حيدر فوزي الشكرجي
سامي جواد كاظم
آمال عواد رضوان
ا. د. فاروق مواسي
د. صادق السامرائي

فلسفة الفن وعلاقتها بميلاد الجمالية

alsadiq alsadiqialemari

الجمال أحد الأسس الثلاثة التي قامت عليها منظومة القيم الخالدة؛ وهي الحق والخير والجمال، والإنسان دائما يسعى بفطرته إلى إشباع رغبته في التذوق الجمالي في كل شيء، فهو دائم البحث عن الجميل، وإذا وجده انتقل إلى ما هو أجمل منه في سلم الجمال، وليس للأمر حدود. فالإنسان دائما يحرص على أن يرى الأشياء الجميلة، ويسمع الأصوات الجميلة، ويلمس كل جميل ويحسه ويتذوقه، كما يحاول أن يظهر بالمظهر الجميل، وهو لهذا يقف أمام المرآة زمنا طويلا يصلح من شعره، ويتأمل وجهه وهندامه، كما يبحث عن الجمال في السكن والأكل والشرب، حيث يزين بيته، ويتفنن في عرض طعامه وشرابه. نستطيع أن نقول إن الإنسان يميل بطبعه إلى الجمال.

والجمالية لم تنشأ نتيجة اتفاق معين، أو إجماع محدد، وإنما جاءت نتيجة مسار طويل وتراكمات عديدة، من خلال محطات تاريخية غنية، وفي كل محطة تتولد وتنضج أفكار وقناعات معينة لدى الباحثين والمفكرين والفلاسفة على وجه الخصوص، لها علاقة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، والتي تدخل بشكل مباشر في بناء الفن والعمل الفني وتمظهراته الجمالية.

فمنذ العصر اليوناني وصولا إلى العصر الحديث، مرورا بالعصور الوسطى وعصر النهضة، عرفت الجمالية مجموعة من التحولات والتلوينات منها من يختفي، ومنها من يتولد، ومنها من يظهر من جديد. وحتى بعد ولادتها، أي الجمالية، في منتصف القرن الثامن عشر استمر الجدل والنقاش حول المفاهيم التي تؤسس لها والتي لها علاقة بالمحسوس والذوق والمخيلة....، حيث بدلت جهود كبير من أجل تجاوز ما كان سائدا من قبل حول السيطرة التامة للعقل في جميع المجالات.

 لكن لكي نكون منصفين، لم يقتصر الفن والجمال على الموضوعات الفلسفة بالمعنى الحصري والمنهجي للكلمة، بالرغم من أن الفلسفة اعتبرت أم العلوم منذ نشأتها، حيث كان الأدب حاضرا بشكل كبير في اهتمامات الفلاسفة، وقد كان الفيلسوف شاعرا وفنانا وموسيقيا وكاتبا وقصاصا...وبالتالي يظل الفن والجمال في علاقة وطيدة مع الأدب من خلال ما تعكسه النصوص الشعرية والنثرية والقصصية...، من حيث اللغة، والفكرة أو الموضوع، وأسلوب الكاتب أو السارد، والرسالة الفنية بكل جمالياتها.

مما يدفعنا لطرح مجموعة من الأسئلة نذكر من بينها: ما معنى الجمالية؟ وما علاقة الفن بالجمال؟ وهل هناك إمكانية لنحدد بدقة العناصر الجمالية في العمل الفني؟ هل يمكن فصل الموضوع الفني عن السياق الثقافي؟ وهل يمكن أن نفكر في الإنتاج الفني الإبداعي انطلاقا من وظيفته التأثيرية فقط؟ هل بمقدورة العمل الفني أن يطرح قضايا نظرية تتجاوز التفكير في غايته الإنتاجية، إلى تدارس ومناقشة إشكالات لها علاقة بهذا العمل ومحدداته؟

إن الحديث عن الجمالية يدفعنا أولا إلى الحديث عن الفن، على اعتبار أن الجمالية تستمد جذورها التاريخية من سيرورة الفن والعمل الفني، ذلك لأن ″الجمالية بقيت في الغالب متكتمة حيال الفن الذي هو في طور التشكيل، ومتحفظة أمام الأعمال الجديدة، ميالة في الغالب إلى الاهتمام بالأعمال الإبداع الفني المعترف بها، والمقر بوصفها من الأعمال الخالدة، بدل أن تتحدث عن قيمة الأشياء الجديدة،....يعود هذا الحذر، واقعا، إلى بدايات الجمالية الفلسفية″[1].

