khadom shamhodيذكر ان الحركة الفنية في البصرة يصعب الكتابة عن تاريخها بسبب ضياع الشواهد وعدم وجود مدونات مكتوبة، ولم نجد غير عدد من الرسوم والصور في ملكية الطبقات الغنية والتجار حيث كانت تزين قصورهم ومؤسساتهم التجارية والثقافية وتمثل مناظر وصور شخصية وطبيعة صامته .. وهو ما ذهب اليه الاستاذ شاكر حسن آل سعيد بعدم وجود وثائق ومصادر تؤرخ تلك الحقبة الماضية للفن العراقي .

1309 khadom1

البدايات:

من المعروف ان البصرة كانت طيلة تاريخها القديم والطويل منارا للعلم والثقافة والادب سجلت فيها حضورا رياديا في تاريخ الادب والشعر العربي ومن المؤكد ان هذا النشاط كان يصاحبه نشاطا فنيا ومعماريا ووجود مزوقين ومصورين ومعماريين محليين واجانب كون المدينة تقع على الخليج وحركة التجارة الضخمة القادمة اليها من شرق آسيا والتي تغذي كل مدن العراق بصنوف التمدن ورقي المعرفة والثقافة . وهو ما اكده المؤرخون العرب على ان البصرة من ارقى مدن العراق بقصورها وتمدنها وترفها وتحضرها قبل انشاء بغداد . بل ان بعض المؤرخين يعدونها احد المدن السومرية القديمة ...

و قد ذكرت كتب المؤرخين عن وجود مزوقين وممثلين ورسامي فكاهه في البصرة .. كما ذكرت عن حركة صناعة الدمى ومسرح خيال الظل والتي وصلت مدوناتها الينا عن طريق كتب المؤرخين وسنذكرها موجزا . ولكن مدونات المصورين والمعماريين غابت واخفيت علينا بسبب اولا ان التحريم من قبل فقهاء الاسلام كان كارثة على فن التصوير بحيث حجب رؤية ومعرفة المصورين الذين كانوا يخشون ظهور اعمالهم لكراهية الناس لها .. ثانيا ان تطور الحضارة في هذه البلاد وكونها مركزا لها قد اثار البغضاء والحقد والحسد على رموزها العلمية والثقافية والادبية والفنية لهذا حاولوا بكل طاقاتهم من مسح تاريخهم من الوجود .. واما تاريخ صناعة الدمى فقد كان قديما ظهر في بلاد سومر ووجدت آثارها في الحفريات الحديثة في مواقع كثيرة من مناطق الجنوب وهي مصنوعة من الطين . وفي سنة 680 ايام بني العباس ظهرت الدمى المتحركة مصنوعة من الورق والجلد ويقوم بتحريكها اشخاص من وراء الستار يتكلمون بدلا عنها وانتشرت في مدن العراق وكانت مواضيعها على الاغلب عاشورا والآلام الشعبية .. ونجد في كتاب الدمى المتحركة عند العرب لسعيد الخادم، قصصا وروايات تتحدث عن تاريخ مسرح الظل او العرائس .. كما يذكر ان اهم من كتب عن هذا الموضوع هو محمد بن دانيال الموصلي عام 1248 . وقد ذكرنا في مواقع كثيرة عن جود رسام كاريكاتيري ومصور ومزوق اسمه احمد الخراط البصري ظهر في البصرة في النصف الثاني الهجري (الثامن م) سبق الفنانين الاوربيين في وعيه الفني واسلوبه الكاريكاتيري بعدة قرون . ومن حسن الحظ ان هذا الرسام ذكر في كتب الادب في قصة جمعته مع الشاعر المعروف بشار بن برد ..

و كانت مقامات الحريري 1237 م التي ظهرت في البصرة من قبل محمد القاسم الحريري قد امتازت بفن راقي من فنون اللغة والسجع والابداع . وكانت تتصف قصصها بالفكاهة والحيل وبديع الالفاظ . وقد تسابق الرسامون على تزويق هذا الكتاب لشهرته وجمال لغته . منهم المصور الواسطي .. كل هذه المشاهد الثقافية والفنية تؤشر لنا عن وجود حركة فنية تشكيلية ومعمارية نشطة في البصرة سبقت مدن العراق، مثلها مثل الادب واللغة والشعر . ولكن مع الاسف ضاعت او سرقت او احرقت المدونات والمخطوطات التي تؤرخ تلك الحقبة .علما ان ثورة العبيد في زمن العباسيين احرقت البصرة وحولتها الى ركام .

1309 khadom2

قصور البصرة:

وقد ذكر المؤرخ ابو الحسن البلاذري عددا من قصور البصرة مثل، القصر الابيض، قصر المسرين، قصر آوس، قصر عيسى بن جعفر، القصر الاحمر، قصر النعمان، قصر انس بن مالك وذكره الجاحظ وياقوت في معجم البلدان وغيرها . ويذكر انه لا يعرف شيئا عن تخطيط القصور القديمة ونظامها وكانت تمتاز بسقوفها البديعة المصنوعة من الخشب وبالنقوش المذهبة (اي الرسوم) بينما كانت واجهاتها تزدان بالمشربيات (الشناشيل) . كما لا يعرف عن اسماء المعماريين او النقاشيين الذين ساهموا في تزويقها وتشييدها. والمعروف ان المعماريين في تاريخ حضارتنا هم ايضا رسامين ومزوقين .. وقد ظهر ابو الحسن الملاذري في زمن الخليفة العباسي المأمون . وهو مؤرخ وراوية ونساب وشاعر .

ويذكر الاستاذ احسان وفيق السامرائي من ان بلاط السريدار خزعل خان امير المحمرة 1861 – 1936 تم فيه استظافة الفنان اللبناني –قيصر الجميل –ليرسم له ولابناءه مجموعة من الصور الشخصية ولازالت اللوحات عند الورثة. كما يذكر ان قصر الباشا طالب النقيب كانت مزينة جدرانه بالصور وان الرسامين كانوا اتراك وعرب . وايضا ضم قصر السيد عبد اللطيف آغا جعفر روائع الفن الفارسي وخمريات عمر الخيام، وعددا كبيرا من المجسمات والرسوم المنفذه بالحبر والفحم . يضاف الى ذلك عمارة القصر الرائعة وشناشيله . كل هذه الاعمال نفذت في نهاية القرن التاسع عشر . ويذكر ان هناك 30 باشا في البصرة يمثلون النسيج البرجوازي، هؤلاء عملوا على اتباع الاساليب الحديثة كما شاهدوها في ايران وتركيا وكلفوا مجاميع من الفنانين على تزيين قصورهم ورسم رجالاتهم . ولكن مع الاسف لم تكن هناك وسائل اعلام ونقاد لتوثيق وتدوين هذه المصورات والزخارف مما يشعرنا بان هناك عدم الاهتمام بالفن وتوثيقه وربما بسبب التحريم او الكراهية له من فقهاء الاسلام ..

1309 khadom3

الرسامون الاوائل:

 وذكر احسان وفيق عن وجود فنان يدعى فاضل محمود عوض عرض اعماله في سوق عكاظ وكذلك شارك في المعرض التشكيلي في بغداد عام 1924. والفنانة شيرين مراد السلامي حيث ولدت في البصرة عام 1905 وعملت اول معرض لها عام 1933 في البصرة، وكانت مواضيع اعمالها تعبر عن حياة المجتمع البصري بتقاليده وقصوره ذات الشناشيل الخشبيه الساحرة واهله بازيائهم الشعبية التقليدية واحيائها وازقتها العتيقة، وقد نفذت باسلوب واقعي اوربي ... وقد ذكرناها في المقامة السابقة .

و يذكر الفنان سليم البصري 1939 وهو احد رواد الفن البصري بان الحركة التشكيلية في البصرة بدأت بين اعوام 1925 و1955 على يد عدد من الفنانين البصريين امثال هادي البنك وسليم ايلياس، كما ذكر الفنان محمد راضي 1934 ان هناك عدد آخر من الفنانين يعتبرون من رواد البصرة وهم عبد الباقي النائب وعبد الرزاق الصانع وعبد الرزاق العايش وقد درس بعض هؤلاء على يد رواد الفن العراقي امثال فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي .. ولكن مع الاسف ليس عندنا هناك معلومات كافية عن هؤلاء الرواد البصريين .

وتشكلت جماعتين للفن في البصرة في عام 1969 هما جماعة الظل وجماعة المثلث والاولى كانت تتكون من الفنانين سلمان البصري، شاكر احمد، عبد الله شاكر، علي طالب، محمد الزبيدي، ومؤيد عبد الصمد . والجماعة الثانية هي جماعة المثلث وتتكون من محمد راضي وفاروق حسن وعجيل مزهر .. وقد ذكر شاكر حسن هاتين الجماعتين في كتابه (فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق ..الجزء الثاني ص -117 -119-1983) واشار الى ان الفنانين البصريين اخذ يتبلور في وعيهم الفكر الفني في مدينة كانت لها المساهمة الكبرى في تطور الحضارة في العصر الاسلامي . وذكر شاكر بان الفنانين البصريين اكثر وعيا من غيرهم في مرحلة السبعينات (ويبدو ان احتدام الفكر السبعيني في العراق كان يبدأ بالبصرة من مواقع اكثر انهماكا بالوعي العالمي منه في بغداد ..) (والواقع ان ظهور البحث في مجل التقنية الملمسية بدأ لدى فنانين بصريين بالاساس اكثر استغراقا منه من فناني بقية انحاء القطر العراقي ومن ذلك بحوث محمد مهر الدين وعجيل مزهر وفاروق حسن..)

ثم ظهر عدد آخر من الفنانين الشباب في فترة التسعينات ولكن كان محبطا نفسيا وماديا وفنيا بعد ما خرج العراق من حربين مدمرتين ثم حصار دام عشرة سنوات ابتداءا من 1991 حتى سقوط النظام عام 2003 مما ادى الى هروب اكثر الفنانين والمثقفين الى الخارج .. وقد شاهدت اعمال الفنانين العراقيين الرواد ايام الحصار تباع في الاردن وسوريا بارخص الاثمان مثلا بمائة دولار لللوحة الواحدة بل ان احد الرواد وهو محمد علي شاكر التقيته في الاردن اخبرني انه باع معرضه الكرافيك كاملا بالف دولاار؟؟؟

 

د. كاظم شمهود

 

ماذا لوصارت المدينة ملاذا للحلم والقول بالدواخل وهي تلهج بالصور التي هي بمثابة التفاصيل ..نعم المدينة كون حلم ودهشة وتفاصيل حيث الفنان يصغي للايقاع الذي يحب بكثير من شهقات اللون والموسيقى الذافئة..

مرة أخرى يشير الفنان محمد المالكي في عمله الذي أنجزه حديثا الى هيامه بالمدينة التي جعل لها غمامة حلم ملونة هي قوس قزح لينعم الأطفال بالنشيد وبالغناء.. وفي هذا الحربصيف تونس لم يقطع الفنان صلته بالتلوين فبعد الأعمال كبيرة الأحجام منها سيدي بوسعيد... وغيرها ..يأتي عمل المدينة بقوس قزح في جمالية عرف بها في لوحاته وبتقنية مزدوجة يمنح الناظر شيئا من المجال ليرى ما تقترحه الألوان من ممكنات الحلم في مدينة لا يمكن الا أن يسعد الكائن فيها .. هي تونس أغنية القلب..عمل جميل فيه فسحة مريحة من بستان اللون ومتعة وسحر بعيدا عن تعقيد الراهن وضجيجه وقولا بالعميق والأجمل في الحلم الجغرافي لتونس..نظرة مالكية نسبة للفنان المالكي ..تجاه الأنا الموزعة في جغرافيا الحنين..فنان ولون وجغرافيا بحجم الروح..

141 mohamadalmalki

وفي سياق مواصلة التجربة التشكيلية والفنية سبق للفنان المالكي تقديم العديد لوحاته في معارض مختلفة فردية وجماعية بمواضبع وثيمات شتى بشأن التّراث والطّبيعة والمجتمع وخصائص تونسية من خلال تاريخها وتراثها ومناسباتها وتقاليدها.. الى جانب أعمال فنية جديدة مثلت طورا آخر من تجربة المالكي منها لوحات «عرس في سيدي بوسعيد» و«تسونامي» و«عين دراهم» و«سيدي بوسعيد المدينة الزرقاء» و«الطبال والزكار والكرسي» و«العاصفة».. وغيرها.

وهذه الأعمال الجديدة مثلت تجربة مغايرة في مسار أعمال المالكي من حيث الروح التجريدية والمتعة البصرية للعمل من قبل المتلقي والمسحة الجمالية للعمل على غرار «تسونامي» و«سيدي بوسعيد..».

وهنا نكتشف الممكنات الجمالية الجديدة للمالكي كفنان اهتم بتيمات التراث والخصوصية التونسية والجانب التقليدي في مظاهر الحياة التونسية.. اذن مجال جديد متجدد عند الفنّان محمد المالكي الذي انطلقت تجربته منذ حوالي 35 سنة.. ويعد الرسّام محمد المالكي من أصحاب التجارب المميزة في المشهد التشكيلي التونسي عبر عمله الأصيل وبلوحاته التي تذهب في تفاصيل الحياة التونسية بجمالية بينة..

كيف يمكن للفكرة أن تنحت لونها المتشظي في الألوان.. وهل يمكن للكينونة البوح بمعادن أحوالها دون نشيد.. ثم كيف للذات الحالمة أن تنتشي بدواخلها لتصير اللوحة حالة من ترجمان المعاني الكامنة...

هكذا تكون الرحلة حيّزا من عذابات السؤال الفني والجمالي بحثا عن خصوصية ما.. وهكذا أيضا تجتمع الأسئلة ضمن صياغة متأنية للسؤال الكبير وهو سؤال الهوية الفنية..من هنا تأخذنا الرغبة طوعا وكرها الى عوالم فنان تقصد الرسم كعنوان قادم من العلاقة الأولى بين الأنامل والجلود ضمن مسار سنوات مع الحرفة.. والحرفة هنا كانت التعلة والمجال المحيل على التعاطي مع الألوان لتكون اللوحة بالنهاية مجالا أوسع للقول ببلاغة الحرف في حياة الناس.. الناس الذين يستبطنون ضربا من الحنين تجاه الجمال المعتق في تنويعاته ومظاهره.. هذا الذي ينسبه البعض الى.. بل يسميه التراث.

محمد المالكي هذا الفنان الذي جاء من مدن الشمال التونسي وتمرس بالحرف وسافر ضمنها مبكرا الى فرنسا وايطاليا واسبانيا حيث التربصات وامتلاك الخبرات.. في التصاميم والنماذج والديكور... الى جانب فنون الموضة.. قاده هذا النهج منذ السبعينات الى واحة اللوحة وظلال الألوان فغدا شابا عاشقا لفنون التشكيل وعوالم الألوان..

بإحساسه المرهف تجاه الأرض وألوانها الملائمة تخير الفنان محمد المالكي ضربا من العلاقة الحميمة معها في تنويع تشكيلي ينهل من التراث باعتباره كونا من الخصوصية والملامح والتواريخ..في هذا المعرض تبرز أعمال الفنان محمد المالكي بمراوحاتها الجمالية التي تقول بالتراث والخصوصية المحلية من حيث اللباس والحلي والخلال والعلامات الدالة في المنسوجات والأعمال الجديدة التي تحدثنا عنها وكلها تجمع بين توق الفنان الى الاصداح بحيز من المخزون كمحصلة وجدانية وثقافية واحداث المتعة الفنية البصرية لدى المتقبل المتجول في تفاصيل اللوحات الذي يجد اشياء من أرضه وبالأحرى بلده تونس..تتعدد اللوحات لتذهب الى ذات العنوان وهوالوجدان التونسي.. ان محمد المالكي بهذا المعرض يبرز مكانة التراث والسعي للتجدد والبحث عن التفاعلات الجمالية الجديدة مع اللوحة والمتلقي في تجربته التي يقول عنها «...هي ثمرة هذا السفر الذي قادني الى الينابيع.. الى ذاتي ومن ذلك هذه الافادة الكبيرة من الخبرات الفنية التي جعلتني أنتبه للفن ودوره الاجتماعي والثقافي.. لوحات بتقنيات مزدوجة تبرز جانبا مهما من مسيرة فنان عانق اللون وسافر مبكرا بحثا عن القيمة.. والكيان.. والفن ..

 

شمس الدين العوني

 

 

140 saadali1يمكن لأي متلقّي أن يستمتع بلوحة الفنان التشكيلي سعد علي، ولكنه لن يستطيع تفكيكها، وفهم تفاصيلها الدقيقة ما لم يعُد إلى بعض المرجعيات المُؤسِسة لنسيج عمله الفنيّ مهما كان صغيرًا أو متوسِطًا، أو كبير الحجم. ولعل أبرز المرجعيات في تجربة سعد علي الفنية هي الرسم التشخيصي Figurative Drawing  المتلاقح بعمقٍ كبير مع تجربة الفنان الإيطالي أميديّو مودلياني، صاحب البصمة المميّزة التي لا ينساها أي مُتلقّي يُشاهد أعماله ولو لمرة واحدة، وهذه البصمة هي الوجوه والأعناق المستطيلة Elongated التي ألهمت سعد علي فعمّمها على كل أعضاء الجسد البشري وخاصة الأعين، وأصابع اليدين والقدمين، بل أنه مطّ الجذع ومعّجهُ حتى ليخاله الناظر خلوًّا من العظام. أما المرجعية الثانية فهي تراثية تُعيد المُشاهد إلى "ألف ليلة وليلة" بأجوائها الحُلُمية، ومناخاتها العجائبية التي يستدعيها الفنان من ذاكرته البَصَرية تارة، وخياله السمعي تارة أخرى ويجسِّدها في مشاريعه الفنية، وهذه ميزة ثالثة يتصف بها سعد علي، فهو لا يتنقّل من ثيمة إلى أخرى، وإنما يعمل لسنوات طوالا على بضعة مشاريع، فمذ عرفته في أواسط التسعينات من القرن الماضي وحتى الآن وهو منهمك بمشروعين كبيرين لا ثالث لهما وهما "صندوق الدنيا" الملئ بالمفاجآت والعجائب، و "أبواب الفرج والمحبة" التي يُطلّ من خلالها على فردوسه المُتخيّل، أو الجنّة الذاتية التي صنعها بنفسه، وأثّثها على مدى أربعة عقود أو يزيد. فسعد كان فنانًا مُنتجاً في الديوانية وفي بغداد قبل أن ينتقل إلى فلورنسا وبيروجا الإيطاليتين وينهل من معينهما الفني العديد من التقنيات الحديثة التي كانت تستجيب لرؤيته الفنية التي أخذت تتسع وتتشذّب يومًا بعد يوم. أفاد سعد علي من تنقلاته العديدة من بلد إلى آخر فقد عاش على مدى أربعة عقود وبضع سنوات في أربعة بلدان أوروبية وهي إيطاليا، هولندا، فرنسا وأسبانيا، بل أنه كان يتنقل من مدينة إلى أخرى في البلد الواحد الذي يقيم فيه عشر سنوات في أقل تقدير.

يبدو أن الفنان سعد علي قد وجد ضالته في مدينة فالنسيا الأسبانية وأحبّها فأقام فيها العديد من المعارض الشخصية والمشتركة وكان آخرها معرضه الشخصي الذي يحمل عنوان "النفس الطيبة" في مدينة ركينا Requena للفترة من 3 يونيو ولغاية الأول من يوليو القادم قبل أن ينتقل إلى فالنسيا. وقد ضمّ هذا المعرض 34 لوحة متوسطة وكبيرة الحجم مُنفّذة بوسائط مختلفة على الكانفاس والورق.

يتشظى مشروع "أبواب الفرج والمحبة" إلى ثيمات كثيرة لا تُستنفَد لعل أبرزها الحُب، والدَعّة، والسكينة، والألفة، ورغد العيش وما إلى ذلك. وثمة تقنية آسرة يستعين بها سعد علي لإغراء متلقّيه وكأنه يتسلل إلى فردوسه في عَتَمة الليل ويفتح باب المحبة خُلسة ليدعنا نرى من خلال عينيه المدهوشتين لقطاتٍ ومَشاهِدَ حميمة لا يراها الإنسان إلاّ في لحظات الوجد والتجلي والنشوة العاطفية التي ترتعش لها خلايا البدن مجتمعة  كما في لوحة "حبيبتي" التي اخترناها لأن سعد علي استعمل فيها تقنية الاستطالة المُشار إليها سلفًا في العين والأنف وأصابع اليدين، كما أن "الحبيبة" في هذه اللقطة المُقرّبة تبدو رقيقةً، مُرهَفة وفي منتهى اللذة. لا تقتصر حميمية المرأة على الرجل في لوحات سعد علي وإنما تمتد إلى غالبية الحيوانات الأليفة والشرسة في بعض الأحيان وكأنه يشير من طرفٍ غير خفي بأن المرأة قادرة حتى على ترويض الحيوانات غير المدجَّنة كالأسود والنمور والطيور الجارحة. وبما أن اللقطات والمَشاهِد فرودسية فلاغرابة أن يكتظ بعض اللوحات بالفواكة المُغرية والثمار الناضجة التي لا تخفى دلالتها الرمزية على المتلقي الحصيف الذي يتوفر على رصيد بصري جيّد يؤهله لاستكناه معنى العمل الفني، والاستمتاع بلذته الجمالية.

140 saadali2

تتكرّر شخصية "حبيبتي" نفسها في لوحة "الفردوس المُنتظَر" وفي بعض اللوحات الأخر التي تتحد فيها الحبيبة بعناصر الطبيعة من أزهار فوّاحة، وشجيرات نضرة، وفواكه لذيذة. وكما يبدو فإنّ الحُب الرومانسي هو عالم سعد علي المفضّل، وإذا أراد أن ينحرف عنه قليلاً فإن المشاعر والهواجس الداخلية هي التي تتلقفهُ كما في لوحة "أحاسيس وتردّد" التي تستدعي المُشاهِد لأن يغوص في أعماق هذه المعشوقة الآسرة الجمال التي تختبر مشاعرها على المحكّ العاطفي.

140 saadali3

تشتبك الحبيبة والمحبوب في غالبية الأعمال الفنية لسعد علي بلحظات مُبهِجة ودافئة وسعيدة ولعل المرأة هي المُهيمنة على المشهد العاطفي كما في اللوحات الثلاث الآتية "اللقاء الأزلي" حيث تحمل المعشوقة قلبها الأحمر بين أصابعها الرَخصة الليّنة، و"اللقاء الأزلي" الذي تدنو فيه المرأة من الرجل وكأنها هي المُبادرة التي تمسك بزمام الأمور.

140 saadali4

أما اللوحة الثالثة فهي "نظرة الجمال" التي يبدو فيها الرجل مُنكفئًا، ومُنصرفًا إلى عالمه الداخلي بينما تنهمك المرأة في مداعبته بغية انتشاله من حيرته وشروده المؤقت.

إذا أراد المُشاهد أن يرى الأجواء العائلية فعليه أن يبحث عنها في لوحات سعد علي لأن معارضه لا تخلو  من الثيمات الأسَريّة التي تعكس العلاقات الحميمة بين أفراد العائلة الواحدة من جهة، وبين الحيوانات الأليفة التي تكسر رتابة الحياة اليومية من جهة أخرى. وبما أن ثيمة المعرض تتحدث عن "النفس الطيبة" فلابد أن تتسيّد صور الفواكه وهي تتوسط الأحبّة كأشكال حيّة ناطقة تشارك الآخرين حبورهم وبهجتهم المُفرطة، ولم يصوّرها الفنان كطبيعة صامتة Still life أو كمفردات تشكيلية جامدة لا تسرّ الناظرين.

140 saadali5

 تتشذّب تقنيات سعد علي وتزداد خطوطه رهافة كلما تقدّم به السن، ويكفي أن نلفت عناية القارئ الكريم إلى بضع لوحات عنونها بـ "أبيض وأسود" وهي تكشف عن المناحي الجمالية المخبأة في الجسد الأنثوي تحديدًا، ناهيك عن الثيمات التي تتمحور على فكرة البحث عن شيء ضائع، وقد تداخلت بعض الأشكال البشرية بالحيوانية وكأنه يريد القول بأن بعض الحيوانات ينطوي على إنسانية من نوع ما، ولعل العكس صحيح أيضًا.

يُعنى سعد علي بالأشكال والمضامين في آنٍ معًا وحجتهُ في ذلك أن القصص التي يرويها، وهي في أعمّها الأغلب، سيرة ذاتية له تتكئ على ثيمات سردية يتآزر في المعنى والمبنى من دون إهمال للتقنيات التي تعلّمها من المدارس والتيارات الأوروبية في أثناء دراسته في إيطاليا، ثم بدأ بتطوير خبرته البصرية من خلال ارتياد المعارض والمتاحف، وقراءة الكتب لبعض الفنانين الذين أحبّ أساليبهم وتجاربهم ورؤاهم الفنية. ويجب ألا يغرب عن بال المتابعين أن الفنان سعد علي قد احتضنته كبرى المؤسسات الفنية الأوروبية مثل "كوبرا" الهولندية، و "إيرك براون" البرتغالية، ومؤسسة "فيرا آرت" للفنون العالمية. وكان غاليري "الصالون الأحمر" بأمستردام يحتفي بمعارض سعد علي الفنية، وهو ذات المكان الذي كان يعرض فيه الفنان الهولندي الشهير كارل أبل، أحد أبرز المؤسسين لجماعة "كوبرا" الفنية الطليعية.

ثمة إصرار واضح من قِبل الفنان سعد علي على تمجيد الحُب، واستحضار البهجة في أعماله الفنية التي يستوحيها من فردوسه الخاص، وأحلامه المتدفقة مثل ينبوع لا ينضب. وقد أثبت  هذا الفنان الدؤوب بأنه  لا يمل من ثلاثة أشياء وهي الانقطاع للرسم، والوقوع في الحُب، والاستغراق في الحُلم.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhodمن الكتب المعتبرة التي تتحدث عن الفن التشكيلي العراقي هو كتاب – فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق –(جزئين 1983) للاستاذ شاكر حسن آل سعيد. والكتاب من الكتب المهمة لحد الآن بمادته ومصادرة التوثيقية .. ومن الاشياء الجديدة في هذا الكتاب هو تحقيقه التأريخي والنقدي عن مرحلة الفنون التشكيلية في زمن الدولة العثمانية وحالة نمو الوعي الفني عند طبقة المثقفين اواخر القرن التاسع عشر . ولم يستغرق هذا البحث غير الفصل الاول الذي يربوا على 35 صفحة اما بقية صفحات الكتاب والتي يصل عددها الى اكثر من 450 صفحة فهي عبارة عن تكرار لما نشره الكتاب والنقاد العراقيين عن تاريخ الفن العراقي منذ مطلع القرن العشرين حتى مرحلة الستينات والسبعينات ... وقد كلفته وزارة الثقافة والاعلام في زمن النظام السابق بتأليف هذا الكتاب ولهذا نجد الحس القومي والدعوة الى الفن العربي والمدرسة العربية والتمجيد بمعارض الحزب تجري في كثير من سطوره .. ؟؟؟

البدايات:

يذكر شاكر حسن ان الفن الاسلامي في العراق في زمن العثمانيين مر بمرحلتين: 1 / المرحلة الاولى هي مرحلة رسم المنمنمات باسلوب التحوير اي تحوير الاشكال وزخرفتها كما هو في حاصل في مدرسة بغداد. 2 / والمرحلة الثانية هي مرحلة التشخيص والتوضيح ورسم التفاصيل وبدأ هذه التطور بالمدرسة الهندية ثم الصفوية في زمن الشاه عباس عام 1587 م (وفي رأي آخر وجدت ان المرسة الهندية خرجت من المدرسة الايرانية) ثم ظهر في المدرسة التركية . وفي هذه المرحلة بدأ برسم البعد الثالث الذي كان غير موجودا في رسوم المرحلة السابقة، كما اصبح الفن الاسلامي في هذه المرحلة يقترب من الفن الاوربي شيئا فشيئا. خاصة بعد فتح القسطنطينية 1453 م وتغلغل الدولة العثمانية في عمق اوربا واحتلالها لبعض الدول، ولهذا بدأت تاثيرات الفنون الاوربية تغزوا الدولة العثمانية والدول العربية الخاضعة لها خاصة وان بعض السلاطين استقدموا رسامين من ايطاليا للعمل في البلاط . وبذلك تحرر الرسم نوعا ما من قيود التقاليد الموروثة القديمة. وقد خلقت الواقعية والرومانسية الاوربية مناخا جديدا في العالم الاسلامي ادت الى تفتت القيم الجمالية والفكر الفني الاسلامي امامها .

المصادر الاولية:

و اشار شاكر الى ذكر مصدرين مهمين لهذا التطور في زمن العثمانيين هما:

1296 khadom1

1 / مخطوط –دلائل الخيرات (وهو عبارة عن مجموعة من الادعية والتوسل بخاتم الانبياء محمد –ص) – من عمل الخطاط حافظ علي بن محمد ويحتوي هذا المخطوط على عدد من الرسوم التي يظهر فيها البعد الثالث، وتمثل مكة والحرم والمدينة المنورة والجبال المحيطة بها وهي مرسومة ومنفذة بالمائيات، ويظهر في هذه الرسوم صفة المحاكات والرمزية والاشكال الاصطلاحية والالوان الذهبية ومنظور الطائر ... وتعد هذه المخطوطة نسخة مزخرفة عن الكتاب الاصلي الذي الفه محمد سلمان الجزولي الصوفي المغربي المتوفي سنة 1465 م

1296 khadom2

2 / كتاب علم الجفر –مخطوط- وينسب الى الامام علي –ع- وفيه اكثر من عشرين صورة مصغرة بقياس 30 في 80 ملم و75 في 68 ملم وهي غير متقنة وفيها تأثيرات هندية وصفوية وتركية وهي ذات طراز تقليدي .. و- الجفر -هو جلد الشاة الصغير وقد كتبت عليه علوم الحروف والرموز التي تنبئ باسرار الكون والغيبيات . ويعتقد ان تزويق المخطوط ونسخه جاء متأخرا...

كذلك يذكر شاكر ظاهرة رسوم الجداريات التي كان لها شأن في العراق اواخر العصر العثماني وان تقاليدها كانت منتشرة في ايران وتركية وهي ذات طابع فطري. كما يعتقد ان العثمانيين وجدوها في اوربا وهي اعمال بويهيمية غير متقنة ولا تنم عن وعي فني، ثم نقلوها الى امبراطوريتهم. ومن المعروف ان رسوم الجداريات عرفتها حضارة وادي الرافدين وفي قصور الآشوريين وفي مصر .. وعثر في مدينة ماري في سوريا على رسوم جدارية تعود الى القرن الثامن عشر قبل الميلاد واخرى وجدت في آثار عقرقوف في العراق وتعود الى القرن الرابع عشر ميلادي . ولا زال هذا اللون من الرسم الشعبي يمارس في كثير من المناطق الشعبية وحتى على جدران المدارس . وايضا انتشرت في زمن العثمانيين رسوم ما تحت الزجاج،و هو فن شعبي منها ما كان يدخل في صناعة الآثاث الخشبية وفن العمارة ولحد قريب كانت هذه المهنة منتشرة في العراق وكان لها دورا كبيرا في خلق الوعي الفني . وبالتالي اصبحت واسطة بين رسوم المنمنات والرسم الاوربي .. كل هذه المعطيات كانت الممهدة الاولى لظهور طبقة من المثقفين والفنانين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . .

1296 khadom3

 وذكر شاكر فنانا صوفيا وحيدا ظهر اواخر القرن التاسع عشر ربما عام 1835 وهو نيازي مولوي بغدادي واعتبره كحلقة وصل بين فن المنمنمات والفن الاوربي، وقد ذكرنا ذلك في المقامة السابقة ثم ظهر من بعده مجموعة من الضباط كانوا في الجيش العثماني وفي مقدمتهم عبد القادر الرسام حيث مارسوا الرسم كهواية ولكن باسلوب اوربي . ويعتبر هؤلاء هم مؤسسي الفن التشكيلي العراقي الحديث .. وهم خليط من الاتراك والعرب مثل : عثمان بك - ناطق بك – عزت بك- عبد القادر الرسام - الحاج محمد سليم علي الموصلي – حسن سامي والد الفنان عطا صبري – محمد صالح زكي –عاصم حافظ – ناصر عوني- فتحي صفوة – شوكت سليمان الخفاف وغيرهم من الرسامين الهواة . وقد تتلمذ بعض الرواد على ايديهم ... اما قبل هذه الفترة فلم يعثر على اي مصدر يتحدث عن الفن التشكيلي العراقي ..

