ما أصابنا ... أركض في الحلم، يرسم الكابوس (عمارة النائم)، مختصرات من الضيق – دهاليز – واجهات حرجة . بعد ثلاثة أشهر من الحرب الثالثة، تغيّر الفضاء للناظر من الطائرة، لأن الصحون (الدشّات) ملأت السطوح .

النص الديني تصوّر فجائعي لعمارة القبر . في صحن العمارة الأسلامية أتدلّى، مستذكرا ً أولى تفكراتنا العمرانية (الزقّورة)، التي فخرت عادات وطبائع الإنسان، في بلاد الرافدين.

ثم أغرق في الرسم التخيلي (لبرج بابل)، حيث كثافة الرموز المعبّرة عن حضارة نائمة ...

النحت الآشوري، والقصر المنيف لملك إله، إذ يقف ثوران مجنّحان أمامه . بجلال، ثم أعود إلى ذلك الصحن، مدقـّقا بالقباب والمخروطات، مثمـّنا الذائقة التي تجعل، من محراب (الخاصكي) سيد المحاريب .

بتعاقب الزمن، تمنح الأرواح المتواترة، الكثير لجسد العمارة، فالبيوت العتيقة تنفث المعاني بروحية، لتجعلها حبيبة ومؤنسة ... ويعطي بيت الطين من الأنساق التأملية، أكثر مما يعطيه بيت الطابوق . أما في (الكوخ)، حيث يكون السرد، من مخيّـلة القصب، تتناغم أعراس الكينونة مع الوجود .

 

عادل مردان - شاعر عراقي من البصرة

 

adil merdanتنكشف الملامح السريالية في فضاء التجريد التعبيري، حين يعرج (طاهر حبيب) بفرشاته المبتكرة، الى سماء جديدة، يكشف مجاهيلها بحذر. الاختزال في الكتل و الولع بألوان الصحراء والشمس تمنحه حريه السياحه على النسيج الابيض فهو الفنان المستغني الذي قليلاً ما يصرح: إن قدرة الرسام الكفوء، تكمن في ابتكاره لتقنيات اللون، فالكولاج —وإن اجتهد— لايعوّض عن براعه الزيت.

 127-tahirhabib1

ألعاب الذاكرة والخيال نتنوع في حقله المبتكر . إذ تسافر العين الى الما وراء، مفتونه بأطياف الشرق الباقيه. حتى في فضاء الحرية هذا الفضاء الأرحب يلتزم (حبيب) بموضوع كل لوحه، مما يجعل تجربته منسجمه — غنيه — وملمومه تخطو الى أهداف  يقصدها بوعيه التشكيلي، إنها تجربة السلحفاة، التي تصمم بمشقه وأناة، اساطير اللغه البصرية، بعفويه وإخلاص، يكون السرد اللوني معشوق العين، فالتجريد، هنا لذيذ، وغير اعتباطي، فكأن (طاهر حبيب) يحجّ الى عوالم أكثر عذوبة، مجبولة من دوزنة الألوان بشرط الموسيقى حينها يكون الفكر والرسم متعانقين، في ذلك الحال ستفرح العين أكثر، لأن الفكر الخلاق يرسم مباهج اللوحة .

 127-tahirhabib2

  ( السيره الذاتيه)

- مواليد البصره 1953

- بكلوريوس رسم—فنون تشكيليه

- عضو نقابه الفنانين

- عضو جماعه التشكيلين العراقيين

- عضو جماعه أبسو تشكيل

- معرض شخصي 2005

- معرض شخصي 2009

- معرض شخصي 2012

- معرض شخصي 2016

- معرض جماعه أبسو تشكيل - بغداد

- شارك في معارض الفنون البصريه - بغداد

- شارك في معرض الواسطي - بغداد

 