فقد عرف موضوع الفن والعمل الفني والجمال، منذ البدايات الأولى، جدلا كبيرا منذ الفترة اليونانية، حيث ارتبط لفض الفن art بالأعمال اليدوية والمعمار والشعر والموسيقى والنحت والتصوير وغيرها، وتعددت الأفكار والاتجاهات حول الفن وطبيعته وموقعه ونوعية رسالته من خلال نظرية محاكاة الطبيعة، وهو الأمر الذي أكده ″مارك جيمينيز″ في كتابه (ما الجمالية؟) بقوله: أن لفظ الفن (art)-الوارث منذ القرن الحادي عشر لأصله اللاتيني (ars)، والدال على : نشاط ومهارة- لا يعين في الغرب، حتى القرن الخامس عشر، سوى مجموعة الأنشطة الموصولة بالتقنية، والمهنة، والخبرات، أي بمهام يدوية في صورة أساسية.[2]

 فمن الفلاسفة من اعتبر الفن ومنه الشعر وهم وزيف وتشويه، لأن الفنان يقلد الطبيعة، العالم الحسي المتغير الخالي من الحقيقة، في مقابل عالم المثل، عالم المعقولات، المجرد الثابت الذي يغير ولا يتغير، هو أفلاطون الذي طرد الفن، ومنه الشعر، من جمهوريته إلا الشعر التمثيلي لأنه، في نظره، يمجد بطولات الآلهة ويغرس القيم والمبادئ ويعبر عن الحقيقة. فبالنسبة له الفن يبعد عن عالم المثل بمقدار درجتين، أي محاكاة الطبيعة التي هي محاكاة لعالم المثل.

أما أرسطو، صاحب كتاب ″فن الشعر″، انتقد أفكار أفلاطون مشيرا إلي افتقارها إلي الواقعية ويرى أن التناسق والانسجام والوضوح هي أهم الخصائص التي تميز الفن الجميل،  وهي خصائص موضوعية يمكن تلمسها في الأشياء والموجودات من خلال نسبها وأحجامها وتناسقها. كما يري أن هناك جمالا حقيقيا في العالم، وهو مصدر وعينا الجمالي واعمالنا الفنية، والفن في رأيه محاكاة تنشأ عن ميل الإنسان الفطري إلى التقليد وميله إلي تحقيق الإيقاع بما يبعثه من متعة.

و في العصور الوسطى تمثل الجمال الفني في كل ما يوحي بالحقيقة الروحية، حيث كان الفن خاضعا لسيطرة الكنيسة منذ انقسام الإمبراطورية الرومانية حتى عصر النهضة، ولما كانت الطبيعة تكشف عن العناية الإلهية فقد وجد فلاسفة العصور الوسطى سواء عند القديس ″أوغسطين″ والقديس ″توما الأكويني″ أو غيرهما على التوحيد بين الجمال والتناسب والنظام الذي يرضي الحس والعقل ويوحي بالتأمل في عظمة الخالق. فمظاهر العمل الفني عند المبدعين المسيحيين، تجلت بصورة عامة في الارتباط الروحي بالحياة الأخرة. ومن أهم الفنون التي ازدهرت خلال هذه الفترة نذكر : الفن البيزنطي والفن الرومانسكي والفن القوطي والفن القبطي...الخ. وقد ˝عرف القديس توما الأكويني الجميل على أنه «ذلك الذي لدى رؤيته يسر»، وأكد  أوغسطين قبله أهمية تناسق الأجزاء وتناسب الألوان في الأشياء الجميلة˝.[3]

وكان لزاما على الفن والفنان انتظار عصر النهضة وهو العصر الذهبي والفتح العظيم على الإنسانية جمعاء في جميع مناحي الحياة. ففي هذا العصر تعددت الفنون وتشعبت وأصبحت للفنان قيمة اعتبارية اجتماعية، حيث أصبح التركيز ليس على الطلبيات الفنية وكثرتها بقدر ما التركيز على كفاءة ومهارة الفنان الإبداعية، ومدى قدرته على إنتاج عمل فني بشكل جمالي. وقد بلغ الفن في هذا العصر ذروته مقارنة مع ما كان عليه من قبل، ″لقد سادت نظرية المحاكات التفكير الجمالي والنقدي، خلال عصر النهضة، بفضل التأثير الذي أحدثه كتاب″الشعر˝ عندما ترجم عن اليونانية عام 1498م، وكشف فيه أرسطو عن وظيفة الفن، على اعتبار أنه تقليد للطبيعة في تسامي، فليست مهمة الفنان، ومن هذا المنطلق، تقف عند حد نقل المظهر الحسي للأشياء، والموضوعات كما هي عليه في الواقع، بل يتعدى ذلك ليصل إلى خلق صورة أو نموذج يخضع للقوانين الطبيعية″.[4]