و تشير بعض المعلومات الى ان المستشارة الثقافية - المس بيل- في زمن الملك فيصل الاول في عام 1922 قد زارت بعض النشاطات الفنية والصناعية برفقة- الباشا نوري سعيد .حسب ما جاء في مذكراتها ...كما تشير كذلك عن زيارة الملك الى بعض المعارض الفنية وان هناك رسامين لهم اعمال مميزة وبارزة .... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لاتذكر اسماء هؤلاء في تاريخ الفن العراقي ؟؟؟. ولماذا انحصرت حركة الفن العراقي الحديث في جماعة اصدقاء الفن التي اسست عام 1941 ؟؟؟ وبالتالي فقد غبن وظلم مئات الفنانين واساتذة الرسم في الحقب الماضية ولم يذكر عنهم شيئا؟؟

نظر:

يبدو ان الطائفية والمحسوبية والحزبية كانت تمارس منذ ذلك الوقت البعيد بشكل ناعم غير مرئي

بينما نجدها اليوم علنية وافتخارية، وهي التي سببت الدمار للعراق حيث مزقت نسيجه الاجتماعي والحضاري ... وقد ذكرنا سابقا عن ظهور طبقة مثقفة من ابناء الاعيان والباشوات والمقربين من السلطة هؤلاء هم الذين شكلوا التيار (الثقافي والفني) وحضوا بالامتيازات الخاصة من بعثات الى الخارج والرتب العالية في الجيش والسياسة، وكانوا مدعومبن من ساطع الحصري 1879- 1968 الذي شغل مدير الآثار العامة في بغداد والذي يعتبر مؤسس الفكر القومي في العراق وكان عضوا في جمعية الاتحاد والترقي في التركية .. وقد توجه الاعلام والمؤرخون وكتاب النقد الى هؤلاء الشلة او الجماعة المنتخبة من الابناء اطراءا وتمجيدا . وعندما جاء النظام البعثي اعادة الاعتبار الى هؤلاء وجند الاقلام واشتراها وطبع الكتب بسخاء وافراط عن الرواد بحيث اصبحنا لا نرى احدا غيرهم ؟؟؟ . وهذه بحق كارثة كبرى على تاريخ ومسيرة الفن العراقي، اولا ان يختزل تاريخه العظيم بهذه المجموعة الصغيرة التي يصل عددها الى حوالي اكثر من 15 رساما، ثانيا ان يجند كل النقاد والمؤرخين عن الكتابة عنهم . وبالتالي اصبحت الكتابة فقيرة فارغة تفتقد للرؤية الموضوعية واصبح الاطنان في الانشائية والتحليلية نوع من السفسطة ويشم من خلالها رائحة الشخصية المزدوجة والمنافقة المجة. شخصية حبست نفسها صامته امام جرائم ومذابح واستبدادية النظام السابق وباعت اقلامها مقابل حفنة من الاموال . وانا لا اتردد من ذكر بعض اسماء الكتاب والنقاد الذين سيطروا على الساحة الفنية في العراق منذ الاربعينات الى سقوط النظام عام 2003 (وهم كثيرون ومعروفون لازالوا يملكون صناعة الحرفة ببراعة) . ومنهم شاكر حسن آل سعيد وغيره ... وبالتالي علينا مراجعة التاريخ وتصحيح مساره ضمن منهجية جديدة تغربل المادة التاريخية الماضية مما يعلق بها من تحريف وغبن ووضع وتزوير ..،..

 

khadom shamhodيذكر ان الفترة الاستعمارية العثمانية للعراق التي امتدت عدة قرون انعدمت فيها المدونات او المصادر التاريخية التي تتحدث عن الفن التشكيلي او العمارة او رسامي تلك الفترة، وبالتالي فكل ما يكتب عنها يبقى ناقصا ومبتورا ويعمها الغموض ولم تخضع الى منهجية واضحة في النقد او دراسة علمية وتاريخية دقيقة. ويقول شاكر حسن آل سعيد (وعموما فان الفن التشكيلي في العراق قبل الثلاثينات (من القرن العشرين) يكاد يكون مجهول الهوية) فاذا كانت هذه الفترة تكاد ان تكون مجهولة الهوية فما بالك في القرون الماضية؟ فمن المؤكد انها معدومة الهوية .. كما ان المؤرخ العراقي لتلك الفترة تتحكم فيه المزاجية والانطباع الشخصي في عملية التدوين .

او الانحياز الى هذا الطرف او ذاك .. وتعتبر تلك الفترة التي عاشها العراق منذ سنة 1543 الى سنة 1914 من اسوء الحقب التاريخية التي مر بها العراق على الاطلاق تخلفا وتحجرا وفوضوية .... ولم يعثر على مصدر حقيقي يستوفي الشروط الموضوعية للحديث عن الفنون التشكيلية ايام العهد العثماني .

1543 – 1914 .م

1290 khadom1ماذا حدثة للفن التشكيلي العراقي في تلك الفترة الزمنية التي امتدت اكثر من اربعة قرون ؟؟؟ واين هي المدونات والكتب التاريخية التي تتحدث عنه ؟؟؟ واين هي اسماء المصورين والمزوقين والمعماريين ؟؟؟ هل من المعقول لم يظهر فنانون على الساحة العراقية من شمالها الى جنوبها خلال هذه قرون ؟؟؟

 يذكر ان العالم والمؤرخ المصري المعروف تقي الدين المقريزي -1364 – ذكر في كتابه – (ضوء النبراس وانس الجلاس في اخبار المزوقين من الناس) عددا كبرا من المصورين العرب في العصور الاسلامية . ولكن هذا الكتاب غير موجود واختفى تماما من المكتبة العربية.. ولهذا انا اعتقد ان هناك كتب كثيرة تحدثت عن التصوير والخط والزخرفة في العراق خلال الفترة الاستعمارية العثمانية ولكنها اختفت لظروف معينة مجهولة .. كما يحدث اليوم هناك تعمد في حرق المخطوطات وتهديم الآثار وسرقتها واخفائها لاجل كتابة التاريخ من جديد وتدوين ما يريده الاجانب او الفرق العبثية الضاله وحتى ايضا يكون التزوير فيه سهلا...

و في كتاب – الرحالة المسلمون في العصور الوسطى – للدكتور زكي محمد حسن . من ضمن ما ذكره عن رحالة معروف اسمه – الهروي السائح 568هجرية / 1173-م كان قد اكتشف مقابر الاهرامات ودخل فيها ووجد كنوز الذهب وجثامين الفراعنة ودون تلك المعلومات تفصيلا في مخطوطه (العجائب والآثار والاصنام والطلمسات)(هذا المخطوط اختفى). وفي سنة 588 هجرية / 1193نهب الصليبيون كتبه عندما كان في قافلة .. ولما دخل نابليون مصر كان معه 500 عالم ومعهم مخطوطات العرب منهم الهروي كدليل على الآثار المصرية والاهرامات وما فيها فحملوا الآثار المصرية الى باريس .. ولهذا نعتقد عقليا ومنطقيا ان هناك كتب ومخطوطات قد دونت فيها حركة الفن والعمارة والمزوقين والرسامين والخطاطين والمعماريين وقصور الامراء والاغنياء وفن الموسيقى والطرب والرقص وغيرها رغم ضعفها وتدنيها في ذلك العصر .. ولكن اختفت هذه المخطوطات او حرقت لاغراض واسباب كثيرة منها ان لا يكون لهذه الامة العريقة تراثا متواصلا لحضارتها .. ؟؟؟؟؟؟ يضاف الى ذلك هناك تجاهل واهمال من قبل عامة الناس لفن التصوير بسبب التحريم والعقول المغلقةو المتحجرة لعدد من علماء الدين .

1290 khadom2

التقاليد الفنية الكلاسيكية:

في تلك الفترة المظلمة بقت تقاليد المدرسة البغدادية والمدرسة الفارسية والهندية والتركية منتشرة في عموم المدن الكبيرة مثل بغداد والبصرة والموصل . وكانت مقتصرة على رسم المصورات الصغيرة والمنمنمات وتزويق المخطوطات والرسوم الجدارية الشعبية. والرسوم التي تظهر على التحفيات والمنسوجات ... وبعد دخول الطباع في العراق ظهرت رسوم القصص الشعبية .. كما انتشرت رسوم المسجد الحرام وبيت الله على سجاجيد الصلاة وكتب الادعية وكذلك الرسوم الدينية التي تمثل صور الأئمة والاولياء الصالحين القادمة من ايران . وبالاضافة الى ذلك نجد الفن الشعبي المحلي الذي نراه منتشرا في الاوساط الشعبية في كل مكان . وبالتالي فان هذه الانشطة المختلفة كانت عبارة عن السير على تقاليد الفنون الموروثة القديمة ليس الا .. وبالتالي فان الفترة العثمانية اتسمت بصفة التأثيرات المختلطة من فارسية وهندية يضاف لها المدرسة التركيه التي هي في الحقيقة ولدت من رحم المدرسة الفارسية حيث يذكر ان المصورين الفرس هاجروا الى تركية للعمل فيها .

ولكن بقى الخط العربي والزخرفة متماسكة ولا يمكن تحويرها او تغييرها حيث بقت محافظة على كيانها الحضاري والعربي بل اخذت بالتطور بشكل ملحوظ على يد عدد من اساتذة الخط في تركيا وايران وفي وقت متأخر على يد حامد وهاشم الخطاط .. وذكر الدكتور زكي محمد حسن في كتابه –مدرسة بغداد – ان هناك عددا كبيرا من المصورين المانيين قد قدموا من ايران الى العراق في القرن الثاني الهجري (الثامن ميلادي) وانهم ساهموا في تزويق كثير من المخطوطات الاسلامية . وكان هناك صراع قائم بين الفرس والعثمانيين بالاضافة الى كونه سياسيا كان هناك صراعا ثقافيا ومذهبيا ورغم الفوضى و التخلف فان له ايجابيات حيث تغلغلت الفنون الفارسية بشكل واسع الى العراق واثرت على الذوق العام خاصة في طراز العمارة وصناعة السجاد والتحفيات ورسوم المنمنمات كما هو ظاهر في كربلاء والنجف وسامراء والكاظمية بينما نرى التأثيرات التركية ظاهرة في الموصل والسليمانية . اما بغداد فقد كانت مركز التفاعل الحضاري وتنوع الطرز والثقافات من خارجية ومحلية ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhodبعد سقوط بابل على يد الاخمينيين عام 539 ق م - ظل العراق مركزا للتفاعل الحضاري الايجابي بين الشعوب والحضارات الوافدة اليه وبين الحضارات المحلية التي ورثت حضارة وادي الرافدين . وكانت عواصم الغزاة قد تمركزت في ارض العراق ولهذا اكتسبت هذه العواصم صفة عالمية مثل : بابل وسلوقيا وطيسفون . وبين سقوط بابل وظهور الاسلام مر العراق بمراحل تاريخية اربعة – المرحلة الاخمينية 556 ق.م والمرحلة السلوقية 312 ق م والمرحلة الفرثية 249 ق م –226 م والمرحلة الساسانية 226-651 .م ويضاف الى المدن المذكورة سابقا كانت هناك بعض المدن العراقية اخذت صفة التألق الحضاري مثل امارة ميشان –البصرة - والتي كانت تتكون من مدينتي الابلة وميشان .

مدينة البصرة

1284 khadom1تعتبر البصرة (الابلة) من اقدم المدن العراقية واكثرها حضارة وثقافة فهي وليدة الحضارة السومرية وخليفتها على ساحل الخليج وكان نفوذها يمتد حتى ظفار على البحر العربي ويوم ذاك لم تكن دول الخليج موجودة على الاطلاق . وكانت تعج بالحركة التجارية والثقافية والفنية حيث تردها البضائع من دول آسيا الشرقية بمختلف انواعها منها التوابل والاقمشة ذات الالوان الزاهية المسرة والمزخرفة بانواع الرسوم النباتية والكائنات الحية التي تستعرض المناخ الحضاري وتقاليد تلك الشعوب العريقة بفنونها . وانصهرت في البصرة مختلف الثقافات وظهرت طبقة الاغنياء التي بدأت بتشييد القصور والحدائق الغنائة على ضفاف شط العرب وفروعه، كما دعت لىتزويقها بالزخارف والتصاوير الجميلة . ويذكر شاكر حسن آل سعيد ان البناء (المعماري) في ذلك الوقت كان ايضا هو مزوق في نفس الوقت . كما يعتقد قدوم عدد من المصورين الى البصرة من ايران والهند . وبالتالي انتشرت التـاثيرات الفارسية واختلطت مع التقاليد المحلية والفنون الشعبية في مناطق الامتزاج الثقافي . ولكن مع الاسف لم تدون اسماء المعماريين والمزوقين لتلك الفترة ولم يعثر على مصدر يؤرخ ذلك ما عدا ما خلفوه من آثار كالقصور وما فيها من زخارف ورسوم وتحفيات ومذكرات الرحالة وغيرها وبقت غالبيتها مجهولة الهوية .. وربما كان لثورة الزنج (العبيد) في البصرة عام 869 واحراقهم المدينة وتحويلها الى خراب وانقاض، ادى الى ضياع الكثير من المخطوطات والمدونات حول تاريخ الثقافة والفنون وازدهارها في مدينة البصرة .

 وعندما فتحها المسلمون سنة 14 هجرية (القرن السابع م) اطلقوا عليها اسم البصرة وفي زمن الخليفة العباسي المأمون (- 786 - 833) امر باحصاء علماء البصرة وتلاميذهم فبلغ عدد العلماء سبعمائة عالم وعدد التلاميذ احد عشر الفا . كما طلب بأرسال نسخ من مؤلفات اولئك العلماء . فجمعوا له اكثر من مئتي الف مؤلف بين صغير وكبير في جميع صنوف العلوم والمعرفة . وقيل في مصدر آخر ان العد اكثر من ذلك بكثير . ارسلت الى المأمون في ثلاثة سفن ووصلت الى بغداد وضمها الى مكتبته .. ..

وقد ولد في البصرة عباقرة لم يشهد لهم التاريخ الاسلامي والعربي مثيلا . كالجاحظ والفرزدق وبشار بن برد وابو الاسود الدؤلي والخليل بن احمد الفراهيدي وابن الهيثم 965 م عالم الرياضيات والبصريات ومخترع – الكاميرة - والاصمعي والكندي والمربد وابن سيرين وفرقة المعتزلة (العقلية)، وجماعة اخوان الصفا، والحريري، والمصور احمد الخراط البصري الذي ظهر في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري (8 م) واشتهر برسم الصور الشخصية والكاريكاتير ويعتبر من اوائل المصورين ورسامي الكاريكاتير في العالم الاسلامي سبق بذلك الرسام الايطالي دافنشي بعدة قرون .

1284 khadom2

مدينة بغداد

انشات بغداد في زمن الخليفة المنصور عام 145 هجرية 762 م - واشتهرت في زمن الخليفة هارون الرشيد كونها عاصمة الدولة الاسلامية كما اصبحت في زمن الخليفة المأمون مركزا للعلم والثقافة والفن والترجمة في العالم ، فاسس جامعة بيت الحكمة 830 م – وقد وفد اليها العلماء من كل حدب وصوب . وكان هناك سوق للوراقين او بيع المخطوطات يقع في شارع المتنبي اليوم . كما ظهرت فيها مدرسة بغداد للفن وتسمى ايضا (بالمدرسة السلجوقية) . حيث برز فيها المصور يحيى بن محمود الواسطي الذي عمل رساما للخليفة المستنصر بالله العباسي بين اعوام 1242و 1258 م . واشتهر ايضا من المصورون : ابن الرزاز الجزري 1206 وعبد الله بن الفضل1222 وعلي بن حسن بن هبة الله 1209 وغيرهم .

الفن المعاصر

 بدأت ظاهرة الوعي الثقافي والفني في العراق في نهاية القرن التاسع عشر على يد عدد من المثقفين والفنانين منهم شخصيتين مهمتين دونهما لنا التاريخ هما : نيازي مولوي بغدادي ويعتقدانه من اصل تركي او من مناطق بخارى ونيازي حسب قرائتي هو لقب عائلة اما اسمه فلم يذكر .. وكان خطاطا ومزخرفا ورساما وهو صوفي الاتجاه وقد ترك لنا عددا من اعماله لازالت تحتفظ بها مكتبة المخطوطات في بغداد . والرجل الثاني هو عبد القادر الرسام 1882 -1952 الذي درس الفن في استامبول اثناء خدمته العسكرية . ولازالت اعماله تزين بعض المتاحف والمؤسسات والبيوت العراقية وكانت اعماله منفذة بالاسلوب الواقعي الاوربي . وتبعه بعد ذلك الحاج محمد سليم وعددا آخر من الضباط المتقاعدين وكانوا رسامين هواة .

ويعتبر هؤلاء الرسامين كحلقة وصل بين اسلوب فن المنمنمات التقليدي في القرن التاسع عشر والاسلوب المدرسي (الاكاديمي) الذي كان سائدا في اوربا والذي عمل على انتشاره في العراق مجموعة من الطلبة الذين درسوا في الخارج ثم عادوا الى بغداد واسسوا معهد الفنون الجميلة عام 1939 -1940 .

اما البصرة فقد عاشت كمثيلتها بغداد في فترة العشرينات والثلاثينات في حالة صراع بين الاساليب القديمة وبين الاوربية الحديثة . ويذكر الاستاذ شاكر حسن ان الاستاذ والرسام عبد الكريم محمود كان يشرف عام 1922 على الدروس الفنية وتدريس مادة الفن عمليا في المدارس الاولية في البصرة . كما يذكر ان هناك فنانة بصرية تدعى شيرين مراد السلامي تعتبر من الفنانين العراقيين الرواد ولدت عام 1905 وكانت معروفة في الوسط الاجتماعي خاصة الطبقة الحاكمة ويقال انها رسمت صور شخصية للملك فيصل الاول والشريف حسين والشاه بهلوي والملك عبد العزيز وغيرهم واقامت معرضا شخصيا لها في البصرة عام 1933 وكانت تنفذ اعمالها الزيتية او المائية بالاسلوب الواقعي او المحاكات تقليدا للطراز الاوربي . وسوف نتحدث في المقامة القادمة عن الفترة العثمانية المظلمة وعدد من الرسامين الاوائل ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

mohamad albandoriلا شك أن التأثيرات الحضارية وما يرافقها من تطور في شتى المجالات الحيوية لها انعكاس كبير على الخط العربي عموما والمغربي خاصة. ولعل الإحداثات العلمية والمعرفية والحضارية التي يشهدها المغرب قد ساهمت بشكل ملفت بدت مظاهرها جلية في مجال الخط المغربي خاصة مع ظهور مرافق معرفية حديثة تعنى بالخط المغربي، وكذلك إحداث جائزة محمد السادس في فن الخط المغربي، الأمر الذي حفز وأعطى دينامية خاصة للخطاطين لكي يمدوا القطاعات العلمية والمعرفية المتصلة بالخط المغربي بمزيد من الإنتاجات مما عجل بتجلي الخط المغربي العلوي الشريف الخط المتقن والمضبوط في عدد من الأوراش الخطية ذات القيمة العالية. فتجلى في كتابة مصاحف قرآنية شريفة ذات جودة عالية، وبرز كذلك بشكل لافت في عدد من اللوحات الخطية الرائقة لخطاطين مغاربة أجلاء. وهو ما أعطى مكانة لائقة للخطاطة والمخطوطات والخط والخطاطين خلال هذه الفترة العلوية الشريفة الآنية، بل إن هذه الفترة تعرف تنوعا كبيرا في الاستعمالات الخطية المغربية، حيث يسود حاليا الخط المغربي المبسوط والخط المغربي المجوهر وخط الثلث المغربي بشكل لافت، خصوصا مع ظهور إبداعات قوية ذات جماليات أخاذة، تأخذ بعين الاعتبار تطور هذه الأنواع الخطية بدقة وعناية فائقة، إلى جانب استعمال خط المسند والكوفي المغربي في إطار فني دلالي. وبزغ في الساحة الخطية حاليا الخط المغربي الصحراوي والخط المغربي المدمج الدقيق والخط المغربي الإفريقي. وأسهم في هذا التطور وبسط الإبداع عدد من الخطاطين النبلاء والأساتذة الباحثين الأكابر من خلال مراكز تشكل مدارس خطية عالمة، منها مدارس الدار البيضاء ومدرسة تطوان ومدرسة مراكش ومدرسة سطات ومدرسة وجدة ومدرسة فاس ومدرسة مكناس ومدرسة تارودانت ومدرسة تازة ومدرسة أكادير ومدرسة سلا ومدرسة الرباط ومدرسة طنجة وعدد آخر من المدارس بمختلف المدن المغربية .. ومن خلال ملتقيات فنية ودراسية.

 إضافة إلى الإتقان الكبير والتفنن الجميل في الخطوط المشرقية خصوصا منها الخط النسخي وخط الثلث والخط الديواني. فعلى إثر ذلك تعزز المشهد الحروفي المغربي في عهد أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس بجيل معاصر من مشايخة الخط ببلادنا، يحرصون أشد الحرص على جودة الخط المغربي والمشرقي وضبطه وتقييده، ويعملون على إرساء جمالياته وربطها بالمجال الزخرفي باعتباره مكونا جماليا، إلى حد الصرامة والحزم، ولا يقبل حاليا في المشهد الخطي المغربي غير الخط المقيد بالضبط والمحلى بالجمال والمرصع بالتزيين والمحفف بالإبداع. وهذا يدل على الصيغ المتنوعة للمناحي الجمالية التي يتمتع بها الخط المغربي حاليا. وعلى إثر ذلك يمكن تصنيف المشهد الخطي المغربي الآني وفق التنوع الثقافي والمعرفي والإداري وما يترتب عن ذلك من تنوع على مستوى الخطاطين، فنجد عددا من الخطاطين الخواص والخطاطين العوام وخطاطي البلاط وخطاطين من المشايخ وخطاطين شباب وخطاطين هواة وبعض الخطاطين الذين تخصصوا في الزخرفة والتنميق والبعض الذي تخصص في تقهير الورق، والبعض الذي تخصص في صنع الأمدة والأقلام المغربية.. كل يسهم بإبداعاته الرائقة وتقنياته المتطورة في الرفع من شأن الخط المغربي. ولم يقتصر الأمر على العنصر الذكوري فحسب، بل برزت في الساحة الخطية المغربية الآنية خطاطات مجيدات ومقيدات بالضبط، ومتفننات ومتقنات للخط المغربي بمظهر حضاري يرفع شأن العنصر النسوي في هذا المجال، وقد نافسن الرجال في هذه المهمة السامية.

 

د. محمد البندوري

 .

adnanhusan ahmadرسمَ ألف لوحة وأقام 25 معرضًا شخصيًا على مدى ثلاثة عقود

بعد 25 معرضًا شخصيًا وقرابة 70 معرضًا جماعيًا، وخمسة كتب عن تجربته الفنية، وعشرات المقالات النقدية والانطباعية عن معارضة ولوحاته التي تجمع بين التشخيصية، والتعبيرية، والوحوشية، والآرت ديكو، والفن الجديد وسواها من الحركات والمدارس الفنية التي تأثر بها خلقَ الفنان ستار كاووش بصمته التشكيلية الخاصة به، فالذي يشاهد عملاً واحدًا له لابد أن يتعرّف بسهولة إلى بقية أعماله الفنية حتى لو كانت خالية من توقيعه الشخصي.

اشتغل كاووش بدأب كبير كي يحقق هذه البصمة وقد خدمهُ كثيرًا أسلوبه المُغاير الذي يختلف عن أساليب كل الفنانين العراقيين تقريبًا ويستطيع القارئ الكريم أن يعود إلى كاتلوغات معارضه الأولى "سيقان وأرصفة"، "رجل وامرأة"، "جسد المدينة"، ليتأكد من أنّ كاووشًا كان ولمّا يزل يغرّد خارج سرب التشكيليين العراقيين.

يتمتع كاووش بخصال عديدة  تخدم تجربته الفنية وتغذّيها على الدوام وأولها الإخلاص للفن، والانقطاع له، والتماهي فيه. ولعل أمسيته الفنية الأخيرة التي نظّمتها مكتبة Alef  في "بيكر ستريت" بلندن وما باحَ به من اعترافات شخصية مهمة تسلّط الضوء على جوانب محددة من تجربته الفنية هي دليل قاطع على أنّ ستار كاووش قد وضع الرسم على رأس اهتماماته الإبداعية آخذين بنظر الاعتبار أنه يكتب عمودًا أسبوعيًا في بعض الصحف اليومية أو المجلات الفنية وربما يكون "باليت المدى" هو عموده الأسبوعي الشيّق الذي واظب على كتابته منذ أربع سنوات تقريبًا وحتى الآن، لكنه يظل عمودًا فنيًا خالصًا يتسيّد فيه التشكيل، وتطغى عليه الجملة البصرية التي تقترن بالعفوية، والدُعابة، وسلاسة الأسلوب الرشيق.

توقفَ كاووش في الندوة عند بواكير حياته الفنية وكيف اقتنى أول كتاب للفنان الهولندي رمبرانت فان راين الذي كلّفه مصروف جيبه لأشهر طوالا، وما إن تصفحهُ حتى تعلّق بلوحة "الحراسة الليلية" التي أنجزها رمبرانت عام 1642 ولعله انبهر بالتضاد اللوني بين الضوء والظل قبل أن ينبهر بالفيغرات العديدة التي تؤثث السطح التصويري لهذه التحفة الفنية التي حلُم كاووش أن يقف أمامها ذات يوم وقد تحقق له هذا الحلم مذ لجأ إلى هولندا عام 1999 واستقر فيها بشكل دائم طاويًا صفحة غربته العسيرة في "كييف".

أما الملحوظة المهمة الثانية فهي إفادته  من فيغر "الملكة" في ورق اللعب منذ بداياته الفنية وحتى الآن ولعل هذه الإفادة تتمثل بالخطوط المرهفة التي نراها في مجمل أعماله التشخيصية التي تقوم في غالبيتها على ثنائية المرأة والرجل. لعل الملحوظة الثالثة هي الأهم من وجهة نظري المتواضعة لأنه يرسم "الخُنثى" دائمًا، فليس هناك ذكَر خالص الذكورة في أعماله وإنما فيه لمَسات أنثوية كثيرة، كما أنّ الأنثى ليست أنثى خالصة ففيها على الدوام شيئًا من الرجل. وهذا النفَس الخنثوي كان يحيّر بعض المتلقين ويجعلهم لا يفرِّقون بين الرجل والمرأة في لوحة كاووش الفنية التي تتمتع الآن برهافة انسيابية واضحة في الخط واللون والتكوين إضافة إلى بعض العناصر الرمزية التي يجب ألا تمرّ على المتلقي مرور الكرام مثل القط، والتفاحة، والقناع، والكتاب وما إلى ذلك من مفردات فنية تخدم اللوحة وتضفي عليها بهجة من نوعٍ خاص.

تكمن أهمية هذه الأمسية الفنية في العدد الكبير من السلايدات التي تمّ عرضها على شاشة كبيرة نسبيًا غطت مراحل متعددة من حياته الفنية قبل أن يشتدّ عوده، وتتطوّر تقنياته حينما يلج أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وينهل منها معارفه الأساسية التي وسعّت مداركه، وفتحت له الأبواب واسعة ليتعرف على مجمل مدارس الفن التشكيلي وتياراته الأوروبية التي تعلّق بها وتبنّى العديد منها خلال ثلاثة عقود ونصف العقد تقريبًا.

بلغ المنجز التشكيلي للفنان ستار كاووش 1000 لوحة وهو رقم كبير بكل المقاييس وقد جرّب فيها كل الأشكال والأحجام ففيها المستطيل والمثلث والمربع والدائري والبيضوي والمخروطي وما تمرّد منها على الأطر ليجد ضالته في الفضاء المفتوح الذي يحيط باللوحة. أما كتابه الأخير "نساء التركواز" فيضم 160 لوحةيمتد تاريخ إنجازها بين عامي 2005 و 2014 باستثناء لوحات أغلفة الكتب والمجلات التي يعود بعضها إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي وقد كتبت مقدمتة الناقدة والباحثة الهولندية شارلوتا هاوخنس المتخصصة بالفن العربي، فيما ترجم المقدمة إلى الإنكَليزية الأميركي ديفيد ميكَيّ.

تمحور بعض الأسئلة التي وجهها الحضور إلى الفنان ستار كاووش حول "معنى اللوحة وآلية التلقي" والغريب أن بعض السائلين كانوا يبحثون عن إجابات محددة وكأنَ مضامين هذه اللوحات التي عرضها الفنان غامضة أو عصيّة على الفهم بينما تدور غالبية اللوحات حول ثيمة الحُب وتجلياته، والحُلم وإشراقاته، والنشوة وغيبوباتها وما إلى ذلك من الموضوعات المختلفة التي يستلّها كاووش غالبًا من "كتاب الحب".

بعض الحضور أحبّ ألوان كاووش الحارة الصريحة، بينما أحبّ البعض الآخر رسومه وتخطيطاته التي نفّذها بقلم الرصاص أو الحبر الأسود ورأى فيها أبعاد فنية وجمالية أعمق من اللوحات المبهرجة الألوان وهذا أمر طبيعي في أن تختلف الذائقة من متلقٍ إلى آخر. انتبه البعض إلى الثيمات ورأى فيها تكرارًا وهي التفاتة ذكية لكن مشكلة الفنان ستار كاووش لا تكمن في رهانه على الموضوعات أبدًا وإنما على كل العناصر والمعطيات الأخرى التي تبهج المتلقي كالشكل واللون وزاوية النظر.

لم يكتفِ ستار كاووش بعلاقته مع الفنانين التشكيليين العراقيين مهما كثُر عددهم ولعل الأدباء والكُتّاب هو وسطه المفضل الذي يطمئن إليه في دخيلته فلا غرابة أن يكون صديقًا لغالبية الأدباء، يقرأ كتبهم، ويشاطرهم همومهم الأدبية، ويكتب مثلهم عموده الأسبوعي الذي يؤهله لأن يكون الفنان الكاتب والعكس صحيح ولعله الشخصية الفنية الوحيدة في بغداد الذي حصل على لقب "النجم الفنان"، فكلمة النجم كانت حكرًا على المطربين والممثلين والمخرجين والموسيقيين وبعض لاعبي كرة القدم المشهورين. ومن هنا تأتي الإشارة إلى محور البورتريهات الشخصية التي رسمها لعدد كبير من الأدباء العراقيين والعرب الذين ضمّهم كتاب "نساء التركواز" وعلى رأسهم الشاعر بدر شاكر السياب، والشاعر أنسي الحاج، والمخرج صلاح القصب، والروائي حميد المختار، والروائية لطفية الدليمي، والشاعر خالد مطلك، والشاعر عبدالزهرة زكي، والناقد السينمائي علاء المفرجي، والشاعر موفق السواد وسواهم من المبدعين العراقيين الذين يحفظ ملامحهم عن ظهر قلب.

تحتل المرأة مكانة مميزة في حياة ستار كاووش الفنية فقد رسم جميع النساء اللواتي أحبهن وسوف نكتفي بثنِية روحه الأخيرة السيدة آلي تشوكر Alie Tjoelker التي رسمها في العديد من لوحاته من بينها "زهرة آلي" وهي لوحة معبّرة تقود الناظر إلى التماهي بالطبيعة، وتنفتح على فضاء الحب المتوهج إلى أقصى مدياته.

حاز كاووش على العديد من الجوائز نذكر منها جائزة الرسّام الأول في جريدة "الجمهورية" ببغداد عام 1991، والجائزة الأولى في معرض الفن العراقي المعاصر عام 1993. كما فاز قبل مدة قصيرة بالجائزة الذهبية في بينالي الكويت 2017 عن لوحته المعنونة "عاشقان تحت المظلة" واعتبرته لجنة التحكيم فنانًا ذا رؤية خاصة وضعته في قائمة الفنانين المشهورين ضمن المشهد التشكيلي الهولندي المعاصر.

.

لندن: عدنان حسين أحمد

 

hashem mosawiيذكر لنا فيلسوف الفن التشكيلي المعاصر (هربرت ريد) في كتابه "حاضر الفن" وهو يستعرض مراحل تطور الفن (ويقصد به فن الرسم) إبتداءا من عصر النهضة حتى يومنا هذا . وهو جازما على أن التقاليد الرئيسة في فن الرسم الأكاديمي الأوربي، قد بدأت في القرن الرابع عشر .. وقد بدأت بشكلها المبسط من خلال الرغبة في نسخ ما تراه العين مباشرة .. وقد ساند هذا الرأي "روجر فراي" حين قال: (لم يكن مطلوبا من الفنان أن تكون تخيلاته رائقة للعواطف بإيقاعها فحسب، بل أن تتماثل مع مظهر العالم الواقعي، أما بنيتها فيجب أن تكون متماسكة وبلا ثلمة، كتلك التي للمنظر المرئي وهذا شرط أساسي .. وإن هذا التماسك كان يتحقق بطريقتين، أما بمحاكاة دقيقة للمنظر الواقعي، أو بإنشاء صورة إستنادا الى تلك القوانين البصرية التي ترتاح لها الرؤية حتما) .