 

mohamad bounilالصورة الفوتوغرافية، تعبير عالمي، في رأيي الخاص، المتواضع ومن خلال تجارب التصوير والعرض والمطالعة في هذا الفن، الفن الثامن، فن التصوير الفوتوغرافي، فن قائم بحد ذاته، كباقي الفنون الجميلة، والتي تعرف في زمننا هذا المعاصر والحديث، بالفنون البصرية، لأنها وفي مجملها هي أعمال فنية مجسدة تعكس في مجملها أو على حدا، وفي ظاهرها إبداعات فنية تتجاوز في حدتها وقيمتها من واحدة لأخرى، تحمل في مضمونها، طياتها ومكنوناتها رسائل للمتلقي - المشاهد - بإختلاف مستوياته، مشاربه وتوجهاته، أضيف لما سبق ذكره وأحيانا كثيرة وتكرارا لعمليات التفكر والتأمل أحيانا أخرى، تتجاوز حدود المقولة المأثورة "الصورة تعادل ألف كلمة"، أي نعم نحن نعيش في أيامنا هذه قوة و"جبروت" الصورة الفوتوغرافية، لم يعد كما كان من قبل تنقل الصورة عبر الوسائل التقليدية من صحف ورقية وقنوات تلفزيونية محلية كانت، بل أصبحت اليوم الصورة الفوتوغرافية في كل مكان، تحيط بنا دائما وأبدا وقد تحاصرنا دوما وأبدا وتفاجئنا أحيانا أخرى، فالصورة الفوتوغرافية تعادل ألف كلمة، هذا كان زمان في بداية ظهورها، حيث لم يعرف بعد قيمتها، أما اليوم فهي بحد ذاتها تعادل الكون، فتتناقلها الوسائط التكنولوجية الحديثة بسرعة البرق، إلى إستديوهات التحرير والتحليل لدى كبريات الصحف والقنوات الفضائية العالمية ولم تعد تقتصر على المحلية منها فقط، فعند معظم المختصين والخبراء في هذا الشأن –عالم التصوير- جلهم على إقتناع أن الصور الفوتوغرافية، المتميزة والذوات النوعية الجيدة والعالية القيمة، وخاصة اللواتي تعتمدن على المحتوى الرائع بما في ذلك المواضيع المتميزة الحاملة للعديد من –المشاهد المدهشة والمثيرة- للعقول والأحاسيس والتي تسحر الأبصار وتسر الناظرين لها، أصبحت الأن مشفرة،  وخير شاهد على كل ما سبق التطرق إليه، أنه لم يعد بإمكان المتلقي "الضعيف الدخل" مشاهدة وتتبع كل البرامج التلفزيونية المتميزة، وأخص بالذكر لا على سبيل الحصر، تغطيات مبارايات كرة القدم  سواء المحلية منها ألمحترفة أو القارية، بما فيها دوري أبطال أوروبا، والتي يشار إليها عادةً بدوري الأبطال، الأكثر مشاهدة عبر العالم والتي قد تعادل من حيث أهميتها ومتابعتها عبر مدرجات الملاعب وأجهزة الإستقبال السات والتي تستقطب العديد من المتفرجين والمشاهدين عبر الشاشة الصغيرة لمباريات –كأس العالم- ناهيك عن هذا الأخير لمشاهدة مبارياته هو الأخر يستوجب على المشاهد –المتلقي- الذواق للصورة "العالية الوضوح" –HD- ، إقتناء جهاز إستقبال خاص بشبكة القنوات التلفزيونية –بي إن سبورت- « beIN SPORTS »  المتواجدة بـ (الدوحة/قطر)، وفيما يخص أجهزة الإستقبال الرقمي أكيد المشفرة، والأكيد الآخر أنها صاحبة - مملكة الكلمة الذهبية والصورة الفوتوغرافية -  والأكيد في كل ذلك أنها تتربع على العرش دون أدنى شك في ذلك، فهي الرائدة في مجالها وبلا منازع لها على اللقب... فهي العملاق الذي لا يعرف حدا للتوسع، كهذا الكون الشاسع والواسع المتباعد الأطراف، في مجالها وتخصصها هي السيدة الملكة صاحبة الكلمة والصورة..

 

بقلم: محمد بونيل/ فنان وكاتب من الجزائر

 

 

64-Leffel7ديفد لفل  David A. Leffel  فنان امريكي معاصر لايزال يرسم وهو بسن السادسة والثمانين.

 64-Leffel1

 ولد في حي بروكلين في مدينة نيويورك عام 1930 وعانى خلال طفولته وصباه من مرض عضال في العظام ربما كان سببا في انكبابه على الرسم.

 64-Leffel12

 امضى الاحدى عشر عاما الاولى من حياته طريح الفراش في المستشفى كان خلالها يلهي نفسه بالرسم.