فعصر النهضة هو العصر الذي تحول فيه الفنان من دور الرمزية الميتافيزيقية إلى تصوير العالم التجريبي بطريقة أكثر وعيا، وبهذا كانت الآراء العلمية عن الطبيعة والإنسان قد وجدت طريقها إلى محتوى الفنون، حيث أصبحت المعرفة عقلية وتجريبية، وأصبح الموضوع الجمالي بمثابة كشف عن ملامح الواقع، وقد اتحد تركيبه مع محتواه. ˝إذا كان الفن في العصور الوسطى انعكاسا لتعاليم الكنيسة، وتعبيرا عن ذوق الطبقة الإقطاعية، نجد فن عصر النهضة متشبعا بالمفاهيم التي تدور حول الإنسان والقيم الإنسانية˝، وبالتالي أصبح للفنان في هذا العصر مكانة متميزة، حيث أبدع في صنع الفن والجمال، وأصبحت صورته أكثر تعقيدا بل متعددة الجوانب، وأصبحت حياة الإنسان الروحية أكثر اكتمالا.

وقد ارتبط ظهور الجمالية Aesthetica ، في القرن الثامن عشر، بإصدار كتاب ″اليكسندر بومغارتن˝ بعنوان ″الجمالية‟ عام  1750م، الذي حاول من خلاله وضع أسس علم الجمال كعلم جديد، عين له موضوعا داخل مجموعة العلوم الفلسفية، في تجاوز لما كان يعرف من قبل بفلسفة الفن أو فلسفة الجمال. علم الجمال أو الاستاطيقا علم حديث النشأة انبثق بعد تاريخ طويل عتيق من الفكر الفلسفي التأملي حول الفن والجمال، وبهذا المعنى يعد علما قديما وحديثا في والوقت نفسه. و″أصبح هدف هذا العلم محاولة وصف وفهم وتفسير الظواهر الجمالية والخبرة الجمالية″[5]. فاليونانيون لم تكن لديهم معرفة في ذاته ولذاته، ولكن كانت اهتماماتهم بالفن من حيث علاقته بالخير أو دلالته على الحقيقة. فان مجال الاستيطقي the Aesthetic هو منطقة من البحث كانت ممتعة وخصبة عند اليونان، ليس لأنهم لم يعرفوا هذه الكلمة وإنما أيضا لأنهم لم تكن لديهم كلمة مرادفة لمفهوم الفن الجميل.

توصل بومغارتن بواسطة الفكر، أن هناك نوعا خاصا من النظام والإتقان لا يخضع بشكل كلي للإدراك العقلي. فإذا كان العقل يدرك ويفسر الموجودات تفسيرا منطقيا ومجردا، فهناك في المقابل ظواهر أخرى مؤثرة في النفس البشرية يصعب تفسيرها، لكنها، مع ذلك، تستحق اهتمام وتقدير الفلاسفة. فإدراك الجمال يعتمد على الأحاسيس الفردية والذاتية التي يصعب أن نصوغ حولها أحكاما عامة ومتفق عليها، لكنها مع ذلك تستحق أن تتم دراستها في فرع أو تخصص فلسفي ”علم” يهتم بدراسة الطرائق التي نرتبط بها بالواقع بواسطة الحواس على غرار ارتباطنا به منطقيا من خلال العقل.

 ″هذه هي طريقة بومغارتن، عندما اعتبر أن الملكة الجمالية تنتسب إلى نظام المعارف، وهي ملكة متدنية من المعارف،.....وهو ما أطلق عليه هذا التعريف: ≤ملكة منطقية متدنية من الإدراك المعرفي≥. إنها فلسفة الجمالات والحوريات، ولا تقوى على منافسة العقل، غير أنها توفر معرفة مماثلة لمعرفة العقل. إنها علم المعارف والتمثيل الحسيين، ما يتعين من الآن وصاعدا تحت تسمية :الجمالية.″[6]