يتضح بأن الطريقة الأولى سميت بالمنهج التجريبي . وكان قد إستعملها الفنانون الفلمنكيون  في شمال أوربا . وأما الطريقة الثانية، والتي يمكن أن يقال عنها بأنها (علمية)، فقد أستنبطت في إيطاليا، خصوصا في مدينة فلورنسا، حيث كان فنانوها هم الذين إكتشفوا القوانين البصرية للمظهر .. وهكذا نجد أن في هذين النهجين توجها للمحاكاة، ليس له غاية أخرى سوى نسخ المظاهر. فهو يعطي صورة للتجربة البصرية المباشرة، ويتطلب ذلك من الفنان تسجيلا صادقا للآلية  الفسلجية لبصره .

 إستمرت هذه الممارسات الفنية حتى آواخر القرن التاسع عشر الميلادي، الذي حمل معه مولد مدرسة فنية جديدة، إستعارت إسمها من عنوان لوحة  للرسام الفرنسي  "كلود مونييه" (إنطباع شروق الشمس)عام 1672 م .

 انطباع: شروق

 فكانت هذه أول حركة فنية رائدة تتمرد على القيم الكلاسيكية والأكاديمية التي تبناها الفنانون الأوربيون مع هيمنة القيم الفنية لعصر النهضة الأيطالية، وهي قيم إلتزمت، تجسيدالأبعاد الثلاثة، ومحاكاة الواقع الملموس، وفي الأعمال الفنية، وعرفت أيضا بالتأثرية، وتمثل أسلوبا فنيا في الرسم، يعتمد على نقل الواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة ، وكما تراه العين المجردة، بعيدا عن التخيل والتزويق  .

مونيه : زنابق الماء

وفي إثنائها خرج الفنانون من المرسم ونقلوا أعمالهم في الهواء الطلق، مما داعاهم الى الإسراع في تنفيذ العمل الفني قبل تغير موضع الشمس في السماء وبالتالي يمكن أن يؤثر ذلك على تبدل الظل والنور .. وسميت بهذا الإسم لأنها تنقل الحركة الفنية  الى حركة جديدة، سميت فيما بعد بالإنطباعية . وهذه أضافت أبعادا أخرى الى التأثيرات النظرية للإنطباعيين، إذ إشتركت مع الإنطباعية بالألوان المشرقة الواضحة وبضربات الفرشاة الثقيلة الظاهرة وإختيار مواضيع الرسم من الحياة الواقعية .

فانكوخ - ليلة النجوم

لكنها تحيد عنها، بميلها الى إظهار الأشكال الهندسية (كالمثلث والمربع و..) وإستعمال ألوان غير طبيعية أو إعتباطية للأشياء، وإبتعدت عن التقييد المتوارث في الإنطباعية .

نشأت التكعيبية بعد المدرسة الإنطباعية سنة 1907 م كرد فعل عليها، ويعد الفنان "بول سيزار" هو أول من خطط  ومهد لها  فقد كان يكرر قوله : (أن المخروط والكروي والإسطواني هي أشكال ينبغي على المصور أن يبحث عنها) .

إهتمت التكعيبية بفكرة وحدة الصورة المرسومة على سطح ذي بعدين، وبتحليل الأحجام وعلاقتها، فقد حقق التكعيبيون ذلك بتعمدهم إهمال رسم الأشياء كما هي، والسعي لإيجاد التكوين الكلي للشئ المراد تصويره، ومع توضيح وضعه في الفراغ . وفي سعيهم لتحقيق ذلك، فإن التكعيبين قد جعلوا الصورة تحمل فكرة الشئ المرسوم، وذلك برسمه من جهات متعددة في وقت واحد .

إن عملية التجريد هذه قد تمتلك مظهر عملية آليه، مخلفة القليل من المجال لدور حساسية الفنان الخاصة، ألا أنه في الحقيقة ليس ثمة ما هو أكثر جلاء من الشخصية الفردية في أعمال العديد من الرسامين التكعيبين، ويمكن أن يقال بأن عملية التجريد كانت تقوم بإزاحة القناع العاطفي للواقع .

وبتصاعد الإيقاع الدرامي في السريالية، نجد أن المعنى قد أصبح لغزا معقدا صعبا، يبتعد بالمتلقي عن العالم المقول، ويستبقسه في حالة من الحيرة والذهول .

سيلفادور دالي - أكتشاف امريكا من قبل كريستوفر كولومبوس

 فهو يفتح أمامه آفاق عالم المجهول واللامعقول، فإذا بذات الفنان يستولي على الموضوع برمته، ليستحيل الموضوع ذاتا، والذات موضوعا، يرى من خلالها المتلقي إنعكاسا لما غاب عنه في ذاته . لنجد أن التباين الكبير الذي نجده بين التيارات والمدارس الفنية المختلفة والمتنوعة، إنما مرده الى إنطلاق سراح المعنى وإطلاق العنان له كي يضع شروطه الخاصة وإحيانا الجامحة في تشكيل العناصر والعلاقات والخواص بأساليب جديدة متغيرة ومرنة والمعنى منجم ثري للصياغات الشكلية التي يستتر وراءها.

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

mohamad alshawiمن خلال أعمال الفنان محمد الجعماطي ونجيب السملالي ومحمد العربي الرحالي.

1 - الفنان التشكيلي محمد الجعماطي

باحثا عن بلاغة المكان ومتصديا للخطاب السياسي بسخرية الكاريكاتير.

 إن الحديث عن التجربة التشكيلية للفنان محمد الجعماطي؛ هو حديث بالضرورة عن جيل ما بعد الرواد في الحركة التشكيلية المغربية وتحديدا بمدينة تطوان مسقط رأس هذا الفنان دون فصلها عن مدينة مرتيل التي تعتبر المشتل الذي ترعرعت فيه ونشأت أهم الأفكار الجمالية التي تولدت عنها ثمرة تجربة لا يستهان بها في مجال الفن التشكيلي.

بالإضافة إلى ذلك نجد اهتمامات إبداعية أدبية لدى الفنان محمد الجعماطي ارتبطت بكتابة الشعر الذي ساعده على إخراج أحاسيسه لكي تكتمل مع التشكيل في قالب تفاعلي يجمع بين جمالية الإحساس و بلاغة المكان . بالإضافة إلى ذلك نجد انشغالات سياسية نقدية في قالب كاريكاتوري ومقالات أخرى تكشف المسكوت عنه في تاريخ الفن بالمغرب وكذلك تميط اللثام عن الوضع السياسي والاجتماعي المعيش .

وعلى هذا الأساس يمكن بسط الأسئلة الآتية:

أين تكمن بلاغة المكان عند الفنان محمد الجعماطي؟ وما هي الأسس والمقومات التي تتخذها هذه البلاغة؟ وهل لسخرية الكاريكاتير دور في تقويض الخطاب السياسي والاجتماعي وطرح بديل جديد لتقويمه؟

وإلى أي حد يمكننا الوقوف عند الصريح والمضمر في ثنايا هذا الخطاب التشكيلي؟ وماهي أهم الأدوات المنهجية والإجرائية التي يمكن توسلها لتحليل مضامين وفحوى هذا الخطاب التشكيلي؟

يتأطر هذا المقال ضمن علم الجمال أو الإسطيتيقا، أي فلسفة الفن. والمراد بفلسفة الفن كما عمل هيجل على تحديدها وتأسيسها بمزيد من الدقة في قوله: " الجمال الفني خاصة دون الجمال الطبيعي."، وذلك من منطلق أساسي مؤداه أن الجمال الطبيعي من أصل إلهي، إذ إن فلسفة الفن تهتم بالجمال الفني الذي هو إنتاج للعقل أو الروح المطلق، والروح هنا يمكن أن تصل إلى معانقة ما هو مقدس نظرا لرحابة معناها. يقول هيجل: " والحال أن الفارق بين الجمال الفني والجمال الطبيعي ليس محض فارق كمي. فالجمال الفني يستمد تفوقه من كونه يصدر عن الروح، إذن عن الحقيقة، إذ إن كل ما هو موجود لا يوجد إلا بقدر ما يدين بوجوده لما هو أسمى منه (...) إن الجمال الطبيعي انعكاس للروح. وعليه، ينبغي أن نفهمه على أنه كيفية ناقصة للروح، كيفية متضمنة بذاتها في الروح، كيفية مجردة من الاستقلال وتابعة للروح." (أنظر: هيجل، مدخل إلى علم الجمال) .

وبما أن فلسفة الفن أو الإسطيتيقا تنبني على السند الجمالي وتتخذ من السؤال والتأمل مسعى للتحليل والتأويل، فإن هدف هذا المقال يقوم على تأملين أساسيين: الأول يرتبط بالمكان وبلاغته في الجمال الفني في أعمال محمد الجعماطي؛ أما الثاني فإنه يقوم على تأويل مفهوم السخرية في علاقته بالرسوم الكاريكاتورية بغية فك شفرتها، عن طريق الخروج من الدلالة المجازية الصريحة نحو الدلالة الحقيقة الثاوية خلف تأويلنا لهذه الأعمال.

يقول الفنان التشكيلي والناقد شفيق الزگاري عن تجربة الفنان محمد الجعماطي:

1254 thumbnail jaamati"كانت كل أعماله وبدون استثناء، ترجمة للحب والعشق الذي يكنه لبلده، قامت تجربته بالاشتغال على المكان، بكل تفاصيله، خاصة عندما وظف الحمامة في جل لوحاته، بشكل لافت للنظر، تأكيدا لما يكنه لهذا المكان من تفاؤل في أفق نظرة مستقبلية بحرية تخضع لشروط وجودية يلتقي فيها الجمال بحرية التعبير، فكانت مواضيعه مستمدة من هذا الوجود بطبيعته ومناظره وبحره بغروبه ورماله وطيوره وقواربه، مشتغلا في هذه المرحلة بالذات على قضايا إنسانية تركت في نفسه جرحا عميقا بعدما كان يتلقى أخبار المهاجرين من غرقى عابري البحر الأبيض المتوسط بحثا عن لقمة عيش شريفة، عن طريق القنوات الإسبانية القريبة للحدود المغربية...".

يظهر لنا من خلال هذا الملفوظ أن الفنان محمد الجعماطي عاشق للمكان ولتجلياته بقدر عشقه للتعبير عن عاطفته، إذ إن توسله للمكان بوصفه طريقا يسير على منواله ويعبِّر به؛ إنه طريق إخراج الأشياء التي لا نراها بالعين المجردة داخل الطبيعة نحو إعادة صقلها وتركيبها بتلمس طرق وأدوات جديدة تؤثث لانطباعية المكان بنظرة واقعية. وتأتي بعد ذلك المقومات الجمالية الثاوية خلف بلاغة المكان لكي يعمل على استرجاعها بأسلوب يجعل المتلقي يتساءل عن خبايا ونتوءات وأشكال خفية تختلف عن المكان المألوف بالنسبة لنا.

إنه مكان يعجُ بأحاسيس انطباعية للمناظر الطبيعة الجميلة اتسمت بها مدينة تطوان وكذلك هو الشأن بالنسبة لعمرانها المعماري والبشري الذي حاول الفنان الجعماطي أن ينقله للوحة بطريقة اختص بها عن نظرائه من فناني مدرسة تطوان.

 قد تجد شرفة لمكان مجهول تقبع بجوارها حمامة، وعلى جوارها ساحة فارغة، أو دراجة هوائية داخل غرفة مظلمة تعكس عملية خلط الألوان التي تستدعي حضور الظل والضوء بوصفهما مكونين أساسيين لجميع أعمال هذا الفنان.

ويمكن للمتلقي أيضاً أن يجد في أعمال محمد الجعماطي حضورا واسعا لمفهوم الفراغ الذي على أساسه ندرك قيمة الوجود ودور الموجودات الطبيعية والإنسانية في ملئه حتى يتسنى للوعي بالذات أن يدرك ذاته وحقيقة وجوده بالنظر إلى هذه المقومات. إنه وعي رسمه هذا الفنان بدقة متناهية وبألوان خاصة تدل على افتتانه بجمالية المكان.

وما يثير فضول التأمل الذي اتخذناه طريقا إستيطيقيا لتتبع بلاغة المكان عند هذا الفنان المخضرم الذي عاش فترة جيل الرواد وما أعقبها من تحول في طريقة الاشتغال على اللوحة في مرحلة ما بعد الرواد التي تميزت من خلالها مسيرته الفنية. فهو لا يتعامل مع اللوحة تعاملا أكاديميا بامتياز مطبقا تلك القواعد التي تجعل من الفراغ في الأعلى وفي الأسفل الموضوع وخصائصه المرتبطة به، حيث عمل على قلب هذه المعادلة جاعلا من الفراغ في الأسفل والموضوع تارة تجده في الأعلى وتارة أخرى يتوسط الحامل، وأحيانا يصعب القبض عليه في مكان بعينه.

 إن هذه التقنيات في التعامل مع اللوحة وفق طبيعة الموضوع والغرض الذي يهيمن على أفق تفكيره، بالإضافة إلى عملية خلق تصور جديد للواقعية من خلال تقنية خلط الألوان وطريقة توظيفها إلى درجة تيه المتلقي أمام نسيج منجزاته الفنية هل هي ابنة هذا العصر أم إنها تنتمي إلى تاريخ موغل في القدم؟

 هكذا هو الفنان محمد الجعماطي، يؤرخ للماضي في الحاضر ويجعل هذا الأخير نفسه ماضياً ما فتئ يريد العودة من جديد، لكي يقول قوله بأن سؤال التاريخ لم ينته بعد.

فكيف يمكن للماضي أن يصير موضوع معرفة في الحاضر؟ وهل باستطاعة الفنان التشكيلي أن يعيد صياغة هذا الإشكال لكي يعبّر عن سؤال التاريخ من داخل الفن التشكيلي؟

إن الجواب عن هذا الإشكال يستدعي منا الانتقال إلى الشق الثاني من هذا المقال وهو الشق المتعلق بسخرية الكاريكاتير عند الفنان محمد الجعماطي؛ وهي سخرية ترتبط بتاريخ قديم لنضال متواصل عزم من خلاله هذا الفنان على فضح ما هو مسكوت عنه في التاريخ المغربي الحديث والراهن. ذاك التاريخ الذي ارتبط بمشكلة التعليم، الشأن السياسي، الزبونية والمحسوبية، أزمة الوظيفة العمومية، المسكوت عنه في تاريخ التشكيل المغربي...

ولعل طريقة الرسم التي يوظفها محمد الجعماطي إما بقلم الحبر أو الرصاص على الورق؛ هي الطريقة الأنجع في التعبير عن هموم مجتمع ومشاكله التي تتراكم يوما بعد يوم، لكي تتكرر بنفس الطريقة في سائر القطاعات الكبرى للدولة وعلى رأسها:

التعليم والصحة والعدل...

والجدير بالذكر أن طابع السخرية الذي تكتسيه رسومات محمد الجعماطي، هو نفسه الذي يجس نبض الجوانب الاجتماعية للحياة اليومية وما التصق بها من هموم المواطنين مع الإدارات العمومية ومع المنتخبين من ممثلي المجالس البلدية والبرلمانية، أولائك الذين تجدهم على نفس المنوال وفي قالب يتكرر بين كل من يريد أن يمارس السياسة داخل المجتمعات المتخلفة.

وخير دليل على ذلك رسم كاريكاتيري عنونه الفنان محمد الجعماطي بتعبير عامي بليغ وهو:"مسقيين من مغرفة وحدة" الذي لخص من خلاله جميع الممارسات السياسوية التي نجدها داخل المجتمع المغربي، وهي ممارسات تتساوى مع نفس الأشخاص رغم تغير وتطور المجتمع وميلاد فكرة "الانتقال الديمقراطي"، إذ تظل العقلية هي نفسها تورث وتتكرر بطريقة تصاعدية نحو وجهة محددة وهي جمع المال والثروة من طرف السياسيين الذين صاروا وحوشا ضارية تلتهم الجميع، وصدق المفكر والشاعر الفرنسي سان أوجست بقوله: "لقد أبدعت جميع العلوم معارف وفنون جميلة، إلا السياسة فقد أبدعت وحوشا".

إن هذه السخرية تعبير فعلي ارتبط بقناعة ترسخت لدى الفنان الجعماطي، وهي أن جميع المجتمعات البشرية لا يمكن أن تتقدم وتتجه نحو الأمام ما لم تعطي الأولوية للتعليم وتجعله أول شيئ يجب للدولة أن تقوم عليه.فمعيار تقدم المجتمعات يقاس بدرجة وعيها وعلومها وفنونها وما أنجزته تاريخيا، أي معيار ما راكمته من ثقافة ومعارف تعود بالنفع الحضاري والإنساني عليها وعلى الإنسانية جمعاء.

يقول: "(...) عبر تاريخ الأمم كان الفنان في الصفوف الأمامية الريادية ضد الظلم والقهر والاستبداد، حاملاً مشعل الأنوار والسلام، العدالة، الحرية... من دولاكروا في لوحته الشهيرة: "الحرية تقود الشعوب" إلى لوحة بيكاسو: "لا گيرنيكا" التي أوصى باسترجاعها من متحف نيويورك بعد بناء ديموقراطية بإسبانيا...

في عالما العربي ساهم بعض الفنانين في تأصيل الأنظمة الديكتاتورية، بل كانوا أدوات عملية في يد من أحكموا القبضة على رقاب شعوبهم ولم يفلت من هذه القاعدة سوى من تبنى نظرية الفن من أجل ذاته بمعنى يصير الفن معبرا عن همومهم الذاتية فقط ولا يعبر عن آلام وهموم الشعوب."

إن وظيفة الفن حسب الفنان الجعماطي ترتبط بنفس وظيفة الفنان، ألا وهي المقاومة والانخراط في صميم ما هو مشترك وإنساني وداخل هموم المجتمع بمعناه الجوّاني والبرّاني. يستطرد قائلا: "إن الفنان يصير كائناً معطلاً بمحض الإرادة لعدم انخراطه في حركية المجتمع. هذه المقاربة العجيبة يتبناها، بل يفتخر بها كثيراً جداً من التشكيليين والفنانين عموما، لا تكاد تجد فناناً عندما تطرح عليه قضية سياسية إلا ولى وجهة شطر الوجهة المريحة، معللا موقفه بشتى الأسباب والافتراضات الغير منطقية، بل هروبا خارج مظاهرالحتجاج والمقاومة. (...)".

وعلى هذا الأساس انبنت فكرة المقاومة والانخراط الفعالان في صميم ما هو اجتماعي لجل القضايا التي يمكن للفنان أن يُقَوِّضَ من خلالها كل الأطروحات التي تبتغي هدم الكيان الواعي للمواطن المغربي، إنها فكرة اختمرت في الأعمال الكاريكاتورية للفنان محمد الجعماطي وفي نصوصه ومقالاته وقصائده التي تعبّر عنها، إذ تبتغي الخلاص للجنس البشري وهو خلاص الوعي والتقدم العلمي والمعرفي لكي نضاهي الغرب في منافسة شريفة بما راكمناه من علوم ومعارف وفنون جميلة. إن هذه المضاهاة هي الكفيلة برسم أفق مستقبلي لكي نحدد على منواله طموحاتنا ونصقل على أساسه جل معارفنا وخبراتنا، حتى يعم الخير على البشرية جمعاء وترقى إلى مستوى تطلعات كل مواطن يفتخر ببلده ووطنه.

2) الفنان التشكيلي نجيب السملالي باحثاً عن المعنى التجريدي

لماذا استقر الفنان التشكيلي نجيب السملالي وخريج المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان على التوجه التجريدي؟

1254 thumbnail simlaliهل اختياره للتجريد جاء من خلال بديل أسلوبي وتشكيلي جديد أم إن هذا الاختيار كان في البدايات الأولى لتدرج هذا الفنان داخل العديد من التيارات التشكيلية؟

كيف انتقل الفنان نجيب السملالي من فكرة التشكيل حول المكان الذي ارتبط بمسقط رأسه مدينة القصر الكبير، نحو التشكل في أفق الفكر ذاته ومع نفسه باستقلال عن كل دلالات واقعية محضة أو شبه تشخيصية؟

يقول عن تجربته التشكيلية:

" إن الفنان التشكيلي لا يمكن أن يستمر في عطاءاته وفي إبداعيته ما لم يكن على استعداد للإعتراف ولرد الإعتبار لمدينته ومسقط رأسه. فالفن التشكيلي بالنسبة لي هو وسيلة فعالة للتعبير والتواصل مع جميع الشرائح الإجتماعية وخصوصا البسطاء منهم، فأعمالي أهديها لهؤلاء، لعلها تخلق في نفوسهم بهجة الأمل وحبّ الجمال والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل حبّ الوطن الذي أعتبره قضية تشكيلية بامتياز."

يتضح لنا من خلال هذا الملفوظ مدى ارتباط الفنان نجيب السملالي بمسقط رأسه وإعتزازه بمدينة القصر الكبير، بالإضافة إلى إيمانه بدور الفن وأهميته الجمالية في سبيل النهوض بالوعي الاجتماعي خدمةً للوطن ولقيم الإنسانية جمعاء.

وتماشيا مع موضوع هذه الورقة فقد اخترت عملين للفنان نجيب السملالي :

أ) اللوحة الأولى وهي لضريح الولي الصالح "سيدي يعقوب البادسي" العالم الصوفي الجليل ( 727/640هـ 1243/1325م). وبجواره المسجد الذي سمي على اسمه، وهو مزين بنخلتين من أجود نخيل المدينة، لا وجود لشبيه لهما إلا بضريح العلاّمة الصوفي "سيدي الكاتب" بحوار المسجد الأعظم. هذا الضريح الذي اندثر ولم يبق منه إلا الإسم وأجزاء من قبر الولي الصالح. كما أن هذه الصورة ظلت لصيقة بمخيلة كل من ترعرع ونشأ بالقصر الكبير لكونها الماضي والحاضر، إنها صورة "سيدي يعقوب" المجسدة لأصالة وعراقة هذه المدينة.

فاللوحة صباغة زيتية على القماش تعود لسنة 2002، شُكلت بأسلوب تعبير واقعي، استخدم فيها الفنان نجيب السملالي تقنيات الفرشاة بطريقة أكاديمية تستقي أسسها من المعلم الثاني بمدرسة تطوان الأستاذ والفنان التهامي داد الذي أخذها عن المعلم الأول بنفس المدرسة ماريانو بيرطوتشي.

إنها طريقة تجمع ما بين تقنيتي الرسم والتلوين، اللذان بجسدان نظرة هذا الفنان لرمز ديني وصوفي من رموز مدينة القصر الكبير. وهنا يلتقي نجيب السملالي مع عمل المؤرخ ويستعير منه مهنته لكي يؤرخ بالتشكيل للمكان ومدى أثره في نفوس ساكنة المدينة وكذلك زوارها. فضلا عن كون تعبيرية اللوحة بنيت على فكرة سيميولوجية جمع فيها الفنان بين الرمز الديني المتمثل في الصومعة المرتبطة بالمسجد والصلاة والعبادة والمكان الذي به ضريح الولي سيدي يعقوب، وهو محج زواره من المتبركين. وفي سيميولوجية النخلتين المخضرتين دلالة على الوفرة والخير،

وكذلك الإستمرارية والتطور. فهما بصيغة المثنى وليس المفرد، وهذا ما يدل أيضاً على ترابط وتلاحم الثقافة بالطبيعة الأصل، وكأنهما رجل وامرأة يوحيان للمتلقي بالخير والوفرة والإزدهار. إن جمالية اللوحة تكمن في عملية وصف الفنان السملالي للمكان ومدى ارتباطه بمسقط رأسه الذي ظل يراود خاطره ومخيلته الإبداعية.

ب) اللوحة الثانية وهي التي التي شارك بها في هذا المعرض الجماعي وقد عملت على تحليلها وفق سيميولوجية التجزيئ.

تطالعنا هذه اللوحة التجزيئية من اللوحة الزوج على تصور بصري تجريدي أراد به الفنان نجيب السملالي التعبير عن روح المعنى ودلالة عملية تجانس الألوان من خلال تموجات وتفاعلات بين الألوان المختلفة؛ لكي تتجمع وتفترق داخل فضاء تشكيلي، وكأنها مجموعات رياضية تمت صياغتها في قالب هندسي. إنه قالب شبيه بنظرية المجموعات التي تحدث عنها الرياضي جورج كانتور بالنظر إلى إيحاءات المعاني التجريدية التي يصعب القبض عليها داخل النسق الجمالي والتشكيلي الذي وظفه هذا الفنان.

حريُ ُ أن يبدو للبعض إذا ما قرأ بإبصار واسع النظر للوحة/السند بمرجعية الجشطالت gestalt القائلة حسب روادها من علماء النفس الألمان بأننا ندرك الكل بعد ذلك نهتم بأجزائه. هكذا هي هندسة هذه اللوحة، فلا سبيل لإدراك موضوعها غير الكل المعمم الذي يؤسس لبقية الأجزاء المتجانسة.

وعلى هذا الأساس يمكن تقديم قراءات متعددة ومختلفة حسب وجهات النظر ومعاني وتيمات

اللوحة/السند، إذ إننا نتفق على مدى إيحائها لنا بضرورة إسقاط أحاسيسنا ومشاعرنا عليها. إنه إسقاط projection موغل في تاريخ علم الاختبارات النفسية، ولا سيما تلك الاختبارات التي اهتمت بالشخصية ومقوماتها الذهنية وتحديداً اختبارات بقع الحبر على الورق المسماة بالروشاخ على اسم صاحبها الطبيب النفسي والعالم hermann rorschach.

ومما لا شك فيه أن عملية الإسقاط ستكون مدخلا مناسبا لقراءة مثل هذه الأعمال التي تسعف القارئ على تأليف موضوع مقترح يرتبط بالشكل والمضمون المناسبين للغرض الدلالي للمفاهيم مثل: الإحباط، دوامة الحياة، التحول، ثورة الألوان، تموجات الأحاسيس، زوبعة في عمق الذات البشرية، التغيير الذي نريده، مقاومة اللذات، صراع الرغبات ...

ختاما يمكن القول بأن تجربة الفنان ومصمم الديكور نجيب السملالي تبقى من التجارب التشكيلية الجادة التي أثث المشهد التشكيلي المعاصر بالمغرب من خلال أعمال مرجعية تنتحُ من تاريخ الفن التشكيلي وتؤسس لرهان الحداثة والتجديد الذي يعتبر المنعطف الوحيد للخروج من دائرة التكرار وإعادة الإنتاج.

3) محمد العربي الرحالي فنان علبة الكبريت وباحث عن كوكب التشكيل.

1254 thumbnail rahaliما الجديد التشكيلي الذي جاء به الفنان محمد العربي الرحالي؟

هل يمكن لهذا الفنان أن يكون باباً لحركة تشكيلية جديدة بمدرسة تطوان؟

ما دلالات فكرة علبة الكبريت في أعمال محمد العربي الرحالي؟

لماذا تفرعت فكرة العلبة إلى مجموعة من العلب؟ وهل في هذا التفرع تطوير وإستمرارية للعبة أم مجزاوزة لها نحو تمثلات وأفكار جديد خرجت من رحم نفس فكرة العلبة؟

لم تكن فكرة التشكيل على علبة الكبريت بالفكرة الساذجة أو البوهيمية الشبيهة بتلك الأفكار التي سادت في ثنايا الأعمال التشكيلية لدى بعض الفنانين بالمغرب من الحداثيين؛ وإنما هي فكرة علمية وأكاديمية تقوم على مبدأ الهندسة التربيعية في علاقتها بالفضاء الداخلي للعلبة وفق أوجه متعددة من التركيبات الفردية والجماعية عند الفنان التشكيلي محمد العربي الرحالي موظفا فيها مختلف أبعاد علب الكبريت، في عملية تجانسها وانسجامها، وفي تفرقها وتشتت تجميعها لأجزاء متفرقة داخل نسق حلزوني ودائري تكون فيها البداية هي نقطة النهاية، ونقطة النهاية بوصفها بداية جديدة. كل هذا كان خلال سنة 1982 و 1984.

ومن القضايا التي اشتغل عليها في مختبره التشكيلي نجد مسألة العناصر الأربعة المكونة للوجود، الإنسان الكوني، كوكب التشكيل، الذهن يُحرّكُ المادة، جدلية النقطة ، مجرة الكون...

 وعدة قضايا أخرى ترتبط بأسئلة الوجود المستقبلي والأبحاث التشكيلية داخل عالم نومين الكوسموجي.

 أهمية هذه الموضوعات ترتبط ببحوث دؤوبة قرر الفنان والمجرّب محمد العربي الرحالي دخول غمارها من خلال طرحة لحركة تشكيلية جديدة بمدرسة تطوان تقوم على مبدأ مجاوزة dépassement جيل الرواد ومع بعده في التقنية والسند والخروج بالأعمال التشكيلية نحو البعد الرابع.

وفي محاولة منه لتعريف الفنان التشكيلي برؤية معاصرة ووفق أحاسيسه الجمالية التي تسكنه يقول: "لا يمكننا أن نُعرِّف الفن التشكيلي بدون الغوص في باطن الفنانين التشكيليين، هم من يصنع الفن ويخرجه من مخاض الولادة. هم من وضع الواقعية والإنطباعية، والتشخيصية والسوريالية والتكعيبية... إن الفن بصيغة المفرد هو الفنان التشكيلي ورؤيته الجمالية له."

أضف إلى ذلك فإن الفنان محمد العربي الرحالي أين ما ذهب وسافر فإنه يحمل بجيوبه أعماله على علب الكبريت ونماذج من تصاميمه وأبحاثه في كتيبات الجيب.

 لقد أسعفته تجربته الفنية داخل أحياء مدينة تطوان العتيقة وتحديدا بمقهى "دالية العيون"؛ أن يخرج مكنوزه النفسي والحضاري والتاريخي لكي يكون مكنوزاً جديدا يرتبط بالمستقبل ولا شيئ غيره.

 ضارباً جدار الوعي بحمولتها الثقافية نحو لاوعي كوسمولوجي يرتبط بنظام الكون في أبعاد ودلالات استثمر من خلالها محمد العربي الرحالي نتائج أبحاث علماء الفلك والأجرام السماوية.

يقول: "أن هنا بتطوان تجد داخل العلبة الترقيم المناسب للمكان وبأرقام علمية للطول والعرض:

33-36 N

_______

7-37 w

33 درجة و36 درجة على 7 درجات و37

درجة. "

وعلى سبيل الختم فإن التجربة التشكيلية للفنان محمد العربي الرحالي تبقى من التجارب القلائل جداً للتوجه ما بعد الحداثي في الفن المعاصر بمدرسة تطوان خاصة، وبالمغرب عامة . والدليل على مدى قبول الغرب وإيمانهم بهذا الفنان وبمشروعه التشكيلي، أنه ثم إستدعاؤه للمشاركة بمعارض فردية وجماعية داخل بلدان كونية حاضنة للفن المعاصر ومدعمة لأفكار ومشاريع الفنانين كأمريكا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا والدانمارك...

يقول الفنان محمد العربي الرحالي:

"هناك من يعتقد أنني اختزلت العالم في علبة الكبريت، وهناك من سيقول بأنني اخترعت فكرة العلبة، العلبة هي التي اختارتني وهي التي ألحّت علي قصد ابتكارها داخل مشروع تشكيلي معاصر."

 

بقلم: محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

 

 

adnanhusan ahmadنظّم غاليري الـ  Tate Britian بلندن مَعرِضًا استعاديًا للفنان البريطاني ديفيد هوكني الذي يُعتبر الأكثر شعبية وتأثيرًا في القرن العشرين. يضم المعرض 130 عملاً فنيًا يتوزع بين الرسم الزيتي، والتخطيط بأقلام الرصاص والحبر، والتصوير الفوتوغرافي، والفيديو، والرسم بالآيباد والآيفون. يغطي المعرض مساحة زمنية طويلة تمتد إلى ستة عقود من حياة الفنان ديفيد هوكني الذي يجمع بين الرسم والتصوير والتصميم والطباعة.

يمكن تقسيم المعرض إلى 13 محورًا، أي بعدد الصالات التي شغلها، ولو استثنينا الصالة الأولى التي تضم ست لوحات فنية تنتمي إلى تواريخ متعددة تمتد من عام 1963 إلى عام 2014، فإن بقية الصالات برمتها مرتّبة ترتيبًا كرونولوجيًا يكشف بدقة تطوّر الفنان سواء في ثيماته أو في تقنياته الحديثة دائما.

يتمثل الهاجس الأساسي لهوكني في اللعب بتقاليد "صناعة الصورة" وربما بالتحديات الكامنة في هذه الصناعة، ولعله يطرح علينا جميعًا سؤالاً منطقيًا مفاده: كيف نرى العالم؟ وهل بإمكاننا أن نحتوي "الزمكان" في بُعدين اثنين فقط من دون الاستعانة بالأبعاد الأخرى؟ لو دققنا النظر في لوحة "مسرحية داخل مسرحية" 1963 لرأينا جون كازمِن، تاجر الفن البريطاني وصديق هوكني، واقفًا داخل الغاليري، وضاغطًا بيديه ووجهه على الباب الزجاجي بحيث يضعنا أمام احتمالين لا ثالث لهما، فهو إما أن يكون مرسومًا على كانفاس اللوحة كفيكَر فني، وإما أن يكون واقفًا خلف الباب الزجاجي مباشرة لكنه يبدو كجزء من اللوحة، بينما يشير واقع الحال إلى أن هوكني قد رسم كازمِن على اللوح الزجاجي ليلعب على ثنائية الوهم والحقيقة، فما يبدو حقيقيًا هو وهم، وما يبدو وهمًا هو حقيقة.