 64-Leffel2

بعد خروجه من المستشفى دخل مدرسة بارسنز للتصميم Parsons School of Design 

64-Leffel4

ثم جامعة فوردام  Fordham  University 

64-Leffel6

بعدها عمل في تدريس الرسم  لمدة 25 سنة في  Art Students League of New York .

 64-Leffel8

ورغم براعته في رسم البورتريه والموديل العاري الا انه عرف بشكل متميز كرسام لما نسميه بموضوعات الحياة الجامدة Still life   .

64-Leffel10

يؤمن بالعمل الدؤوب ويعتقد ان زيادة الاستثمار في التمرين والمعرفة هي التي تخلق الفنان الناجح.

64-Leffel9

64-Leffel11

 

64-Leffel5

 

abdulwahid miftahاللمسة اللإشارية (touche signalétique)  والعلامة الصباغية التي تَهتَبِل إلى خُطاطات الإضمار والإظهار، المَسنودة بخِفّة الأثر، هي الحالة البارزة لأعمال عبد الله الهيطوط، الذي جَنح في أعماله الأخيرة، بعد مَعرضه الأخير برواق "نظر" بالدار البيضاء، إلى استخدام المذكرة (l'agenda)كسند لمُربعه الأيقوني.. المذكرة بما هي رفيق السفر والتجوال في عوالم الطبيعة والمفَكّر فيه، تحضُر هنا كزاد رئيسي (fondamental) ومُكوِن أولي ولا نهائي للوحته، التي تحمل صفة البداية.. البداية التي تَتَمنّع في طقس  عتبة أن تكون. فكل عمل فني هو نقطة بدأ أو انطلاق نحو...

المذكرة كسند، بهذا، هي مغامرة مَحفُوفَة بالتساؤل، كيف يُمكن الاشتغال على سند غير محايِد؟ سند يحمل صفة مُسبقََة.. فهو ليس فارغ، ومليء بما يُمثِله من يَومي ووقتي، يَقتَنصُه الفنان في لحظة لا تَشيخ. لحظة ذات شحن إبداعي يَتمثلُها بلطخاته التَجميدية ليَصير الوقت حالة مُتحَجِرة داخل مُربعِه، الذي هو دعوى إلى الإنعِتاق والتسامي في بعده الإنساني.

إلى جانب شفيق الزكاري وعزيز أزغاي وآخرين قليلين ورائعين.. يُعتبَر عبد الله الهيطوط من الفنانين القلائل، الذين تَعيش لوحاتهم حالة بَحث دائِب. فهو لا يَركَن إلى جاهزية نسق ما، بقدر ما تَجده مُنشغلا في دَيمومة الحفر والتنقيب الرَكِيز.. ما يَجعل مرسمه يعرف إنتاجية فنية بِموتِيفات (motifs ) غزيرة تُعتبر في كثير من طُروحاتها، لحظة بارِقة، من حيث هي تجاوز أزمة داخل الفعل التشكيلي، فانتِقالُه من ثيمة إلى أخرى، مع التعْويل على تقنيات  (techniques) جديدة بشكل متواصل يجعل لوحة هذا الفنان، إلى جانب لمعانها المضيء، ذات نُزُوح تجديدي على مستوى الرؤية، وهذا ما نحن  بحاجته داخل المشهد التشكيلي المغربي بعمق.

1033-miftah

أعمال (les œuvres) هذا الفنان هي تفجير للشكل، وتَحطيم لمفهوم الحَيّز، بما هو حد بين إنسان وآخر، يَلتحم فيها الموضوع بموسيقالية اللون عنده، وهي موسيقالية تَعرف تماهيا وتلاعبا، مع ما يطرحه مربع اللوحة من فِتنة لونية تَتمخّضُ عن سعادة المعنى وبهائه.

قيمة الحرية (valeur de la liberté) هي كل ما تَنشُده لوحة عبد الله الهيطوط، وهي قيمة لا تَستمِد نسْغها هنا، من سياق دلالي (contexte sémantique) رَكّبها عليه، بقدر ما هي فعل تفاعل يُبَلّغُ عن ذاته داخل اللوحة، عبر استقلالية ما تَدّعيه عن كل تقليدانية مُراوغَة داخل بُؤرته البَصرية.