عادت أفكار النسبة والتناسب والتوازن والاعتدال إلى الظهور مرة أخرى خلال عصر النهضة الأوروبية، ثم كانت الرومانتيكية بعد ذلك بنزلة رد الفعل الحساس المضاد تجاه هذا الاعتماد الصارم على العقل ومن ثم انطلقت قوى الخيال والعاطفة من قيودها. فقد ظهر العديد من الفلاسفة الذين حاولوا مواجهة الاتجاهات التي تتأسس على العقل وحده في تفسير وفهم الفن والجمال، فقد حاول إيمانويل كانط أن يبلور نموذجا نقديا متميزا من خلال دراسة وتحليل النماذج السابقة، ″وقد تمثلت الخطوة العظيمة لكانط مقارنة بالسابقين عليه أو المعاصرين له في أنه ذهب إلى ما وراء التحليل الإمبيريقي للإحساس الجمالي متجها نحو التحديد الخاص لعلم الجمال باعتباره مجالا خاصا للخبرة الإنسانية يماثل في أهميته وتكامله المجالين الخاصين بالعقل النظري والعقل العملي (أي المجال  المعرفي والمجال الأخلاقي)″.[7] وبالتالي التأكيد على أن التجربة الحسية هي منطلق أي معرفة إنسانية، أي اتصال حواسنا بالأشياء التي لن نعرف منها إلا ظاهرها. وهو يؤكد بذلك على أن التجربة الحسية وحدها غير كافية، لأن الإحساسات التي نتحصل عليها من التجربة لا يكون لها معنى إلا من خلال قدرات قبلية في العقل، هي أولا الحدوس الحسية القبلية التي تضع الإحساسات القادمة من التجربة في سياق بشري متصور، ثم تنتقل هذه الإحساسات المتصورة في سياق زمني وومكاني إلى الفهم أو العقل الفعال المكون من مقولات الكم والكيف والعلاقة والجهة التي تعطينا القدرة على صياغة الأحكام.

″طرح كانط أسئلة جوهرية حول طبيعة الفن. وأنكر أن الفن يقع ضمن مفاهيم الضرورة أو الحرية، وأنكر كذلك أن الفن هو شكل من أشكال الفهم العقلي أو السلوك الأخلاقي.″[8] وبالتالي إضافة حجة قوية على تفرد الفن واستقلاليته، من خلال نفيه أن الحكم الجمالي والذوق الجمالي من الأمور المتسمة بالموضوعية. ورغم إقراره بأن الأحكام على الجمال أحكام ذاتية، فإنها  في رأيه أيضا أحكام عامة يشارك فيها كل فرد يمتلك ذوقا جيدا.  ولذلك اقترح كانط فيما يتعلق بالجمال ميدانا للذوق لا تتحكم فيه المفاهيم العقلية. اقترح كانط وقدم أيضا نظرية حول»الجليل «حيث يتجلى»اللانهائي «الذي يتجاوز المفاهيم العقلية المحددة في الفن، ومن خلال»العبقرية «تلك القدرة على الإنتاج بمعزل عن القواعد والقوانين.[9] تركت هذه الأفكار حول العبقرية في المدرسة الرومانتيكية في الفن والأدب، وكانت آراؤه حول »الجليل «مهمة بالنسبة ل ”هيجل‟، و”فريدريك نيتشه‟ الذي ”بدا له الفن مثل زينة الوجود ‹الرخيصة›، مثل زخرفة بسيطة مرشحة لجلب شيء من الفتنة في حياة مستبعدة من قبل ما هو وظيفي‟[10]،  كما أنها أثرت بشكل عام في عدد من الكتابات التالية له في أوروبا بشكل العام.

غير أن أفكار ”إمانويل كانط‟ لقيت معارضة شديدة من طرف الاتجاه الرومانسي مع هيغل الذي رأى أن تصور كانط (الشيئ لذاته والشيئ في ذاته) ميكانيكيا وآليا مما أفقده المعنى والدلالة.

وفيما يتعلق بمصطلح الإستطيقا  Aesthetic ويعني علم الجمال، فقد تتبعه ”عز الدين إسماعيل‟ في كتابه "الأسس الجمالية في النقد العربي"، فقال إن معناها في البداية كان علم المدركات الحسية، ثم تطور إلى علم المعرفة الحسية، ثم إلى علم المعرفة الحسية الغامضة، وأخيراً إلى علم الجميل أو علم الجمال.[11] ولم يستقر أمر علم الجمال وتعريفه بعد لأن أمر الجمال نفسه لم يستقر، فكل فيلسوف ومفكر وناقد له نظرته للجمال ينطلق فيها من بيئته وخلفيته العلمية والثقافية والعقدية وما إلى ذلك. ونظريات الجمال لا تزال غامضة يصعب تحديدها، فالقانون الأوحد للجمال أنه ليس للجمال قانون. وذلك لأن الجمال من القيم المطلقة التي لا يمكن تحديدها أو حصرها، ولهذا يأتي تعريف كل ناقد أو فيلسوف مختلفا عن تعريفات الآخرين، لأن كل واحد منهم ينظر إلى الجمال من زاوية لا يراه منها الآخرون، وبالتالي يعبر كل واحد منهم على قدر ما يتجلى له الجمال في الأشياء، غير أن هذا لا يمنع من أن نتطرق لبعض التعاريف ونحاول صياغة تعريف يمكن أن يشتمل على بعض محددات الجمال.