تأثر هوكني بعدد من الفنانين الكبار أمثال بيكاسو، وفيرمير وفان كوخ وجان دوبوفيه وغالبًا ما كان يعود محمّلاً بطاقة جديدة إثر زيارته لأي معرض استعادي ليحاكي بعض الثيمات أو التقنيات التي تجد طريقها إلى نفسه أو تلامس مشاعره الداخلية العميقة. وعلى الرغم من مشاهداته الكثيرة للمعارض خصوصًا في رحلاته العملية إلاّ أنه ظلّ وفيًا لحركة الفن الشعبي Pop Art ومخلصًا لتوجهاتها الفنية والفكرية التي تطورت على أيدي نخبة من فناني البوب البريطانيين والأميركيين أمثال إدواردو بولوزي، ريتشارد هاملتون، لاري ريفرز، روبرت روشنبيرغ وجاسبر جونز وغيرهم.

شكّل انتقال هوكني إلى لوس أنجليس بكاليفورنيا عام 1964 انعطافة مهمة في حياته الفنية فقد رسم المكان الجديد بكل ما ينطوي عليه من شمس، ومِرشّات ماء، وبِرك سباحة، ومستحمّين، وأناس منغمسين في ملذاتهم الروحية والجسدية بأوضاع مسترخية تجمع بين الهدوء والكسل والاستغراق الباذخ بالمُتع والملذات الحسيّة المنفلتة من أُسارها. وقد ضمّت الصالة الرابعة ثماني لوحات كبيرة الحجم لن يفارق بعضها الذاكرة الجمعية لمحبّي الفن التشكيلي مثل "طرطشة كبرى"، و "المُستحِم"، و "العشب المرشوش" وغيرها من الأعمال الفنية التي رسمها بتأثير من الفنان البريطاني برنارد كوهن والفنان التجريدي الفرنسي دوبوفيه قبل أن ينغمس في رسم المناظر الطبيعية التي ستشكّل معلمًا بارزًا من منجزه الفني الذي أخذ يطغى في المملكة المتحدة وأميركا على حد سواء إلى الدرجة التي استحوذ فيها اسمه على الضلع الثالث من المثلث الفني البريطاني الكبير الذي يتمثل بفرانسيس بيكون ولوسيان فرويد وديفيد هوكني.

يلعب المذهب الطبيعي دورًا مهمًا في التجربة الفنية لهوكني، ففي نهاية الستينات بدأ يرسم شخصيات مقرّبة منه ويعرفها جيدًا مثل أفراد العائلة، والأصدقاء الحميمين إليه، وبعض الشخصيات الأدبية والثقافية المعروفة التي ستجد طريقها إلى أعماله الفنية التي لا تنقصها الجرأة، ولا يعوزها التحدّي الذي طُبع عليه هوكني مذ كان طالبًا في الكلية الملكية للفنون بلندن. تضم الصالة الخامسة سبع لوحات كبيرة الحجم أبرزها "السيد والسيدة كلارك وبيرسي"  التي رسمها على وفق المدرسة الواقعية التي تلتقط الصور والمناظر الطبيعية على حقيقتها من دون أن يعتورها التحريف أو التشويه. أشرنا سلفًا إلى تأثر هوكني بالمعارض التي يزورها في سفراته الكثيرة إلى مختلف بلدان العالم وخاصة الأوروبية منها وقد استوحى شكل اللوحة أعلاه من بورتريه أرنولفيني التي رسمها الفنان الهولندي جان فان دايك عام 1434م وتألق في ثيمتها ومنظوريتها الفذّة التي تُشرِك المُشاهِد في عملية التلقي الإيجابي. اختار هوكني لموضوع هذه اللوحة شخصيتين حميمتين جدًا وهما المصمم أوسي كلارك والمصممة سيليا بيرتويل إضافة إلى القطة بيرسي. لم تكن لوحة دايك هي مرجعية هوكني الوحيدة وإنما استعان بلوحة Rake's progress لوليام هوغارت التي تنطوي على رمزية عالية، وتكوين مذهل، كما أضفى إلى لوحته بعض العناصر التي أثثت المناخ العام للعمل الفني وغذّته ببعض الرموز والإشارات التعبيرية مثل الزنابق والقطة واللوحة المعلقة على جدار الغرفة.

تشتمل الصالة السادسة على 44 لوحة صغيرة الحجم للأشخاص، وبعض أفراد العائلة، والأصدقاء الذين يعرفهم جديًا ويمحضهم حُبًا من نوع خاص مثل أمه وأبيه وعدد كبير من الفنانين مثل أوسي كلارك، وأندي وارهول، وغريغوري إيفانز وهي رسوم مقتصدة في خطوطها، كما استعمل Camera lucida كأداة بَصَرية مُساعدة للفنان في الرسم بدقة عالية.

أُفرِدت الصالة السابعة لعشر لوحات كبيرة الحجم صنعها الفنان من صور فوتوغرافية كثيرة لأشخاص وأصدقاء مقرّبين منه مثل كازمِن، وكريستوفر، وسيليا، إضافة إلى أماكن مثل "غراند كانيون" و "حدائق الزن" وغيرها من الأعمال الفنية التي أبدعها هوكني من صور فوتوغرافية تكشف لنا حسّاسية الفنان، وذكاء عينيه، وقدرته المنظورية في بناء العمل الفني الذي يُبهج المتلقي في خاتمة المطاف.

ما من عملٍ فني لهوكني حتى لو كان تخطيطًا سريعًا أو "سكيتشًا" خاطفًا إلاّ وينطوي على قيمة فنية عالية تكشف في الأقل رؤية الفنان ومراحل تطوّره عبر تجربته الإبداعية التي تمتد منذ شروعه المبكر بالرسم في مرحلة الدراسة الابتدائية وحتى والآن وهو يقترب من سن الثمانين، لكن تبقى هيبة لوحاته ومناظره الطبيعية كبيرة، مُبهجة، ومُدهِشة على الدوام. ولهذا فقد اختار لها القائمون على الغاليري ثلاث صالات ضمت ما مجموعة 24 عملاً فنيًا كبيرًا مُبهِرًا في ثيماته وتقنياته وخطوطه وألوانه الحارّة المُفرِحة. وحري بنا الإشارة إلى أن هوكني لديه عدة منازل الأول في "نيكولز كانيون" بلوس أنجيليس، والثاني في سانتا مونيكا بهوليوود، والثالث في كنزينكتون بلندن، إضافة إلى منزل العائلة الكبيرة في برادفورد بيوكشير الأمر الذي أتاح له الاستمتاع بمناظر طبيعية خلابة حوّلها إلى أعمال إبداعية خالدة مثل "هوليوود هليز هاوس" و "نيكولز كانيون" و "غَروباي هيلز" وغيرها من الأعمال الفنية التي تحتفي بالطبيعة وتقدّمها كغذاء روحي لا غِنى عنه. تشترك المناظر الطبيعية بسمات متعددة فالطرق الملتوية التي تتعرج بين ثنايا الطبيعة الجبلية تمثل من دون شك الطرق التي يسلكها الإنسان في رحلته الحياتية بين تضاعيف الطبيعة التي تغدق علينا كل تقريبًا، وما علينا إلاّ أن نستمتع بهذه الرحلة السعيدة التي لا تخلو من الأحزان والمنغصات في بعض الأحيان.

أما التقنيات الثلاث الأخير فتتمثل بالفيديوهات التي تعرض الفصول الأربعة، والرسم الحيّ بآلتي الآيباد والآيفون على شاشات متوسطة الحجم تكشف عن مواكبة هوكني لروح العصر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

1253 thumbnail1كانت فكرة رسم الصور العارية قد بدأت منذ ان خلق الله تعالى آدم وحواء واغراء الشيطان لهما بان يأكلا من تلك الشجرة التي نهاهما الله تعالى عنها. وبعد ان اكلا منها بدأت لهما سوآتهما اي انكشفت عورتيهما فاخذ ينظر احدهما الى الآخر. بعد ذلك غطيا او سترا عورتيهما بورق الشجر وقيل التين. والقصة وردت في القرآن الكريم والكتب السماوية الاخرى. (اكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة..).

وقد رسم الفنانون الاوربيون آدم وحواء وخروجهما من الجنة عراة كما هو عند الرسامين الايطاليين مثل بوتشلي ومايكل انجلو وغيرهم وكانت الاشكال عارية تماما ماعدا عورتاهما حيث نجدها مغطات بورق الشجر او ايديهما..

العري عند الاغريق:

وقد عبرت فكرة العري من ثقافة الشرق الى الاغريق فكانوا يعتقدون انها من الصفات الجميلة والتي يتقرب بها العبد الى الآلهه وانه يثاب عليها ويبارك. ولهذا كان الرياضيون الشباب يتسابقون عراة او شبة عراة ويحصلون على جوائز منها تماثيل تمثل الآلهة. وقد صنع تمثال عاري يسمى – كوروس Kouros يمثل شاب ذو عضلات قوية وجميل المظهر مقبوض اليدين يمثل الآلهه ابولوس apolos آلهة الجمال والموسيقى. وكان كوروس قد صنع عاريا ليكون رمزا للشباب والقوة والجمال في تلك العصور القديمة.. وكانت تماثيله تهدى للفائزين الرياضيين وغيرهم.. وكان شكل التمثال متأثرا بمنحوتات الفراعنة من ناحية الوقفة والقدمين والعيون والجبهه والشعر وغير ذلك..

1253 thumbnail 3

في عصرالرومان:

في عصر الرومان اختلف مضمون الفكرة واتخذت اتجاها آخر، حيث اخذوا ينحتون التماثيل العارية رمزا لاظهار قوة الرجل الروماني وقوتهم العسكرية التي اخذت جحافلها تزحف على مدن العالم في كل الاتجاهات في ذلك الوقت وكانت الدماء تسيل كالانهار من ورائهم. واعتقدوا ان رسم الجسم العاري هو تعبير روحي طبيعي للفرد. وكانوا قد حرضوا فيه على اظهار جمال الجسد والجنس وو ضعوا قوانين ومعايير للجمال والرسم...ولهذا نجد ان الآلهه والابطال والنساء قد جسدت في اشكال عارية. وانتشرت المنحوتات العارية في الساحات العامة والشوارع وغيرها وهي تمثل مواضيع اسطورية ومنها اشكال نافورات يمج منها الماء.. ومن العروف ان السومريين والبابليين قد رسموا عشتار (فينوس) الهت الحب والجمال عارية، واخذها منهم الاغريق والرومان.. كما ان المطلع على بعض رسوم الفراعنة يجد هذا اللون من الرسم في بعض جداريات المقابر.. وفي تاريخنا العربي كان العرب قبل الاسلام عندما يحجون بيت الله الحرام فانهم يطوفون حول البيت عراة اما النساء فتطوف في الليل تاركين ملابسهم القديمة تحت الاقدام يدوسون عليها معتقدين انها تحمل ذنوب الماضي وعند الانتهاء يلبسون ملابس جديدة ويحتفلون..

عصر المسيحيين:

واجهة المسيحيون مشكلة الجسم العاري وعدوها خرقا للاخلاق وكانت رسوم مايكل انجلو بمثابة صاعقة عصفت بالمعتقدات المسيحية وكانت رسوم كنيسة بطرس في الفاتيكان غالبيتها اجسام شبه عارية جميلة مفتولة العضلات والقوة امتزج فيها الخيال والاسطورة والواقعية الدينية، بعض البابوات غضوا النظر والبعض الآخر احتج فكلفوا المصور المعروف الجريكو بتغطيتها ولكنه اعترض ورفض ذلك فهرب الى اسبانيا وحط في طليطلة عام 1577م.

1253 thumbnail 2

وفي هذا العصر اي عصر النهضة اقتصر رسم العاري على على الآلهه فكانوا يرسمونها عراة اما الشخص العادي فيرسم بثياب خفيفة شفافة وكأنه عاري خوفا من رقابة الكنيسة.. واستمر الوضع هكذا حتى القرن التاسع عشر حيث دخلت العاهرات في رسوم الفنانين وكانوا يطلقون عليها بفينوس وبنات الآلهه والالهام والجمال وغيرها من الصفات والمواضيع الاسطورية حتى يبعدون عنها المنع والرفض من قبل الكنيسة والمجتمع.. وفي عام 1863 رسم مانيه لوحته – الغذاء على العشب – وقدمها الى صالون العرض وقد رفضت من قبل لجنة التحكيم لانها تصور امرأة عارية جالسة بين رجلين بالزي الرسمي واعتبروا ذلك خروجا على الاخلاق الاجتماعية.. ثم رسم رينواراشكال عارية - المستحمات الكبيرات- عام 1887 ورسم ماتيس -منظر ريفي -عام 1905 نساء عاريات وكذلك سيزان وكوكان ومونخ وغيرهم من طلائع الفن الحديث ثم انفتح الباب على مصراعيه واصبحت الاكاديميات والمعاهد الفنية ترسم الموديل العاري ضمن دروسها الرسمية. وفي مطلع القرن العشرين كانت هناك موجة نزوح للفتيات من الريف الى المدينة للعمل كموديلات في مراسم الفنانين. ومن الامثلة على ذلك مجيئ امرأة روسية الى باريس اشتغلت كموديل عند الرسامين وهي غالا Gala حيث كانت تنتقل من رسام الى آخر، ثم استقر بها المقام عند سالبادور دالي في اسبانيا وتزوجت منه... ويذكر المؤرخون ان غالا قامت بصفقة تزوير لم تحدث في التالريخ سابقا حيث في آخر حياة دالي كانت تأتي بلوحات بيضاء وتطلب من دالي التوقيع عليها وهو على فراش المرض ثم تعطيها الى محترفين من الرسامين ليقوموا بتقليد اسلوب دالي ثم تبيعها...

 

د. كاظم شمهود

 

1246 thumbnail4يقام حاليا في العاصمة الاسبانية مدريد معرضا شخصيا للفنان الاسباني الكاتالاني رامون كاساس في متحف كايسا فورم Caixa Forum تحت عنوان: الحنين الى الحداثة. ويستمر المعرض الى 11 خونيو الشهر السادس 2017.. زرت المعرض وكان مزدحما بالزوار رغم ان تاريخ افتتاحه كان يوم 8 مارثو (مارس) اي قبل اكثر من شهر. وهنا احب ان اسجل ملاحظة عن ظاهرة حركة الفن في عالمنا العربي، ان غالبية المعارض الفنية التي تقام في العراق او الدول العربية، نجد ان الجمهور يحضر فقط يوم الافتتاح اما بقية الايام فلم نجد له حضورا على الاطلاق، هذا العزوف يفسره البعض اليوم الى قلة الذائقة الفنية او انخفاضها الى الصفر بسبب المشاكل التي تعصف بالعراق والامة العربية والتي سلبت منها التذوق الفني والجمالي وحتى الابتسامة ..؟؟

 ولد كاساس عام 1886 في برشلونة وتوفى عام 1932 وينتمي الى عائلة غنية وثرية وقد استغل هذه المكانة والثروة لحركته الثقافية والفنية . وكان مصورا ورساما كاريكاتيريا ورجل سياسة ومفكرا واقتصاديا، كما برز في رسم الملصقات الجدارية والاعلانات الدعائية .

1246 thumbnail2

وفي عام 1877 ترك كاساس الدراسة وذهب يتعلم الرسم على يد الرسام خوان بيثينس كوتس Juan Vicens Cots وفي عام 1881 اسس مجلة L،Avenc - - للثقافة والفن . وكان يتنقل بين باريس ومدريد وبعض المدن الاسبانية كمراسل لها ولاقامة المعارض الفنية . كما بدأ يعرض في عواصم عدة مثل باريس وبرلين وشيكاغو ومدريد وغيرها . ثم استقر في برشلونة في نهاية القرن التاسع عشر ولكنه بقى يتردد على باريس في زيارات مستمرة .

1246 thumbnail3

جماعة الاربع قطط:

 اسس كاساس جماعة فنية وثقافية اطلق عليها اسم –الاربع قطط –- Els Guatre Gats في برشلونة وكان بيكاسو احد اعضائها . ولهذا التجمع حكاية طريفة نوردها باختصار . اربع قطط هي مقهى تقع في برشلونة القديمة في احد الشوارع الضيقة والمباني ذات الطراز المعماري القديم، افتتحت المقهى عام 1897، فجعلها ملتقى للادباء والفنانين والبوهيميين والشباب الحر المتطلع الى التجديد والتنوير، وفيها كانت تقام الندوات الثقافية والفنية والمعارض، ويذكر ان بيكاسو اول من عمل فيها معرضا فنيا .. وكان كاساس يقوم بمساعد الفنانين والعارضين من ناحية الكاتالوكات وبطاقات الدعوة والملصقات والحفلات وغيرها . ويقال احيانا كان لا ياخذ من زبائنه واصدقاءه ثمن المشروبات التي يتناولونها لعجزهم عن الدفع ... ولكن المقهى لم تدم طويلا فبعد ست سنوات من افتتاحها اغلقت ..

1246 thumbnail1و كان كاساس صاحب قلم وكاتبا ومفكرا، وقد اسس مجلة فنية وادبية كما ذكرنا ذلك سابقا وكان مراسلا لها في مناطق كثيرة من اوربا . وكان ايضا مصمما لكثير من الملصقات الدعائية والبطاقات التجارية وخاصة الى مقهى- الاربع قطط -

في عام 1900 اشترك في معرض عالمي في باريس، وفي عام 1904 حط في مدريد ونفذ عددا من الاعمال الفنية منها صورة شخصية للملك الاسباني الفنسو الثالث عشر، كما رسم عددا آخر من الصور الشخصية وبرز وابدع في اتقانها، وايضا التقى بالفنان المعروف خواكين سورويا .

و في عام 1908 قام برحلة الى كوبا وامريكا، وهناك قام بتنفيذ كثير من الاعمال الفنية بمواد الزيت والكاربون . وعند عودته الى اسبانيا عرض اعماله في مدريد وبرشلونة، واهدى عددا منها الى متحف برشلونة . ثم رحل الى اوربا قبل الحرب العالمية الاولى ورسم هناك وعرض وكتب مواضيع لمجلته L،Avenc - . وفي عام 1915 عرض في برشلونة في كالري Pares وكان هذا المعرض يحمل رقم 25 من معارضه الشخصية ويمثل كل ما قام به خلال عمره الفني الطويل . وقد تأثر كاساس بالمدرسة الانطباعية خاصة مانيت وديغا وتولزلتريك في رسم الملصقات الدعائية . وبالتالي كان اسلوبه يتقلب بين الواقعية والانطباعية، ونال شهرة كبيرة في اسبانيا وكذلك اوربا، وكان كاساس بالاضافة الى كونه فنانا فهو يمثل دائرة معارف وشخصية بارزة في الثقافة الاسبانية للقرن التاسع عشرو بداية القرن العشرين ... توفي رامون كاساس عام 1932 في برشلونة ودفن في مقبرة مونجويك Montjuic .

 

د. كاظم شمهود

 

 

alsadiq alsadiqialemari

الجمال أحد الأسس الثلاثة التي قامت عليها منظومة القيم الخالدة؛ وهي الحق والخير والجمال، والإنسان دائما يسعى بفطرته إلى إشباع رغبته في التذوق الجمالي في كل شيء، فهو دائم البحث عن الجميل، وإذا وجده انتقل إلى ما هو أجمل منه في سلم الجمال، وليس للأمر حدود. فالإنسان دائما يحرص على أن يرى الأشياء الجميلة، ويسمع الأصوات الجميلة، ويلمس كل جميل ويحسه ويتذوقه، كما يحاول أن يظهر بالمظهر الجميل، وهو لهذا يقف أمام المرآة زمنا طويلا يصلح من شعره، ويتأمل وجهه وهندامه، كما يبحث عن الجمال في السكن والأكل والشرب، حيث يزين بيته، ويتفنن في عرض طعامه وشرابه. نستطيع أن نقول إن الإنسان يميل بطبعه إلى الجمال.

والجمالية لم تنشأ نتيجة اتفاق معين، أو إجماع محدد، وإنما جاءت نتيجة مسار طويل وتراكمات عديدة، من خلال محطات تاريخية غنية، وفي كل محطة تتولد وتنضج أفكار وقناعات معينة لدى الباحثين والمفكرين والفلاسفة على وجه الخصوص، لها علاقة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، والتي تدخل بشكل مباشر في بناء الفن والعمل الفني وتمظهراته الجمالية.

فمنذ العصر اليوناني وصولا إلى العصر الحديث، مرورا بالعصور الوسطى وعصر النهضة، عرفت الجمالية مجموعة من التحولات والتلوينات منها من يختفي، ومنها من يتولد، ومنها من يظهر من جديد. وحتى بعد ولادتها، أي الجمالية، في منتصف القرن الثامن عشر استمر الجدل والنقاش حول المفاهيم التي تؤسس لها والتي لها علاقة بالمحسوس والذوق والمخيلة....، حيث بدلت جهود كبير من أجل تجاوز ما كان سائدا من قبل حول السيطرة التامة للعقل في جميع المجالات.

 لكن لكي نكون منصفين، لم يقتصر الفن والجمال على الموضوعات الفلسفة بالمعنى الحصري والمنهجي للكلمة، بالرغم من أن الفلسفة اعتبرت أم العلوم منذ نشأتها، حيث كان الأدب حاضرا بشكل كبير في اهتمامات الفلاسفة، وقد كان الفيلسوف شاعرا وفنانا وموسيقيا وكاتبا وقصاصا...وبالتالي يظل الفن والجمال في علاقة وطيدة مع الأدب من خلال ما تعكسه النصوص الشعرية والنثرية والقصصية...، من حيث اللغة، والفكرة أو الموضوع، وأسلوب الكاتب أو السارد، والرسالة الفنية بكل جمالياتها.

مما يدفعنا لطرح مجموعة من الأسئلة نذكر من بينها: ما معنى الجمالية؟ وما علاقة الفن بالجمال؟ وهل هناك إمكانية لنحدد بدقة العناصر الجمالية في العمل الفني؟ هل يمكن فصل الموضوع الفني عن السياق الثقافي؟ وهل يمكن أن نفكر في الإنتاج الفني الإبداعي انطلاقا من وظيفته التأثيرية فقط؟ هل بمقدورة العمل الفني أن يطرح قضايا نظرية تتجاوز التفكير في غايته الإنتاجية، إلى تدارس ومناقشة إشكالات لها علاقة بهذا العمل ومحدداته؟

إن الحديث عن الجمالية يدفعنا أولا إلى الحديث عن الفن، على اعتبار أن الجمالية تستمد جذورها التاريخية من سيرورة الفن والعمل الفني، ذلك لأن ″الجمالية بقيت في الغالب متكتمة حيال الفن الذي هو في طور التشكيل، ومتحفظة أمام الأعمال الجديدة، ميالة في الغالب إلى الاهتمام بالأعمال الإبداع الفني المعترف بها، والمقر بوصفها من الأعمال الخالدة، بدل أن تتحدث عن قيمة الأشياء الجديدة،....يعود هذا الحذر، واقعا، إلى بدايات الجمالية الفلسفية″[1].

فقد عرف موضوع الفن والعمل الفني والجمال، منذ البدايات الأولى، جدلا كبيرا منذ الفترة اليونانية، حيث ارتبط لفض الفن art بالأعمال اليدوية والمعمار والشعر والموسيقى والنحت والتصوير وغيرها، وتعددت الأفكار والاتجاهات حول الفن وطبيعته وموقعه ونوعية رسالته من خلال نظرية محاكاة الطبيعة، وهو الأمر الذي أكده ″مارك جيمينيز″ في كتابه (ما الجمالية؟) بقوله: أن لفظ الفن (art)-الوارث منذ القرن الحادي عشر لأصله اللاتيني (ars)، والدال على : نشاط ومهارة- لا يعين في الغرب، حتى القرن الخامس عشر، سوى مجموعة الأنشطة الموصولة بالتقنية، والمهنة، والخبرات، أي بمهام يدوية في صورة أساسية.[2]

 فمن الفلاسفة من اعتبر الفن ومنه الشعر وهم وزيف وتشويه، لأن الفنان يقلد الطبيعة، العالم الحسي المتغير الخالي من الحقيقة، في مقابل عالم المثل، عالم المعقولات، المجرد الثابت الذي يغير ولا يتغير، هو أفلاطون الذي طرد الفن، ومنه الشعر، من جمهوريته إلا الشعر التمثيلي لأنه، في نظره، يمجد بطولات الآلهة ويغرس القيم والمبادئ ويعبر عن الحقيقة. فبالنسبة له الفن يبعد عن عالم المثل بمقدار درجتين، أي محاكاة الطبيعة التي هي محاكاة لعالم المثل.

أما أرسطو، صاحب كتاب ″فن الشعر″، انتقد أفكار أفلاطون مشيرا إلي افتقارها إلي الواقعية ويرى أن التناسق والانسجام والوضوح هي أهم الخصائص التي تميز الفن الجميل،  وهي خصائص موضوعية يمكن تلمسها في الأشياء والموجودات من خلال نسبها وأحجامها وتناسقها. كما يري أن هناك جمالا حقيقيا في العالم، وهو مصدر وعينا الجمالي واعمالنا الفنية، والفن في رأيه محاكاة تنشأ عن ميل الإنسان الفطري إلى التقليد وميله إلي تحقيق الإيقاع بما يبعثه من متعة.

و في العصور الوسطى تمثل الجمال الفني في كل ما يوحي بالحقيقة الروحية، حيث كان الفن خاضعا لسيطرة الكنيسة منذ انقسام الإمبراطورية الرومانية حتى عصر النهضة، ولما كانت الطبيعة تكشف عن العناية الإلهية فقد وجد فلاسفة العصور الوسطى سواء عند القديس ″أوغسطين″ والقديس ″توما الأكويني″ أو غيرهما على التوحيد بين الجمال والتناسب والنظام الذي يرضي الحس والعقل ويوحي بالتأمل في عظمة الخالق. فمظاهر العمل الفني عند المبدعين المسيحيين، تجلت بصورة عامة في الارتباط الروحي بالحياة الأخرة. ومن أهم الفنون التي ازدهرت خلال هذه الفترة نذكر : الفن البيزنطي والفن الرومانسكي والفن القوطي والفن القبطي...الخ. وقد ˝عرف القديس توما الأكويني الجميل على أنه «ذلك الذي لدى رؤيته يسر»، وأكد  أوغسطين قبله أهمية تناسق الأجزاء وتناسب الألوان في الأشياء الجميلة˝.[3]

وكان لزاما على الفن والفنان انتظار عصر النهضة وهو العصر الذهبي والفتح العظيم على الإنسانية جمعاء في جميع مناحي الحياة. ففي هذا العصر تعددت الفنون وتشعبت وأصبحت للفنان قيمة اعتبارية اجتماعية، حيث أصبح التركيز ليس على الطلبيات الفنية وكثرتها بقدر ما التركيز على كفاءة ومهارة الفنان الإبداعية، ومدى قدرته على إنتاج عمل فني بشكل جمالي. وقد بلغ الفن في هذا العصر ذروته مقارنة مع ما كان عليه من قبل، ″لقد سادت نظرية المحاكات التفكير الجمالي والنقدي، خلال عصر النهضة، بفضل التأثير الذي أحدثه كتاب″الشعر˝ عندما ترجم عن اليونانية عام 1498م، وكشف فيه أرسطو عن وظيفة الفن، على اعتبار أنه تقليد للطبيعة في تسامي، فليست مهمة الفنان، ومن هذا المنطلق، تقف عند حد نقل المظهر الحسي للأشياء، والموضوعات كما هي عليه في الواقع، بل يتعدى ذلك ليصل إلى خلق صورة أو نموذج يخضع للقوانين الطبيعية″.[4]

فعصر النهضة هو العصر الذي تحول فيه الفنان من دور الرمزية الميتافيزيقية إلى تصوير العالم التجريبي بطريقة أكثر وعيا، وبهذا كانت الآراء العلمية عن الطبيعة والإنسان قد وجدت طريقها إلى محتوى الفنون، حيث أصبحت المعرفة عقلية وتجريبية، وأصبح الموضوع الجمالي بمثابة كشف عن ملامح الواقع، وقد اتحد تركيبه مع محتواه. ˝إذا كان الفن في العصور الوسطى انعكاسا لتعاليم الكنيسة، وتعبيرا عن ذوق الطبقة الإقطاعية، نجد فن عصر النهضة متشبعا بالمفاهيم التي تدور حول الإنسان والقيم الإنسانية˝، وبالتالي أصبح للفنان في هذا العصر مكانة متميزة، حيث أبدع في صنع الفن والجمال، وأصبحت صورته أكثر تعقيدا بل متعددة الجوانب، وأصبحت حياة الإنسان الروحية أكثر اكتمالا.

وقد ارتبط ظهور الجمالية Aesthetica ، في القرن الثامن عشر، بإصدار كتاب ″اليكسندر بومغارتن˝ بعنوان ″الجمالية‟ عام  1750م، الذي حاول من خلاله وضع أسس علم الجمال كعلم جديد، عين له موضوعا داخل مجموعة العلوم الفلسفية، في تجاوز لما كان يعرف من قبل بفلسفة الفن أو فلسفة الجمال. علم الجمال أو الاستاطيقا علم حديث النشأة انبثق بعد تاريخ طويل عتيق من الفكر الفلسفي التأملي حول الفن والجمال، وبهذا المعنى يعد علما قديما وحديثا في والوقت نفسه. و″أصبح هدف هذا العلم محاولة وصف وفهم وتفسير الظواهر الجمالية والخبرة الجمالية″[5]. فاليونانيون لم تكن لديهم معرفة في ذاته ولذاته، ولكن كانت اهتماماتهم بالفن من حيث علاقته بالخير أو دلالته على الحقيقة. فان مجال الاستيطقي the Aesthetic هو منطقة من البحث كانت ممتعة وخصبة عند اليونان، ليس لأنهم لم يعرفوا هذه الكلمة وإنما أيضا لأنهم لم تكن لديهم كلمة مرادفة لمفهوم الفن الجميل.

توصل بومغارتن بواسطة الفكر، أن هناك نوعا خاصا من النظام والإتقان لا يخضع بشكل كلي للإدراك العقلي. فإذا كان العقل يدرك ويفسر الموجودات تفسيرا منطقيا ومجردا، فهناك في المقابل ظواهر أخرى مؤثرة في النفس البشرية يصعب تفسيرها، لكنها، مع ذلك، تستحق اهتمام وتقدير الفلاسفة. فإدراك الجمال يعتمد على الأحاسيس الفردية والذاتية التي يصعب أن نصوغ حولها أحكاما عامة ومتفق عليها، لكنها مع ذلك تستحق أن تتم دراستها في فرع أو تخصص فلسفي ”علم” يهتم بدراسة الطرائق التي نرتبط بها بالواقع بواسطة الحواس على غرار ارتباطنا به منطقيا من خلال العقل.

 ″هذه هي طريقة بومغارتن، عندما اعتبر أن الملكة الجمالية تنتسب إلى نظام المعارف، وهي ملكة متدنية من المعارف،.....وهو ما أطلق عليه هذا التعريف: ≤ملكة منطقية متدنية من الإدراك المعرفي≥. إنها فلسفة الجمالات والحوريات، ولا تقوى على منافسة العقل، غير أنها توفر معرفة مماثلة لمعرفة العقل. إنها علم المعارف والتمثيل الحسيين، ما يتعين من الآن وصاعدا تحت تسمية :الجمالية.″[6]

عادت أفكار النسبة والتناسب والتوازن والاعتدال إلى الظهور مرة أخرى خلال عصر النهضة الأوروبية، ثم كانت الرومانتيكية بعد ذلك بنزلة رد الفعل الحساس المضاد تجاه هذا الاعتماد الصارم على العقل ومن ثم انطلقت قوى الخيال والعاطفة من قيودها. فقد ظهر العديد من الفلاسفة الذين حاولوا مواجهة الاتجاهات التي تتأسس على العقل وحده في تفسير وفهم الفن والجمال، فقد حاول إيمانويل كانط أن يبلور نموذجا نقديا متميزا من خلال دراسة وتحليل النماذج السابقة، ″وقد تمثلت الخطوة العظيمة لكانط مقارنة بالسابقين عليه أو المعاصرين له في أنه ذهب إلى ما وراء التحليل الإمبيريقي للإحساس الجمالي متجها نحو التحديد الخاص لعلم الجمال باعتباره مجالا خاصا للخبرة الإنسانية يماثل في أهميته وتكامله المجالين الخاصين بالعقل النظري والعقل العملي (أي المجال  المعرفي والمجال الأخلاقي)″.[7] وبالتالي التأكيد على أن التجربة الحسية هي منطلق أي معرفة إنسانية، أي اتصال حواسنا بالأشياء التي لن نعرف منها إلا ظاهرها. وهو يؤكد بذلك على أن التجربة الحسية وحدها غير كافية، لأن الإحساسات التي نتحصل عليها من التجربة لا يكون لها معنى إلا من خلال قدرات قبلية في العقل، هي أولا الحدوس الحسية القبلية التي تضع الإحساسات القادمة من التجربة في سياق بشري متصور، ثم تنتقل هذه الإحساسات المتصورة في سياق زمني وومكاني إلى الفهم أو العقل الفعال المكون من مقولات الكم والكيف والعلاقة والجهة التي تعطينا القدرة على صياغة الأحكام.