كيفما نَظرتَ إلى لوحة هذا الفنان تَجد ألوانها تَضُمّ عِدة طبقات من التأويل المُتعدِد، لتُشكل بذلك صورة تَتأرجح بين إيقاع اللَون ومَجازِه. فما تَعرفُه من اشتِغال مُكثَف على التَركيبات الشعرية، والرسومية المُؤثَثَة فوق تجريدية صِرفة، هو وجه لتعبيرانية مُشاكِسة تَشِعّ بالفيض الصوفي العِرفاني، وهو فيْض تعبُ الوصل إليه واضح على مستوى العمل داخل اللوحة.

أعمال عبد الله الهيطوط التي تُضْمِرُ أكثر مما تُظهِِر مُسْتأنِسَة بجمالية البتر والانمِحاء، ضَلّت وفِيَة لقلقها الهادِر الذي هو ميزة المشروع الجمالي لهذا الفنان، الذي نَقش اسمه بإزميل مُجتهِد في مدونة التشكيل المغربي المعاصر. فَتَقصي دروب النور على مستوى الإنساني واللّعب الحر بالمُفردَة والجُمل اللونية على مستوى التعبير الجمالي، كلها إلى جانب عوامل أخرى أعْطته حُسن تلقي سريع وتجاوُب مهم من طرف متتبعي الحركة التشكيلية، من مهتمين ونقاد.

أعمال هذا الفنان الأخيرة مِن مَعزوفات لونية وتشكيلية، هي قوة من أجل استقلال الإنسان عما يُكَبّلُ الجوهري داخله، لهذا تَجدها تَرتَهِن إلى تحرير السند، نفسُه الذي هو غيره في كل لوحة، من فكرته المرهونة بالاستهلاك اليومي  والعابر، عبر ترحيله نهائيا من ماديّتِه إلى حياته اللونية هذه، التي هي غَيرُ فيض صوفي يَحْبَل بأسراره، وفِتنتِه التي تَتزَيا بموسيقى تتراقص في صمت ناعم.

فعبد الله الهيطوط فنان عميق في تأملاته، وبليغ في انتِقائيَتِه الصباغية، لهذا تَجد لوحته تتّصف بهرمونية (Harmonie) تُسْلِمك إلى فضاءات الوعي بالباطن.. فرُبّ إشارة أبلغ من لفظ. فاللوحة، هنا، ليست مُجرد موضوع مُتعة، قابلة لتأويلات دلالية عديدة، بقدر ما هي نَسيج عن مشروع جمالي عالِم، يَتجاوز بعضه البعض باستمرار فيما يَهتبِِل له هذا الفنان من بحث شاغله التجديد (l’innovation/renouvellement)  ومَرجِعُه تَكوين أكاديمي رزين.

لوحة عبد الله الهيطوط هي لغة مفتوحة على سعادة الرسم بلا عُدة تخطيطية .. أبجديتها اللونية ساكِنُها خلخلة للمُنْطَبع والسائد، وكشف يُشَمّر عن جُهده، ليَخلق فضاءاته بلمسة مُجتهدة.

لا شك، كما دَلّلتْ على ذلك إجماعات عديدة وغير غائمة، أن الإنسانية ستبدأ بالتّحَسن عندما تأخذ الفن على محمل الجد، تماما كالكيمياء أو الفيزياء أو المال. الفن مُهم بعمق، خاصة في مجتمعنا المغربي هذا، الذي يَعيش حالة جفاف وفراغ قيمَة كبير، وهو الوضع الذي لا يمكن أن يَتصدى لتَجاوُزه إلا فنانين مُضيئين هاجِسهم مشروع جمالي حقيقي وفاعل، وقُدرَة منيرة على الاجتهاد والإبداع (Diligence et créativité) في غير إدعاء، أو تَزَرُّف (من يطيل عنقه أطول من زرافة).

إلى هنا بُروز أسماء شابة وجادة، استَطاعَت أن تُؤسِس للوعي بالأزمة (la crise) إلى تَقديم إبدالات تَأسيسية ضابطة لشَرْطية مَشروعية مَشروعها الجمالي.

عبد الله الهيطوط أحد هذه الأسماء، التي تَشتَغل في صمت لَيّنٍ ومُثمِر.

وهو نَفسه الصَمت الذي يَصير له أن يُصبِح إضاءة واضحة على مُستوى الاشتغال المتوهج داخل لوحة التَشكيل المغربي.