 لذلك، الإجاب عن السؤال: ما الجمالية؟ صعبة ومعقدة لتداخل التعارف وتعددها وتشعبها. وعلم الجمال الحديث، كما نعرفه اليوم، فيمكن أن نتتبعه بدءا من القرن الثامن عشر عندما ابتكرت هذه الكلمة لأول مرة من خلال الفيلسوف جوتليب بومجارتن. ومن حيث فقه اللغة فإن الجماليات كانت تعني دراسة الإدراك الحسي،  لكن ولع بومجارتن بالشعر خاصة والفنون عامة جعله يعيد تعريف حدود هذا الموضوع على أنه «نظرية الفنون العملية أو علم المعرفة الحسية [12]« وقد سار على هذا الدرب لأنه كان يعتقد أن اكتمال الوعي الحسي يمكن أن يوجد في أنقى حالاته خلال الإدراك الفائق للجمال.

كانت أجنحة من يدركون الجمال تتحرك ذهابا وإيابا بين الأرض والسماء، بين  الجمال  المادي والجمال المعنوي، كما أصبحت كلمة «الجمال « لدى البعض أيضا غير ضرورية، لكن هذه الكلمة ظلت تستخدم، كما ظلت أنواع خاصة من المشاعر مرتبطة بها، نشعر بها عندما تقال هذه الكلمة أو عندما نسمعها أو نقرأها، كما أنها تظل معنا عندما نقرأ أو نشاهد عملا فنيا. إن الجمال يرتبط لدى الكثيرين المشاعر الحسية المتميزة التي يستثيرها بداخلنا الموضوع الجميل.

إن الإحساس الجمالي كما يستشعره المشاهدون هو إحساس سار أو ممتع، وقد يكون بصريا في الأساس أو سمعيا، ثم يمتد ليشمل جسد الفرد كله. والجمال ليس متعلقا بالشكل المنفصل أو المنعزل عن مضمونه، لكنه يتعلق بالتركيب الخاص للمستويات المتنوعة من المعنى والتأثير الشامل والإحساس الشامل بالحياة في تألقها وتدفقها الدائم. كما أن الجمال يمكن إدراكه وتذوقه في مجالات وأشكال وموضوعات مختلفة ومتنوعة، فهو عابر للتخصصات والفضاءات والمظاهر، يستقر حيث يوجد مواصفاته وأنواعه ومميزاته. «إن الجمالية وفق معناها الحالي، وأيا كانت الخصوصية أو التنوع المميزين لها منذ بومغارتن، لا يمكن أن تختصر بأي من العلوم المحددة التي لجأت إليها أحيانا، مثل علم النفس، وعلم التحليل النفسي، وعلم الاجتماع، والإناسة، والسيميولوجيا أو اللسانية»[13].

 

الصديق الصادقي العماري

باحث في المسرح وفنون الفرجة

......................................

بيبليوغرافيا

- مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ترجمة د. شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، ط1، 2009م

- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي (دراسة في سيكولوجية التذوق الفني)، عالم المعرفة العدد 267، مارس 2001م

- محسن محمد عطيه، الفن والجمال في عصر النهضة، عالم الكتب-القاهرة، 2002م،

- إسماعيل، عز الدين. الأسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، دار الفكر العربي-القاهرة، ط3، 1974م،

 ......................

هوامش

[1] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ترجمة د. شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، ط1، 2009م، 21.

[2] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 44.

[3]  شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي (دراسة في سيكولوجية التذوق الفني)، عالم المعرفة العدد 267، مارس 2001م، ص8.

[4] محسن محمد عطيه، الفن والجمال في عصر النهضة، عالم الكتب-القاهرة، 2002م، ص 14.

[5] شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي ، مرجع سابق، ص 8.

[6] مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 30.

[7] شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق، ص 93.

[8] شاكر عبد الحميد، المرجع نفسه، ص 94.

[9]  شاكر عبد الحميد، المرجع نفسه، ص95.

[10]مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص21.

[11] إسماعيل، عز الدين. الأسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، دار الفكر العربي-القاهرة، ط3، 1974م، ص14.

[12]شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق، ص15.

[13]  مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، مرجع سابق، ص 32.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4056 المصادف: 2017-03-29 00:28:51