″طرح كانط أسئلة جوهرية حول طبيعة الفن. وأنكر أن الفن يقع ضمن مفاهيم الضرورة أو الحرية، وأنكر كذلك أن الفن هو شكل من أشكال الفهم العقلي أو السلوك الأخلاقي.″[8] وبالتالي إضافة حجة قوية على تفرد الفن واستقلاليته، من خلال نفيه أن الحكم الجمالي والذوق الجمالي من الأمور المتسمة بالموضوعية. ورغم إقراره بأن الأحكام على الجمال أحكام ذاتية، فإنها  في رأيه أيضا أحكام عامة يشارك فيها كل فرد يمتلك ذوقا جيدا.  ولذلك اقترح كانط فيما يتعلق بالجمال ميدانا للذوق لا تتحكم فيه المفاهيم العقلية. اقترح كانط وقدم أيضا نظرية حول»الجليل «حيث يتجلى»اللانهائي «الذي يتجاوز المفاهيم العقلية المحددة في الفن، ومن خلال»العبقرية «تلك القدرة على الإنتاج بمعزل عن القواعد والقوانين.[9] تركت هذه الأفكار حول العبقرية في المدرسة الرومانتيكية في الفن والأدب، وكانت آراؤه حول »الجليل «مهمة بالنسبة ل ”هيجل‟، و”فريدريك نيتشه‟ الذي ”بدا له الفن مثل زينة الوجود ‹الرخيصة›، مثل زخرفة بسيطة مرشحة لجلب شيء من الفتنة في حياة مستبعدة من قبل ما هو وظيفي‟[10]،  كما أنها أثرت بشكل عام في عدد من الكتابات التالية له في أوروبا بشكل العام.

غير أن أفكار ”إمانويل كانط‟ لقيت معارضة شديدة من طرف الاتجاه الرومانسي مع هيغل الذي رأى أن تصور كانط (الشيئ لذاته والشيئ في ذاته) ميكانيكيا وآليا مما أفقده المعنى والدلالة.

وفيما يتعلق بمصطلح الإستطيقا  Aesthetic ويعني علم الجمال، فقد تتبعه ”عز الدين إسماعيل‟ في كتابه "الأسس الجمالية في النقد العربي"، فقال إن معناها في البداية كان علم المدركات الحسية، ثم تطور إلى علم المعرفة الحسية، ثم إلى علم المعرفة الحسية الغامضة، وأخيراً إلى علم الجميل أو علم الجمال.[11] ولم يستقر أمر علم الجمال وتعريفه بعد لأن أمر الجمال نفسه لم يستقر، فكل فيلسوف ومفكر وناقد له نظرته للجمال ينطلق فيها من بيئته وخلفيته العلمية والثقافية والعقدية وما إلى ذلك. ونظريات الجمال لا تزال غامضة يصعب تحديدها، فالقانون الأوحد للجمال أنه ليس للجمال قانون. وذلك لأن الجمال من القيم المطلقة التي لا يمكن تحديدها أو حصرها، ولهذا يأتي تعريف كل ناقد أو فيلسوف مختلفا عن تعريفات الآخرين، لأن كل واحد منهم ينظر إلى الجمال من زاوية لا يراه منها الآخرون، وبالتالي يعبر كل واحد منهم على قدر ما يتجلى له الجمال في الأشياء، غير أن هذا لا يمنع من أن نتطرق لبعض التعاريف ونحاول صياغة تعريف يمكن أن يشتمل على بعض محددات الجمال.

 لذلك، الإجاب عن السؤال: ما الجمالية؟ صعبة ومعقدة لتداخل التعارف وتعددها وتشعبها. وعلم الجمال الحديث، كما نعرفه اليوم، فيمكن أن نتتبعه بدءا من القرن الثامن عشر عندما ابتكرت هذه الكلمة لأول مرة من خلال الفيلسوف جوتليب بومجارتن. ومن حيث فقه اللغة فإن الجماليات كانت تعني دراسة الإدراك الحسي،  لكن ولع بومجارتن بالشعر خاصة والفنون عامة جعله يعيد تعريف حدود هذا الموضوع على أنه «نظرية الفنون العملية أو علم المعرفة الحسية [12]« وقد سار على هذا الدرب لأنه كان يعتقد أن اكتمال الوعي الحسي يمكن أن يوجد في أنقى حالاته خلال الإدراك الفائق للجمال.

كانت أجنحة من يدركون الجمال تتحرك ذهابا وإيابا بين الأرض والسماء، بين  الجمال  المادي والجمال المعنوي، كما أصبحت كلمة «الجمال « لدى البعض أيضا غير ضرورية، لكن هذه الكلمة ظلت تستخدم، كما ظلت أنواع خاصة من المشاعر مرتبطة بها، نشعر بها عندما تقال هذه الكلمة أو عندما نسمعها أو نقرأها، كما أنها تظل معنا عندما نقرأ أو نشاهد عملا فنيا. إن الجمال يرتبط لدى الكثيرين المشاعر الحسية المتميزة التي يستثيرها بداخلنا الموضوع الجميل.

إن الإحساس الجمالي كما يستشعره المشاهدون هو إحساس سار أو ممتع، وقد يكون بصريا في الأساس أو سمعيا، ثم يمتد ليشمل جسد الفرد كله. والجمال ليس متعلقا بالشكل المنفصل أو المنعزل عن مضمونه، لكنه يتعلق بالتركيب الخاص للمستويات المتنوعة من المعنى والتأثير الشامل والإحساس الشامل بالحياة في تألقها وتدفقها الدائم. كما أن الجمال يمكن إدراكه وتذوقه في مجالات وأشكال وموضوعات مختلفة ومتنوعة، فهو عابر للتخصصات والفضاءات والمظاهر، يستقر حيث يوجد مواصفاته وأنواعه ومميزاته. «إن الجمالية وفق معناها الحالي، وأيا كانت الخصوصية أو التنوع المميزين لها منذ بومغارتن، لا يمكن أن تختصر بأي من العلوم المحددة التي لجأت إليها أحيانا، مثل علم النفس، وعلم التحليل النفسي، وعلم الاجتماع، والإناسة، والسيميولوجيا أو اللسانية»[13].

 

الصديق الصادقي العماري

باحث في المسرح وفنون الفرجة

......................................

بيبليوغرافيا

- مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ترجمة د. شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، ط1، 2009م

- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي (دراسة في سيكولوجية التذوق الفني)، عالم المعرفة العدد 267، مارس 2001م

- محسن محمد عطيه، الفن والجمال في عصر النهضة، عالم الكتب-القاهرة، 2002م،

- إسماعيل، عز الدين. الأسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، دار الفكر العربي-القاهرة، ط3، 1974م،

 ......................

هوامش

[1] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ترجمة د. شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، ط1، 2009م، 21.

[2] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 44.

[3]  شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي (دراسة في سيكولوجية التذوق الفني)، عالم المعرفة العدد 267، مارس 2001م، ص8.

[4] محسن محمد عطيه، الفن والجمال في عصر النهضة، عالم الكتب-القاهرة، 2002م، ص 14.

[5] شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي ، مرجع سابق، ص 8.

[6] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 30.

[7] شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق، ص 93.

[8] شاكر عبد الحميد، المرجع نفسه، ص 94.

[9]  شاكر عبد الحميد، المرجع نفسه، ص95.

[10]مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص21.

[11] إسماعيل، عز الدين. الأسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، دار الفكر العربي-القاهرة، ط3، 1974م، ص14.

[12]شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق، ص15.

[13]  مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 32.

 

(إنني أريدك أن تعلم أنه إذا كان ثمة شيء جدير بالتقدير أو الاعتبار فيما أنا بصدد إنتاجه فإن هذا الشيء ليس وليد الصدفة أو الاتفاق وإنما هو ثمرة لقصد حقيقي.) .. الفنان الهولندي فان غوغ

مع الأسف الشديد يستمر الوعي البصري للمواطن العربي بالاذعان للأعمال التشكيلية المحاكاتية لنماذج من الطبيعة كزرقة المياه والزهور والأشجار والجبال... وكذلك هو الشأن بالنسبة لرسومات البورتريهات وعمليات نسخ نماذج تشخيصية من تمارين معاهد الفنون الجميلة الخاصة بالطبيعة الميتة. أو نماذج أخرى تتجذر في عمق الهوية العربية كالتعبير عن المرأة البدوية في صيغ مختلفة على حسب البلدان التي ينتمي إليها الفنان، أو التعبير أيضاً عن أجواء احتفالية لمناسبة من المناسبات كالدينية والوطنية أو لموسم من المواسم التي تمتاز بها منطقة من المناطق أو جهة من جهات الوطن العربي والأمثلة هنا مختلفة ومتباينة بحسب الثقافة السائدة.

والملاحظ أيضاً أن هذا العائق الإبستيمولوجي ظل لسنوات من الزمن يهيمن على جل الأعمال التشكيلية لدى الفنانين، ولا سيما تلك الفئة التي باعت منتوجاتها "الإبداعية" بثمن بخس خدمة للبورجوازية التي صارت تقدم لهم موضوعات وتيمات أعمالهم الفنية، حيث اقتصرت وظيفة هؤلاء على النسخ والتصوير وكأنّهم آلة فوتوغرافية.

وظل السؤال الجوهري يسكن هاجس نقاد الفن وذلك بالموازاة مع محطات تحوُّلِ الفن التشكيلي عند الغرب ونظيره ببلادنا: لماذا لم نرقى بذوق المواطن العربي نحو عتبة مقبولة – لا أقول حسنة أو جيدة – لفهم الفن ومحاولة للصعود به في سلم التذوق؟ لماذا ظل الفن التجريدي غائبا في وعي البصري عند المواطن العربي؟

الحقيقة أن عملية تشكيل الوعي ببلادنا أضحت متمركزة حول الوعي الحسي والمادي، بينما الوعي الذهني التجريدي فقد ظل غائبا تماماً في عملية تلقي الأشكال والأنواع الفنية، ولا سيما منها تلك التي تبتغي طرح قضايا وتساؤلات من صميم المفكر فيه وكذلك اللامفكر فيه بمرجعية فلسفية تقوم على تصحيح المحسوس المادي وتأصيل المعقول التشكيلي.

لقد بقي إلى اليوم هذا السؤال يسكن أدمغة المبدعين من التشكيليين العرب وغيرهم من الذين ساروا على درب الإبداع بخطى ثابتة بهاجس أساس مؤداه هدم بادئ الرأي التشكيلي الذي ارتبط بتلك النماذج التي ذكرناها آنفا والتي ظلت للأسف لصيقة بوعي المواطن العربي حتى ظن بعض.هم أنها جوهر الفن التشكيلي .

فهل استطاع الفنان العربي التعبير عن ثقافته بغض النظر عن تاريخ تطور الفن عند العرب في شقه الديني المانع للرسم والتصوير ..؟ وهل استطاع الفنان العربي خلق فن تشكيلي يراعي مقومات الهوية والبنى الإجتماعية المكونة للثقافة العربية ؟ أم إنه سجين تصورات غربية تؤطر فكره وأفق تصور الفني كمحاولات لإستنساج ما أنتجه الغرب وعكسه بمسلاط نحو الذات العربية المجتمع العربي معتمدا على معيار المماثلة لخلق أشباه ونظائر؟

ما هو معيار الحكم الجمالي عند المواطن العربي في تلقيه للعمل التشكيلي؟   وهل استطاع أن يرقى بذوق هذا المواطن نحو فهم حقيقة الفن وجوهره ؟

 

(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن

 

إن جماليات الحروف المغربية في المنظومة الخطية المغربية الجديدة تعد مركز البنيات الشكلية في تفكيك الخطاب البصري، ولا يمكن إطلاقا أن نتحدث عن البنيات من دونها. لأنها تحرك العناصر الداخلة في تأليف الخطاب البصري من خلال انسيابيتها وتشكلاتها واستقاماتها ودورانها وميلانها وانحناءاتها واسترسالاتها..  وتتخذ الصورة الخطية المغربية مكانة هامة في البصر وذلك لما للتركيب الحروفي المغربي من قيمة وأهمية في مجال الرؤية البصرية. ومن هذا المنطلق، أصبح لمجال الخط المغربي دور هام في جذب عين القارئ ذهنيا ووجدانيا وحركيا، والتأثير عليه شعوريا. ومن هنا يتبدى أن صور تركيب الخط المغربي والأشكال الخطية المغربية الصرفة في المنظومة الخطية المغربية الجديدة تمارس قوتها التعبيرية وتأثيرها على القارئ من خلال تمظهراتها المتجددة، ومن خلال العلامات والأيقونات المتنوعة. فهي لغة تَخاطب وتواصل برموزها وأشكالها المكونة للبناء التأليفي للفضاء ومساحاتها الملونة، وبكل المكونات الجمالية البصرية التي تشكل عامة سيميولوجيا الخطاب البصري الذي يتمظهر في المعنى والدلالة برهانات قائمة على أسس موضوعية..

فعملية الوصول إلى فهم متكامل ومتماسك للنص الحروفي المغربي في أبعاده الفنية والجمالية يقتضي استثمار البعد البصري إلى أقصى بعد ممكن. فعملية القراءة والتفسير والتحليل والتأويل هي عمليات تعضد تعميق دلالات الخطاب البصري وإغنائها.

إن الأسلوب النقدي للخط المغربي - في نطاق شروطه الفنية والإبداعية وما يحتويه من وعي جديد وخطاب بصري جديد ناضج - يتضمن القيمة التعبيرية والفنية والجمالية، ويحتوي مجموعة من الأشكال والخطوط الجديدة، ويقتضي البحث في محتويات المنظومة الخطية المغربية الجديدة التي تروم رهانات الموضوعية في ارتباط بوجود الهدف وإظهار الدلالات المعرفية والجمالية التي تتعلق بالخطاب البصري المحمل بالعلامات البصرية المختلفة باعتبارها معاني ودلالات.

فقراءة الخط المغربي حاليا، وقراءة الخطاب البصري من منظور مغاير وبشكل موضوعي يسهم في إظهار تلك القيمة الجمالية ويكشف عن جوهر الإبداع وعناصره الفنية باعتبار أن هذا النوع من الخطاب قد أضحى خطابا مؤثرا، فهو يعتمد الدلالة الواضحة لماهية الفكرة المضمرة في عمليات التركيب للخط المغربي، وأهمية الطرح والتأثير في القارئ للعمل الفني الإبداعي. كما أن تحليل الرموز التي ينتجها الخطاب البصري في الخط المغربي تتحدد في نطاق القدرة النقدية بما تمتلكه من دلالات في إعادة صياغة تشكيل الخطاب داخل النص الحروفي المغربي.

وإذا كانت المنظومة الخطية المغربية الجديدة تعتمد على مفردات دقيقة ومفصلة تمثل عناصر الصورة الخطية وتفاصيلها والأشكال الحروفية المتنوعة وبنياتها؛ فإن هذا التمثل يقع أساسا بالحروف مفردة أو متصلة، ويقع كذلك بالألوان والمواد والفراغ.. وتدخل جميعها في النسيج الجمالي للخط المغربي الذي يعتبر العنصر الأساسي في هذه المنظومة. فهو يتسم بإمكانية عالية. وطبيعي أن يدخل في حساب اللعبة البصرية عبر تقديم استعراضات خطية وتعميق صيغ الجمال، والتحرك ضمن التوليفة التشكيلية بإيحاءاتها وإشاراتها وجمالياتها الفنية التي تنطوي على كثير من التأمل وصنع حيز من عمليات التوظيف المحكم لكل العناصر المكونة للخط والشكل الحروفي بما يكسبه طاقة دلالية عالية.

 

د. محمد البندوري

 

- (إن الرسم شعر صامت.. والشعر تصوير ناطق..) .. الشاعر اليوناني سيمونيدس"

- قال "هوراس":" القصيدة مثل اللوحة".

- ويقول نزار قباني في قصيدة (الرسم بالكلمات):

(كل الدروب امامنا مسدودة .. وخلاصنا .. بالرسم بالكلمات).

ان دراسات من هذا النوع التي تجمع بين الادب و الفن التشكيلي تأت لبيان وتوضيح مساحات اللقاء بين الفن التشكيلي والأدب، وقد كان هذا اللقاء منذ القدم، منذ قبل يحيى الواسطي كرسام قام بوضع رسوم لمقامات الحريري ، الا ان الدارسين والباحثين لم يقدموا شيئا عنه سوى النزر القليل، فظلت مكتبتنا العربية فقيرة  الى حد ما لمثل هذه الدراسات .

وهي كذلك تأت لرسم الحدود الفاصلة والموصلة في نفس الوقت بين الفنين، ودراسة الارضية المشتركة بينهما، إذ انها تكون مفتوحة على الجانبين، وهذه الارضية تسمح بتداخل وتثاقف المفاهيم والادوات بينهما، لان الفنين شريكان في التاريخ الذي يحملانه، ويربط بينهما العديد من الروابط ذات العلاقات النوعية .

وقد استقبل الشعراء أعمال الفنانين التشكيلين، وكذلك استقبل الفـنـانون الشعر، لوجود علاقة بين الاثنين، و نجد من نتائج هذه العلاقة رسومـات ولـوحـات فـنـيـة كثيرة تصنف على انها قصائد شعرية مصورة أو مجسمة، منذ " امرؤ القيس" حتى يومنا هذا.

في قصيدة لرامبو يتحدث فيها عن لوحة (فينوس) يقول :

("والرقبة بعد ذلك مكتنزة بالشحم وداكنة

والكتفان العريضان بارزان والظهر معوج

والدهن يلمع تحت الجلد، كالأوراق الملساء

والاستدارة أسفل الظهر تبدو شديدة الانتفاخ").

ويقول الشاعر صلاح عبد الصبور في احدى قصائده :

لون رمادي سماء جامدة

كأنها رسم على بطاقة

مساحة أخرى من التراب والضباب

تنبض فيها بضعة من الغصون المتعبة

كأنها مخدر في غفوة الإفاقة

وصفرة بينهما كالموت كالمحال

منثورة في غاية الإهمال

(نوافذ المدينة العذبة. ...)

كذلك قصيدة الشاعر حميد سعيد (المرور في شوارع سلفادور دالي... الخلفية) وقصيدته (محاولة إعادة رسم الجيرنيكـا)(من ديوانه الأغاني الغجرية) وغير ذلك من قصائد الشعراء .

في دراسة سابقة تحدثت عن العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي من خلال دراسة المنجز الابداعي للفنانة "عاليا الوهاب " وكانت الدراسة بعنوان (المرأة البدينة بين الشعر والفن التشكيلي.. الخطاب التشكيلي لجمال المرأة البدينة.. الفنانة عالية الوهاب إنموذجا) حيث وجدت ان هناك علاقة بين الشعرمنذ اقدم العصور،والفن التشكيلي، وقد نشرت على صفحة (اشكال والوان) لصحيفة " الحقيقة".

هذه العلاقة محكومة بما يسمى التناص، التناص بين ماهو فني وما هو شعري، اذ انها تأتي في حالة تبادل نصي (قصيدة / لوحة) وتتصف بتأثر كبير بين الاثنين، فتخلق عند ذاك تناص نوعي وكمي بينهما، وفي هذه الحال يكون تبادل الادوار مسموح به، اذ يمكن للقصيدة ان تسبق اللوحة زمنيا، ويمكن للفن التشكيلي (اللوحة) ان يسبق القصيدة .

امامنا الان تجربة الفنان العراقي فيصل لعيبي التشكيلية التي تحمل خطابه التشكيلي، ورؤيته الفنية عن بعض الشعر العربي الذي قيل، وفي هذه التجربة سنقترب كثيرا من عالمه التشكيلي المجسد لما تمنحه القصيدة من رؤى وتصورات للفنان التشكيلي .

فمنذ عام 1972 كنت اتابع انجازات الفنان فيصل التشكيلية، اذ في هذا العام - كما اذكر- اقام معرضة التشكيلي الذي قدم فيه لوحات تشكيلية معتمدة على قصائد للشاعر امريء القيس، وفي هذه الدراسة سنقدم منجزه التشكيلي عن مجموعة من القصائد المختارة التي جسدها حسب رؤيته في لوحات تشكيلية تخطيطيا.

في هذه اللوحات قدم الفنان ليس رؤيته لقراة القصيدة، وانما قدم قوة قلمه التخطيطي في انجاز لوحة تشكيلية معبرة دون الوان سوى الضئيل منها، وهذا الضئيل لا يعدو الاكسسوارات المؤثثة بها اللوحة والتي وضع فيها شيفرته التي حاول توصيلها للمتلقي، وقد كان حريصا في استخدام الالوان، ومبدعا في المكان الذي يستخدمها فيه.

تتصف شخوص الفنان النسوية بأنها جميعا عارية، او شبه عارية، وهذا الاسلوب اتاحه له عيشه في اوربا المنفتحة على كل شيء، ومنها رسوم فناننا التشكيلي، وايضا هي تجسيد للقصيدة التي تناصت معها، فهي تكون عارية كما قال الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني في قصيدته (سقط النصي (:

(سَقَطَ النّصيفُ، ولم تُرِدْ إسقاطَهُ ... فتناولتهُ، واتقتنا باليدِ)

ثم يصف الجسد الانثوي وكل شيء فيه وكأنها عارية تماما، او شبه عارية كما في قصيدة لامرئ القيس التي يقول فيها :

(جِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا ... لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ)

ولبسة المتفضل هو ما تبقى على جسدها من ثياب قليلة جدا تستر المرغوب فيه.

من هذا البيت، والقصيدة ايضا، راح الفنان لعيبي يتناص مع القصيدة، فهو على الرغم من انه يحاورها في فنه التخطيطي، الا انه راح يجسد رؤياه لما في البيت – والقصيدة – من فكر خلاق، وكنوز تخيلية .

قسم الفنان لوحته الى ثلاثة اقسام افقية، في القسم العلوي حيث الخيمة اظهر شابا وسيما ينظر من باب الخيمة متلصصا، وقد بانت على محياه علامات الدهشة لما يرى، وفي القسم الوسطي وهو الاهم والذي يأخذ من الفنان جهدا كبيرا في تخطيطه، يظهر الفنان الثيمة الرئيسية للوحة، وهي الفتاة المستلقية على جنبها الايمن (في الموروث الشعبي هذا استلقاء الملوك) وقد نضت ثيابها الا (لبسة المتفضل) أي انها غطت وسط جسمها بقطعة قماش.

اما القسم الثالث فقد اثثه الفنان باناء مليء بالفاكهة، وقد لونه بالوان الفاكهة، ووضع تفاحة حمراء (في الموروث الشعبي وبعض الادبيات الدينية هو ثمر الجنة الذي اكل منه ادم وحواء وسقطوا في الغواية) على الارض لتدل على الغواية، اذ ان موضوع القصيدة واللوحة التشكيلية هو (الغواية) التي اتت من خطيئة جدنا ادم حسب الاسطورة التوراتية (تكوين 3 7:6)

ان اكتناز جسد المراة باللحم يذكرنا بالمجاز اللغوي الذي يقول (خرساء الاساور او الحجول) لامتلاء جسمها باللحم، وعيشة الترف التي تمنع الاساور او الحجول من ان تخرج صوتا (ترن).

في لوحة اخرى يتناص الفنان لعيبي مع معلقة امرؤ القيس التي يقول فيها :

فَـلَمـَّا أجَـزْنَـا سَـاحَـةَ الـحَـيِّ وانْتَحَى ... بِـنَـا بَـطْـنُ خَـبـْتٍ ذِي حِقَـافٍ عَقَـنْقَـلِ

هَـصَـرْتُ بِفَـوْدَيْ رَأْسِـهَـا فَـتَـمَـايَـلَـتْ...عَـلـيَّ هَـضِـيْـمَ الـكَـشْـحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

إذا التـفتـت نحـوي تضــوّع ريـحُـهــا... نـسـيـمَ الـصَّـبـا جـاءت بـريـا القرنفُلِ

مُـهَـفْـهَـفَـةٌ بَـيْـضَـاءُ غَـيْـرُ مُـفَـاضَـــةٍ ... تَـرَائِـبُـهَـا مَـصْـقُـولَـةٌ كَـالـسَّـجَـنْـجَــلِ

كَـبِـكْـرِ الـمُـقَـانَـاةِ الـبَـيَـاضَ بِـصُـفْرَةٍ ... غَـذَاهَــا نَـمِـيْـرُ الـمَـاءِ غَـيْـرُ مُـحَـلَّــلِ

تَـصُـدُّ وتُـبْـدِي عَــنْ أسِـيْـلٍ وَتَـتَّــقــي ... بِـنَـاظِـرَةٍ مِـنْ وَحْـشِ وَجْــرَةَ مُـطْـفِـلِ

وجِـيْـدٍ كَـجِـيْـدِ الـرِّيـمِ لَـيْـسَ بِـفَـاحِـشٍ ... إِذَا هِـــيَ نَــصَّـــتْــهُ وَلاَ بِــمُــعَــطَّــلِ

وفَـرْعٍ يَـزِيْـنُ الـمَــتْـنَ أسْـوَدَ فَــاحِــمٍ... أثِــيْــثٍ كَــقِــنْــوِ الـنَّــخْـلَـةِ المُتَـعَـثْكِلِ

غَـدَاثِــرُهُ مُـسْـتَـشْـزِرَاتٌ إلَــى الـعُـلا ... تَـضِـلُّ الـعِـقَـاصُ فِـي مُثَـنَّى وَمُرْسَـلِ

وكَـشْــحٍ لَـطِـيـفٍ كَـالـجَـدِيْـلِ مُخَـصَّرٍ ... وسَــاقٍ كَـأُنْــبُــوبِ الـسَّـقِـيِّ الـمُـذَلَّــلِ

وتَـعْـطُـو بِـرَخْـصٍ غَـيْـرَ شَـثْـنٍ كَـأَنَّهُ ...أَسَـارِيْـعُ ظَـبْـيٍ أَوْ مَـسَـاويْـكُ إِسْـحِلِ

تُــضِــيءُ الــظَّــلامَ بِـالـعِـشَـاءِ كَـأَنَّـهَا ... مَـنَـارَةُ مُــمْــسَـى رَاهِــبٍ مُــتَــبَــتِّــلِ

وَتُضْـحِي فَتِـيْتُ المِسْكِ فَـوْقَ فِراشِـهَا ... نَـؤُومُ الضَّـحَى لَمْ تَنْتَــطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ

إِلَـى مِـثْـلِـهَـا يَـرْنُـو الـحَـلِـيْـمُ صَـبَـابَـةً ... إِذَا مَـا اسْـبَـكَـرَّتْ بَـيْـنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ

يقسم الفنان لوحته افقيا الى قسمين، الاعلى يتركه فقيرا من الالوان الا ما كان من اناء الفاكهة والوردة الحمراء ذات الدلالة الحسية المعروفة عند المتلقي.

اما القسم الثاني فيلونه بالوان مكررة، انه نقش البلاط الارضي.

ان العلاقة بين الرجل وامراة هي علاقة تحكمها اشواق وهيام وتمنيات باللقاء ووردة حمراء .

وفي اللوحة امراة اخرى تحمل الفراش بين يديها تقدمه لسيدتها استعدادا لما ستنتجه الوردة الحمراء من افعال حسية، والفراش كناية عن مخدع النوم.

***

ويرسم الفنان لوحة تمثل امرأة شبه عارية الا ما يستر وسطها، ورجل مختبئ تحت السرير،وامراة اخرى تتلصص من خلف الستارة، وفي مقدمة اللوحة اناء مليء بالفاكهة، وخاصة التفاح (فاكهة الغواية) .

ان تركيز الفنان على اناء الفاكهة بتلوينه، وعلى وضع هالة صفراء على المرأة المتلصصة، هو تأكيد على ان المراة شبه العارية كانت في وضع سابق غير مريح للاخرين مع الرجل.

وقد تناصت اللوحة مع قصيدة الشاعر الأعشى أبو بصير ميمون بن قيس:

غرّاءُ فرعاءُ مصقول عوارِضَها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوجلُ

كأن مشيتها من بيتِ جارتها ... مرُّ الســــــــــــحابةِ لاريث ولا عَجـــَــــــلُ

***

ويتناص الفنان مع قصيدة (فلا تسألي) التي غنتها ام كلثوم تشكيليا، وهي من شعر بكر بن نطاح الحنفي، فيرسم رجل وامراة في وضع خاص، حيث تبان ملامح الاكتناز على المراة التي ادارت وجهها الى المتلقي، وقد وضعت لفافات غطاء على وسطها ووسط الرجل الذي بان راسه الحليق وقدميه فقط، وهذا تركيز من الفنان على المرأة المكتنزة باللحم، ودورها في المضاجعة.

***

وعن قصيد احمد شوقي (ياجارة الوادي) التي يقول فيها:

(لم أدر ما طيب العناق على الهوى ... والروض أسكره الصبا بشذاكِ

لم أدر والأشواق تصرخ في دمي .......... حتى ترفق ساعدي فطواك

وتأودت أعطاف بانكِ في يدي ....... ..  واحمر من خديهما خداكِ)

تناص الفنان فيصل لعيبي مع موضوعة هذه القصيدة، فرسم لوحة تشكلية تفوح بعطر الاشواق للاخر الذي هو في عناق مستمر، وبالالوان راح يلون ما في النصف الوسطي من اللوحة ليبرز جسد المراة المتعانقة في وضع شبقي معروف، وجسمها اكثر اكتنازا باللحم .

ان وجه الرجل المعانق في اللوحة يعكس وجه الفنان فيصل لعيبي، هل هذه اللوحة تجسيد لحلم الفنان في ان يعيش في حالة عناق دائمي؟ اترك الاجابة للمتلقين .

ومن القصيدة ذاتها تناص الفنان لعيبي معها وانجز لوحة تفوح بعطر المنجز الاسلامي في فن العمارة .

فقد احاط الشابين المتعانقين، وهم في وضع ما، ببناء على الطراز الاسلامي، واحاطه بآيات قرانية تبدأ بالاية (بسم الله الرحمن الرحيم) ليؤكد الفنان ان ما يمارسونه من عمل هو محمي من القران والاسلام.

***

وقد تناص الفنان مع قصيدة للشاعر عزيزي اباظة (همسة حائرة) ولحنها الفنان محمد عبد الوهاب، في لوحة تفيض رقصا، تقول القصيدة:

"لم نعتنق والهوى يغري جوانحنا ... وقد تعانق روحـــــــانا وقلبـــانا"

***

ومن الشعر الشعبي تناص الفنان لعيبي مع كلمات اغنية كتبها الشاعر رياض النعماني بعنوان (بساتين البنفسج) في لوحة رسمها لعشيقان، وقد اثثها بوسائل التواصل (السلم) و برسول المحبين (حمامة)، وبالاجواء الرومانسية في ليل يظهر فيه هلال ونجمة، وعلامة العشاق الحسية (الوردة)، يقول فيها :

"بساتين البنفسج غفت بعيونج

وطاير بالشعر سرب الحمام

أنا مجنون .. أنا مجنون

انا مجنون وخذاني الهوى

واطوّح غرام ........ "

***

الفنان فيصل لعيبي استعار من الشعر ما يوصله الى رسم لوحة تشكيلية رائعة تقول اشياء واشياء للمتلقي، وتعيد نفسها وتولد دلالاتها ومعانيها مجددا كلما قرأها متلق اخر.

ويكرر الفنان الكثير من اثاث لوحاته فيما بينها جميعا، الا ان التكرار هذا ينضح ابداعا ودلالات ومعان متعددة، فاناء الفاكهة يتكرر في اغلب لوحاته وهو يحوي التفاح، ليكون موتيفة اساسية لها دلالتها الرمزية في اعطاء معنى الغواية، والوردة وما تمنحه من دلالات، والفراش – او ما يدل على الفراش – هو الاخر يتكرر بصورة ابداعية مثمرة، والسرير الخشبي الدال على ارستقراطية المرأة وترفها،وجسد المرأة المكتنز باللحم والعري ايضا يتكرر بوضعيات تبرز حالة الابداع التي تقدمها تخطيطات الفنان لعيبي .

وقد تناص الفنان في لوحات كثيرة مع قصائد عربية قديمة، وقصائد مغناة، وشعر عامي، فكان خطابه التشكيلي يعكس رؤيته لما يقرأه او يسمعه من شعر واغان، وقد قدمه في لوحات لم تكن الالوان من صفاتها الا القليل القليل لما يريد التركيز عليه.

واخيرا يقول بيكاسو: " بعد كل شيء، والفنون كلها واحدة، يمكن أن نكتب لوحة بالكلمات كما يمكن أن نرسم المشاعر في قصيدة ".

 

قراءة : داود سلمان الشويلي

 

 

 اسمها الحقيقي فاطمة محمد سليم علي الموصلي ولدت في استنبول عام 1927 وتوفت في بغداد عام 2008 عن عمر بلغ 81 سنة . وهي من عائلة كلها تمتهن الفن ابتداءا من والدها الحاج سليم الذي يعتبر من رواد الفن العراقي الحديث الى اخوتها جواد سليم ونزارسليم وسعاد سليم الذين ساهموا بشكل فعال في بناء الصرح الفني العراقي المعاصر .
كان لي الشرف ان اكون احد طلابها في معهد الفنون الجميلة عام 1968 حيث كانت تدرس مادة التصميم . وكانت رائعة ومثقفة ولديها طاقة عملية وفكرية واسعة، وكانت انيقة في حديثها وملبسها، وصوتها يكاد لا يسمع، ودائمة الابتسامة وبشوشة، وعندما تأتي الى الصف نراها تحمل على صدرها عددا من الكتب الفنية، ونتيجه لقصر قامتها فانها تلبس الكعب العالي وتمشي الهوينا ولهذا فبصرها دائما محدقا الى الارض خوفا من العثرة الغير متوقعة .. وهذا المشهد يذكرني ببيت من الشعر :

(الهوينا كان يمشي - - كان يمشي فوق رمشي) 

كانت اول امرأة عراقية جريئة تسافر الى اوربا لدراسة الفن في وقت كان المجتمع العراقي يوم ذاك منغلقا جدا على نفسه ولولا عائلتها الفنية المنفتحة لما استطاعت السفر وحدها الى الخارج .. ولم يكن الحظ يحالفها في الزواج طيلة حياتها . مما اعطاها فرصة كبيرة للعمل الفني والتدريس والقاء المحاظرات وحضور المؤتمرات والسفر الى الخارج . وكان جواد سليم استاذها ومعلمها في الرسم .    وقد درست في باريس في مدرسة البوزار على يد الفنان المعروف- فرناند ليجيه –Fernand Léger 1881- 1955 وقد عرف هذا الفنان باتجاهه التكعيبي حيث تأثر باعمال بيكاسو واخذ يستخدم الاشكال الهندسية وظهرت وجوه اشكاله دائرية ومسطحة احيانا وقد عملت له الحكومة الفرنسية متحفا خاصا يضم مجموعة ممتازة من اعماله في مدينة Biot . افتتح عام 1960.

 تخرجت نزيهه سليم عام 1951 وعادت الى العراق وعينت في معهد الفنون الجميلة . وكانت من اوائل الفنانات اللاتي ساهمن في الحركة التشكيلية العراقية التي بدأت تزدهر في الاربعينات والخمسينات ..

التقنية :

تأثرت باعمال جواد سليم من حيث التبسيط والحرية في الخط واللون والفرشة الطلقة والالوان الحارة وعدم الاهتمام بالتفاصيل .. وتذكرنا بحرية الفنان النرويجي مونخ في رسم اشكاله والوانة مع الفارق الكبير بينه وبينها، اي بين مؤسس المدرسة التعبيرية وتلميذ يتعلم ويقلد .

واحيانا نجد تلقائية وتبسيط وطفولة في اعمالها ولعل ذلك متأتي من دراستها وتخصصها في رسوم وتصميم الكتب ومسرح الاطفال في المانيا ..

والملاحظ ان عائلة محمد سليم قد حضيت برعاية خاصة من قبل العائلة الملكية حيث يذكر ان هناك اواصر صداقة ومصاهرة .. ولهذا نرى الزمالات الدراسية تغدق عليهم بكرم وسخاء دون تردد، فجواد سليم بعث مرتين الى الخارج وكذلك نزيهة ونزار سليم واحتلوا مناصب متقدمة في الفن والدولة .. ؟؟ اما الفنانين الذين عاشروا اواسط الستينات وما بعدها فقد عاشوا مأساة الاقصاء والحرمان نتيجة للنظام الحزبي والطائفي والاستبدادي مما اضطر البعص منهم الهجرة الى الخارج وهناك استطاعوا من تكوين انفسهم باصرار وتحدي ودموع غربة وبالتالي صنعوا من انفسهم فنانين ومثقفين احتلوا مراكز متقدمة في الخارج ..

اما مواضيع نزيهه سليم الفنية فقد تناولت الحياة اليومية العراقية من اعراس ومآتم والقرية والمدينة والفلاحين والقباب والمنائر البغدادية وكذلك رسمت المراة العراقية في الاهوار والحارات وغيرها من التقاليد الفلكلورية ... وكانت تجربتها الفنية مرتبطة بالفنانين العراقيين الرواد خاصة جواد سليم وكانت عضوا في جماعة بغداد للفن الحديث . ويذكر ان اعمالها كلها سرقت ولم يبقى منها سواى حوالي ستت اعمال .

ومن الفنانات العراقيات اللاتي عاصرن نزيهه سليم وبرزن وساهمن في حركة الفن العراقي نذكر بعضا منهن : وداد الاورفلي 1929، سعاد العطار 1942، ليلى العطار 1944، راجحة القدسي 1946، نهى الراضي 1941، سماء الاغا 1954، وغيرهن .. . الله يرحم الاموات ويسعد الاحياء .

 

د. كاظم شمهود

 

 

 

ملاحم الابداع الفني شهادة وذاكرة لكل العصورعبر تالقها وسط النجوم ومع كل اشراقة شمس حتى الزوال او الدهر اذ انها الذاكرة الحقيقية للاجيال وتاريخ لا يمكن التلاعب به او التشكك في حيثياتة لان بصماتة ليس فقط مطرزة بالالوان والخطوط والكتل والاحجام بل انها بصمات ضمير ومشاعر واحاسيس لايدركها الا الفنان ذاتة التي يجسدها عبر كل نبض من نبضاتة الشعورية واللاشعورية ولهذا لا يستطيع الناقد الفني من تفكيك تلك المشاعر والاحاسيس والافكار عبر خطوطة والوانة وكتلة المتناثرة على قطعة القماش الا انها محاولات من قبل هذا او ذاك من اجل الوصول الى تلك المشاعر الطوطمية وفك بعض رموزها الفنية وصولا الى المعاني والدلالات عبر الدال والمدلول والذي غالبا لا  يمكن التوافق على  دلالالتها المعرفية بقدر التقارب على مفاهيم  بسيطة لمفهوم الدلالة العامة والتي تحجم غالبا المكنون الذاتي للفنان كشرنقة النحل- كالالوان الحارة او الباردة او والخطوط المستقيمة او المتعرجة -او او او الخ ولهذا نجد الكثير من المبدعين يحاولون تمزيق تلك الشرنقةلغرض التنفيس عن تلك الثورة الهائجة للشعور واللاشعور والغاء المعاني والدلالات الضيقة للالوان والخطوط والكتل والاحجام وووووالخ

واذا ما اردنا التعرج على عنوان اللوحة للفنان المبدع حسام محسن فاننا نبقى عاجزين في التفسير والتحليل الضيق كعجز علماء النفس في تحليل الذات الداخلية للانسان عبر كل نظرياتهم المختلفة والتي لم تتوصل الى توافق في الرؤيا على الرغم من كل الابحاث التجريبة لتلك الذات المتغيرة بتغير ظروفها بدءا بتجارب فرويد وسكنر وبافلوف ووووالخ اذ كيف يمكننا هنا - ان نتوصل رؤيا نفسية او اجنماعية في تحليل - ضوء النفس- وهي ااضاءة نفسيةعن الراحل كاظم حيدر وكيف كان يصارع ويتحدى الموت القادم عاجلا وليس اجلا وكيف كان الفنان حسام محسن الذي يتعايش مع استاذة وهو يسمع صرخات الموت القادم ويسمع فيها دقات ونبضات القلب وهي تعزف لحنها الاخير حتى اصبح كقائد الاوكسترا يشعر ويقود تلك المعزوفة عبر كل نغم يتاتى صداة  من شهقة الموت للاستاذة وملهمة حتى تقاربت الارواح وانسجمت او تداخلت مع بعضها البعض كتناغم اصوات العصافير عند غروب الشمس ولهذا نقول نحن امام محاولة في -ضوء النفس- قد تعجز فيها الكلمات من التعبير عن تلك الارواح التي تجسدت عبر اللون والخط والكتلة  الا انها تبقى بصمات  فنية  تتجاوز فيها  ادوات الفن التشكيلي او الرسم ادواتة التعبيرية الى ادوات تجريدية موسيقية مفعمة  بالتناغم  الميلودي وصولا الى الروح ولهذانجد الالوان والخطوط والكتل المستخدمة في اللوحة تتراقص على الالحان والانغام لشهقات الموت ولهذا تقف الكلمات عاجزة كما تعجز الموسيقى من الوصول الى الروح وتطهيرها عبر انغامها التجريدية الاانها تصل في النهاية عبر التذوق الفني  ولهذا نحن امام محاولة  لجيل من المبدعين ومنهم- المتالق  الفنان حسام محسن-  الذي استمد من روح استاذة بصماتة الروحية قبل الفنية ولهذا  يخاطب جمهورة عن روح استاذة عبر شهقة الموت وباسلوب فني.

من بقف امام لوحة - ضوء النفس - وهو العنوان الذي اختارة الفنان في ذكرى رحيل استاذة  كاظم حيدر كانة يقف امام بركان ثائر من المشاعر والاحاسيس والافكار ولا يرى من ضوء النفس سوى تلك الخفقات النابضة التي يسمع صداها كنبضات القلب النازف بالجراح حتى تمتزج فيها المشاعر بالاحاسيس كامتزاج صوت الانين بالامل او السواد بالضياء اوالشروق بالغروب اذ انها عتمة الشتاء وانيين الالم واشراقة شمس مؤجلة، اذ انه الموت والامل والحياة وكل ما تحملة هذه الكلمات من معاني ودلالات عن صراع الروح مع الجسد  ولهذا كان اللون الاسود هو العنوان الرئيسي للوحة والذي حولة الفنان حسام الى اشكال هلامية مجردة نستطيع من خلالها ان ندرك كمية المعاناة التي كان يعيشها الفنان الراحل وصراعاتة مع الموت والتي شكلها الفنان حسام بشكل ابداعي عبر اشكال هلامية سوداء او زوقاء كادنة في مقدمة اللوحة او الواجهة الحقيقية لتلك الصراعات التي كانت تسيطر في حياة الراحل الكبير اذ انه جريان الدم المتدفق عبر صرخات وانيين نسمع صداه عبر اللون الاحمر المتدفق والتي ترجمها الفنان بشكل فني  وابداعي عبر جريانة من تلك الاشكال الهلامية ويستمر ذالك الجريان حتى يلامس الارض او نهاية اللوحة عند منتصها وبنفس الوقت ان الراحل لم يستسلم لهذا النزيف المتدفق بل كان يواجهة بكل قوة وشراسة عبر تعبير جميل من الفنان حسام الذي ر مز له بالون الابيض مع بعض الضربات لدرجات اللون الاصفر فتارة نجدها مواجهة قوية وشرسة كتلك المواجهة ما بين النهر المتدفق بالجراح واذرع الفارس المنفتض والمواجهة الشرسة لايقاف ذالك النزف بعد ان انهكتة تلك المواجهة عبر تلك الضربات اللونية لدرجات اللون الاصفر كدلالالة تعبيرية عن الجراح التي تنزف من الديناصور الكبير الذي كان يتحدى تلك الجراح وهو واقفا او متحديا او مخاطبا لروحة ولم يكتفي الفنان حسام بذالك التعبير للون الابيض فحسب بل جعلة الخلفية عبر ضرباتة التي  لكل تلك العتمة التي تسيطر على اللوحة مضيفا لها ضربات من اللون الاخضر والازرق لتعزيز قوة المواجهة للراحل وعدم الاستسلام لشهقة الموت عبر تلك الاشكال الهلامية المختلفة والتي تحمل في مضمونها ودلالاتها الكثير من المعاني والدلالات للمتذوق الفني

اذ قدم  الفنان حسام محسن ملحمة تراجيدية عبرنغمات اللون والكتلة والخطوط ليضعنا امام دراسة وتحليل للذات الانسانية للراحل الكبير كاظم حيدر ومعاناتة مع المرض تلك المعاناة التي لا يدركها الا من تشبع بروح الراحل فكراومنهجا وابداعا وتالقا او تمازج الارواح او روح فارقت الجسد واخرى تستذكره بابداع فني عبر لوحة فنية نختلف في عنوانها ولا نصل الى معانيها الدقيقة لانها ابداع من الروح وليس من الجسد والمشاعر والافكار فقط ومن هنا يكمن السر او الاسرار التي تحملها لوحة- ضوء النفس-

شكرا للمبدع حسام مجسن وشكرا لاستذكار معلمة وملهمة  الراحل حيدر كاظم

 

     د. طارق المالكي

 

 

 

 

khadom shamhodمن المعروف ان رواية دون كيخوته للمؤلف ميغيل ثربانتس 1547-1616 تعتبر محط انظار واعجاب العالم وهي من الروايات العالمية والتي نالت شهرة في اواسط القرن السابع عشر والى اليوم . وكانت عظمة ثربانتس تتجسد في فلسفة هذه الرواية التي لم يعرفها ويحللها الاقدمون وانما اتخذوها رواية للضحك والتسلية . حيث ان الشخصيتين في الرواية وهما دون كيخوته وصديقه سانجو، هما في حقيقة الامر تمثلان شخصية واحدة بمعنى ان في داخل كل انسان هاتان الشخصيتان معا اي الانسان الحالم والخيالي والمتهور احيانا ثم الشخصية الواقعية التي تنظر للامور بمنظور عقلاني ..

 تتألف الرواية من جزئين الاول ظهر سنة 1605 والثاني سنة 1615و قد ترجمت الى اللغات الاوربية بعد حوالي 35 سنة من ظهورها واما العالم العربي فقد جائت ترجمتها لاول مرة في اواسط القرن العشرين وبالتحديد عام 1947 .

 

الرسامون الاوائل:

كان الرسامون الفرنسيون هم اول من بدأ في تزويق الكيخوته . ففي سنة 1650-1652 ظهرت لاول مرة الرواية مترجمة الى الفرنسية ومزوقة بمجموعة من رسوم الحفر –كرافيك-. وهي اول محاولة لتجسيد شخصيات الرواية ونقلها من عالم الخيال الى عالم المحسوس بعد ما كان القارئ يعيش في تصورات خيالية مبهمة، اما رسام الرواية فهو مجهول . وفي سنة 1657 ظهرت الرواية مترجمة الى اللغة الهولندية ومزوقة ب 24 تصويرة منفذة بطريقة الحفر، ويعتقد ان الرسام هو خاكوب سافري Jacob Savry (ربما يعقوب صبري) . كما ظهرت الرواية في انكلترا مترجمة الى الانكليزية عام 1687 مع 16 تصويرة حفر مع غلافها ولم يذكر احد من المؤرخين عن صاحب الرسوم . . وفي اسبانيا ظهر رسامان من اصل ايطالي كانا يرسمان خصيصا للبلاط الملكي وهما دومينغو مارية ساني، وآندري بروكاكثيني Andre Procaccini 1671-1734، Doménico María Sani 1690-1772 وقد رسما مجموعة من مشاهد الرواية على السجاد والبسط والكارتون والتي تعلق على الجدران .. اما الرسام الاسباني خوسيه خيمينث الراندا .

José Jiménez 1837- 1903 فيعتبر من اعظم الرسامين الذين تخصصوا في رسم وتزويق الرواية، حيث يذكر انه كان يرسم فيها منذ شبابه الى شيخوخته وقد نفذ 689 تصويرة بالمائيات بمناسبة مرور 300 سنة على ظهور الرواية.

اما الذين نالوا شهرة عالمية من رسامي الرواية فهم : كارلوس كوبيل 1694-1752 Chales Coybel . هونوري فراكونارد 1732-1806 Honoré Fragonard . غوستابو دوري 1832- 1883 Gustavo Dore . هونوري دومير 1808-1879 Honoré Daumier .

و كل هؤلاء من عظماء الفنانين الفرنسيين .. كما رسم الرواية غويا ودالي وبيكاسو وغيرهم ..

 

لماذا تأخرت ترجمة الرواية الى العربية ؟؟ :

1 - يذكر بعض المحللين ان شخصية دون كيخوتة والتي تمثل الفروسية المجنونة هي في حقيقة الامر موجودة في التراث الادبي العربي منذ قرون سبقت رواية ثربانتس حيث نجدها مجسدة بشخصيات الصعاليك والبهاليل وذكر الدكتور شوقي ضيف في كتابه (العصر الجاهلي) نبذه تاريخية عن حياة الصعاليك المتمردين على قبائلهم وكانوا منهم الشعراء والشجعان وكان شعرهم يردد صيحات الجوع والحرمان وكانوا ضد الاغنياء ومناصرة الفقراء .. واشتهر منهم تأبط شرا، وحاجز الازدي وقيس الحدادية .. وفي العصر العباسي كان هناك بعض البهاليل منهم ابو وهب البهلول بن عمر الصيرفي الكوفي 197هج /- 810 مي – وهو من مشاهير عقلاء المجانين حيث له اخبار ونوادر وشعر ويقال ان الرشيد استقدمه ليسمع كلامه . كما يقال انه كان من صحابة الامام موسى الكاظم –ع- وانه تظاهرة بالجنون لينقذ نفسه من اوامر صدرت بقتله من قبل هارون الرشيد .. ولهذا فان رواية دون كيخوته ليس جديدة على الادب العربي .

2 – يذكر ان اول ترجمة ظهرت كاملة لرواية الكيخوتة كانت سنة 1947 ثم عملت ترجمة اخرى بين سنوات 1951و 1966 في المغرب من قبل الكاتب تهامي الوزاني ولكنها لم تطبع لظروف لا نعرفها وقد نشرت بعض فصولها في جريدة- الريف- التي يشرف عليها الوزاني. وفي عام 1956 صدرت ترجمة اخرى في القاهرة . وفي سنة 1965 ترجمت اخرى من قبل الاستاذ عبد الرحمن بدوي . وكان آخر الترجمات عام 2002 من قبل الاستاذين المغتربين الاسبانيين الثقافة والدراسة هما سلمان العطار ورأفت عطفي .

 

تأثيرات الثقافة العربية على رواية كيخوته:

احد الاخوة الادباء العراقيين عمل اطروحته الدكتوراه حول رواية دون كيخوته وهو الاخ محسن الرملي وذكر ان الراوي هو شخصية عربية وهو سيدي حامد كما هناك 220 كلمة من اصل عربي و35 شخصية ذات خلفية ثقافية اسلامية وعشرات الامثال العربية . وكان ثربانتس قبل كتابة الرواية مسجونا في الجزائر لمدة حوالي 5 سنوات كان لها الاثر الكبير في ثقافته وحياته . من ناحية اخرى ان شخصية دون كيخوت تشبه بصفاتها الفروسية العربية من حيث مساعد الفقراء والدفاع عن المظلومين والمحرومين بينما الفروسية في الغرب خلقت للدفاع عن سلطة الملك والاغنياء . كما كتب تربانتس عدد من المسرحيات لها اسماء عربية منها - حمامات الجزائر- و-السلطانة الكبيرة - وغيرها . ولهذا نجد ان بصمات الثقافة العربية ظاهرة على ادب ثربانتس .

  

mohamad husanaldaghstaniشهد منتصف القرن الماضي تغييرات حاسمة هزّت البنى الحضارية للمجتمع العراقي وأشعلت حماس الشعراء والأدباء والفنانين الشباب بإتجاه ترجمة تطلعاتهم الحداثية وإزالة العوائق الفكرية، وتخطي التراكمات الثقيلة للكلاسكية المهيمنة على المشهد الإبداعي، الآفلة شمسها، والسعي لتغيير الأدوات والأساليب البالية في الفنون والثقافة للحاق بركب التغيير وإحلال بدائل حديثة تمتزج فيها المنجزات الغربية مع الخصوصيات القومية والوطنية العراقية المحلية .

في خضم هذا الطقس المشحون بالعواصف طرح الراحل محمود العبيدي الفنان التشكيلي والنحات نفسه مع زميليه سنان سعيد وصديق أحمد على الساحة الفنية عبر تأسيس جماعة فناني كركوك عام 1952 وذلك بهدف التصدي لمهمة حضارية كبيرة في ظل تحفظ التقليديين ومعارضتهم الشديدة التفاعل مع المتغييرات القادمة .

لقد كان المنطق يفرض أن يتسلح الفنان او المثقف بعمق فكري يؤهله قيادة الإتجاهات أو على الأقل تحييده، وإستقطاب رضا المتلقي وضمان تفاعله مع الأفكار الجديدة والأطر غير المعهودة في الرسم والنحت وحتى الشعر، وتلك كانت المعضلة الحقيقية التي أقحم الراحل الكبير العبيدي نفسه ورفيقيه في أتونها عندما بادروا الى تأسيس الجماعة والتي لا يمكن لأي دارس أو ناقد تجاهل الإنعكاسات المباشرة لتشكيل (جماعة بغداد للفن الحديث) التي كان الفنان القدير الراحل جواد سليم عرابها قبل تأسيس جماعة كركوك بسنة واحدة فقط .

ولعل التحدي الكبير الذي واجه العبيدي بل وجماعة كركوك كان يكمن في غياب المنظور الفكري الذي كان يجب أن يؤطر أعمالهم الإبداعية والذي بدا أنه غير واضح بما فيه الكفاية، وهذه حقيقة يؤكدها أحد أقطاب الجماعة المتمثل بالدكتور سنان سعيد الذي أشار في حديث له إلى أنها (إندفعت نحو إنشاء حركة فنية تتجاوز المحلية الرتيبة لكن دون الإرتباط بوثيقة نظرية وبرنامج عمل مدون، إلاَ أنهم إلتقوا وإتفقوا في الموقف من العمل الفني وإنتهجوا الواقعية بالإتجاه الى الحياة والطبيعة والعناية بالعالم المرئي وإستلهام المواضيع من واقع المجتمع، ونبذ محاكاة الطبيعة والأشخاص بصيغة النقل الفوتوغرافي الجامد، الذي كان متبعاً في العراق لفترة طويلة من الزمن ) وهذا ما جسده نتاج محمود العبيدي في المعرض الأول الذي أقيم عام 1954 في كركوك بإسم (معرض أصدقاء الفن) . لكن السمات الغالبة على لوحات المعرض أوحت أيضاً بالتأثير المباشر للبيان الأول الذي أصدره جماعة بغداد للفن الحديث والذي كتب نصه الراحل جواد سليم، مؤكدا ً فيه على حرية التعبير لدى الفنان والعمل على فهم العمل الفني على أساس كونه (وحدة متكاملة) ما بين الفنان والجمهور، وتجسيد فكرته عن الجمع بين الأسلوب الفني الحديث وبين إستلهام الفن العراقي القديم والفن الإسلامي)، من هذا المنطلق فقد يكون محمود العبيدي قد وجد مبتغاه في هذا البيان وفي معطيات الحركة النهضوية لفناني بغداد بإعتبار الساحة الإبداعية الفنية للمحافظات كانت تشكل إمتدادا ًطبيعياً لبغداد العاصمة، إنطلاقاً من مبدأ وحدة المشهد الفني الوطني العراقي ككل .

وبنظرة فاحصة الى نتاجات محمود العبيدي سواء في الرسم او النحت فإننا نلمس بوضوح البصمات التي تركها أساتذته في الفن على أعماله الفنية، عندما كان طالبا في دار المعلمين في بغداد أربعينيات القرن الماضي، حافظ الدروبي، جواد سليم، وخالد الرحال، هذا التأثير الذي يبدو جليـّا ً في توهج روح التمرد لديه على الأساليب القديمة، والنزوع الى التغيير، والتغلغل في أعماق المدينة وحياة ناسها دون تجاهل الغنى الحضاري للجذور الذي أسبغ الحيوية على هذه النتاجات، لقد أضفت هذه المفاهيم على نتاجاته واعماله الفنية طابعا ً مميزاً لعطائه الثر، عليه فإنه يمكن الجزم بأنه هيأ مساراً مستقبلياً واعداً، وقوة دفع ذات تقنية حية مع ميلٍ شديد بالفطرة الى إستخدام محددات المدرسة الواقعية في طرح إنحيازه الأكاديمي، وحسه الشعبي المترع بالبساطة والصرامة معاً و التي كان دفق الحياة تطل بين فجواتها، وهذا ما كان يؤكد نهجه حتى في مؤلفاته أو مع طلبته أو زملائه الفنانين .

ومثلما لم تكن بعض لوحات العبيدي بعيدة عن التوظيف التركيبي أو الهندسي وخاصة في لوحات (الحمالون) و(بائع الملح) و(منظر من القرية ) وغيرها إلاَ أنها كانت تشي بتوتر داخلي ينمو بإتجاه تركيز الإنتباه البصري إليها، لقد كانت قدرة هذا الفنان الرائد الذي إحتلّ بجدارة مكانة بارزة في الحياة الفنية لمدينة كركوك على إمتداد النصف الثاني من القرن الماضي، فذ ّة ومعبـّرة وجديرة بالمتابعة والتسجيل .وهذا يدلل على نزوعه الى الطبيعة عبر لوحاته، هذا النزوع الذي جاء نتيجة طبيعية للتأثيرات التي أحاطت به ففجرت فيه رؤواه الإبداعية الكامنة وعواطفه الفائضة ومشاعره الذاتية وتجاربه في حس حاد وعناق حميم بين حاستي البصر واللمس ليمارس تأثيره في الصورة وتحقيق الصدمة الحضارية في أوساط الفلاحين والمزارعين البسطاء من خلال أعماله التشكيلية في معرض له في قرية بشير عام 1948 .

إذا ً لقد إستخدم العبيدي ملامح الحياة في القر ية في عملية التجريب المستمرة، وكما يقول الكاتب الصحفي أحمد محمد كركوكلي في مقالته الموسومة (محمود العبيدي في ذاكرة الفن العراقي) بهذا الصدد ( إنه إستلهم الطبيعة الخلابة وحركة الناس في الحقول ومواقع العمل، جسدها بفرشاته في لوحات جميلة بألوان هادئة وضعها في أطر إنطباعية وواقعية وتعبيرية ) أي إنه إنحاز تماماً الى جذوره الأصيلة والى الناس الذين إنحدر منهم وأحبهم فحاول أن يجسد واقعهم وتطلعاتهم وآمالهم بالفرشاة واللون .

وفي النحت فقد أفلح العبيدي أن يروض الحجر والموزائيك في كم ٍ كبير من الأعمال المميزة بإتجاه مزج دلالات التأريخ العريق للفكر العربي والإسلامي مع معطيات الحاضر النابض بروح التغيير والتطلع الى الحداثة، فكانت تماثيل الشاعر أبو علاء المعري والفيلسوف الكندي وفيما بعد تمثال الجندي والجداريات الضخمة التي زينت معالم مدينة كركوك الأثرية والحضارية والساحات في عدد من المحافظات العراقية، تعبير عملي عن فيض من الموهبة التلقائية التي كان العبيدي يتحلى بها والتي كانت مبعث جدلية متواصلة بينها وبين المدلولات والمفاهيم التقنية والإنتاجية القصدية التي يرنو الى ترجمته عبر الفرشاة او الأزميل .

إن الناقد يلحظ تماماً حرص العبيدي على تقليص المساحات الفسيحة بين المقاييس الطبيعية في أعماله النحتية وبين الرؤية الفنية التي لم تكن أحياناً تتطابق مع المفاهيم السائدة للمتلقي المعتاد على أسلوب النقل المتماثل والصيغ الجاهزة، مع أنه كان يطالب طلابه وزملائه الآخرين بإحترام هذه الضوابط الحرفية سواء ً في الرسم أو النحت، ويمكن العودة بهذا الصدد الى مؤلفاته التعليمية المطبوعة (فن الرسم)، (كيف تصنع المجسمات؟)، (الأشغال اليدوية)، (الحفر على الخشب ..) في الوقت الذي كان فيه ينأى بنفسه أحيانا ًعن التقيد بها، وهذا المعنى بالضبط كان قد قصده من قبله الفنان بيكاسو عندما أشار الى حرية الفنان في التعبير والإبداع بعيداً عن العوائق والقيود المسبقة فقال : أنه ليس ثمة فن أكاديمي قوي وقادر على تهديم العوائق، فرفع العوائق لا تكفي ولا يخدم غرضاً سوى جعل الأشياء عديمة الشخصية، عديمة العمود الفقري، عديمة الشكل، عديمة المعنى، صفرا ً !، إلاّ أن هذه الملاحظة التي قد تبدو مجحفة نوعاً ما يجب أن لا تقلل من القيم الجمالية والفنية، ولا تمس بفرادة النماذج التي أنتجها أنامل هذا الفنان الرصين والمتألق .

لقد نجح العبيدي في فرض وإقامة توتر ٍ نفسي مشحون بطاقة تعبيرية في غاية النضوج بحيث حّول الفكرة المجردة والأشكال النابعة من المنحنيات والمستقيمات الى شئ ٍ أشبه بالمفردة الشعرية المبهرة، مفردة إستجابت ليد ٍ فنان بعثر دواخله الكامنة على الحجر الأصم فأحاله الى ميدان حياة مفعمة بالمعاني الغنية .

وفي المراحل اللاحقة لحياته الفنية الحافلة، خاض العبيدي في تسعينيات القرن الماضي، معترك الإحتراف الفعلي لإسلوب الرسم على السيراميك بعد أن طـّور ادواته الفنية ووسائله التصنيعية والإنتاجية في مرسمه الذي إحتل جزءاً كبيرا من منزله، وقد هيأ هذا النزوع لفرص إنتاج كم ٍ كبير من اللوحات والجداريات، والتي كنت آنذاك أشعر أن بعضها قد تفتقر الى حد ٍ ما الى المنظور الجمالي والفني، وقد دافع عن ذلك في نقاش مباشر لي معه عن ذلك، وفسّر ملاحظتي بالتأكيد على أن الفنان يجب أن لا يطمئن الى مستوى إنجازاته اليومية لكي لا يراوح ويقف في مكانه، وأنه لا يتفق معي في ملاحظتي ذلك لأنه يرى أن وظيفة الفنان لا تقتصر على نقل مظاهر الحياة من حوله بالشكل الذي يتماثل مع عدسة المصور الفوتوغرافي وإلاّ فأنه يفقد شخصيته الفنية، ويضّيع ديناميكية أسلوبه الخاص !

لقد كان محمود العبيدي مخلصاً لفنه وأدواته التعبيرية ومدرسته، وكان طيلة حياته التي توقفت في العام 2008، منجماً دافقاً لسيل من التراكمات الفنية ذات الإستجابات المتباينة، منجماً أضاف الى رصيده الكثير، وصنع من لوحاته ومنحوتاته وجدارياته إرثاً يجمع بحميمية بين القصد المسبق وبين التلقائية والعفوية الفائقة، النابضة بعبق الماضي والمتطلعة الى المستقبل المفعم بالأمل، فأغنى بأعماله الحركة الفنية الوطنية والمحلية الى يومنا هذا .

 

صرخة وطن ام صرخة فنان- د صبيح كلش يخاطب الضمير الانساني بفرشاتة: انه يوم دامي جديد

 المدخل

اتفرد الفنان المتالق د صبيح كلش على الصرخات المدوية لشلالات الدم في العراق حتى جفت فرشاتة المعطرة بدماء الشهداء ليرسم لتا عالم دموي يتجاوز فية عالم الفنتازيا والخيال والتخيل وكل الاساطير المسموعة والمكتوبة عن مفهوم حكاية الموت والدمار والابادة الجماعية بفعل الرجس لذي حل في بلاد الرافدين بلد الحضارة والرقي والتطور وبلد ادم والانبياء والصالحين - لا يختلف عن رجس اسطورة اوديب ومدينة طيبة الا في طبيعة الاسطورة وبنائها التراجيدي -لهذا كانت ملاحمة الفنية مستلة من الواقع اليومي وخكايات الموت والتي خطها بهياكل بشرية مطرزة بالوان الدم العراقي حتى اختقت فية حرارة الدم وصبغتة عبر الشلالات المتدفقة ومسارها اللامتناهي حتى تكاد ان تعانق صبغة السماء و تفتح فية بابا من ابواب الفردوس الابدي بعد ان اغلقت امامها كل ابواب الارض انطلاقا من ان موضوعة الفن هي الحياة بكل اشكالها المختلفة التي تسيطر على الفنان باعتبارة حاملا وناقلا للعلاقات الجمالية عبر مفهوم التاؤم بين الفن والجمال ولهذا ياتي مانسمية بالقبح او البشاعة او الموت وووووالخ اي بكل ما تحملة االمعاني والدلالات لهذه الكلمات عبر تصوير جمالي قد يصل الى مفهوم الجليل وليس الجمال لان الجمال ياتي من الشعور بالحب اما الجليل فانة ياتي من الشعور بالخوف عبر توافق العقل مع المخيلة- انة يوم دامي جديد- هكذا هو العنوان الذي اختارة الفنان د كلش ليصف لنا فيها يوما من تلك االملحمة الدموية او الملاحم التي مرت وتمر في بلد السواد حتى بكت فيها الاموات قبل الاحياء والايتام قبل الارامل والمشاعر قبل الدموع بعدما اختلطت وامتزجت فيها الهايكل بالحوم البشرية واحترقت فيها الجماجم وامتزجت بها الارواح بالاجناس ولم يبقى منها سوى رائحة ودخان الموت االذي اخذ يسري في الاجساد الحية التي تنتظر لحظة الفناء عبر حزام ناسف او مفخخة او نحر او اي وسيلة من وسائل ملحمة الموت الجماعي وحكايات الموت القادم اذ انها حكايات تتجاوز فيها لذة الجمال بلذة الجليل والشعور بالحب كالشعور بالخوف اذ

اذ انها صرخة ولوعة وبكاء فنان يعبر فيها عن صرخة وطن ياءن فية الاحياء والاموات على حد سواء ولا يسمع لهذا الانيين والصراخ منذ اكثرمن عقد من الزمن وكاءن العالم الانساني عالم من الصم والبكم ماتت في الضمائر والانسانية واصبحت فيها المصالح تجارة بالاعضاء ومزايدات في الاسعارعن فصيلة الدم النقي عن غيرة عبر اساليب القتل والنحر وفنون والدمار وتحت شعار اسلاموي ل غرض ابادة الجنس السومري والاكدي واحفاد حضارة قبل اكثر من6000 ق م والا لم تم تدمير هذا الارث التاريخي وكبف تم سرقة ما تبقى منة ومن هي تلك الجهات وما هي شعاراتها المعروفة للقاصي والداني اذ انها دراكولا العصر الجديد او دراكولا العصر وبثوب اسلاموي

 135-sabihkhalash

 الفنان د صبيح كلش وادواتة التعبيرية

بعيدا عن الاهداف الاساسية لكافة الاتجاهات والمدارس الفنية المختلفة الا ان الفنان يبقى جزء من الواقع يؤثر ويتاثر به والا كيف يمكن ان يكون رسولا للجمال والوعي والادراك هو بعيدا عن ابناء جنسة لان الفن حسب راي سارتر - هو الكشف عن الحرية - حيث تلعب فية الارادة الواعية دورا مهما ولهذا يكون الموضوع الجمالي غير تلقائي في الابداع ولا واقعي بالمعنى الحرفي للواقع ولهذا تكون الموضوعة الفنية وجماليتها تنطلق من مبدا الارضاء دون سابق فكرة او صورة ذهنية كما يراها الفيلسوف كانط اي بمعنى ان الفنان قد اعارنا عينية للنظر للعالم وما يدور حولنا حسب راي الفيلسوف شوبنهور ما كيف يوظف هذه الاتجاهات في خدمة الجمال والوعي والادراك فهذا ما عودنا علية الفنان د كلش عبر لوحاتة الفنية المختلفة التي مزج فيها بين الجميل والجليل حتى اصبحت تلك اللوحات اجناس مقدسة نتاملها كما نتامل اي جنس مقدس في التفسير والتحليل والاجتهاد وقد يختلف معنا الراي الاخر في التعبير والاجتهاد عن مفهوم الجمال والجليل والابداع الا انه لا يختلف معنا في مفهوم التقديس لتلك الملاحم الفنية التي جسدها د كلش عبر الفرشاة والالوان حتى اصبحت مدارس واتجاهات في مفهوم جديد ومتطورلايختلف عن الاجتهاد والتحليل في اي جنس مقدس بعيدا عن الخطوط الحمراء الكلاسيكية التي حجمت دور الفنان وادواتة التعبيرية بفعل هذا الاتجاة او تلك المدرسة وخطوطها الحمراء- اذ المتامل والمتذوق وغير المتذوق للفن التشكيلي عندما يقف امام لوحة-يوم دامي جديد -د صبيح كلش ينتابة الخوف والهلع والالم والسؤال والتساءل وكانة امام ملحمة لابادة جماعية او حكاية من حكايات الموت عبر تفجير هائل لا يختلف عن قمبرة هيروشيما الا انها بثوب جديد حيث تختلط فيها الاسماء بالمسميات والاعمار بالاجناس ولم نرى من هذا الجنس البشري سوى حكاية رومانسية سوداء نعيشها ونتعايش معها ونتحدث عن جماليتها وباسلوب دراماتيكي وهي جمالية الموت والابادة البشرية حتى تختلط فيها مشاعر المشاهد ما بين الالم والفجيعة والصرخة والاستنكار والبحث بين الموحودات عن الهياكل والجماحم المتبقية والتي لم تتفحم بعد -اذ ان اول ما يجلب المشاهد هي الكتلة الوسطية للوحة والتي قسمها الفنان عبر خط الوسط الى كتلتين متداخلتين احدهما تنزل الى اعماق الارض بينما الاخرى تحاول الوصول الى السماء حتى ان بعض اجزاءها تلامس السماء ومن هنا تكمن القيمة الاساسية في التعبير اذ اراد الفنان هنا ان يقول للمشاهد ان قوة التفجير والجريمة اللاانسانية قد جعلت الاشلاء البشرية تتطاير في السماء او تغوص في الارض اي انه الفناء بل ان الاجساد المحترقة التي غاصت في الارض لم يبقى منها سوى فحمها وليس رمادها كما هو معروف عند حرق الجثث وهنا استطاع الفنان التميز ما بين رماد الجثث وفناءها المتفحم ومما زاد من قوة هذا التعبير هو اختيار الفنان اللون الاسود اذ ان اللون هنا يحمل معنى ودلالالة واضحة بعيدا عن المعاني والدلالات الخاصة باللون الاسود بل انها صرخة انسانية ومعنى ودلالالة فنية عن تحول تلك المتفحمةالاشلاء البشرية الى عتمة بصرية لاتستطيع من خلالها التميز بين الاشلاء لانها احترقت ولم يبقى منها سوى دخانها الذي يحفر بين طبقات الارض للهروب من هذا العالم المتوحش بعد انصهرت اشكالها كما تنصهر المعادن وتتحول من شكل الى شكل اخر ومما زاد من قوة التعبير في عملية الانصهار لهذه الكتل البشرية طبيعة الالوان المستخدمة والتي لا تختلف عن الالوان التي تبرز عند عملية الانصهار في المعادن- الالوان الصفراء المحمرة-مع بعض الضربات لدرجات اللون الازوق لغرض التاكيد على ان عملية الانصهار لا تعتمد على عنصر واحد فقط- اي جنس بشري واحد بل نختلف الاجناس والاعمار ومما زاد من قيمة هذه الدلالالة شكل الطفلة التي يذوب جسدها بيت احضان اسرتها الذائبة وينصهر جسدها كي يلامس الارض بحراوتهاالمتدفقة واشلالها الذائبة

اما الجزء العلوي لتلك الكتلة الوسطية التي تشكل عنوان اللوحة فانها مقسمة الى عدة طبقات اذ ان الطبقة المرتبطة بالطبقة السفلى فانها تمثل اشكال بشرية هلامية لا تختلف عن اشكال الفراعنة بعد الموت الا انها لاتزال تنصهر بحكم فعل عامل الانصار- وتعبيرية اللون الاحمر-الذي يحيط بها اما الجزء الاخرعلى يمين ويسار اللوحة فقد انصهر ولم يبقى منه سوى اثار الاحتراق والانصهار الا ان بعضة يهبط الى الارض والبعض الاخر يتصاعد بلهيبة الى السماء حتى ان بعض الاشلاء تتطاير كتطاير بقايا الاوراق المحترقة اثناء عملية الاحتراق- وومما يزيد من ابداع الفنان وتالقة في تجسيد هذه الملحمة الرومانسية السوداء - حكاية الموت -هي حمامة السلام البيضاء التي وضعها الفنان فوق الجثث وهي تنوح بانينها وحزنها بعدما فقدت بعض من ريشاتها من شدة الالم والحزن من هذه الحكاية المؤلمة- وهي رسالة يوجها الفنان الى الضمير العالمي

-انقذوا حمامة السلام من الاسلام المزيف ومن يدعون الاسلام زورا وبهتان داعش واخواتهااذ ان اليوم حمامة السلام تنوح في هديلها وغدا ستفقد صوتها وتصبح كالغراب الذي يحكي قصة الموت لقابيل وهابيل

 

د. طارق المالكي

 

khadom shamhodيذكر الاستاذ الفنان العراقي اسماعيل الشيخلي في مجلة المثقف العربي 1971 (اننا نمر في فترة فيض، كثر فيها التشتت وكثرة الاسماء والاعمال والاجتهادات والتناقضات ...) ويقول جبرا ابراهيم جبرا- 1971- (العمل الرديئ لا يمكن ان يحتمل ويجب ان يقال لصاحبه عملك رديئ، عليك ان تجهد كثيرا وتدرس طويلا، وتنظر مليا وتحاسب نفسك، حسابا عسيرا، وقبل ان تعرض علينا اعمالك ...)

اليوم نشهد ظاهرة غير مسبوقة في كثرة الفنانين والادباء؟ وهي ظاهرة نجدها في بعض الدول من عالمنا العربي وخاصة في العراق .. وقد عاشتها الدول الغربية في اواسط القرن التاسع عشر عندما ظهرت الرومانسية في الادب والفن ثم توجتها المدرسة التأثيرية سنة 1874 .. ويبدو ان عالمنا العربي شعر اليوم بانه متأخرا اكثر من قرن عن الغرب (صح النوم) فاخذ الادباء يقلدون بكتاباتهم بودلير 1821 واخذ الرسامون يقلدون ديلاكروا 1798 ومونيه 1840 ثم جاءت الحداثة وهرع اليها من هب ودب تحت معطف بيكاسو وميرو وتابيس؟

(لما رأيت الجهل في الناس فاشيا - تجاهلت حتى قيل اني جاهل) المعري /

1138-khadom1

ظاهرة الانا:

يذكر النقاد ان التذوق له مسارين، تذوق خاص فطري ينفرد به الانسان في عمله ويحكم به على ما يراه او يقرأه، وهناك تذوق ثقافي يعتمد على ثقافة الانسان المشاهد وتجربته وعمقه ومعرفته بتاريخ التيارات والمذاهب الفنية والادبية .. ولكن الذي نراه اليوم ان هناك حملة تسخيف ومج متعمد للذوق والتذوق الفني.. ويبدو ان مفهوم الديمقراطية انعكس سلبا على الفن كما هو في السياسة، وقد ترجمت في عالمنا بالغلط .. فكل من ملك ورقة وقلم وفرشاة ادعى انه اديب او فنان – الانا -

(يجب ان يقال لصاحبه عملك رديئ عليك ان تجهد كثيرا وتدرس طويلا ..)

واصبح من السهل اليوم عرض الاعمال في مواقع التواصل الاجتماعي وعمل مقابلات في محطات التلفزة ومواقع الفيدوهات والافلام . وبالتالي اصبح كل من لديه رغبة وحب للفن ان يشرع بالرسم ويعرض . وهذا ايضا انساق الى الادب والشعر . فنشاهد اليوم ظاهرة كتابة الجمل القصيرة المبعثرة (بودليرية) واحيانا يتكرم علينا صاحبها بكلمتين خالية من المعنى والايقاع ؟؟ وتنشر هذه في مواقع التواصل الاجتماعي، ويريد من المشاهد او القارئ ان يزكيها ويضع له كلمة – لايك- ؟؟؟(ما شاء الله)

(اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ....)  ونتيجة للسرقة الغير مشروعة لاموال الدولة والناس، اصبح من السهل انشاء الصحف والمحطات التفزيونية والفضائية والمواقع الالكترونية وشراء الذمم والاخلاق وحتى الدين ؟؟؟ واصبح هناك تكتلات في الفن وتكتلات في الادب ويعتبرون انفسهم واجهة البلد . لهذا انا اعتقد ان على الجميع ان يقيموا انفسهم ويحاسبوها .(رحم الله أمرأء عرف قدر نفسه) وان يقارنوا انفسهم بالرواد اصحاب المدارس الفنية والمخترعين والمستكشفين والعلماء الذين خدموا الانسانية (فاين الثرى من الثرية) ..

 

عودة قليلة الى التاريخ:

1138-khadom2الفن الاسلامي كان ظاهرة فريدة في العالم امتدت اكثر من عشرة قرون فكان فن عام غير شخصي اشتركت في تكوينه امم وشعوب مختلفة الثقافات والقوميات واللغات والعادات والتقاليد.، ولها موروثها الحضاري والفني العريق . كالامة العربية والامة الفارسية والهندية والتركية والمغولية والمغربية الاندلسية وغيرها .. فالفنان المسلم في أي بلد من بلدان العالم الاسلامي لا يعمل على ان يعبر تعبيراً خاصاً يميزه عن غيره من الفنانين . وانما نراه في كثير من الاحيان يتبع الطرق القديمة ويسير على الاساليب الفنية الموروثة . فالفنان الماهر يومذاك هو الذي يفوق غيره في عملية أتقان الرسوم او الزخرفة الفنية،. لهذا لم يهتم الفنانون المسلمون الاوائل كثيرا في وضع أسمائهم على أعمالهم .

وفي الادب نجد اخوان الصفا كتبوا حوالي 50 رسالة (يعني50 كتابا) في شتى حقول المعرفة من فلسفة وادب وفن وشعر ودين واجتماع وكيمياء وفيزياء وفلك وطب وغير ذلك . لكنهم لم يضعوا اسمائهم على نتاجاتهم العلمية حيث ضربوا- الانا –(الذات) وسحقوها تحت الاقدام؟ وبقى الباحثون قرونا يبحثون عن اسمائهم . علما ان ظهورهم كان في البصرة في القرن الثالث الهجري / العاشر الميلادي؟

 

اعلام الفن الاسلامي:

و من المفيد ان نستعرض اسماء اعلام الفن الاسلامي الذين طبعت اسمائهم في الذاكرة الانسانية وقد تخلوا عن – الانا- ورسموا باخلاص وتذوق عالي ، وهم :

1 – ابن الرازي الجزري -1206 م – مصور كتاب الحيل الميكانيكية .

2 – عبد الله بن الفضل – 1222 م- مصور كتاب خواص العقاقير .

3 – علي بن حسن بن هبة الله – 1209 م – مصور كتاب البيطرة .

4 – يحيى بن محمود الواسطي – 1227 م – مصور كتاب مقامات الحريري وصاحب مدرسة بغداد .

5 – كمال الدين بهزاد – الذي اشتهر في اواخر القرن الخامس عشر - 1450 م- حيث يعتبره بعض النقاد من اعظم الفنانين المسلمين وهو مزوق كتاب – البستان- للشاعر سعدي وبعض من كتاب - المنظومات الخمسة- للشاعر نظامي . وشارك في تزويق الشهنامة للفردوسي . ويعتبر بهزاد مؤسس المدرسة الصفوية للفن .

6 – رضا عباس 1565-1635 الذي برز واشتهر في النصف الثاني من القرن السادس عشر ويعتبر رائد المدرسة الاصفهانية في زمن الاسرة الصفوية .

7 - عبد الجبار بن علي –الذي ظهر توقيعه على المخطوطات التي ترجع الى عام 1229 م لديوسقوريدس والتي انجزت في سوريا.

8 – ابن عزيز العراقي وقصير المصري– في اواسط القرن الحادي عشر– وقد اشتركا الاثنان في مسابقة للرسم امام الوزير الفاطمي اليازودي الذي كان مولعا بجمع الصور. والقصة مشهورة ينقلها معظم المؤرخين العرب .

9 – احمد الخراط البصري وهو من اقدم المصورين المسلمين حيث ظهر في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي – في مدينة البصرة، وقد اشتهر برسم الاشخاص وكذلك رسم الكاريكاتير .

 

khadom shamhodنوري الراوي واحد من رموز الفن العراقي الحديث وهو آخر من تبقى من تلك النخبة الريحانية التي ارست قواعد واسس الفن العراقي المعاصر فعندما ننظر الى سيرته الفنية وما قدمه للحركة الفنية العراقية والعربية نشعر بالصغر واللاشيئية .. ولد عام 1925 في مدينة راوة وتوفى سنة 2014 في بغداد عن عمر 89 سنة كانت حافلة وزاخرة بالعطاء المميز والفريد .. كان ناقدا فنيا له اسلوبا جميلا يذكرنا باسلوب الروائيين المصرين، الف الكثير من الكتب الفنية واشرف على عدد من الصحف كسكرتير تحرير، وهو اول من احدث الصفحة الفنية في الصحافة العراقية وكان يدير برنامجا تلفزيونيا – للفن التشكيلي - لمدة ثلاثين سنة 1957 الى 1987، كما اسس المتحف الوطني للفن الحديث وكان اول مديرا له،- وغيرها من الاعمال ... .

 1136-rawi1

مدينة راوة:

تقع راوة غرب العراق على ضفاف نهر الفرات على بعد حوالي 320 كم وهي تابعة لمحافظة الانبار وكانت تسمى – الرحبة – ثم سميت راوة كون القبائل العربية البدوية تأتي اليها لتروي من مياهها المتدفقة عبر نواعيرها المنصوبة على ضفاف نهر الفرات وتسقي ماشيتها .. ويذكر بعض المؤرخين منهم اليعقوبي والاصفهاني  ان راوة سكنتها قبائل عربية حسينية سادة من سلالة الامام موسى الكاظم بن جعفر الصادق –ع- ولكن السؤال هو كيف اصبح اهل راوة سنة وهم علويون؟؟ . والجواب هو ان بعض العشائر العراقية العربية والتي كانت من مذهب واحد انقسمت الى شيعة وسنة وتعايشت بسلام وامان .. واتمنى ان يعي هؤلاء الذين يلعبون على الوتر الطائفي بانهم مخطؤن وانهم لا يستطيعون التفرقة بين الارحام .. وما الحشد الشعبي المقدس الا صورة ناصعة تمثل التلاحم الصادق والوحدة والمحبة بين ابناء العراق . 

1136-rawi2

التقنية:

غادر نوري الراوي مدينته وهو شاب ولكن بقت راوة عائشة في عمق مشاعرة وجوارحه حتى مماته . فقد عاش طيلة حياته يرسم مدينته بطريقة شاعرية سيمفونية مليئة بالتغني بحب القرية . ورغم انه درس في الخارج واطلع على مختلف الطرز الفنية والفكرية الحديثة ولكنه لم يخرج من فردوسه راوة .. فكانت مدينته مصدر الهام وانعتاق لمشاعره الدفينة  طيلة حياته الفنية . وكان يعمل دون كلل او ملل، ورغم تشابه لوحاته لكن كل مرحلة نراها مصحوبة بنضوج حسي وفكري ..

تنفذ اعماله بشكل تمثيلي وتجريدي ويطغي احيانا عليها الطابع الهندسي والبناء المتراكب، منائر، قباب، اقواس، نواعير، منازل صاعدة نازلة، ازقة . مشاهد كأنها في وقت الغسق حيث ان اجمل ما يرى من الالوان الحالمة والرومانسية هو وقت الغسق..

(جاءت معذبتي في غيهب الغسق ... كأنها الكوكب الدري في الافق) ابن الخطيب الاندلسي

وكان الراوي يفضل رسم القباب البيضاء التي شيدها البنائون الشعبيون لما تنطوي عليه من مشاعر واحاسيس فطرية جميلة فقد اكتشف اسرار اللون والضياء الساطع في تلك المدينة النائية والمرمية في اطراف الصحراء على ضفة نهر الفرات . كما اكتشف قيمة التراث المحلي وجماليته يضاف الى ذلك العاطفة والطفولة والتي كان لها دورا في الحنين الى راوة .

 

آخر حياته:

عاش الراوي طيلة حياته في العراق ولم يتعرض للنظام السابق بنقد او او تعارض حيث بقى مهادنا ساكتا ... وعندما سقط النظام الصدامي عام 2003 سافر مرتين مع مجموعة من المثقفين الى دمشق والتقوا مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام واعلنوا الولاء له وان يكون هو راعي الثقافة والفن للعراقيين، ثم تغيرت الامور .. وفي آخر ايامه كان حائرا في تراثه الفني الى اين سيصبح مصيره .. فيقول انه حزينا لان بيته يحتوي على ارشيف ضخم ونادر لتاريخ الفن العراقي وهو يطالب المسؤولين بالحفاظ عليه ولكن لم يرد عليه احد .. (وارتحل الى عالم الصمت الابدي وانا اردد ملقى على طرفات راوة ... استجير ولا اجار) .. وكان يفكر ان يترك تراثه الفني بيد منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة فاتصل بمكاتبها في بغداد وعمان وبيروت ودمشق ولا نعرف بعد ذلك كيف انتهت تلك الحوارات الا اننا (سمعنا) ان وزارة الثقافة قد حصلت على مجموعة من اعماله .. توفى نوري الراوي عام 2014 في بغداد ولكن بقت اعماله كمدرسة ومؤشر لمرحلة مهمة من تاريخ الفن العراقي الحديث .

 

khadom shamhodيقول الكاتب شيلر (ان تطور الاحساس الجمالي هو الاساس الجوهري في تطور العقل والاخلاق). اما هيجل فيقول (الجمال هو الحقيقة والحقيقة هي الجمال)

 ويذكر ان الشئ الثابت في الانسان الذي يتجاوب مع عنصر الشكل في الفن هو- الحساسية الجمالية – وهي ثابتة ومخلوقة في الفطرة الانسانية، ولهذا فلا يختلف فنان الكهوف عن الفنان المعاصر وانما الشئ المتغير هو - الفهم -الذي يقيمه الانسان حول الاشياء المادية او الاشياء الفكرية، ويكون ذلك الفهم او الحكم خاضعا للتقاليد والثقافات والاماكن والعصور .

وكان الفن الشرقي يختلف عن الفن الغربي فالاول يعتمد في فنونة على ايقاعات الخط وحساسيته الجمالية اما الثاني فيعتمد على ايقاعات الظل والضوء، والفن الشرقي اكثر روحانية والفن الغربي اكثر مادية وارتباطا بالجمال المادي وحسب النظريات الجمالية والاخلاقية عند الاغريق . وكان الفنان الشرقي له علم ودراية جيدة بالضوء والظل ولكن كان يفضل الايقاع الخطي ويعتقد ان هذا الايقاع هو اكثر جوهرية وثباتا من التأثيرات العرضية التي تتبدل وتزول بسرعة حسب اشعة الشمس او غيابها . ويعتقد انه كلما كان الخط بارزا في تحديد الاشكال ازداد كمال العمل الفني وجماله كما هو عند الفنانين الصيني والاسلامي .. ولهذا فان مفهوم الجمال في الفن عند الشرقي يختلف عن الغربي .

1128-khadom

 

ومنذ القرن التاسع عشر وبعد الثورة الفرنسية بدأ النقاش يدور حول الاداء الفني حيث طرحت اسألة كثيرة حول دور النقد في الفن وهل يحق للناقد ان ينقد ويمدح او يذم اما ان حقه لا يتعدى طرح وجهات نظر شخصية .. وعما اذا كان الجمال يعني الفن ام ان الجمال شئ والفن شئ آخر؟؟ وهل ان الفن هو صورة محاكات للطبيعة ام يكون شيئا آخر؟ كل تلك النقاشات والنظريات افرزت اليوم واقعا ملموسا تجسد بظهور مذاهب ومدارس فكرية وتشكيلية عديدة ومختلفة عمت العالم كله .

اليوم انا وانت وغيرنا من الناس لكل منا خصائصه الفردية ودرجة حساسيته في التذوق التي يختلف او يتميز بها عن غيره سواء كان في الشرق او الغرب ولكن هناك صفات عامة يشترك فيها الجميع وهي الصفات الانسانية منها غريزة حب الجمال. وفي قول الشاعر (خلقت الجمال فتنة لنا وقلت يا عباد اتقون - وانت جميل تحب الجمال فكيف بعبادك لا يعشقون)

1128-khadom2

 

كما رفض اليوم اساتذة الفن الحديث المبدأين الجمالي والاخلاقي واحتفظوا بالمبدأ الميتافيزيقي . حيث عملوا على الغاء هذين المبدأين وكانوا يعتقدون بان وراء كل هذه المظاهر المتعددة للطبيعة حقيقة خالدة واحدة وان هذه الحقيقة هي الجمال، حسب تعبير هيجل . ولهذا تغير مفهوم الجمال في الفن الحديث عن النظريات الكلاسيكية السابقة ..

هناك نظرية للفيلسوف –يونج- تتحدث عن ظهو تقلقل في اللاشعور الجماعي ابان الازمات الاجتماعية مما يحدث اضطرابا في التوازن النفسي ... وقد يكون ظهور التيارات المتطرفة عاملا هداما للفن والمجتمع لانها تحمل مفاهيم خطيرة وشاذة كالحركات الدينية المتطرفة، ولكن سرعان ما تنكشف هذه التناقضات وتختفي لانها ولدت وهي لا تحمل مقومات الحياة ...

 ولعل الفكرة التي طرحها المفكر – ماكس نوردو- في اواخر القن التاسع عشر على ان الحياة عبارة عن - هدم وانحلال فحسب -. تبنتها هذه الجماعات المتطرفة من قتل وهدم لكل الرموز الحضارية وعبث وهلوسة في كل شئ . فعندما ظهرت الدادائية في الفن نادت بحرق المتاحف وكل ماهو ماضي، وعندما ظهرت جماعتي طالبان وداعش ذهبتا الى المتاحف والآثار القديمة فهدمتها وحولتها الى ركام وخراب ..

ويذكر الدكتور والمؤرخ حسن محمد حسن بانه ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر بعض الجماعات الفنية والادبية اطلق عليها اسم - الانحدارية – سواء كان في الشعر او الادب او الفن وقد اتخذ هؤلاء الشباب شعار التصادم مع الكنيسة والطبقة البرجوازية وكان على رأسهم تيوفيل جوتييه وشارل بودلير وكذلك بول فرلين ورامبو . وكان من مظاهر هذه الاحتجاجات هو استعمال المخدرات والحشيش والافيون والخمور وسلكوا ايضا مسالك الشذوذ والانهيار الاخلاقي .. ويذكر الكاتب الاستاذ الدكتور عفيف البهنسي ان نهاية القرن التسع عشر اتصفت بالتمرد على التقاليد الفنية القديمة والاخلاق السائدة يومذاك (ويقول جون كاسو: لقد اخذ الفنان موقف المتمرد والفوضوي والهوائي) .. كما ان جماعة الدادائية وقفوا في الحانات والملاهي الليلية والشوارع يعلنون تمردهم وسخطهم على الحياة وزيفها وقد عبروا عن ذلك عن طريق التصوير والخطاب والادب ... وهكذا فان تلك النهضة التحررية التمردية ادت بالاخير الى ظهور مفاهيم جديدة وتيارات حديثة في الادب والفن ..

 

khadom shamhod1- كان ضياء ولازال من ابرز الفنانين العراقيين وكان مبدعا ونشطا لا يكل ولا يمل من العمل وقد ساهمت اعماله الاولى في التعبير عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فكانت لوحاته الزخرفية ذات ابعاد ثورية قد تركزت على مأساة فلسطين منها (مأساة تل الزعتر 1979، صبرا وشاتيلا 1980 )، ثم (الروح الجريحة 2010، ومدينتي المحاصرة 2011.) .. وكان ضياء ذو اتجاها قوميا وكانت اعماله ترجمة لهذا التيار الثوري .. وهو غزيرالانتاج سواء كان في التزويق او الرسم او الكرافيك، حيث نجد لوحاته معلقة في كثير من المتاحف والاماكن الراقية والمؤسسات الحكومية.. كما الف الكثير من الكتب والتي طبعتها وزارة الاعلام في مرحلة الستينات . (عملي ينخرط ضمن حركة نهضة الفن العربي) .. اما اليوم فنحن لا نعرف هل ان ضياء قد تخلى عن ذلك النهج القومي السياسي ام لازال متعلقا به بعدما انكشفت لعبة الحكام القوميين العرب وفسادهم ؟؟؟؟ وقد سمعته يتحدث في معرضه الاخير في الدوحة عن المه وحزنة عما يجري في العراق من محاصصة وطائفية؟؟ ولكن لم نجد له ذكرا للارهاب والدواعش والوهابية وازلام النظام السابق ؟؟؟

134-diaa1

ولد ضياء في بغداد عام 1939، دخل معهد الفنون الجميلة للدراسة المسائية وتخرج منه عام 1962 – ثم درس في كلية الآداب قسم الآثار وتخرج منها عام 1962. بعدها عين مديرا لمديرية الآثار. انتمى الى جماعة الانطباعية التي يشرف عليها حافظ الدروبي ثم انظم الى جماعة الرؤية الجديدة عام 1969، بعدها الى جماعة البعد الواحد عام1971 التي اسسها شاكر حسن آل سعيد ...

 

2 - ضياء في لندن:

وفي عام 1976 سافر الى لندن واستقر فيها ثم عين رئيسا للمركز الثقافي العراقي في لندن ... وهناك استغل ضياء مركزه هذا فعمل على تكوين شبكة من العلاقات مع المراكز الثقافية العربية والاجنبية ورجال الفن والادب والثقافة والسياسة وخاصة مع الدبلوماسيين الخليجيين العرب مما زاد من سمعته واقتناء لوحاته وبالتالي ارتفاع اسعارها ..

وقد اخبرني بعض الاصدقاء في لندن بان ضياء كان يرفض زيارة كالري الكوفة في لندن والذي يشرف عليه المهندس المعماري الدكتور محمد مكية حيث كان هذا المكان مركزا للمعارضة العراقية ايام النظام البعثي المقبور ... ومهما اختلف الآخرون مع ضياء في مواقفه واتجاهاته الفكرية لكن لم يختلف احد من انه من ابرز الفنانين العراقيين المبدعين والمعروفين في الساحة العربية واليوم اعماله تزين متاحف العالم العربي والعالمي ومنها لوحته المشهورة –صبرا وشاتيلا- الموجودة الآن في تيت كالري في لندن ..

 134-diaa2

معرض الدوحة:

3– يقام حاليا معرضا للفنان ضياء في الدوحة –قطر – يحمل عنوان (انا الصرخة ...) ويستمر الى شهر ابريل 2017 ويحتوي على حوالي 550 لوحة تجمع ما بين الماضي والحاضر من اعماله المتنوعة في تقنياتها واساليبها - (معرض استعادي) والعنوان - انا الصرخة – يذكرنا بلوحة - الصرخة- لادوارد مونخ 1863 – والتي تعكس السأم من الحياة وعذاباتها وحالة التشرد والغربة التي كان يعيشها الفنان ؟؟ كما يذكرنا برواية - الصرخة – للكاتبة المصرية رضوى عاشور، حيث تحمل الرواية مقاطع موجعة ورسائل تشائم.. ثم نذكر رواية اخرى للكاتب الياباني كينزابورو وتسمى- الصرخة الصامتة – وهي تحكي عن حياة اليابان بعد مأساة هيروشيما ونجازاكي عام 1945، وفد قدمت الرواية ثقافة اليأس الوجودي في اليابان المعاصر.(الرواية حصلت على جائزة نوبل) .. وهناك ايضا رواية اخرى تسمى- الصرخة- للكاتب المصري محمد امين وهي تشير الى موميا وجدت في المقبرة الملكية تصرخ منذ ثلاثة آلاف سنة ولا يسمع احد بصراخها ..

و بالتالي نحن امام صرخة الم واوجاع يطلقها الفنان من خلال اعمال بصرية تعبر عن فترة يمر بها العراق تعتبر من احرج واسوأ الفترات التي مربها الشعب العراقي .. حيث الهجمة الشرسة للارهب الذي يتمثل في الدواعش والوهابية وبقايا النظام المقبور .

 

4 – التقنيات:

كان ضياء في بداية حياته الفنية يرسم باسلوب واقعي للحياة الاجتماعية العراقية بتقاليدها وعاداتها الشعبية ومتأثرا بالرواد والتراث الاسلامي الفني والاساطير الرافدية القديمة .. استخدم الحرف العربي- الحروفية – في مرحلة الستينات وكتب قصائد من الشعر الجاهلي في اعماله واصبحت تشكل احد العناصر الفنية في لوحاته حيث اخذ يتفنن في استخدامها مرة كحرف تشكيلي ومرة اخرى كحرف اعلامي . ثم انتقل الى التجريد ولكن بقت التأثيرات السابقة عالقة في اعماله مع رفدها بالتقنيات الاوربية ..ثم اخذ يتنقل من مدرسة الى اخرى ومن اسلوب الى آخر .

(عملي ينخرط ضمن حركة نهضة الفن العربي) . قد يختلف البعض عن رؤية ضياء في التطلع الى قيام فن عربي، ولا يدل بالظرورة استخدام الحرف العربي في التشكيل الى قيام مدرسة عربية فهناك فنانين اجانب استخدموا الحرف العربي في لوحاتهم مثل بول كلي .. يقول الكاتب والناقد المصري زكي محمد حسن (يكاد يتعذر وجود فن عربي انما هناك فن اسلامي) .

 

khadom shamhodآل سليم – من النادر ان نجد عائلة عراقية كل افرادها يمتهنون صنعة الفن وانهم سجلوا حضورا رياديا في تاريخ حركة الفن العراقي المعاصر . وكانت هذه الشجرة السليمية قد اثمرت رواد الحركة الفنية في العراق وهم جواد سليم، سعاد سليم، رشاد سليم، نزيهة سليم، ونزار سليم . (واسمائهم الحقيقية المركبة هي : احمد جواد، علي سعاد، محمد رشاد، فاطمة نزيهة، مصطفى نزار) – وقد وصفهم احد الكتاب (.. جميعهم يتشابهون في السحنة ... اما انوفهم فضخامتها مشهود بها، بل هي نسخة طبق الاصل مما كان يتباهى به والدهم بقوله –شم الانوف- اما اصواتهم المتدهجة المتلعثمة احيانا والضاحكة كثيرا فهي تمنح المصغين رقة وتقربا) . هؤلاء كلهم اصبحوا فنانين ومنهم درسوا في الخارج ثم عادوا ودرسوا الفن في معهد الفنون الجميلة او مدارس التربية ثم شكلوا الجمعيات الفنية واصدروا المجلات والكتب واقاموا المعارض في خارج البلاد وداخلها . وبالتالي فقد تركوا بصماتهم على حركة الفن والثقافة العراقية المعاصرة . وسجل ثلاثة من هؤلاء لهم حضورا مميزا وكبيرا في الساحة الفنية العراقيه وهم (جواد ونزار ونزيهة) . كان والدهم الحاج محمد سليم من مواليد الموصل لعام - 1883 – وهو من رواد الفن العراقي الى جانب عبد القادر الرسام .. وكان ضابطا في الجيش العثماني ثم عين مدرسا لمادة الرسم في عدد من المدراس، ورئيسا للملاحظين في وزارة الداخلية كما كان المدرس الخاص للملك غازي في تعليمه الرسم .. وكانت هناك علاقة بين عائلة سليم وعائلة الملك فيصل الاول علاقة مصاهرة عن طريق النساء . ولهذا فقد حضوا برعاية خاصة في المناصب الحكومية والبعثات الدراسية ... كما كان يلتقي بالشاعرين الزهاوي والرصافي ويزوق اشعارهم بالرسوم . كان سليم يعلم اولاده الرسم فغذاهم تذوق الفن وتعلمه وهم في نعومة اظفارهم . فاصبحت هذه الشجره يانعة الثقافة والفن وقد ساهمت بشكل مباشر في تنشيط حركة الفن العراقي المعاصر .

 

نزار سليم طاقة من العطاء:

– ولد في انقرة عام 1925، وكان نزار متنوع المواهب والقدرات وتتوزع على حقول شتى من المعرفة، فهو رسام وخطاط وكاريكاتيري وقصصاص وكاتب مسرحي ومترجم ومصمم للكتب والبوسترات . اصدر عدة كتب في مجال الفن منها الفن العراقي المعاصر بجزئيه التصوير والنحت وعدد من المجاميع القصصية والمسرحية والشعرية كما اصدر مجلة الامل ثم الصبا عام 1937. وانتخب رئيسا لاول جماعة كاريكاتيرية في العراق . اشتغل في وزارة الخارجية 1971 وعين في عدد من السفارات العراقية في الخارج . ثم عين مديرا للفنون في وزارة الاعلام .. وقد اشترك في مؤتمرات ومنظمات فنية وتشكيل اللجان الوطنية ..

– كان احد طلاب فائق حسن عند فتح معهد الفنون الجميلة عام 1939 . واحد اعضاء جماعة اصدقاء الفن عام 1941 . درس في كلية الحقوق وتخرج منها عام 1931 . اقام معرضين شخصين في بغداد اعوام 1956 و1971 . يضاف الى ذلك اشتراكه في معارض جماعة اصدقاء الفن وجمعية الفنانين العراقيين وجماعة بغداد للفن الحديث .

 

التقنيات:

كان نزار قد تأثر في اول الامر باعمال الرواد الذين تاثروا بمدرسة بغداد الواسطية وتناولوا التراث ولكن بملامح محلية ومعالجات حديثة مبسطة ومختزلة مثل لوحته – بائع الفرارات – وطيور في الحديقة – و–شاربات الشاي – اما لوحته – الفنان والمعركة – فقد جائت تقليدا للفن الحديث الاوربي من ناحية طريقة الكولاج، حيث نشاهد عدة مشاهد في اللوحة متراكبة ومتداخلة تجمع بين الاشكال التشخيصية والهندسية والزخارف وبعض الرموز والكتابات العربية، كما نرى هناك طفولة في الاعمال حيث لا تخضع الى النسب الاكاديمية . اما الالوان فنراها معتمة احيانا ويسيطر عليها اللونين القهوائي والاسود . ولم يلتزم نزار باسلوب واحد معين حيث نجد انه كثير الطرز والاساليب، وربما انشغاله في القضايا الادارية والدبلوماسية وادارة المؤتمرات واللجان الفنية جعله متغير الاساليب وقليل الانتاج مقارنة بالفنانين الرواد . علما ان غالبية الفنانين العراقيين الرواد لا يجيدون الرسم الاكاديمي، وقد حاول كاظم حيدر من اعادة الاعتبار للاكاديميات فشكل تجمعا اسماه - الاكاديميون –عام 1971 ضم كل من صلاح جياد، فيصل لعيبي، نعمان هادي، وليد شيت . ولم يدم طويى ثم انفرط .

 

بوهيمية نزار:

نزار سليم كان في بداية حياته بوهيميا متمردا وقد شكل تجمعا من الشباب اطلق عليه –- الوقت الضائع – وهم مجموعة من الشباب يجمعهم التمرد والفوضى ثم انفرط التجمع .. بعد ذلك فكر نزار بفتح مقهى في الاعظمية في ساحة عنتر عام 1948 اطلق عليها اسم – واق واق – حيث كان يلتقي مع اصحابة ويتحدثون عن الفن والشعر والادب .

 والبوهيمي هي منطقة في تشيك كان قد استوطنها او مر فيها الغجر البؤساء من الرومان . ثم دخل المصطلح الى الادب والشعر والفن في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، واتخذها بعض الفنانين والادباء كرمز للفكر الحر المتمرد الغير ملتزم بالتقاليد والاعراف، واشتهر منهم هنري موجيه حيث اصدر مجموعة قصصية اطلق عليها – مشاهد من حياة البوهيمية – عام 1845 – وفكتور هيجو وروايته المعروفة – البؤساء – الذي اصدرها عام 1862 . وكان يتحدث فيها عن الشباب الفرنسي وحياتهم البوهيمية الضائعة والفوضوية. في هذه الفترة اصدر نزار اول مجموعة قصصية له وهي – اشيا تافهة – ثم اخذ يصدر بعد ذلك عدد من الكتب في المسرح والفن والشعر . ولازال له الكثير من المؤلفات غير مطبوعة .. توفى نزار عام 1982 في بغداد اثر نوبة قلبية ودفن الى جوار اخيه جواد 

 

khadom shamhodاللون الاسود من الالوان الاساسية في الفنون التشكيلية ويعبر عنه بانه ملك الالوان والسبب في ذلك لانه حصيلة امتصاص جميع الالوان الاساسية وبالتالي فالاسود ليس لونا .. ولهذا فان الدارسين لعلم الفيزياء يذكرون بان الاسود لا وجود له في الطبيعة .. فالوان الطيف الشمسي هي سبعة معروفة (الاحمر، الاصفر، الازرق، الاخضر، البرتقالي، البنفسجي، النيلي) وبالتالي لم نجد بينها اللون الاسود مستقلا .. وقد استخدم اللون الاسود في الفنون التشكيلية الى جانب الالوان القوية الحارة لانه لا يقبل الالوان الباهته . كما هو عند ماتيس صاحب المدرسة الوحشية او عند تكوينات موندرياني التجريدية ..

سالم الدباغ واحد من الفنانين الذين استخدموا اللون الاسود بشكل واسع حيث شكلت المربعات والمستطيلات والمثلثات عناصرا رئيسية في سطح لوحاته الى جانب الفضاء الواسع الابيض. ولم نجد فيها بارزا غير اللونين الاسود والابيض . مع بعض الاشكال الرمزية الغامضة وكأنها اشكال انسان معلق مثل لوحتيه – سقوط في الفضاء و– شخصان داخل مربع - كذلك استخدم الدباغ في تقنياته الكولاج ومواد اخرى متنوعة ومختلفة .. وتشعر عند النظر اليها بالحدية واليبوس والحزن . فاللون الاسود في نظر البعض هو الظلام والموت والمأساة .. وقد استثمر الدباغ طاقة اللون الاسود ووظفها بتقشف واختزال صوفي رمزي .. فاللون الاسود له طاقة مدمرة وله تفسيرات شتى على مر العصور واذا قرأنا (مثيولوجيا) الشعوب القديمة نجد له معاني وتأويلات كثيرة .. مثلا اعتبروا الغراب الاسود رمزا للشؤم بسبب قصة الغراب عندما قتل صاحبه ودفنه، امام حادثة قتل هابيل لقابيل المعروفة ..

1127-salim1

 

و قد اتخذت بعض الحركات الثورية اللون الاسود شعارا لها، فعندما قامت الحركة السرية العباسية امر ابو مسلم الخرساني اتباعة بلباس اللون الاسود ثم اتخذه الخلفاء العباسيون شعارا لهم فتزين به الحكام والقضاة والامراء والعسكر وغيرهم، وقيل انهم اتخذوه شعارا للثأر من مقتل الحسين –ع- وبالتالي اصبح الذوق العام في المجتمع هو اللون الاسود ..

(قل للمليحة ذات الخمار الاسود - ماذا فعلت بزاهد متعبد)

كما ورد ذكر اللون الاسود في القرآن الكريم (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (ظل وجهه مسود وهو كظيم) وفي كل ذلك اشارات الى الكآبة والحزن ..

 ومن جانب آخر وجدت في بعض المجتمعات المعاصرة ان العريس وعروسته يوم الزفاف يرتديان الزي الاسود كما هو في منطقة اكستريمادورا في بلاد الاندلس .. كما وجدت ان النساء الكبار في العمر (العجائز) يفضلن ارتداء الملابس السوداء ربما يوحي ذلك بالوقار والهيبة والاحترام . واحيانا نرى المراسيم الرسمية والملكية سوداء رمزا للقوة والثقة . وهي تقاليد عبرت الينا من بني العباس وبني هاشم ولا زالت بعضها تمارس . وهكذا نجد انفسنا امام لون له معاني ورموز كثيرة وحسب تقاليد الشعوب وثقافاتها .

 1127-salim2

التجريد عند الدباغ

منذ سنة 1958 عندما كان يدرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد كان الدباغ ميالا للفن الاوربي الحديث وكان معجبا بالفنان الايطالي مودلياني 1884 حيث كان يختزل شخوصه ومفردات لوحاته ويعمل على التسطيح . وفي مرحلة الستينات انتقل الدباغ الى فن التجريد عندما كان طالبا في اكاديمية الفنون الجميلة وبرزت اعماله التجريدية من خلال مشاركاته في معارض جماعة المجددين عام 1965 وكان احد اعضائها ..

اعمال الدباغ ذات اشكال هندسية رياضية معمارية تذكرنا بنظرية فيثاغورس حيث يقول ان الجمال هو عنصر رياضي، فهي اعمال ذهنية . كما تذكرنا باعمال الفنان، والنحات الاسباني جييداChillida 1924 حيث يرسم سلسلة من المربعات المترابطة ذات اللون الاسود ..

في عام 1969 حصل الدباغ على منحة دراسية من مؤسسة كولبنكيان لدراسة الحفر في لشبونة – البرتغال – وعادة ما يستخدم اللون الاسود في الحفر بشكل رئيسي مثل حفريات غويا السوداء التي تسمى – النزوات - وهنا وجد الدباغ ضالته وما كان يبحث عنه في بلاد الغرب فعمق تجربته ونورها برؤية فلسفية على اعتبار ان العالم من وجهة نظره في اصله مادة سوداء ثم سلط عليه الضوء فاصبح مرئيا ..

(تسجيل الاحداث ليس مهمتي، لم ارسم مقتل انسان ولم ارسم بناية تحترق ..) (شخصيا اعتبر كل الموروث الانساني ملك لي ولا اقصد به الموروث الوطني او القومي .. استعمل الكثير من الفنانين التراث كطوق نجاة .) . (في الحفر اعتمد على الخطوط القوية المتداخلة والمتقاطعة التي تملئ مربع الورقة تماما وهذا التداخل يبدأ من الداخل وينتهي بحافة المربع مع الاعتماد على الابيض والاسود .. في الحفر لدي خبرة جيدة فيه.. واستطعت ان احقق من خلاله ما لم احققه في اللوحة ولكن اللوحة اغنتني عن الكرافيك ..)

سالم الدباغ ولد في الموصل عام 1941، تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1961 واكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1965 . قام بعدة معارض شخصية وجماعية واشترك مع معارض جماعة المجددين وكان عضوا فيها، وكذلك مع معارض جمعية الفنانين العراقيين .. حصل على زمالة دراسية الى لشبونة لدراسة الحفر . .

يعتبر سالم الدباغ وفرج عبو من اوائل الفنانين العراقيين الذين طرقوا باب التجريد، علما ان الاثنين من مواليد مدينة الموصل الحدباء .

 

د. كاظم شمهود

 

khadom shamhodان المتتبع لانتاج الافلام السينمائية الروائية حول حياة بعض الفنانين المشهورين والمعروفين عالميا يجد بعض منها متفقا مع حقيقة حياتهم والآخر مبالغا او مزينا لها، ومنها قويا وفاعلا ومؤثرا خاصة حينما يمتزج الخيال والابداع السينمائي مع التصوير الفني حيث يفسحان المجال امام الوجدان للتعبير عن الانفعالات النفسية والعاطفية .. فالمواقف التي يظهرها الممثلون في الافلام، تشبه الى حد ما المواقف التعبيرية التي يرسمها الفنان في لوحاته، وصاحب الكامرة الذي يصور الممثلين في الوانهم وحركاتهم الانفعالية، نجدها ايضا عند الفنان عندما يرسم الانسان او الطبيعة بحركتها والوانها وجمالها وعذوبتها، وبالتالي فاننا نجد انفسنا امام لحمة فنية ولغة مشتركة بين التصوير والسينما ..

قبل فترة شاهدت فلما عن حياة الفنان الاسباني فرانثيسكو غويا Goya حيث يتحدث عن الفترة المظلمة الاخيرة من حياته والتي تنحصر بين اعوام 1792 و1809، كما يتحدث عن آخر ايام محاكم التفتيش المرعبة في اسبانيا وكذلك الاحتلال الفرنسي لاسبانيا عام 1808 . الفلم يحمل عنوان – اشباح غويا –Los fantasmas de Goya - وهو انتاج اسباني امريكي مشترك ظهر عام 2006 .

 1120-khadom1

 1- غويا وموديلاته .. يبدأ الفلم بعرض بعض اعمال غويا امام اعضاء محكمة التفتيش والتي كانت تمثل نقدا لاذعا عن حياة رجال الدين وفسادهم المالي والاخلاقي وهي لوحات خيالية سريالية يطغي عليها عالم الاشباح والسخرية .. هذه الاعمال عبارة عن حفريات (كرافيك) اطلق عليها اسم – النزوات – وكان احد القساوسة صديقا لغويا استطاع من الدفاع عنه امام محكمة التفتيش وتبرئته .. وفي نفس الوقت كانت هناك فتاة جميلة انيقة تتردد على غويا باستمرار كموديل، فيرسسمها برومانسية حالمة وعاشق ولهان، وقد اعتبرها احد آلهات الحب والشعر التي توحي اليه بالخيال والجمال . وفي يوم من الايام تختفي هذه الفتاة، حيث تقع في يد محاكم التفتيش بتهمة انها يهودية لانها لا تأكل لحم الخنزير . ويحكم عليها بالسجن 15 سنة .. غويا يصاب بالجنون فيبحث عنها في كل مكان، واخيرا يتوسل بصديقه القس لمعرفة مصير الفتاة .. القس يزور الفتاة في السجن ويطلب منها ان تصلي معه ثم يغويها ويعمل معها الفاحشة ...

 

2 - محاكم التفتيش

1120-khadom2كان دخول الفرنسيين الى اسبانيا عام 1808 نهاية محاكم التفتيش، حيث أمر جوزيف بونابرت اخو نابليون بالغاء محاكم التفتيش ومصادرة املاكها وسجلاتها وخلع ملك اسبانيا فرناندو السابع ثم ذهب نابليون فاعتقل البابا بيوس السابع وصادر السجلات البابوية وحبسه في فونتبلو ثم اطلق سراحه عام 1814 . . وبذلك اغلق التاريخ دفتره على واحد من اسوء الحقب التي عرفها العالم وقد احرقت واضطهدت في تاريخها الطويل مئات الالوف من الضحايا من بينهم اشهر المفكرين والعلماء . وكانت محاكم التفتيش تطارد المسلمين واليهود والبروتستانت وتتهمهم بالهرطقة اي الالحاد وتحرقهم في الساحات العامة . وقد بدأت عملها عام 1480 وانتهت بمجيئ الثورة الفرنسية ودخول جيوش نابليون الى اسبانيا عام 1808 ..

بعض التقارير الفرنسية تعطي وصفا دقيقا لقصر محكمة التفتيش في مدريد حيث سمعوا انينا تحت البلاط ولما نزلوا وجدوا بعض الضحايا احياء يعيشون على لحم زملائهم الموتى ..

اليوم نحن نرى تشابها كبيرا بين الجماعات التكفيرية من وهابية وداعشية وسلفية متحجرة وبين ذلك التاريخ الاسود لمحاكم التفتيش . فتلك الجماعات هي نفسها اليوم تعود بلحمها وجلدها وفكرها من جديد لتحرق وتذبح وتبيع وتغتصب النساء وتشرد الملايين من الناس باسم الدين والدين براء منهم ..

 

3- غويا الاطرش

عاش غويا احداث مأساوية مرعبة في آخر حياته ومن خلالها فقد سمعه فاصبح يخاطب الآخرين بالاشارات .. حيث عاش فترة محاكم التفتيش وعبثها وتفرعنها وحبسها لانفاس الناس، وشاهد بام عينيه كيف تحرق الناس في الساحات العامة وكيف يساق المذنبين الى المحاكم بحجة عدم اكل لحم الخنزير او ما شاكل ذلك .. ثم شاهد دخول الفرنسيين حاملين معهم شعارات العلمانية وفصل الدين عن السياسة وعبثهم في البلاد واعدامهم للقسيسين وحرق الكنائس .. كل هذه الاحداث رسمها غويا في لوحات كبيرة منها لوحة- 3 دي مايو 1808- و- 2 دي مايو 1808– كما رسم مجموعة – النزوات - التي ذكرناها سابقا والتي تهاجم رجال الدين وتفضح فسادهم . وكادت هذه المجموعة تحمله الى مقصلة محاكم التفتيش. وكانت احداث الفلم تنتهي بالقضاء على محاكم التفتيش واطلاق سراح السجناء ومنهم الفتاة التي قضت 15 سنة في السجن وكان غويا يعشقها ويحبها ولكنها خرجت هذه المرة نحيفة مشوهة ذابلة لم يرى منها غير الهيكل العظمي وقد اصيبت بالجنون . فوقف غويا ينظر اليها بألم وحسرة دون ان ينطق بشئ، والى الفوضى العارمة التي حلت في اسبانيا، ثم يقرر الهجرة الى فرنسا، وبقى هناك حتى وفاته عام 1828... (لقد قرأت عن حياة غويا وكتبت عنها الكثير ولكني لم اجد ان في حياته يصادق فتاة من اصول يهودية وانها تسجن بسبب رفضها اكل لحم الخنزير . فاعتقد ان هذه القصة مختلقة ومن اظافات صاحب السيناريو) .

 

jamil hamdaouiتمهيـد: حققت السينما الأمازيغية المغربية تراكما ملحوظا كما وكيفا. وقد انطلقت في سنوات التسعين بتقنيات بسيطة لاتتعدى أفلام الفيديو، لتفرض نفسها - فيما بعد- في الساحة الإعلامية والسينمائية، ولاسيما بعد خطاب أجدير التاريخي في17 أكتوبر 2001م الذي أعطى الشرعية  والانطلاقة الأولى للخطاب الأمازيغي ذي البعد الهوياتي. كما تقوت هذه السينما، بشكل فعلي، بعد تدشين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي ساهم، بدوره، بشكل من الأشكال، في انطلاق هذه السينما لكي تحقق تراكمها الفني والجمالي.

وقد غزت الأفلام الأمازيغية الأسواق الوطنية والدولية، وأصبح لها جمهورها الخاص، بعد تدشين القناة الثامنة التي تعنى بعرض الأفلام الأمازيغية في مختلف لهجاتها الثلاث. وقد حققت الفيلموغرافيا الأمازيغية أكثر من (200) فيلم في مختلف أنواعه: الفيديو (الفيسيدي VCD والديفيدي DVD)، والأفلام التلفزية، والمسلسلات، والأفلام السينمائية القصيرة والطويلة، والأفلام الوثائقية...

وقد عرفت السينما الأمازيغية أيضا مجموعة من المخرجين الذين أخرجوا مجموعة من الأفلام، سواء في منطقة الريف، أم في منطقة سوس، أم في منطقة الأطلس المتوسط، ومن هؤلاء:  الحسين بيزكارن، ومصطفى الشعبي، وأكسل فوزي، ومحمد أمين بنعمراوي، وحميد عزيز، ومحمد مرنيش أوطالب، ومحمد العبازي، وفاطمة بوبكدي، وحمد بايدو، ورشيد الهزمير، ومحمد بوزكو...

هذا، ويعد مصطفى الشعبي المؤسس الحقيقي للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية، وقد استطاع أن يبلور سينما تتخذ من منطقة الريف بيئة للتصوير السينمائي، أو موضوعا جديرا بالتخييل والحكي والمعالجة الدرامية.

إذاً، ما أهم الإنجازات التي حققها مصطفى الشعبي في مجال السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية؟

 

المبحث الأول:  التعريف بمصطفى الشعبي

ولد مصطفى الشعبي في مدينة العرائش في 24 مارس 1961م، وهو من جذور أمازيغية ريفية. ويعتبر مصورا ومخرجا سينمائيا، وصاحب شركة (أسماء فيلم) التي أسسها مع زوجته أسماء الغلبزوري في مدينة تطوان بغية إنتاج أفلام الفيديو والسينما، مع توزيعها في الداخل والخارج، ولاسيما أن هذه الأفلام تجد إقبالا لانظير له من قبل الجالية المغربية خارج الوطن .

وقد أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام التلفزية والوثائقية والسينمائية التي كانت لها صدى كبير محليا ووطنيا ودوليا، مثل:  الفيلم الوثائقي عن عبد الكريم الخطابي، والفيلم الوثائقي عن المهاجرين الأفارقة الذين يتطلعون إلى الضفة الأخرى عبر الحدود  كما في فيلم (الحلم الوحيد)....

وقد شارك في تصوير مجموعة من الأفلام الوطنية والدولية، مثل: فيلم (وبعد) لمحمد إسماعيل، وفيلم (شاي في الصحراء) للمخرج برناندو بيرتولوشي(Bernando Bertolutchi)، والفيلم الأمريكي (الكنز)، وفيلم ( أسرار الصحراء) للمخرج ألبرتو نيكرين (Alberto Negrine)، وفيلم ( لماذا أفغانستان؟). علاوة على أفلام أخرى إسبانية وأمريكية...

كما شارك بأفلامه في مهرجانات سينمائية متميزة، مثل: مهرجان تطوان، ومهرجان طنجة، ومهرجان أكادير، ومهرجان كارفينو بإيطاليا، ومهرجان مالمو السوسيدية، ومهرجان سيرفينيا الإيطالي الذي فاز فيه فيلمه الوثائقي ( الحلم الوحيد) بالجائزة الكبرى... ويعد مصطفى الشعبي كذلك  رئيس جمعية (الورشة السينمائية) بتطوان.

وعليه، يعتبر  مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية منذ 1996م، حينما أخرج فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)، بعد ست سنوات من ظهور أول فيلم أمازيغي  سوسي سنة1990م بعنوان (تامغارت ن- وورغ/امرأة من ذهب)، ومن إخراج الحسين بيزكارن. ولم يوزع هذا الفيلم  السوسي و يسوق داخليا إلا في سنة 1991م. ويعني هذا أن السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية هي سينما حديثة العهد، وقد بدأت بأفلام الفيديو  أو أقراص الفيسيدي(VCD) التي انتشرت كثيرا في سنوات التسعين من القرن الماضي لتصبح صناعة تقنية وإلكترونية معقدة، بعد مرحلة الهواية والتجريب والبحث عن الهوية والذات .

ولم يكتف مصطفى الشعبي بإخراج الأفلام الأمازيغية فقط، بل أخرج مجموعة من الأفلام باللغات الأخرى، كالاعتماد على الدارجة المغربية كما في فيلم (القدس...أبنادم !)، وفيلم (زينب)، وفيلم (الحلم الوحيد)، وفيلم (أصدقاء الجنرال فرانكو- ريكولاريس...)، وفيلم (دائرة الطمع)...

 وأكثر من هذا فقد قام بدبلجة فيلم (كنوز الأطلس) للمخرج الكبير محمد العبازي بأمازيغية الريف.

وقد فاز المخرج بعدة جوائز، مثل : الجائزة الكبرى عن فيلمه الوثائقي (الحلم الوحيد) في مهرجان سيرفينيا الإيطالي، وكذلك عن فيلمه التربوي القصير (زينب) الذي نظمته جمعية التواصل الثقافي للمسرح والسينما بالدار البيضاء ما بين 12 و14  ماي 2006م، بشعار (السينما والتربية المدرسية). ويتحدث ذلك الفيلم التربوي عن تلميذة مجدة في العاشرة من عمرها، تغيبت عن المدرسة فجأة، فتفقدها مدرسوها وزملاؤها. والسبب في ذلك هو الحجاب الذي فرض عليها من قبل أخيها ...

 

المبحث الثاني:  فيلموغرافيا مصطفى الشعبي

أنتج مصطفى الشعبي أكثر من اثني وعشرين فيلما، سواء أكان ريبورتاجا تسجيليا، أم فيلما وثائقيا، أم فيلما دراميا...وما يهمنا في هذه اللائحة الفيلموغرافية الطويلة التوقف فقط عند الأفلام الأمازيغية  على النحو التالي:

 

المطلب الأول: فيلم (موش ذي رميزان/ القط في الميزان)

يعد أول فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرجه مصطفى الشعبي سنة 1992م، وقد مثل فيه كل من الصحافي والإذاعي أحمد التعتمانتي، والممثلة الحسيمية أسماء الغلبزوري التي تعد أول ممثلة سينمائية في منطقة الريف. والفيلم من إنتاج أسماء فيلم، وقد وزع هذا الفيلم الدرامي في الداخل والخارج، وبالضبط من قبل شركة (كونفوريستا/ Conforesta ) الإسبانية. ويتحدث هذا الفيلم عن الخرافة في المجتمع الريفي.

 

المطلب الثاني:  فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)

يعد هذا العمل ثاني فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرج هذا الفيلم مصطفى الشعبي سنة 1993م، كما تولى بنفسه كتابة السيناريو. وقد ورد هذا الفيلم في شكل شريط فيديو (VCD) . و يتحدث الفيلم عن الهجرة السرية إلى الضفة الأخرى، ولم تكن تلك الهجرة سوى سراب زائف، وحلم واهم؛ لأن كثيرا من القوارب قد انتهت بالغرق والموت وخداع المهاجرين السريين. ويعني هذا أن هذا الفيلم الدرامي عبارة عن مقاربة اجتماعية ودرامية لأوضاع المنسيين والمهمشين في منطقة الريف. وبالتالي، فهو تصوير صادق للمعاناة الإنسانية التي يمر بها المهاجر السري، ويستعرض مختلف المكائد التي يتعرض لها.

وهذا الفيلم من بطولة عمر فهمي وأسماء الغلبزوري، وقد التقطت مشاهد هذا الفيلم في منطقة الريف وضواحي الشمال المغربي. أما الموسيقا التصويرية، فهي للفنان الأمازيغي الريفي وليد ميمون.

 

المطلب الثالث:  فيلم (ءاشعاب ذ-  ءوشان/ الذئب والثعلب)

يعد هذا الفيلم الكوميدي الفيلم الثالث الذي أنتجه المخرج مصطفى الشعبي، بحوار الحسن عفيف، وقصة أسماء الغلبزوري . وهو بمثابة تمثيلية، أو سكيتش فيديو، وقد أخرجه صاحبه سنة 1998م. وقد أشر عليه المركز السينمائي المغربي  بالرباط سنة 1997م، برقم:54. والفيلم من بطولة أسماء الغلبزوري، وعفيف الحسن، ومحمد بنعماري. وهو كذلك من إنتاج شركة أسماء فيلم.

 

المطلب الرابع:  فيلــــــــم (حمادي)

أخرج هذا الفيلم الأمازيغي الريفي مصطفى الشعبي سنة 1996م. وهو عبارة عن فيلم فيديو درامي، يتحدث عن قضية اجتماعية تعكس الواقع المغربي، تتمثل في طالب شاب عاطل ومجاز، يبحث عن العمل الذي يصون آدميته، فيتجه إلى الشركات لعله يجد عملا يحفظ كرامة وجهه. لكنه يعود بخفي حنين.وأكثر من هذا فقد توفي أبوه، وتزوجت أخته، وبقي وحيدا، فضاقت عليه السبل، فاختار الهجرة السرية حلا للتخلص من الورطة التي يعيش فيها. ويلاحظ أن هذا الفيلم عبارة عن شريط فيديو (VCD). وقد كتبت زوجته أسماء الغلبزوري سيناريو العمل.

 

المطلب الخامس: أفلام سينمائية متفرقة

أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام  الكوميدية والوثائقية المتنوعة منها:  فيلم (أمازيغ) سنة 1999م، في شكل فيلم فيديو درامي. وأنجز أيضا أول فيلم وثائقي تاريخي عن أسد الريف بعنوان (محمد بن عبد الكريم الخطابي)، وهو من إنتاج التلفزة الهولندية سنة 1994م. كما أخرج فيلم  (إمطاون / الدموع ) سنة 1995م. وأخرج كذلك الفيلم الكوميدي(أغندف توذارث)، إلى جانب أفلام أخرى كفيلم (الرايس أوشن)، و فيلم (الدكتور بوسحاسح)، و فيلم (بوليس ميغيس) الذي تعود بطولته إلى الممثل الريفي فريد أمغار، و حسن عفيف، و أسماء الغلبزوري، وآخرين... وقد وزعت هذه الأفلام كلها وطنيا و خارجيا.

ومن المعلوم، الآن، أن مصطفى الشعبي بصدد إخراج فيلم بعنوان (إيزري ن - تمورث /أنشودة الأرض) الذي يعد أول شريط سينمائي ناطق بالريفية . أما كتابة الحوار والسيناريو،  فهو للسيناريست الأمازيغي الريفي الدكتور جمال أبرنوص. والفيلم عبارة عن دراما اجتماعية في قالب حكائي مأساوي، يرصد العلاقة المتينة بين الإنسان وأرضه، واستجلاء مختلف التحولات التي طرأت على هذه العلاقة الارتباطية إيجابا وسلبا، ولاسيما بعد الانتقال من البادية إلى المدينة.

ويستعرض الفيلم أيضا حكاية طفل ريفي يتيم ورث عن أبيه ضيعات فلاحية كثيرة، غير أن عمه سلبه إياها بغية استغلالها لمصلحته الشخصية. وفي هذه اللحظة بالذات، سيكون الطفل مجبرا على الهجرة إلى المدينة ليستغل مجددا من قبل رب العمل.

وسيعهد تشخيص الأدوار السينمائية في هذا الفيلم إلى مجموعة من الطاقات المسرحية الواعدة بالمنطقة الشمالية. إضافة إلى أسماء وازنة أخرى معروفة في الساحة الفنية على الصعيد الوطني.

وخلاصة القول، يعد مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية بمنطقة الريف منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بكل جدارة واستحقاق. وقد ركز كثيرا على المواضيع الدرامية الاجتماعية، مثل: الأرض، والتاريخ، والتربية، والهجرة السرية، والاستغلال، والظلم الاجتماعي، والسحر، والخرافة، والشعوذة... كما تناول قضايا واقعية شائكة في قالب كوميدي ساخر. دون أن ينسى هذا المخرج قضايا الأمة الجديرة بالتناول كقضية القدس على سبيل التمثيل ليس إلا.

وقد وظف كذلك مجموعة من اللغات على مستوى الحوار، مثل: الأمازيغية، والدارجة، ومزيج من اللغات الأجنبية...